← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

فإن قلت: ما الفرق لهما بين هذا وبين ما إذا جنى العبد قبل القبض في البيع الثابت؛ حيث يخير المشتري هناك بين رد البيع وإمضائه، وهاهنا إذا وجبت الدية على عاقلة المشتري عندهما بسبب قتيل وجد في دار اشتراها ولم تقبض بعد [حيث لم يخير المشتري بين رد البيع وإمضائه. قلت: الفرق بينهما هو أن الدار] (١) لم تصر مستحقة بوجود القتيل فيها (٢) بل ضمان الجناية يجب على عاقلة المشتري حتى يكون الاستحقاق بمنزلة العيب بخلاف العبد، فإنه إذا جنى جناية في يد البائع إنما يخير المشتري؛ لأن العبد يصير مستحقًا بالجناية والاستحقاق من أفحش العيوب وقد حدث ذلك في يد البائع فيخير المشتري كما لو حُمَّ (٣) العبد في يد البائع (٤)، وله أن القدرة على الحفظ باليد لا بالملك لما أن هذا الضمان ضمان ترك الحفظ، [وضمان ترك الحفظ] (٥) إنما يجب على من كان قادرًا على الحفظ، والقادر على الحفظ هو الذي له يد أصالة لا يد نيابة (٦). وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين يد المودع وأمثاله لما أن يد هؤلاء يد نيابة ويد الغاصب يد أمانة هاهنا؛ لأن العقار لا يُضمن بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويد المرتهن قالوا: لا رواية فيه. فإن قلت: ما الفرق لأبي حنيفة: بين وجوب الضمان هنا وبين وجوب صدقة الفطر؛ وفي صدقة الفطر اتفقوا على أن الاعتبار للملك. قلت: قال أبو حنيفة: إن صدقة الفطر أينما وجبت [إنما وجبت] (٧) على المالك لا على الضامن فإنها لا تجب على الضامن بحال؛ ألا ترى أن صدقة فطر المغصوب (٨) تجب على المالك لا على الغاصب. وأما ضمان الجناية كما يجب على المالك كذلك يجب على الغاصب (٩) بل عند اجتماعهما يكون قرار الضمان على الضامن في ضمان الجناية، حتى إن العبد المغصوب (١٠) أو المرهون إذا جنى جناية في يد الغاصب أو المرتهن واختار المولى الدفع أو الفداء يكون قرار ذلك على الضامن (١١)، هذا كله من الجامع الصغير (١٢) للإمام المحبوبي: والإمام قاضي خان: (١٣).

стр. 5147

ومن كان في يده دار فوُجِدَ فيها قتيل لم تعقله العاقلة حتى يشهد الشهود أنها للذي في يده، يريد به إذا أنكرت العاقلة كون الدار لصاحب اليد وقالوا هي وديعة في يدك فالقول قولهم؛ لأن دية القتيل الموجود في الدار تجب على عاقلة رب الدار باعتبار ملك الدار، والملك بحكم اليد ثابت من حيث الظاهر وذلك حجة لدفع الاستحقاق، فلا بد من إقامة البينة لإيجاب الدية على عاقلته سواء أوجد صاحب الدار فيها قتيلًا أم غيره، كما في استحقاق الشفعة لم يكن بد من إقامة البينة على الملك لهذا المعنى، كذا ذكره الإمام المحبوبي: (١). لأنها في أيديهم لما أن المركب في يد الراكب فكذلك السفينة تكون في يد من فيها. واللفظ أي لفظ قوله -على من فيها من الركاب والملاحين- يشمل أربابها أي يشمل ملاكها وغير ملاكها. وهذا على ما روي عن أبي يوسف ظاهر؛ أراد به ما ذكر في قوله ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: هو عليهم جميعًا فيعتبر فيها اليد دون الملك كما في الدابة يعني أن المعتبر في القتيل الموجود [على الدابة هو اليد دون الملك لأنها تنقل وتحول؛ فكذلك في القتيل الموجود] (٢) في السفينة كان الاعتبار [[لليد دون الملك وهم في اليد عليها سواء كذا في المبسوط (٣). وذكر شيخ الإسلام: قال بعض المشائخ: إنما يجب على الركاب إذا لم يكن للسفينة مالك معروف؛ وأما إذا كان لها مالك معروف فإن القسامة تجب على مالك السفينة؛ [ومنهم من يقول: يجب في الحالين على الذين كانت السفينة] (٤) في أيديهم، ومثل هذا التفصيل من اختلاف المشائخ مذكور في الدابة وقد ذكرناه. وإن وجد في المسجد الجامع والشارع الأعظم، أي وإن وجد القتيل في الطريق الأعظم، وفي المُغْرِب (٥) (٦) الشارع هو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المجازي أو هو من قولهم شرع الطريق إذا تبين.

стр. 5148

وذكر في الذخيرة بعد ما ذكر المسجد الجامع أي (١) مسجد جماعة يكون في سوق هو لعامة المسلمين؛ لأن التدبير في مثل هذا المسجد للإمام الذي هو نائب عن عامة المسلمين لا إلى أهل هذا السوق فلا قسامة فيه لأن [المقصود] (٢) بالقسامة نفي تهمة القتل وذلك لا يتحقق في حق [عامة] (٣) جماعة المسلمين كذا في المبسوط (٤). فعند أبي يوسف: يجب على السكان أي سواء أكان السكان مُلَّاكًا أم غير مُلَّاك على ما مر، وإن لم يكن مملوكًا كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال، وإنما أراد به أن يكون نائبًا عن المحال. أما الأسواق التي تكون في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة فتكون القسامة والدية على أهل المحلة فكذا في السوق النائي إذا كان من يسكنها في الليالي أو كان لأحد فيها دار مملوكة تكون القسامة والدية عليه؛ لأنه يلزمه صيانة ذلك الموضع فيوصف بالتقصير فيجب موجب التقصير عليه كذا في مبسوط فخر الإسلام (٥) (٦). وذكر في الذخيرة والمغني (٧) وفي المنتقى (٨) إذا وجد قتيل في صف من السوق فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون (٩) في حوانيتهم (١٠) فدِيَة القتيل عليهم؛ وإن كانوا لا يبيتون في حوانيتهم فالدِّيَة على الذين لهم ملك الحوانيت؛ فلا يتعلق بهم ما يجب لأجل النصرة؛ أي لأجل ترك النصرة. وقد بيناه؛ أي في مسألة: وإن مرت دابة بين قريتين وعليها قتيل. وإن وجد في وسط الفرات ذكر الفرات ليس للتخصيص بل المراد به النهر العظيم؛ ولهذا قال في المبسوط بهذا وقال وإذا وجد القتيل في نهر عظيم يجري به الماء فلا شيء فيه؛ وكذلك ذكر الوسط ليس للتخصيص فإن القتيل ما دام الماء به جاريًا كان حكم الشط (١١) كحكم الوسط وبهذا التفسير بحر بعيد، هذا في الذخيرة (١٢).

стр. 5149

وأما إذا كان محتبسًا بالشط فحكمه ما ذكره في الكتاب. وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الشرك؛ لأنه إذا كان كذلك فلعل هذا قتيل دار الشرك؛ فأما إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأن موضع انبعاث الماء في يد المسلمين فسواء كان قتيل مكان الانبعاث أو مكان آخر دون ذلك فهو قتيل المسلمين، فتجب الدية في بيت المال (١). وذكر في الذخيرة أيضًا مثل هذا فقال: وإذا وجد الرجل قتيلًا في نهر يجري فيه الماء فهذا على وجهين؛ الأول: أن يكون النهر عظيمًا كالفرات ونحوه؛ وإنه على وجهين أيضًا؛ الأول: أن يجري به الماء، وفي هذا الوجه إن كان موضع انبعاث الماء في دار الحرب (٢) فدمه هدر سواء أكان يجري في وسطه أم في شطه؛ لأنه لما كان يجري به الماء والحال هذه كان هو قتيل دار الشرك، أويحتمل أنه قتيل مكان الشرك، وذلك المكان ليس تحت أيدي المسلمين، وإن كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأنه قتيل مكانٍ هو في يد المسلمين سواء اعتبرنا موضع انبعاث الماء أو موضع ظهور القتيل فهو على أقرب القرى من ذلك المكان. على التفسير الذي تقدم أراد به قوله قيل هذا محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ أهله الصوت، وبهذا صرح في المبسوط (٣) والذخيرة (٤) وغيرهما. فقال في المبسوط: وإن كان إلى جانب الشاطئ محتبسًا فهو على أقرب القرى إليه والأرضين فعليهم القسامة والدية؛ ثم قال وهذا إذا كانوا بالقرب من ذلك الموضع بحيث يسمعون صوت من وقف على ذلك الموضع ونادى بأعلى صوته؛ وإن كانوا لا يسمعون ذلك لا شيء عليهم فيه؛ هكذا فسره الكرخي:. ورد في الذخيرة على هذا بقوله وأما إذا كان بحيث لا يسمع منه الصوت لا يجب عليهم شيء وإنما يجب في بيت المال؛ لأنه يجب بزعامة المسلمين لم تسقط القسامة وكذلك الدية لا تسقط عن عواقلهم. وقد ذكرناه؛ أي المذكور في بعض النسخ؛ وهو قوله: ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه إلى آخره (٥).

стр. 5150

وإن ادَّعى على واحد من غيرهم سقط عنهم؛ أي سقطت القسامة والدية، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدًا كذا في الذخيرة (١)؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ابتداء الأمر؛ فإن الشارع أوجب القسامة ابتداء على أهل المحلة؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ما شرعه الشارع ابتداء. وفي المبسوط: وإن ادعى أهل القتيل على بعض أهل المحلة الذين وجد القتيل بين أظهرهم فقالوا قتله فلان [عمدًا أو] (٢) خطأ لم يُبْطِل هذا حقه وفيه القسامة والدية؛ لأنهم ذكروا ما كان معلومًا لنا بطريق الظاهر، وهو أن القاتل واحد من أهل المحلة، وكما لا يعلم ذلك حقيقة فكذلك بدعوى الأولياء على واحد منهم بعينه لا يصير معلومًا لنا حقيقة أنه هو القاتل، فإذا لم يثبت (٣) بهذه الدعوى شيء لا يتغير (٤) الحكم به، فبقيت القسامة والدية على أهل المحلة. [وروى ابن المبارك (٥) (٦) عن أبي حنيفة: أنه تسقط القسامة عن أهل المحلة] (٧)؛ لأن دعوى الولي على واحد منهم بعينه يكون إبراء لأهل المحلة عن القسامة؛ فإن القسامة في قتيل لا يعرف قاتله؛ فإذا زعم الولي أنه يعرف القاتل منهم بعينه صار مُبَرِّئًا لهم عن القسامة وذلك صحيح منه؛ فإذا ادعى القتل على غيرهم امتنعتْ دعواه عليهم للتناقض؛ لأنه لما ادعى على غير أهل المحلة فقد أبرأ أهل المحلة من ذلك حتى لا تُسْمَع دعواه بعد ذلك على أهل المحلة للتناقض، كذا في المبسوط (٨). يقال أجلوا عن قتيل؛ أي انكشفوا عنه وانفرجوا. لأن القتيل بين أظهرهم؛ أي وجد بين أظهرهم؛ أي بينهم. والظهر والأظهر تجيئان معجمتين كما في قوله غ: «لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى» (٩) أي صادرة عن غنى؛ فالظهر فيه معجم كما في ظهر القلب وظهر الغيب، فكذا في الأظهر يقال: أقام بين أظهرهم أي بينهم، ثم وجود القتيل بين أظهرهم موجب للقسامة والدية عليهم؛ فإن النبي ﷺ -قضى على أهل خيبر بالقسامة والدية لوجود القتيل بين أظهرهم (١٠).

стр. 5151

وقال عمر- ﵁ -للحارث بن أرفع الوادعي (١) حين قال: لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا حقنهم دماءكم؛ وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم (٢)؛ فإن قيل الظاهر أن قاتله من غير أهل المحلة وأنه من خصمائه. قلنا قد تعذر الوقوف على قاتله حقيقة فيتعلق الحكم بالسّبب الظاهر وهو وجوده قتيلًا في محلتهم؛ ولأن على أهل المحلة أن يصونوا محلتهم عن مثل هذه الحادثة فإذا لم يفعلوا كانوا غارمين. قال الفقيه أبو جعفر (٣): في كشف الغوامض (٤): وهذا إذا كان الفريقان غير متناولين اقتتلوا عصبية (٥)؛ فإن كانوا مشركين أو خوارج فلا شيء عليهم فيه ويجعل ذلك ممن أصابه العدو؛ لأن بمجرد الدعوى لا يثبت الحق؛ أي الاستحقاق عند إنكار المدعى عليه.

стр. 5152

للحديث الذي رويناه؛ أي في أوائل باب القسامة، وهو قوله ﷺ : «لو أُعْطِي الناس بدعواهم لادَّعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١)؛ ولا يقال الظاهر أنهم قتلوه؛ لأن الظاهر حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق كذا في الجامع الصغير (٢) لشمس الأئمة (٣) والمحبوبي. فإن قلت ما وجه الفرق بين ما إذا اقتتل الفريقان من المسلمين عصبية كالكلابادي (٤) والدروازي (٥) شجارًا ثم أجلوا (٦) عن قتيل ولا يدرى مَنْ قتله، فإنه تجب القسامة والدية على أهل ذلك المكان الذي وجد فيه وجعل القتيل قتيل ذلك المكان لا قتيل العدو؛ وبين ما إذا اقتتل المسلمون [مع المشركين] (٧) فأجلوا عن قتلى المسلمين لم تجب القسامة والدية]] (٨) على أهل ذلك المكان بل يجعل ذلك قتيل العدو مع أن في الموضعين جميعًا إذا كان لا يدرى مَنْ قَاتلُه احتمل أن يكون قتيل المكان واحتمل أن يكون قتيل العدو. قلت: وجهه هو أن المقاتلة إذا وقعت بين المسلمين والمشركين (٩) [وأجلوا عن قتيل في مكان في دار الإسلام ولا يدرى من قتله من المسلمين أو المشركين] (١٠) يرجح احتمال قتل المشركين حملًا لأمر المسلمين على الصلاح؛ ولهذا جعل شهيدًا [لأنه لو جعل قتيل المسلمين لا يكون شهيدًا] (١١) لاستحقاق الدّية على أهل ذلك المكان حينئذ، والشهيد من يكون عوض دمه على الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١٢) فلما ترجح هذا الاحتمال لهذا المعنى تعين أنه قتيل أهل الشرك.

стр. 5153

وأما في قتيل المسلمين من الطرفين لما احتمل أن يكون هذا القتيل قتيل [أهل] (١) ذلك المكان وقتيل عدوه لم يمكن حمل أحدهما (٢) على الصلاح؛ لأنا لو أحلنا القتل على أي الأمرين لا يكون فيه حمل أمر المسلمين على الصلاح لأن كلا الفريقين مسلمان؛ فلما بقي حال القتيل مشكلًا ولم يترجح أنه قتيل عدوه الذي قاتل معه أوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان؛ لأن في إضافة القتل إلى أهل ذلك المكان عند الإشكال ورد النص به؛ فكان العمل بما ورد فيه النص أولى عند الاحتمال من العمل بالذي لم يرد فيه النص. ثم في مسألة الدروازكي مع الكلابادي لو ادعى ولي القتيل على الفريق الآخر أنهم قتلوه أو على رجل منهم بعينه أنه قتله يبرأ أهل المحلة عن الدية والقسامة، ولكن لا يثبت القتل على أولئك إلا بالحجة؛ لأن مجرد الدعوى لا تصلح سببًا للاستحقاق وما (٣) يصلح سببًا لبراءة الغير، فتثبت براءة أهل المحلة بمجرد الدعوى على غيرهم بخلاف ما إذا عين رجلًا من أهل المحلة؛ فإن الدية والقسامة على أهل المحلة على حالها؛ ولم يتضمن ذلك براءة غيره على ما ذكرنا؛ لما أن وجوب القسامة على أهل المحلة في الشرع دليل على القاتل منهم. وتعيين الولي واحدًا منهم لا ينافي هذا الأمر لأنه منهم؛ وأما تعيين غيرهم ينافي ذلك؛ لأن ذلك بيان أن القاتل ليس منهم وهم إنما يغرمون إذا كان القاتل منهم تقديرًا، ولم يثبت ذلك عند تعيين الولي غيرهم؛ هذا كله مما أشار إليه في الذخيرة (٤). والعسكر لشكر بنا ختن يقال عسكر الرجل فهو معسكر [والموضع معسكَر] (٥) بفتح الكاف. أقاموا أي سكنوا، الخباء الخيمة (٦) من الصوف، والفسطاط الخيمة العظيمة، فكان هو أعظم من الخباء وإن كان خارجًا من الفسطاط فعلى أقرب الأخبية؛ هذا إذا نزلوا قبائل قبائل متفرقين، أما إذا نزلوا مختلطين فإن الدية والقسامة عليهم، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧). فإن كان القوم لقوا قتالًا؛ وانتصاب «قتالًا» يحتمل أن يكون على الحال؛ أي مقاتلين، وأن يكون على المفعول به كما في قوله بعده: وإن لم يلقوا عدوًا؛ أي وقت القتال؛ وأن يكون على المفعول له؛ أي للقتال (٨) فيجب على المالك عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف:.

стр. 5154

وفي المبسوط وإن كان المعسكر (١) في ملك رجل فعلى [عاقلة] (٢) صاحب الأرض القسامة والدية؛ لأن المالك هو المختص بالتدبير في ملكه وولاية حفظ ملكه إليه، وقد بينا أنه لا معتبر بالسّكان مع الملاك. ثم قال: وقيل في قياس قول أبي يوسف: ينبغي أن يكون على النازلين في ذلك الموضع؛ لأن عنده السكان في المحلة كالملاك. وإذا قال المستحلَفُ: قتَله فلان؛ أي في مسألة القسامة أستحلف بالله ما قتلتُ وما عرفتُ له قاتلًا غيرَ فلان؛ هذا الذي ذكره قول محمد (٣) وأما في قول أبي يوسف فلا يذكر العلم. وهذا الاستحلاف فيما إذا وجد القتيل في محلة وشهد اثنان (٤) من أهل المحلة على أن فلانًا قتله لم تقبل شهادته؛ فلما لم تقبل شهادته كيف توجه اليمين عليهما في القسامة إذا اختارهما الولي، فالمستحلف في ذلك كيف [يحلف] (٥)، هكذا ذكر صورته في المبسوط (٦) والذخيرة (٧). أما في الذخيرة فقد ذكره محيلًا إلى شرح شيخ الإسلام إذا وجد قتيل في مَحَلَّة وزعم أَهْل المحلّة أن رجلًا منهم قتله ولم يدَّع ولي القتيل على واحدٍ منهم بعينه لم تسقط عنهم القسامة والدية؛ لأن ولي القتيل لو ادّعى على واحد منهم بعينه [كان] (٨) عليهم القسامة والدية فإذا لم يدَّعِ على واحد منهم بعينه أولى؛ ثم كيف يحلفون. قال أبو يوسف: يحلفون بالله ما قتلناه ولا يحلفون ولا علمنا له قاتلًا؛ لأن فائدة التحليف على العلم أن يعترفوا أنا علمنا له قاتلًا، فيصير ذلك سببًا لوجوب القصاص على القاتل، وقد اعترفوا بذلك يعني فلا حاجة إلى التحليف. وعلى قول محمد: يحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا غير فلان، لجواز أنهم عرفوا قاتلًا آخر مع فلان؛ وإنما عيَّنوا فلانًا ليسقطوا عن أنفسهم اليمين في حق غيرهم؛ ويحلفون على العلم ويستثنون منه فلانًا؛ لأن الاستحلاف على العلم في حق فلان لا يفيد (٩)؛ أما في حق غيره يفيد رجاء أن يُقرُّوا بغيره؛ وذكر في المغني (١٠) والفتوى على قول محمد.

стр. 5155

وذكر في المبسوط (١) فإن أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل فقد أثبت عليه القتل بالحجة فيقضى عليه بموجبه؛ وإن أقام شاهدين من أهل المحلة بذلك عليه لم تقبل شهادتهما لأن أهل المحلة خصماء في هذه الحادثة ما بقيت القسامة والدية عليهم فكانوا متهمين في هذه الشهادة وكانوا في معنى شاهدين لأنفسهم فلهذا لم تقبل شهادتهما (٢). وقال أبو يوسف: إن اختارهما (٣) الولي في جملة من يحلفهم [يحلفهما] (٤) بالله ما قتلنا قط؛ لأنهما زعما أنهما يعلمان القاتل فلا معنى لاستحلافهما على العلم، فإنهما يستحلفان على الثبات (٥) بالله ما قتلنا. وقال محمد: يحلفان بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا سوى فلان؛ لأن ما هو المقصود يحصل بهذا الاستثناء فلا يجوز إسقاط اليمين على العلم في حقهما كما لا يجوز في حق غيرهما؛ كالوصي إذا خرج من الوصاية بأن بلغ الغلام أو عزله القاضي. قال (٦): وعلى الأصلين هذين؛ أي الأصلين المجمع عليهما (٧) أحدهما أن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته في تلك الحادثة بالإجماع؛ كالوكيل إذا خاصم ثم عزل. والثاني إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا ثم بطلت هذه العرضية فشهد تقبل شهادته بالإجماع؛ ثم في مسألتنا هذه وهي ما إذا شهد اثنان (٨) من أهل المحلة على رجل من غيرهم عند دعوى الولي القتل على ذلك الرجل شهدا بأنه قتل، جعل أبو حنيفة: شهادتهما هذه شهادة من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا فشهد فلم تقبل شهادتهما؛ لأن نفس وجود القتيل بين أظهرهم جعلهم خصماء فلا تقبل شهادتهما. وجعل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله شهادتهما هذه شهادة رجل له عرضية أن يصير خصمًا ثم لم يصر خصمًا فتقبل شهادتهما، وذلك أنهم إنما يكونون خصمًا لو ادعى الولي عليهم؛ فإذا ادعى على غيرهم زالت هذه العرضية، وبه تبين أنهم لم يكونوا خصماء في هذه الحادثة أصلًا فوجب قبول شهادتهم فيها؛ كالشفيع إذا شهد بالبيع بعدما سلم الشفعة تقبل شهادته؛ والوكيل [بالخصومة] (٩) إذا عُزِل قبل أن يخاصم ثم شهد في تلك الحادثة تقبل شهادته لهذا المعنى.

стр. 5156

وأبو حنيفة: يقول: أهل المحلة صاروا خصماء في هذه الحادثة بوجود القتيل بين أظهرهم؛ ومن صار خصمًا في حادثة لا تقبل شهادته فيها وإن خرج من (١) الخصومة كالوكيل إذا خوصم في مجلس الحكم ثم عزل فشهد؛ وإنما قلنا ذلك لأن السبب الموجب للدية والقسامة عليهم وجود القتيل بين أظهرهم كما قال عمر- ﵁ (وأنا أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم) (٢)؛ وبدعوى الولي على غير أهل المحلة لا يتبين أن هذا السبب لم يكن، ولكن خرجوا من الخصومة بعد أن كانوا خصماء؛ إلى هذا أشار في المبسوط (٣) والإيضاح (٤). وعلى هذين الأصلين يتخرج كثير من المسائل؛ إما على الأصل الأول؛ أعني به قوله إن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته؛ فمسألة الوكيل إذا خاصم في مجلس الحكم ثم عزل فشهد لم تقبل. وكذلك الوصيّ عن اليتيم خصم في حقوقه وإن لم يخاصم لقيامه مقام اليتيم شرعًا في حقوقه؛ ثم لو بلغ اليتيم فشهد الوصي لم يقبل. وإما على الأصل الثاني؛ وهو ما إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا إلى آخره؛ فمسألة الشفيعين إذا شهدا على المشتري بالشراء وهما لا يطلبان الشفعة يقبل لأنهما ما صارا خصمين بالشراء، بل صارا بعرض ذلك بأن يطلبا. وكذا الوارثان إذا شهدا بالدين (٥) على الميت وثَم وارث ثالث ولم يطلبا الميراث قبلت شهادتهما؛ لأن الوارث مع الدين لا يصير خصمًا بنفس الديون، فإن الدين مقدَّم عليه ولكنه بعرض أن يصير خصماَ بالطلب فله القضاء من موضع آخر، فإذا لم يطلب لم يكن خصمًا. وكذلك الوكيلان (٦) بالخصومة إذا عزلا قبل الخصومة ثم شهدا بذلك قبلت شهادتهما؛ لأن الوكيل بالخصومة إنما يصير خصمًا بمكان القضاء لأنه لا يصح في غيره، فصارت الوكالة مؤقتة بالمكان فلا تثبت قبله كما لو وقتت بالزمان؛ كذا في الأسرار (٧). ثم قال فيه: فما قاله أبو حنيفة أظهر وما قالاه أخف (٨).

стр. 5157

لأن الخصومة قائمة مع الكل على ما بيناه؛ أي في مسألة: وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة في بيان الفرق بقوله وهو أن وجوب القسامة عليهم دليل على أن القاتل منهم فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي [ابتداء] (١) الأمر. ومن جرح في قبيلة؛ أي لم يعلم الجارح؛ لأنه لو علم الجارح فلا قسامة فيه بل فيه الدية على الجارح وعاقلته لو كان خطأ والقصاص لو كان عمدًا. فإن كان صاحب فراش؛ أي لو صار المجروحُ صاحبَ فراش حين جرح في تلك القبيلة ثم نقل إلى أهله فمات؛ وإنما قيد به لأنه لو كان صحيحًا يجيء ويذهب حينَ جُرح ثم مات في أهله فلا شيء فيه كذا في المبسوط (٢). وقال أبو يوسف: لا ضمان فيه؛ وهو قول ابن أبي ليلى (٣)؛ هذا الخلاف فيما إذا صار صاحب فراش حين جرح؛ وأما إذا كان صحيحًا حين جرح بحيث يجيء ويذهب فلا شيء فيه. وعلى قول أبي يوسف وابن أبي ليلى لا شيء عليهم في الوجهين؛ لأن القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة والجريح غير القتيل. وله أن الجرح إذا اتصل به الموت صار قتلًا ولهذا (٤) وجب القصاص. فإن قلت: … فعلى هذا ينبغي أن لا يفرق (٥) الحكم بين أن يكون صاحب فراش وقت الجرح أو لم يكن صاحب فراش وقت الجرح كما لا يفرق في حق القصاص؛ فإنه إذا لم يكن وقت الجرح صاحبَ فراش ولكن سرى إلى النفس بعدَ أيام، فإنه يجب فيه القصاص حيث يجعل الموت مُحَالًا على تلك الجراحة، فكان ينبغي أن تجب القسامة والدية هاهنا أيضًا وإن كان صحيحًا وقت الجرح بعد ما كان موته من تلك الجراحة. قلتُ: لما كان أمر القسامة والدِّية أمرًا ثابتًا بالنص بخلاف القياس على ما ذكرنا روعي فيه ما ورد فيه النص (٦) بقدر الإمكان؛ والنص ورد في قتيل وجد في محلّة لا يعلم قاتله؛ فقلنا هاهنا أيضًا إن لم يكن قتيلًا وقت الجرح يجب أن يكون في حكم القتيل (٧) شرعًا؛ وهو فيما إذا صار صاحب فراش؛ لأن تصرفاته في مثل هذه الحادثة (٨) غير نافذة إلا في الثُّلث فكان له حكم الميّت فيما إذا صار صاحب فراش فلذلك قيد به.

стр. 5158

وذكر في المبسوط وجه قولنا أنه إذا كان صاحب فراش فهو مريض (١) والمرض إذا اتصل به الموت فإنه يجعل كالميت من أول سببه (٢). ألا ترى أنه في حكم التصرفات جعلت هذه الحالة كالحال بعد موته؛ فكذلك في حكم القسامة والدية يجعل كأنه مات حين جرح في ذلك الموضع. فأما إذا كان صحيحًا يذهب ويجيء فهو في حكم التصرفات لم يجعل كالميت من حين جرح، فكذلك في حكم القسامة والدية؛ وقد ذكرنا وجهي القولين فيما قبله من مسألة القبيلة (٣)، وهو الذي ذكره قبيل هذا بقوله ومن جُرح في قبيلة. والدليل على صحة هذه الحوالة صريح ما ذكره في الإيضاح في هذه المسألة بقوله: ولو أن رجلًا معه جرح وبه رمق حمله إنسان إلى أهله فمكث يومًا أو يومين ثم مات لم يضمن الذي حمله في قول أبي يوسف وفي قياس قول أبي حنيفة: يضمن. ثم قال وهذا بناءً على مسألة قد مرت أنه إذا جرح في قبيلة ثم مات في أهله فوجه البناء أن يده بمنزلة المحلَّة فصار وجوده جريحًا في يده كوجوده جريحًا في المحلة وقد مر الوجه من قبل (٤). وكذلك ذكر في المبسوط بعد ما ذكر مسألة القبيلة (٥)، قال: وعلى هذا التخريج (٦) إذا وجد على ظهر إنسان يحمله إلى بيته فمات بعد يوم أو يومين فإن كان صاحب فراش حتى مات فهو على الذي يحمله [كما لو مات] (٧) على ظهره؛ وإن كان يذهب ويجيء فلا شيء على من حمله (٨). وفي قول ابن أبي ليلى لا شيء عليه في الوجهين. ولو وجد الرجل [قتيلًا] (٩) في دار نفسه فدِيَته على عاقلته لورثته عند أبي حنيفة:؛ أي على عاقلة ورثته لورثته؛ لأنه لما وجد قتيلًا في الدار المملوكة لورثته لا له لأنه ميت والميت [ليس] (١٠) من أهل الملك فتكون الدية عليهم. وإنما قال الدية على عاقلته بناءً على الظاهر، وهو أن عاقلة الوارث والمورث متحد؛ فإن كان في موضع تختلف العاقلة ينبغي على قياس هذه الطريقة وهي أن الدار مملوكة للورثة لا للميت أن تكون الدية على عاقلة الورثة وهي الأصح.

стр. 5159

وعلى قياس طريقة أن غيره لو وجد قتيلًا فيها كانت القسامة عليه دون عاقلته يجب أن تكون الدية على عاقلة القتيل؛ كذا في المبسوط (١). فيجعل كأنه قتل نفسه فيهدر، وهذا لأنه لو وجد غيره قتيلًا في هذه الدار جعل هو كالمباشر لقتله في حكم الدية؛ فإذا وُجد هو قتيلًا فيه يجعل كأنه باشر قتل نفسه [ومن قتل نفسه] (٢) كان دمه هدرًا. قبل ذلك أي قبل ظهور القتل. فيجب على عاقلتهم أي على عاقلة الورثة. فإن قيل إذا قلتم إن الدية تجب على عاقلة الورثة فكيف يستقيم أن يعقلوا عنهم لهم. قلنا إن الدية تجب للمقتول حتى تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه ثم يخلفه الوارث فيه (٣) وهو نظير الصبي والمعتوه (٤) إذا قتل أباه تجب الدية على عاقلته وتكون ميراثًا له. وهذا بخلاف المكاتب (٥) يوجد قتيلًا في دار نفسه؛ لأن هناك إذا وجد غيره قتيلًا إنما يجعل هو كالقاتل له [باعتبار عقد الكتابة، وعقد الكتابة باقٍ بعدما وجد هو قتيلًا فيه فلهذا جعل كأنه قتل نفسه. فأما هاهنا إذا وجد غيره قتيلًا إنما يجعل هو كالقاتل له] (٦) لقيام ملكه في الدار حين وجد القتيل، وذلك غير موجود فيما إذا وجد هو قتيلًا فيه؛ فإن الملك منتقل إلى ورثته فلهذا افترقا؛ كذا في المبسوط (٧). كما إذا وجد قتيل في محلة؛ أي كان توهم قتل نفسه ساقطًا هناك فكذا هنا؛ قال المتأخرون: إن المرأة تدخل مع العاقلة في التحمل في هذه المسألة. وإنما قيد بقوله: في هذه المسألة لأن المرأة لا تدخل في العواقل في تحمل الدية في صورة من الصور على ما يجيء في المعاقل (٨) بقوله وليس على النساء والذرية (٩) عقل. وفي المبسوط: ثم ظاهر ما قال في الكتاب يدل على أنه ليس عليها شيء من الدية (١٠).

стр. 5160

ولفظ ما قال في الكتاب وإذا وجد القتيل في دار امرأة في مصر ليس فيه من عشيرتها أحد؛ فإن الأيمان تكرر على المرأة حتى تحلف خمسين يمينًا ثم تفرض الدية على أقرب القبائل منها؛ وهذا قول أبي حنيفة وهو قول محمد: إلى آخره (١). ثم قال وهو اختيار الطحاوي في مباشرة القتل أيضًا فإنه يقول إذا كان القاتل من جملة العاقلة فعليه جزء من الدية؛ وإن لم يكن من جملة العاقلة إذا كان القاتل غيره فلا شيء عليه من الدية؛ والمرأة (٢) لا تدخل في جملة العاقلة [إذا كان القاتل غيرها؛ وغيره من أصحابنا كان يقول هي لا تدخل في جملة العاقلة] (٣) لأن النصرة لا تقوم بها؛ وأما إذا كانت هي المباشرة للقتل فعليها جزء من الدية؛ لأن القاتل واحد من العواقل باعتبار مباشرته، فإنه لما وجب على غير المباشر لأجله فعلى المباشر أولى أن يجب جزء منها؛ فكذلك هاهنا وجوب جزء على المالك باعتبار أن التدبير (٤) في ملكه إليه وفي هذا الرجل والمرأة سواء. والله أعلم * * * كتابُ (٥) المعاقل لما كان موجَب القتل الخطأ وما في معناه الدية على العاقلة لم يكن بُدّ من معرفتها ومعرفة أحكامها فذكرها في هذا الكتاب (٦). وقد ذكر في الكتاب معنى المعاقل لغة وشرعًا وما يتبعه فاكتفينا به. المعاقل جمع معقُلة بضم القاف. وقوله: وكل دية مبتدأ. وقوله: على العاقلة خبره. وكل دية وجبت بنفس القتل أي ابتداء.

стр. 5161

وقوله: ابتداء احتراز عما تجب الدية على العاقلة (١) في القتل العمد بسبب الصلح أو بسبب الأبوة، فهي في مال القاتل لا على العاقلة. وقد ذكرناه أي الدية بتأويل العقل في [حديث] (٢) حمل بن مالك (٣). حمل ههنا اسم ولد الضانية (٤). وهو ما روى في حديثه أن النبي ﷺ -قال لأولياء الضارية (٥): «قوموا فدوه» (٦)؛ قال أخوها عمران بن عويمر الأسلمي (٧): أفدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه بطل؛ فقال غ: «أسجع كسجع الكُهّان (٨)»، بضم الكاف وتشديد الهاء جمع الكاهن؛ أو قال: «دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه». وكذا الذي تولى شبه العمد وهو الذي ضربه بالسوط الصغير حتى قتله. [وقال] (٩): يقال: اجحف به أي أهلكه واستأصله. لأنه إنما قصر أي لأن القاتل إنما قصر حالة الرمي في التثبت والتوقف. وتلك أي وتلك القوة. الديوان الجريدة مِن دون الكتب إذا جمعها لأنها قطع من القراطيس مجموعة. ويروى أن عمر- ﵁ -أول من دون الدواوين أي رتب الجرائد للولاة والقضاة. ويقال فلان من أهل الديوان أي ممن أثبت اسمه في الجريدة. العطاء اسم ما يعطى والجمع أعطية وأعطيات. وفي شرح القدوري (١٠): في العاقلة الدية في أعطياتهم ثلاث سنين؛ فإن لم يكونوا أهل عطاء وكانت لهم أرزاق جعلت الدية في أرزاقهم؛ قال: والفرق بينهما أن العطية ما يفرض للمقاتلة، والرزق ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلة؛ كذا في المغرب (١١).

стр. 5162

وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى، وهذا جواب عن قوله ولا نسخ بعده. وذكره في المبسوط على وجه السؤال والجواب؛ فقال: فإن قيل: كيف يظن بهم الإجماع على [خلاف] (١) ما قضى به رسول الله ﷺ . قلنا: هذا إجماع على وفاق ما قضى به ﷺ [معنى] (٢)، فإنهم علموا أن رسول الله ﷺ قضى على العشيرة باعتبار النصرة، فقد كانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته، فلما دوّن عمر- ﵁ -الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان، فقد كان المرء قبيلته عن ديوانه على ما روي أن يوم الجمل (٣) وصفين (٤) جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم (٥)؛ [ولهذا قضوا بالدية على أهل الديوان، أن الحِلف - بكسر الحاء- العهد يكون بين القوم] (٦)، ومنه قولهم: تحالفوا على التناصر؛ والمراد به ههنا ولاء الموالاة.

стр. 5163

[والولاء] (١) أي ولاء العتاقة. والعدّو هو أن يعدّ فيهم، يقال: فلان عديد بني فلان أي يعدّ فيهم. منه أي من الإيجاب أي إيجابُ الدية في العطاء الذي هو الصلة أولى من الإيجاب في أصول أموالهم، والتقدير بثلاث سنين؛ لأن الدية في حقه فرضت في عطيته، [في كل عطية] (٢) يخرج له ثلث الدية فيكون جميع الدية مفروضًا في ثلاث عطيات وثلاث عطيات مؤجلة بثلاث سنين فأخذت الدية أيضًا في ثلاث سنين ضرورة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣). ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف (٤) والعطاء يخرج في كل سنة مرة واحدة. وفي المبسوط: ولا يستحقون العطاء عندنا إلا بآخر السنة، فلذلك قلنا: إذا خرج العطاء بعد القضاء بشهر أو أقل أخذ منه ثلث الدية، وإذا لم يقض عليهم بالدية حتى مضت سنون ثم قضى بها ولم يخرج للناس عطاء ثم أمر بأعطياتهم الماضية لم [يكن] (٥) فيها من الدية شيء؛ لأن وجوب هذه الأعطية باعتبار مدة مضت قبل قضاء القاضي، وقد بينا أن وجوب الدية بقضاء القاضي، فمحل الأداء الأعطيات التي تجب بعد القضاء، فلهذا لا يستوفى من الأعطيات الماضية شيء من الدية، ويستقبل لصاحب الدية الأعطية المستقبلة بعد القضاء. وذكر قبل هذا في المبسوط: وإذا قتل الرجل خطأ فلم يرفع إلى القاضي حتّى مضت سنون ثم رفع إليه، فإنه يقضى بالدية على عاقلته في ثلاث سنين من يوم يقضى؛ لأن ثبوت الأجل (٦) ينبني على وجوب المال؛ والمال إنما يجب بقضاء القاضي؛ فأما قبل القضاء المال ليس بواجب؛ لأن ضمان المتلفات يكون بالمثل بالنص، ومثل النفس النفس، إلا أنه إذا رفع إلى القاضي وتحقق العجز عن استيفاء النفس لما فيه من معنى العقوبة تحول الحق [بقضائه] (٧) إلى المال كما في ولد المغرور؛ فإن قيمته إنما تجب على المغرور بقضاء القاضي، وإن كان رد عَينهِ متعذرًا قبل القضاء ولكن في الحكم جعل الواجب رد العين إلا أن يحوله القاضي إلى القيمة بقضائه لتحقق العجز عن رد العين؛ ولهذا لو هلك الولد قبل القضاء لم يضمن شيئًا فاعتبر قيمته يوم القضاء لهذا، وهو نظير الأجل في حق العِنِّين (٨) فإنه لا يعتبر ما مضى من المدة قبل الخصومة، وإنما يكون ابتداء التأجيل من وقت قضاء القاضي، فكذلك ههنا ابتداء التأجيل يكون من وقت قضاء القاضي.

стр. 5164

وقوله: لما ذكرنا؛ أراد به قوله لأن الوجوب بالقضاء. ولنا أن القياس يأباه؛ أي يأبى القياس إيجاب المال بمقابلة النفس. والشرع ورد به أي ورد بإيجاب المال إذا كان القتل خطأ كما في ولد المغرور، فإن قيمته إنما تجب بقضاء القاضي، وإن كان رد عينه متعذرًا قبل القضاء إلى آخر ما ذكرنا قبيل هذا، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته؛ لأن نصرته بهم، ولأن حالهم في المعنى (١) حال الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، وقد بينا أنه قضى بالعقل على الأقارب، كذا في المبسوط (٢). وهذه إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية؛ لأنه قد (٣) نفى الزّيادةَ على أربعة دراهم في حق السنَة الواحدة لا في ثلاث سنين، فكان المأخوذ من كل واحد في ثلاث سنين أكثر من أربعة دراهم لا محالة؛ لأنه لما أخذ من كل واحد في كل سنة أربعة كان المأخوذ من كل واحد في ثلاث سنين اثني عشر درهمًا في مجموع الدية. فقد نص محمد: على أنه لا يزاد إلى آخره (٤)؛ يريد بهذا ما استفيد من الحكم من إشارة المختصر (٥) (٦). وذكر في المبسوط ما يؤيد منصوصَ محمد، فقال: وقد ظن بعض أصحابنا أن التقدير بثلاثة دراهم أو أربعة دراهم فيما يؤخذ منهم في كل سنة وذلك غلط، فقد فسّر ههنا وقال: حتى يصيب الرّجل في عطائه من الدية كلّها أربعة دراهم أو ثلاثة، فعرفنا أنّه لا يؤخذ في كلّ سنة من كل واحد منهم إلا درهم أو درهم وثلث، وإن لم يكن يتسع القبيلة بذلك (٧) ضم إليهم أقرب القبائل إليهم. قالوا: وهذا الجواب إنما يستقيم في حقّ العربي؛ لأنّ العرب حفظوا أنسابهم، فأمكننا إيجاب العقل على (٨) أقرب القبائل من حيث النسب، أما الأعجمي فلا يستقيم في حقه؛ لأن العجم قد ضيّعوا أنسابهم فلا يمكننا إيجاب العقل على أقرب القبائل من القاتل نسبًا؛ فبعد ذلك اختلف المشائخ (٩)؛ قال بعضهم: يعتبر المَحَال والقُرَى الأقرب فالأقرب، وقال بعضهم: يجب الباقي في مال الجاني، وهذا الّذي ذكرنا كلّه فيما إذا كان للجاني عاقلة، أمّا إذا لم يكن له عاقلة فعقله على بيت المال.

стр. 5165

وروي عن أبي حنيفة: أنّه يكون في مال الجاني، كذا في الذخيرة (١). وأدخل القاتل مع العاقلة فيكون فيما يؤدّى كأحدهم: اعلم أنّ القاتل إنّما يكون كأحد العواقل في أداء نصيبه من الدية إذا كان القاتل من أهل العطاء في الدّيوان، وأما إذا لم يكن هو من أهل العطاء فلا يجب عليه شيء من الدّية عندنا أيضًا؛ لأن الدية تؤخذ من الأعطيات، وهو هكذا منصوص في المبسوط (٢)، ويجيء بعد هذا محالًا إليه ولو كان الخاطئ مغرورًا (٣) فالبريء عنه أولى؛ ولأن الوجوب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره بل أشد منه، وعلى هذا لو كان القاتل صبيًّا أو امرأة. وفي فتاوى القاضي الإمام (٤): … إذا قتلت امرأة رجلًا خطأ [حتى] (٥) وجبت الدّية على عاقلتها، فهل يجب عليها شيء من تلك الدّية؛ اختلف المشائخ فيه والصحيح أن القاتل يشارك العاقلة سواء كان القاتل امرأةً أو صبيًّا أو مجنونًا، وكذلك أبُ القاتل وابنه من جملة العواقل، والزوج لا يكون عاقلة المرأة وكذا المرأة لا تكون عاقلة الزّوج، كذا في المغني (٦). ثم قوله: ههنا لا يجب على المرأة شيء من الدّية وإن كانت هي القاتلة، مخالف لتلك المسألة التي ذكرنا (٧) قبيل كتاب المعاقل فيما إذا وجد القتيل في دار امرأة حيث أدخلها المتأخرون هناك في تحمل الدية مع العاقلة، والفرض لهما من العطاء للمعونة. هذا جواب إشكال وهو أن يقال وقد فرض الإمام [لنساء] (٨) الغزاة (٩) وذرياتهم من العطاء [والعطاء] (١٠) إنما يدفع لنصرة أهل الإسلام كما في حق الغزاة، ثم الغزاة يكونون عواقل لغيرهم (١١) فكذا النساء.

стр. 5166

فأجاب عنه بهذا وقال: إنما يدفع (١) العطاء للنساء والصبيان في الديوان باعتبار المعونة لا باعتبار النصرة، أي باعتبار معونة الإمام الصبي والمرأة لا باعتبار نصرتهما غيرهما. والحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والنسب والولاء وقرب السكنى. وعن هذا قال في المبسوط: ولو أن أخوين لأب وأم ديوان أحدهما بالكوفة وديوان الآخر بالبصرة (٢)، لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وإنما يعقل عن كل واحد منهما أهل ديوانه. وقوله وغيره وهو العد والحلف، وأهل البادية أقرب إليه أي أقرب قرابة، وقيل هو صحيح. وقوله: هو راجع إلى قوله لم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة. وقوله: من أهل المصر، بيان لقوله أهل الديوان أي أهل الديوان الذين هم من أهل المصر. وقيل تأويله إذا كان قريبًا لهم أي ذا قرابة لهم. وصار نظير مسألة الغيبة المنقطعة يعني أن للولي الأبعد أن يزوج إذا كان الأقرب غائبًا (٣) لا سيّما في المعاني العاصمة كحد السّرقة والقذف (٤) والقصاص ووجوب الدية، وإن لم يكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين، هذا الذي ذكره في حق الذمي، وأما إذا لم يكن للمسلم عاقلة فالدية في بيت المال؛ لأنه ذكر بعد هذا في الكتاب، قال أصحابنا: إن القاتل إذا لم يكن له عاقلة فالدية في بيت المال، وهو محمول على المسلم لئلا تتناقض الروايتان مع أني وجدت صريحًا بهذا الوجه في الذخيرة (٥)؛ فقال فيها: وإن كان أهل الذمة لا يدينون التعاقل فيما بينهم فإنه تجب الدية في مال الجاني؛ وإذا دانوا التعاقل - إلا أنه لا عاقلة للجاني- كان في مال الجاني ولا يجب في مال بيت المال؛ ثم قال: فرق بين الذمي والمسلم؛ فإن الجاني إذا كان مسلمًا ولا عاقلة له فعقله في مال بيت المال في ظاهر الرواية ولا يجب في مال الجاني، والفرق أن العقل إنما يجب على غير الجاني باعتبار النصرة، ومتى لم يكن للمسلم ديوان ولا قرابة بأن كان لقيطًا (٦) فجماعة المسلمين أهل نصرته، فأمكننا إيجاب عقله في بيت مال المسلمين باعتبار النصرة.

стр. 5167

بخلاف الذمي فإن جماعة المسلمين ليسوا أهل نصرته فالولاية بيننا وبينهم منقطعة فتعذر إيجاب العقل في بيت المال باعتبار النصرة فوجب في ماله. وتمكنه من هذا العقل (١) ليس بنصرتهم أي ليس بسبب نصرة أهل الإسلام إياه، ولا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر؛ لأن التعاقل ينبني على الموالاة والتناصر؛ وذلك ينعدم عند اختلاف الملة (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٤)؛ فلما قطع الموالاة بين من هاجر وبين لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة كان ذلك دليل انقطاع الموالاة بين الكفار والمسلمين، وحكم الميراث والنفقة (٥) يؤيد (٦) ما ذكرنا؛ كذا في المبسوط (٧). وحُوّل ديوانه أي بعد العقل (٨). وعاقلته أهل الكوفة؛ الواو للحال لكن حصّة القاتل توجد من عطائه بالنصرة وإن كان بعد القضاء في الكوفة بخلاف ما إذا قَلَّت العاقلة بعد القضاء عليهم بأن مات بعضهم. وقوله بخلاف ما إذا قَلَّت متعلق بقوله بخلاف ما بعد القضاء أي لا يقضى بالدية على عاقلته من أهل البصرة إذا كان القاضي قضى بديته على عاقلته من أهل الكوفة. بخلاف ما إذا قلّت العاقلة حيث يضم إليهم أقرب القبائل في النّسب وإن كان بعد القضاء مع أن فيه أيضًا نقل الدية من الموجودين وقت القضاء [إلى أقرب القبائل، فأجاب عنه بقوله إن في ضم أقرب القبائل إليهم] (٩) تقرير للحكم الأول لا إبطال له، لكن يقضى ذلك أي الإبل من مال العطاء [بأن يشتري الإبل من مال العطاء] (١٠). ولا يعقل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، [والدليل] (١١) على أنها لا تتحمل ما دون نصف العشر أن القصاص لا يجب في عمده ولا يتعذر (١٢) في أرشه فصار كضمان الأموال، كذا في شرح الأقطع (١٣).

стр. 5168

فما (١) دونه أي فما دون أرش الموضحة وما دونه حكومة عدل. ولا تعقل العاقلة جناية العبد هذا من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل بأن يجني العبد على الحر، وأما لو جنى الحر على العبد فقتله خطأ كان على عاقلته؛ لأنه بدل النفس، وبهذا اللفظ يجيء بُعيد هذا في هذا الكتاب. والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة أي شيء إلا أن في الإقرار تجب الدية في ثلاث سنين، وفي الصلح عن العمد يجب المال حالًا إلا إذا شرط الأجل في الصلح فيكون مؤجّلًا، كذا في فتاوى قاضي خان: (٢) (٣). ثم ذُكر بعد هذا فيها رجل أقرّ عند القاضي أنه قتل فلانًا خطأ، فأقام ولي القتيل أيضًا بينة أن المدعى عليه قتله وهو المقرّ؛ تقبل هذه البينة لأن البينة تثبت ما ليس بثابت بإقرار المدّعى عليه، ويؤيد بهذه المسألة ما قاله شيخ الإسلام: أن البينة على القتل تقبل عند حضرة الجاني لأنه هو القاتل والعاقلة يتحملون عنه، وحضرة الكفيل لا تشترط بوجوب المال على الأصيل إذا قامت البيّنة على الأصيل، فإنه يجعل القاتل هنا خصمًا مع إقراره، ولم يذكر حضرة العاقلة فلأن يكون خصمًا حالة الإنكار أولى، ودلت المسألة على أن الدية تجب أولًا على القاتل (٤)، ثم يقضى على العاقلة بطريق التحمل؛ لأن الدية لو وجبت [ابتداءً] (٥) على العاقلة كان إقرار القاتل إقرارًا على العاقلة قضي عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى؛ لأن ما يثبت بالاعتراف لا يتحمله العاقلة … لقوله غ: «ولا اعترافًا» (٦)؛ وهذا لأن إقراره في حقه محمول على الصدق، وفي حق عاقلته محمول على الكذب لكونه متهمًا في حقهم، ثم موجَب الجناية في الأصل على الجاني ثم تتحمله العاقلة عنه للتخفيف عليه، فإذا لم يثبت السّبب في حق العاقلة بقي الواجب عليه باعتبار الأصل، والتأجيل فيه من وقت القضاء لا من وقت الإقرار؛ لأن الثابت بالإقرار بالقتل لا يكون أقوى من الثابت بالمعاينة، وفي القتل المعاين الدية إنما تجب بقضاء القاضي فهنا أولى، كذا في المبسوط (٧).

стр. 5169

ولم يكن عليه شيء في ماله أي لم يكن على المقرّ أيضًا شيء من الدّية، يعني كما لا يجب على العاقلة لما أن تصادقهما ليس بحجة عليهم، كذلك لا يجب على المقرّ القاتل أيضًا لتقرر وجوب الدية على العاقلة بتصادقهما وأحد المتصادقين ولّي القتيل، فمن زعم أن الدية إنما وجبت على العاقلة لا على المقر فإقراره حجة على نفسه. بخلاف الأول أراد به قوله والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة، فيفهم من هذا أنه يلزم موجَب الإقرار في مال المقرّ، وإنّما وجبت الدّية هناك في مال المقرّ؛ لأنّ هناك لم يوجد تصادقهما بقضاء الدية على العاقلة فتجب في مال المقر ضرورة. وذكر في المبسوط في شرح قوله: ولم يكن عليه شيء، أي ولم يكن على المقر شيء في ماله؛ لأنهما تصادقا على أن الواجب بقضاء القاضي تقرر على العاقلة، وبعدما تقرر على العاقلة لا يبقى عليه وتصادقهما حجة في حقهما بخلاف الأول، فإن هناك السّبب الموجب للدّية على العاقلة وهو قضاء القاضي لم يوجد أصلًا، فيقضى بها في مال المقرّ، إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته من ذلك؛ لأنه في مقدار حصّته يكون مقرًّا على نفسِه وفي حصةِ عواقلِه مقرًّا عليهم فيؤخذ بما أقر به على نفسه، ومن هذا تبيّن أن القاتل إنما يكون أحدَ العواقل عندنا إذا كان له عطاء في الدّيوان، فأمّا إذا لم يكن فليس عليه من الدّية شيء؛ لأنّ الدّية تؤخذ من الأعطيات، فإن قيل: لما كان أصل الوجوب عليه وقد تحوّل بزعمه إلى عاقلته بقضاء القاضي، فإذا نوى (١) على العاقلة بجحودهم عاد الدَّين إلى ذمة المحيل. قلنا: هذا يستقيم فيما إذا كان أصله دينًا لدفع التَوى عن مال المسلم، وهذا أصله لم يكن دينًا وإنّما كان بطريق الصلة لصيانة دم المقتول عن الهدر؛ فبعدما تقرر على العاقلة بقضاء القاضي لا يتحوّل إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لم يستوف، كذا في المبسوط (٢). قال أصحابنا: إنّ القاتل إذا لم يكن له عاقلة فالدّية في بيت المال. وقد ذكرنا قبيل هذا: هذا الإطلاق محمول على ما إذا كان القاتل مسلمًا، فأما إذا كان القاتل ذميًّا ولا عاقلة له فالدية في ماله لا في بيت المال، وكذا ما يلزمه من الغَرامة لا يلزم (٣) بيتَ المال. وفي فتاوى قاضي خان: روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏ أن من لا عاقلة له إذا قتل رجلًا خطأ فإنّ دية القتيل تكون في … مال الجاني.

стр. 5170

وذكر في كتاب الولاء من الأصل: أن بيت المال لا يعقل من له وارث معروف سواء كان مستحقًا للميراث بأن كان [حرًّا] (١) مسلمًا، أو لم يكن مستحقًا بأن كان كافرًا أو عبدًا، فقال: لو أن حربيًّا مستأمنًا (٢) اشترى عبدًا مسلمًا في دار الإسلام فأعتقه، ثم عاد المستأمن إلى دار الحرب، ثم أسر وأخرج إلى دار الإسلام، ثم مات معتقه؛ فميراثه يكون لبيت المال؛ لأنّ معتِقه رقيق في الحال.

стр. 5171

ولو جنى هذا المعتَق فعقل جنايته تكون عليه أي على نفسه ولا يكون على بيت المال؛ لأنّ له وارثًا معروفًا وهو المعتق وإن كان المعتق لا يستحق ميراثه لأجل الرّق وهو الصحيح. وذكر فيها أيضًا في أوّل فصل المعاقل ذكر شمس الأئمة الحلواني: (١) قال: هذا فصل أي حكم المعاقل اختلف فيه المتأخرون (٢)، قال بعضهم: لا عاقلة للعجم، وهو قول الفقيه البلخي (٣) وأبي جعفر الهندواني؛ لأن العجم لم يحفظوا أنسابهم ولا يتناصرون فيما بينهم وليس لهم ديوان، وتحمل الجناية عن الغير عرف بخلاف القياس في حقّ العرب فإنهم لم يضيّعوا أنسابهم ويتناصرون فيما بينهم فلا يلحق بهم العجم. وقال بعضهم: للعجم عاقلة عند التناصر والمقاتلة مع البعض لأجل البعض نحو الأساكفة (٤) والصفارين (٥) بمرو (٦) ودرب الخشابين (٧) وكلاباد ببخارى (٨)؛ فإذا قتل واحد خطأ ووجبت الدية فأهل محلة القاتل ورستَاقِه (٩) عاقلته، وكذلك طلبة العلم، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني وكثير من المشائخ.

стр. 5172

وكان الشيخ الإمام ظهير الدين (١) يأخذ بقول الفقيه أبي جعفر بأن (٢) العبرة للتناصر (٣)؛ واجتماع الأساكفة وطلبة العلم ونحوهم لا يكون للتناصر فلا يلزمهم التحمل [عن غيرهم] (٤). وكذلك إن مات المكاتب عن وفاء إلى قوله ثم أديت الكتابة أي حينئذ يرجع قوم الأم على قوم الأب، والأصل الذي يُخَرَّج عليه حال القاتل إذا تبدل حكمًا فانتقل ولاء إلى ولاء. هذا تفسير التبدل بسبب حادث لم تنتقل جنايته عن الأولى كالمولود بين حرة وعبد إذا جنى ثم أعتق الأب (٥) لا تتحول الجناية عن عاقلة الأم؛ لأن ههنا تبدلت حاله بأن انتقل ولاؤه عن [موالي] (٦) الأم إلى موالي الأب. ومن نظيره أيضًا حربي أسلم ووالى مسلمًا ثم جنى جناية عقلت عنه … عاقلة الذي والاه، فإن ولاء الموالاة عندنا بمنزلة ولاء العتق فيحكم (٧) عقل الجناية، ثم لا يكون له أن يتحوّل بولائه بعد الجناية؛ لأنها تأكدت بعقل الجناية عنه. فإن عقلوا عنه ولم يُقض بها حتّى أُسر أبوه (٨) من دار الحرب فاشتراه رجل فأعتقه جرّ ولاء ابنه؛ لأنّ ولاء العتق أقوى من ولاء الموالاة، فبعد ما ظهر لأبيه (٩) ولاء عتق لا يبقى ولاء الموالاة في حقّه بل ينتفي حكمًا وتأكده لا يمنع ذلك بمنزلة الولاء الثابت بولاء (١٠) أمه عليه، ثم لا ترجع عاقلة الذي كان والاه على عاقلة موالي الأب بشيء ولا تزول تلك الجناية عنهم وإن لم يكن قضى بها عليهم؛ لأن هذا ولاء حادث بسبب جديد وهو إعتاق الأب، فلا يظهر أثره في الجناية السّابقة؛ لأنّ الولاء الثاني لم يكن في وقت الجناية بخلاف ظهور الحالة الخفية (١١) كما في ولد الملاعنة على ما يجيء.

стр. 5173

ومن نظيره أيضًا الغلام إذا حفر بئرًا قبل أن يعتق أبوه ثم أعتق أبوه ثم سقط في البئر رجل بعد ما أعتق أبوه، فإنّ القاضي يقضي بالدية على عاقلة الأم ولا يجعل على عاقلة الأب من ذلك شيئًا؛ لأنّ الحادث بعد الحفر ولاء العتاقة فيعتبر بالملك، والحفر لو وجد في ملك ثم حدث فيه ملك آخر للغير قبل الوقوع، فإنّ (١) الجناية لا تتحوّل إلى الملك الحادث بل تبقى في الملك الذي وجد فيه الحفر، فإنّ العبد إذا حفر بئرًا في طريق المسلمين بغير إذن مولاه فَقَبْلَ أن يقع فيه إنسان باعه ثم وقع في ملك المشتري إنسان فمات، فالضّمان على البائع لا على المشتري؛ لأنّ ملك المشتري حادث بعد الحفر؛ فكذا الولاء الحادث بعد الحفر يعتبر به فلا تتحول الجناية كذا في المبسوطين (٢). وإن ظهرت حالة خفية مثل دعوة ولد الملاعنة حوّلت الجناية إلى الأخرى وقع القضاء بها أو لم يقع؛ يعني إذا قتل ابن الملاعنة رجلًا خطأ فعقلت عنه عاقلة الأم، ثم ادّعاه الأب، ثبت نسبه منه ورجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة الأب في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب بها؛ لأن النسب كان ثابتًا بالفراش وقد انقطع النسب عنه بقضاء القاضي، ولكن بقي أصل النسب موقوفًا على حقه (٣) حتى إن ادّعاه غيره لم يثبت منه، وإذا ادّعاه هو ثبت النسب منه مع كونه مناقضًا وإن كذبته الأم في ذلك، وإنما يثبت النسب منه من وقت العلوق (٤) لا من وقت الدّعوة، فتبيّن به (٥) أن عقل جنايته كانت على عاقلة أبيه، وعاقلة الأم ما كانوا متبرعين فيما أدّوا بل أجبروا عليه بقضاء القاضي فثبت لهم حق الرّجوع على عاقلة الأب. ومن نظيره أيضًا ما إذا مات المكاتب عن ولد حرّ ووفاء فلم يؤدّوا مكاتبته [حتى] (٦) جنى ابنه، وابنه من امرأة حرّة مولاة لبني تميم والمكاتب لرجل من همدان، فعقل عنه جنايته قوم أمّه ثم أديت الكتابة، فإن عاقلة الأم يرجعون بما أدوا على عاقلة الأب؛ لأن عتق المكاتب عند أداء البدل يستند إلى حال حياته؛ فتبين أنه كان للولد ولاء من جانب الأب حين جنى وأن موجب جنايته على مولى أبيه فلذلك يرجعون على موالي الأب.

стр. 5174

وكذلك رجل أمر صبيًا ليقتل رجلًا فقتله وضمنت عاقلة الصبي الدّية رجعت بها على عاقلة الآمر؛ لأنّ الآمر مسبب مُتعَدّ فإنّه استعمل الصبي في أمر لحقه فيه تبعة، فيثبت لعاقلته حق الرّجوع بما أدّوا على الآمر، غير أنّه إن كان الأمر ثبت بالبينة فرجوعهم على عاقلة الآمر؛ لأنّ التسبيب في الجناية لا يكون فوق المباشرة، وإن كان ثبت الأمر بإقراره فإنهم يرجعون عليه في ماله في ثلاث سنين من وقت قضاء القاضي على الآمر أو على (١) عاقلته، ولو لم يختلف حال الجاني ولكن العاقلة تبدّلت، كان الاعتبار في ذلك لوقت القضاء. ومن نظيره ما إذا كان القاتل من أهل الكوفة وله بها عطاء ولم يقض بالدّية على عاقلته حتّى حول ديوانه [إلى البصرة] (٢) (٣)، فإنّه يقضى بالدّية على عاقلته من أهل البصرة (٤)، وعلى قول زفر يقضى على عاقلته من أهل الكوفة، وهو رواية عن أبي يوسف أيضًا وقد ذكر هذا في الكتاب. وكذلك لو كان رجل مسكنه بالكوفة فقتل رجلًا خطأ، فلم يقض عليه حتى تحول عن الكوفة واستوطن البصرة، فإنه يقضى بالدّية على عاقلته بالبصرة، ولو كان قضى بها على عاقلته بالكوفة لم ينتقل عنهم؛ لأن من لا عطاء له إذا كان سكن [مصرًا] (٥) فعاقلته أهل ديوان ذلك المصر بمنزلة من له عطاء. وكذلك البدوي إذا التحق في الدّيوان بعد القتل قبل قضاء القاضي فإنّه يقضى بالدّية على أهل الدّيوان، وإن كان ذلك بعد القضاء على عاقلته بالبادية لا تتحول عنهم، وإن كانت العاقلة واحدة فلحقها زيادة أو نقصان اشتركوا في حكم الجناية قبل القضاء وبعده (٦). فمن نظيره ما إذا قلَّت العاقلة بعد القضاء عليهم وبعد أخذ البعض منهم ضم إليهم أقرب القبائل في النّسب حتى يعقلوا معهم (٧) لدفع الإجحاف، ولا يشبه تكثير العاقلة بعد القضاء بتحويل الرجل بعطائه من ديوان إلى ديوان؛ لأنّ العاقلة الأخرى غير الأولى ولا يجوز ذلك بعد القضاء، وأمّا ههنا فالذين يضمون (٨) إلى الأولين يكونون بمنزلة الأتباع للأولين فلا تتبدل العاقلة باعتبارهم إلا فيما سبق أداؤه؛ أي لا اشتراك فيه.

стр. 5175

وفي المبسوط: وإن قلت العاقلة فكان نصيب الرجل أكثر من ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم ضمّ إليه أقرب القبائل إليهم في النسب من أهل الديوان حتى يصيب الرجل في عطائه ما وصفنا؛ وهذا لأنّ في إيجاب الزيادة عليهم إجحافًا بهم، فللتحرز عن ذلك يضم إليهم أقرب القبائل منهم، كما ضممنا (١) العاقلة إلى القاتل للتّحرز عن الإجحاف بهم؛ ولأنه متى حزبهم أمر ولا يتمكنون من دفع ذلك عنهم بأنفسهم، وإنّما يستعينون بأقرب القبائل إليهم، فإذا كانوا في بعض الأحوال يستنصرون بهم عند الحاجة فكذلك يضمون إليهم في تحمل العقل (٢) عند الحاجة، كذا في المبسوط (٣). والله أعلم بالصواب. * * * كِتَابُ الْوَصَايا إيراد كتاب الوصايا في آخر الكتاب ظاهر [المناسبة] (٤)؛ لأنّ آخر أحوال الآدمي الموت والوصيّة معاملة وقت الموت، وله زيادة اختصاص بكتاب الجنايات والدّيات، لما أنّ الجناية قد تفضي إلى الموت الذي وقته وقت الوصيّة، وذكر في بعض محاسن (٥) الوصايا في الكتاب ما فيه غنية لأُولي الألباب؛ ولأنّ فيها نفع الخلائق بالإيناس وخير النّاس من ينفع النّاس؛ وفيها أيضًا إيصال الأعيان (٦) والمنافع للإخوان واستذكار بخير بعد حينه من الخلان على وجه فيه طلب رضا الرحمن، إذ بها يقوى رجاؤه من الله ثواب رفده عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عندِه، فيحتاج ههنا إلى بيان الوصية لغة وشرعًا وسببها وشرائطها وركنها [وحكمها] (٧)، وبيان صفتها المشروعة، وبيان ألفاظها المستعملة فيها. أما اللغة فالوصيّةُ والوَصَاةُ بالقصر اسمان في معنى المصدر، منه قوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (٨)، ثم سمّى الموصَى به وصيةً، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ (٩). والوِصَايَةُ بالكسر مصدر الوصي، وقيل الإيصاء طلب شيء من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد مماته.

стр. 5176

وأما شرعًا فالوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرّع (١)، سواء كان ذلك في الأعيان أو في المنافع، ولأنّ التمليك أنواع فلابدّ لكلّ نوع من اسم خاص ليميز به عن صاحبه كالبيع والهبة والصّدقة والعاريّة (٢)، كل واحد منها تمليك بنوع مخصوص فكذا الوصيّة. وذكر في الإيضاح الوصية ما أوجبها الموصي في ماله بعد موته أو مرضه الذي مات فيه (٣)، أمّا ما أوجبه بعد الموت فيعتبر من الثّلث، سواء كان الإيجاب في حالة المرض أو في حالة الصّحة؛ لأنّ الإيجاب مضاف إلى ما بعد الموت، فيعتبر حال وقوعه ولا يعتبر حال الإضافة. وأمّا التّبرّع فيعتبر حالة العقد فيه، فإن كان صحيحًا جاز من جميع المال، وإن كان مريضًا جاز من الثلث؛ [لأنّه] (٤) لم يضف إلى حالة مستقبلة، وإنما أوجبه للحال فتعتبر حالة الإيجاب، وكل مرض صح منه فهو كحال الصّحة فيما أوجبه من جميع المال. وأما سببها فإرادة ما ذكرناه من المحاسن والدين (٥) في الدّنيا والآخرة، فكان سببها عين سبب ما ذكرنا من التبرّعات والتطوّعات، وهو إرادة تحصيل ذكر الخير في الدّنيا ووصول الدرجات العالية في العقبى.

стр. 5177

وأما شرائطها فكثيرة؛ منها: كون الموصَى به بعد موت الموصي شيئًا قابلًا للتمليك من الغير بعقد من العقود حال حياة الموصي، سواء كان الموصى به موجودًا في الحال أو معدومًا؛ ولهذا قلنا بأن الوصيّة بما يثمر نخيله العام أو أبدًا يجوز وإن كان الموصى به معدومًا؛ لأنّه يقبل التمليك من غيره حال حياة الموصي بعقد من العقود وهو عقد المعاملة، فلذلك جازت وصيته به؛ وقلنا بأن وصيّته بما تلد أغنامه لا يجوز استحسانًا؛ لأنّه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي [بعقد من العقود] (١). ومنها كون الموصي أهلًا للتبرّع حتّى لا يصح من الصبي والعبد والمكاتب في حقّ المولى. ومنها عدم الدَّين لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). ومنها التقدير [بثلث] (٣) التركة على (٤) أنها لا تصح فيما زاد على (٥) الثلث. ومنها أن [يكون] (٦) الموصَى له أجنبيًّا حتّى أنّ الوصيّة للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة. [ومنها ألا يكون الموصى له قاتلًا فلو أجازت الورثة هل يجوز فيجيء بعد هذا] (٧). ومنها أن يكون الموصَى له موجودًا حيًّا وإن لم يكن مولودًا، حتّى أن الوصية للجنين إذا كان موجودًا حيًّا عند الوصيّة تصح (٨) وإلّا فلا؛ وإنما تعرف حياته في ذلك الوقت إذا ولد قبل ستة أشهر [حيًّا] (٩). وأمّا ركنها فقوله: أوصيت بكذا لفلان، وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها، وأما حكم الوصيّة ففي حقّ الموصى له أن يملك الموصَى به ملكًا جديدًا كما في الهبة، وفي حق الموصِي حكمها إقامة الموصى له فيما أوصى به مقام نفسه كالوارث. وأما صفتها فهو المذكور في الكتاب حيث يقول: الوصيّة غير واجبة وهي مستحبة. وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها فقد روى ابن سماعة (١٠) في نوادره (١١) (١٢) (١٣) عن محمّد: إذا قال الرجل: اشهدوا أني قد أوصيت لفلان بألف درهم؛ وأوصيت بأن لفلان في مالي ألف درهم، فالألف الأولى وصيّة والأخرى إقرار.

стр. 5178

وفي الأصل إذا قال في وصيته: سدس داري لفلان؛ فإني أجيز ذلك وتكون وصيّة، ولو قال لفلان: سدس في داري فإنه يكون إقرارًا. والفرق أنّ (١) في الفصل الأوّل جعل لفلان سدس دار جميعها مضاف إلى نفسه؛ وإنّما يكون لفلان سدس دار جميعها مضاف إليه إذا كان قصده إنشاء التملي، وفي الفصل الثاني جعل دار نفسه ظرفًا للسدس الذي سمَّاه لفلان؛ وإنما يكون داره ظرفًا لذلك السّدس إذا كان ذلك السّدس مملوكًا لفلان قبل ذلك فيكون إقرارًا به (٢). أمّا لو كان إنشاء فلا يكون ظرفًا؛ لأنّ الدّار كلّها له فلا يكون البعض ظرفًا للبعض، وعلى هذا إذا قال: لفلان ألف درهم من مالي؛ كان وصية استحسانًا إذا كان في ذكر وصيته، وإذا قال: في مالي كان إقرارًا. وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: إذا كتب الرجل وصيته بيده (٣) ثم قال: اشهدوا علي بما في هذا الكتاب (٤) فهو جائز استحسانًا، وإن كتبها غيره وقال هو: اشهدوا عليّ بما في هذا الكتاب لم يجز، ولو قال مريض بالفارسيّة: صد درم ازمن بخش كنيت (٥)؛ [قال الشيخ الإمام محمد بن الفضل (٦): هي باطلة؛ لأنّ هذا يكون للأغنياء والفقراء جميعًا، ولو قال: صد درم ازمن روان كنيت (٧) (٨) كانت الوصية جائزة لأنّ هذا اللفظ يراد به القربة، هذا كله من التحفة (٩) والذخيرة (١٠) وغيرهما.

стр. 5179

الوصيّة غير واجبة وهي مستحبّة؛ وإنّما ذكر قوله وهي مستحبّة بعد قوله غير واجبة؛ لأن الاستحباب لا يستفاد من قوله غير واجبة كالمباحات، وبقوله غير واجبة ينفي قول بعض الناس حيث قالوا الوصيّة للوالدين والأقربين إذا (١) كانوا ممّن لا يرثون فرضًا. وعند بعضهم الوصيّة واجبة على كلّ أحد ممّن له ثروة ويسار (٢)؛ واستدلوا بظاهر قوله (٣) تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤)، والمكتوب علينا يكون فرضًا، وقال غ: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر إذا كان له مال يريد الوصيّةَ فيه أن يَبِيتَ ليلتين (٥) إلّا وصيّته مكتوبة عند رأسه» (٦).

стр. 5180

وحجتنا في ذلك أنّ الوصيّة مشروعة لنا لا علينا، وقال غ: «إنّ الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخِر أعمارِكم [زيادة في أعمالكم] (١) فضَعوه حيث شئتم» (٢)، والمشروع لنا ما لا يكون فرضًا ولا واجبًا علينا بل يكون مندوبًا إليه بمنزلة النَّوافل من العبادات، ثم التبرّع بعد الوفاة معتبر بالتبرّع (٣) في حالة الحياة؛ وذلك إحسان مندوب إليه فكذلك التبرّع بالوصيّة بعد الموت.

стр. 5181

وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أنّ ذلك كان في الابتداء قبلَ نزول آية المواريث ثم انتسخ وتكلموا في ناسخه؛ وكان أبو بكر الرازي (١) يقول: إنما انتسخ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢)؛ فإنه نصَّ على المواريث بعد وصيّة منكَّرة؛ فلو كانت الوصيّة للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية لذكر (٣) الإرث بعد الوصيّة المعروفة لأن تلك وصيّة معهودة؛ وأكثر مشائخنا يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله ﷺ : «إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألَا لَا وصيَّةَ لوارث» (٤)، وهذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به فكان كالمسموع من رسول الله ﷺ ، وأما الحديث الَّذي رووه فهو شاذ فيما يعمُّ به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله، ثم هو محمول على ما كان في الابتداء قبل نزول آية المواريث؛ أو المراد أن ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق كقوله ﷺ : «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه» (٥) والمراد ما بينا كذا في المبسوط (٦).

стр. 5182

واستدلَّ في الكشَّاف (١) (٢) على وجوب الوصيَّة بوجه آخر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (٣)، فقال وإذا حضر ظرف للشهادة وحين الوصيَّة بدل منه؛ وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وأنها من الأمور الَّلازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها؛ يعني أنّ حضور الموت من الأمور الكائنة الَّتي لا مجال لدفعها فيثبت بدون الاختيار، ثم لو قلنا في حقِّ الوصية كذلك لارتفع التكليف فانتقل إلى الوصف الذي هو حامل على الوجود وهو الوجوب، كما أن موجب الأمر الإيجاب لأنَّه داعٍ إلى الوجود. وقوله: ومثله في الإجارة أي عقد إضافة إلى زمان في المستقبل وبهذا ثبت شرعيَّتها؛ وإن [كان] (٤) القياس يأبى جوازها كما في الإجارة؛ ولا يجوز بما زاد على الثلث لقوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقَّاص ط؛ ذكر في المبسوط سعد بن مالك (٥) مكان سعد بن أبي وقَّاص فقال: والدَّليل على أن محلّ الوصيّة النافذة شرعًا ثلث المال ما رواه من حديث سعد بن مالك أنَّه قال: «يا رسول الله، أؤصي بمالي كلّه؛ فقال: لا؛ قال: فبنصفه؛ قال: لا؛ قال: فبثلثه؛ فقال: الثّلث والثلث كثير، إنَّك إنْ تَدَع ورثتك أغنياءَ خير من أن تدعَهم فقراءَ يتكففون النَّاس -وفي رواية: يتكفكفون» (٦).

стр. 5183

فإن قيل: في هذا الحديث دليل على أن الغني أفضل من الفقير (١)؛ أي الغنيُّ الشَّاكر أفضل من الفقير الصَّابر، فإنَّ النبي ﷺ قدَّم صفة الغنى لورثة سعد؛ فقال: إنك إن تَدَع عيالك أغنياءَ خير. قلنا: قدَّم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه، والأفضل ما اختاره رسول الله ﷺ لنفسه، ثم في الحديث إنَّما قدَّم الغني على الفقير الذي يسأل؛ كما قال: من أن تدعهم فقراءَ يتكفَّفون الناس أي يُلِحّون في السؤال (٢)، ونحن إنّما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم بقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٣)، وهذا لأنّ الفقر مع الصّبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن، … قال ﷺ : «الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على خد الفَرَس» (٤)، وإنَّما الغنى سبب للطغيان والفتنة؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٥)، كذا في المبسوط (٦).

стр. 5184

إلَّا أنَّ الشَّرع لم يظهر؛ أي استغناءه. وأظهره؛ أي استغناءه في القليل والكثير. تحرّزًا أي أظهره تحرزًا عمَّا يتفق من الإيثار أي تحرّزًا عمَّا يوجد من تأذي البعض وقطيعة الرَّحم بحسب اتفاق الحال بسبب (١) إيثار البعض [على البعض] (٢)، على ما نبينه وهو قوله بعد مقدار صفحة؛ ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض. وقد جاء في الحديث الحيْف؛ وروي بالحاء المهملة وسكون الياء وهو الظلم، وروي الجَنَف بالجيم والنون المفتوحتين وهو المَيْل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ (٣) فكان لهم أن يردوه بعد وفاته أي فكان للورثة أن يردوا ما أجازوه حالَ حَياة الموصي من الوصيَّة الزَّائدة على الثلث بَعدَ موت الموصي بخلاف ما بعد الموت؛ يعني لو أجازت الورثة الوصية الزائدة على الثلث بعد موت الموصي ثم أرادوا ردَّ ما أجازوه (٤) ليس لهم ذلك؛ لأنَّهم أجازوا بعد ثبوت الحق لهم فصادفت الإجازة محلَّها فلا يُردّ بعدَ ما وقعت في محلها. وقوله: لأن السَّاقطَ مُتَلاشٍ؛ في وصل شيخي: كان هو موصولًا بقوله: فكان لهم أن يردوا ما أجازوه في حال حياة مورثهم؛ لأن إجازتهم في ذلك الوقت كانت ساقطة لعدم مصادفتها محلها، وكلُّ ساقط في نفسه مضمحل ومتلاش؛ فلذلك كان لهم أن يردوا بعد موت المورث ما أجازوه في حال حياة المورث. ثم قال: غاية الأمر أنَّه يستند عند الإجازة جوابًا لشبهة ترد على ذلك التَّقدير بأن يقال كيف تكون تلك الإجازة ساقطة في نفسها مع أن حق الورثة قد ثبت بمال المورث من أول المرض لكن على سبيل التوقف. ألا ترى أن ذلك التعلق أثر في حق تصرف المورث في ماله حتَّى لم يصح تصرفه في الثلثين لكن ذلك على سبيل التوقف؛ فلما مات ظهر أن الإجازة صادفت محلها فصار إجازتهم وقتَ حياة المورِث بمنزلة إجازتهم بعد موت المورث بسبب الاستناد، ولو أجازوا بعد موت المورِث لم يكن لهم الرد بعد ذلك، فكذلك لو أجازوا قبلَ موته فأجاب عنه وقال: الاستناد إنما يظهر في حق القائم فإجازتهم حينَ وقعت في حال حياة المورث وقعت باطلةً ولغوًا؛ وما وقع لغوًا لا يكون قائمًا في نفسه فلا يظهر في حقه الاستناد؛ إلى هذا التقدير أشار فخر الإسلام في المبسوط (٥).

стр. 5185

وقال: قال (١) ابن أبي ليلى (٢) ليس لهم أن يرجعوا في الوجهين جميعًا؛ لأن حقهم قد ثبت في مرض الموت (٣) فإذا مات ظهر أنهم أسقطوا حقهم بعد موته فصح. وقلنا: حقهم يثبت عند الموت ويستند إلى أوَّل المرض لكن الاستناد يعمل في القائم وتصرفهم حين وقع إجازة وقع لغوًا (٤)؛ لأنَّه لَا حَقَّ لهم حقيقةً [حينئذ] (٥) فلا يثبت له حكم الإجازة وهو منتقض. وقوله لكن الاستناد يظهر في القائم كما في العقود الموقوفة إذا لَحقتها الإجازة، وكثبوت الملك في الغصب حين أدَّى ضمانه فيثبت الملك فيها مستندًا إلى أوَّل العقد والغصب، وأمَّا ههنا قد مضت الإجازة وتلاشت حين وقعت فلا يلحقها الاستناد. فإن قلت: لا شك أن حق الورثة قد تعلق بمال المورث من أول المرض حتى منع (٦) ذلك التعلق تصرفَ المورِث من الكل إلى الثلث فيجب أن يظهر أثر ذلك التعلق في حق إسقاط حقهم بالإجازة أيضًا وألا يكون حال الوارث ههنا أدنى درجة من حال الوارث إذا عفى جارح أبيه [قبل موت أبيه] (٧) فإنه يصح. وكذلك لو أجاز المرتهن بيع الرَّاهن الرهن يصح (٨) مع أن العفو والإجازة فيهما قبل الملك أيضًا؛ لكن ثبت فيهما نوع تعلُّق بما تصرفا فصح لذلك فكذا ههنا؛ وهذا لأن حق الوارث إنما يثبت في ماله بالموت؛ ولكن سبب موته المرض، وكما أقيم هذا السبب مقام حقيقة الموت في منع المورث من التصرف المبطل لحق الوارث فكذلك يقام مقامه في صحة إسقاط الحق من الوارث بالإجازة. قلتُ: نعم كذلك إلا أن إسقاط الحق قبل وجود السبب لا يجوز ونفس المرض ليس بسبب لتعلق حقه بماله بل السَّبب مرض الموت، ومرض الموت ما يتصل به الموت وهنا الاتصال موهوم؛ فكان هذا إسقاطًا للحق قبل تقرّر السبب؛ وهذا لأن عمل الإجازة في العقد الموقوف في إزالة الملك؛ وإزالة الملك إنما تصح من المالك إما حقيقة أو حكمًا؛ والوارث قبل موت المورث ليس بمالك لا حقيقة وهو ظاهر لأن الورثة لا يملكون التركة (٩) قبل موت المورث حتى لو أعتق الوارث عبدًا [من التركة] (١٠) قبل موت المورث لا ينفذ عتقه، ولا حكمًا أيضًا لأن سبب ملك الورثة في تركة المورث [موت المورث] (١١)؛ لأنهم يملكون التركة من وقت الموت لا من وقت المرض.
следующие страницы →