← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

(وَإِلَى المُكَاتَبِ (١) أي: ويصح التقدُّم إلى المكاتب (٢)، وهو معطوف على قوله: (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ (٣). [التالف بالسقوط إن كان مالا] (ثُمَّ التَّالِفُ بِالسُّقُوطِ إِنْ كَانَ مَالاً فَهُوَ فِي عُنُقِ العَبْدِ (٤) حتَّى يباع العبد فيه كما يباع في ديون تجارية وكان القياس أن يكون ذلك على المولى كضمان النَّفس. ولكنَّا استحسَنَّا الفرق بينهما فقلنا العبد في ضمان الزام (٥) المال كالحر فإنه منفك الحجر عنه في اكتساب سبب ذلك وفي التزام (٦) ضمان الجناية على النَّفس هو كالمحجور عليه؛ لأنَّ فك الحجر بالإذن لم يتناول ذلك مكان الضَّمان على عاقلة المولى كذا في «المبسوط» (٧). [التالف بالسقوط إن كان نفسا] (وَإِنْ كَانَ نَفْساً فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ المَوْلَى (٨). فإن قلت: هذا الذي ذكره فيما إذا لم يكن على العبد دين فظاهر؛ لأنَّ الحائط المائل ملك المولى فيجعل الإشهاد على العبد بمنزلة الإشهاد على المولى، باعتبار أن الحائط المائل ملك المولى. وأمَّا إذا كان على العبد دين فالمولى لا يملك إكتساب العبد عند أبي حنيفة ﵀ لما عرف فكيف يجعل الإشهاد على العبد إشهادًا على المولى حتَّى وجب ضمان النَّفس على عاقلة المولى. قلت: نعم كذلك إلا أنَّ المولى أحق باستخلاصه لنفسه فيجعل في حكم الجناية كان للولي (٩) هو المالك. ألا ترى أنَّه إذا وجد القتيل في دار العبد كانت الدية والقسامة على عاقلة المولى سواء كان عليه دين أو لم يكن على ما اختاره الطَّحاوي ﵀ بالإجماع (١٠). فكذلك هنا كان ضمان الدية على عاقلة المولى إلى هذا أشار في «المبسوط» (١١).

стр. 5042

[صحة التقدم إلى أحد الورثة] (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى أَحَدِ الوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ (١) يعني: لو كان الحائط موروثاً بين ورثة فتقدم إلى واحد منهم كان التقدم إليه في نصيبه يصح حتى لو هلك بسقوطه شيء يضمن [ذلك] (٢) الواحد بقدر نصيبه فيه وهذا الذي ذكره جواب الاستحسان. وأمَّا جواب القياس: فهو أن [لا] (٣) يضمن واحد من الورثة، أمَّا الذي تقدم إليه فلعدم تمكنه من النقض، ولم يفد التقدم فائدته في حقِّه، فإنَّ واحدًا منهم كما لا يتمكَّن من بنائه لا يتمكن من نقضه [أيضا] (٤). وأمَّا غيره من الورثة الباقين: فلعدم التقدم إليهم فلم يكن واحد منهم متعديًّا في ترك التفريغ. وأمَّا جواب الاستحسان: فإنَّه يضمن هذا الشيء أشهد عليه بحصته فيما أصابه؛ لأنَّه كان متمكنًا من أن يطلب شركاءه ليجتمعوا على هدمه، وهذا لأنَّ الإشهاد على جماعتهم يتعذر عادة فلو لم يصح الإشهاد على بعضهم (٥) في نصيبه أدَّى إلى الضَّرر، والضَّرر مدفوع كذا في «المبسوط» (٦). (وَلَو سَقَطَ الحَائِطُ [المَائِلِ] (٧) عَلَى إِنْسَانٍ بَعْدَ الإِشْهَادِ فَقَتَلَهُ فَتَعَثَّرَ بِالقَتِيلِ غَيْرُهُ لا يَضْمَنُهُ (٨) أي: لا يضمن صاحب الحائط القتيلَ الثاني؛ (لأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ) أي: تفريغ الطَّريق عن الميت لرفعه (إِلَى الأَولِيَاءِ (٩) أي: مفوَّض إلى أولياء القتيل؛ لأنَّهم هم الذين يتولون دفن ميتهم. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين إشراع الجناح والمسألة كالحق (١٠) أعني: أنَّ صاحب الدَّار إذا أخرج الجناح إلى الطَّريق فوقع الجناح على الطَّريق فعثر إنسان بنقضه ومات، أو وقع على إنسان ومات ثم تعثَّر رجل بالقتيل ومات أيضاً فدية (١١) القتيلين جميعًا على صاحب الجناح وههنا دية القتيل الثاني ليست على صاحب الحائط المائل وإن كان الهلاك بعد الإشهاد (١٢). قلت: الفرق بينهما هو أنَّ إشراع الجناح نفسه (١٣) جناية؛ لأنَّه يشغل به هواء طريق المسلمين ولو شغل شيئاً من طريق المسلمين بشيء وَضَعه فيه كان جانياً بنفس الوضع وهنا كذلك، وإذا كان نفس إشراع الجناح جناية فنقول: الإشراع فعله فصار كأنَّه ألقاه بيده عليه فصار حصول القتيل في الطَّريق مضافاً إلى فعله كحصول نقض الجناح في الطَّريق ومن ألقى شيئاً في الطَّريق كان ضامنًا لما عطب به، وإن لم يملك تفريغَ الطَّريق عنه (١٤) فههنا كذلك.

стр. 5043

بخلاف مسألة الحائط؛ لأنَّ نفس البناء ليست بجناية وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به ضامنا (١) لكن جعل كالفاعل بترك النقض في الطَّريق مع القدرة على التفريغ والترك مع القدرة وجد في حق النقض لا في حق القتيل (٢) فكذلك (٣) جعل فاعلاً في حق القتيل الأوَّل لا في حق القتيل الثاني ولم يوجد منه في حق القتيل الثَّاني فعل أصلاً لا تحقيقاً ولا تقديراً فلم يصر جَانِياً في حقِّه فلا يجب ضمانه. وكذا هذا الفرق ثابت بين من هلك بنقض الحائط المائل وبين من هلك بتعثُّر من هلك بنقض الحائط المائل أو بالحائط المائل بعد الإشهاد، فإن ضمان القتيل الثاني ليس على صاحب الحائط المائل بخلاف [ضمان] (٤) القتيل الأوَّل فإنَّه على صاحب الحائط المائل إذا كان بعد الإشهاد وذلك لأنَّ الإشهاد على الحائط إشهاد على نقضه فكان هو مُطالَباً لتفريغ عرصة (٥) الطريق عن النقض وهو قادر على التَّفريغ؛ لأن النقض ملكه فإذا لم يفرِّغ مع تمكنه صار بمنزلة الواضع مع اختياره فكان مؤاخذاً به، أمَّا الإشهاد على الحائط ليس بإشهاد على القتيل؛ لأنَّ رفع القتيل ليس على صاحب الدَّار أي (٦) ذلك على أولياء القتيل فلا يكون صاحب الحائط مطالباً بتفريغ عرصة الطَّريق عن القتيل فلا يكون الإشهاد على الحائط إشهاداً على القتيل فصار في حق القتيل كأنَّ الإشهاد لم يوجد أصلاً كذا في «الذَّخيرة» (٧). [إذا عطب بسبب سقوط الجرة عليه من فوق الحائط] (وَلَو عَطِبَ بِجَرَّةٍ كَانَتْ عَلَى الحَائِطِ (٨) إلى آخره. وإذا وضع الرجل على حائطه شيئاً فوقع ذلك الشَّيء فأصاب إنسانًا فلا ضمان عليه [فيه] (٩)؛ لأنَّه وضعه على ملكه وهو لا يكون متعدِّياً فيما يحدثه في ملكه سواء كان الحائط مائلاً أو غير مائل؛ لأنَّه في الموضعين لا يكون ممنوعًا من (١٠) وضع متاعه على ملكه كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 5044

ولكن في رواية «المبسوط» ذَكَرَ سقوط الجرة (١) وحدها. وفي رواية الكتاب: ذكر سقوط الحائط مع سقوط الجرة (٢). (وَإِنْ كَانَ) أي: وإن كانت الجرة، فذكرها على تأويل الشيء كما هو رواية «المبسوط». (فَعَلَيْهِ) أي: فعلى كل واحد من حافر البئر وباني الحائط (٣). (وَقَالَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الفَصْلَيْنِ (٤) أي: في فصل (٥) الحائط المائل المشترك بين خمسة، وفي فصل دار بين ثلاثة (٦). (لَهُمَا (٧) (٨) في المسألة: أنَّ صحة الإشهاد باعتبار تمكنه من الهدم وهو باعتبار ملكه متمكِّن من الهدم وباعتبار ملك شريكه غير متمكن من الهدم فاجتمع في حقِّه معنيان: أحدهما: موجب للضَّمان، والآخر: مانع من وجوب الضَّمان عليه، فيلزمه (٩) نصف الضَّمان، لأنَّ الهدر يجعل جنساً، والمعتبر جنساً، كمن جرحه [رجل] (١٠) ونهشته (١١) حيَّة. وهذا لأن حكم نصيب الشركاء في حقه [فلا ينظر إلى تعدُّد] (١٢) الشركاء ولا فرق بين أن يكون شريكه في الحائط واحدًا أو جماعة. وكذلك في المسألة الثَّانية يقولان: عليه نصف الدية؛ لأنَّه باعتبار ملكه غير متعدٍّ فيما أحدث وباعتبار ملك شريكه متعدٍّ في حقِّه وصفة التعدِّي في حقِّه لا تختلف بقلَّة شركائه وكثرتهم فيلزمه نصف الضَّمان باعتبار معنى التعدِّي من وجه دون وجه. وأبو حنيفة ﵀ يقول في المسألة الأولى: أنَّ وجوب الضَّمان عليه باعتبار أنَّ التلف حصل بثقل الحائط وهو علة واحدة لا ثقل بعضه؛ لأنَّ وقوع الجزء اليسير ليس بمهلك. ولو كان أجنبياً في الكل لا يصح الإشهاد عليه ولو كان مالكاً للكلِّ صح الإشهاد عليه فيصح بقدر ما ملك اعتبارًا للبعض بالكلِّ، وهذا لأنَّه لما كان الحائط بين خمسة أي (١٣) وجد من كلِّ واحد منهم من النقل بقدر ملكه فيتوزع الضَّمان على ذلك.

стр. 5045

ألا ترى أنَّه لو أشهد عليهم جميعًا ثم سقط على إنسان على كلِّ واحد منهم خمس الدية فيترك الإشهاد في حقِّ الباقين لا يزداد الواجب في حق من أشهد عليه. وقيل جواب أبي حنيفة ﵀: فيما إذا مات القتيل بثقل الحائط، وأبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: لا يخالفانه في ذلك، وجوابهما فيما إذا مات بسبب الجرح بأن جرحه الحائط وأبو حنيفة ﵀ يوافقهما في ذلك وأبو حنيفة ﵀ يقول في المسألة الثانية: الجزء معتبر بالكلِّ ولو كان جميع الموضع الذي أحدث فيه مملوكاً لغيره يضمن جميع ما يتلف بسببه فإذا كان قدر الثلثين مملوكاً لغيره يضمن الثلثين اعتباراً للبعض بالكلِّ، وهذا لأنَّ صفة التعدِّي إنَّما تنعدم في الثلث فيما أحدثه باعتبار ملكه ويتمكَّن في الثلثين باعتبار ملك غيره (١) التعدي ووجوب الضَّمان بسبب التعدِّي (٢) كذا في «الجامع الصَّغير» لشمس الأئمة وغيره (٣). وقوله: (وَهُوَ الثِّقَلُ المُقَدَّرُ) أي: في الحائط (والعُمقُ المُقَدَّرُ (٤) أي: في البئر. (لأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ) أي: القليل من الثقل والعمق (لَيْسَ بِعِلَّةٍ) للتَّلف. (بِخِلافِ الجِراحَاتِ فَإِنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ عِلْةٌ التَّلَفِ بِنَفْسِهَا صَغُرَتْ أَو كَبُرَتْ) (إِلَّا عِنْدَ المُزَاحَمَةِ أُضِيْفَ إِلَى الكُلِّ (٥) فلمَّا أُضيف التَّلف إلى الكلِّ فبعض الجراحات معتبر في إضافة الضَّمان إليه، وبعضها غير معتبر، فجعل الذي هو غير معتبر شيئاً واحداً وإن تَعَدَّد جراحة، فلذلك صار الضَّمان نصفين فاعتبر أحد النِّصفين وأهدر الآخر، وهذا لأنَّه إذا لم يصلح البعض لإضافة الحكم إليه وصلح لقطع النسبة عن المزاحم ظهرت المزاحمة في قطع النسبة إن لم تظهر في حق استحقاق الحكم والله أعلم [بالصواب] (٦) (٧). * * *

стр. 5046

بَابُ جِنَايَةِ البَهِيْمَةِ وَالجِنَايَةِ عَلَيْهَا [مناسبة ذكر الباب لما قبله] لما فرغ من بيان أحكام جناية الإنسان والجناية عليه مباشرة وتسبيباً، شرع في بيان أحكام جناية البهيمة والجناية عليها، ولاشكَّ لأحد في تقدُّم الإنسان على البهيمة مرتبة فكذا ذكراً. [ضمان الراكب لما وطئت الدابة] (الرَّاكِبُ ضَامِنٌ؛ لِمَا أَوْطَأَت الدَّابَّةُ (١) والصَّحيح: وَطئت (٢) الدَّابة (٣)؛ لأنك تقول: أوطأت فلانًا الدَّابة فوطئته (٤) أي: ألقيتها (٥) لها حتى وضعت عليه رجلها (٦). الكدم: العض بمقدم الأسنان كما يكدم الحمار (٧). والخبط: الضرب باليد (٨). والصدم: هو أن تضرب الشيء بجسدك، ومنه الكلب إذا قتل الصَّيد صدماً لا يؤكل. واصطدم الفارسان: إذا ضرب أحدهما الآخر بنفسه (٩). يقال: (نَفَحَت (١٠) (١١) الدَّابة الشيء، إذا ضربته بحد حافرها، كذا في «الصِّحاح» و «المُغرب» (١٢). واعلم أنَّ جناية الدَّابة لا تخلو من ثلاثة أوجه: إمَّا أن تكون في ملك صاحب الدَّابة، أو في ملك غيره، أو في طريق المسلمين، فإن كان في ملك صاحب الدَّابة ولم يكن صاحب الدَّابة معها فإنَّه لا يضمن صاحبها واقفة كانت الدَّابة أو سائرة [وطئت] (١٣) بيدها (١٤) أو برجلها أو نفحت أو كدمت. وإن كان صاحبها معها إن كان قائدا لها أو سائق (١٥) لها فكذا لا يضمن صاحبها في الوجوه كلها سواء أتلفت نفساً أو مالاً.

стр. 5047

وكذلك إن كان الملك له ولغيره؛ لأنَّ لكلِّ واحد من الشَّريكين أن يوقف دابته في الملك المشترك ويستوي أن يكون نصيبه فيها أقل أو أكثر؛ لأنَّ صاحب الدَّابة فيما جنت الدَّابة [فهي] (١) في هذه الوجوه مسبب وليس بمباشر؛ لأنَّه لم يتصل فعله وثقله بالمتلف حتَّى يكون مباشراً، وإنَّما اتَّصل به أثر فعله بواسطة فعل مختار وهو الدَّابة، وهذا هو حد التَّسبيب (٢) إلا أنَّ المسبِّبَ إنَّما يضمن إذا كان متعدياً ولا يضمن إذا كان غير متعد، وصاحب الدَّابة في إيقاف الدَّابة وتسييرها في ملكه ليس بمتعدٍّ فلا يضمن. وإن كان صاحب الدَّابة راكباً على الدَّابة والدَّابة تسير إن وطئت (٣) بيدها أو رجلها [يضمن] (٤) وإن كدمت أو نفحت بيدها أو رجلها أو ضربت بذنبها فلا ضمان؛ لأنَّ في الوجه الأوَّل صاحب الدَّابة مباشر للإتلاف؛ لأنَّ ثِقَله وثِقَل (٥) الدَّابة اتصل بالمتلف فكأنهما وطئاه جميعًا، ولهذا يجب على الرَّاكب الكفَّارة إذا وطئت الدَّابة بيدها أو رجلها ويحرم عن الميراث والمباشر ضامن سواء كان متعدِّياً أو لم يكن. أمَّا إذا لم يكن صاحب الدَّابة راكباً عليها بل كان سائقاً أو قائدًا [لها] (٦) فصاحب الدَّابة مسبِّب؛ لأنَّه لم يتَّصل ثقله بالمتلف والمسبب إنما يضمن إذا كان متعدياً وهو ليس بمتعدٍّ بتسيير الدَّابة في ملكه. [جناية الدابة في ملك غير صاحبها] وأمَّا إذا كانت جناية الدَّابة في ملك غير صاحب الدَّابة فهذا على وجهين: إمَّا إن دخلت في ملك الغير بغير إذن المالك من غير إدخال صاحبها بأن كانت منفلتة وفي هذا الوجه لا ضمان على صاحبها. وأمّا إذا دخلت بإدخال صاحبها وفي هذا الوجه صاحب الدَّابة ضامن في الوجوه كلها سواء كانت واقفة أو سائرة وسواء كان صاحبها معها يسوقها أو يقودها أو كان راكباً عليها أو لم يكن معها؛ لأنَّ صاحب الدَّابة في بعضها مباشر وفي بعضها مسبب متعدٍّ إذ ليس له إيقاف الدَّابة وتسييرها في ملك الغير بغير إذن المالك. وأمَّا إذا كانت جناية الدَّابة في طريق المسلمين أوقفها صاحبها فصاحب الدَّابة ضامن لما تلف بفعل الدَّابة في الوجوه كلها؛ لأنَّ بإيقاف الدَّابة على الطَّريق صار سبباً (٧) للتَّلف وهو متعدٍّ في هذا التَّسبيب إذ ليس له [شغل] (٨) طريق المسلمين بإيقاف الدَّابة فيه؛ لأنَّ الطَّريق للسُّلوك والسير لا للإيقاف.

стр. 5048

وإن كانت سائرة ولم يكن صاحبها معها بأن (١) سارت بإرسال صاحبها وصاحبها ضامن مادام السير في وجهها ذلك لم تسر يمينًا ولا شمالاً؛ لأنَّ إرسال الدَّابة في طريق المسلمين بلا حافظ يحفظها سبب الإتلاف وهو متعدٍّ في هذا التَّسبيب. وإن سارت لا بتسيير صاحبها بأن كانت منفلتة فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلها وإن كان صاحبها معها وهي تسير. [وإن كان صاحبها] (٢) راكباً عليها فما وطئت بيدها أو (٣) رجلها فصاحبها مباشر للتلف وفيما كدمت بفمها فصاحبها مسبِّب؛ لأنَّه يمكن حفظ الدَّابة عنه؛ لأنَّ الكدم يكون بين عينيه فيمكنه إبعاد الدَّابة عن المتلف إلى آخره كذا في «الذَّخيرة» و «الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي ﵀ (٤). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: ففيما إذا كانت الدَّابة في طريق العامة لو كانت الدَّابة سائرة وصاحبها معها قائدًا أو سائقاً أو راكباً يكون ضامناً جميع ما جنت إلا النفحة بالرجل أو الذنب (٥). (٦) قلت: وبهذا كله يعلم أن ما ذكره في الكتاب مطلقاً بقوله: (الرَّاكِبُ ضَامِنٌ) إلى أن قال: (أَوْ كَدَمَتْ أَو خَبَطَتْ، وَكَذَا إِذَا صَدَمَتْ (٧) محمول على ما إذا لم يكن الرَّاكب في ملكه؛ لأنَّ هذا الجواب إن استقام في قوله: (مَا أَصَابَت بِيَدِهَا أَو بِرِجْلِهَا (٨) لا يستقيم في قوله: (أَوْ كَدَمَتْ أَو خَبَطَتْ أَوْ صَدَمَتْ) فيما إذا كان في ملكه فإنَّه لا يضمن في هذه الأشياء إذا كان الراكب مع دابته في ملكه على ما ذكرنا من رواية «الذَّخيرة» والمحبوبي (٩). (وَلا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَو ذَنَبِهَا (١٠) أي: ضربت وهذا الذي ذكره وهو أنَّ الرَّاكب لا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها مذهبنا (١١).

стр. 5049

وقال ابن أبي ليلى ﵀: هو ضامن لجميع ذلك، وقاس الذي يسير على الدَّابة بالذي وقف دابَّته في الطَّريق فنفحت برجلها أو بذنبها فكما أنَّ هناك يجب ضمان الدية على عاقلته فكذلك ههنا (١). ولكنَّا نقول في الفرق بينهما: هو ممنوع من إيقاف الدَّابة على الطَّريق؛ لأنَّ ذلك يضر (٢) بالمارة؛ ولأنَّ الطَّريق ما أعد لإيقاف الدَّابة فيها فيكون هو في شغل الطَّريق متعدياً والمتعدي في التَّسبيب يكون ضامناً، ولهذا يستوي فيه بين ما يمكن التحرُّز وبين ما لا يمكن وهذا لأنَّه إن كان لا يمكنه التحرُّز عن النفحة بالرجل والذَّنب فقد يمكنه التحرُّز عن إيقاف الدَّابة بخلاف الأوَّل فإن السير على الدَّابة مباح له لأنَّ الطَّريق معد لذلك كذا في «المبسوط» (٣). وقوله: (لأَنَّهُ يُتَصَرَّفُ (٤) فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكاً بَيْنَ النَّاسِ (٥) إلى آخره جواب لسؤال ذكر ههنا فذكر ذلك السؤال والجواب في «الذَّخيرة» و «الجامع الصَّغير» للمحبوبي (٦). وذكر المحبوبي بعدما ذكر أنَّ الدَّابة لو كانت في طريق المسلمين وكان صاحب الدَّابة قائدًا لها أو راكباً يضمن ما أتلفت الدَّابة بالوطئ باليد والرجل أو الكدم؛ لأنَّه إذا وطئت فهو مباشر وإذا كدمت فهو مسبب لكنَّه متعدٍّ في هذا التَّسبيب على ما ذكرنا. فقال: فإن قيل: هو غير متعد في هذا التَّسبيب فإنَّ له أن يمر في طريق المسلمين كما في ملكه، ولو مر عليها في ملكه فأتلفت شيئاً بهذه الوجوه لم يضمن شيئاً فيجب أن لا يضمن ههنا أيضاً. قلت (٧): الطَّريق يشبه ملكه من حيث إنَّ المرور مباح له فيه ويشبه ملك الغير من حيث إنَّه ليس له في طريق المسلمين ملك يطلق له التَّصرف فوفرنا على الشبهين حظهما فيما كان مسبباً للإتلاف، فقلنا: إذا كان شيئاً يمكنه حفظ الدَّابة والتحرز عنه يعتبر فيه متعدياً وذلك كالكدم والوطء باليد والرجل في حق القائد والرَّاكب؛ لأنَّ ذلك لا يكون بين عينيه فجعل في هذه الأشياء طريق المسلمين ملحقاً بملك الغير.

стр. 5050

وقلنا: إذا كان شيئاً لا يمكن حفظ الدَّابة والتحرُّز عنه لا يعتبر فيه متعدِّياً، وذلك كالنفحة بالرجل والضَّرب بالذَّنب لأنَّ كل ذلك يكون وراء الرَّاكب والقائد وجعل في حق النفحة والضرب بالذنب في حق الرَّاكب والقائد طريق المسلمين ملحقاً بملكه. وأمَّا السَّائق هل يضمن؟ اختلف المشائخ [فيه] (١) ولا يتقيد فيما لا يمكن الاحتراز عنه لما فيه من المنع من التصرف، يعني: أنَّا لو شرطنا عليه السلامة فيما لا يمكن التحرز عنه تعذر عليه استيفاء حقه؛ لأنَّه يمتنع من المشي والسير على الدَّابة مخافة أن يبتلى بما لا يمكن التحرز عنه. فأمَّا ما يُستطاع الامتناع (٢) [عنه] (٣) لو شرط [عليه] (٤) صفة السَّلامة من ذلك لا يمتنع عليه استيفاء حقه وإنَّما يلزمه به نوع احتياط في الاستيفاء كذا في «المبسوط» (٥). (واَلنَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ وَالذَّنَبِ لَيْسَ يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ السَّيْرِ عَلَى الدَّابَةِ (٦)؛ لأنَّ وجه الراكب أمام الدَّابة لا خلفها. (وَإِنْ أَوْقَفَهَا (٧) كان حقه أن يقال: وإن وقفها، لأنَّ قولك: وقف وقفاً متعد ووقف وقوفاً لازم. وفي «المُغرب» ولا يقال: أوقفه إلا في لغة رديَّة (٨). والمردَف (٩) (فِيْمَا ذَكَرْنَا كَالرَّاكِبِ) أي: في موجب الجناية؛ (لأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ (١٠) وهو معنى المباشرة، وتصرف الدَّابة في التسيير على ما أراد (١١). (١٢) [ضمان الراكب والرديف والسائق والقائد سواء] وفي «المبسوط» والرَّاكب والرديف والسائق والقائد في الضَّمان سواء؛ لأنَّ الدَّابة في أيديهم وهم يسيرونها (١٣) ويصرفونها كيف شاؤوا وذلك مروي عن شريح إلا أنَّه لا كفارة على السائق والقائد فيما أوطأت؛ لأنهما مسببان للقتل والكفَّارة جزاء مباشرة القتل، وأمَّا الرَّاكب والرديف فمباشران للقتل بثقلهما (١٤) فعليهما الكفارة كالنائم إذا انقلب على إنسان فقتله (١٥).

стр. 5051

(لأَنَّهُ) أي: لأنَّ الإيقاف. (ثُمَّ هُوَ) أي: الإيقاف (أَكْثَرُ ضَرَراً بِالمَارَّةِ) أي: (مِن السَّيْرِ؛ لِمَا أَنَّهُ) [أي] (١): أنَّ الإيقاف (أَدْوَمُ مِنْهُ) أي: من السير، (فَلَا يَلْحَقُ بِهِ (٢) أي: فلا يلحق الإيقاف بالسير في عدم وجوب الضَّمان بل لا يجب الضَّمان فيما تلف بالبول أو الرَّوث الذي وجد من الدَّابة في حالة السير ويجب الضَّمان فيما تلف بالبول أو الرَّوث الذي وجد منها في حال الإيقاف لما ذكر من وجه الفرق بينهما من دوام الإيقاف وعدم دوام السَّير والضَّرر إنَّما ينشأ من دوام الفعل في الطريق فكان الضَّرر في الإيقاف لا في السير (٣). (وَالمُرَادُ النَّفْحَةُ (٤) أي: من قوله: (لِمَا أَصَابَ (٥) بِيَدِهَا أَو رِجْلِهَا) وإنَّما قيد التَّفسير بهذا؛ لأنَّه كان يجوز أن يراد بقوله: (لِمَا أَصَابَ بِيَدِهَا أَو رِجْلِهَا (٦) الوطء. وقد ذَكَرْتُ من رواية الإمام التمرتاشي: أنَّه يضمن فيه السَّائق والقائد من غير خلاف أحد، وإنَّما الاختلاف في النفحة، ولو لم يُفسر بهذا لكان لمؤوِّل أن يُؤوِّل ذلك بالوطء ويثبت الاختلاف [فيه] (٧) وليست الرواية كذلك (٨). (وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ (٩) أي: مشايخ العراق. فيمكنه الاحتراز عنه بإبعاد الدَّابة عن المتلف أو إبعاد المتلف عن الدَّابة. (وقَالَ أَكْثَرُهُم (١٠) وهم مشائخنا كذا في «الذَّخيرة» (١١). (وَقَولُهُ ﵇ معطوف على قوله: ما في (مَا ذَكَرْنَاهُ (١٢) أي: (وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ قَولُهُ ﵇: «جُبَارٌ (١٣) (١٤) أي: هدر. (١٥)

стр. 5052

(وانْتِقَالُ الفِعْلِ بِتَخْوِيفِ القَتْلِ) هذا جواب عن قول (الشَّافِعِيِّ ﵀) (١) هو قوله: (لأَنَّ فِعْلَهَا مُضَافٌ إِلَيْهِم (٢) (٣) قلنا: الإضافة والانتقال إنَّما تكون في الإكراه الكامل لا في القاصر وهذا قاصر فلا ينتقل إليهم. [الراكب مباشر] (لأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيْهِ (٤) والدَّليل على أنَّه مباشر من حيث حكم الشَّرع أن من سار على دابته في ملكه فأوطأت إنسانًا بيد أو رجل فقتلته فعليه الدية والكفارة؛ لأنَّ الرَّاكب مباشر للقتل فيما أوطأت دابته والمباشرة في ملكه وغير ملكه سواء في إيجاب الضَّمان عليه كالرمي فإنَّ من رمى في ملكه فأصاب إنسانًا كان عليه ضمانه كذا في «المبسوط» (٥). (وَقِيْلَ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا (٦) (٧)؛ لأنَّ محمدًا ﵀ ذكر في الأصل: أنَّ الرَّاكب إذا أمر آخر فنخس الدَّابة فأوطأت إنسانًا كان الضَّمان عليهما، وعلل فقال: لأنَّ الناخس سائق والآخر راكب فقد بين بما ذكر أنَّ الرَّاكب والسَّائق في ضمان ما وطئت الدَّابة يشتركان ولا يختص به الرَّاكب (٨). أمَّا الجواب عن القول الأوَّل: فهو أنَّ المسبِّب مع المباشر إنَّما لا يضمن إذا كان السَّبب شيئا لا يعمل في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، كما في الحفر فإن الحفر بانفراده لا يوجب التلف بحال ما لم يوجد الدفع الذي هو مباشرة وإن كان لو لا الحفر لكان لا يتلف بالدَّفع أيضاً لكن الدفع هو الوصف الآخر فيضاف الحكم إليه (٩). كما قالوا في سفينة مملوءة بالطَّعام: إذا جاء رجل وطرح فيه مَنًّا (١٠) زائدًا فغرقت السَّفينة كان الضَّمان على الذي وضع المنَّ الزَّائد وإن كان لو لا [ما] (١١) تقدم من الأحمال كان لا تغرق السَّفينة بالمنِّ الزَّائد ومع ذلك يضاف الغرق إلى المنِّ الزائد لما ذكرنا (١٢).

стр. 5053

وأمَّا (١) في مسألتنا: فالرَّاكب على الدَّابة بانفراده عامل في إتلاف ما أوطأت الدَّابة من غير أن يكون على الدَّابة راكب، فلما كان كل واحد منهما عاملاً في الإتلاف عند الانفراد، فإذا اجتمعا لم يجز أن يضاف عمل السَّوق في الإتلاف إلى الركوب، [بل] (٢) يكون (٣) التَّلف مضافاً إليهما، فيجب الضَّمان عليهما نصفين إلى هذا أشار في «الذَّخيرة» (٤). ومن هذا الجنس ما قالوا: فيمن ساق دابة عليها وِقر (٥) من الحنطة (٦) فأتلفت (٧) شيئاً في الطَّريق، نفساً أو مالاً على إنسان، فهو على وجوه: أمَّا إن قال السائق أو القائد أو الرَّاكب: إليك [إليك] (٨) (٩) فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين: أمَّا إن لم يبرح من (١٠) مكانه باختياره، أو لم يجد مكاناً آخر ليذهب، فمكث في مكانه ذلك حتى تخرَّق [ثيابه] (١١)، ففي الوجه الأوَّل: لا يضمن صاحب الدَّابة، وفي الوجه الثَّاني: يضمن لأنَّه مضطر في المقام في ذلك الموضع وغير مضطر في الوجه الأوَّل. وإن لم يقل الرَّاكب: إليك إليك أو قال ولم يسمع من على الطَّريق حتى تخرق ثيابه أو فسد شيء من متاعه يضمن راكب (١٢) الدابة لأنَّ التخريق مضاف إلى سَوْقِه (١٣) فكان موجباً للضَّمان كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ (١٤).

стр. 5054

[إذا اصطدم فارسان] اصطدم الفارسان أي: ضرب أحدهما الآخر بنفسه وفي تقييد الفارسين في الكتاب بقوله: (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ (١) ليست زيادة فائدة فإنَّ (٢) الحكم في اصطدام الماشيين وموتهما بذلك كذلك الحكم أيضاً ذكره في «المبسوط» (٣) سِوَى أن موت المصطدمين في الغالب إنما يكون في الفارسين (٤). ثم ما قلناه: جواب الاستحسان، وما قاله: (زُفَرُ وَالشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُمَا الله - (٥) جواب القياس (٦)، وجه الاستحسان هو ما (رُوِيَ عَن عَلِيِّ ﵁ (٧): «أنَّه جعل دية كل واحد من المصطدمين على عاقلة صاحبه». (٨) (كَالمَاشِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالبِئْرِ وَوَقَعَ فِيْهَا: لا يُهْدَرُ شَيْءٌ مِن دَمِهِ (٩). يعني: إذا مات بالوقوع في البئر مع أن البئر في نفسها في قارعة الطَّريق ليست بسبب لموته بل البئر مع المشي إليها سبب للموت، والمعنى فيه أيضاً: هو أنَّ كل واحد منهما مدفوع بصاحبه فكأنَّه أوقعه من الدَّابة بيده، وهذا لأنَّ دفع صاحبه إيَّاه علة معتبرة (١٠) لإتلافه في الحكم فأمَّا قوة المصدوم فلا تصلح أن تكون علة معارضة لدفع الصَّادم فهو بمنزلة من وقع في بئر حفرها رجل في الطَّريق يجب الضَّمان على الحافر، وإن كان لو لا مشيه وثقلة في نفسه لما هَوَى (١١) في البئر وكذلك لو دفع إنسان غيره في بئر حفرها رجل في الطَّريق فالضَّمان على الدافع دون الحافر وإن [كان] (١٢) لولا حفره لذلك الموضع لما تلف بدفعه إلى هذا أشار في «المبسوط» (١٣).

стр. 5055

(فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ (١) (٢) أي: تساقطت بعد التعارض لانعدام الترجيح (فَرَجَّحْنَا بِمَا ذَكَرْنَا (٣) أي: فرجحنا قولنا [بما ذكرنا] (٤) من الدَّليل، أو نقول: ما روي أنَّه أوجب النصف محمول على ما إذا كانا عامدين حيث يجب نصف [دية] (٥) كل واحد منهما في العمد على عاقلة كل واحد منهما عندنا أيضاً على ما ذكر في الكتاب (٦). (٧) (وَفِيمَا ذُكِرَ مِن المَسَائِلِ (٨) الفِعْلَانِ مَحْظُورَانِ (٩) فَوَضَحَ الفَرْقُ (١٠) يعني: لما كان الفعل محظوراً كان موجباً للضَّمان. ولكن لم يظهر في حقِّ نفسه لعدم الفائدة فسقط إيجاب الضَّمان في حقِّ نفسه واعتبر في حق غيره فلذلك وجب على عاقلة كل واحد منهما نصف الدية وأمَّا فيما نحن فيه فالمشي مباح محض فلم ينعقد موجباً للضَّمان في حقِّ نفسه أصلاً فكان صاحبه فإتلافه (١١) من غير معارضة أحد له في قتله فيجب على عاقلة كل واحد منهما كل دية صاحبه، وذلك لأنَّ المباح المحض لا يصلح معارضاً للمحظور في إيجاب الضَّمان وإن كان لا يوجد التَّلف إلا بهما كما لو مات في بئر حفرها غيره في قارعة الطَّريق حيث تجب الدية على الحافر، وإن كان الموت حصل بالمباح والمحظور وهما: المشي، وحفر البئر على قارعة الطَّريق، وإلى هذا المعنى أشار في «الأسرار» (١٢) وقال: والتَّلف بالصَّدمة لا [بالمشي] (١٣)، والمشي (١٤) كان سبباً للصدمة ولكن لم يضف التَّلف إلى السَّبب المباح بل أضيف إلى التعدِّي، كمن مشى حتَّى سقط في بئر ضمن الحافر دون الماشي، والسقوط كان بالأمرين جميعًا، بل بالمشي أكثر حتَّى لو علم بالبئر ومشى كان تعدياً ولم يكن على الحافر شيء ومع ذلك إذا لم يعلم كان مباحاً لم يضف إليه شيء من التَّلف فهذا مثله بخلاف ما إذا جرح نفسه وجرحه (١٥) غيره؛ لأنَّ جرحه غيرَه تعدٍّ وإن كان لا يضمن لنفسه شيئاً (١٦) لأنَّه حرام عليه ذلك إلا بشرط الصَّلاح من جبار أو قصد فإذا عدم الصَّلاح عاد إلى كونه تعدِّياً وإن لم يأثم إذا قصد الصَّلاح كالمخطئ (١٧).

стр. 5056

[إذا تجاذب رجلان حبلا فانقطع] فإن قلت: يشكل على هذا كله: ما إذا تجاذب (١) الرجلان حبلاً بينهما فانقطع الحبل وسقط كل واحد منهما على [قفاه ومات، فلا شيء على واحد منهما، وبمثله في هذه الصُّورة لو وقع كل واحد منهما على] (٢) وجهه ومات يجب دية كل واحد منهما (٣) كاملة على عاقلة الآخر وتجاذُب الحبل منهما لا يخلو: إمَّا إن كان محظوراً أو مباحًا، فلو كان محظوراً كان ينبغي أن يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه، كما في المسائل التي أوردها الخصم، ولو كان مباحاً كان فعل كل واحد منهما مباحا لم يعارضه محظور فحينئذ لابدَّ أن يكون مقيدًا بشرط السَّلامة؛ لأنَّ ترك التجاذب في وسعهما، بخلاف نفحة الدَّابة وضربها [بذنبها] (٤) في حق الرَّاكب على ما مرَّ فحينئذ يجب أيضا نصف دية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه فعدم إيجاب الضَّمان في الصُّورة الأولى وإيجاب الدية الكاملة على عاقلة كل واحد منهما كان مناقضاً لهذه الأصول التي ذكر في «الكتاب» و «الأسرار» [فما وجهه؟] (٥) (٦) قلت: وجهه هو أنَّه لما وقع كل واحد منهما على وجهه في الصُّورة الثانية علم أنَّها (٧) [إنما] (٨) وقع على وجهه بجذب صاحبه إياه فكان موت كل واحد منهما بفعل صاحبه لا بفعل نفسه فتجب كل دية (٩) كل واحد منهما على عاقلة صاحبه كما هو مذهبنا في المصطدمين إلا أنَّ في المصطدمين أحدهما: تعدٍّ وهو الصدمة، والآخر: مباح وهو المشي، فلم يظهر المباح بمقابلة التعدِّي فأضيف الحكم إلى التعدِّي (١٠) لا إلى المباح فلذلك وجب على عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه كاملة. [وفي مسألة انقطاع الحبل إذا مات كل واحد منهما بالوقوع على وجهه كان موته بفعل صاحبه من غير أن يوجد فعل من الميِّت في حق نفسه أصلاً فلذلك وجب على عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه كاملة] (١١).

стр. 5057

بخلاف ما إذا وقع كل واحد منهما على قفاه عند الانقطاع حيث لا يجب على [كل] (١) واحد منهما شيء؛ لأنَّ سقوطه على قفاه بقوَّة نفسه لا بجذب صاحبه، فكان كل واحد منهما قاتلاً نفسه من غير مزاحمة صاحبه فلا يجب على صاحب كل واحد منهما شيء؛ لأنَّه لم يقتله حتَّى لو وقعا مختلفين بأن سقط أحدهما على وجهه والآخر على قفاه فدية السَّاقط على وجهه على عاقلة صاحبه. ولو قطع إنسان الحبل بينهما فسقط كل واحد منهما على قفاه فمات فديتهما على عاقلة القاطع للحبل؛ لأنَّه صار كالدَّافع لكلِّ واحد منهما هذا ممَّا أشار إليه في «المبسوط» (٢). وذكر في الفصل الثَّامن عشر من جنايات (٣) «الذَّخيرة»: وإن قطع إنسان الحبلَ فوقعا على وجوههما ففي نسخة: لا يكون هذا من قطع الحبل، وفي نسخة: هذا من قطع الحبل (٤). (هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ فِي العَمْدِ وَالخَطَأِ (٥) أي: يختص نصف الدية في العمد عن (٦) عاقلة كل واحد منهما، وفي الخطأ تجب الدية الكاملة على ما ذكر (٧) في الكتاب خلا أنَّه ذكر الخطأ في وضع المسألة، والعمد في بيان قول الخصم (٨). (وَكَذَا فِي العَمْدِ (٩) إلا أنَّ العمد هنا بمنزلة الخطأ؛ لأنَّه شبه (١٠) العمد. (فَفِي الخَطَإِ: تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الحُرِّ المَقْتُولِ قِيمَةُ العَبْدِ). (لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ [مِنْهُمَا] (١١) (١٢) صار قاتلاً لصاحبه فيجب على عاقلة الحرِّ قيمة العبد ثم قد تلف العبد الجاني وأخلف بدلاً فيكون بدله لورثة المجني عليه وهو الحر؛ لأنَّ المضمون وهو النِّصف في العمد لما ذكرنا (١٣) في بيان قول الخصم وهو: أنَّه آلم نفسه وصاحبه فهدر (١٤) نصفه ويعتبر نصفه.

стр. 5058

[إذا سقط السرج على رجل فمات] (فَوَقَعَ السِّرْجُ (١) عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ (٢)؛ لأنَّ ذلك ممَّا يمكن التحرُّز عنه وإنَّما يسقط [عنه؛] (٣) لأنَّه لم يشده عليها أو لم يحكم فكأنه ألقاه بيده على الطَّريق، بخلاف الرِّداء يعني: إذا كان لابساً رداء فسقط عنه فعطب به إنسان أو غيره لا ضمان عليه؛ لأنَّ اللِّباس تبع للَّابس ولو تعثر اللابس فسقط على الطَّريق ثم تعثر به إنسان لم يكن ضامناً له، وكذا إذا سقط رداؤه (٤) أو منديله (٥) لمعنى: وهو أنَّ الإنسان لا يقصد حفظ اللباس ولا يمكنه أن يمشي عرياناً وما لا يستطاع الامتناع منه يجعل عفواً كذا ذكره الإمام المحبوبي (٦). (عَلَى مَا مَرَّ مِن قَبْلُ (٧) أي: في (بَابٌ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيْقِ (٨). (القِطَارُ (٩) الإبل تقطر على نسق واحد والجمع قُطر (١٠). (وَهَذَا إِذَا كَانَ السَّائِقُ فِي جَانِبٍ مِن الإِبِلِ (١١) أي: وهو الذي يمشي في وسط القطار ويمشي في جانب من القطار لا يتقدَّم ولا يتأخَّر ولا يأخذ بزمام بعير يقود ما خلفه. وأمَّا إذا كان الذي في وسط القطار آخذا بزمام بعير يقود ما خلفه ولا يسوق ما خلفه (١٢) فما أصاب ممَّا خلف هذا الذي في وسط القطار فلا ضمان فيه على القائد الأوَّل وإنَّما الضَّمان فيه على هذا، وما أصاب ممَّا قبل هذا الذي في وسط القطار فضمان ذلك على القائد الأوَّل ولا شيء فيه على هذا الذي في وسط القطار؛ لأنَّه ليس بقائد كما (١٣) قبله ولا سائق حتَّى لو كان سائقاً له يشارك الأوَّل في الضَّمان كذا في المغني (١٤).

стр. 5059

(فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا (١) أي: على القائد، والسَّائق (٢)؛ لأنَّ القائد يقرب (٣) للإبل ممَّا أصاب بالصَّدمة أو غير ذلك، وكذلك السَّائق يقرب (٤) من ذلك فيشتركان في الضَّمان لاستوائهما في التَّسبيب، وإن كان معهما سائق الإبل وسط القطار فالضَّمان في جميع ذلك عليهم أثلاثاً؛ لأنَّ الذي هو وسط القطار سائق لما بين يديه من الإبل قائد لما خلفه والقائد والسَّائق في حكم الضَّمان سواء، وكذلك إن كان يكون أحيانا وسطها وأحيانًا يتقدم وأحيانًا يتأخَّر؛ لأنَّه في جميع الأحوال سائق للقطار أو قائد ولو كان رجل راكباً وسط القطار على بعير ولا يسوق منها شيئاً لم يضمن مما تصيب الإبل التي بين يديه؛ لأنَّه ليس بسائق لما بين يديه ولكن هو معهم في الضَّمان فيما أصاب البعير الذي هو عليه وما خلفه، أمَّا في البعير الذي هو عليه؛ لأنَّه راكب وأمَّا فيما خلفه؛ فلأنَّه قائد لما خلفه؛ لأن زمام ما خلفه مربوط ببعيره. وقال بعض المتأخرين: هذا إذا كان زمام ما خلفه بيده يقوده وأمَّا إذا كان هو نائمًا على بعيره أو قاعدًا لا يفعل شيئاً يكون (٥) به قائدًا لما خلفه، فلا ضمان عليه في ذلك وهو في حقِّ ما خلفه بمنزلة المتاع الموضوع على بعير كذا في «المبسوط» (٦). [جهل القائد بربط الرابط] (وَالقَائِدُ لا يَعْلَمُ (٧) قَيَّد به ليبني عليه قوله: (ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ (٨) أي: على عاقلة القائد يرجعون على عاقلة الرَّابط فيما إذا لم يعلم القائد رباط الرَّابط وأمَّا إذا علم فلا يرجع عاقلة القائد على عاقلة الرَّابط. وحاصله: أن جهل القائد بالرَّبط لا ينفي ابتداء وجوب الضَّمان عنه لوجوب (٩) الإتلاف منه وإن كان جاهلاً والجهل يزيل الإثم دون الضَّمان (كَالنَّائِمِ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى (١٠) إنسان فأتلفه (١١).

стр. 5060

وقال في «المبسوط»: وإذا أتى الرجل ببعير وربطه (١) إلى القطار والقائد لا يعلم وليس معها سائق فأصاب ذلك البعير إنسانًا ضمن القائد؛ لأنَّه قائد لذلك البعير والقود سبب لوجوب الضَّمان ومع تحقق سبب وجوب الضَّمان منه لا يسقط الضَّمان بجهله، ثم يرجع القائد على الذي ربط البعير بذلك الضَّمان؛ لأنَّه هو الذي ألزمه ذلك الضَّمان حين ربط البعير بقطاره فجعل في «الجامع الصَّغير» ابتداء الوجوب على عاقلة القائد (٢) ثم [هم] (٣) يرجعون به على عاقلة الرَّابط كما هو المذكور في الكتاب (٤). وجعل في «المبسوط» ابتداء وجوب الضَّمان على القائد ثم يرجع القائد به على الرَّابط على ما حكينا (٥). ووفق الإمام المحبوبي ﵀ بينهما فقال: وإنَّما اختلف الجواب فيهما باعتبار أن على رواية الدِّيات اعتبره حقيقة الضَّمان، فإنَّ حقيقة الضَّمان على القائد والرَّابط، غير أن العواقل تتحمل عنهما، واعتبر ههنا أي: في «الجامع الصَّغير» حاصل الضَّمان وقراره [وهو] (٦) وجوبه (٧) على العاقلة، هذا إذا لم يعلم، أمَّا إذا علم القائد بالرَّبط لم يرجعوا؛ لأنَّ القائد حين علم بالرَّبط فقد رضي بما يلحقه من الضَّمان فلا يرجعون عليهم بشيء (٨). (وَإِنَّمَا لا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا فِي الابْتِدَاءِ (٩) أي: عن (١٠) القائد والرَّابط ابتداءً بطريق الشركة (١١) من غير أن يُقدم القائد على الرَّابط في الضَّمان إذ (كُلٌّ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ) أي: مع أن كلاً منهما مسبب وهذا يوجب الاشتراك في الضَّمان.

стр. 5061

وقوله: (لأَنَّ الرَّبْطَ مِن القِيَادَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّسْبِيْبِ مِن المُبَاشَرَةِ) وجواب (١) لقوله: (وَإِنَّمَا لا يَجِبُ الضَّمَانُ (٢) يعني: أنَّ القيادة بمنزلة المباشرة حكماً، والرَّبط بمنزلة التَّسبيب، فلا شك أنَّ المباشرة أقوى في (٣) إضافة الحكم [إليها] (٤) دون التَّسبيب؛ لما عرف في الحافر مع الدَّافع ولما كان القائد بمنزلة المباشرة وجب الضَّمان على عاقلته (٥) ابتداء دون عاقلة الرَّابط لذلك ثم رجعوا به عليهم، فكانت قوة المباشرة ههنا في حقِّ التَّقديم (٦) لا في حق قرار الضَّمان؛ لأنَّ القائد مغرور من جانب الرباط (٧) بسبب جهله بربطه مع أنَّ له حكم المباشرة لا حقيقتها فلذلك قدم القائد في وجوب الضَّمان على عاقلته لا في قراره حيث عملت المباشرة في التَّقديم والغرور في نفي القرار (٨). [إذا ربط والقطار يسير] (قَالُوا: [هَذَا إِذَا رَبَطَ وَالقِطَارُ يَسِيْرُ (٩) يعني: أنَّ عاقلة القائد يرجعون على عاقلة الرَّابط إذا لم يعلم] (١٠) القائد بربطه فيما إذا كان (١١) القطار يسير ولو كان الرَّابط (١٢) حالة الوقوف لا يرجعون مع أنَّ لفظ «الجامع الصَّغير» مطلق غير متعرض (١٣) للسير ولا للوقوف (١٤). وقال الإمام المحبوبي: قال الإمام الزَّاهد أبو محمَّد عبد الرَّحمن (١٥)، وشمس الأئمة الحلواني: وهذا إذا ربط الجمل والإبل تسير، فإن ربط (١٦) والإبل واقفة ثم قاد (١٧) القائد الإبل لا شيء على الرَّابط؛ لأنَّ ربطه الجمل بالقطار جناية وأنها واقفة في الطَّريق وحين سار بها القائد فقد زالت هذه الجناية بقود القائد فيبرأ عن موجبها، كمن وضع حجراً على قارعة الطَّريق ثم جاء إنسان وحول الحجر من ذلك الموضع إلى موضع آخر لم يكن (١٨) على الواضع الأوَّل شيء إن تعقَّل به إنسان؛ لأنَّ وضعه الحجر جناية لكن لما حَوَّله غيره من مكانه زالت جنايته بفعل الواضع الثَّاني فيبرأ الأوَّل كذا هنا (١٩).

стр. 5062

(ضَمِنَهَا القَائِدُ (١) أي: ضمنها القائد بلا رجوع على أحد. (وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيْمَةً) يريد بها كلباً (وَكَانَ لَهَا سَائِقاً (٢) أراد بالسوق: أن يمشي خلفه (٣). [إرسال الطير] (وَلَوْ أَرْسَلَ طَيْراً) وفي بعض نسخ «الجامع الصَّغير»: ولو أرسل بازياً (٤) (فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ لَم يَضْمَنْ (٥) حتَّى أن البازي إذا قتل صيدًا مملوكاً حل [له] (٦) ذلك إذا كان البازي معلماً ولا يضمن الذي أرسله؛ لأنَّه لا يعتبر بسوق البازي ولا لإرساله (٧) في الضَّمان ولهذا لو أدخل رجل بازياً في الحرم أو صقر أو أرسله فجعل يقتل حمام الحرم أنَّه لا يلزم (٨) شيء لما قلنا أنَّ البازي لا يحتمل السَّوق (٩). [إرسال الكلب] (وَكَذَا لَو أَرْسَلَ كَلْباً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَائِقاً لَم يَضْمَنْ (١٠) يعني: وإن كان أصاب الكلب شيئاً في فور الإرسال لا يضمن المرسل، بخلاف الدَّابة حتَّى قالوا: إذا أرسل كلباً أو دابة فأصاب في فوره شيئاً يضمن في الدَّابة دون الكلب والطير هذا كله ممَّا ذكره فخر الإسلام وصاحب «الذَّخيرة» والمحبوبي ﵏ (١١). ثم ذكر الإمام المحبوبي: وذكر الفقيه أبو الليث: رجل أرسله (١٢) بهيمة ولم يكن سائقاً يعني [فأصاب] (١٣) في فوره إنسانًا فالذي أرسلها ضامن؛ لأنَّه إذا أرسلها فما دامت [في فوره] (١٤) فهو في الحكم كأنه سائق لما (١٥) خلفها قال الصدر الشهيد في شرح هذا الكتاب: وعليه الفتوى (١٦).

стр. 5063

رجل له كلب عقور، كلما مرَّ عليه شيء عَضَّه، فلأهل القرية أن يقتلوا هذا الكلب، فإن عضَّ قيل: (١) يجب الضمان على صاحبه إن لم يتقدموا إليه قبل العض؟ لا ضمان عليه، وإن كانوا تقدموا إلى صاحب الكلب فعليه الضَّمان بمنزلة الحائط [المائل] (٢). (٣) وفي «المنتقى»: لو طرح رجل غيره قدام أسد أو سبع فقتله السَّبع فليس على الطَّارح قود ولا دية، ولكن يعزر ويضرب وجيعاً (٤) ويحبس حتَّى يتوب. وقال أبو يوسف ﵀: أما أنا فأرى أن (٥) يحبس أبدًا حتَّى يموت (٦). [انقطاع حكم الإرسال] (وَانْقَطَعَ حُكْمُ الإِرْسَالِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيْقٌ آخَرُ سِوَاهُ (٧) أي: [إلا] (٨) إذا لم يكن لسير الدابة طريق آخر سوى طريق اليمنة أو اليسرة بأن كان على الجادَّة (٩) ماء أو وحل فحينئذ لا ينقطع حكم الإرسال [أيضاً] (١٠) كما لو [لم] (١١) ينعطف يمنة أو يسرة. (وَكَذَا إِذَا وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ) أي: ينقطع حكم الإرسال (بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفَتْ (١٢) بَعْدَ الإِرْسَالِ فِي الاصْطِيَادِ (١٣) أي: إذا وقفت الدَّابة والمراد بها: الكلب المعلَّم وأمثاله، فإن هناك بوقوفه لا ينقطع حكم الإرسال حتَّى حل ما قتله من الصيود ولو انقطع حكم الإرسال لما حل، كما لو قتله هو بنفسه من غير إرسال فلمَّا كانت في قيمة (١٤) الكلب (تَحَقُّقُ مَقْصُودِ المُرْسِلِ (١٥) الذي هو آخذ الصيد كالسير كان لهذه الوقفة حكم السير فلم ينقطع حكم الإرسال [لذلك] (١٦).

стр. 5064

(وَهَذِهِ تُنَافِي مَقْصُودَ المُرْسِلِ (١) أي: هذه الوقفة التي هي وفق (٢) الدابة (٣) والمراد [بها] (٤) الفرس أو البقر وأمثالهما أو إرسال الكلب لا للاصطياد تنافر (٥) مقصود المرسل الذي هو السير فإنَّ مقصود المرسل من إرسال الدَّابة: [هو] (٦) السير لا الوقوف، فكانت الوقفتان على طرفي نقيض من تحقيق مقصود المرسل ومنافاته فاختلف حكمها (٧) لذلك (٨). وقوله: (بِخِلَافِ) (٩) معطوف على قوله: (بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفَتْ)؛ لأنَّ حكمها مخالف لحكم أصل المسألة. ثم في قوله: (وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَرْسَلَهُ إِلَى صَيْدٍ) إلى آخره يذكر الفرق بين الإرسالين كما أنَّه في قوله: (بِخِلَافِ مَا إِذَا وَقَفَتْ (١٠) ذكر الفرق بين الوقفتين (١١). [الفرق بين إرسال الدابة والكلب والبازي] وذكر في «الذَّخيرة» وجه الفرق بين الإرسالين فقال: والفرق بين إرسال الدَّابة وبين الكلب والبازي هو أن إرسال الدَّابة في الطَّريق إذا لم يتبع مع الدَّابة وأمكنه الاتباع تعد من صاحبه فما تولَّد منه يكون مضمونًا عليه، فأمَّا إرسال الكلب والبازي من غير اتباع معه ليس بتعدٍّ منه لأنَّه لا يمكنه الاتباع والمسبب في الإتلاف (١٢) لا يضمن إلا إذا كان متعدِّياً (١٣).

стр. 5065

(فَأَفْسَدَتْ زَرْعاً عَلَى فَوْرِهِ (١) أي: فور الإرسال. والمراد بفور الإرسال: هو أن لا تميل يمينًا أو شمالاً (٢). (وَقَالَ مُحَمَدٌ ﵀: هِيَ المُنْفَلِتَةُ (٣) (٤) أي: العَجْمَاء (٥) التي أهدر (٦) النبي ﵇ (٧). فقلنا: (٨) هي المنفلتة لا الدَّابة التي أرسلت، فإنَّ إفساد الدَّابة المرسلة إذا كان في فور الإرسال ليس بجبار، وإنَّما ذكر هذا التَّفسير لئلا يُجرى الحديث على عمومه (٩). (مِنْ الإِرْسَالِ وَأَخَوَاتِهِ (١٠) وهي السَّوق، والقود، والركوب. كان من حقِّ اللفظ: أو من الإرسال وأمثاله، أو يقول: من الإرسال وأخواتها، بتأويل الكلمة إِذِ السَّوق أو القود لمَّا كان أختاً لا أخاً للإرسال [كان الإرسال] (١١) أختًا أيضاً وإلا يلزم جعل بعض أسباب التعدي أخاً وبعضها أختاً من غير دليل (١٢). الجَزر: القطع، ومنه جَزر الجَزور نحرها. [الجَزور]: (١٣) هي ما أُعِدَّ من الإبل للنحر يقع على الذكر والأنثى وهي تؤنث كذا في «الصِّحاح» وغيره (١٤). (وَفِي عَيْنِ بَقَرَةِ الجَزَّارِ وَجَزُوْرِهِ رُبْعُ القِيْمَةِ (١٥) وإنَّما وضع المسألة على هذا الوجه أعني لم يقل في عين البقر (١٦) [والبعير] (١٧) مطلقاً، ليبيِّن أن البقر والإبل وإن أُعِدَّا للحم كما في الشَّاة لا يختلف الجواب فيها، بل سواء كانا معدَّين للحم أو للحرث والحمل والركوب ففيه ربع القيمة (١٨) كما في الذي لا يؤكل لحمه كالحمار والبغل إلى هذا أشار فخر الإسلام ﵀ (١٩).

стр. 5066

(وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَمَكَّنُ (١) إِقَامَةُ العَمَلِ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ (٢) إلى آخره. والمعتمد في هذا: هو التعليل الأوَّل، ألا ترى أنَّ العينين لا يضمنان بنصف القيمة كذا ذكره فخر الإسلام (٣). وإنَّما قال: إن العينين لا يضمنان بنصف القيمة؛ لأنَّه ذكر الإمام التمرتاشي ﵀ بقوله: وقيل: لو فقأ [الأخرى] (٤) [أي:] (٥) وفقأهما (٦) معاً تجب القيمة إن سلم الجُثَّة. وفي «جامع (٧) بكر (٨) ﵀ فقأ عيني الدَّابة، وصاحبها إن شاء تركها على الفاقئ (٩) وضمنه القيمة، وإن شاء أمسكها وضمنه النقصان، وهذا لأنَّ المعمول في هذا (١٠) الباب النص، والنص ورد في عين واحدة فيقتصر عليه (١١). وأمَّا الجواب عن الشَّاة: فهو أنَّ الشَّاة لا تعمل بل ينتفع بها كما ينتفع بالأمتعة فضمنت بالنقصان من غير تقدير. وإنَّما قلنا: إنَّ فَقْأَ العين في الشَّاة نقصان وليس بالستهلاك؛ (١٢) لأنَّ المقصود من الشاة اللحم ولا يفوت [شيء منه] (١٣) بفقإ العين وهو عيب يسير فيلزمه نقصان الماليَّة بخلاف ما ذكرنا من البهائم، فإنَّها عاملة كبني آدم لكنها لا تعمل إلا بغيرها، فأشبه الإنسانَ من حيث العمل وأشبه الشَّاةَ من حيث اللَّحم فوجب تنصيف التقدير (١٤) الواجب في الإنسان وهو ربع القيمة في إحدى العينين؛ لأنَّ في الإنسان فيها نصف الدية [فيجب في البهائم فيها نصف الدية] (١٥) فيجب في البهائم فيها نصف النصف وهو ربع القيمة [إذ القيمة] (١٦) فيها جارية مجرى الدية في الإنسان (١٧).

стр. 5067

نَخَسَ الدَّابَّة نَخْساً من باب مَنع: إذا طعنها بعود أو نحوه ومنه نخَّاس الدَّواب: دَلَّالها (١). [نخس الدابة بغير إذن الراكب] (وَمَنْ سَارَ عَلَى دَابَّتِهِ (٢) إلى أن قال: (كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ (٣) يعني: إذا نخسها بغير إذن الرَّاكب. فإن قلت: القياس يقتضي أن ينقلب الحكم، وهو أن يجب على الرَّاكب دون النَّاخس؛ لأنَّ الرَّاكب مباشر، والناسخ (٤) مسبب، ألا ترى أن حرمان الإرث والوصيَّة ووجوب الكفارة أحكام مرتبة على المباشر، وذلك يثبت في حقِّ الرَّاكب دون غيره ممن باشر السَّبب من السَّوق والقَود، والإرسال، فلو لم ينقلب الحكم ينبغي أن لا يكون حكم المباشرة هنا أقل من التَّسبيب بأن يشتركا فيه. ولا يتخلص عن هذا السؤال (٥) بأن الرَّاكب غير متعدٍّ والناخس متعدٍّ لما أنَّه لا يشترط التعدي في حق المباشر في وجوب الضَّمان إنَّما ذلك في حقِّ المسبب، ألا ترى أنَّ النائم إذا انقلب على إنسان فقتله أو على مال إنسان فأتلفه يجب الضَّمان، والنَّائم لا يوصف بالتَّعدي وكذلك الرَّامي [في ملكه] (٦) يجب عليه الضَّمان إذا أتلف برميه إنسانًا أو مالاً وهو متصرف في ملكه (٧). قلت: نعم كذلك إلا أن جواب هذا مندرج في تعليل الكتاب بقوله: (وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالمَرْكَبَ مَدْفُوْعَانِ بِدَفْعِ النَّاخِسِ فَأُضِيْفَ فِعْلُ الدَّابَّةِ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِيَدِهِ (٨)، وتفسير هذا الجواب ما أشار إليه في «الذَّخيرة» فقال: أنَّ الرَّاكب وإن كان مباشراً إلا أنَّه مدفوع إلى ذلك غير مختار؛ لأنَّ الدَّابة هي التي وَثَبَت فصار فعل الرَّاكب منقولاً إلى الدَّابة، وإذا كان فعله منقولاً إليها لم يكن الرَّاكب مباشراً؛ لأنَّ المباشر إذا كان مضطراً في مباشرته لا تعتبر مباشرته أصلاً، فكان وجود الفعل منه بمنزلة وجود الفعل من الآلة التي هي الجماد، كما في الإكراه الكامل حيث ينتقل الفعل من المُكرَه إلى الذي أكرهه، ولا يكون للمكرَه فعل أصلاً، فكذلك هنا جعل فعل النَّاخس بمنزلة الدَّافع للدَّابة والرَّاكب معاً على ما فعلت الدَّابة، فلا يكون للرَّاكب فعل أصلاً، ولمَّا كان كذلك تعذر إيجاب الضَّمان هنا على الرَّاكب بالمباشرة وتعذر إيجابه بالتَّسبيب؛ لأنَّه لم يكن متعدياً في التسبيب، وأمَّا النَّاخس فمتعدٍّ في التَّسبيب فأوجب (٩) الضَّمان عليه (١٠).

стр. 5068

فإن قلت: قد ذكر قبل هذا [في الكتاب] (١) (وَلا يَضْمَنُ) أي: الرَّاكب (مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا (٢) ثم قال بعدَه: (وَقَالَ أَكْثَرُ المَشَايِخِ: إِنَّ السَّائِقَ لا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ [أَيْضاً] (٣) (٤)؛ لأنَّه لا يمكن التحرُّز عنه فلما كانت النَّفحة ممَّا لم يمكن التحرُّز عنها لِمَ وجب الضَّمان ههنا بسبب النَّفحة على النَّاخس؟ قلت: ذاك العذر إنَّما كان في السَّوق والنَّخس بالإذن وأمَّا إذا كان النَّخس بدون الإذن فلا (٥). وقال في المبسوط: وإذا نخس الرَّجل الدَّابة ولها سائق بغير إذن السَّائق، أي: نخس النَّاخس بغير إذن السَّائق، فنفحت رجلاً فقتلته فالضَّمان على النَّاخس وكذلك لو كان لها قائد؛ لأنَّ النَّاخس متعد في هب (٦) التسبيب بغير أمر القائد والسَّائق وفي حق المتعدِّي لا فرق بين ما يمكن التحرًّز عنه وبين ما لا يمكن فلهذا لزمه ضمان ما نفحت بالرِّجْلِ أو الذنب. فإن كانا أمراه بذلك فلا ضمان عليه ولا عليهما؛ لأنَّه غير متعد هنا بل هو سائق الدَّابة (٧) بإذن صاحبها وليس على السَّائق ضمان النفحة فأضيف فعل الدَّابة وهو الإتلاف إليه أي إلى النَّاخس (٨). (وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيْبِهِ (٩) وإنَّما قلنا: أنَّ النَّاخس مسبب؛ لأنَّ من عادة الدَّابة النفحة والوثبة عند النَّخس. (لِمَا بَيَّنَّاهُ) وهو قوله: (لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيْبِهِ). (وَالوَاقِفُ فِي مِلْكِهِ وَالَّذِي يِسِيْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (١٠) أي: يجب الضَّمان عن النَّاخس في كلِّ حال.

стр. 5069

وإنَّما قيد بالملك هنا في الوقوف والسير؛ لأنَّه إذا كان الرَّاكب واقفاً في بعض الطَّريق الذي لم يؤذن في الوقوف فيه فضرب الدَّابة إنسان بإذنه فنفحت إنسانًا فالدية على الضَّارب والراكب نصفين (١) على عاقلتهما؛ لأنَّ الضَّارب سائق وكل راكب سائق فاستويا فضمنا ولا كفارة عليهما فإنَّ القتل حصل بالتسبيب، فإنَّ الرَّاكب أُنزل مباشراً فيما (٢) يحصل بالسير دون ما يحصل بالنفحة كذا في «الإيضاح» (٣). وقوله: (وَالثَّانِي (٤) أي: وطئ الدَّابة وهذا؛ لأنَّ النَّاخس كالسائق للدَّابة والسَّائق مع الراكب ضامنا لما أوطأت الدَّابة لما أنَّ التَّلف حصل بسببهما وهو ثقل الراكب فوطئ (٥) الدَّابة من النَّاخس كما أنَّ الثقل من الرَّاكب فلذلك كان النَّاخس والرَّاكب يضمنان روى هذه الرواية ابن سمَّاعة عن أبي يوسف ﵀ كذا في «المبسوط» (٦). (وَلا ضَمَانَ [عَلَيْهِ]) (٧) أي: على النَّاخس (لأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ (٨) أي: لأنَّ الراكب أمر النَّاخس بالذي يملكه الراكب؛ فإنَّ الراكب يملك نخس مركوبه حتى لو وجدت نفحة من نخس الراكب وتلف بها شيء كان لا يجب الضَّمان على الراكب، فكذا على مأموره الذي فعله بأمره وبين (٩) النَّاخس؛ لأنَّه لما كان نخسه بأمره انتقل فعل النَّاخس إلى الرَّاكب فالرَّاكب لا يضمن فيه، فكذا النَّاخس. (إِلَيْهِمَا) أي: إلى الرَّاكب والنَّاخس، وفي بعض النسخ: إليها، أي: إلى النخسة. (وَلا يَتَنَاوَلُهُ مِن حَيْثُ إِنَّهُ إِتْلَافٌ) أي: لا يتناول الإذن السوق من حيث أن السوق إتلاف لوجود انفصال السَّوق عن الإتلاف وكم من سوق يوجد ولا إتلاف فيه.

стр. 5070

[اقتصار الضمان على الناخس] (فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ (١) أي: يقتصر الضَّمان على النَّاخس؛ لأنَّ الراكب أذن له بالسَّوق لا بالإيطاء والإتلاف (٢). (كَمَا إِذَا أَمَرَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ بِتَسْيِيرِهَا (٣) وفي نسخة: يُسَيِّرها. وفائدة تقييد الصبي بأنَّه يستمسك على الدَّابة: لدفع الضَّمان عن عاقلة الصبي عند عدم الاستمساك [لا] (٤) لإثبات رجوع عاقلة الصبي على عاقله الآمر، فإنَّ الصبي إذا لم يكن مستمسكاً على الدَّابة فلا ضمان على أحد، ذكره في «الذَّخيرة» في فصل القسامة الذي هو الفصل الحادي عشر من الجنايات. وقال: وإن كان الصبي ممَّن لا يستمسك على الدَّابة، ولا يُسيِّر الدَّابة وقد حمله الرَّجل والدَّابة واقفة ثم سارت فأوطأت إنسانًا أو أفسدت متاعاً فإنَّه لا يجب ضمان ذلك على الصبي ولا على الذي حمل الصبي على الدَّابة: إمَّا لأنَّ (٥) ضمان على الصبي؛ لأنَّ الصبي إذا كان ممن لا يُسيِّر الدَّابة فسير الدَّابة لا يكون مضافاً إلى الصبي ويكون الصبي عليها بمنزلة الحمل على الدَّابة. وإمَّا لا يجب على الرجل؛ لأنَّ الرجل لم يُسيِّر الدابة وإذا لم يجب (٦) أن يضاف سير الدابة إلى واحد منهما كانت سائرة باختيارها لا بتسيير أحد فكانت منفلتة وما ما أصابت (٧) المنفلتة: فهو هدر، لقوله ﵇: «فعل العجماء جبار» (٨) والمراد به: المنفلتة (٩). (وَمَنْ قَادَ دَابَّةً) إلى قوله: (فَهُوَ عَلَى النَّاخِسِ) يعني: لا على القائد، (وَكَذَا إِذَا كَانَ لَهَا سَائِقٌ فَنَخَسَهَا غَيْرُهُ (١٠) أي: فالضَّمان على النَّاخس لا على السَّائق. وإنَّما ذكر وجود القائد والسَّائق عند ذكر نخس الناخس لهذا المعنى وهو أنَّ الضَّمان إنَّما يجب على النَّاخس لا على القائد [والسَّائق] (١١). وأمَّا إذا لم يكونا فلا شك أنَّ وجوب الضَّمان على النَّاخس؛ لأنَّ النَّخس (مُضَافٌ إِلَيْهِ) مما تولَّد منه يكون مضافاً إليه أيضاً من غير مزاحمة أحد.

стр. 5071

[إذا كان الناخس عبدا] (وَالنَّاخِسُ إِذَا كَانَ عَبْداً: فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ (١) أي: يدفع بها أو يفدي هذا إذا نخسه بغير إذن الرَّاكب (٢). وأمَّا إذا نخسه بإذن الرَّاكب فلا يخلو: إمَّا إن كانت من الدَّابة نفحة أو وطئ (٣) فقد ذكر حكمها في «المبسوط» وقال: وإذا كان الرجل يسير في الطَّريق فأمر عبد الغير فنخس دابته فنفحت فلا ضمان على واحد منهما؛ لأنَّ فعل المأمور كفعل الآمر عبدًا كان المأمور أو حرًّا، فإن وطئت في فورها ذلك إنسانًا فقتلته فعلى عاقلة الرَّاكب نصف الدية وفي عنق العبد نصف الدية يدفعه مولاه أو يفديه بمنزلة السَّائق مع الرَّاكب، إلا أن المولى يرجع على الآمر بالأقلِّ من قيمة العبد ومن نصف الدية؛ لأنَّه صار غاصباً للعبد باستعماله إيَّاه في نخس الدَّابة، فإذا لحقه ضمان بذلك السَّبب كان للمولى أن يرجع به على المستعمل له. وكذلك لو أمره بسوق الدَّابة أو بقودها ولو كان الرَّاكب عبدًا وأمر عبدًا آخر فساق دابته فأوطأت إنسانًا فقتلته (٤) فالدِّية في أعناقهما نصفين يدفعان أو يفديان بمنزلة السَّائق مع الرَّاكب، ولا شيء على الراكب لمولى العبد المأمور إذا كان الرَّاكب محجوراً عليه حتَّى يعتق؛ لأنَّ سبب وجوب هذا الضَّمان استعماله إيَّاه بالقول والمحجور لا يؤاخذ بضمان القول حتَّى يعتق فإذا عتق كان عليه قيمة المأمور لمولاه وإن كان تاجراً أو مكاتباً فهو دين عتقه؛ لأنَّه مؤاخذ بضمان القول في الحال والله أعلم [بالصَّواب] (٥) (٦).

стр. 5072

بابُ (١) جناية (٢) المملوك (٣) والجناية عليه لما فرغ (٤) من بيان أحكام جناية المالك وهو الحر والجناية عليه شرع في بيان أحكام جناية المملوك وهو العبد؛ وأخَّره لانحطاط رتبته عن الحر.

стр. 5073

وإذا جنى العبد جناية خطأ (١) قيل لمولاه إما أن تدفعه بها أو تفديه. ثم اعلم أن التقييد بالخطأ [هنا إنما يفيد في جناية العبد في النفس لأنه إذا كان عمدًا يجب القصاص (٢)؛ وأما فيما دون النفس فلا يفيد التقييد بالخطأ] (٣) في هذا الحكم؛ لأن خطأ العبد وعمده فيما دون النفس على السواء؛ فإنه يوجب المال في الحالين؛ لأن القصاص لا يجري بين العبيد والعبيد (٤) ولا بين العبيد والأحرار (٥) فيما دون النفس.

стр. 5074

ثم إنما يقال لمولى العبد بهذا بعد الاستيفاء (١) (٢)؛ لأنه لا يقضى على المولى بشيءٍ من ذلك حتى يبرأ المجني عليه اعتبارًا لجناية العبد بجناية … الحر. وقد بينا أنه يستأنى (٣) في جناية الحر؛ لأن موجبها يختلف بالسراية (٤) وعدم السراية فلا يصير ذلك مَعْلومًا قبل الاستيفاء (٥)، والقضاء بالمجهول غير ممكن؛ كذا في المبسوط (٦) (٧). وفائدة الاختلاف في اتباع (٨) الجاني بعد العتق؛ يعني أن المجني عليه عند الشافعي (٩): يتبع العبد الجاني بعد عتقه (١٠).

стр. 5075

وفي الإيضاح (١) أن موجب جناية العبد صيرورته جزاء جنايته عندنا قَلَّت الجناية أم كثرت وللمولى أن يختار الفداء (٢). وعند الشافعي الجناية في رقبته يباع فيها إلا أن يفديه المولى (٣). وفي الأسرار (٤) جناية العبد على الآدمي إذا أوجبت المال صار العبد للمجني عليه جزاءً بجنايته والوجوب على المولى دون العبد؛ فيقال للمولى عليك تسليم العبد بالجناية إلى ولي الجناية إلا أن يختار الفداء بالأرش (٥) فيخير المولى بين الدفع بالجناية أو الفداء بالأرش (٦). وقال الشافعي: حكم جنايته على الآدمي كحكم جنايته على البهيمة وإتلاف (٧) المال؛ يقال للمولى إما أن تؤدي أو يباع عليك العبد (٨)؛ فيكون الوجوب على العبد في الأصل.

стр. 5076

فتجب في ذمته (١) أي في ذمة العبد؛ لأن ضمان الجناية [في حق من لا عاقلة له بمنزلة ضمان المال فيكون واجبًا في ذمته؛ ثم الدين في ذمة العبد] (٢) يكون شاغلًا لمالية رقبته فيباع فيه إلا أن يقضي المولى ديته كما في الدين وهو [ظاهر] (٣) على ما قلنا. وفي بعض النسخ كما في الذمي (٤) يعني: إذا قتل الذمي رجلًا خطأ (٥) تجب ديته في ذمته لا على عاقلته كما في إتلاف المال. وقوله بعد هذا بخلاف الذمي يدل على صحة هذه النسخة. وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن. ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصًا حرًا كان أو عبدًا فكذلك في الخطأ؛ إلا أن استحقاق النفس نوعان أحدهما بطريق الإتلاف عقوبة؛ والآخر بطريق التملك على وجه الجبران. والحر من أهل أن تستحق نفسه بطريق العقوبة لا بطريق التملك (٦)؛ والعبد من أهل أن تستحق نفسه بالطريقين جميعًا؛ فيكون العبد مساويًا للحر في حالة العمد ويكون مفارقًا له في حالة الخطأ؛ لأن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكًا والسبب يوجب الحكم في محله؛ وفي حق الحر لم يصادف محله وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدًا حكمه؛ وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكًا لتحقيق (٧) معنى الصيانة عن الهدر (٨).

стр. 5077

والطريق الثاني أن موجب جناية الخطأ يتباعد عن الجاني لكونه معذورًا في ذلك؛ وكون الخطأ موضوعًا شرعًا، ويتعلق بأقرب الناس إليه لإظهار صيانة المحل المحترم والتخفيف على المخطئ. ألا ترى أن في حق الحر يجب على عاقلته (١) لهذا المعنى؛ فكذلك في حق العبد إلا أن (٢) عاقلة العبد مولاه؛ لأن الحر يستنصر بعاقلته ويزداد قوةً وجرأةً بهم كما أن المملوك يستنصر بمولاه فيجب ضمان جنايته على المولى؛ إلا أن للمولى أن يقول إنما لحقني هذا البلاء بسبب ملكي فيه ولي أن أتخلص عنه بنقل ملكي فيه إلى المجني عليه فأدفعه بالجناية؛ فإذا دفعه كان المجني عليه هو المالك فلا يجب عليه شيء آخر بالجناية عليه. وإذا لم يدفعه كانت الدية (٣) عليه بخلاف ضمان المال فإنه يجب في ذمة المتلف ولا يخاطب به غيره كما في حق الحر؛ كذا في المبسوط (٤). وقوله إلا أنه يخير [أي يخير] (٥) المولى في أصل المسألة؛ وهو ما إذا جنى العبد خطأ وهذا استثناء من قوله: والمولى عاقلته (٦)؛ يعني بالنظر إلى أن المولى عاقلته ينبغي أن لا يثبت الخيار للمولى بين الدفع والفداء كما لا يثبت هذا الخيار لسائر العواقل؛ وفرق بين المولى وبين سائر العواقل بهذا.

стр. 5078

وقال إنما يخير المولى هاهنا؛ لأن التخيير للتخفيف والتخفيف مطلوب في الموضعين غير أن أثر التخفيف تحقق (١) في سائر العواقل بوجه آخر وهو التوزيع والقسمة عليهم على وجه لا يورث الإجحاف (٢)؛ لأن بهم كثرة فكان تخفيفًا؛ وأما هاهنا فالمولى واحد فإثبات التخفيف فيه إنما يحصل بإثبات الخيار له. غير أن الواجب الأصلي هو الدفع في الصحيح؛ هذا احتراز عن رواية أخرى ذكرها الإمام التمرتاشي (٣) (٤):؛ والصحيح أن الأصل هو الدية والأرش لكن للمولى أن يدفع هذا الواجب بدفع الجاني. وذكر في الأسرار: وقد ذكر بعض مشائخنا أن الواجب الأصلي هو الأرش على المولى وله المخلص بالدفع، ثم قال والرواية بخلاف هذا في غير موضع (٥). وقد نص محمد بن الحسن (٦): أن الواجب هو العبد (٧)؛ ولأن المولى ليس بجانٍ ولا عاقلة هو للعبد؛ لأن ولاية القرابة منقطعة بالرق والمولى ما اشتراه ليواليه ويعقل عنه بل ليستخدمه. ولهذا يسقط الموجب بموت العبد؛ أي إذا هلك العبد قبل الاختيار بريء المولى من مطالبة المجني عليه حقه من الدفع والفداء؛ ولو لم يكن الموجب الأصلي هو الدفع أو أحد شيئين من (٨) الدفع والفداء بالأرش لكان إذا هلك العبد قبل الاختيار أن يتعين الأرش وليس كذلك دل أن الموجَب الأصلي هو الدفع؛ وله التخليص باختيار الفداء ثم بعد ذلك أيًا منهما اختاره يكون ذلك حالًا ولا يكون مؤجلًا على ما ذكر في الكتاب (٩) كذا في الذخيرة (١٠) (١١).

стр. 5079

فإن قلت: قوله ولهذا يسقط الموجب بموت العبد لإيضاح أصالة الدفع دون الفداء؛ وهذا الحكم ثابت أيضًا فيما إذا أتلف العبد مال إنسان ثم مات يسقط الموجب بموته ولا يطالب المولى بضمان ما أتلف مع أن في إتلاف المال لم يشرع الدفع أصلًا، والرواية في الجامع الصغير (١) (٢) للإمام … التمرتاشي: صريحًا، وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): إشارة؛ قلتُ: حق صاحب الحق في الصورتين تعلق برقبة العبد؛ وإذا مات العبد فقد فات المحل الذي تعلق به حقهما فسقط الحق لذلك؛ وحاصله (٤) أن في صورة إتلاف المال الدفع حاصل أيضًا؛ لأن الغرماء هم الذين يتولون بيع العبد فكان العبد مدفوعًا إليهم. وذكر في آخر هذا الباب من المبسوط في هذه المسألة: وسواء مات العبد بآفة سماوية أو بعثه المولى في حاجته فعطب (٥) فيها أو استخدمه فلا ضمان عليه فيما لحقه بذلك؛ لأن للمولى حق الاستخدام في العبد الجاني ما لم يدفعه فلا يكون فعله ذلك تعديًا (٦) كما في مال الزكاة (٧)؛ فإن موجب مال الزكاة وهو وجوب الزكاة بعد حولان الحول يسقط عن صاحبه بهلاك ذلك المال وإن كان لصاحبه [حق] (٨) نقل (٩) آداء الزكاة من مال آخر بخلاف موت الجاني الحر؛ أي أن موجب جناية الحر لا يسقط عن العاقلة بموت الجاني فصار كالعبد في صدقة الفطر؛ أي فصار موت الجاني الحر في عدم سقوط الموجب كموت العبد في حق صدقة الفطر؛ فإن صدقة الفطر إذا وجبت على المولى لا تسقط بموت العبد فكذلك في موت الجاني الحر؛ فلأن التأجيل في الأعيان باطل (١٠)؛ لأن التأجيل شرع للتحصيل ترفهًا وتحصيل الحاصل باطل.

стр. 5080

وعند اختياره أي اختيار المولى الدفع الواجب وهو العبد عيّن؛ فلهذا وجب حالًا كالمبدَل. فإن قلت عدم صحة الأجل في المبدل لا يوجب عدم صحته في البدل (١) وذلك لأن البدل والمبدَل قد يتغايران في الأحكام. ألا ترى أن القِصَاص لا يتعلق به حق الموصَى له وإذا صار مالًا بمعنى من المعاني يتعلق به حقه والمال هناك بدل من القصاص. وكذلك الوضوء والتيمم يختلفان في حق النية وآداء الصلاة (٢)، وقضاؤها يختلفان في حق اقتداء المسافر بالمقيم، ولم ينظر في هذه المسائل وصف المبدل في حق البدل (٣) فينبغي أن يجب هناك كذلك. قلتُ نعم كذلك إلا أن الأجل في الديون عارض حتى لا يثبت إلا بالشرط على ما ذكر في فصل الضمان من كفالة الكتاب. ولما لم يثبت شرط التأجيل في الفداء ثبت حالًا؛ ولكن ذكر النظر إلى المبدل كان لبيان رجحان جانب الحلول على جانب الأجل؛ وذلك لأن الفداء لما وجب بمقابلة الجناية في النفس أو في العضو أشبه الدية والأرش وهما يثبتان مؤجلان وإن لم يثبت (٤) شرط التأجيل على ما مر؛ فكان ينبغي أن يجب الفداء مؤجلًا أيضًا بالقياس عليهما وإن لم يذكر شرط التأجيل؛ لكن لما اختار المولى الفداء كان الفداء دينًا في ذمته كسائر الديون فيجب أن يكون حالًا كما في … سائر الديون. ولما تعارض جانب الأجل والحلول في الفداء بهذا الطريق رجح جانب الحلول بأنه فرع لأصل هو حال فيجب أن يكون حالًا لئلا يفارق الخلف (٥) الأصل. أما مخالفتهما في تلك المسائل لمعانٍ ذكرناها في مواضعها وهي أن القصاص غير صالح [لحق (٦) الموصَى له بالمال فلا يتعلق حقه به، والتراب غير مطهر بطبعه فلم يكن بد من إلحاق النية به ليكون مطهرًا بها بخلاف الماء. وصلاة المسافر في القضاء غير قابلة للتغيير ففي الاقتداء بالمقيم في القضاء يلزم بناء القوي على الضعيف في حق القعدة الأولى فلا يجوز اقتداؤه بالمقيم في القضاء لذلك.
следующие страницы →