← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

والدليل أيضًا (١) في أن الواجب في قتل العبد (٢) ضمان المال لا النفس أن الضمان يجب للمولى [باعتبار] (٣) ملكه، وملكه في عبده ملك مال، فالضمان الواجب له يكون ضمان المال أيضًا؛ ولأنه يرجع إلى تقويم المقوِّمين أيضًا في الأسواق فنوجب به جنس نقد السوق وهو يختص بضمان المال. وأما في الدية التي بمقابلة النفس إنما يجب الإبل ونحوها ولا مدخل للإبل هاهنا، ولأن قيمة العبد تختلف باختلاف أوصاف المتلف في الحسن والجمال وسلامة الأطراف، وتنتقص قيمته بذهاب أطرافه كما في المال، فلو كانت قيمته بمقابلة النفس لما انتقصت قيمته بنقصان أطرافه كما لا تنتقص الدية بنقصان أطراف الحر. ولأنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا نصف القيمة بالغة ما بلغت زائدة على الدية، فلما وجب هكذا في نقصان الطرف ينبغي ألّا ينتقص عنه بإتلاف الكل وإلا يلزم القبح؛ وهو أن يجب بقطع طرفه خمسة عشر ألفًا وبقتله عشرة آلاف إلا عشرة. ولأن الراهن إذا قتل المرهون يضمن قيمته لحق المرتهن، ولا حق للمرتهن إلا في المالية؛ ولهذا لا يجب عليه القصاص [بحال لأن القصاص] (٤) بدل عن النفسية؛ فلو كانت القيمة كذلك لما وجبت على الراهن إذ لا وجوب عليه إلا المال. قلتُ: أما الجواب عن الأثر فنعارضه بقول ابن مسعود (٥) ط: «لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم» (٦)؛ وهذا كالمروي عن رسول الله ﷺ ؛ لأن المقادير لا تعرف بالقياس وإنما طريق معرفتها التوقيف والسماع من صاحب الوحي (٧)، فكان في هذا دليل الرفع والسماع من رسول الله ﷺ ؛ لأن فيه ذكر المقدار وهو مما لا يهتدي إليه العقل.

стр. 5112

ومن هذا الطريق رجحنا المروي عن ابن مسعود- ﵁ -على ما رواه الخصم؛ لأنه ليس فيه ذكر المقدار بل فيه قياس سائر الأموال من تبليغ قيمته إلى ما بلغت؛ فكان ذلك الأثر محمولًا على أنهم قالوه من رأيهم، وقياسهم على سائر الحيوانات من الفرس والبقر، أو يحمل ذلك على ما إذا كانت قيمته فيما دون دية (١) الحر والحكم فيه كذلك. وإنما (٢) وجوبه للمولى لأن المولى يخلفه خلافة الوارث المورث، ولأنه ملك (٣) لماليَّة (٤) قوامها باعتبار هذا المحل؛ فما يجب بمقابلة المحل في حقه يجعل كالواجب بمقابلة المالية. وأما الرجوع إلى تقويم المقوِّمين فلإظهار المالية التي يظهر النقصان باعتبارها، مع أن الرجوع إلى تقويم المقومين قد يكون فيما يجب بمقابلة النفسية كحكومة العدل (٥) (٦). وأما الجواب عن قوله: إنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا فقد قيل: إن ذلك قول أبي يوسف: في دية العبد أنها تجب بقدر القيمة وإن كثرت، وعن هذا قال محمد (٧): في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله وهو قبيح جدًا؛ فلهذا قال: لا يزاد عن نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة. وقد قيل إن جانب المالية في الأطراف أغلب في الأحرار. ألا ترى أن الاثنين لا يؤاخذان بواحد في حق الأطراف؛ وبالرق ازداد معنى المالية حتى لم يجز القصاص في أطراف العبيد لهذا، ولأن مجاوزة قدر قيمة الأطراف عن قدر الدية غير ممتنعة في نفسها. ألا ترى أن إنسانًا لو جدع أنف غيره الحر (٨) خطأ وجبت دية النفس، ثم فقأ عينه وجبت دية أخرى.

стр. 5113

وكذلك في جميع أطرافه من اليدين والرجلين والأذنين وغيرها؛ فيزيد ما يجب بمقابلة الأطراف عن الدية بأضعاف أضعافها لو صورنا المسألة [في إتلاف أطراف] (١) الحر خطأ، ولما لم يمتنع ذلك في الحر فلَأن لا يمتنع في العبد بالطريق الأولى. وأما العبد المرهون إذا قتله الراهن فإن إيجاب الضمان هناك باعتبار معنى النفسية غير ممكن لما قررنا في المولى إذا قتل عبده، فجعلنا الواجب هناك باعتبار المالية التي هي التبع، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (٢) والأسرار (٣) وغيرهما. وتعيين العشرة [باعتبار] (٤) أثر عبدالله بن مسعود (٥) ط؛ وفي نسخة بأثر عبد الله ابن عباس (٦) (٧) ط، والصحيح هو الأول لأنه موافق لرواية المبسوط والأسرار. وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة دراهم؛ أي لا يزاد على خمسة آلاف منقوصة بخمسة. هذا الذي ذكره خلاف ظاهر الرواية؛ لأنه ذكر في المبسوط: فأما طرف المملوك فقد بيَّنا أن المعتبر قيمته المالية فقط. ألا [ترى] (٨) أنه لا يضمن بالقصاص (٩) ولا بالكفارة؛ فلهذا كان الواجب فيه القيمة بالغة ما بلغت إلا أن محمدًا: قال في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله؛ إلى أن قال: [فلهذا قال] (١٠): لا يزاد على نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة.

стр. 5114

وكذلك ذكر في الأسرار ما ذكرنا (١)؛ وهو أن جانب المالية في الطرف أغلب؛ لأن القيمة في العبد كالدية في الحر حتى يجب في موضحة (٢) العبد نصف عشر قيمة العبد؛ لأنه يجب في الحر نصف عشر الدية؛ فإن كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه وهذا بالإجماع (٣). وإلا اقتص منه؛ أي إن لم يكن له ورثة غير المولى يقتص منه في الوجه الأول؛ أي فيما إذا كان له ورثة غير المولى لاشتباه من له الحق وجهالة من له الحق وهو المتوفى يمتنع القصاص، كما لو باعه المولى ثم مات عند المشتري كان على القاطع أرش اليد وتبطل السراية كذلك هاهنا. ولا يمكن إفراد السراية عن الجناية؛ لأن قطع يد العبد لا يوجب القصاص فتبطل الجناية ضرورة، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٤):. وفيه الكلام؛ أي الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة سوى المولى. ووصل شيخي (٥): بخطه الضمير في وفيه إلى «وتعذر الاستيفاء»، لكن مآل ذلك إلى ما قلنا لأن المُلكين في الحالين؛ فإن المُلك للمولى وقت الجرح دون الموت، وللورثة وقت الموت دون الجرح، وعند الاجتماع لا يثبت الملك على الدوام في الحالين لكل واحد منهما [فلا يكون الاجتماع مفيدًا ولا يقال بإذن كل واحد منهما] (٦) صاحبه؛ لأنا نقول إن الإذن والأمر إنما يصح إذا كان هو يملك ذلك في الحالين. بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر لأن ملكهما الذي لهما فيه دائم فصارا بمنزلة الشريكين في العبد. وفي الإيضاح: ولو كان العبد موصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر فقتل عمدًا لم ينفرد واحد من الموصَى لهما بالقصاص؛ لأن الموصَى له بالخدمة لا ملك له في الرقبة (٧)، والموصى له بالرقبة إذا استوفى القصاص سقط حق الموصى له بالخدمة لأن الرقبة فاتت (٨) لا إلى بدل فلا يملك إبطال حقه عليه، ولكن إذا اجتمعا فقد رضي الموصى له بالخدمة بفوات حقه فيستوفيه الآخر. لأنه المالك أي لأن سبب الولاية الملك على اعتبار إحدى الحالتين، وهي حالة الجرح قبل العتق من حالتي الجرح والموت.

стр. 5115

والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى أي الحالة الأخرى وهي حالة الموت بعد العتق. فيما يحتاط فيه أي في الذي لا يثبت بالشبهات، فإنه بهذا يحترز عمن قال لآخر: لك عليَّ ألف من قرض، فقال المقر له: لا بل من ثمن بيع، فإنه يقضى بالمال وإن اختلف السبب؛ لأن ذلك من الأموال، والأموال مما يقع (١) البدل والإباحة فيها فلا يبالي (٢) باختلاف السبب. ولأن الإعتاق (٣) قاطع للسراية حتى إن من جرح عبدَ إنسان ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السراية فلا تلزمه الدية ولا القيمة وإنما يضمن النقصان، وهذا الحكم فيما إذا كان الجرح خطأ بالاتفاق. وأما إذا كان عمدًا فعند محمد: كذلك لأن المعنى الموجب بأن العتق قاطع للسراية - وهو صَيرورة النهاية مخالفة للبداية - يفصل (٤) بين العمد والخطأ لما أن الضمان في الخطأ قبل السراية للمولى وبعد السراية للعبد حتى تنفذ منه وصاياه وتقضى ديونه. وكذلك في العمد لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح كان استيفاء القصاص للمولى [بجهة الملك، ولو اعتبرنا حالة الموت كان استيفاء القصاص للمولى] (٥) بالوراثة بجهة الولاء، فكان اختلاف الجهة في العمد فيما إذا لم يكن له ولي غير المولى بمنزلة اختلاف المستوفي في الخطأ بل بالطريق الأولى لما أن سقوط القصاص [حق] (٦) مما يثبت بالشبهة دون سقوط الدية، فلما قطع الإعتاق السرايةَ في الخطأ حتى لم تجب الدية والقيمة بالاتفاق، فلأن يقطع الإعتاق السراية في حق القصاص حتى لا يجب القصاص في العمد أولى لأن سقوط القصاص مما يثبت بالشبهات دون سقوط الدية لهما. أنَّا تيقنا بثبوت الولاية؛ أي بثبوت ولاية استيفاء القصاص في العمد للمولى؛ وهذا لأن المقضي له - وهو المولى- معلوم، والحكم -وهو استيفاء القصاص- متحد بخلاف الفصل الأول، وهو ما إذا كان له ورثة غير المولى حيث لا يجب القصاص بالاتفاق؛ لأن المقضي له مجهول؛ لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح فالمقضي له المولى؛ ولو اعتبرنا حالة الموت فالمقضي له الورثة.

стр. 5116

ولا معتبر باختلاف السبب هنا أي في الفصل الثاني وهو ما إذا لم يكن للعبد ورثة سوى المولى في العمد؛ لأنه لو اختلف إنما يختلف السبب لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح كان سبب استيفاء القصاص للمولى بسبب الملك، ولو اعتبرنا حالة الموت كان الاستيفاء له أيضًا لكن بسبب الولاء ولا اعتبار له؛ لأن المقصود وهو الحكم الذي هو استيفاء القصاص متحد. بخلاف تلك المسألة؛ أي مسألة الجارية التي قال رجل لآخر: بعتَني هذه الجارية بكذا؛ لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح (١) حكمًا؛ وذلك لأن النكاح يثبت الحل مقصودًا والبيع لا يثبته، ولو أثبته لا يثبته مقصودًا فاختلف الحكم كما (٢) اختلف السّبب؛ فلذلك لم يثبت الحل. أو نقول: إن في تلك المسألة ما [تنازعا] (٣) فيه من النكاح والبيع قد لغا لإنكار كل واحد منهما ما ادعاه صاحبه وحلفه على ذلك، ولا يثبت الحل إلا باتفاق هذين الشخصين على ما يوجب الحل ولم يتفقا (٤) وانتفى ما ادعى كل واحد منهما بإنكار صاحبه وحلفه، ثم لو ثبت الحل بعد ذلك إنما يثبت بمجرد البدل والإحلال وذا لا يكفي لحل الوطء. وأما في مسألتنا لم ينتفِ سبب ثبوت الحق للمولى؛ إذ لم يوجد ما ينفي ذلك من الإنكار والحلف عليه، لكن اشتبه أنه ملك يمين أم ولاء وأحدهما ثابت لا محالة، وذلك يكفي لاستيفاء القصاص. وهكذا أيضًا فرق شيخ الإسلام جواهر زاده في العتاق بين مسألة القرض (٥) وبين مسألة الجارية، فقال: إذا قال لك: عليّ ألف من قرض؛ فقال المقر له: لا، بل من ثمن بيع؛ فإنه يقضى بالمال لأنا نلغي القرض والبيع لإنكار كل واحد منهما ما ادَّعاه صاحبه (٦)، بقي الإقرار بمطلق المال وذلك كافٍ لاستحقاق المال (٧) فيكون بدلًا من المقر، والبدل يجري في المال كما في القضاء بالنكول (٨).

стр. 5117

بخلاف مسألة الجارية فإن حِلَّ الوَطء مما لا يثبت بالبدل، والإعتاق لا يقطع السراية لذاته، جوابًا عن قوله، ولأن الإعتاق قاطع للسراية يعني أن كون الإعتاق قاطعًا للسراية إنما هو في صورة الخطأ لا غير؛ لجهالة المقضي له والمقضي به؛ لأنا إن اعتبرنا حالة الحياة تجب القيمة للمولى. وإن اعتبرنا حالة السراية تجب الدية للمقتول، وجهالة المستحق وهو المقضي له بانفراده تقطع السراية؛ وجهالة المقضي له والمقضي به أولى بخلاف العمد (١)؛ لأن ثمة الواجب في الحالين واحد وهو القصاص، والمستحِق واحد وهو المقتول؛ لأن القصاص إنما يجب من حيث إنه آدمي، والعبد من حيث إنه آدمي يبقى على أصل الحرية إلا أن المولى يستوفي بحكم الخلافة عن العبد، وإذا لم يكن وارث سوى المولى كان المولى متعينًا للخلافة (٢)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان: (٣). وحصل من هذا كله أن صور من قطع يد عبد غيره فأعتقه المولى ثم مات منه لم تخل عن أربعة أوجه؛ لأن قطع يد العبد في الابتداء لا يخلو إما إن كان عمدًا أو خطأ ثم كل وجه على وجهين. إما إن كان للعبد وارث سوى المولى أو لم يكن؛ فإن كان له وارث سوى المولى والقطع عمد يقطع الإعتاق (٤) السراية بالإجماع، فلا يجب القصاص لجهالة المقضي له والمقضي به، وإن لم يكن لا يقطعها (٥) عندهما (٦) خلافًا لمحمد (٧). وإما إذا كان القطع خطأ فالإعتاق يقطع السراية بالإجماع سواء أكان له وارث أم لا، فلا تجب القيمة أو الدية بل يجب نقصان القيمة بالقطع. وأوقع العتق على أحدهما؛ أي أظهر العتق الذي قاله على وجه الإبهام بقوله: أحدكما حر، وإنما ذكر بلفظ أوقع ليدل به على أن العتق لم يُنَزَّل على واحد منهما معيَّنًا في حق الأرش وإن كان ظهر وقوع العتق على أحدهما في بعض الصور كما في الموت والقتل وغيرهما.

стр. 5118

فإنه إذا قال لهما: أحدكما حر؛ ثم مات أحدهما أو قتل تعيَّن العتق في الآخر؛ لأن الذي مات خرج من أن يكون محلًا لإيقاع العتق عليه، والعتق المبهم في حق العين (١) كالنازل عند البيان فلا بد من بقاء المحل لِيبقَى خياره في البيان، وعدم التعين في الثاني منهما كان لمزاحمة الآخر إياه، وقد زالت هذه المزاحمة بخروج أحدهما من أن يكون محلًا للعتق فلهذا يتعين في الآخر. وكذلك لو باع [المولى] (٢) أحدهما بيعًا صحيحًا أو فاسدًا أو عرض أحدهما على البيع تعين العتق في الآخر، وهذا لأن قوله: بعت هذا بكذا إقرار منه بأنه لا حظ لهذا العبد في ذلك العتق فيتعيّن الآخر للعتق لما أن البيع (٣) اسم خاص لتمليك مال بمال. فدليل البيان ممن له البيان كصريح البيان (٤) (٥)؛ لأن العتق غير نازل في المعيّن [يعني أن المولى أنزل العتق في المنكّر والمعيّن غير المنكَّر، فلذلك لا يكون العتق نازلًا في المعيّن] (٦). فإن قلت: يشكل على هذا ما لو اختار المولى عند الموت تعيين العتق في أحدهما عتق كله ولا يعتبر من ثلث ماله اعتبارًا لأصل الإيقاع الذي كان في الصحة، فلو كان العتق المبهم غير نازل حكمًا في المعين (٧) ينبغي أن يعتبر تعيين العتق في أحدهما بعينه وقتَ الموت، وأن يصح من ثلث ماله (٨) لا من كله. قلتُ: وإنما كان هكذا لأن أصل الإيقاع كان منه في الصحة فقد تم الاستحقاق [به] (٩) في حقه معتبرًا من جميع ماله؛ لأنه لا تنكير في جانبه فلا يتغير ذلك ببيانهِ عند الموت، وهو نظير ما لو طلق إحدى نسائه الأربع قبل الدخول من غير عينها كان له أن يتزوج الأخرى لأن إحداهن بانت (١٠) (١١) في حقه ولا تنكير في جانبه.

стр. 5119

فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله بين جواز أخذ أرشهما المولى إذا شجا أوقطع أيديهما وليس له أن يجامعهما إذا كانتا أمتين (١)؛ والمسألة بحالها مع أن هذه النكتة (٢) (٣) التي ذكرنا في الكتاب أن العتق غير نازل في المعيّن، والشجة تصادف المعين فبقيا مملوكين واردة فيه أيضًا لأن الوطء أيضًا يصادف المعين كالشجة. قلتُ: وجه ذلك هو أن الوطء تصرف لا يحل إلا في الملك، فإقدامه عليه في أحدهما دليل تعيين الملك فيه، ومن ضرورته انتفاء ذلك العتق عنها فيتعين في الأخرى. وقاسا بما لو قال لامرأتين له: إحداكما طالق ثلاثًا؛ ثم وطئ إحداهما تعين الطلاق في الأخرى؛ وهذا لأن فعل المسلم محمول على الحِل ما أمكن. وأما في حق الأرش يفي كل واحد منهما لاختيار العتق المولى فيهما بعد الشجة وبعد قطع أيديهما لبقاء كل واحد منهما محلًا للعتق، وما بقي خيار المولى لا يكون العتق نازلًا في عين أحدهما، فإنما شج رأس كل واحد منهما أو قطع يده على حكم الرق فكان للمولى؛ لأن خيار التعيين للمولى فيهما باق كما كان قبل الشجة فيهما. ولو قتلهما رجل؛ أي رجل واحد؛ تجب دية حر وقيمة عبد، هذا إذا كان القاتل واحدًا وقتلهما معًا واستوت قيمتهما (٤). أما إذا كان القاتل اثنين فيجيء بعده. وأما إذا قتلهما الواحد على التعاقب فعليه قيمة الأول [للمولى] (٥) ودية الآخر لورثته؛ لأن بقتل أحدهما تعين العتق في الآخر ضرورة فتبين أنه قتله … وهو حر. وأما لو قتلهما معًا كان عليه قيمة عبد ودية حر إن استوت القيمتان، وإن اختلفت فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ودية حر؛ لأنا نتيقن أنه قتل عبدًا وحرًا؛ وقتل الحر يوجب الدية، وليس أحدهما بأولى من الآخر فيلزمه نصف قيمة كل واحد منهما ونصف دية كل واحد منهما؛ لأن البيان (٦) فات حين قتلا، وعند فوت البيان يشيع العتق فيهما.

стр. 5120

بخلاف ما إذا قتل كل واحد منهما رجل حيث تجب قيمة المملوكين، هذا إذا قتلاهما معًا أولا يدري أيهما قتل أولًا. أما إذا قتلهما رجلان؛ فإن كان قتلهما على التعاقب فعلى القاتل الأول قيمة الأول لمولاه، وعلى القاتل الثاني ديته لورثته لأن العتق تعين فيه. وأما إذا قتلهما معًا فعلى كل واحد منهما قيمة عبد؛ لأن كل واحد من القاتلَين إنما قتل أحدهما بعينه، والعتق في حق العين كأنه غير نازل فكان كل واحد منهما مملوكًا عينًا؛ وإنما نزل العتق في المنكر ولا يتيقن أن كل واحد منهما قاتل لذلك المنكَّر وإنما يجب على كل واحد منهما القدر المتيقن [به وهو القيمة] (١). ولم يبين في الكتاب؛ أي في المبسوط أن ذلك للمولى أو لورثتهما. وقيل هذا والأول سواء النصف للمولى من كل واحد منهما والنصف للورثة؛ لأن في حق المولى العتق ثابت في حق أحدهما فلا يستحق بدل نفسه فيوزَّع ذلك نصفين عليهما لهذا. وإن لم يجن عليهما أحد ولكن المولى مات قبل أن يبين عَتقَ من كل واحد منهما نصفه (٢) وسعى في نصف قيمته؛ لأن البيان فات بموت المولى فإن الوارث لا يخلفه في ذلك؛ لأنه لا يقف على مراده ولأن مجرد الخيار لا يُوَرَّث، ولما فات البيان شاع (٣) العتق فيهما؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وبعدما عتق نصف كل واحد منهما يجب إخراج النصف الباقي إلى الحرية بالسعاية (٤)، هذا كله في الباب الجامع لوجوه العتاق من عتاق المبسوط. وقوله: ولأن القياس معطوف على قوله والفرق أن البيان إنشاء (٥) فبقي مملوكًا في حقها؛ أي في حق الأطراف. لسقوط اعتبارها؛ أي اعتبار المالية في حق الذات قصرًا عليه؛ أي لم يقتصر اعتبار المالية في حق الذات فحسب بل اعتبرت في حق الأطراف أيضًا، يعني أن انحصار اعتبار المالية في حق الذات لا غير ساقط. ولهما (٦) أن معنى المالية لما كان معتبرًا حتى كان الواجب من القيمة باعتبار المالية فيزيد بزيادتها وينقص بنقصانها وجب أن يترجح جانب المالية في أطراف العبيد ونقول فيه كما نقول في سائر الأموال.

стр. 5121

أو نقول العبد في الجناية عليه كالحر من وجه حتى يتعذر بدل طرفه ببدل نفسه، وبمنزلة الثياب (١) والدواب من وجه حتى يكون الواجب من القيمة باعتبار المالية، فيخير المولى إن شاء مال إلى الشبه الأول واستوفى جميع القيمة وسلم الجثة (٢)؛ لأن النفس صارت مستهلكة حكمًا بتفويت منفعة النفس؛ وإن شاء مال إلى الشبه الثاني وأخذ نقصان القيمة وأمسك الجثة كما في تخريق (٣) ثوب إنسان خرقًا فاحشًا (٤). ثم من أحكام الأولى؛ أي الآدمية ألا ينقسم على الأجزاء؛ أي ألا يتوزع كمال بدل النفس على النفس والفائت (٥) من الطرف، بل يكون بإزاء الفائت لا غيركما في فقء عيني الحر، يعني يجب ألا ينقسم الضمان على الأجزاء والنفس، ولا يقال بأن يأخذ النقصان ويمسك الجثة كما قالا بل تجب كل القيمة لا النقصان على تقدير الدفع، ولا يجب شيء على تقدير إمساك الجثة. ومن أحكام الثانية أي المالية أن ينقسم ويتملك [الجثة] (٦)؛ أي أن ينقسم موجب الجناية وهو الضمان على الأجزاء والجثة فيضمن نقصان القيمة وهو الذي وجب بمقابلة فوات الأجزاء، ويمسك المولى الجثة كما في تخريق الثوب. فوفرنا على الشبهين حَظّهما (٧)؛ يعني بالنظر إلى الآدمية ينبغي ألا يجب الضمان [متوزعًا] (٨) بل بإزاء الفائت لا غير، وبالنظر إلى المالية ليس له أن يأخذ كل بدل العين مع إمساك الجثة كما ليس له ذلك في المال، بل قيل له من [شرط] (٩) استيفائك هذا الضمان (١٠) أَنْ تزيل الجثة عن ملكك ليكون قولًا بالشَّبهين؛ ففيما قالا إلغاء لجانب الآدمية أصلًا واعتبار لجانب المالية؛ لأن من حكم المال أن المالك بالخيار إن شاء سلم النفس وأخذ كمال القيمة، وإن شاء أمسكها ورجع بالنقصان كما في تخريق الثوب.

стр. 5122

وفيما قاله الشافعي: إلغاء لجانب المالية [أصلًا] (١) واعتبار لجانب الآدمية لا غير، فإنه يقول عند فقء عيني عبد بضمان كمال القيمة والجثة للمولى من غير خيار فكان كفقء عَيني الحر (٢). والقول الأوسط الأعدل ما قاله أبو حنيفة: لأن فيما تجاذب الطرفان كان القول بتوفير الشبهين أولى؛ إلى هذا أشار في الأسرار (٣). والله أعلم. * * * فَصْل في جناية المدبَّر (٤) وأمّ الولد (٥) لما ذكر باب جناية المملوك والجناية عليه قدَّم من هو أكمل في استحقاق اسم المملوكية وهو العبد، ثم ذكر فصل من هو أحط رتبة في اسم المملوكية وهو المدبَّر وأم الولد، غير أن أم الولد أحط رتبة أيضًا من المدبر في ذلك الاسم حتى إن القاضي لو قضى بجواز بيعها لا ينفذ بخلاف المدبر. وهي أنثى أيضًا فالأنوثة والانحطاط في اسم المملوكية أوجبا تأخير ذكرها عن ذكر المدبر، لما روي عن أبي عبيدة وهو أبو عبيدة بن الجراح (٦) ﵁ … قضى بجناية المدبر على مولاه (٧)؛ وكان أميرًا بالشام (٨) وكان بمحضر من الصحابة ن فكان إجماعًا، كذا في الإيضاح (٩).

стр. 5123

وجنايات المدبر وإن توالت لا توجب إلا قيمة واحدة؛ لأن القيمة في المدبر تنزل منزلة عين العبد، ثم العبد إذا جنى جنايات وجب دفعه بالجنايات ولا يجب أكثر من ذلك فكذا هاهنا، كذا في الإيضاح (١). ويتضاربون بالحصص فيها؛ أي في القيمة، وتعتبر قيمته لكل واحد في حال الجناية عليه. ومن صورته ما ذكره في المبسوط وقال: وإذا قتل المدبر رجلًا خطأ وقيمته ألف درهم ثم زادت قيمته إلى ألفين ثم قتل آخر خطأ [ثم أصابه عَيب فرجعت قيمته إلى خمسمائة ثم قتل آخر خطأ] (٢) فعلى مولاه ألفا درهم (٣)؛ لأنه جنى على الثاني وقيمته ألفان ولو لم يكن منه إلا تلك الجناية لكان المولى ضامنًا قيمته ألفين ثم ألفًا من هذا لِوَلي القتيل الأوسط (٤) خاصة؛ لأن ولي الأول إنما يثبت حقه في قيمته يومَ جنى على وليه وهو ألف درهم فلا حق له في الألف الثانية، فيسلم ذلك لولي القتيل الأوسط وخمسمائة من الألف الأولى بين ولي القتيل الأول وبين الأوسط [المقتول] (٥)؛ لأنه لا حق في هذه الخمسمائة لولي القتيل الثالث، وإنما حقه في قيمته يومَ جنى على وليه، فتقسم هذه الخمسمائة بين الأوسطِ والأوّلِ يضرب فيها الأول بعشرة آلاف والأوسط بتسعة آلاف؛ لأنّه وصل إليه من حقه ألف والخمسمائة الباقية بينهم جميعًا، يضرب فيها الآخر [بعشرة آلاف] (٦) لأنه ما وصل إليه شيء من حقه. ويضرب الأول بعشرة آلاف إلا ما أخذ لأنه وصل إليه من حقه مقدار المأخوذ فلا يضرب به. وكذلك الأوسط لا يضرب بما أخذ في المرتين وإنما يضرب بما بقي من حقه فتقسم الخمسمائة بينهم على ذلك. ولو قتل المدبر رجلًا خطأ وقيمتُه ألف درهم فدفعه الولي بقضاء قاضٍ ثم رجعت قيمته إلى خمسمائة ثم قتل آخر فإن خمسمائة مما أخذ الأول للأول خاصة؛ لأن حق الثاني إنما يثبت في قيمته عند الجناية على وليه وهي خمسمائة، فبقيت الخمسمائة الأخرى سالمة للأول بلا منازعة والخمسمائة الباقية بينهما يضرب فيها الأول بعشرة آلاف إلا خمسمائة والآخر بعشرة آلاف، فيكون ذلك مقسومًا بينهما على تسعة وثلاثين سهمًا؛ لأنه يجعل كل خمسمائة منها سهمًا.

стр. 5124

وإن جنى جناية أخرى وقد دفع المولى القيمة إلى ولي الأولى بقضاء فلا شيء عليه أي على الولي؛ لأنه ما لزمه أكثر من قيمة واحد بجناياته ولكن يتبع الثاني الأول فيأخذ منه نصف القيمة. فالولي بالخيار أي فولي الجناية الثانية بالخيار إن شاء أتبع المولى أي بنصف القيمة في ذمته ثم يرجع المولى على الأول؛ لأنه تبين أنه استوفى منه زيادة عن مقدار حقه، وهو نظير الوصي إذا قضى دين أحد الغريمين من التركة ولم يعلم بالدَّيْن الآخر، أو قضى دين الغريم ثم حدث دَيْن آخر بسبب كان وجد من الميت في حياته. وإن شاء أتبع ولي الجناية أي ولي الجناية الأولى وقالا (١) لا شيء على المولى. وحاصله أن عندهما لا يتفاوت دفع المولى قيمة المدبر إلى ولي الجناية [الأولى] (٢) حين وجدت الجناية بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي لا يتبع ولي الجناية الثانية المولى بنصف القيمة بل يتبع ولي الجناية الأولى به، هما يقولان أن المولى حين دفع القيمة إلى الأول فقد فعل بنفسه عين (٣) ما يأمره (٤) القاضي به لو دفع إليه فيكون القضاء [وغير القضاء] (٥) فيه سواء، كما في الرجوع بالهبة وأخذ الدار بالشفعة (٦) (٧) بعد وجوبها؛ وهذا لأنه حين دفع ما كان لأحد في القيمة حق سوى الأول لأن السبب الموجب لحق الثاني وهو الجناية لم يوجد والحكم لا يسبق السبب؛ فلا يكون هو بهذا الدفع جانيًا في حق الثاني (٨) فلا يضمن له شيئًا، وكيف يكون جانيًا في حقه ولو أراد أن يمنع نصف القيمة من الأول ما كان يتمكن من ذلك. وأبو حنيفة: يقول: إنما يجب على المولى باعتبار منع الرقبة (٩) وإنما منعها بالتدبير السابق وذلك في حق أولياء الجنايتين (١٠) سواء؛ فيجعل في حق أولياء الجنايتين كان دفع القيمة من المولى كان بعد وجود الجنايتين جميعًا، وهناك (١١) إن دفع إلى أحدهما جميع القيمة بقضاء القاضي لم يضمن للثاني (١٢) شيئًا، وإن كان دفع بغير قضاء قاض كان للثاني الخيار فهذا مثله.

стр. 5125

والدليل على أن المعتبر هذا أن للثاني حق المشاركة مع الأول في تلك القيمة ولا يكون ذلك إلا باعتبار ما بينا؛ وهو أن يجعل كأنه جنى عليهما في حالة واحدة كذا في المبسوط (١). فجعلت كالمقارنة في حق التضمين عملًا بالشَّبهين يعني لما علمنا بشبه التأخر في ضمان الجناية حتى اعتبرنا قيمته يوم الجناية الثانية في حقهما وَجَبَ أن يعمل بشبه المقارنة في حق تضمين نصف المدفوع. والله أعلم. * * * بابُ غصب (٢) العبد والمدبّر والصبي والجناية في ذلك لما ذكر حكم المدبر في الجناية ذكر في هذا الباب ما يَرِدُ عليه وما يرد منه وذكر حكم من يلحق به، والفرق أن الغصب قاطع للسراية إلى آخره (٣). وذكرالإمام قاضي خان: في الجامع الصغير (٤) هذه المسألة (٥) ثم قال: علل بعضهم بأن الغصب من أسباب الملك لما عرف من مذهبنا أن المضمونات تملك عند أداء الضمان (٦)، فإذا تخلل الغصب بين الجناية و [السراية] (٧) تنقطع السراية كما [لو] (٨) تخلل بينهما بيع؛ فإذا انقطعت السراية صار كأنه غصب عبدًا أقطع ومات عنده لا من القطع. وأما إذا قطع المولى يده عند (٩) الغاصب صار مستردًا للعبد (١٠) ضرورة الاستيلاء عليه عند القطع (١١).

стр. 5126

ألا ترى أن المشتري لو قطع يد المبيع قبل القبض يصير قابضًا، وبعد الاسترداد لم يوجد ما يقطع السراية فيبرأ الغاصب عن الضمان؛ ثم قال: إلا أن هذا يخالف مذهبنا فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على (١) الغاصب بقضاء أو رضا لأن السراية إنما تنقطع به باعتبار تبدل الملك، وإنما يتبدل الملك به إذا هلك البدل على الغاصب، أما قبله فلا نص عليه في آخر رهن الجامع والباب الثاني من جناياته، إلا أنه إنما ضمن الغاصب هنا قيمة العبد أقطع؛ لأن السراية وإن لم تنقطع فالغصب وَرَدَ على مال متقوّم فانعقد سبب الضمان، فلا يبرأ عنه الغاصب إلا إذا ارتفع الغصب ولم يرتفع؛ لأن الشيء إنما يرتفع بما هو فوقه أو مثله، ويد الغاصب ثابتة على المغصوب حقيقة وحكمًا، ويد المولى باعتبار السراية تثبت عليه حكمًا لا حقيقة لأن بعد الغصب (٢) لم تثبت يده على العبد حقيقة، والثابت حكمًا دون الثابت حقيقة وحكمًا (٣)، ولم يرتفع الغصب باتصال السراية إلى فعل المولى فتقرر عليه الضمان؛ بخلاف ما لو جنى عليه بعد الغصب. ولم يوجد القاطع (٤) أي قاطع السراية. كيف وأنه استولى أي كيف لا يكون مستردًّا والحال أنه استولى. لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله أي في حال رقه. وأما بأقواله فهو غير مؤاخذ بها في حال رقه أعني بالأقوال الأقوال التي توجب المال (٥) لا الأقوال التي توجب القصاص والحدود، فإن العبد فيها بمنزلة الحر بخلاف الإقرار بالمال فإن المحجور عليه إذا أقر بالمال لغيره يؤاخذ به بعد الحرية ولا يؤاخذ به في حال الرِّقيَّة، فكان قوله لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله للاحتراز عن أقوال المحجور لا للاحتراز عن المأذون؛ فإن في المؤاخذة بالأفعال في حال الرق المأذون والمحجور سواء؛ لأنه ذكر في باب إقرار العبد بالدين من مأذون المبسوط في تعليل المسألة والعبد مؤاخذ بضمان الغصب في الحال مأذونًا كان أو محجورًا. فعلى المولى قيمته بينهما أي بين ولي الجنايتين من غير أن يصير مختارًا للفداء لانعدام علم المولى وقت التدبير بجناية تحدث من المُدَبَّر في المستقبل، فصار هذا بمنزلة إعتاق العبد الجاني من غير علم بجنايته فإن فيه الأقل من قيمته ومن الأرش فكذا هنا.

стр. 5127

وقال محمد: يرجع بنصف قيمته فيسلم له أي للمولى (١)، فلما سلم للمولى نصف القيمة الذي أخذه من الغاصب في المرة الأولى لا يرجع ثانيًا على الغاصب. فإذا وجد شيئًا أي ولي الجناية الأولى إذا وجد شيئًا فارغًا من مزاحمة ولي الجناية الثانية من بدل العبد يأخذه. وأما ما قاله محمد من الجمع بين البدل والمبدل فقلنا نعم كذلك في حق المولى والغاصب لأن ما أخذه المولى من الغاصب بدل المدفوع إلى ولي الجناية الأولى. وأما في حق المجني عليه هو عوض ما لم يسلم لولي الجناية الأولى، فالاعتبار لمن (٢) يستقر عنده وهو المجني عليه. ومثله جائز كالذمي إذا باع خمرًا وقضى به دين المسلم يجوز للمسلم أخذه؛ لأن تلك الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي وعوض عن الدين في حق المسلم فلذلك حل له أخذها، فعلم بهذا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون بدلًا عن عين في حق إنسان ويكون بدلًا عن شيء آخر في حق غيره، غير أن استحقاق النصف انتصابه على الاستثناء (٣) ذكر هذا لبيان الفرق فإنه يدفع هذا الذي أخذه من الغاصب إلى ولي الجناية الأولى [[بالاتفاق وكان لا يدفعه إليه عند محمد في المسألة الأولى لأدائه إلى الجمع بين البدل والمبدل. وأما هاهنا [لو دفع] (٤) إلى ولي الجناية الأولى]] (٥) لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل؛ لأنه لما كانت الجناية الأولى عند المولى كان ما أخذه [المولى] (٦) من الغاصب بدلًا عما دفع إلى ولي الجناية الثانية؛ لأن الموجود عند الغاصب الجناية الثانية دون الأولى، فلو دفع ذلك إلى ولي الجناية الأولى لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل فيدفع لأن حق ولي الجناية الأولى كان في [كل] (٧) قيمة المدبر؛ لأن المدبر كان فارغًا وقت الجناية الأولى عن مزاحمة الثانية. وفي المسألة الأولى أيضًا كان كذلك وهو أن حق ولي الجناية [الأولى] (٨) كان في كل القيمة إلا أن (٩) المأخوذ من الغاصب بدل عن المدفوع (١٠) إلى ولي الجناية الأولى؛ [لأن الجناية الأولى] (١١) كانت عند الغاصب فلو (١٢) دفع إليه نصف القيمة الذي أخذ من الغاصب أدى إلى الجمع بين البدل والمبدل فلا يدفع لمكان التعذر ولكن قد ذكرنا جوابه (١٣) عن هذا.

стр. 5128

ثم وضع [المسألة] (١) في العبد أي ثم وضع محمد: هذه المسألة في الجامع الصغير في العبد بعدما وضعها في حق المدبر؛ لأن كلتا المسألتين مذكورتان في الجامع الصغير، هذا كله مما أشار إليه في الجامع الصغير (٢) (٣). ويرجع به أي بذلك النصف الذي أعطى إلى ولي الجناية الأولى. ثم قيل هذه المسألة على الاختلاف أي الدفع إلى ولي الجناية الأولى. ومن غصب صبيًّا حرًّا فذكر الغصب في حق الحر وقع مجازًا لأن الغصب إنما يتحقق في الأموال لا في الأحرار، ولكن أراد به الذهاب بالصبي بغير إذن وليه، وجه الاستحسان [أنه لا يضمن بالغصب ولكنه يضمن بالإتلاف لأن التلف حصل بما يضاف إلى الغاصب؛ فإنه لولا نقله وغصبه لما] (٤) أصابته هذه الأشياء ظاهرًا وكان في معنى الحفر فتضمن العاقلة باعتبار أن النقل بسبب [منه] (٥). فإن قلت: ما جوابنا عن مسألة المكاتب فإنه لا ضمان هناك بالاتفاق مع وجود مثل هذا النقل وإن كان المكاتب صغيرًا، وما حكم من غصب الكبير ونقله إلى مثل هذه الأمكنة فمات بإصابة مثل هذه العوارض (٦). قلتُ: جوابنا عن المكاتب هو أن المكاتب في يد نفسه صغيرًا كان أو كبيرًا بخلاف الصغير الحر. ألا ترى أن المكاتب الصغير لا يزوجه أحد [والحر الصغير يزوجه وليه؛ فعرفنا أن المكاتب الصغير بمنزلة الحر الكبير والحر الكبير في يد نفسه لا في يد الغاصب] (٧) فكذا المكاتب وإن كان صغيرًا؛ هكذا ذكر المسألة القاضي الإمام [علي] (٨) السغدي (٩): في شرح الزيادات (١٠).

стр. 5129

وأما حكم الحر الكبير فإنه إذا غصبه إنسان ونقله إلى مكان فأصابه شيء من هذه العوارض ينظر إن قيده الغاصب حتى أصابه ولم يمكنه التحرز عنه يضمن؛ لأن المغصوب عجز عن حفظ نفسه بما صنع فيه فيجب الضمان على الغاصب، وإن لم يمنعه من حفظ نفسه لا يضمن؛ لأن البالغ العاقل إذا لم يحفظ نفسه مع إمكانه كان التلف مضافًا إلى تقصيره لا إلى الغاصب فلا يضمن، كالماشي إذا علم بالبئر ومشى كذلك حتى وقع في البئر لم يضمن الحافر شيئًا. بخلاف الصغير فإنه عاجز عن حفظ نفسه من أسباب التلف كالماشي على البئر إذا لم يعلم بالبئر، هذا كله مما ذكره الإمام المحبوبي: (١). وإذا أودع صبي عبدًا إلى آخره (٢). وذكر في شرح الطحاوي (٣): ومن أودع عند صبي مالًا فهلك في يده لا ضمان عليه بالإجماع (٤)، وإن استهلكه الصبي فإنّه يُنظر إن كان الصبي مأذونًا له في التجارة يضمن بالإجماع وإن كان محجورًا عليه ولكنه قبِل الوديعة بأمر وليه ضمن بالإجماع. وإن قبل بغير إذن وليه فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا في الحال ولا بعد الإدراك. وقال أبو يوسف: يضمن (٥) في الحال (٦). وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة ضمن في الحال. قوله: وهذا يدل على أن غير العاقل يضمن بالإجماع. وفي هذا الذي ذكره يساعده فخر الإسلام ذكره في الجامع الصغير (٧). وأما في غيره من شروح الجامع الصغير لصدر الإسلام (٨) (٩) وقاضي خان (١٠) والتمرتاشي (١١) فالحكم على خلاف هذا؛ حيث قالوا فيها هذا الخلاف فيما إذا كان الصبي عاقلًا، وإن لم يكن عاقلًا فلا يضمن في قولهم.

стр. 5130

وكذا إذا أتلفه غير الصَّبي في يد الصبي المودَع [حيث يضمن المتلف؛ ولو كان التسليط على الاستهلاك ثابتًا في حق الصبي المودع] (١) لثبت في حق غيره أيضًا؛ لأن المال الذي سُلط على استهلاكه بمنزلة [المال] (٢) المباح فكان لكل أحد ولاية الاستهلاك من غير ضمان. ومن حجة أبي يوسف: ما ذكره في وديعة المبسوط فقال إن ضمان الاستهلاك ضمان فعل والصبي والبالغ فيه سواء، ولأن الإيداع من الصبي باطل لأنه استحفاظ من لا يحفظ فكأنه لم يودعه ولكنه جاء وأتلف ماله، واستحفاظ من لا يحفظ تضييع للمال فكأنه ألقاه على قارعة الطريق. ولو فعل ذلك فأتلفه كان ضامنًا فهذا مثله حيث وضع المال في يد مانعه أي مانعه من الإيداع والإعارة في أنه لا ولاية له عليه، فإن الأصل أن كل يد مانعة على معنى أنها تمنع يد غيره عليه إلا إذا أقام يده مقام يده، وهاهنا لم يقم يده مقام يده لعدم الولاية له عليه، فكان التضييع من جهته بخلاف البالغ والمأذون له يعني لو أتلفا يضمنان بالإجماع؛ لأن لهما ولاية على نفسيهما فيصح الإيداع عندهما؛ وبعد صحة الإيداع لو أتلف المودَع الوديعة يضمن. بخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدًا حيث يضمن المتلف (٣) المودع. لأن عصمته لِحَقهِ أي لحق العبد يعني لا باعتبار أن المالك يعصمه؛ لأن عصمة المالك (٤) إنما تعتبر فيما له ولاية الاستهلاك حتى تمكن غيره من الاستهلاك بالتسليط. وليس للمولى ولاية استهلاك عبده فلا يجوز له تمكين غيره من الاستهلاك، فلما لم يوجد التسلط (٥) منه يضمن المستهلك سواء أكان المستهلك صغيرًا أم كبيرًا. بخلاف سائر الأموال، فإن للمالك أن يستهلكها فيجوز له تمكين غيره من استهلاكها بالتسليط. وذكر في الإيضاح: وهذا بخلاف قتل العبد لأنا إنما نعتبر فعله تمكينًا إذا كان هو متمكنًا من ذلك الفعل بملكه والمالك غير متمكن من القتل بملكه فلم يعتبر تمكينه. فأما في غيره فهو متمكن من الإتلاف بالملك شرعًا وإنما لا يطلق له ذلك لكون الفعل سفهًا لا أنه غير مملوك له (٦).

стр. 5131

وذكر في الأسرار في جواب هذا فقال: قلنا المولى بحكم يده ما كان يملك قتل العبد لكونه أجنبيًّا عنه في حق روحه وحياته والعبد فيه كالحر. ثم قال: فإن قيل هذا الجواب يبطل بما لو كانت [الوديعة] (١) شاة فخنقها (٢) الصبي أو العبد فإنه لا يضمن، ورب الشاة ما كان يملك هذا بحكم ملكه (٣). قلنا: إنما يملك بحكم ملكه التصرف في حياتها فإنه يذبحها ولكن لا يملك الخنق؛ لأنه تضييع للمال لا لأنه إتلاف كما لو سيَّبَهَا (٤) لم يصح. وفي مسألة العبد لا يملك حياته ولا التصرف فيها بحكم أنه [تضييع ولكن بحكم أنه] (٥) أجنبي عنه. ألا ترى أنه لو أقرَّ عليه بالقصاص لا يصح إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم، فلما كان العبد في حق الدم بمنزلة الحر لم يصح الإيداع في حقه؛ لأن الحر لا يجوز أن يكون وديعة غيره فلذلك لم يتناوله الإيداع والتسليط. وبخلاف ما إذا أتلفه غير الصبي لأنه سقطت العصمة (٦) بالإضافة إلى الصبي دون غيره أي المالك بالإيداع عند الصبي إنما أسقط عصمة ماله عن الصبي لا عن غيره، وماله معصوم في حق غيره كما كان لأن التسليط إنما وجد في حق الصبي لا في حق غيره فصار مال الوديعة هنا بمنزلة من وجب عليه القصاص في حق دمه فإنه غير معصوم الدم في حق من له القصاص، ومعصوم [الدم] (٧) في حق غيره كما كان، لما أن عدم عصمة دمه إنما يثبت في حق من له القصاص لا غير فكذا هنا.

стр. 5132

فإن قيل: فصار حاصل تعليلهما دائرًا مع التسليط حيث وجد التسليط في حق الصبي دون غيره على ما ذكر، فيشكل على هذا ما لو استهلك الصبي الوديعة ثم جاء مستحق واستحقها وضمن الصبي لم يرجع الصبي على الآمر، ولو كان الإيداع منه تسليطًا لرجع بالضمان عليه كما لو قال له: أتلف هذا المال [فأتلفه] (١) فإنه يرجع بما ضمن على الآمر. قلنا: إنما فسرنا التسليط وحددناه بحد لا يَرِد عليه هذا السؤال وهو التمكن (٢) منه بإثبات يده لا بأمر وطلب واستعمال، فكان نظير ما حددناه أن يقول لصبي أَبَحْتُ لك أن تأكل هذا المال فأكله ثم جاء مستحق وضمَّنه لم يرجع به على المبيح. فكذلك إذا أثبت يده عليه لأنه مباح له بهذا ولا يكون محمولًا على التصرف، وأما إذا أمره بالإتلاف فقد استعمله بالحمل عليه. ألا ترى أنه لو كان عبدًا صار غاصبًا بالاستعمال بأمره، وإذا صار مستعملًا صار ضامنًا له السلامة عن عهدة ما باشره باستعماله. ألا ترى أنه لو قال لعبد: أبحت لك هذا الطعام فأكله العبد لم يصر هذا المبيح غاصبًا بخلاف ما لو استعمله بأمره؛ وهذا لأن فيما ذكرنا ثبت التسليط حكمًا لا صريحًا بالأمر وعن هذا وقع التفاوت. ألا ترى أنه لو رأى عبده يتَّجر فسكت يصير العبد مأذونًا في التجارة، ولو ظهر أن العبد كان حرًا واستحقه (٣) مستحق لم يرجع الغرماء على مولاه. ومثله (٤) لو قال: هذا عبدي أذنت له في التجارة فبايعوه ثم ظهر أنه كان حرًّا أو استحقه مستحق يرجع الغرماء على المولى؛ لأن الإذن في المبايعة مصرح به هاهنا ومسكوت عنه في الوجه الأول. فإن قيل لو كان الإيداع من الصبي تسليطًا له على الإتلاف لضمن الأب مال الوديعة بتسليمه إلى ابنه الصغير ليحفظها؛ لأن التسليم إليه تضييع على هذا التقدير والمودَع يضمن بالتضييع ومع ذلك لا يضمن هناك، عرفنا أنه ليس بتسليط على الإتلاف. وكذا الأب إذا دفع مال الصبي إليه لا يضمن إذا تلف في يده ولو كان تضييعًا لذلك بالتسليط لضمن الأب. قلنا: إنما لم يضمن الأب فيها لأن يد من في عيال (٥) المودع إذا كان أهلًا لحفظ الوديعة كَيَدِ المودع.

стр. 5133

ألا ترى أنه يحفظ مال نفسه بيد مثله فكذلك يحفظ مال غيره بيده فكانت يد الصبي كيَدِ الأب من هذا الوجه، ولو هلكت الوديعة في يد الأب لم يضمن فكذا إذا كان في يده حكم، هذا كله حاصل ما ذكره في وديعة الأسرار (١) والجامع الصغير (٢) للإمام المحبوبي. ومن حجتهما أيضًا ما ذكره في وديعة المبسوط فقال: وحجتهما ما قال في الكتاب لأنه صبي وقد سلطه رب الوديعة على ماله حين دفعه إليه (٣). وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام؛ أحدهما أنه تسليط باعتبار العادة لأن عادة الصبيان إتلاف المال لقلة نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحالِهِ يصير كالإذن له في الإتلاف. وبقوله [احفظ] (٤) لا يخرج من أن يكون إذنًا (٥) لأنه (٦) إنما خاطب بهذا من لا يحفظ فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار (٧) وقال لا تأكل. بخلاف العبد والأمة [لأنه] (٨) ليس من عادة الصبيان قتلهما لأنهم يهابون القتل فلا يكون إيداعه تسليطًا على القتل. وأما في الدابة فإنهم يركبون الدواب فثبت التسليط في الدابة بطريق العادة. والأصح أن نقول: معنى التسليط تحويل يده في المال إليه فإن المالك باعتبار يده كان متمكنًا من استهلاكه، فإذا حول يده إليه صار ممكنًا له من استهلاكه بالغًا كان المودع أو صبيًا إلا أن بقوله احفظ قصَدَ أن يكون هذا التحويل مقصورًا على الحفظ دون غيره وهذا صحيح في حق البالغ باطل في حق الصبي؛ لأنه التزام بالقيد (٩) والصبي ليس من أهله فيبقى التسليط على الاستهلاك بتحويل اليد مطلقًا. بخلاف العبد والأمة فإن المالك باعتبار يده ما كان متمكنًا من قبل الآدمي فتحويل اليد إليه لا يكون تسليطًا على قتله، فلما بقي التسليط مطلقًا في حق الصبي لم يضمن هو بالإتلاف، والدليل عليه أن الصبي لو ضيع الوديعة لم يضمن؛ بأن رأى إنسانًا يأخذها أو دل على أخذها والبالغ يضمن بمثله.

стр. 5134

وهذا الفرق إنما نشأ من أن الاستحفاظ صح في حق البالغ دون الصبي. والله أعلم بالصواب. * * * بابُ القسامة لما كان يؤول أمر القتيل في بعض الأحوال إلى القسامة شرع في بيانها. فمن محاسن القسامة خلاص من يُتهَم بالقتل عن القصاص (١) وصيانة دم المقتول عن الإهدار بإيجاب الدية وتعظيم أمر الدماء وخطرها بتكرار الأيمان وتعيين الخمسين من الأيمان إنما ثبت بالأحاديث المشهورة (٢)، فيحتاج هاهنا إلى بيان القسامة لغة وشرعًا وبيان سببها وركنها وشرطها وحكمها ودليل شرعيتها. أما اللغة فالقسامة على بناء الغرامة والحمالة (٣) اسم وضع موضع الإقسام (٤)، ثم قيل للأيمان التي تقسم على أهل المحلَّة (٥) إذا وجد قتيل فيها. وأما تفسيرها شرعًا فما روى [أبو يوسف] (٦) عن أبي حنيفة- ﵁ -أنه قال [في القتيل] (٧): يوجد في المحلة أو في دار رجل في المصر (٨) إن كان به جراحة أو أثر ضرب أو أثر خنق ولا يعلم مَنْ قَتَلَه يُقسِم خمسون رجلًا من أهل المحلة كل رجل منهم يقول: بالله ما قتلتُه وما علمت له قاتلًا.

стр. 5135

وأما سببها فوجود القتيل في المحلة أو فيما معناها من الدار والموضع (١) الذي بقرب من المصر بحيث يسمع الصوت منه. وأما ركنها فأن يجري من يقسم هذه الكلمات على لسانه وهي قوله: بالله ما قتلته وما علمت له قاتلًا؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء والقسامة إنما تقوم بها. وأما شرطها فهو أن يكون المقسم رجلًا بالغًا عاقلًا حرًا فلذلك لم يدخل في القسامة المرأة والصبي والمجنون والعبد. وأن يكون في الميت (٢) الموجود في المحلة أثر القتل وأما لو وجد ميتًا لا أثر به فلا قسامة ولا دية. ومن شرطها أيضًا تكميل [اليمين] (٣) بالخمسين، فإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان على من وجد منهم حتى يتم خمسين. وأما حكمها فالقضاء بوجوب الدية بعد الحلف؛ وفي الآباء بالحبس حتى يحلفوا لو ادعى الولي قتل العمد. وأما لو ادعى الولي قتل الخطأ فالقضاء بالدية عند النكول. وأما دليل شرعيتها فالأحاديث المشهورة كحديث سهل (٤) وغيره وقضاء عمر (٥) ﵁ -وإجماع الصحابة في زمن خلافة عمر (٦) إلى هذا أشار في التحفة (٧) (٨) وغيرها.

стр. 5136

قوله: يتخيرهم الولي بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، هذا على طريق الحكاية عن الجمع. وأما عند الحلف فيحلف كل واحد منهم: بالله ما قتلته؛ ولا يحلف بالله: ما قتلنا؛ لجواز أن يكون باشر القتل بنفسه فيجترئ على يمينه: بالله ما قتلنا. فإن قيل: يجوز أنه قتل مع غيره فيجترئ على يمينه: بالله ما قتلت؛ كما في عكسه. قلنا: لا، كذلك لأنه إذا حلف بالله: ما قتلت؛ وكان قتل مع غيره كان كاذبًا في يمينه فإن الجماعة متى قتلوا واحدًا يكون كل واحد منهم قاتلًا؛ ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ، كذا وجدت بخط شيخي: (١). اللوث من لوّث الماء كدّره؛ ولوث ثيابه بالطين أي لطخها فتلوثت؛ ومنه بينهم لوث وعداوة أي شر أو طلب بحقد. وفي القسامة إذا كان هناك لوثة هي أن يكون هناك علامة القتل في واحد بعينه؛ أو يكون هناك عداوة ظاهرة (٢). والقصاص لا يجامعها أي لا يجامع الشبهة. اعلم أن الأصل في شرعية القسامة الأحاديث المشهورة منها $حديث سهل بن أبي خيثمة (٣) أن عبد الله بن سهل (٤) وعبد الرحمن بن سهل (٥) وحُوَيصَة (٦) ومحيصة (٧) خرجوا في التجارة [إلى خيبر (٨) (٩) وتفرقوا إلى حوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من خيبر يتشحط (١٠) في دمه فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ليخبروه فأراد عبد الرحمن وهو أخو القتيل أن يتكلم فقال ﷺ -الكُبَّر الكبر؛ فتكلم أحد عميه حُوَيصة أو مُحَيّصَة وهو الأكبر منهما وأخبره بذلك، قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود؛ قال: تبرئكم اليهود بأيمانها؛ فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفّار لَا يُبَالُونَ ما حلفوا عليه؛ قال غ: أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم؟ فقالوا: كيفَ نحلف على أمرٍ لم نعاين ولم نشاهد؟ فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوَدَاه بمائة من إبل الصدقة (١١).

стр. 5137

ثم قيل إنما وَدَى رسول الله ﷺ لأنه يجوز الحمالة عن أهل الذمة فإن قضاء دين الغير بِرٌّ له، وأهل الذمة من أهل البر إليهم حتّى جاز عندنا صرف الكفارات إليهم، ولا يجوز من مال الزكاة (١) إلا على سبيل الاستقراض (٢) من بيت المال (٣)، ومنها حديث الزهري (٤) وهو ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب (٥) أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية قررها رسول الله ﷺ في قتيل من الأنصار وجد في جب (٦) اليهود بخيبر وذكر الحديث إلى أن قال: فألزم النبيّ ﷺ -اليهود الدّية والقسامة (٧). وفي رواية: فكتب إليهم إما أن تدوه أو فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله (٨).

стр. 5138

واحتج [مالك] (١) (٢) والشافعي (٣) رحمهما الله بآخر هذا الحديث [بقوله ﷺ ] (٤): أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٥). وفي رواية: تحلفون وتستحقون (٦)، وهذا تنصيص على أن اليمين على الولي وأنه يستحق القصاص به. ثم قال الشافعي: في القول الجديد: يرجح جانب المدعي ولكن بحجة فيها ضرب شبهة (٧)، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات فيجب المال؛ وهذا لأن اليمين حجة من يشهد له الظاهر كما في سائر الدعاوى، فإن الظاهر يشهد للمدعى [عليه] (٨) لأن الأصل براءة ذمته. فأما في القسامة فالظاهر يشهد للمدعي عند قيام اللوث فيكون اليمين حجة له، وهذا معنى قوله في الكتاب: فإذا كان الظاهر شاهدًا للولي (٩) يبرأ بيمينه. وحجتنا ما روينا من الآثار المشهورة وقول رسول الله ﷺ : لو أعطي [الناس] (١٠) بدعواهم … الحديث (١١).

стр. 5139

وقد بينا في الدعوى أن اليمين ليس بحجة صالحة لاستحقاق فلسٍ بها فكيف يكون حجة لاستحقاق نفسٍ [خصوصًا] (١) في موضع يتيقن (٢) أنّ الحالف مجازف يحلف على ما لم يعاينه بحال محتمل في نفسه وهو اللوث، وإنما اليمين مشروعة لإبقاء ما كان على ما كان فلا يستحق بها ما لم يكن مستحقًا. فأما [قوله] (٣): أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؛ لا تكاد تصح هذه الزيادة وقد قال جماعة من أهل الحديث أولهم سهل بن أبي خيثمة: ما قال رسول الله ﷺ : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (٤)، ولو ثبت فإنما قال ذلك على سبيل الاستفهام عليهم لا على طريق الحكم والأمر لهم بذلك؛ فإن الثاني معطوف على الأول فشاركه في الاستفهام، فإنه لو كان على سبيل الحكم لكان يقول: أتحلفون فتسحقوا دم صاحبكم؛ كما تقول: [أتدخل الدار فتبصرَ الأمر بالنصب أريد به التعليق في الحكم وإذا أريد به الاستفهام قيل] (٥): أتدخل الدار وتجلسُ فيها [بالرفع أي أتجلسُ فيها] (٦) بعد الدخول، والاستفهام استخبار عن فعله أيفعله أم لا وليس ببيان أنه يجوز له ذلك، أو هو محمول على الاستفهام بطريق الإنكار كقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ (٧). وكذلك قوله (٨) تحلفون (٩) معناه أتحلفون كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (١٠) معناه أتريدون؟ وكأنه ﷺ رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: لا نرضى بيمين قوم كفار؛ فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما عرفوا كراهة رسول الله ﷺ لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمرٍ لم نعاين ولم نشاهد؟ كذا في المبسوط (١١) والأسرار (١٢).

стр. 5140

لأنه يمين وليس بشهادة، وبهذا التعليل يحترز عن اللعان (١) حيث لا يجوز اللعان منهما لما أن اللعان شهادة والمحدود في القذف والأعمى ليس لهما شهادة الأداء؛ فأما هذه فيمين محضة كذا في المبسوط (٢). وإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية أي على عاقلة أهل المحلة. وفي المبسوط ثم إنما يقضى بالدية على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين (٣)؛ لأن حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ وإذا كانت الدية هناك على عاقلته في ثلاث سنين فهنا [أولى] (٤). وفي ظاهر الرواية القسامة على أهل المحلة، والدية على عواقلهم. وذكر في اختلاف زفر ويعقوب (٥) أن (٦) على قول زفر القسامة والدية على عاقلة أهل المحلة قياسًا لأحد الموجبين على الآخر. وعلى قول أبي يوسف: لا قسامة على العاقلة لأن التحمل يجري في الدية ولا يجري التحمل في اليمين، وادعة اسم قبيلة من همدان، ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه عمدًا أو خطأ؛ إلى أن قال: وإن كان في القصاص فهو على اختلاف مضى في كتاب الدعوى؛ فكذا في بعض النسخ وهو الأصح لأنه أحال على هذا المذكور. وهذه المسألة بعد هذا بورقتين أو أكثر في قوله: وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم؛ وقد ذكرناه وذكرنا فيه القياس والاستحسان، وهذه الحوالة (٧) ليست [إلا] (٨) في ذلك المذكور في بعض النسخ، وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم ويجوز تكرار اليمين من واحد كما في كلمات اللعان لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيًا. فإن قلت: الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ولهذا قلنا في عين الصبي وذكَرِهِ ولسانه إذا لم يعلم صحته حكومة العدل عندنا وإن كان الظاهر سلامتها.

стр. 5141

قلت: إن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال ولا تعظيم للأموال كتعظيم النفوس فلذلك لم يجب فيما لم يعلم سلامته [[يقينًا [ما] (١) يجب في الذي علم سلامته يقينًا مما له خطر من القصاص والدية]] (٢). وأما الجنين فهو في نفسه عضو من وجه ونفس من وجه، فاعتبرنا جهة النفس إذا انفصل حيًا فيستدل عليه بتمام الخلق. وإذا انفصل ميتًا اعتبرنا جهة العضو فيستدل عليه بناقص الخلق، فكان الظاهر هنا بمنزلة القتيل الموجود في المحلة وبه أثر الجراحة يحكم أنه مقتول بسبب هذا الظاهر فتجب القسامة والدية وإن كان يحتمل أنه مات حتف أنفه (٣) لا بسبب الجراحة. وأما الأعضاء فلما كان فيها شبه المالية لم توجب الدية التي لها خطر إلا عند التيقن. وإذا وجد القتيل على دابة يسوقها (٤) رجل فالدية على عاقلته أي على عاقلة السائق [سواء أكان السائق] (٥) مالكًا للدابة (٦) أم غير مالك. وكذا إذا كان قائدها أو راكبها لأنه هو المختص بتدبير هذه الدابة وباليد عليها. ألا ترى أنها لو وطئت إنسانًا كان ذلك على الذي معه بالسوق أو غيره فكذلك إذا وجد قتيلًا عليها، فإذا لم يكن مع الدابة أحد فهو على أهل المحلة الذين وجد فيهم القتيل على الدابة لأن وجوده على الدابة كوجوده في الموضع الذي فيه الدابة. وقد روي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه كان يفصل الجواب في الدابة (٧) تفصيلًا ويقول: إن هذا هكذا إذا كان السائق يسوق الدابة محتشمًا (٨) مختفيًا سرًا؛ لأن الظاهر أنه هو القاتل إذا كان يسوقها على هذا الوجه، فأما إذا كان يسوقها غير محتشم نهارًا جهارًا فلا شيء عليه؛ لأن الإنسان قد يحمل أباه أو ابنه أو واحدًا من أقربائه ميتًا وينقله إلى بلده ليدفنه فيه وظاهر حاله في السوق يدل عليه فلا نجعله قاتلًا.

стр. 5142

فإن قلت: ما الفرق لأبي حنيفة ومحمد: بين سائق الدابة أو قائدها أو راكبها هاهنا وبين الدار (١)؛ فإنه إذا وجد القتيل في الدار تجب القسامة والدية على مالك الدار لا على الساكن الذي في يده الدار عند أبي حنيفة ومحمد: وهاهنا تجب القسامة على الذي في يده الدابة من السائق وغيره والدية على عاقلته لا على مالك الدابة. قلت له جوابين؛ أحدهما بطريق المنع (٢) فنقول: لا نسلم بأن الدية هنا لا تجب على مالك الدابة فإن من مشائخنا من قال هذا الجواب الذي ذكره في الكتاب فيما إذا لم يكن للدابة مالك معروف وإنما يعرف ذلك بقول القائد والسائق. وأما إذا كان للدابة مالك معروف فإنه يجب على مالك الدابة؛ وهذا لأنه متى لم يكن للدابة مالك معروف فالمالك من حيث الظاهر هو الذي في يده الدابة. ألا ترى أنه لو ادعى أن الدابة دابته كان القول قوله؛ فإذا كان ذو اليد مالكًا من حيث الظاهر فالقسامة والدية تجب عليه بظاهر ملكه، فإذا أراد أن يحوله إلى غيره لا يقدر كما في الدار إذا أقر الذي في يده الدار أن الدار لغيره ولم يكن المقَر له مالكًا معروفًا للدار لا يصدق ذو اليد، فأما إذا كان مالك الدار معروفًا فإنه تجب القسامة والدية على مالك الدار، فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بين الدابة والدار، والثاني بطريق التسليم وهو أيضًا مما قاله بعض مشائخنا فقالوا: سواء أكان للدابة مالك معروف أم لم يكن فإن القسامة تجب على الذي في يده الدابة والدية على عاقلته. وظاهر إطلاق الجواب في الكتاب يدل على هذا، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الدار على ما ذكرت، والفرق هو أن العبرة في هذا الباب للتصرف والرأي والتدبير، ثم التصرف والرأي والتدبير في الدار يكون للمالك؛ لأنه لا يتصور [أي ما دام مالكًا] (٣) انقطاع يده عن ذلك؛ لأنه وإن أخرها فالمئونة تكون على المالك فتكون القسامة عليه، وأما في الدابة فالتصرف والرأي والتدبير إلى من في يده الدابة؛ لأن زوال يد صاحب الدابة عن الدابة يثبت بالإجارة وكذلك بالانفلات فتكون القسامة على الذي في يده الدابة لذلك، هذا كله من المبسوط (٤) والذخيرة (٥).

стр. 5143

أُتِي بقتيل وجد بين قريتين فأمر أن يذرع وهو في $حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ -أن قتيلًا وجد بين قريتين على عهد رسول الله ﷺ فأمر أن يُمْسح بينهما فوجد إلى إحدى القريتين أقرب بشبر فقضى عليهم بالقسامة … والدية (١) كذا في المبسوط (٢). وَادعة وأرحب قبيلتان من هَمدَان، وإن وجد القتيل في دار إنسان فالقسامة عليه فصار صاحب الدار مع أهل المحلة بمنزلة أهل المحلة مع أهل المصر، فلما لم يدخل أهل المصر مع أهل المحلة كذلك لا يدخل أهل المحلة مع صاحب الدار في القسامة كذا في شرح الأقطع (٣). ولا يدخل السكان في القسامة مع المُلَّاك يعني إذا كان في المحلة سكان وملاك عند أبي حنيفة: وهو قول محمد:. وإنما ذكر قولهما بهذا الطريق ولم يقل عند أبي حنيفة ومحمد ليظهر عدم أصالة محمد في هذا القول كأصالة أبي حنيفة: فيه؛ لأنه ذكر في الأسرار بعدما ذكر الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف هذا الاختلاف فقال: وقول محمد مضطرب (٤). وهاهنا اختار كونه مع أبي حنيفة ولكن مع نوع إشارة إلى أنه ليس بأصيل في هذا القول فصار كأنه قال وهو قول محمد في بعض الروايات. وقال أبو يوسف: هو عليهم وهذا هو قوله الآخر، وكان قوله الأول كقولهما ثم رجع إلى هذا القول؛ وهو قول ابن أبي ليلى (٥) (٦)؛ لأن سكنى الملاك ألزم وقرارهم أدوم لأن السكان ينتقلون في كل وقت من محلة إلى محلة دون أصحاب الملك، والدليل عليه أن ما ينبني من الغُنْم شرعًا على القرب مختص به أصحاب الملك دون السُّكان وهو الشفعة فكذلك ما يكون من الغرم شرعًا.

стр. 5144

الخِطة المكان المختط لبناء دار وغير ذلك من العمارات، وقولهم مسجد الخطة يراد بها ما خَطّه الإمام حين فتح البلدة وقسمها بين الغانمين. وكذلك قوله في الكتاب وهو على أهل الخِطة دون المشترين أي على أصحاب الأملاك القديمة الذين كانوا يملكونها حينَ فَتح الإمام البلدةَ وقسمها بين الغانمين بخطّ خِطة لتمييز أنصبائهم، وهو على أهل الخطة أي المذكور، وهو وجوب القسامة. والدية أي القسامة على أهل الخطة والدية على عواقلهم. وقال أبو يوسف: الكل مشتركون؛ وهو [قول] (١) ابن أبي ليلى. والولاية أي ولاية الحفظ باعتبار الملك وفيما يجب باعتبار الملك لا يختلف باختلاف أسباب الملك كاستحقاق الشفعة، ولهما أن صاحب الخِطّة هو المختص بنصرة البقعة. ألا ترى أن المحلة تنسب إلى صاحب الخطة دون المشترين. فإن قلت: ما الفرق لهما بين المحلَة والدّار وفي الدار لو كان مشتريًا وصاحب خِطة ووجد القتيل فيها فهما متساويان في القسامة والدية ولا فرق بينهما بالإجماع، وفي حق المحلة فرقا بينهما حيث أوجبا (٢) القسامة على أهل الخطة دون المشترين، مع أنّ كلّ واحد من أهل الخطّة والمشتري لو انفرد كانت القسامة عليه والدية على عاقلته وهما لم يفترقا في حق الدار، فكيف افترقا في حق المحلة. قلتُ: قالا: الفرق بينهما العُرْف؛ فإنّ في العرف أن المشترين قلَّمَا يزاحمون أصحاب الخطة في التدبير والقيام لحفظ المحلة، وليس في حق الدار كذلك؛ فإن في عمارة ما استرم من الدار وإجارتها وإعارتها فهما متساويان، فكذلك في القيام بحفظ الدار. وقيل أبو حنيفة: بنى ذلك على ما شاهد بالكوفة (٣) أي ما شاهد من عادة أهل الكوفة في زمانه هو أن أصحاب الخطة في كلّ محلّة هم الذين يقومون بتدبير المحلة ولا يشاركهم المشترون في ذلك. لما بينا أراد به قولَه ولهما أن صاحب الخطة هو المختص بنصرة البقعة. وقوله: ولأنه أصيل والمشتري دخيل لأن الولاية انتقلت إليهم أي عند أبي حنيفة ومحمد:؛ لأن الولاية على قولهما لصاحب الخطة ولم يكن للمشترين، وحين صارت لهم كانت الولاية منتقلة (٤) إليهم.

стр. 5145

أو خلصت لهم أي على مذهب أبي يوسف لما أن الولاية عنده … كانت لصاحب الخطة وللمشترين، فالآن خلصت للمشترين لزوال من يزاحمهم. [وكذلك قوله لزوال من يتقدمهم أي على قولهما. أو يزاحمهم] (١) أي على قول أبي يوسف. وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار. وذكر في الذخيرة: «القتيل إذا وجد في دار رجل فالدية على عاقلة صاحب الدار» باتفاق الروايات، و «القسامة على صاحب الدار» في رواية. وفي رواية أخرى «القسامة على عاقلة صاحب الدار (٢)». وحكي عن الكرخي أنه كان يوفق بين الروايتين فكان يقول الرواية التي توجب القسامة على صاحب الدار محمولة على ما إذا كان قومه غُيَّبًا، والرواية التي توجب القسامة على قومه محمولة على ما إذا كان قومه حضورًا. ولكن ذكر في فتاوى العتابي (٣) كما ذكر في الكتاب «ومن اشترى دارًا فلم يقبضها حتَّى وُجد فيها قتيل» إلى آخره (٤)، … وهذه من مسائل الجامع الصغير (٥). وحاصل هذا الاختلاف راجع إلى أن أبا حنيفة: اعتبر اليد وَهَمُا اعتبرا الملك، وهذا الاختلاف نشأ بينهم بعد ما أجمعوا على أن وجوب الضمان عند وجود القتيل يتعلق بولاية الحفظ لأنه ضمان ترك الحفظ، فبعد ذلك قال أبو يوسف ومحمد: ولاية الحفظ تستفاد بالملك فيعتبر الملك. وأبو حنيفة: يقول: حقيقة القدرة تثبت باليد إلا أن الملك سبب اليد فإذا كان الملك لأحدهما واليد للآخر كان اعتبار اليد أولى والولاية تستفاد بالملك؛ وهذا لأن وجوب الدية في هذا ضمان ترك الحفظ فيجب على مالك الدار لأنه مئونة الملك؛ فلهذا كانت الدية على صاحب الدار دون المودع والمستعير والمستأجر والغاصب والمرتهن حيث امتنع وجوب الدية على هؤلاء لهذا المعنى؛ فالملك للمشتري قبل القبض في البيع [الثابت] (٦) فكان الضمان [الصادر] (٧) (٨) من ذلك الملك عليه (٩).

стр. 5146

فإن قلت: ما الفرق لهما بين هذا وبين ما إذا جنى العبد قبل القبض في البيع الثابت؛ حيث يخير المشتري هناك بين رد البيع وإمضائه، وهاهنا إذا وجبت الدية على عاقلة المشتري عندهما بسبب قتيل وجد في دار اشتراها ولم تقبض بعد [حيث لم يخير المشتري بين رد البيع وإمضائه. قلت: الفرق بينهما هو أن الدار] (١) لم تصر مستحقة بوجود القتيل فيها (٢) بل ضمان الجناية يجب على عاقلة المشتري حتى يكون الاستحقاق بمنزلة العيب بخلاف العبد، فإنه إذا جنى جناية في يد البائع إنما يخير المشتري؛ لأن العبد يصير مستحقًا بالجناية والاستحقاق من أفحش العيوب وقد حدث ذلك في يد البائع فيخير المشتري كما لو حُمَّ (٣) العبد في يد البائع (٤)، وله أن القدرة على الحفظ باليد لا بالملك لما أن هذا الضمان ضمان ترك الحفظ، [وضمان ترك الحفظ] (٥) إنما يجب على من كان قادرًا على الحفظ، والقادر على الحفظ هو الذي له يد أصالة لا يد نيابة (٦). وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين يد المودع وأمثاله لما أن يد هؤلاء يد نيابة ويد الغاصب يد أمانة هاهنا؛ لأن العقار لا يُضمن بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويد المرتهن قالوا: لا رواية فيه. فإن قلت: ما الفرق لأبي حنيفة: بين وجوب الضمان هنا وبين وجوب صدقة الفطر؛ وفي صدقة الفطر اتفقوا على أن الاعتبار للملك. قلت: قال أبو حنيفة: إن صدقة الفطر أينما وجبت [إنما وجبت] (٧) على المالك لا على الضامن فإنها لا تجب على الضامن بحال؛ ألا ترى أن صدقة فطر المغصوب (٨) تجب على المالك لا على الغاصب. وأما ضمان الجناية كما يجب على المالك كذلك يجب على الغاصب (٩) بل عند اجتماعهما يكون قرار الضمان على الضامن في ضمان الجناية، حتى إن العبد المغصوب (١٠) أو المرهون إذا جنى جناية في يد الغاصب أو المرتهن واختار المولى الدفع أو الفداء يكون قرار ذلك على الضامن (١١)، هذا كله من الجامع الصغير (١٢) للإمام المحبوبي: والإمام قاضي خان: (١٣).

стр. 5147

ومن كان في يده دار فوُجِدَ فيها قتيل لم تعقله العاقلة حتى يشهد الشهود أنها للذي في يده، يريد به إذا أنكرت العاقلة كون الدار لصاحب اليد وقالوا هي وديعة في يدك فالقول قولهم؛ لأن دية القتيل الموجود في الدار تجب على عاقلة رب الدار باعتبار ملك الدار، والملك بحكم اليد ثابت من حيث الظاهر وذلك حجة لدفع الاستحقاق، فلا بد من إقامة البينة لإيجاب الدية على عاقلته سواء أوجد صاحب الدار فيها قتيلًا أم غيره، كما في استحقاق الشفعة لم يكن بد من إقامة البينة على الملك لهذا المعنى، كذا ذكره الإمام المحبوبي: (١). لأنها في أيديهم لما أن المركب في يد الراكب فكذلك السفينة تكون في يد من فيها. واللفظ أي لفظ قوله -على من فيها من الركاب والملاحين- يشمل أربابها أي يشمل ملاكها وغير ملاكها. وهذا على ما روي عن أبي يوسف ظاهر؛ أراد به ما ذكر في قوله ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: هو عليهم جميعًا فيعتبر فيها اليد دون الملك كما في الدابة يعني أن المعتبر في القتيل الموجود [على الدابة هو اليد دون الملك لأنها تنقل وتحول؛ فكذلك في القتيل الموجود] (٢) في السفينة كان الاعتبار [[لليد دون الملك وهم في اليد عليها سواء كذا في المبسوط (٣). وذكر شيخ الإسلام: قال بعض المشائخ: إنما يجب على الركاب إذا لم يكن للسفينة مالك معروف؛ وأما إذا كان لها مالك معروف فإن القسامة تجب على مالك السفينة؛ [ومنهم من يقول: يجب في الحالين على الذين كانت السفينة] (٤) في أيديهم، ومثل هذا التفصيل من اختلاف المشائخ مذكور في الدابة وقد ذكرناه. وإن وجد في المسجد الجامع والشارع الأعظم، أي وإن وجد القتيل في الطريق الأعظم، وفي المُغْرِب (٥) (٦) الشارع هو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المجازي أو هو من قولهم شرع الطريق إذا تبين.

стр. 5148

وذكر في الذخيرة بعد ما ذكر المسجد الجامع أي (١) مسجد جماعة يكون في سوق هو لعامة المسلمين؛ لأن التدبير في مثل هذا المسجد للإمام الذي هو نائب عن عامة المسلمين لا إلى أهل هذا السوق فلا قسامة فيه لأن [المقصود] (٢) بالقسامة نفي تهمة القتل وذلك لا يتحقق في حق [عامة] (٣) جماعة المسلمين كذا في المبسوط (٤). فعند أبي يوسف: يجب على السكان أي سواء أكان السكان مُلَّاكًا أم غير مُلَّاك على ما مر، وإن لم يكن مملوكًا كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال، وإنما أراد به أن يكون نائبًا عن المحال. أما الأسواق التي تكون في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة فتكون القسامة والدية على أهل المحلة فكذا في السوق النائي إذا كان من يسكنها في الليالي أو كان لأحد فيها دار مملوكة تكون القسامة والدية عليه؛ لأنه يلزمه صيانة ذلك الموضع فيوصف بالتقصير فيجب موجب التقصير عليه كذا في مبسوط فخر الإسلام (٥) (٦). وذكر في الذخيرة والمغني (٧) وفي المنتقى (٨) إذا وجد قتيل في صف من السوق فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون (٩) في حوانيتهم (١٠) فدِيَة القتيل عليهم؛ وإن كانوا لا يبيتون في حوانيتهم فالدِّيَة على الذين لهم ملك الحوانيت؛ فلا يتعلق بهم ما يجب لأجل النصرة؛ أي لأجل ترك النصرة. وقد بيناه؛ أي في مسألة: وإن مرت دابة بين قريتين وعليها قتيل. وإن وجد في وسط الفرات ذكر الفرات ليس للتخصيص بل المراد به النهر العظيم؛ ولهذا قال في المبسوط بهذا وقال وإذا وجد القتيل في نهر عظيم يجري به الماء فلا شيء فيه؛ وكذلك ذكر الوسط ليس للتخصيص فإن القتيل ما دام الماء به جاريًا كان حكم الشط (١١) كحكم الوسط وبهذا التفسير بحر بعيد، هذا في الذخيرة (١٢).

стр. 5149

وأما إذا كان محتبسًا بالشط فحكمه ما ذكره في الكتاب. وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الشرك؛ لأنه إذا كان كذلك فلعل هذا قتيل دار الشرك؛ فأما إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأن موضع انبعاث الماء في يد المسلمين فسواء كان قتيل مكان الانبعاث أو مكان آخر دون ذلك فهو قتيل المسلمين، فتجب الدية في بيت المال (١). وذكر في الذخيرة أيضًا مثل هذا فقال: وإذا وجد الرجل قتيلًا في نهر يجري فيه الماء فهذا على وجهين؛ الأول: أن يكون النهر عظيمًا كالفرات ونحوه؛ وإنه على وجهين أيضًا؛ الأول: أن يجري به الماء، وفي هذا الوجه إن كان موضع انبعاث الماء في دار الحرب (٢) فدمه هدر سواء أكان يجري في وسطه أم في شطه؛ لأنه لما كان يجري به الماء والحال هذه كان هو قتيل دار الشرك، أويحتمل أنه قتيل مكان الشرك، وذلك المكان ليس تحت أيدي المسلمين، وإن كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأنه قتيل مكانٍ هو في يد المسلمين سواء اعتبرنا موضع انبعاث الماء أو موضع ظهور القتيل فهو على أقرب القرى من ذلك المكان. على التفسير الذي تقدم أراد به قوله قيل هذا محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ أهله الصوت، وبهذا صرح في المبسوط (٣) والذخيرة (٤) وغيرهما. فقال في المبسوط: وإن كان إلى جانب الشاطئ محتبسًا فهو على أقرب القرى إليه والأرضين فعليهم القسامة والدية؛ ثم قال وهذا إذا كانوا بالقرب من ذلك الموضع بحيث يسمعون صوت من وقف على ذلك الموضع ونادى بأعلى صوته؛ وإن كانوا لا يسمعون ذلك لا شيء عليهم فيه؛ هكذا فسره الكرخي:. ورد في الذخيرة على هذا بقوله وأما إذا كان بحيث لا يسمع منه الصوت لا يجب عليهم شيء وإنما يجب في بيت المال؛ لأنه يجب بزعامة المسلمين لم تسقط القسامة وكذلك الدية لا تسقط عن عواقلهم. وقد ذكرناه؛ أي المذكور في بعض النسخ؛ وهو قوله: ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه إلى آخره (٥).

стр. 5150

وإن ادَّعى على واحد من غيرهم سقط عنهم؛ أي سقطت القسامة والدية، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدًا كذا في الذخيرة (١)؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ابتداء الأمر؛ فإن الشارع أوجب القسامة ابتداء على أهل المحلة؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ما شرعه الشارع ابتداء. وفي المبسوط: وإن ادعى أهل القتيل على بعض أهل المحلة الذين وجد القتيل بين أظهرهم فقالوا قتله فلان [عمدًا أو] (٢) خطأ لم يُبْطِل هذا حقه وفيه القسامة والدية؛ لأنهم ذكروا ما كان معلومًا لنا بطريق الظاهر، وهو أن القاتل واحد من أهل المحلة، وكما لا يعلم ذلك حقيقة فكذلك بدعوى الأولياء على واحد منهم بعينه لا يصير معلومًا لنا حقيقة أنه هو القاتل، فإذا لم يثبت (٣) بهذه الدعوى شيء لا يتغير (٤) الحكم به، فبقيت القسامة والدية على أهل المحلة. [وروى ابن المبارك (٥) (٦) عن أبي حنيفة: أنه تسقط القسامة عن أهل المحلة] (٧)؛ لأن دعوى الولي على واحد منهم بعينه يكون إبراء لأهل المحلة عن القسامة؛ فإن القسامة في قتيل لا يعرف قاتله؛ فإذا زعم الولي أنه يعرف القاتل منهم بعينه صار مُبَرِّئًا لهم عن القسامة وذلك صحيح منه؛ فإذا ادعى القتل على غيرهم امتنعتْ دعواه عليهم للتناقض؛ لأنه لما ادعى على غير أهل المحلة فقد أبرأ أهل المحلة من ذلك حتى لا تُسْمَع دعواه بعد ذلك على أهل المحلة للتناقض، كذا في المبسوط (٨). يقال أجلوا عن قتيل؛ أي انكشفوا عنه وانفرجوا. لأن القتيل بين أظهرهم؛ أي وجد بين أظهرهم؛ أي بينهم. والظهر والأظهر تجيئان معجمتين كما في قوله غ: «لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى» (٩) أي صادرة عن غنى؛ فالظهر فيه معجم كما في ظهر القلب وظهر الغيب، فكذا في الأظهر يقال: أقام بين أظهرهم أي بينهم، ثم وجود القتيل بين أظهرهم موجب للقسامة والدية عليهم؛ فإن النبي ﷺ -قضى على أهل خيبر بالقسامة والدية لوجود القتيل بين أظهرهم (١٠).
следующие страницы →