← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

فتجب في ذمته (١) أي في ذمة العبد؛ لأن ضمان الجناية [في حق من لا عاقلة له بمنزلة ضمان المال فيكون واجبًا في ذمته؛ ثم الدين في ذمة العبد] (٢) يكون شاغلًا لمالية رقبته فيباع فيه إلا أن يقضي المولى ديته كما في الدين وهو [ظاهر] (٣) على ما قلنا. وفي بعض النسخ كما في الذمي (٤) يعني: إذا قتل الذمي رجلًا خطأ (٥) تجب ديته في ذمته لا على عاقلته كما في إتلاف المال. وقوله بعد هذا بخلاف الذمي يدل على صحة هذه النسخة. وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن. ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصًا حرًا كان أو عبدًا فكذلك في الخطأ؛ إلا أن استحقاق النفس نوعان أحدهما بطريق الإتلاف عقوبة؛ والآخر بطريق التملك على وجه الجبران. والحر من أهل أن تستحق نفسه بطريق العقوبة لا بطريق التملك (٦)؛ والعبد من أهل أن تستحق نفسه بالطريقين جميعًا؛ فيكون العبد مساويًا للحر في حالة العمد ويكون مفارقًا له في حالة الخطأ؛ لأن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكًا والسبب يوجب الحكم في محله؛ وفي حق الحر لم يصادف محله وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدًا حكمه؛ وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكًا لتحقيق (٧) معنى الصيانة عن الهدر (٨).

стр. 5077

والطريق الثاني أن موجب جناية الخطأ يتباعد عن الجاني لكونه معذورًا في ذلك؛ وكون الخطأ موضوعًا شرعًا، ويتعلق بأقرب الناس إليه لإظهار صيانة المحل المحترم والتخفيف على المخطئ. ألا ترى أن في حق الحر يجب على عاقلته (١) لهذا المعنى؛ فكذلك في حق العبد إلا أن (٢) عاقلة العبد مولاه؛ لأن الحر يستنصر بعاقلته ويزداد قوةً وجرأةً بهم كما أن المملوك يستنصر بمولاه فيجب ضمان جنايته على المولى؛ إلا أن للمولى أن يقول إنما لحقني هذا البلاء بسبب ملكي فيه ولي أن أتخلص عنه بنقل ملكي فيه إلى المجني عليه فأدفعه بالجناية؛ فإذا دفعه كان المجني عليه هو المالك فلا يجب عليه شيء آخر بالجناية عليه. وإذا لم يدفعه كانت الدية (٣) عليه بخلاف ضمان المال فإنه يجب في ذمة المتلف ولا يخاطب به غيره كما في حق الحر؛ كذا في المبسوط (٤). وقوله إلا أنه يخير [أي يخير] (٥) المولى في أصل المسألة؛ وهو ما إذا جنى العبد خطأ وهذا استثناء من قوله: والمولى عاقلته (٦)؛ يعني بالنظر إلى أن المولى عاقلته ينبغي أن لا يثبت الخيار للمولى بين الدفع والفداء كما لا يثبت هذا الخيار لسائر العواقل؛ وفرق بين المولى وبين سائر العواقل بهذا.

стр. 5078

وقال إنما يخير المولى هاهنا؛ لأن التخيير للتخفيف والتخفيف مطلوب في الموضعين غير أن أثر التخفيف تحقق (١) في سائر العواقل بوجه آخر وهو التوزيع والقسمة عليهم على وجه لا يورث الإجحاف (٢)؛ لأن بهم كثرة فكان تخفيفًا؛ وأما هاهنا فالمولى واحد فإثبات التخفيف فيه إنما يحصل بإثبات الخيار له. غير أن الواجب الأصلي هو الدفع في الصحيح؛ هذا احتراز عن رواية أخرى ذكرها الإمام التمرتاشي (٣) (٤):؛ والصحيح أن الأصل هو الدية والأرش لكن للمولى أن يدفع هذا الواجب بدفع الجاني. وذكر في الأسرار: وقد ذكر بعض مشائخنا أن الواجب الأصلي هو الأرش على المولى وله المخلص بالدفع، ثم قال والرواية بخلاف هذا في غير موضع (٥). وقد نص محمد بن الحسن (٦): أن الواجب هو العبد (٧)؛ ولأن المولى ليس بجانٍ ولا عاقلة هو للعبد؛ لأن ولاية القرابة منقطعة بالرق والمولى ما اشتراه ليواليه ويعقل عنه بل ليستخدمه. ولهذا يسقط الموجب بموت العبد؛ أي إذا هلك العبد قبل الاختيار بريء المولى من مطالبة المجني عليه حقه من الدفع والفداء؛ ولو لم يكن الموجب الأصلي هو الدفع أو أحد شيئين من (٨) الدفع والفداء بالأرش لكان إذا هلك العبد قبل الاختيار أن يتعين الأرش وليس كذلك دل أن الموجَب الأصلي هو الدفع؛ وله التخليص باختيار الفداء ثم بعد ذلك أيًا منهما اختاره يكون ذلك حالًا ولا يكون مؤجلًا على ما ذكر في الكتاب (٩) كذا في الذخيرة (١٠) (١١).

стр. 5079

فإن قلت: قوله ولهذا يسقط الموجب بموت العبد لإيضاح أصالة الدفع دون الفداء؛ وهذا الحكم ثابت أيضًا فيما إذا أتلف العبد مال إنسان ثم مات يسقط الموجب بموته ولا يطالب المولى بضمان ما أتلف مع أن في إتلاف المال لم يشرع الدفع أصلًا، والرواية في الجامع الصغير (١) (٢) للإمام … التمرتاشي: صريحًا، وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): إشارة؛ قلتُ: حق صاحب الحق في الصورتين تعلق برقبة العبد؛ وإذا مات العبد فقد فات المحل الذي تعلق به حقهما فسقط الحق لذلك؛ وحاصله (٤) أن في صورة إتلاف المال الدفع حاصل أيضًا؛ لأن الغرماء هم الذين يتولون بيع العبد فكان العبد مدفوعًا إليهم. وذكر في آخر هذا الباب من المبسوط في هذه المسألة: وسواء مات العبد بآفة سماوية أو بعثه المولى في حاجته فعطب (٥) فيها أو استخدمه فلا ضمان عليه فيما لحقه بذلك؛ لأن للمولى حق الاستخدام في العبد الجاني ما لم يدفعه فلا يكون فعله ذلك تعديًا (٦) كما في مال الزكاة (٧)؛ فإن موجب مال الزكاة وهو وجوب الزكاة بعد حولان الحول يسقط عن صاحبه بهلاك ذلك المال وإن كان لصاحبه [حق] (٨) نقل (٩) آداء الزكاة من مال آخر بخلاف موت الجاني الحر؛ أي أن موجب جناية الحر لا يسقط عن العاقلة بموت الجاني فصار كالعبد في صدقة الفطر؛ أي فصار موت الجاني الحر في عدم سقوط الموجب كموت العبد في حق صدقة الفطر؛ فإن صدقة الفطر إذا وجبت على المولى لا تسقط بموت العبد فكذلك في موت الجاني الحر؛ فلأن التأجيل في الأعيان باطل (١٠)؛ لأن التأجيل شرع للتحصيل ترفهًا وتحصيل الحاصل باطل.

стр. 5080

وعند اختياره أي اختيار المولى الدفع الواجب وهو العبد عيّن؛ فلهذا وجب حالًا كالمبدَل. فإن قلت عدم صحة الأجل في المبدل لا يوجب عدم صحته في البدل (١) وذلك لأن البدل والمبدَل قد يتغايران في الأحكام. ألا ترى أن القِصَاص لا يتعلق به حق الموصَى له وإذا صار مالًا بمعنى من المعاني يتعلق به حقه والمال هناك بدل من القصاص. وكذلك الوضوء والتيمم يختلفان في حق النية وآداء الصلاة (٢)، وقضاؤها يختلفان في حق اقتداء المسافر بالمقيم، ولم ينظر في هذه المسائل وصف المبدل في حق البدل (٣) فينبغي أن يجب هناك كذلك. قلتُ نعم كذلك إلا أن الأجل في الديون عارض حتى لا يثبت إلا بالشرط على ما ذكر في فصل الضمان من كفالة الكتاب. ولما لم يثبت شرط التأجيل في الفداء ثبت حالًا؛ ولكن ذكر النظر إلى المبدل كان لبيان رجحان جانب الحلول على جانب الأجل؛ وذلك لأن الفداء لما وجب بمقابلة الجناية في النفس أو في العضو أشبه الدية والأرش وهما يثبتان مؤجلان وإن لم يثبت (٤) شرط التأجيل على ما مر؛ فكان ينبغي أن يجب الفداء مؤجلًا أيضًا بالقياس عليهما وإن لم يذكر شرط التأجيل؛ لكن لما اختار المولى الفداء كان الفداء دينًا في ذمته كسائر الديون فيجب أن يكون حالًا كما في … سائر الديون. ولما تعارض جانب الأجل والحلول في الفداء بهذا الطريق رجح جانب الحلول بأنه فرع لأصل هو حال فيجب أن يكون حالًا لئلا يفارق الخلف (٥) الأصل. أما مخالفتهما في تلك المسائل لمعانٍ ذكرناها في مواضعها وهي أن القصاص غير صالح [لحق (٦) الموصَى له بالمال فلا يتعلق حقه به، والتراب غير مطهر بطبعه فلم يكن بد من إلحاق النية به ليكون مطهرًا بها بخلاف الماء. وصلاة المسافر في القضاء غير قابلة للتغيير ففي الاقتداء بالمقيم في القضاء يلزم بناء القوي على الضعيف في حق القعدة الأولى فلا يجوز اقتداؤه بالمقيم في القضاء لذلك.

стр. 5081

فإذا خلى بينه وبين الرقبة سقط أي سقط حق مطالبة ولي الجناية من المولى كالوارث إذا خلى بين الغرماء وبين التركة لفوات حقه. على ما بيناه إشارة إلى قوله غير أن الواجب الأصلي هو الدفع إلى آخره (١). وإن مات أي العبد الجاني بعدما اختار الفداء لم يبرأ؛ أي سواء اختار المولى الفداء قولًا أو فعلًا لم يبرأ المولى عن الفداء. فإن قلتَ ما الفرق بين هذا وبين كفارة اليمين فإن [أحد] (٢) الأنواع الثلاثة من الإطعام والإلباس والإعتاق في كفارة اليمين لا يتعين إلا بالفعل ولا يتعين بالقول مع أن الجانب هناك مختار بين تلك الثلاثة؛ وههنا مولى العبد الجاني مختار أيضًا بين الدفع والفداء فيتعين أحدهما بالقول. قلتُ الفرق بينهما هو أن في حقوق الله تعالى المقصود (٣) هو الفعل والمحل تابع؛ وفي حقوق العباد المقصود هو تعيين المحل حتى يتمكن صاحب الحق من الاستيفاء؛ والتعيين يحصل بالقول كما يحصل بالفعل فكان القول محققًا غرض صاحب الحق. فإن عاد وجنى كان حكم الجناية الثانية حكم الأولى؛ أي يقال للمولى ادفعه بالجناية الثانية أيضًا أو افده كما هو الحكم في الجناية الأولى. معناه بعد الفداء إنما فسر المسألة بهذا لأنه إذا لم يفد الجناية الأولى ثم جنى أخرى كانت المسألة [عين المسألة] (٤) الثانية وهي قوله وإن جنى جنايتين قيل للمولى إما أن تدفعه إلى آخره (٥). لأن تعلق الأولى أي الجناية الأولى برقبته لا يمنع تعلق الثانية. فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين الرهن (٦) فإن تعلق حق المرتهن بالرهن منع تعلق حق الثاني به حتى إن الراهن لو مات بعد الرهن وعليه ديون أخرى سوى دين المرتهن لحقته قبل الرهن أو بعده لا تتعلق سائر الديون بالرهن، فقد منع هناك تعلق الدين الأول برقبته تعلق الدين الثاني بها؛ ولم يمنع ههنا تعلق حق المجني عليه الأول حق المجني عليه الثاني برقبة العبد الجاني.

стр. 5082

قلتُ الفرق بينهما من حيث إن الرهن إيفاء حكمي والارتهان استيفاء حكمي فيعتبران بالإيفاء والاستيفاء الحقيقين؛ ففي الإيفاء والاستيفاء الحقيقيين لا يبقى تعلق لسائر الديون فكذا في الحكم؛ وأما ههنا فمجرد التعلق لا الإيفاء ولا الاستيفاء لا حقيقة ولا حكمًا فلا يتنافيان في التعلق برقبة العبد الجاني. ومعنى قوله على قدر حقيهما (١): على قدر جنايتهما (٢)؛ لأن المستحق إنما يستحقه عوضًا عما فات عليه فلا بد من أن يقسم على قدر المعوّض كذا في الإيضاح (٣). لما ذكرنا وهو قوله: لأن تعلق الأولى برقبته لا يمنع تعلق الثاني. لأن أرش العين أي العين الواحدة. والحق يجب للمقتول ثم للوارث خلافة عنه؛ هذا جواب إشكال وهو أن يقال الحق وإن كان متحدًا بالنظر إلى السبب فهو متعدد بالنظر إلى المستحقين؛ فينبغي أن يكون حكم هذه المسألة مثل المسألة الأولى بأن يتمكن المولى من أن يفدي (٤) من أحدهما ويدفع إلى الآخر. فأجاب عنه بهذا وقال لا نُسَلِّم بأن المستحق متعدد بل المستحق متحد أيضًا كالسبب لأن الأصل في الاستحقاق الميت وهو واحد والوارثان خليفة عنه فكان الاعتبار لاتحاد الأصل. فإن قلت فاعتبار جانب الوارث أولى ههنا من اعتبار جانب الميت وذلك لأن الملك يثبت للوارث حقيقة وحكمًا؛ ويثبت الملك للميت حكمًا لا حقيقة لأنه ليس من أهل الملك حقيقة؛ ولما كان كذلك والوارث اثنان وجب أن يتمكن المولى من أن يفدي من أحدهما ويدفع إلى الآخر كما لو اختلفت الجنايتان ترجيحًا لجانب المالك حقيقة وحكمًا على المالك حكمًا لا حقيقة. قلتُ هذا الذي ذكرته هو وجه إحدى روايتي كتاب الدرر (٥) وأما في عامة (٦) الروايات فيصير المولى مختارًا للفداء في حق الوارثين جميعًا إذا اختار الفداء في حق أحدهما؛ فوجه ذلك هو أن ملك الميت أصل وملك الوارث بناءً عليه ولا شك أن اعتبار الأصل أولى من اعتبار الفرع فاعتبرنا جانب الميت وباعتبار جانب الميت كان المستحق واحدًا، فلذلك لم يتمكن المولى من الدفع إلى الآخر بعدما اختار الفداء في حق أحدهما إلى هذا أشار في الذخيرة (٧).

стр. 5083

فإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية ضمن الأقل إلى آخره (١). وحاصل هذا فيما ذكره في الذخيرة بقوله: والأصل في جنس هذه المسائل أن المولى متى أحدث في العبد تصرفًا يعجزه عن الدفع وهو عالم بالجناية يصير مختارًا للفداء. وإذا أحدث تصرفًا لا يعجزه عن الدفع لا يصير مختارًا وإن كان عالمًا بالجناية، لأن في الوجه الأول اختار إمساك العبد فيتعين دفع الفداء، لأن المخير بين شيئين في الإزالة إذا اختار إمساك أحدهما يلزمه إزالة الآخر عن ملكه؛ كمن أعتق أحد عبديه ثم باع أحدهما فإنه يتعين الآخر للعتق. وفي الوجه الثاني ما اختار إمساك العبد لأن الدفع بعدما باشر من التصرف ممكن فيبقى على خياره؛ فإذا ثبت هذا الأصل فنقول الإعتاق تصرف يعجزه عن الدفع لأن إعتاقه نافذ؛ لأن تعلق حق الغير بالعبد لا يمنع نفاذ العتق فيه وبعد نفاذ العتق لا يمكنه الدفع؛ فإذا أعتق مع العلم بالجناية فقد اختار (٢) إمساك العبد فيتعين الفداء بخلاف الإقرار على رواية الأصل. يعني إذا أقر الرجل الذي في يده العبد الجاني بأن هذا العبد لفلان؛ أي: لا يصير مختارًا للفداء لما ذكر في الكتاب؛ هذا الذي ذكره من الحكم بأنه لا يصير مختارًا للفداء فيما إذا أثبت (٣) بالبينة أنه لفلان، وأما إذا لم يثبت بالبينة فلا؛ لأنه ذكر في المبسوط ولو أن عبدًا في يدي رجل جنى جناية، فقال: ولي الجناية هو عبدك، وقال الرجل هو وديعة (٤) عندي لفلان أو عارية (٥) أو إجارة (٦) أو رهن؛ فإن أقام على ذلك بَيِّنَة أخرت الأمر فيه حتى يقدم الغائب؛ فإن لم يقم بينة خوطب بالدفع أو الفداء (٧).

стр. 5084

وقال زفر (١) هو مختار للدية بمجرد قوله: إنه لفلان؛ لأنه زعم أنه لا سبيل له على دفعه فيجعل به مفوتًا للدفع مختارًا للفداء كما لو أعتقه (٢). ولكنا نقول هو بكلامه هذا يزعم أنه ليس بخصم في هذه الجناية أصلًا واختياره ينبني على كونه خصمًا، فإذا أثبت بالبينة أنه ليس بخصم فيه صار إثبات ذلك بالبينة كالإثبات بالمعاينة. وإن لم يقم بينة على ذلك فهو الخصم باعتبار ظهور يده فيه، وهو متمكن من دفعه؛ فيخاطب بالدفع أو الفداء ولا معنى لجعله مختارًا للدية مع تمكنه من الدفع بالجناية. فإن فداه ثم قدم الغائب أخذ عبده بغير شيء؛ لأن ذا اليد كان أقر بالملك له وقد اتصل تصديقه بذلك الإقرار وقد كان ذو اليد متبرعًا في هذا الفداء فإنه ما كان مجبرًا عليه فلا يرجع بشيء منه على المقر له. وإن كان دفعه فالغائب بالخيار إن شاء أمضى ذلك وإن شاء أخذ العبد ودفع الأرش؛ لأن تصديقه اتصل بذلك الإقرار فيثبت الملك له ويتبين [أنه] (٣) كان له الخيار. لجواز أن الأمر كما قال؛ أي لجواز أن يكون العبد عبد المقَر له فيخاطب المقَر له بالدفع إلى ولي الجناية. وألحقه الكرخي (٤): بالبيع (٥). وذكر في الإيضاح وقد أطلق أبو الحسن (٦) (٧) أنه يصير مختارًا (٨) وهو رواية خارجة عن الأصول (٩)؛ وإطلاق الجواب وهو قوله ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها إلى آخره (١٠).

стр. 5085

وإطلاق البيع ينتظم البيع بشرط الخيار للمشتري؛ يعني إذا باع مولى العبد الجاني العبدَ بشرط الخيار للمشتري كان ذلك اختيارًا منه للفداء. وقال في الإيضاح: أما على قولهما؛ فلأن الملك يثبت للمشتري. وعلى قول أبي حنيفة (١): ملك البائع يزول وإن لم يثبت للمشتري وفوات الدفع يكون بزوال ملك البائع. بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ونقضه وبخلاف العرض على البيع؛ أي لا يثبت بهذين الفعلين اختيار الفداء لأن الاختيار إنما يثبت إذا فات إمكان الدفع ولم يَفُتْ (٢). وقال زفر: يكون مختارًا للفداء بهذين الفعلين لأنه [دليل] (٣) على استبقاء (٤) الملك، ولهذا يسقط خيار الشرط منهما (٥)؛ كذا في الإيضاح (٦). فإن قلتَ المشتري يشترط الخيار وإذا باع بشرط الخيار للبائع أو عرض (٧) على البيع يصير مختارًا للبيع ومجيزًا له؛ وكذلك البائع يشترط الخيار لنفسه إذا عرض على البيع (٨) يكون فاسخًا للبيع على ما مر؛ وكذا أشار إلى هذا في الإيضاح (٩) أيضًا على ما ذكرنا. فعلى هذا إذا باع بشرط الخيار للبائع أو عرض على البيع ينبغي أن يكون مختارًا للفداء. قلتُ لو لم يكن مخيرًا هناك بهذا التصرف كان التصرف بالعرض واقعًا في ملك الغير على تقدير تعذر الفسخ، والتصرف في ملك الغير حرام؛ وكذلك البائع لو لم يجعل فاسخًا بهذا التصرف كان تصرفه واقعًا في الأجرة في ملك الغير على تقدير الإجارة. أما ههنا لو لم يجعل مختارًا للفداء بهذا التصرف (١٠) لا يتبين بالدفع أنه تصرف في ملك الغير فافترقا؛ ولأن المشتري أو البائع لو لم يجعل مخيرًا (١١) أو فاسخًا لا يصح شراؤه وبيعه، لأنه يكون شراءً وبيعًا فيه غرر (١٢)؛ وههنا لا يلزم الغرر (١٣) في حق الدفع فيبقى مخيرًا بين الدفع والفداء لتمكنه من كل واحد منهما لعدم زوال ملكه.

стр. 5086

بخلاف الكتابة الفاسدة (١)؛ أي يصير مختارًا للفداء بمجرد عقد الكتابة الفاسدة بخلاف البيع الفاسد فإن هناك لا يكون مختارًا للفداء قبل التسليم إلى المشتري. وذكر الفرق في الإيضاح وقال لأن موجب عقد الكتابة الفاسدة ثبت بنفس العقد وهو تعليق العتق بالآداء فكانت الكتابة نظير البيع الفاسد بعد القبض (٢). وصورة الكتابة [الفاسدة] (٣) ما مر في المكاتب (٤) بقوله: وإذا كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمته فالكتابة فاسدة. وذكر في الإيضاح قبل هذا ولو أن المولى كاتب العبد الجاني (٥) وهو يعلم ثم عجز فإن كان خوصم قبل أن يعجز فقضى القاضي بالدية ثم عجز لم يرتفع القضاء؛ لأن الوجوب (٦) قد استحكم باتصال القضاء به. وإن لم يخاصم فيه حتى عجز كان له أن يدفعه به؛ لأن الدفع لم يفت على سبيل الإحكام لاحتمال ارتفاع فوات الدفع بالعجز (٧) (٨). وروي عن أبي يوسف (٩): أنه يصير مختارًا بالكتابة؛ لأنه تعذر الدفع باعتبار زوال اليد؛ واليد إنما تعود بسبب جديد. ولو ضربه فنقصه بأن أثر فيه حتى صار مهزولًا؛ أو قلَّتْ قيمته ببقاء أثر الضرب فهو مختار إذا كان عالمًا بالجناية. وأما إذا ضربه وهو غير عالم بالجناية كان عليه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية إلا أن يرضى ولي الدم أن يأخذه ناقصًا، ولا ضمان (١٠) على المولى؛ لأنه لما رضي به ناقصًا صار كأن النقصان حصل بآفة سماوية.

стр. 5087

ولو ضرب المولى عينه فابيضت وهو عالم به، ثم ذهب البياض قبل أن يخاصم فيه لا يكون مختارًا للفداء بل يدفع أو يفدي؛ لأن النقصان لما زال جعل كأن لم يكن. ولو خوصم في حالة البياض فضمَّنه القاضي الدية؛ ثم زال البياض فالقضاء نافذ لا يرد لأن الخيار قد استحكم بانضمام القضاء إليه. وكذا إذا كانت بكرًا فوطئها (١) أي يصير مختارًا للفداء، وإن لم يكن معلقًا؛ وإنما قيد به لإثبات الفرق بين وطأ البكر ووطأ الثيب؛ لأن بوطئ الثيب لا يكون مختارًا للفداء ما لم يكن الوَطئ معلَّقًا (٢) في ظاهر الرواية، فإذا علقت منه فحينئذ يكون اختيارًا للفداء. وروي عن أبي يوسف: [أن مطلق] (٣) الوطئ يكون اختيارًا لأن الحِل يختص (٤) بالملك فكان دليلًا على إمساك العين. فكان قوله في الكتاب بخلاف وطئ الثيب على ظاهر الرواية احترازًا عما روي عن أبي يوسف، وقول زفر مثل قول أبي يوسف هذا. وقوله لما قلنا إشارة إلى قوله لأنه حبس جزء منه. بخلاف التزويج أي لا يصير مختارًا للفداء بالتزويج لأن التزويج لا يعجزه عن الدفع كما لا يعجزه عن البيع. وفي المسألة طعن عيسى (٥)؛ ووجهه أن التزويج تعييب وبالتعييب يثبت اختيار الفداء كما لو ضرب على يديها وعينها. قلنا التعييب تفويت جزء منها حقيقة وأما النكاح فليس بتفويت لجزئها حقيقة فإنها بعد النكاح قائمة برمتها؛ وإنما دخلها العيب حكمًا، وبه لا يثبت اختيار الفداء كما لو أقر عليها بالسرقة مع العلم بالجناية؛ فإن بسبب هذا الإقرار يدخلها نوع عيب ولكن لما كان حكميًا لم يثبت به اختيار الفداء؛ لأنه لا ينقص من غير إتلاف (٦)؛ وإنما يجعل الوطئ في حكم جزء من العين إذا وقع في غير الملك وههنا قد وقع في الملك؛ فإن الملك يثبت مقتصرًا على عين الدفع.

стр. 5088

فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين البيع بشرط الخيار في حق وطأ الثيب فإن الوطئ هناك كان فسخًا للبيع وهنا لا يكون اختيارًا للفداء ما لم يُعَلق. قلتُ الفرق بينهما من حيث أن هناك لو لم يجعله فاسخًا العقد بالوطئ لكان إذا اختار العقد ملكها المشتري من وقت العقد، ولهذا استحق زوائدها فيتبين به أن الوطئ حصل في غير ملكه فللتحرز عن هذا جعلناه فاسخًا، وهنا إذا دفعها (١) بالجناية يملكها ولي الجناية من وقت الدفع، ولهذا لا يسلم له شيء من زوائدها فلا يتبين (٢) به أن الوطئ كان في غير ملكه. وبخلاف الاستخدام يعني لو استخدم العبد الجاني بعد العلم بالجناية لا يكون مختارًا للفداء حتى لو عطب في الخدمة لا ضمان عليه؛ وذلك لأن الاستخدام لا يختص بالملك فلم يدل على الاختيار. وكذلك لو كان عليه دين فاستخدمه المولى لم يضمن (٣) للغرماء ولا يصير مختارًا بالإجارة والرهن في الأظهر؛ هذا احتراز عما ذكر في بعض نسخ الأصل أنه يكون مختارًا في الرهن والإجارة؛ لأنه أثبت عليهما يدًا مستحقة فصار كالبيع. وجه ظاهر الرواية أن الإجارة تنتقض بالعذر فيكون قيام حق ولي الجناية فيها عذرًا في نقض الإجارة؛ والراهن يتمكن من قضاء الدين واسترداد الرهن متى شاء؛ فلم يتحقق عجزه عن دفعها بهذين الفعلين فلا يجعل ذلك اختيارًا وكذا الإذن (٤) في التجارة. وإن ركبه دين أي لم يَصِرْ المولى مختارًا للفداء بالإذن في التجارة؛ لأن الدين لحقه من جهة المولى، ووجوب الدين في ذمَّة العبد [نقصان للعبد؛ لأن الغرماء يتبعون ولي الجناية إذا دفع العبد إليهم فيبيعونه بديونهم؛ لكن ذلك بسبب من جهة المولى وهو الإذن] (٥) فكان له أن يمتنع من قبوله ناقصًا؛ هذا كله من المبسوط (٦) والإيضاح (٧) والذخيرة (٨).

стр. 5089

فهو مختار للفداء إن فعل ذلك أي إن فعل العبد تلك الأفعال وهي القتل والرَّمي والشج (١) فمات [الفلان] (٢) من ذلك الفعل عتق العبد وصار المولى بهذا التعليق (٣) مختارًا للفداء عند تحقق الفعل؛ لكن يجب أن يكون القتل قتلًا يوجب الدية كالخطأ وشبه العمد (٤) لا القصاص. وذكر شيخ الإسلام (٥) في صورة المسألة أن عتق العبد (٦) بضرب لا يوجب القصاص. وهكذا ذكر في المبسوط حيث قال فيه بعد ما ذكر المسألة كما ذكر في الكتاب؛ فإن كانت جناية العبد مما يتعلق به القصاص فلا شيء على المولى؛ لأن الواجب هو القصاص على العبد، وذلك لا يختلف بالرق والحرية فلا يصير المولى بالعتق مفوتًا حق ولي الجناية؛ فلذلك لا يلزمه شيء. ثم مات من اليد فالعبد صلح بالجناية؛ وهذا [يشكل] (٧) على أصل أبي حنيفة: وهو أن العفو عن قطع اليد عنده (٨) لا يكون عفوًا عن السراية والجناية؛ فالصلح عن القطع على العبد يجب أن لا يكون صلحًا عن الجناية أيضًا. والجواب أن بالسراية يتبين بطلان الصلح عن القطع؛ لأن حقه في النفس دون اليد فيبطل الدفع أيضًا بناءً على قطع اليد؛ ولكن يثبت عند الإعتاق صلح جديد بينهما. أما في جانب المولى فلا شك؛ لأنه رضى بدفع العبد بجناية القطع، فيكون أرضى (٩) بدفعه بجناية العقل. وكذا من جانب المجني عليه؛ لأنه لما أقدم على إعتاق العبد المدفوع مع علمه أن العتق مما لا ينفسخ ولو سرى يبطل الدفع ويجب عليه الرد ويعجز عن الرد بسبب العتق كان راضيًا بكونه بدل القطع وما يحدث منه دلالة؛ كذا ذكره الإمام المحبوبي: (١٠) (١١).

стр. 5090

لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده تصحيح الصلح؛ لأن الظاهر أن (١) من يقدم على تصرف بقصد تصحيحه ولا صحة لهذا الصلح بدون أن يجعل صلحًا عن الجناية؛ لأنه لما رضي بكون العبد عوضًا عن القليل وهو اليد يكون أرضى بكونه عوضًا عن الكثير وهو السراية إلى النفس. وذكر في بعض النسخ أي في بعض نسخ الجامع الصغير وبه صرح فخر الإسلام (٢): في الجامع الصغير وقال وقد ذكر في بعض نسخ هذا الكتاب هذه المسألة على خلاف هذا الوضع؛ فوجه المخالفة بيَّنا لوضعين هو أن في الوضع الأول الجاني عبد فدفع العبد بدون ذكر لفظ الصلح؛ وفي الثاني الجاني حر والعبد بدل الصلح. إلى آخر ما ذكرنا من الرواية؛ يعني وإن لم يعتقه رده إلى مولاه ثم يقال لأولياء الجناية إما أن تقتلوا وإما أن تعفوا؛ وهذا الوضع يَرِدُ إشكالًا فيما إذا عفي عن اليد. والإشارة بقوله وهذا الوضع: إلى الوضع الثاني، وإنما خص هذا الوضع بوروده إشكالًا؛ لأن دفع العبد في هذا الوضع بطريق الصلح، والصلح متضمن للعفو لأنه ينبيء عن الحطيطة (٣) فيكون هذا نظير العفو. ولا كذلك الوضع (٤) الأول لأن الدفع ثمة ليس بطريق الصلح بل بطريق الدفع؛ فلما لم يكن بطريق الصلح لم يكن فيه حط شيء فلا يرد إشكالًا على مسألة العفو حيث لا يجب القصاص هناك؛ لأنه قال هناك وهو عفو عن النفس؛ وههنا قال يجب لأنه قال وقيل للأولياء اقتلوه، أما إذا أعتقه (٥) فالتخريج (٦) ما ذكرناه وهو قوله لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده إلى آخره (٧).

стр. 5091

فأعتقه المولى ولم يعلم بالجناية قيد بعدم العلم ليبني عليه قوله فعليه قيمتان؛ لأنه لو أعتقه وهو عالم بجنايته كان عليه الدية إذا كانت الجناية في النفس لأولياء الجناية وقيمة العبد لصاحب الدين لأن الإعتاق بعد العلم بالجناية موجب للأرش دون القيمة على ما مر في الكتاب. وذكر في المبسوط فيما إذا جنى العبد جنايتين على التفاوت بأن قتل رجلًا خطأ وفقأ عين آخر؛ إن أعتقه المولى وهو يعلم بالجنايتين فهو مختار للفداء [فكان عليه] (١) خمسة عشر ألفًا في ماله؛ لأنه فوت محل الدفع بالإعتاق بعد العلم بالجناية؛ وذلك منه اختيار للفداء دلالة فهو كالتصريح بالاختيار، ويمكن الجمع بين الحقين إيفاءً (٢) من الرقبة الواحدة بأن يدفع إلى ولي الجناية ثم يباع للغرماء (٣). والأصل في هذا هو أن العبد إذا قتل رجلًا خطأ وعلى العبد دين يخير المولى بين الدفع والفداء؛ فإن اختار الدفع يبيع (٤) لأجل الغرماء في الدين؛ فإن فضل منه شيء كان لأصحاب الجناية، وإنما بدأنا بالدفع أولًا لأنا إذا دفعنا أولًا كان جمعًا بين الحقين؛ فإن [حق] (٥) أولياء الجناية صار موفَّى بالدفع ثم يباع بعده لأرباب الدين، ومتى بدأ بالدين أولًا تعذر الدفع بالجناية؛ لأنه تجدد الملك للمشتري ولم يوجد في يده جناية. فإن قيل (٦): فما فائدة الدفع إذا بيع في الدين بعد ذلك. قلنا فائدته أن يثبت له حق الاستخلاص بالفداء؛ فإن للناس أغراضًا في الإعتاق (٧)، وإنما لم يَبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجَب الجناية صيرورته حرًا (٨) فإذا كان مشغولًا وجب دفعه مشغولًا؛ ثم إذا بيع وفضل من ثمنه شيء صرف إلى أولياء الجناية؛ لأنه بيع على ملكهم؛ وإن لم يفِ بالدين تأخر إلى حال الحرية كما لو بِيعَ على ملك المولى الأول.

стр. 5092

ولو دفعه المولى إلى أولياء الجناية لم يضمن لأصحاب الدين شيئًا استحسانًا (١)؛ والقياس أن يضمن بالقيمة؛ لأن الدفع وإن كان واجبًا؛ ولكن الملك لم يكن ثابتًا؛ وإنما يثبت (٢) بدفعه لهم فصار كما لو باعه منهم؛ وجه الاستحسان أن هذا حكم مستحق عليه. ألا ترى أن القاضي يجبره على ذلك، فإذا فعل عين (٣) ما هو مستحق عليه لم يضمن به شيئًا، ولو دفع إلى أصحاب الدين بدينهم كان مختارًا للجناية ولزمه الأرش إن كان عالمًا والقيمة إن لم يكن عالمًا؛ لأن ما فعل (٤) غير مستحق عليه بل المستحق عليه الدفع إلى أولياء الجناية، ثم يباع في الدين على ملكهم؛ فكان دفعه بالدين تفويتًا للدفع إلى الأولياء فيضمن.

стр. 5093

ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عنده، ثم حضر أصحاب الجناية ولا فضل في الثمن فقد سقط حق ولي الجناية؛ لأن القاضي لا يلزمه عهدة فيما يصنع وهو بمنزلة الأمين، ولو فسخ البيع ودفع بالجناية لاحتجنا إلى البيع فلا فسخ؛ بخلاف المولى إذا باع لأنه يجوز أن يجب عليه الضمان بفعله كذا في الإيضاح (١). بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي أي إذا أتلف الرجلُ الأجنبيُّ العبدَ المأذون (٢) المديون لا يضمن للغرماء وإنما يضمن للمولى؛ ثم المولى يدفع تلك القيمة إلى الغرماء. فلا يظهر في مقابلته الحَقُّ أي حق الدفع لأن حق الدفع دون الملك. فيضمنهما؛ أي فيضمن المولى بالإعتاق لصاحب الدين وولي الجناية. وإذا استدانت الأمة المأذون لها ثم ولدت (٣) فإنه يباع الولد [معها] (٤)؛ وإنما وضع المسألة هكذا أي: فيما إذا ولدت بعد الاستدانة لأنها إذا ولدت ثم لحقها الدين بعد ذلك لم يتعلق حق غرمائها بولدها. وأما الأموال التي حصلت لها بطريق الهبة أو الصدقة أو بالتجارة فهي أحق بها من مولاها في أداء دينها بها؛ ويستوي في ذلك إن كانت اكتسبت قبل لحوق الدين أو بعد لحوق الدين لأن يدها في الكسب يد معتبرة حتى لو نازعها فيه إنسان كانت خصمًا له؛ فباعتبار بقاء يدها تبقى حاجتها فيه مقدمًا بخلاف ما إذا أخذ المولى منها قبل أن يلحقها الدين. وهذا بخلاف ما إذا ولدت قبل أن يلحقها الدين؛ لأن ولدها ليس من كسبها ولكنه جزء متولد من عينها؛ فكما أن نفسها لا تكون من كسبها فكذلك ولدها إلا أن نفسها تباع في الدين لالتزام المولى ذلك بالإذن لها في التجارة، وذلك لا يوجد في حق الولد؛ ولو تعلق به حق الغرماء إنما يكون بطريق السراية ولا سراية بعد الانفصال؛ لأن الولد بعد الانفصال نفس على حِدَة. وهذا بخلاف ما إذا كان الدين لحقها قبل أن تلد ثم ولدت؛ لأن حق الغرماء تعلق بها في حال (٥) ما كان الولد جزءًا متصلًا بها فيسري إلى الولد بحكم الاتصال فيفصل على تلك الصفة.

стр. 5094

وهذا بخلاف الدفع بالجناية؛ فإن الجانية إذا ولدت لا حق لأولياء الجناية في ولدها؛ لأن حقهم هناك في بدل المتلف وهو أرش الجناية أو في نفسها جزاءً على الجناية؛ ولكن ذلك ليس بحق متأكد [بدليل] (١) يمكن المولى من التصرف فيه كيف شاء بالبيع وغيره فلهذا لا يسري (٢) إلى الولد؛ وهنا حق الغرماء متأكد في ذمتها يتعلق بماليتها بصفة التأكد بدليل أنه لا ينفذ تصرف المولى فيها بالبيع والهبة ما لم يصل إلى الغرماء حقهم فيسري هذا الحق المتأكد إلى الولد؛ كذا ذكره في باب الدين يلحق المأذون من مأذون المبسوط (٣). وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه أن الدين حق مستقر في الأمَة حتى صار المولى ممنوعًا من بيعها وهبتها (٤) (٥)؛ فكان كحق الكتابة والتدبير (٦) لما كان حقًا مستقرًا في الرقبة سرى إلى الولد. وكالأضحية إذا ولدت سرى إلى ولدها؛ لأنه ثبت للغير حق مستقر حتى صار صاحبها ممنوعًا من الانتفاع بها من حلبها وجز صوفها. بخلاف القصاص فإنه لا يسري إلى الولد؛ لأن المستحق بالقصاص الروح لا الرقبة والولد يتولد من الرقبة لا من الروح. أما الدين فإنه يتعلق برقبتها حتى صار المولى ممنوعًا من التصرف في رقبتها. بخلاف الجناية فإنها لا تسري إلى الولد لأنه ليس لولي الجناية حق مستقر في العين حتى لم يصر المولى ممنوعًا من التصرف في العين بالبيع والهبة والاستخدام؛ فلذلك لم يسر إلى الولد كحق [الفقير] (٧) [في] (٨) قدر الزكاة بعد الحول؛ لأنه لما لم يمنع صاحب المال من التصرف لمْ يَسْرِ إلى الولد المتولد من مال الزكاة؛ إن الدين وصف حكمي فيها واجب في ذمتها متعلق برقبتها استيفاء. فإن قلت لو كان الدين واجبًا في ذمتها متعلقًا برقبتها لما ضمن المولى قيمتها بالإعتاق. وقد مر في المأذون وإذا أعتق المولى العبدَ المأذون وعليه ديون كان (٩) ضامنًا لقيمته للغرماء؛ فإتلاف المديون (١٠) غير موجب للضمان لرب الدين كما لو أتلف إنسان مديون غيره لا يضمن لرب الدين دَيْنَه؛ بل يضمن لولي القتيل دِيَته إذا كان القتل خطأ على ما مر آنفًا في قوله بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي.

стр. 5095

قلتُ وجوب ضمان قيمة العبد المديون على المولى إنما كان باعتبار تفويت ما تعلق به حقه مبيعًا واستيفاءً من ثمنه لا باعتبار وجوب الدين على المولى. ألا ترى أن الغرماء يتبعون العبد بعد العتق بما بقي من ديونهم [لا المولى؛ ولو كان وجوب الدين على المولى لطالبوا المولى بجميع ديونهم] (١) كما يطالب مولى العبد الجاني إذا أعتقه بعد العلم بجنايته بجميع الدية؛ لما أنَّ حقَّ ولي الجناية واجب على المولى بالدَّفع أو بالفداء. وأما إذا قتل إنسان مديونَ غيره إنَّما لا يضمن لرب الدين دينَه فللزوم الأقوى بمقابلة الأضعف؛ لأن القاتل لو ضمنه إنما يضمنه بحكم الملك؛ … أي: يتملك الدين الذي في ذمة المديون في ضمن ضمانه لرب الدين مثلَه؛ … فهو لا يصح لأن ما يؤدِّيه عين وما يتملكه وصف في الذمة والعين أقوى من الوصف، والمماثلة مرعيَّة في ضمان العدوان فلا يجب الأقوى بمقابلة الأضعف. وأما وجوب الدية عليه لولي القتيل فبالشرع صيانة للدم عن الهَدْر فمعنى التملك فيه غير منظور إليه. والسراية في الأوصاف الشرعية أي: سراية الحكم وتجاوزه من الأم إلى الولد إنما يكون في [الأوصاف الشرعية لا في] (٢) الأوصاف الحقيقية؛ فوجوب الدفع أثر الفعل الحقيقي فلذلك لم يَسرِ إلى الولد. فإن قلتَ يشكل على هذا سراية وجوب الدفع إلى الأرش الذي أخذه المولى بسبب جناية جنى عليها حيث يدفع المولى ذلك الأرش معها إلى ولي الجناية الذي جنت الأمة في حقه؛ فلو كان عدم السراية إلى الولد باعتبار أن الدفع فعل حقيقي فلا يسري أثره لكان ينبغي أن لا يسري إلى الأرش أيضًا بالطريق الأولى لما أن الولد جزؤها وأرشها ليس بجزء منها؛ فلما لم يسر إلى جزئها باعتبار أنه أثر فعل حقيقي كان أولى أن لا يسري إلى ما هو ليس بجزء منها. قلتُ لا كذلك بل يسري إلى الأرش ولا يسري إلى الولد لمعنى وهو أن حق ولي الجناية كان ثابتًا فيها بجميع أجزائها والأرش عوض عن الجزء الفائت فيها فيثبت حقه في عوض جزء منها أيضًا لما أن الجزء معتبر بالكل؛ فلما استحقها ولي الجناية عند الدفع كان مستحقًا لها بجميع أجزائها أصالة وعوضًا؛ وأرشها عوض جزئها فيستحقه أيضًا لذلك. ألا ترى أنها لو قُتِلت وأخذ المولى قيمتها كان عليه دفع تلك القيمة إلى ولي الجناية فكذلك إذا أخذ عوضَ جزء منها؛ وأما الولد فليس بعوض منها ولا من جزئها فلا يستحقه ولي الجناية لذلك؛ إلى هذا أشار في باب جناية العبد من ديات المبسوط (٣).

стр. 5096

لأنه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد ادَّعى الدية على العاقلة وأبرأ العبد؛ أي من كل الدية لا من قسطه في الدية. وأبرأ المولى أيضًا فلا يقبل زعمه على العاقلة فلذلك لم تثبت الدية له أصلًا. وحاصل هذا أن المجني عليه لما زعم أن الجاني حر كان زاعمًا أن موجب جنايته على عاقلته وأن رقبته غير مستحقة له وزعمه معتبر؛ فلذلك لم يكن له سبيل على أخذ العبد بعد هذا الإقرار. وكذلك لا شيء له على المولى أيضًا لأنه لم يدَّعِ على المولى بعد الجناية إعتاقًا حتي يصير المولى به مختارًا للفداء أو مستهلكًا حق المجني عليه بالإعتاق. وكذلك لا شيء [له] (١) على العاقلة بغير حجة وهو ظاهر. ووضع المسألة في المبسوط فيما إذا جنى العبد جناية خطأ ثم أقرَّ المجني عليه أنه حر قبل الدفع إليه؛ وجعل في الكتاب الإقرار بالحرية قبل الجناية وهما لا يتفاوتان. وأما لو أقر المجني عليه بعد الدفع إليه (٢) به فهو حر لأنه ملكه بالدفع وقد أقر بحريته فيعتق لإقراره؛ إلى هذا المجموع أشار في المبسوط. إلى حالة معهودة أي معلومة (٣)، وصار كما إذا قال البالغ العاقل طلقت امرأتي وأنا صبي أو أقر رجل بأنه كان أقر وهو صبي لفلان بألف درهم؛ وقال المقَرُّ له بل أقررت بها لي بعد البلوغ فالقول قول المقِرِّ مع يمينه لأنه أضاف الإقرار إلى حالة معهودة تنافي الوجوب به. فإن قول الصبي هدر في الإقرار والصبا حالة معهودة في كل أحد؛ فكان هو في المعنى منكرًا للمال لا مقِرًا به. فإن قيل هو قد ادعى تاريخًا سابقًا في إقراره والمقَر له منكر لذلك التاريخ فينبغي أن يكون القول قوله. قلنا المصير إلى هذا الترجيح بعد ثبوت أصل السبب ملزمًا؛ وإذا كان الإقرار في حالة الصبا غير ملزم أصلًا فلم يكن هو مدعيًا (٤) للتاريخ بالإضافة إليه بل يكون منكرًا لأصل المال عليه (٥)؛ كمن يقول لعبده أعتقتك قبل أن أُخْلق أو قبل أن تُخْلق؛ كذا في باب إضافة الإقرار إلى حالة الصغر من إقرار المبسوط (٦). لما ذكرنا أراد به قوله لأنه منكر للضمان إلا الجماع والغَلة (٧) استحسانًا؛ بأن قال جامعتك وأنت أمتي [أو أخذت منك غلة عملك وأنت أمتي] (٨)؛ فقالت بل كان ذلك بعد العتق؛ فإن القول قول المولى الذي هو المقر.

стр. 5097

وقال محمد (١): لا يضمن إلا شيئًا بعينه يؤمر برده عليها (٢)؛ يعني لو كان أقر بأخذ شيء منها بعينه والمأخوذ قائم في يده واختلفا فيه على هذا الوجه أجمعوا (٣) في ذلك على أنه يرد ذلك عليها. وفي الشيء القائم إلى آخره (٤) جواب عن هذه المسألة المجمع عليها؛ كما إذا قال فقأت عينك اليمنى وعيني اليمنى صحيحة ثم فقئت؛ يريد بهذا براءته عن ضمان العين قصاصًا وأرشًا؛ والمقر له يقول لا بل فقأتها وعينك اليمنى مفقوءة؛ يدعي وجوب نصف الدية عليه. وحاصل هذا أن جنس العضو الذي أتلفه المتلف لو كان منه صحيحًا ثم سقط يسقط القصاص أيضًا؛ وهذا لأن حق المجني عليه [متحقق] (٥) متعين في القصاص بطريق الأصالة على ما مر من أصل أصحابنا أن موجب العمد القود (٦) على سبيل التعيين. وله أن يعدل إلى المال وقبل أن يعدل الحق من القصاص إذا فات المحل بطل الحق؛ هكذا ذكر في الإيضاح (٧).

стр. 5098

ثم ذكر فيه في باب الجوارح الناقصة لو كانت يد القاطع صحيحة ثم شلت بعد القطع فلا حق للمقطوع في الأرش؛ لأن حقه ثبت ابتداء في يده من غير خيار؛ ولو ذهب الكل بآفة سقط حقه ولم ينتقل إلى الأرش فكذا إذا نقصت بآفة. فإن قلت هذا الذي ذكرته حسن ولكن ذلك في غير العين من الأعضاء؛ أما في العين فلا قصاص سوى في إذهاب الضوء منها؛ فإنه لا يجب القصاص في فقأ (١) العين وتقويرها (٢)؛ لأنه ذكر في الكتاب في أوائل باب القصاص فيما دون النفس بقوله ومن ضرب عين رجل فقلعها لا قصاص عليه؛ وهكذا أيضًا ذكر في الإيضاح (٣) والذخيرة (٤). وقال ولا قصاص في العين إذا قورت عمدًا أو انخسفت (٥)؛ وإنما يجب القصاص إذا كانت قائمة وذهب ضوءها. وقال في المنتقى (٦) (٧) قال أبو حنيفة [ومحمد] (٨) ﵏ لا قصاص في قلع الحدقة (٩) وإنما القصاص في العين إذا ضربها فذهب ضوؤها (١٠). قلتُ نعم كذلك إلا أنه ذكر في الذخيرة بعد ما ذكر هذه الروايات التي ذكرتها محيلًا إلى الأجناس أنه لو ضرب عين إنسان بإصبعه ضربة خفيفة فذهبت وقد تعمد ذلك ففيه القصاص (١١)؛ فيجوز أن يحمل ما ذكره في الكتاب على تلك الرواية. وذكر في الذخيرة أيضًا محيلًا إلى الأصل إذا فقئت العين عمدًا فذهب نورها (١٢) ولم تنخسف ففيها القصاص؛ لأن اعتبار المساواة ممكن متى لم تنخسف العين بخلاف ما لو انخسفت العين (١٣)؛ فكان ما ذكره في الكتاب محمولًا على فقأ عين ذهب نورها من غير انخساف على ما ذكر في الذخيرة والله أعلم.

стр. 5099

لأن وطأ المولى أمته المديونة لا يوجب الفقر؛ لأن حق الغرماء لا يتعلق بمنافع بُضْعِهَا (١) لأنها ليست بمال و كذلك أخذ الغلة؛ فإن المولى إذا ضرب على عبده غلة وهو مديون يصح؛ ولو أخذ لا يكون مضمونًا على المولى فكان منكرًا لا مقرًا كذا ذكره الإمام الكساني (٢) (٣):. وإذا أمر العبد المحجور عليه صبيًا أي صبيًا حرًا؛ لأن هذا الحكم وهو وجوب الدية على عاقلة الصبي على تقدير القتل إنما يستقيم أن لو كان الصبي المأمور حرًا؛ إذ لو كان عبدًا كان مولاه مخيرًا بين الدفع والفداء؛ ثم بعد الدفع أو الفداء يرجع مولى العبد القاتل على العبد المحجور الآمر بعد العتاق بقيمة عبده القاتل. وحاصل هذا أن الآمر والمأمور بالقتل إما إن اتحد حالهما أو اختلف فكل منهما على وجوه؛ لأنه إن اتحد حالهما فلا يخلو إما أن كانا حُرَّين بالغين أو صبيين أو عبدين بالغين مأذونين أو محجورين (٤) أو مكاتبين. وإن اختلف حالهما إما أن كان الآمر حرًّا كبيرًا والمأمور صبيًّا حرًّا أو عبدًا؛ أو كان الآمر عبدًا كبيرًا محجورًا أو [مأذونًا] (٥) والمأمور صبيًا حرًّا أو عبدًا؛ فإن كانا حرين بالغين بأن يأمر حر بالغ حرًّا بالغًا آخر بقتل رجل فقتله خطأ فإنه لا يرجع على الآمر بحال؛ لأنه لم يصح الأمر ولا يأتمر المأمور بأمر مثله خصوصًا في القتل. وكذلك الآمر إذا كان بأي وصف كان بعد أن كان المأمور الحر مختارًا غير مكره في القتل لا يرجع [على الآمر وكذلك لو كانا صبيين فقتل الصبي المأمور رجلًا عمدًا أو خطأ لا يرجع] (٦) عاقلة الصبي القاتل على عاقلة الصبي الآمر لأن أمر الصبي باطل فيجعل وجوده كعدمه؛ ولهذا لا يصح إقرار الصبي ولا كفالته ولا يؤاخذ الصبي بضمان القول.

стр. 5100

فعلى هذا لا يتفاوت أن يكون الآمر والمأمور بأي وصف كانا بعد أن كانا صبيين؛ سواء كانا حرين أو عبدين أو أحدهما حرًّا والآخر عبدًا؛ لا يرجع الصبي المأمور بالقتل إذا قتله على الصبي الآمر حتى لو كان الآمر عبدًا صغيرًا محجورًا أو مأذونًا والمأمور كبيرًا ومثله لم يرجع مولى الجاني على الآمر في الحال ولا بعد الإعتاق كما (١) قلنا. أما لو كان الآمر حرًّا كبيرًا والمأمور صغيرًا فقتل؛ فالدية على عاقلة الصبي، ثم يرجع بذلك عاقلة الصبي على عاقلة الآمر؛ لأنه استعمله في أمره ولحقه فيه ضمان فيضمن. ألا ترى أنه لو دفع إليه سكينًا ليحفظه فوقع السكين من يده فجرحه؛ أو بعثه في حاجته فهلك فيه يضمن الدافع والباعث فكذلك هاهنا. فإن قيل هذا ضمان لزمه بالقول وهو الأمر فلا تتحمله العاقلة؛ كما لو أقر بقتل أو شهد على رجل بقتل فقضى به وقتله الولي ثم رجع فالضمان في ماله دون العاقلة. قلنا بل الضمان بالقول ولكن قول لا يحتمل الكذب وهو كالفعل المعايَن حكمًا فتضمن العاقلة، وإن كان قولًا في نفسه كرجل أشهد عليه في حائط مائل فلم يهدمه حتى سقط فقتل رجلًا كان الضمان على العاقلة وإن كانت الجناية لزمته بالقول وهو الإشهاد، ولما أن الإشهاد لا يحتمل الكذب كذلك هاهنا. بخلاف الإقرار والشهادة (٢) لأنه يحتمل الصدق والكذب. ولو كانا عبدين بالغين فلا يخلو إما أن كانا محجورين أو مأذونين؛ فإن كان كلاهما محجورًا بأن أمر عبد محجور عبدًا محجورًا وهما كبيران أو الآمر كبير والمأمور صغير بقتل رجل فقتله يخير مولى المأمور بين الدفع والفداء في عبده؛ وأي ذلك فعل لا سبيل له على الآمر ومولاه حتى يعتق؛ فإذا عتق الآمر حينئذ يرجع مولى المأمور على الآمر فيأخذ منه قيمة عبده المأمور؛ لأنا جعلنا الأمر بالقتل كالإقرار بالغصب (٣) [وفي الإقرار بالغصب] (٤) لا يؤاخذ به في الحال، وإنما يؤاخذ به بعد العتاق فكذلك هاهنا.

стр. 5101

وإن كان كلاهما مأذونين أو الآمر عبدًا مأذونًا والمأمور عبدًا محجورًا صغيرًا أو كبيرًا فقتله المأمور؛ يخير مولى الجاني بين الدفع والفداء؛ وأي ذلك فعل رجع في رقبة العبد الآمر بقيمة عبده يباع فيه أو يفدي؛ لأن الآمر بالأمر صار غاصبًا (١) للمأمور فصار كإقراره بالغصب؛ والمأذون لو أقر بغصب مال لزمه في الحال فيباع فيه أو يفدي فكذا إذا أمر؛ هذا إذا كان المأمور عبدًا. وأما إذا كان المأمور بقتل رجل صبيًّا حرًّا والآمر عبدًا مأذونًا أو محجورًا فقتل الصبيُّ المأمور بقتله ذلك الرجلَ، ضمن عاقلة الصبي الدية مؤجلة في ثلاث سنين، فلا رجوع لهم على العبد وإن كان مأذونًا له في التجارة؛ لأن هذا الضمان ليس بضمان الغصب لأن الحر لا يغصب، وإنما هذا ضمان جناية [وجناية] (٢) العبد لا تلزمه بعد العتاق. ألا ترى أنه لو باشر الجناية ثم أعتقه مولاه لا يطالب هو بحكم تلك الجناية. كذا هنا بل بالطريق الأولى؛ لأنه لما لم يؤاخذ العبد بعد العتاق بموجب جناية باشرها في الرق (٣) وجب أن لا يؤاخذ بموجب جناية أقر بها بعد العتاق بالطريق الأولى؛ وهو أنَّ أمره بالقتل كالإقرار بالجناية لأن كلًا منهما قَوْلي. ولو أقر بالجناية لم يلزمه شيء أصلًا لا في الحال ولا بعد العتاق سواء كان عبدًا محجورًا أو مأذونًا؛ لأن الإذن بالتجارة إذن بما يختص بالتجارة، والإقرار بالجناية ليس من توابع التجارة، فكان إقرار المأذون والمحجور فيه سواء، ولو كانا مكاتبين بأن أمر المكاتب مكاتبًا آخر مثله صغيرًا أو كبيرًا فالجناية في عنق القاتل ولا غُرم على الآمر. وكذا لو كان الآمر حرًّا أو عبدًا والمأمور مكاتبًا فالجناية في عنق المكاتب؛ لأن المكاتب بمنزلة الحر يدًا، فلا يصير مضمونًا بالغصب. وأحكام صور اختلاف حال الآمر والمأمور اندرجت فيما ذكرنا؛ هذا كله من الجامع الصغير (٤) للإمام التمرتاشي والإمام المحبوبي: (٥).

стр. 5102

وعمده وخطؤه سواء على ما بينا من قبل؛ أي قبيل فصل الجنين، ويرجعون على العبد الآمر بعد العتاق؛ ففي هذه الرواية نوع ضعف لما ذكرنا من رواية هذين الكتابين. ودليلنا (١) الظاهر في أنهم لا يرجعون على العبد بعد العتق؛ فكذلك رواية المغني (٢) (٣) أيضًا محيلًا إلى الزيادات (٤) (٥) توافق تلك الرواية (٦). فقال ولو أمر العبد المأذون صبيًّا حرًّا بالقتل، فدية المقتول على عاقلة الصبي، ولا يكون لعاقلة الصبي حق الرجوع على الآمر. وكلامنا فيما إذا كان المأمور صبيًّا حرًّا على ما ذكرنا. وكذلك إن أمر عبدًا معناه أن يكون الآمر عبدًا والمأمور (٧) عبدًا محجورًا عليهما، إلى أن قال ولا رجوع له على الأول في الحال. وهذا الذي ذكره من الحكم لا يقتضي أن يكون الآمر والمأمور كلاهما محجورًا عليهما لا محالة، بل يكتفي بأن يكون الآمر محجورًا عليه؛ لأنه إذا أمر العبد المحجور العبدَ المأذون وباقي المسألة بحالها فالحكم كذلك. أما لو كان الآمر عبدًا مأذونًا والمأمور عبدًا محجورًا أو مأذونًا يرجع مولى [العبد] (٨) القاتل بعد الدفع أو الفداء على رقبة [العبد] (٩) الآمر في الحال بقيمة عبده؛ لأن الآمر بأمره صار غاصبًا للمأمور فصار كإقراره بالغصب؛ والعبد المأذون لو أقر بالغصب يؤاخذ به في حال رقه بخلاف المحجور على ما ذكرنا. فإن قيل كيف يكون غاصبًا للعبد بالأمر وهو قوله والغصب لا يكون إلا بالنقل (١٠) والتحويل.

стр. 5103

قلنا إن لم يوجد منه النقل فقد وجد الأمر بالنقل فأقيم مقام النقل كمن أمر عبدًا ليحمل له حملًا فحمله وهلك فيه ضمن الآمر (١)، وإن لم يوجد منه النقل (٢) لكن لما وجد منه الأمر بالنقل أقيم مقامه؛ كذلك هاهنا؛ كذا ذكره الإمام المحبوبي (٣):. لأنه غير مضطر في دفع الزيادة، أي لا ضرورة له في إعطاء الزيادة؛ لأنه يتخلص عن عهدة الضمان بإعطاء الأقل من الفداء أو قيمة العبد؛ لأنه إنما أتلف بأمره ما هو الأقل منهما. وإن دفعه دفعه إليهم أثلاثًا؛ ثلثاه لولي الخطأ وثلثه لغير العافي من ولي العمد عند أبي حنيفة:؛ وقالا يدفعه أرباعًا إلى آخره (٤) وأصل هذا مما اتفقوا عليه هو أن قسمة العين إذا وجبت بسبب دين في الذمة كالغريمين في التركة ونحوها كانت القسمة بطريق العول (٥) والمضاربة (٦)؛ لأنه لا تغاير (٧) في الذمة؛ فيثبت حق كل واحد منهما على وجه الكمال فيضرب بجميع حقه. أما إذا وجبت قسمة العين ابتداءً لا بسبب دين في الذمة كما في مسألة بيع الفضولي (٨)؛ وهي أن فضوليًّا لو باع عبدَ إنسانٍ وفضوليًّا آخر باع نصفَه فأجاز المولى البيعين كان العبد بين المشتريين أرباعًا فكانت القسمة بطريق المنازعة؛ لأن الحق الثابت في العين ابتداءً لا يثبت بصفة الكمال عند المزاحمة؛ لأن العين الواحد يضيق عن الحقين على وجه الكمال فكانت القسمة بطريق المنازعة.

стр. 5104

ولما ثبت هذا قال أبو يوسف ومحمد ﵏ في مسألتنا هذه: ثلاثة أرباع العبد المدفوع (١) لولي الخطأ (٢) وربعه (٣) للساكت من ولي العمد؛ [لأن حق ولي العمد] (٤) كان في جميع الرقبة. فإذا عفا أحدهما بطل حقه وفرع النصف فيتعلق حق ولي الخطأ بهذا النصف بلا منازعة؛ بقي النصف الآخر واستوت منازعة ولي الخطأ والساكت من ولي العمد في هذا النصف؛ فصار هذا النصف بينهما نصفين، فكانت القسمة بينهما بطريق المنازعة أرباعًا كما في مسألة الفضوليَّيْن. ولأبي حنيفة: أن أصل حقهما ليس في عين العبد بل في الأرش الذي هو بدل المتلف [والقسمة في غير العين] (٥) تكون بطريق العول والمضاربة؛ وهذا لأن [حق] (٦) ولي الخطأ في عشرة آلاف، وحق شريك العافي في خمسة، فيضرب (٧) كل واحد منهما بحصته (٨)؛ كرجل عليه ثلاثة آلاف درهم؛ ألف لرجل وألفان لآخر، مات المَدِين وترك ألفًا، كانت التركة بين صاحبي الدين أثلاثًا بطريق العول والمضاربة؛ ثلثاها لصاحب الألفين وثلثها لصاحب الألف كذلك هاهنا بخلاف بيع الفضولي؛ لأن الملك يثبت للمشتري في العين ابتداءً؛ إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٩) (١٠)

стр. 5105

والمحبوبي في الجامع الصغير (١). وإذا كان عبد بين رجلين فقتل مولى -أي قريبًا- لهما بأن قتل أخًا أو عمًّا لمولييه. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (٢) أي الأقاربَ. ويحتمل أنه أراد به عبدًا لهما أعتقاه فعفا أحد الموليين بطل حق الآخر في النفس والمال جميعًا. وقال [أبو يوسف] (٣) ومحمد ﵏: يقال للعافي ادفع نصف نصيبك إلى شريكك أو افده بربع (٤) الدية. قال أبو يوسف [ومحمد] (٥) رحمهما الله: إن حق كل واحد من الموليين في نصف القصاص شائعًا (٦) لأن ملك المولى لا يمنع استحقاق القصاص له؛ فإذا عفا أحدهما انقلب نصيب [الآخر] (٧) - وهو النصف- مالًا غير أنه شائع في الكل؛ فيكون نصفه في نصيبه ونصفه في نصيب صاحبه، فما يكون في نصيبه سقط لضرورة أن المولى لا يستوجب على عبده دينًا؛ وما كان في نصيب صاحبه بقي وذلك نصف النصف وهو الربع؛ فلذلك يدفع نصف نصيبه وهو الربع أو يفديه بربع الدية. ولأبي حنيفة: أن نصيب العافي قد سقط ونصيب الآخر - وهو النصف- يحتمل أن يكون كله في ملك شريكه فينقلب كل هذا النصف مالًا. ويحتمل أن يكون كله في ملك نفسه فيبطل أصلًا؛ ويحتمل أن يكون نصفه في ملك نفسه ونصفه في نصيب العافي فينقلب نصف هذا النصف مالًا وهو الربع. فلما احتمل هذا واحتمل ذاك لا ينقلب [مالًا] (٨) بالشك؛ لأن المال لا يجب بالشك والاحتمال؛ أو نقول إن القصاص إذا صار مالًا صار بمعنى الخطأ، ولو كان القتل خطأ لا يجب شيء فهذا مثله؛ إلى هذا أشار في شروح الجامع الصغير (٩) (١٠). وذكر في بعض النسخ؛ أي في بعض نسخ الجامع الصغير. والله أعلم (١١).

стр. 5106

فَصْل [في الجناية على العبيد] (١) لما فرغ من بيان أحكام جناية العبيد شرع في بيان أحكام الجناية على العبيد، وإنما قدم جناية [العبيد] (٢) على الجناية عليهم؛ لأن الفاعل قبل المفعول (٣) وجودًا فكذا ترتيبًا. وفي الأَمَة إذا زادت قيمتها (٤) على الدية (٥) خمسة آلاف إلا عشرة هذا أظهر الروايتين. وفي رواية الحسن (٦) عن أبي حنيفة: أنه يجب خمسة آلاف درهم (٧) إلا خمسة دراهم، كذا في المبسوط (٨) والذخيرة (٩). وقال أبو يوسف (١٠) والشافعي (١١) رحمهما الله: تجب قيمته بالغة ما بلغت (١٢)؛ وهذا القول من أبي يوسف قوله الآخر، وكان يقول أولًا مثل قولهما؛ وهذا الاختلاف بناء على أن الواجب بقتل العبد خطأ ضمان المال أم ضمان النفس.

стр. 5107

فأبو يوسف والشافعي رحمهما الله رجحا جانب المالية (١) فقالا لو جعلنا الواجب بمقابلة المال كان [فيه] (٢) تحقيق المماثلة؛ لأن المال وإن كثر لا يماثل النفس؛ واعتبار المماثلة في ضمان العدوان واجب، فلذلك وجبت قيمته بالغة ما بلغت كما في الغصب. وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله رجحا جانب النفسية وقالا: النفس أعظم خطرًا من المال، فكان إلحاق الضمان بمقابلته أولى؛ ثم ضمان الحر لا يزاد على عشرة آلاف درهم فضمان العبد وهو دون الحر أَوْلى. ثم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يكون ذلك على عاقلة القاتل؛ لأنه ضمان النفس. وعلى قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله لا يكون على العاقلة لأنه ضمان المال؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان (٣) (٤): لهما أن الضمان بدل المالية ولهذا (٥) يجب للمولى؛ يعني لو كان بدل الدم لكان للعبد؛ إذ هو في حق الدم مبقى على أصل الحرية. فإن قيل (٦) وجوب الدية للمولى لا يدل على كونه بدل المالية؛ ألا ترى أن القصاص يجب للمولى لو قتل عبده عمدًا، وهو ليس بمقابلة المالية بالاتفاق. قلنا استيفاء القصاص يبتني على الولاية (٧)؛ قال رسول الله ﷺ : «السلطان ولي من لا ولي له» (٨) والمولى ولي العبد فيجب القصاص له؛ فأما استحقاق المال لا يبتني على الولاية بل على الإرث إذا وجد سببه ولا يجري الإرث بين المولى وعبده؛ فعلم أنه إنما يستحقه لجبران فوات ماله كما في سائر الأموال.

стр. 5108

ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إنما صرح باسمهما مع تقدم اسمهما مرة صريحًا ولم يكن ذلك من دأبه لدفع الاشتباه عن اسم أبي يوسف والشافعي رحمهما الله لأنه وقع هاهنا في كل طرف اثنان بحسب اتفاق الحال. قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) فوجه التمسك بهذه الآية على أن العبد داخل في حكم هذه هو أن الله تعالى ذكر حكمين في هذه الآية الكفارة والدية بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، فبالاتفاق أن العبد داخل في حق وجوب الكفارة مثل دخول الحر فيه فيجب أن يكون في حق الدية كذلك؛ فإن نفس العبد تضمن بالكفارة كنفس الحر فكذلك بالدية بمقابلة النفس مقدرة بالنص لا يجوز الزيادة عليها بالرأي ولا يجوز إسقاطها بالرأي. ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفًا، أي بالإيمان والشرائع التي تجب عليه مثل الصلاة والصوم وغيرهما من شرائع المعاملات والعقوبات (٣)، وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما، والدليل على أن صفة المالية في هذا المحل تابعة للنفس؛ لأن قوام المالية ببقاء النفسية؛ وهذا هو علامة التبع مع المتبوع، فلا يجوز إهدار الأصل بحال لمراعاة التبع؛ لأن في اعتبار الأصل اعتبار التبع، وليس في اعتبار التبع اعتبار الأصل. فإذا جعلنا الضمان واجبًا باعتبار النفسية كنا قد اعتبرنا ما هو الأصل؛ وباعتباره يحصل اعتبار التبع فكان ذلك أولى من أن يجعل بمقابلة المالية ويهدر معنى النفسية. والدليل على ما قلنا فصل القصاص؛ فإن القصاص يجب باعتبار معنى النفسية، ثم لا يجب على المولى إذا قتل عبده لأنه غير مفيد؛ لأن القصاص إنما يجب لمولاه استيفاء على سبيل الخلافة عنه، فلو [وجب] (٤) وجب له على نفسه؛ ومن قال القصاص واجب باعتبار المالية فهو لغو من الكلام؛ لأن المال لا يضمن بالقصاص بحال فكيف يضمن المال به، والمقصود بالمال التمول والادخار لوقت الحاجة، وليس في القصاص شيء من ذلك. وبهذا يتبين ترجح معنى النفسية على معنى المالية؛ لأن المتلَف (٥) في حالة الخطأ ما هو المتلَف (٦) في حالة العمد؛ فلما (٧) جعل المضمون فيه (٨) في حالة العمد معنى النفسية فكذلك في حالة الخطأ؛ ومن قال يجمع بينهما فذلك فضل من الكلام؛ لأنه لو كان هنا طريق إلى الجمع بينهما لكان ينبغي أن يضمن الدية مع كمال القيمة أو يستوفي في حالة العمد القصاص باعتبار النفسية والقيمة باعتبار المالية وأحد لا يقول بذلك، فعرفنا أنه لا وجه للجمع بينهما لما بين الوصفين من المغايرة على سبيل المضادة.

стр. 5109

وأما النقصان فنقول بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في المحل. ألا ترى أنه ينقص بالأنوثة وبالكفر على أصل الخصم وبالاجتنان (١) في البطن بالاتفاق؛ فإن بدل الجنين دون بدل المنفصل (٢) وإن كان الوجوب باعتبار النفسية هناك إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرًّا أو مملوكًا؛ فكذلك يجوز أن ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية، وهذا لأن تكميل الدية باعتبار كمال صفة المالكية. ألا ترى أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذَّكر لأن الذكر أهل لمالكية المال (٣) والنكاح (٤)، والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح، فإنها مملوكة نكاحًا فينتصف بدلها لذلك.

стр. 5110

والجنين ليس بأهل للمالكيتين في الحال ولكن فيه عرضية (١) الأهلية؛ لذلك إذا انفصل حيًّا فباعتباره ينتقص بدله غاية النقصان. فإن قيل لو كان التعليل بمعنى المالكية والمملوكية صحيحًا لنقصت دية العبد عن دية المرأة لأنها تملكه. قلنا من حيث إن العبد نفس يدخل تحت حمل أمانة الله تعالى لم يصرف مالًا وبقي على حكم الحرية وصحة النكاح يبتني على هذا الوصف؛ لأن عقد التناكح لا يجري بين الأموال؛ وهو من هذا الوجه يملك الحرة نكاحًا فتصير المرأة تبعًا له في حق النفسية وما يبتني عليها، وقد ذكرنا أنه عند التعارض بين النفسية والمالية الاعتبار لجانب النفسية لرجحان النفسية على المالية على ما ذكرنا؛ فلما كان العبد (٢) هو المالك للحرة فيما يرجع إلى النفسية كانت دية المرأة أنقص من دية العبد التي تبلغ دية الحر، ولأن قيمة العبد إذا كانت أقل من خمسة آلاف تجب دون دية المرأة لأنها تملكه؛ وإذا كانت القيمة أكثر من ديتها يجب أكثر لأنه يملكها نكاحًا قولًا بالشبهين. فإن قلت ما جوابنا عمَّا احتج به الخصم بأن عمر (٣) وعليًّا (٤) وابن … عمر (٥) ن أوجبوا في قتل العبد (٦) قيمته بالغة ما بلغت (٧).

стр. 5111

والدليل أيضًا (١) في أن الواجب في قتل العبد (٢) ضمان المال لا النفس أن الضمان يجب للمولى [باعتبار] (٣) ملكه، وملكه في عبده ملك مال، فالضمان الواجب له يكون ضمان المال أيضًا؛ ولأنه يرجع إلى تقويم المقوِّمين أيضًا في الأسواق فنوجب به جنس نقد السوق وهو يختص بضمان المال. وأما في الدية التي بمقابلة النفس إنما يجب الإبل ونحوها ولا مدخل للإبل هاهنا، ولأن قيمة العبد تختلف باختلاف أوصاف المتلف في الحسن والجمال وسلامة الأطراف، وتنتقص قيمته بذهاب أطرافه كما في المال، فلو كانت قيمته بمقابلة النفس لما انتقصت قيمته بنقصان أطرافه كما لا تنتقص الدية بنقصان أطراف الحر. ولأنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا نصف القيمة بالغة ما بلغت زائدة على الدية، فلما وجب هكذا في نقصان الطرف ينبغي ألّا ينتقص عنه بإتلاف الكل وإلا يلزم القبح؛ وهو أن يجب بقطع طرفه خمسة عشر ألفًا وبقتله عشرة آلاف إلا عشرة. ولأن الراهن إذا قتل المرهون يضمن قيمته لحق المرتهن، ولا حق للمرتهن إلا في المالية؛ ولهذا لا يجب عليه القصاص [بحال لأن القصاص] (٤) بدل عن النفسية؛ فلو كانت القيمة كذلك لما وجبت على الراهن إذ لا وجوب عليه إلا المال. قلتُ: أما الجواب عن الأثر فنعارضه بقول ابن مسعود (٥) ط: «لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم» (٦)؛ وهذا كالمروي عن رسول الله ﷺ ؛ لأن المقادير لا تعرف بالقياس وإنما طريق معرفتها التوقيف والسماع من صاحب الوحي (٧)، فكان في هذا دليل الرفع والسماع من رسول الله ﷺ ؛ لأن فيه ذكر المقدار وهو مما لا يهتدي إليه العقل.

стр. 5112

ومن هذا الطريق رجحنا المروي عن ابن مسعود- ﵁ -على ما رواه الخصم؛ لأنه ليس فيه ذكر المقدار بل فيه قياس سائر الأموال من تبليغ قيمته إلى ما بلغت؛ فكان ذلك الأثر محمولًا على أنهم قالوه من رأيهم، وقياسهم على سائر الحيوانات من الفرس والبقر، أو يحمل ذلك على ما إذا كانت قيمته فيما دون دية (١) الحر والحكم فيه كذلك. وإنما (٢) وجوبه للمولى لأن المولى يخلفه خلافة الوارث المورث، ولأنه ملك (٣) لماليَّة (٤) قوامها باعتبار هذا المحل؛ فما يجب بمقابلة المحل في حقه يجعل كالواجب بمقابلة المالية. وأما الرجوع إلى تقويم المقوِّمين فلإظهار المالية التي يظهر النقصان باعتبارها، مع أن الرجوع إلى تقويم المقومين قد يكون فيما يجب بمقابلة النفسية كحكومة العدل (٥) (٦). وأما الجواب عن قوله: إنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا فقد قيل: إن ذلك قول أبي يوسف: في دية العبد أنها تجب بقدر القيمة وإن كثرت، وعن هذا قال محمد (٧): في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله وهو قبيح جدًا؛ فلهذا قال: لا يزاد عن نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة. وقد قيل إن جانب المالية في الأطراف أغلب في الأحرار. ألا ترى أن الاثنين لا يؤاخذان بواحد في حق الأطراف؛ وبالرق ازداد معنى المالية حتى لم يجز القصاص في أطراف العبيد لهذا، ولأن مجاوزة قدر قيمة الأطراف عن قدر الدية غير ممتنعة في نفسها. ألا ترى أن إنسانًا لو جدع أنف غيره الحر (٨) خطأ وجبت دية النفس، ثم فقأ عينه وجبت دية أخرى.

стр. 5113

وكذلك في جميع أطرافه من اليدين والرجلين والأذنين وغيرها؛ فيزيد ما يجب بمقابلة الأطراف عن الدية بأضعاف أضعافها لو صورنا المسألة [في إتلاف أطراف] (١) الحر خطأ، ولما لم يمتنع ذلك في الحر فلَأن لا يمتنع في العبد بالطريق الأولى. وأما العبد المرهون إذا قتله الراهن فإن إيجاب الضمان هناك باعتبار معنى النفسية غير ممكن لما قررنا في المولى إذا قتل عبده، فجعلنا الواجب هناك باعتبار المالية التي هي التبع، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (٢) والأسرار (٣) وغيرهما. وتعيين العشرة [باعتبار] (٤) أثر عبدالله بن مسعود (٥) ط؛ وفي نسخة بأثر عبد الله ابن عباس (٦) (٧) ط، والصحيح هو الأول لأنه موافق لرواية المبسوط والأسرار. وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة دراهم؛ أي لا يزاد على خمسة آلاف منقوصة بخمسة. هذا الذي ذكره خلاف ظاهر الرواية؛ لأنه ذكر في المبسوط: فأما طرف المملوك فقد بيَّنا أن المعتبر قيمته المالية فقط. ألا [ترى] (٨) أنه لا يضمن بالقصاص (٩) ولا بالكفارة؛ فلهذا كان الواجب فيه القيمة بالغة ما بلغت إلا أن محمدًا: قال في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله؛ إلى أن قال: [فلهذا قال] (١٠): لا يزاد على نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة.

стр. 5114

وكذلك ذكر في الأسرار ما ذكرنا (١)؛ وهو أن جانب المالية في الطرف أغلب؛ لأن القيمة في العبد كالدية في الحر حتى يجب في موضحة (٢) العبد نصف عشر قيمة العبد؛ لأنه يجب في الحر نصف عشر الدية؛ فإن كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه وهذا بالإجماع (٣). وإلا اقتص منه؛ أي إن لم يكن له ورثة غير المولى يقتص منه في الوجه الأول؛ أي فيما إذا كان له ورثة غير المولى لاشتباه من له الحق وجهالة من له الحق وهو المتوفى يمتنع القصاص، كما لو باعه المولى ثم مات عند المشتري كان على القاطع أرش اليد وتبطل السراية كذلك هاهنا. ولا يمكن إفراد السراية عن الجناية؛ لأن قطع يد العبد لا يوجب القصاص فتبطل الجناية ضرورة، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٤):. وفيه الكلام؛ أي الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة سوى المولى. ووصل شيخي (٥): بخطه الضمير في وفيه إلى «وتعذر الاستيفاء»، لكن مآل ذلك إلى ما قلنا لأن المُلكين في الحالين؛ فإن المُلك للمولى وقت الجرح دون الموت، وللورثة وقت الموت دون الجرح، وعند الاجتماع لا يثبت الملك على الدوام في الحالين لكل واحد منهما [فلا يكون الاجتماع مفيدًا ولا يقال بإذن كل واحد منهما] (٦) صاحبه؛ لأنا نقول إن الإذن والأمر إنما يصح إذا كان هو يملك ذلك في الحالين. بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر لأن ملكهما الذي لهما فيه دائم فصارا بمنزلة الشريكين في العبد. وفي الإيضاح: ولو كان العبد موصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر فقتل عمدًا لم ينفرد واحد من الموصَى لهما بالقصاص؛ لأن الموصَى له بالخدمة لا ملك له في الرقبة (٧)، والموصى له بالرقبة إذا استوفى القصاص سقط حق الموصى له بالخدمة لأن الرقبة فاتت (٨) لا إلى بدل فلا يملك إبطال حقه عليه، ولكن إذا اجتمعا فقد رضي الموصى له بالخدمة بفوات حقه فيستوفيه الآخر. لأنه المالك أي لأن سبب الولاية الملك على اعتبار إحدى الحالتين، وهي حالة الجرح قبل العتق من حالتي الجرح والموت.

стр. 5115

والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى أي الحالة الأخرى وهي حالة الموت بعد العتق. فيما يحتاط فيه أي في الذي لا يثبت بالشبهات، فإنه بهذا يحترز عمن قال لآخر: لك عليَّ ألف من قرض، فقال المقر له: لا بل من ثمن بيع، فإنه يقضى بالمال وإن اختلف السبب؛ لأن ذلك من الأموال، والأموال مما يقع (١) البدل والإباحة فيها فلا يبالي (٢) باختلاف السبب. ولأن الإعتاق (٣) قاطع للسراية حتى إن من جرح عبدَ إنسان ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السراية فلا تلزمه الدية ولا القيمة وإنما يضمن النقصان، وهذا الحكم فيما إذا كان الجرح خطأ بالاتفاق. وأما إذا كان عمدًا فعند محمد: كذلك لأن المعنى الموجب بأن العتق قاطع للسراية - وهو صَيرورة النهاية مخالفة للبداية - يفصل (٤) بين العمد والخطأ لما أن الضمان في الخطأ قبل السراية للمولى وبعد السراية للعبد حتى تنفذ منه وصاياه وتقضى ديونه. وكذلك في العمد لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح كان استيفاء القصاص للمولى [بجهة الملك، ولو اعتبرنا حالة الموت كان استيفاء القصاص للمولى] (٥) بالوراثة بجهة الولاء، فكان اختلاف الجهة في العمد فيما إذا لم يكن له ولي غير المولى بمنزلة اختلاف المستوفي في الخطأ بل بالطريق الأولى لما أن سقوط القصاص [حق] (٦) مما يثبت بالشبهة دون سقوط الدية، فلما قطع الإعتاق السرايةَ في الخطأ حتى لم تجب الدية والقيمة بالاتفاق، فلأن يقطع الإعتاق السراية في حق القصاص حتى لا يجب القصاص في العمد أولى لأن سقوط القصاص مما يثبت بالشبهات دون سقوط الدية لهما. أنَّا تيقنا بثبوت الولاية؛ أي بثبوت ولاية استيفاء القصاص في العمد للمولى؛ وهذا لأن المقضي له - وهو المولى- معلوم، والحكم -وهو استيفاء القصاص- متحد بخلاف الفصل الأول، وهو ما إذا كان له ورثة غير المولى حيث لا يجب القصاص بالاتفاق؛ لأن المقضي له مجهول؛ لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح فالمقضي له المولى؛ ولو اعتبرنا حالة الموت فالمقضي له الورثة.
следующие страницы →