← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أنّ ذلك كان في الابتداء قبلَ نزول آية المواريث ثم انتسخ وتكلموا في ناسخه؛ وكان أبو بكر الرازي (١) يقول: إنما انتسخ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢)؛ فإنه نصَّ على المواريث بعد وصيّة منكَّرة؛ فلو كانت الوصيّة للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية لذكر (٣) الإرث بعد الوصيّة المعروفة لأن تلك وصيّة معهودة؛ وأكثر مشائخنا يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله ﷺ : «إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألَا لَا وصيَّةَ لوارث» (٤)، وهذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به فكان كالمسموع من رسول الله ﷺ ، وأما الحديث الَّذي رووه فهو شاذ فيما يعمُّ به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله، ثم هو محمول على ما كان في الابتداء قبل نزول آية المواريث؛ أو المراد أن ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق كقوله ﷺ : «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه» (٥) والمراد ما بينا كذا في المبسوط (٦).

стр. 5182

واستدلَّ في الكشَّاف (١) (٢) على وجوب الوصيَّة بوجه آخر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (٣)، فقال وإذا حضر ظرف للشهادة وحين الوصيَّة بدل منه؛ وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وأنها من الأمور الَّلازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها؛ يعني أنّ حضور الموت من الأمور الكائنة الَّتي لا مجال لدفعها فيثبت بدون الاختيار، ثم لو قلنا في حقِّ الوصية كذلك لارتفع التكليف فانتقل إلى الوصف الذي هو حامل على الوجود وهو الوجوب، كما أن موجب الأمر الإيجاب لأنَّه داعٍ إلى الوجود. وقوله: ومثله في الإجارة أي عقد إضافة إلى زمان في المستقبل وبهذا ثبت شرعيَّتها؛ وإن [كان] (٤) القياس يأبى جوازها كما في الإجارة؛ ولا يجوز بما زاد على الثلث لقوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقَّاص ط؛ ذكر في المبسوط سعد بن مالك (٥) مكان سعد بن أبي وقَّاص فقال: والدَّليل على أن محلّ الوصيّة النافذة شرعًا ثلث المال ما رواه من حديث سعد بن مالك أنَّه قال: «يا رسول الله، أؤصي بمالي كلّه؛ فقال: لا؛ قال: فبنصفه؛ قال: لا؛ قال: فبثلثه؛ فقال: الثّلث والثلث كثير، إنَّك إنْ تَدَع ورثتك أغنياءَ خير من أن تدعَهم فقراءَ يتكففون النَّاس -وفي رواية: يتكفكفون» (٦).

стр. 5183

فإن قيل: في هذا الحديث دليل على أن الغني أفضل من الفقير (١)؛ أي الغنيُّ الشَّاكر أفضل من الفقير الصَّابر، فإنَّ النبي ﷺ قدَّم صفة الغنى لورثة سعد؛ فقال: إنك إن تَدَع عيالك أغنياءَ خير. قلنا: قدَّم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه، والأفضل ما اختاره رسول الله ﷺ لنفسه، ثم في الحديث إنَّما قدَّم الغني على الفقير الذي يسأل؛ كما قال: من أن تدعهم فقراءَ يتكفَّفون الناس أي يُلِحّون في السؤال (٢)، ونحن إنّما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم بقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٣)، وهذا لأنّ الفقر مع الصّبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن، … قال ﷺ : «الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على خد الفَرَس» (٤)، وإنَّما الغنى سبب للطغيان والفتنة؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٥)، كذا في المبسوط (٦).

стр. 5184

إلَّا أنَّ الشَّرع لم يظهر؛ أي استغناءه. وأظهره؛ أي استغناءه في القليل والكثير. تحرّزًا أي أظهره تحرزًا عمَّا يتفق من الإيثار أي تحرّزًا عمَّا يوجد من تأذي البعض وقطيعة الرَّحم بحسب اتفاق الحال بسبب (١) إيثار البعض [على البعض] (٢)، على ما نبينه وهو قوله بعد مقدار صفحة؛ ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض. وقد جاء في الحديث الحيْف؛ وروي بالحاء المهملة وسكون الياء وهو الظلم، وروي الجَنَف بالجيم والنون المفتوحتين وهو المَيْل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ (٣) فكان لهم أن يردوه بعد وفاته أي فكان للورثة أن يردوا ما أجازوه حالَ حَياة الموصي من الوصيَّة الزَّائدة على الثلث بَعدَ موت الموصي بخلاف ما بعد الموت؛ يعني لو أجازت الورثة الوصية الزائدة على الثلث بعد موت الموصي ثم أرادوا ردَّ ما أجازوه (٤) ليس لهم ذلك؛ لأنَّهم أجازوا بعد ثبوت الحق لهم فصادفت الإجازة محلَّها فلا يُردّ بعدَ ما وقعت في محلها. وقوله: لأن السَّاقطَ مُتَلاشٍ؛ في وصل شيخي: كان هو موصولًا بقوله: فكان لهم أن يردوا ما أجازوه في حال حياة مورثهم؛ لأن إجازتهم في ذلك الوقت كانت ساقطة لعدم مصادفتها محلها، وكلُّ ساقط في نفسه مضمحل ومتلاش؛ فلذلك كان لهم أن يردوا بعد موت المورث ما أجازوه في حال حياة المورث. ثم قال: غاية الأمر أنَّه يستند عند الإجازة جوابًا لشبهة ترد على ذلك التَّقدير بأن يقال كيف تكون تلك الإجازة ساقطة في نفسها مع أن حق الورثة قد ثبت بمال المورث من أول المرض لكن على سبيل التوقف. ألا ترى أن ذلك التعلق أثر في حق تصرف المورث في ماله حتَّى لم يصح تصرفه في الثلثين لكن ذلك على سبيل التوقف؛ فلما مات ظهر أن الإجازة صادفت محلها فصار إجازتهم وقتَ حياة المورِث بمنزلة إجازتهم بعد موت المورث بسبب الاستناد، ولو أجازوا بعد موت المورِث لم يكن لهم الرد بعد ذلك، فكذلك لو أجازوا قبلَ موته فأجاب عنه وقال: الاستناد إنما يظهر في حق القائم فإجازتهم حينَ وقعت في حال حياة المورث وقعت باطلةً ولغوًا؛ وما وقع لغوًا لا يكون قائمًا في نفسه فلا يظهر في حقه الاستناد؛ إلى هذا التقدير أشار فخر الإسلام في المبسوط (٥).

стр. 5185

وقال: قال (١) ابن أبي ليلى (٢) ليس لهم أن يرجعوا في الوجهين جميعًا؛ لأن حقهم قد ثبت في مرض الموت (٣) فإذا مات ظهر أنهم أسقطوا حقهم بعد موته فصح. وقلنا: حقهم يثبت عند الموت ويستند إلى أوَّل المرض لكن الاستناد يعمل في القائم وتصرفهم حين وقع إجازة وقع لغوًا (٤)؛ لأنَّه لَا حَقَّ لهم حقيقةً [حينئذ] (٥) فلا يثبت له حكم الإجازة وهو منتقض. وقوله لكن الاستناد يظهر في القائم كما في العقود الموقوفة إذا لَحقتها الإجازة، وكثبوت الملك في الغصب حين أدَّى ضمانه فيثبت الملك فيها مستندًا إلى أوَّل العقد والغصب، وأمَّا ههنا قد مضت الإجازة وتلاشت حين وقعت فلا يلحقها الاستناد. فإن قلت: لا شك أن حق الورثة قد تعلق بمال المورث من أول المرض حتى منع (٦) ذلك التعلق تصرفَ المورِث من الكل إلى الثلث فيجب أن يظهر أثر ذلك التعلق في حق إسقاط حقهم بالإجازة أيضًا وألا يكون حال الوارث ههنا أدنى درجة من حال الوارث إذا عفى جارح أبيه [قبل موت أبيه] (٧) فإنه يصح. وكذلك لو أجاز المرتهن بيع الرَّاهن الرهن يصح (٨) مع أن العفو والإجازة فيهما قبل الملك أيضًا؛ لكن ثبت فيهما نوع تعلُّق بما تصرفا فصح لذلك فكذا ههنا؛ وهذا لأن حق الوارث إنما يثبت في ماله بالموت؛ ولكن سبب موته المرض، وكما أقيم هذا السبب مقام حقيقة الموت في منع المورث من التصرف المبطل لحق الوارث فكذلك يقام مقامه في صحة إسقاط الحق من الوارث بالإجازة. قلتُ: نعم كذلك إلا أن إسقاط الحق قبل وجود السبب لا يجوز ونفس المرض ليس بسبب لتعلق حقه بماله بل السَّبب مرض الموت، ومرض الموت ما يتصل به الموت وهنا الاتصال موهوم؛ فكان هذا إسقاطًا للحق قبل تقرّر السبب؛ وهذا لأن عمل الإجازة في العقد الموقوف في إزالة الملك؛ وإزالة الملك إنما تصح من المالك إما حقيقة أو حكمًا؛ والوارث قبل موت المورث ليس بمالك لا حقيقة وهو ظاهر لأن الورثة لا يملكون التركة (٩) قبل موت المورث حتى لو أعتق الوارث عبدًا [من التركة] (١٠) قبل موت المورث لا ينفذ عتقه، ولا حكمًا أيضًا لأن سبب ملك الورثة في تركة المورث [موت المورث] (١١)؛ لأنهم يملكون التركة من وقت الموت لا من وقت المرض.

стр. 5186

ألا ترى أن ما حدث من الزوائد قبل الموت بعد المرض يحدث على ملك المورث بخلاف إجازة المرتهن؛ لأن الإجازة هناك وجدت بعد سبب الملك للمرتهن في المرهون لأن قبض المرتهن المرهون سبب لثبوت الملك له في المرهون حتى يجعل مستوفيًا له من وقت القبض لا من وقت الهلاك، وكذلك عفو الورثة عن جارح أبيهم يصح لوجوده بعد وجود سبب القتل فصار كأن العفو وجد بعد القتل. ألا ترى أن الجارح لو كفَّر بعد الجرح قبل موت المجروح ثم مات المجروح صح التكفير لأن القتل يستند إلى وقت الجرح؛ وأما ههنا إذا مات المورث من المرض فالموت لا يستند إلى حالة المرض حتى أن الورثة لا يملكون التركة من وقت المرض وإذا لم يستند الموت إلى حالة المرض كانت الإجازة من الورثة حاصلة قبل السبب فلا يجوز، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (١) والذخيرة (٢). وذكر في الإيضاح ولا عبرة بإجازتهم ولا بردِّهم في حال حياة الموصي؛ وإنما يعتبر ذلك بعد الوفاة لأن حق الورثة وإن كان ثابتًا في حال المرض ولكن أثر هذا الحق [لا يظهر] (٣) في المال. ألا ترى أن الوارث لو زنى بجارية المورث في مرض موته وجب الحدُّ؛ وهذا لأن الوراثة سبب للخلافة بعد الموت والملك موقوف على ما بعده؛ فإذا أجاز قبل ثبوت الملك لم يصح وكل ما جاز بإجازة الوارث يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا. وعند الشافعي من قبل الوارث، وثمرة هذا الاختلاف تظهر في مسائل حتى صحت هذه الإجازة عندنا في مشاع يحتمل القسمة ويصير ملكًا للموصى له قبل التسليم، ويجبر الوارث على التسليم بعد الإجازة، ولو كان يتملكه من جهة الوارث لكانت هذه الأحكام (٤) على عكسها. وعند الشافعي: تنفذ هبة من الوارث حتى أنه إن سلَّم إليه يصح وإن لم يسلم إليه بطلت ولا يجبر عليه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام: (٥) (٦). وجه قول الشافعي: أن بنفس الموت صار قدر الثلثين من المال ملكًا للوارث؛ لأن الميراث يثبت بغير قبول الوارث ولا يرتد بالرد؛ فإجازته تكون إخراجًا للمال عن ملكه بغير عوض وذلك هبة لا تتم إلا بالقبض؛ ولكنا نقول تصرف الموصي صادف ملكه وامتنع نفوذه لقيام حق الغير فيه؛ فإجازة من له الحق تكون إسقاطًا لحقه ثم ينفذ التصرف على الوجه الذي باشره المتصرف كالراهن يبيع المرهون فيجيزه المرتهن، والمواجر يبيع المستأجَر فيجيزه المستأجِر.

стр. 5187

والجواب عما قال إن الوارث إنما يملك التركة بشرط الفراغ عن تصرف الموصي وحاجته، وهنا الفراغ إنما يحصل برد الوصية؛ فأما بالإجازة يتحقق الشغل فيتبين أنه لم يملكه الوارث وإنما يملكه الموصى له من جهة الموصي بإيجابه له الوصية، كذا في المبسوط (١). والصحيح قولنا لأن السبب صدر من الموصي إلى آخره. فإن قيل: لو أجاز الوارث في مرضه كان ذلك من ثلث ماله؛ فدل ذلك على أنه تمليك من جهة الوارث. قلنا: الوارث إن لم يملك فقد أسقط حقه عن المال بفعله، وإسقاط الحقوق عن الأموال [إنما] (٢) يكون من الثلث وإن لم يكن تمليكًا كالعتق (٣)، وكذا لو ابتاع ما يساوي عشرة بدرهم ثم ردَّه بالعيب في مرضه كان من الثلث وإن لم يكن تمليكًا كما في العتق فكذا هنا، كذا في شرح الأقطع (٤)؛ ولأنه استعجل (٥) ما أخَّره الله تعالى فيحرم الوصية. فيُحرم على بناء المفعول مع نصب لفظ الوصية على أنه مفعول ثان للحرمان، وكذلك في قوله: كما يُحرم الميراث. فإن قلت: في مجموع هذا الكلام شبهتان؛ إحداهما في قوله: ولأنه استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية، وهذا التعليل إنما يصح أن لو كان الجرح بعد الوصية، وعندنا لا يتفاوت بين أن يكون الجرح مقدمًا على الوصية أو مؤخرًا عنها، فإنه يحرم عن الوصية، وهذا التعليل لا يصح فيما إذا كانت الوصية بعدَ الجرح؛ لأنه لم يوجد من الموصَى له بعد الوصية فعل يوجب الاستعجال ومع ذلك يحرم. والثانية في منع القياس على الميراث؛ فإنه لو بطل الإرث لمعنى لا يلزم منه بطلان الوصية أيضًا بالقياس [عليه] (٦) كالرِق واختلاف الدين فإنهما ينفيان الإرثَ ولا ينفيان الوصية. قلت: الشبهة الأولى ما تشبث به الشافعي: في قوله بالفرق بين تقديم الجرح على الوصية وتأخيره عنها؛ فقال: إن أوصى قبل الجراحة بطلت الوصية، وإن أوصى بعد الجرح صحت الوصية لهذا المعنى (٧)، وإنا نقول: قال النبي ﷺ : «لا وصية لقاتل» (٨) وهو بعمومه يتناول القاتل مقدمًا جرحه على الوصية أو مؤخرًا عنها، ولأن بطلان الوصية للقاتل لمغايظة الورثة؛ فإنهم يغيظهم أن يقاسمهم قاتل أبيهم تركة أبيهم بسبب الوصية، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن تتقدم الوصية على الجرح أو تتأخر عنه، وبه فارق الرق والكفر فإن الحرمان بهما لانعدام الأهلية للولاية لا لدفع المغايظة عن الورثة.

стр. 5188

وعن هذا خرج الجواب عن الشبهة الثانية أيضًا وهي ما (١) تشبث به مالك؛ حيث قال بصحة الوصية للقاتل سواء أوصى له قبل الجرح أو بعده؛ فقال: لا يصح أن تقاس الوصية على الإرث فكم من موضع لا يثبت الإرث وتثبت الوصية كما في الكفر والرق (٢). وقلنا عدم صحة الإرث بالكفر والرق لعدم الأهلية للإرث الذي ينبئ عن الولاية وليس لهما الولاية على الغير فلا يثبت الإرث. وأما في الوصية فكونه موصى له لا ينبيء عن الولاية فلا يمنع الوصية في غير صورة القتل كما لا يمنع سائر العقود؛ ولكن عدم جواز الوصية للقاتل للمعنى الذي ذكرنا وهو مغايظة الورثة مقاسمة قاتل أبيهم تركة أبيهم بسبب الوصية وهو موجود في الإرث أيضًا؛ [لأن] (٣) بطلان الإرث للوارث القاتل لدفع المغايظة عن سائر الورثة، فلما استوى الإرث والوصية في هذا المعنى جاز قياس أحدهما على الآخر؛ ولأن القاتل إنما يحرم الإرث لأن القتل بغير حق جعل في حق القاتل غير موت؛ لأن الموت اسم لما تنتهي إليه مدة الحياة، ولا يجب إذا تحقق على أحد ضمان، فلما لزمه الضمان في القتل بغير حق جعل كأنه لا موت (٤)، وإذا انعدم الموت في حقه لم يرثه الوارث القاتل ولا يستحق الموصى (٥) له القاتل (٦) الوصية؛ لأن المال في الإرث والوصية لا يستحق بدون الموت، وفي هذا أيضًا لا يتفاوتان. وأما ما ذكره من التعليل في الكتاب بقوله: ولأنه استعجل ما أخَّره الله تعالى فيجعل الجارح مستعجلًا وإن تقدم جرحه على الوصية؛ لأنه ذكر شيخ … الإسلام: إنما يعتبر كون الموصى له قاتلًا أو غير قاتل لجواز الوصية وفسادها يوم الموت لا يوم الوصية (٧)؛ فبالنظر إلى وقت الموت كان القتل مؤخرًا عن الوصية. فإن قلت: يشكل هذا بالمدبر (٨) فإنه إذا قتل سيده يعتق مع أن التدبير وصية ولا وصية للقاتل، فينبغي أن لا يستحق الموصى له وهو المدبر الموصى به وهو العتق؛ لأنه قاتل عمدًا (٩) لعموم الحديث: «لا وصية لقاتل».

стр. 5189

قلتُ: إنما يعتق المدبَّر لأن الموت جعل شرط عتقه؛ ومن حيث إنه شرط عتق لا ينعدم بالقتل؛ لأن القتل بغير حق يجوز أن يكون شرط عتق فكذلك سائر المعاصي؛ ولكن يسعى المدبَّر في جميع قيمته لأنه تعذر رد العتق فيكون الرد بإيجاب السعاية، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (١) والأسرار (٢). لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث، وهذا التشبيه غير صحيح في تعليل قولهما؛ لأن تعليل مذهبهما إنما يتم بذكر الفرق [بين الوصية والميراث لا بالتشبيه ثم يحتمل أنه جمع بينهما بطريق التشبيه من حيث] (٣) مجرد النفع العائد إليهم عند بطلانها لا غير، ولم يجمع بينهما في أن الوصية لو لحقتها الإجازة تصح وفي الميراث لا تصح، وإنما افترقا من هذا الوجه لأن إجازة العبد ورده إنما تعمل فيما كان من جهة العبد والوصية تمليك من جهة العبد فجاز أن تعمل الإجازة فيها، ولا كذلك (٤) الميراث لأن الميراث من جهة الشرع لا صنع للعبد فيه فلا تعمل فيه إجازة العبد لذلك. فإن قلت: القاتل حارب حقيقة مع الميت حتى قتل ولا تجوز الوصية للمحارب حكمًا كما لو أوصى لحربي لم تجز الوصية، فإن أجازت الورثة لكونه محاربًا حكمًا فلأن لا تجوز الإجازة هنا أولى لأنه محارب حقيقة، وهذا لأن الحرمان كان بطريق العقوبة حقًا للشرع حتى إن القاتل لو كان صبيًّا لم يحرم شيئًا فلا يتغير ذلك بوجود الرضا من الورثة. قلتُ: إن الوصية للقاتل أقرب إلى الجواز عند الإجازة من الوصية للوارث؛ لأن العلماء اتفقوا على ألا وصية للوارث واختلفوا في جواز الوصية للقاتل؛ فإن عند مالك يجوز سواء قدم الوصية على الجرح أو أخر الوصية عنه (٥)، ثم بإجازة الورثة تنفذ الوصية للوارث فكذلك للقاتل، بخلاف ميراث القاتل فإن ثبوت الملك بالميراث بطريق الحكم بغير اختيار العبد حتى لا يتوقف على القبول ولا يرتد بالرد، والإجازة إنما تعمل فيما يعتمد القبول والرد. وبخلاف الوصية للحربي لأن بطلانها لانعدام الأهلية في جانب الموصى له؛ فإن الحربي كالميت في حق أهل الإسلام والميت لا يكون أهلًا للوصية [له] (٦) ولا تأثير للإجازة في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل.

стр. 5190

وأما قوله: إن حرمانه كان بطريق العقوبة فقلنا لا نسلم ما كان ذلك بطريق العقوبة عليه. ألا ترى أنه يستوي فيه الخاطئ والعامد؛ وإن كان الخاطئ لا يستحق العقوبة وإنما حرمانه دفعًا للغيظ عن الورثة حتى لا يشاركهم في مال أبيهم مَنْ سعى إلى قتل أبيهم؛ وهذا ينعدم بإجازة الورثة. وأما الصبي فهو بمعزل عن الغيظ لقصور عقله (١)؛ فلا يغيظ فعله الورثة مثل غيظ البالغ إياهم؛ فلذلك لم يثبت في حقه ما ثبت في حق البالغين من الحرمان، هذا مما أشار إليه في المبسوط (٢) والذخيرة (٣). فحاصل الوصايا تنقسم على أربعة أوجه؛ منها ما يجوز أجازت الورثة أو لم تجز، وهي الوصية لأجنبي بثلث ماله أو بكل ماله ولا وارث له. ومنها ما لا يجوز وإن أجازت الورثة؛ وهي الوصية للحربي بخلاف المستأمن والذمي حيث تجوز لهما الوصية استحسانًا. ومنها ما يجوز إن أجازت الورثة وإلا فلا، وهي ما لو أوصى بأكثر من ثلث ماله لأجنبي أو أوصى لواحد من الورثة؛ فإنه لا يجوز إلا بإجازة الورثة وهم أصحاء بالغون. ومنها ما يكون مختلفًا فيه وهي الوصية للقاتل (٤) فإن أجاز الورثة عندهما يجوز، وعند أبي يوسف لا يجوز وإن أجازت الورثة ذكره في الخلاصة (٥) (٦)، ويعتبر كونه وارثًا أو غير وارث وقت الموت حتى لو أوصى لأخيه ولا ابن له (٧) ثم ولد له ابن تصح وصيته لأخيه.

стр. 5191

بخلاف ما لو أوصى لأخيه وله ابن ثم مات ابنه تبطل الوصية. وذكر في فتاوى قاضي خان (١): ولو أوصى لإخوته الثلاثة المتفرقين وله ابن جازت الوصية لهم بالسوية أثلاثًا؛ لأنهم لا يرثون مع الابن، فإن كان له بنت مكان الابن جازت الوصية للأخ لأب وللأخ لأم وتبطل الوصية للأخ لأب وأم؛ لأنه يرث مع البنت، وإن لم يكن له ابن ولا بنت كانت الوصية كلها للأخ لأب؛ لأنه لا يرثه وتبطل الوصية للأخ لأب وأم وللأخ لأم لأنهما يرثانه. وإقرار المريض للوارث على عكسه أي على عكس الوصية. بتأويل الإيصاء أي يعتبر في الإقرار وقت الإقرار لا وقت الموت، وهذا الذي ذكره ليس بمجرى على إطلاقه، فإن في إقرار المريض للوارث إنما لا يعتبر وقت الموت في كونه وارثًا إذا كان كونه وارثًا بسبب حادث، وأما إذا كان كونه وارثًا بسبب كان وقت الإقرار يعتبر كونه وارثًا وقت الموت أيضًا كما في الوصية في حق منع صحة الإقرار؛ بيان ذلك هو أن مريضًا لو أقر لابنه بدين وابنه عبد ثم أعتق ثم مات الأب وهو من ورثته فإقراره بالدين جائز؛ لأن كسب العبد لمولاه فهذا الإقرار حصل من المريض في المعنى للمولى، والمولى أجنبي منه، فإن صار العبد من ورثته لا يبطل ذلك الإقرار؛ لأن هذا حكم ثبت بسبب حادث وهو الإعتاق وبه لا يبطل الإقرار (٢) له، بخلاف من ورث بسبب قائم وقت الإقرار، وهو أن يقر لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبله حتى صار الأخ وارثًا بطل إقراره له عندنا. وقال زفر: إقراره صحيح؛ لأن الإقرار موجب الحق بنفسه فإنما ينظر إلى حالة الإقرار وقد حصل لمن ليس بوارث فلا يبطل بصيرورته وارثًا بعد ذلك، كما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها، وبهذا فارق الهبة والوصية لأنه مضاف إلى ما بعد الموت حقيقة أو حكمًا. ألا ترى أنه لو وهب لأجنبية ثم تزوجها ثم مات لم تصح الهبة، وينظر فيه إلى وقت الموت لا إلى وقت الهبة بخلاف الإقرار. ولنا أنه واراث بسبب كان قائمًا وقت الإقرار فيتبين أن إقراره حصل لوارثه وذلك باطل؛ وهذا لأن الحكم مضاف إلى سببه فإذا كان السبب قائمًا وقت الإقرار تثبت صفة الوراثة للمقر له من ذلك الوقت (٣) بخلاف الأجنبية إذا تزوجها؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار، والحكم لا يسبق (٤) سببه فلا يتبين أن الإقرار حين حصل كان للوارث.

стр. 5192

فأما الهبة والوصية فكالمضاف (١) إلى ما بعد الموت، فإذا صار من ورثته بسبب حادث كان المانع قائمًا وقت لزومه فلهذا لا يصح. واستوى في حق الهبة والوصية السبب الحادث بعد الإقرار والسبب القائم وقت الإقرار في المنع عن جواز الإقرار، هكذا ذكر في باب الإقرار للوارث، وفي باب إقرار المريض بقبض الدين من إقرار المبسوط والذي يؤيد ما ذكرنا في لفظ الكتاب (٢). وإقرار المريض للوارث على عكسه أي يعتبر في الإقرار وقت الإقرار لا وقت الموت؛ المراد منه ما إذا تجدد كونه وارثًا وقت الموت بسببٍ حادثٍ بعد الإقرار (٣) لا بسببٍ قائم وقت الإقرار. ما ذكره في وصايا المبسوط بهذا التفصيل، وقال: ولو أوصى له بشيء وهو وارث يوم أوصى ثم صار غير وارث، أو كان غير وارث يوم أوصى ثم صار وارثًا ومات الموصي، إنما ينظر إلى يوم يموت الموصي (٤)، إن كان الموصى له وارثه لم تجز الوصية، وإن لم يكن جازت؛ لأن الوصية عقد مضاف إلى ما بعد الموت، وإنما يتحقق الوجوب له عند الموت، إلى أن قال: وقد بينا الفرق بين هذا وبين الإقرار، أن هناك إن صار وارثًا بسببٍ تجدد بعد الإقرار كان الإقرار صحيحًا، وإن ورث بسبب كان قائمًا وقت الإقرار لم يصح الإقرار. ويروى هذا الاستثناء فيما روينا وهو قوله: (ألا لا وصية لوارث) (٥)، ولأن الامتناع لِحقِّهِم فيجوز بإجازتهم.

стр. 5193

فإن قلت: لو كان الامتناع لحقهم لكان ينبغي أن يجوز فيما دون الثلثين أجازوا أم لم يجيزوا كما في الوصية للأجنبي؛ لأنه لا حق لهم في الثلث على … ما مر. قلتُ: معنى قوله لأن الامتناع لحقهم أي الامتناع لتأذيهم أي قلنا بالامتناع لمراعاة حقهم لكيلا يتأذوا بإيثار البعض على البعض، فإذا رضوا انعدم التأذي فيجوز، ولأن جواز الوصية في أصله مخالف للقياس؛ لأن الوصية تمليك مضاف إلى حال زوال المالكية إلا أنَّا جوزناه بالاستحسان لحاجة الميت إليه ليتدارك بعض (١) ما فرط فيما يجب عليه من العبادات، ولا حاجة إلى الوصية للورثة؛ لأن التركة حقهم سواء أوصى بها لهم أو لم يوص، وتولى الله تعالى بيان حقوقهم بحدودها. ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم إلى آخره (٢)؛ هذا لبيان الفرق بين الوصية والميراث، فإن الإرث لا يجري مع اختلاف الدين؛ لأن الإرث طريقه طريق الولاية والخلافة على معنى أنه يبقى للوارث المال الذي كان للمورث واختلاف الدين يقطع الولاية. فأما الوصية فتمليك بعقد مبتدأ ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يصير مغرورًا فيما اشتراه الموصي بخلاف الوارث كذا في المبسوط. الوصية لأهل الحرب (٣) (٤)

стр. 5194

باطلة (١). وذكر في السير الكبير (٢) ما يدل على جواز الوصية لهم (٣) (٤)، ووجه التوفيق بين الروايتين أنه لا ينبغي له أن يفعل وإن فعل ثبت الملك [لهم] (٥)؛ لأنهم من أهل الملك. أما لو أوصى الحربي بعدما دخل دارنا بأمان فيجوز لأن له ولاية تمليك المال في حياته فكذا بعد وفاته، ثم لا فرق في حق الحربي بين وصيته بالثلث أو (٦) بجميع (٧) المال؛ لأن المسلم (٨) إنما منع من الوصية بما زاد على الثلث لحق ورثته المسلمين، فإن حقهم معصوم عن الإبطال بخلاف ورثة الحربي؛ لأن حقهم غير معصوم، ولهذا المعنى يجوز تملك (٩) أموالهم وأنفسهم، فلذلك لم يمنع حقهم صحة الوصية بالجميع، كذا في شروح الجامع الصغير (١٠). وقبول الوصية بعد الموت: اعلم أن قبول الموصى له الوصية ليس بشرط لصحة الوصية، وإنما هو شرط إفادة (١١) الملك للموصى له حتى لا يثبت الملك بالوصية قبل القبول؛ لأن الوصية تشبه الإرث من وجه من حيث إنها تملك بالموت كالإرث، وتشبه الهبة من وجه من حيث إنها تملك بتمليك الغير، ولهذا تبطل الوصية بالخمر وإن كان الخمر يورث، فاعتبرناها بالهبة في حق القبول ما دام القبول موهومًا من الموصى له، فقلنا بأنها لا تملك قبل القبول واعتبرناها بالإرث بعد القبول، فقلنا إن الموصى له يملكها بعد القبول من [غير] (١٢) قبضٍ عملًا بالشبهين بقدر الإمكان، فإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها فذلك باطل؛ لأن القبول إنما يعتبر بعد موت الموصي، لأن الوصية إيجاب بعد الموت فيعتبر القبول والرد بعد موت الموصي، ولو رد الموصى له الوصية حال حياة الموصي ثم قبل بعد موته صح القبول؛ لأن الرد حال حياة الموصي غير معتبر فصار وجوده والعدم سواء (١٣)، ولو لم يقبل الموصى له الوصية بعد موت الموصي ولم يردها أيضًا حتى مات هو، فالقياس أن تكون ورثته بمنزلته في الرد والقبول.

стр. 5195

وفي الاستحسان (١) يلزمهم ذلك ردوا أو قبلوا، هكذا في بعض المواضع، وذكر في بعض المواضع القياس أن تبطل الوصية، وفي الاستحسان لا تبطل، كذا في الذخيرة (٢). ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنك إن تدع عيالك أغنياء» (٣)، معناه ورثتك إليك أقرب من الأجانب، فترك المال لهم خير لك من الوصية فيه، وفي هذا دليل على أن التقليل في الوصية أفضل، وذلك مروي عن أبي بكر وعمر م قالا: «لَأَن يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع ولَأَن يوصي بالربع أحب إلينا من أن يوصي بالثلث» (٤)، كذا في المبسوط (٥). الكاشح العدو الذي أعرض وولَّاك كشحه، الكَشَحُ ما بين الخاصرة إلى الضلع، وقيل الكاشح هو الذي أضمر العداوة في كشحه، وإنما جعل هذا التصدق أفضل لأن التصدق على ذي المحب (٦) الصديق مما تميل إليه النفس لمحبته وصداقته، وفي القريب الكاشح المنظور إليه هو معنى القرابة لا غير مع مخالفة نفسه لأن نفسه لا تدعوه إلى التصدق عليه، فكان ترجيح معنى القرابة في الإحسان أولى من ترجيح جانب المحبة خصوصًا ما إذا كان ذلك متضمنًا مخالفة النفس وقهرها فكان هو أولى لا محالة، والموصى به يملك بالقبول، خلافًا لزفر؛ فإن عنده يملك بدون القبول، [فلما كان يملك عنده بدون القبول] (٧) كالإرث يجب ألا يرتد بالرد كما في الإرث؛ وهذا لأن الملك هنا بطريق الخلافة (٨)، وهو أن تعليق الملك بالشرط في حال الحياة لا يجوز فبعد الموت أولى.

стр. 5196

وجه قول علمائنا أن هذا تمليك المال بالعقد فلا يثبت إلا بالقبول أو بما يقوم مقامه كالتمليك بسائر العقود؛ وهذا لأن أحدًا لا يملك تتميم سبب الملك لغيره بغير رضاه بخلاف الميراث فإنه يبقي للوارث الملك الذي كان ثابتًا للمورث حتى يرده بالعيب ويصير مغرورًا فيما اشتراه المورث، والبقاء لا يستدعي سببًا مبتدًا لأن الملك في الميراث ثبت شرعًا من غير اختيار من المورث. ألا ترى أنه لو أراد أن يمنعه لا يتمكن من ذلك والمشروع (١) هذه الولاية. وأما هنا فالملك ثبت بإيجاب الموصي بدليل أن له أن يمنعه عن ذلك بالرجوع (٢) عن الوصية قبل موته فلا يثبت إلا بقبول من الموصى له لانعدام ولاية الموصي عليه؛ ولأن تنفيذ الوصية لمنفعة الموصى له، ولو أثبتنا الملك له قبل موته تضرر، عسى أنه لو أوصى له بعبدٍ أعمى يجب عليه نفقته إذا ثبت الملك له، ولو أوصى بدنان مكسرة أو بزبل اجتمع في داره، لو ثبت الملك له بغير قبوله وجب عليه نقلها شاء أو أَبَى، وفي هذا من الضرر عليه ما لا يخفى، وكذلك لو أوصى له بزوجته المملوكة لو ملكها الموصى له بدون قبوله يفسد نكاحه، وليس للموصي ولاية إفساد نكاحه؛ فلهذا قلنا إنه لا يثبت له الملك ما لم يقبل، كذا في المبسوط (٣). إلا في مسألة واحدة أي يملك بدون القبول. ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية؛ لأن الدين مقدم على الوصية أي في حكم الشرع، وأما في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤)، فالوصية مقدمة على الدين [ذكرًا] (٥) كما ترى. فإن قلت: لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة. قلتُ: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين؛ ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب، هكذا ذكر السؤال والجواب في الكشاف. وذكر في المبسوط، قال علي ط: «إنكم تقرءون الوصية قبل الدين وكان رسول الله ﷺ يبدأ بالدين قبل الوصية» (٦)، وهكذا نقل عن ابن عباس ط، فهذا منهما إشارة إلى معنى التقديم والتأخير في الآية، ثم قضاء الدين من أصول حوائج المرء؛ لأنه تفرغ به ذمته، فالوصية ليست من أصول حوائجه وحاجته مقدمة في تركته.

стр. 5197

ألا ترى أنه يقدم جهازه وكفنه لحاجته إلى ذلك فكذلك قضاء الدين، ولا تصح وصية الصبي فإن الصبي إذا أوصى بوصية فوصيته باطلة سواء مات قبل الإدراك أو بعده عندنا، ولأنه نظر له تصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى، ثم قال الشافعي: على هذه النكتة: لا يلزمني عدم صحة إسلامه فإن إسلامه لا يصح بنفسه (١)، وقبول الهبة والصدقة لا يصح منه مع أن في كل منهما نظرًا له؛ لأن ما فيه منفعة للصبي إذا أمكن تحصيله له بوليه لا يعتبر فيه عقله ورشده، والإسلام يحصل له بغيره وكذلك قبول الهبة والصدقة، فأما اكتساب الأجر بالوصية فلا يمكن تحصيله له بغيره. ولو لم ينفذ يبقى أي المال. على غيره أي على غير الصبي. ولو قلنا بنفاذ وصيته كان ماله باقيًا على نفسه أي يحصل له بسبب الوصية إلى وجوه الخير نيل الزلفى والدرجة العليا فكان مبقيًا (٢) مالَ نفسه لنفسه بهذا الطريق، فكانت وصيته أولى من ترك وصية الإيفاع مرد آساشدن كودك. يقال: أيفع الغلامُ أي ارتفع فهو يافع، ولا يقال: موفع، وهو من النوادر (٣)، وغلام يفَّاع بمعنى يافع وجمعه يُفعان (٤). ولنا أنه تبرع أي أن الوصية بتأويل الإيصاء تبرع، فالصبي ليس من أهله كالهبة والصدقة، فإنهما لا يصحان من الصبي بالإجماع، فكذا الوصية؛ وهذا لأن اعتبار عقله فيما ينفعه دون ما يضره، ألا ترى أنه لا يعتبر عقله في حق الطلاق والعتاق؛ لأن ذلك يضره باعتبار أصل الوضع، فكذلك تمليك المال بطريق التبرع [فيه] (٥) ضرر باعتبار أصل الوضع، فإن تصور في الوصية منفعة فذلك باعتبار اتفاق الحال، وفي التصرفات يعتبر (٦) أصل الوضع لا الأحوال؛ لأن الطلاق قد ينفعه (٧) في بعض الأحوال بأن يطلق المرأة المعسرة ويتزوج بأختها (٨) الموسرة، ولم يعتبر ذلك فهذا مثله. وأما الجواب عن قوله: إن ما فيه منفعة الصبي إذا لم يمكن تحصيله له بوليه [يعتبر فيه عقله ورشده، فقلنا: هذا غير مطرد (٩)؛ لأن منفعة الوصية كما لا يمكن تحصيلها له بوليه] (١٠)، كذلك منفعة الهبة والصدقة من حيث الأجر وصلة الرحم لا يمكن تحصيلها له أيضًا بوليه، ومع ذلك لا يصح ذلك منه، والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازًا، يعني كان هو بالغًا ولكن كان لم يمض على بلوغه زمان كثير، ومثله (١١) يسمى يافعًا بطريق المجاز.

стр. 5198

ألا ترى أن عمر- ﵁ -لم يستفسر أن وصيته كانت لعمل القربة [أو لغيره] (١)، كذا في المبسوط (٢). عرف في موضعه وهو باب الحنث (٣) في ملك المكاتب والمأذون من أيمان الجامع الكبير (٤)، والذي عرف هناك هو أن مأذونًا أو مكاتبًا قال: إذا أعتقت فكل مملوك أملكه فهو حر فعَتق فاشترى مملوكًا يعتق؛ لأنه أضاف الإعتاقَ إلى ملك قابل للإعتاق وهو ما بعد الحرية فيصح. وهذا بخلاف الصبي [إذا قال] (٥): إذا بلغتُ فكل مملوك أملكه فهو حر كان باطلًا؛ لأن بطلان تصرف الصبي إنما كان لعدم الأهلية والتعليق والتنجيز في ذلك سواء، أما بطلان تصرف العبد ما كان لعدم الأهلية بل إنما كان لخلل في الملك، فإذا (٦) أضافه إلى ملك قابل للإعتاق يصح؛ وهي (٧) ثلاث مسائل: إحداها التي ذكرنا [وهي ما إذا قال المكاتب أو المأذون: إذا أعتقت فكل مملوك أملكه إلى آخره (٨) (٩). والثانية إذا قال المكاتب أو المأذون: [إذا أعتقت] (١٠) فكل مملوك أملكه فهو حر فعتق فاشترى مملوكًا لم يعتق؛ لأن قوله: كل مملوك أملكه، يتناول ما يملكه في الحال، وذلك غير قابل للإعتاق فيبطل. والثالثة إذا قال: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر فملك مملوكًا بعدما عتق لم يعتق عند أبي حنيفة:، وعندهما (١١) يعتق لأن ذكر الملك مطلقًا ينصرف إلى ملك قابل للإعتاق وهو ما بعد الحرية، ولأبي حنيفة: أن للمكاتب نوعي ملك، أحدهما ظاهر وهو ما قبل الإعتاق، والثاني غير ظاهر وهو ما بعد الإعتاق، فينصرف اليمين إلى الظاهر دون غير الظاهر، كما لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا، ثم قال لها: إن طلقتك فعبده حر ينصرف اليمين إلى الطلاق في النكاح الفاسد كذلك هنا، كذا في الجامع الكبير (١٢) (١٣) لقاضي خان:.

стр. 5199

وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر أي من وقت موت الموصي [لا من وقت الوصية] (١)؛ لأن وجود الموصى به إنما يشترط وقت وجوب الوصية وهو وقت الموت لا وقت الوصية، ثم قوله: إذا وضع لأقل من ستة أشهر يتعلق بهما جميعًا، أما في قوله للحمل فظاهر لأن الموصى له إذا لم يكن موجودًا لا يصح منه التمليك بالوصية ولا بغيرها، وكذلك في قوله: بالحمل؛ لأنه إذا لم يكن الموصى به موجودًا حقيقة كان وصية بالمعدوم وقت وجوب الوصية وهو لا يصح في الحمل، بخلاف ما إذا أوصى بثمرة بستانه وهي معدومة فإنه يصح، وقد ذكرناه. وذكر في باب الوصية بما في البطن وهو الباب السادس عشر من وصايا المبسوط: وإذا أوصى الرجل بما في بطن هذه الجارية، ثم ولدت بعد موته لستة أشهر أو أكثر فلا وصية له؛ لأنه أوصى بالمعدوم ولم يعلم وجوده عند موت الموصي لا حقيقةً ولا حكمًا، ووجوب الوصية بالموت فما لم يكن المعين (٢) معلوم الوجود عند وجوب الوصية لا تكون الوصية صحيحة. فإن قلت هنا إشكال ظاهر وهو أنه اشترط ههنا وجود الموصى به وهو الحمل عند وجود (٣) الوصية حتى لم يصحح الوصية بالمعدوم، وقد صحح الوصية بالمعدوم في مسألة الوصية بثمرة بستانه أبدًا، وقال: وإن قال له ثمرة بستاني أبدًا، فله هذه الثمرة، وثمرته فيما يستقبل ما عاش على ما يجيء في الكتاب -إن شاء الله تعالى- في آخر باب الوصية بالخدمة والسكنى والثمرة. وكذلك الوصية بغلة (٤) البستان يقع على الموجود والمعدوم، وكذلك وجود الموصى له ليس بشرط. ألا ترى أنه لو أوصى لأولاد فلان ولم يكن لفلان ولد وإنما ولد له ولد بعد الوصية قبل موت (٥) الموصي فالوصية له صحيحة، وأجناسه تجيء في باب الوصية للأقارب من الكتاب، وذكره الإمام المحبوبي أيضًا. قلتُ: جوابه يجيء هناك أيضًا إن شاء الله تعالى، ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية؛ لأن الوصية تمليك بطريق التبرع مضافًا إلى ما بعد الموت، والتبرع النافذ وهو الهبة محتمل للرجوع فالمضاف إلى ما بعد الموت أولى، أما الصريح فظاهر وهو أن يقول: رجعت عما أوصيت به (٦) لفلان وكذا الدلالة.

стр. 5200

وفي الذخيرة: والرجوع قد يثبت صريحًا وقد يثبت دلالة وقد يثبت ضرورة (١)، … والرجوع دلالة أنواع: أحدها استهلاك الموصى به (٢) حقيقةً أو حكمًا حتى إن من أوصى لإنسان بثوب فقطعه وخاطه قميصًا أو أوصى بقطن فغزله أو نسجه (٣) أو أوصى بحديدة فصنع منها سيفًا، فهذه التصرفات دلالة الرجوع؛ لأنها استهلاك للعين حكمًا. ألا ترى أن حق المغصوب منه ينقطع بهذه التصرفات؛ ونوع من ذلك أن يخلط الموصى به بغير الموصى به خلطًا لا يمكن التمييز أصلًا، كما إذا كان الموصى به سويقًا فَلتَّهُ بسمن، ونوع من ذلك أن يحدث نقصانًا في الموصى به حتى خرج الموصى به عن هيئة الادخار والبقاء إلى يوم الموت كما إذا أوصى بشاة لإنسان ثم ذبحها فهذا رجوع عن الوصية، وأما الرجوع فضرورة أن يتغير الموصى به ويتغير اسمه؛ لأن الموصى له إنما يستحق الموصى به بعد موت الموصي بذلك الإيجاب وبذلك الاسم؛ فإذا تغير [الموصى به وتغير] (٤) الاسم لو استحق الموصى له لا يكون الاستحقاق بذلك الاسم؛ بيان هذا إذا أوصى بحنطة لإنسان فهبت الريح بالحنطة وألقتها في طاحونة قبل موت الموصي حتى صارت دقيقًا بطلت الوصية. وكذلك إذا أوصى بالكُفرى [وهو الطلع] (٥) في نخله فصار رطبًا قبل موت الموصي، أو أوصى بعنب في كرمه فصار زبيبًا (٦) قبل موت الموصي، أو أوصى ببيضة فحضنت دجاجة على البيضة حتى أخرجت فراريخ قبل موت الموصي بطلت الوصية؛ ولو كان التغير في هذه المسائل بعد موت الموصي قبل قبول الوصية أو بعده لا تبطل الوصية؛ لأن التغير حصل بعد تمام الوصية وعملها لأن تمامها بالموت فلا يوجب بطلانها. ولو أوصى برطب فصار تمرًا قبل موت الموصي لا تبطل الوصية استحسانًا؛ بخلاف ما إذا أوصى بعنب فصار زبيبًا. والفرق أن الرطب مع التمر جنس واحد ولهذا جاز استيفاء أحدهما مكان الآخر في السلم، ولهذا جاز بيع الرطب بالتمر متماثلًا (٧) عند أبي حنيفة: فلم يتغير الموصى به، وأما في فصل العنب الموصى به فقد تغير وكذلك الاسم.

стр. 5201

وقوله: فكان تقريرًا أي تقريرًا للوصية ليصل الموصى به إلى الموصى له على ألطف (١) حال، ومن جحد الوصية لم يكن رجوعًا حتى لو قامت البينة عليها بعد موت الموصي قبلت، هكذا ذكر في الجامع (٢). وذكر في المبسوط (٣) أن جحود الوصية رجوع. فمن مشايخنا من قال: لا اختلاف بين الروايتين، ولكن ما ذكره في الجامع محمول على أن الجحود كان عند غيبة الموصى له؛ [والجحود عند غيبة الموصى له] (٤) لا يكون رجوعًا على الروايات كلها؛ لأن الجحود ليس بصريح رجوع (٥)، [ولكن لما كان نفيًا للحال] (٦) اقتضى الرد وإنما يثبت الرد إذا صح الإنكار؛ [والإنكار] (٧) على الغائب لا يصح؛ لأن الإنكار من باب المعارضة، وإذا لم يصح الإنكار لا يصح ما يقوم به وهو الرد؛ وما ذكره في الوصايا محمول على ما إذا كان الجحود عند حضرة الموصى له والجحود عند حضرته يكون رجوعًا باتفاق الروايات؛ لأن عند حضرته يصح الإنكار فيصح ما يقوم به وهو الرد. ومن مشايخنا من قال: ما ذكره في المبسوط محمول على الجحود الحقيقي، والجحود الحقيقي رجوع على الروايات كلها، وما ذكره في الجامع محمول على صورة الرجوع لا على الرجوع الحقيقي، فإن موضع مسألة الجامع [الصغير] (٨) إذا أوصى الرجل للرجل بثلث ماله ثم قال لقوم: اشهدوا أني لم أوص لفلان لا بقليل ولا بكثير، لا يكون هذا رجوعًا؛ لأن قوله: اشهدوا إني لم أوص لفلان، طلب شهادة الزور منهم، فيكون معناه قد أوصيت لفلان بكذا إلا أني أسألكم أن تشهدوا لي بالباطل، وطلب شهادة الباطل لا يكون رجوعًا؛ لأنه ليس بجحود (٩) حقيقة. ومنهم من قال ما ذكره في الجامع قول محمد: وما ذكره في الوصايا قول أبي يوسف:.

стр. 5202

ومنهم من قال: في المسألة روايتان، قال شيخ الإسلام وهو الأصح كذا في الذخيرة (١). وجعل الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي: في المبسوط الاختلاف هو الأصح، فقال: والأصح ما ذكره المعلَّى (٢) في نوادره (٣)، أن على قول أبي يوسف الجحود يكون رجوعًا عن الوصية، وعلى قول محمد لا يكون رجوعًا، كذا في الباب الأول من وصايا المبسوط (٤). ولمحمد أن الجحود نفي في الماضي إلى آخره (٥). فتأخير دليل محمد: يدل على أن المصنف: اختار قول محمد:، ولكنه ذكر في الذخيرة فقال: وما ذكر في الوصايا هو الأصح وهو قول أبي يوسف: على ما ذكرنا؛ فوجهه الأصح أن الجحود كذب حقيقة، إلا أنه يحتمل الفسخ مجازًا، فيحمل على المجاز وهو الفسخ صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء بقدر الممكن، وأمكن حمله على الفسخ؛ لأن الموصي ينفرد بفسخ الوصية. بخلاف البيع والإجارة إذا جحد أحد المتعاقدين؛ لأن هناك تعذر حمله على الفسخ، لأن أحد المتعاقدين هناك لا ينفرد بالفسخ حتى لو تجاحدا، نقول بانفساخ العقد. وبخلاف ما لو جحد الزوج النكاح من الأصل بأن قال: لم أتزوجكِ؛ لأن هناك تعذر حمله على الفسخ أيضًا، لأن النكاح لا يحتمل الفسخ ولا يمكن أن يجعل كناية عن الطلاق إذ ليس بينهما مشابهة؛ لأن الجحود ينفي العقد والطلاق يقطع العقد ولا ينفي، وتعذر إثبات الطلاق بطريق الإضمار؛ لأنه إنما تصح نية (٦) الإضمار فيما لو صرح به يستقيم؛ ولو صرح بالطلاق فقال: لم أتزوجك لأني طلقتك لم يصح. بخلاف قوله: لا نكاح بيني وبينك أو لست لي بامرأة أو ما أنا بزوجك، ونوى الطلاق على قول أبي حنيفة: لأن هناك أمكن إضمار الطلاق.

стр. 5203

ألا ترى أنه لو صرح به، فقال: لا نكاح بيني وبينك أو لستِ لي بامرأة لأني طلقتك؛ صح؛ فكذا إذا أضمر، وقوله: وإذا كان ثابتًا في الحال (١)، كان الجحود لغوًا؛ وذلك لأن الجحود لما كان نفيًا في الماضي والانتفاء في الحال ضروري، فيكون النفي في الماضي متضمنًا للانتفاء في الحال، فمهما كان كاذبًا في النفي لم يثبت المتضمن، وإذا لم يثبت هو لم يثبت المتضمن فيبقى الحق (٢) ثابتًا في الحال، ويكون وصية للوارث، وقد ذكرنا حكمه وهو أن الورثة (٣) بالخيار إن شاءوا أجازوا وإن شاءوا ردوا؛ لأن الوصية للوارث تنفذ بإجازة من الورثة (٤) كذا في الإيضاح (٥). فهي للورثة أي لورثة الموصي لا لفلان ولا لورثته كذا في الإيضاح (٦). والله أعلم بالصواب. * * * بابُ الوصيَّة بثلث المال (٧)

стр. 5204

لما كان أقصى ما تدور عليه مسائل الوصايا عند عدم إجازة الورثة ثلث المال، ذكر تلك المسائل التي تتعلق به في هذا الباب بعد ذكر مقدمات هذا الكتاب، والمحل يقبل الشركة، وهذا احتراز عما لو قال الموصي: العبد الذي أوصيت به لفلان [فهو لفلان] (١)، كان رجوعًا لعدم احتمال الشركة. بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر على ما مر قبيل هذا الباب. سهم لصاحبه أي لصاحب الأقل، قالوا: ضرب في ماله سهمًا أي جعل. وعلى ذا قوله في المختصر (٢) أبو حنيفة (٣): لا يضرب للموصى له فيما زاد على الثلث على حذف المفعول كأنه قيل لا يجعل له شيئًا فيه ولا يعطيه كذا في المغرب (٤). والدراهم المرسلة أي المطلقة وهي إذا ما كانت وصيته بشيء بغير (٥) عينه، ولم ينسب إلى جزء من المال [أي لم يقل ثلث المال أو نصفه أو غير ذلك] (٦)، ثم صورة المحاباة هي أن يكون له عبدان قيمة أحدهما ألف ومائة وقيمة الآخر ستمائة وأوصى بأن يباع واحد منهما لفلان بمائة والآخر لفلان آخر بمائة، فههنا قد حصلت المحاباة لأحدهما بألف والآخر بخمسمائة، وذلك كله وصية؛ لأنه في حال المرض، فإن لم يكن له مال غير هذين العبدين ولم تجز الورثة جازت المحاباة بقدر الثلث، فيكون بينهما أثلاثًا يضرب الموصى له بالألف بحسب وصيته وهي الألف، والموصى له الآخر بحسب وصيته وهي خمسمائة، فلو كان هذا كسائر الوصايا على قول أبي حنيفة:. وجب ألا يضرب الموصى له بالألف بأكثر من خمسمائة. وصورة السعاية وهي أن يوصي بعتق عبديه قيمة أحدهما ألف والآخر ألفان ولا مال له غيرهما إن أجازت الورثة يعتقان جميعًا، وإن لم يجيزوا يعتقان من الثلث وثلث ماله ألف، فالألف بينهما على قدر وصيتهما ثلثا الألف للذي قيمته ألفان ويسعى في الباقي، والثلث للذي قيمته ألف ويسعى في الباقي. وصورة الدراهم المرسلة هي أن يوصي لرجل بألف ولآخر بألفين وثلث ماله ألف درهم، ولم تجز الورثة فإنه يكون بينهما أثلاثًا كل واحد منهما يضرب بجميع وصيته؛ لأن الوصية في مخرجها صحيحة لجواز أن يكون له مال آخر يخرج هذا القدر من الثلث، ولا كذلك فيما إذا أوصى له بثلث ماله ولآخر بنصف ماله أو بجميع ماله؛ لأن اللفظ في مخرجه لم يصح لأن ماله لو كثر (٧) أو خرج له مال آخر تدخل فيه تلك الوصية فلا يخرج من الثلث كذا في شرح الطحاوي (٨).

стр. 5205

كالمحاباة الثانية في ضمن البيع أي تبطل المحاباة ببطلان البيع وتصح بصحته. وإن أوصى بنصيب ابنه فالوصية باطلة هذا إذا كان الابن [موجودًا، وكذلك إذا أوصى بنصيب الابنة وهي موجودة؛ لأن نصيب ابنه] (١) أو ابنته ثبت بنص الكتاب، فلما أوصى بنصيب ابنه لرجل آخر فقد أراد تغيير ما فرض الله تعالى فلا يصح. وأما لو أوصى بنصيب ابن أو ابنة وليس له ابن ولا ابنة، فإنه تصح الوصية لأنه ليس فيه تغيير ما فرض الله تعالى في كتابه. وإن أوصى بمثل نصيب ابنه أو ابنته جاز سواء كان له ابن أو ابنة أو لم يكن، [ولو كان] (٢) له ابن وهو أوصى بمثل نصيب [ابنه] (٣) صار موصيًا له بنصف المال؛ لأن مثل الابن كالابن، ولو كان له ابنان يكون المال بينهما نصفين، فكذلك ههنا إن أجاز الابن، وإن لم يجز الابن فللموصى له الثلث، ولو كان له ابنان فإنه يكون له ثلث المال ولا يحتاج إلى الإجازة، هذا كله في شرح الطحاوي (٤). وقوله: لأن نصيبه ما يصيبه بعد الموت، فصار كما لو أوصى له بمال زيد. فنظر أي زفر:. إلى الحال أي إلى الحال التي هو حي فيها بعدُ والكل ماله فهو يتصرف في ماله كيف يشاء. وجوابه ما قلنا وهو قوله: لأن الأول وصية بمال الغير ولو أوصى بسهم (٥) من ماله فله أخس سهام الورثة إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس ولا يزاد عليه، وهذه العبارة وعبارة: مَن لو قال ولو أوصى بسهم من ماله فله السدس سواء في المعنى، لما أنه إذا كان للموصى له بالسهم أخس السهام بحيث لا يزاد على السدس ولا ينتقص عنه كان سدسًا لا محالة.

стр. 5206

وعن هذا قال في المبسوط إلا أن يكون أخس السهام أكثر من السدس لا يزاد عليه في قول أبي حنيفة:، ثم قال: وفي موضع آخر قال له السدس (١). ثم اعلم أن في نسخ شروح الجامع الصغير والمبسوط لم يذكر قوله إلا أن ينقص عن السدس فيتم له السدس بل لفظ الجامع الصغير ولو أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة ولا يزاد على السدس إلا أن يجيزه الوارث وكذا في غيره. ومن هذا ألحق بهذا الموضع الإمام جلال الدين (٢) ابن المصنف:، قوله وفي رواية: إلا أن يزيد على السدس فيكون له السدس. وقالا: له مثل نصيب أحد الورثة، أي له أقل الأنصباء من أنصباء الورثة [أيضًا لكن ذلك الأقل لو زاد على السدس يزاد عندهما] (٣)، ولكن لا يزاد على الثلث. وإنما قلنا إن عندهما له أقل الأنصباء بدلالة تعليلهما، ولأن الإمام قاضي خان: صرح بهذا. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: له أخس سهام الورثة إلا أن يكون ذلك أكثر من الثلث فلا يزاد على الثلث، وصورة هذه المسألة إذا أوصت المرأة بسهم من مالها ثم ماتت وتركت زوجًا وبنتًا يعطى له السدس (٤)، في قول أبي حنيفة: وعندهما يعطى له الربع. قوله: فإن إياسًا، هو إياس بن معاوية بن قرة (٥) القاضي بالبصرة كذا كان بخط شيخي: (٦). والدليل على أن السهم هو السدس أن لفظه إنما (٧) يتناول سهم من يكون من جملة ورثته باعتبار الأصل لا باعتبار سبب عارض وهو القرابة دون الزوجية فما يكون عارضًا في مزاحمة ما هو أصيل كالمعدوم، وسهام من يستحق بالقرابة السدس أو الثلث [أو الثلثان] (٨) أو النصف.

стр. 5207

فأما الربع والثمن فإنما يستحقان بالزوجية فيتناول اللفظ أدنى ما يستحق من السهام بالقرابة وهو السدس حتى لا يزاد على ذلك ولكن ينقص عنه إذا كان في سهام ورثته أقل من ذلك؛ لأنه إنما يوجب له مثل سهم أحد ورثته فلا يستحق إلا المتيقن به وهو الأقل؛ وهذا لأنه لما ذكر السهم دون الثلث عرفنا أنه ما أراد الثلث ولا النصف لأنه ليس له أن يوصي بالنصف فتعين به السدس مرادًا. توضيحه أن أعدل الأعداد في خروج سهام الفرائض ستة فإنها تشتمل على ما يستحق من السهام بالقرابة الأصلية كالسدس والثلث والنصف والثلثين، فلذلك صار هو مرادًا لكونه أعدل [كذا في المبسوط] (١) (٢). والمعرفة متى أعيدت يراد بالثاني عين الأول، كما أن النكرة متى أعيدت نكرة كان الثاني غير الأول لما عرف، فإن قلت يشكل على هذين الأصلين قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣)، فالمراد من الأول القرآن ومن الثاني الكتاب المنزل قبل ذلك كالتوراة وغيرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ (٤)، فالمراد من الضعفين على أكثر الأقاويل حالة الطفولية والصغر أي خلقكم على صفة ضعف في الأول وهي حالة الصغر والطفولية، ثم جعل من بعد ذلك الضعف قوة أي حالة الشباب وبلوغ الأشد، فكانت الآية الأولى ناقضة للأصل الأول والثانية للثاني. قلتُ: نعم كذلك، وهو الذي دعا الإمام المدقق فخر الإسلام إلى أن يقول: وفيه نظر إلا أن الأعم والأغلب هو استمرار ما ذكر من الأصلين. ألا ترى أن من أقر بمائة درهم مضافة إلى صك وأشهد على ذلك شاهدين، ثم أقر بمائة مضافة إلى ذلك الصك وأشهد شاهدين أجمعوا أن الصك لو كان واحدًا يكون إقرارًا بمال واحد سواء كان ذلك في موطن أو موطنين. وأما إذا أقر بمائة درهم بدون الصك وأشهد شاهدين ثم أقر بمائة في موطن آخر أو بأكثر أو بأقل وأشهد شاهدين، قال أبو حنيفة: يلزمه مالان ولم يجعل الثاني هنا عين الأول بخلاف ما إذا أقر بالمائة مضافة إلى الصك، حيث جعل الثاني عين الأول وما جاء الفرق بينهما إلا باعتبار أن المائة في المسألة الأولى كررت وهي معرفة وفي الثانية كررت وهي نكرة.

стр. 5208

وأما الآيتان فإنما كان المراد منهما على ما ذكرت باعتبار محل الكلام حيث لا التباس لأحد في أن الكتاب الثاني غير الأول ولا (١) يلزم أن يكون المصدق (٢) والمصدَق [واحدًا] (٣) وصاحب الدين وما عنده (٤) واحدًا وهو مدفوع بمرة. وكذلك في الآية الثانية المراد بيان كمال قدرة الله تعالى على تحويل الآدمي من حال إلى حال ثم من تلك الحال إلى حال أخرى ولا التباس لأحد في أن المراد بقوله من تلك الحالة - الحالة الأولى- وهي قد ذكرت مرة وكانت الإشارة واقعة عليها. وأما (٥) في الجنس الواحد يمكن جمع حق أحدهم في الواحد إلى آخره وبيان هذا فيما ذكره الإمام جمال الدين المحبوبي: على وجه يقع الفرق بين هذه المسألة وهي مسألة الدراهم وبين مسألة الأثواب، فقال: ولنا أن الوصية يجب تنفيذها ما أمكن؛ لأنه عقد صدر من أهله مضافًا إلى محله عن ولاية، فصار كالبيع فإن رجلًا لو باع قفيزًا من صبرة فهلكت الصبرة إلا قفيزًا يتعين هذا القفيز للبيع حتى يجبر على تسليمه إلى المشتري والدليل عليه فصل الاستحقاق، فإنه إذا استحق درهمان من الثلاثة يتعين الباقي لتنفيذ الوصية فكذلك إذا هلك درهمان وبقي درهم. وكذلك الجواب في ثلاثة أقفزة، وكذلك كل ما يوزن، وكذلك لو أوصى بثلث ثلاثة أثواب من صنف واحد. وأما في العبيد والأثواب التي ليست من جنس واحد لو كانت الوصية بثلث ثلاثة أعبد من هؤلاء فهلك عبدان لم يكن له إلا ثلث الباقي. والحاصل أن كل ما يحتمل القسمة ويقسم قسمة واحدة، فللموصى له الباقي كما في الأغنام الثلاثة والدراهم الثلاثة، وكل ما لا يحتمل القسمة ولا يقسم قسمة واحدة بل يقسم كل جنس على حدة كالعبيد والدور والأثواب المختلفة كالهروي (٦) والمروي (٧) والقوهي (٨)، إذا هلك اثنان فله [ثلث] (٩) الباقي والفرق أن حق الموصى له مقدم في التنفيذ على حق الوارث إذا كانت الوصية معينة كحق الغريم في التركة فكان حقه كالأصل وحق الوارث كالتبع والأصل أن المال الذي يشتمل على أصل وتبع إذا هلك شيء منه يجعل الهالك (١٠) من التابع دون الأصل كمال المضاربة إذا كان فيه ربح وهلك بعضه يصرف الهلاك إلى [الربح] (١١) الذي هو تبع [لا] (١٢) إلى رأس المال، فكذلك ههنا يصرف هلاك الدرهمين إلى نصيب الوارث الذي هو تبع لما أن الدراهم من القبيل الذي يحتمل القسمة.

стр. 5209

ولما صرف (١) الهلاك إلى نصيب الوارث بقي الدرهم الباقي حقًّا للموصى له فيأخذه بخلاف العبيد والدور والأثواب المختلفة؛ لأنها لا تقسم قسمة واحدة حتى لو طلب بعض الشركاء قسمة العبيد الثلاثة من القاضي وأبى الباقون لم يجبر القاضي الباقين على القسمة؛ لأن الغرض من القسمة الانتفاع فلابد من المعادلة في الإجبار على القسمة وذلك في العبيد متعذر لما فيها من التفاوت العظيم في المنفعة (٢)، … وإذا لم تجز فيها القسمة تعذر صرف الهلاك (٣) إلى نصيب الورثة وجعل الباقي حقًّا للموصى له لأن ذلك نوع قسمة، وإذا تعذر تحقيق القسمة من هذا الوجه بقي الكل مشتركًا بين الورثة والموصى له أثلاثًا، فما هلك يهلك على الشركة وما بقي يبقى على الشركة أثلاثًا، فلهذا كان للموصى له ثلث العبد الباقي أو ثلث (٤) الثوب الباقي في الأثواب المختلفة لعدم احتمالها القسمة، وإن لم يخرج دفع إليه ثلث العين وكل ما يخرج شيء من الدين أخذ ثلثه. فإن قلت: كان ينبغي أن لا يستحق الموصى له بألف درهم شيئًا من الدين [الذي أخذ] (٥)؛ لأن الموصي أوصى له بألف درهم وهو مال والدين ليس بمال. ألا ترى أن من حلف ألا مال له وله ديون على الناس لا يحنث، ولأنه لما لم يثبت حقه في الدين قبل أن يخرج فكيف يثبت حقه فيه إذا خرج. قلتُ: أما الجواب عن الأول فإنه إذا لم يكن مالًا قبل الخروج فهو من مال الميت بعد الخروج، والموصى له كان شريكًا للوارث في مال الميت، وبعد الخروج صار الدين مالًا فيشركه الموصى له فيه، وأما عن الثاني فإن عدم ثبوت الحق قبل خروجه مالًا لا يوجب عدم ثبوت حقه في الدين بعد خروجه مالًا، فإن مثل هذا غير ممتنع (٦).

стр. 5210

ألا ترى أن الموصى له بثلث المال لا يثبت حقه في القصاص، وإذا انقلب مالًا يثبت حقه فيه، وهذا لأن الموصى له بثلث المال شريك الوارث (١) في التركة إلا أن الملك في الدين يثبت بالإرث (٢) ولا يثبت بالوصية كالملك في القصاص، فإذا تعين مالًا ظهرت شركة الموصى له للوارث في ذلك المال لأنه مال الميت، إلى هذا أشار في باب الوصية في العين والدين على الأجنبي من وصايا المبسوط (٣). ولأن الدين ليس بمال في مطلق الحال أي في كل الحال فإن الدين يصير مالًا في [المآل لا في] (٤) الحال، فلذلك لم يكن رب الدين حانثًا فيما لو حلف بأنه لا مال له على ما ذكرنا من رواية المبسوط (٥). علم بهذا أنه لم يكن مالًا في عموم الأحوال، وإنما يعتدل النظر أي لجانبي الوارث والموصى له بما ذكرنا وهو أن يكون الموصى له شريكًا للوارث لا أن يكون [الموصى له] (٦) مخصوصًا بالعين. فإن قلت: كيف يصح أن يقال الموصى له شريك للوارث في مال الميت مطلقًا، وقد انعدمت دلالة شركته في بعض المسائل وهي أن الموصي لو (٧) أوصى لرجل [بشيء معين] (٨) وهو يخرج من الثلث (٩)، فهلك (١٠) ذلك العين (١١) لا ضمان على الوارث، فلو كان شريكًا [للوارث] (١٢) في مال الميت مطلقًا لوجب على الوارث حصة الموصى له فيما بقي من المال. قلتُ: قال في شرح الطحاوي الوصية على ثلاثة أنواع في وجه يكون الموصى له كالمودِع والموصى به كالوديعة وهو فيما ذكرت، وهو أن يكون أوصى له بعين مال قائم وذلك يخرج من الثلث، فإنه إذا هلك من غير تعد لا ضمان عليه كالوديعة.

стр. 5211

وفي وجه يكون الموصى له كالغريم وهو فيما إذا أوصى له بدراهم مرسلة وله دراهم أو ليس له دراهم ثم مات، فإنه يعطى الموصى له ثلث (١) الدراهم إن كان حاضرًا؛ ولو لم يكن حاضرًا فإنه تباع تركته ويعطى تلك الدراهم، وصار هذا كالدين، إلا أن الفرق بين هذا وبين سائر الديون أنه يبتدأ أولًا بدين الصحة ثم بدين المرض ثم فيما بقي حينئذ يؤدي دين الوصية، وفرق آخر أن سائر الديون لا تعتبر من ثلث ماله ودين الوصية يعتبر من الثلث. وفي وجه يكون كالشريك مع الورثة فهو ما إذا أوصى له بثلث ماله أو بربع ماله، فيكون مال الميت مشتركًا بينهما، ما هلك هلك بالحساب وما بقي بقي بالحساب، وإنما يعتبر مال الموصي بعد موته لا قبل موته حتى إذا أوصى بثلث ماله ولا مال له ثم استفاد مالًا ثم مات، فإنه يعطى ثلث ذلك للموصى له. وكذلك لو كان له عند الوصية مال كثير ثم هلك بعضه أو استهلك، فإنه يعتبر ماله بعد موته، ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله، فإذا عمرو ميت فالثلث كله لزيد؛ لأن الميت ليس بأهل للوصية فلا يزاحم الحي. وبهذا التعليل خرج الجواب عما لو أوردوا شبهة على هذه المسألة بأن قالوا ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما لو أوصى لزيد وعمرو وهما في الحياة ثم مات الموصي ثم مات أحدهما [قبل موت الموصي] (٢) كان للثاني (٣) نصف الثلث [والنصف الآخر لورثة الميت منهما. وكذلك لو مات أحدهما قبل موت الموصي كان للباقي نصف الثلث] (٤)، ولكن ههنا كان النصف الآخر للموصي لما أن في المسألة الأولى قد تمت الوصية لهما بموت الموصي ثم بعد ذلك موت أحدهما لا يبطل حقه، [بل يقوم وارثه فيه مقامه كموت أحد الورثة بعد موت المورث. وفي المسألة الثانية لما مات أحدهما قبل موت الموصي بطلت حصته] (٥)؛ لأن الوصية في معنى عقد مضاف إلى ما بعد الموت فيشترط بقاء من أوجب له عند وجود الوصية ولم يوجد حين مات قبل موت الموصي فيبطل نصيبه كما لو مات أحد الورثة قبل موت المورث وللآخر نصف الثلث؛ لأن الانقسام قد حصل بينهما عند الإيجاب لكون كل واحد منهما أهلًا لإيجاب الوصية له (٦)، فيبطلان [حق] (٧) أحدهما لا يزاد نصيب الآخر، كما لو رد أحدهما الوصية كان للآخر نصف (٨) الثلث.

стр. 5212

هذا كله على خلاف مسألة الكتاب، فإن فيها للحي كل الثلث؛ لأن الميت ليس من أهل الوصية له فإنما ينتقص (١) حقه بإثبات المزاحمة، ولم تثبت المزاحمة حين كان الآخر ميتًا فبقي الثلث للحي منهما بمنزلة ما لو قال: ثلث مالي لفلان وللمولى فالثلث كله لفلان، ويستوي إن كان الموصي يعلم بموت أحدهما أو لا يعلم إلا في رواية عن أبي يوسف قال: إذا كان لا يعلم بموته فله نصف الثلث. [لأن الوصية عنده أي عند الموصي صحيحة لعمرو فلم يرض للحي إلا نصف الثلث] (٢)، ولكنا نقول استحقاق الحي منهما لجميع الثلث بانعدام المزاحمة للميت عند إيجاب الموصي وفي هذا لا فرق بين علمه بموته وجهله. وهذا بخلاف ما لو قال: بين فلان وفلان وأحدهما ميت فللآخر نصف الثلث؛ لأن كلمة بين تقتضي المناصفة (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (٤)، والمراد المناصفة بدليل قوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٥)، فإذا صرح بما يوجب المناصفة كان موجبًا لكل واحد منهما نصف الثلث، هذا كله من المبسوط (٦). ومن أوصى بثلث ماله ولا مال له فاكتسب استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت، هذا إذا كان الموصى به غير معين وهو شائع في جميع التركة كما في اسم المال، وأما إذا كان معينًا في نوع من المال فالحكم بخلافه. وقال في الذخيرة: حاصل هذا الفصل أن الموصى به إذا كان معينًا يُعتَبر لصحة الإيجاب وُجُودُه يوم الوصية حتى إن من أوصى لإنسان بمعين (٧) لا يملكه ثم ملكه يومًا من الدهر لا تصح الوصية، وإن كان العين الموصى به في ملك الموصي يوم الوصية فالوصية تتعلق به حتى لو هلك ذلك العين تبطل الوصية؛ ومتى كان الموصَى به غير معين (٨) وهو شائع في بعض التركة، فكذلك يعتبر لصحة الإيجاب وجود (٩) الموصى به يوم الوصية وتتعلق الوصية به، ومتى كان الموصى به غير [عين] (١٠)، وهو شائع في جميع التركة يعتبر لصحة الإيجاب وجود الموصى به يوم موت الموصِي، وإذا كان الموصى به موجودًا في ملك الموصي فالوصية لا تتعلق به حتى لا تبطل الوصية بهلاكه.

стр. 5213

بيان هذا الأصل من المسائل إذا أوصى لرجل بثلث ماله وله مال فهلك ذلك المال واكتسب مالًا غيره، فإن ثلث ماله الذي اكتسبه للموصى له ولم تتعلق الوصية بالمال الموجود يوم الوصية حتَّى لم تبطل بهلاكه، وهذه وصية بشيء غير معيَّن والموصى به شائع في جميع المال، وإنما كان كذلك (١) لأن الميت لما أوصى له بشيء غير عَين هو شائع في جميع المال فقد جعله بمنزلة [أحد] (٢) الورثة؛ لأن الوارث هو الذي يثبت حقه في جميع المال شائعًا، والوارث إنما يرث مال المورث يوم الموت لا ما كان موجودًا قبل الموت ولم يبق إلى يوم (٣) الموت. ولو قال: أوصيتُ لك بثلث غنمي أو بشاة من غنمي، وليس في ملكه غنم لا تصح الوصية، ولو كان في ملكه غنم تتعلق الوصية بها حتى لو هلك ذلك الأغنام تبطل الوصية حتى لو حدث للموصي أغنام بعد ذلك قبل أن يموت لا يكون للموصَى له من الأغنام الحادثة شيء، وهذه وصية بشيء غير معين (٤) والموصى به شائع في بعض ماله لا في جميع ماله؛ لأن الموصى به ثلث غنمه؛ وإنما كان كذلك لأنه لما أوصى له بشاة شائعة في غنمه لا بشاة شائعة في جميع المال ما جعل الموصى له بمنزلة أحد الورثة، لأن حق الوارث لا يثبت في مال خاص من مال مورثه بل جعله بمنزلة الموهوب له [لأن حق الموهوب له] (٥) يثبت شائعًا في مال خاص فيتعلق بالمال الموجود يوم الوصية، كما تتعلق الهبة بالمال الموجود وقت الهبة، وإذا تعلقت بذلك المال تبطل بهلاكه ضرورة. وكذلك لو قال: أوصيت لك بهذه الشاة [وهذه الشاة] (٦) ليست في ملكه [لا تصح الوصية، وإذا (٧) كانت في ملكه] (٨) تتعلق الوصية بها حتى تبطل بهلاكها والمعنى ما ذكرنا أنه جعله بمنزلة الموهوب له. ولو قال: أوصيت لك بشاة (٩) من مالي فإنه لا تتعلق الوصية بالشاة التي تكون له يوم الوصية وإنما تتعلق بالشاة التي تكون في ماله يوم الموت؛ لأنه لما أوصى له بشاة شائعة في جميع ماله فقد جعله بمنزلة أحد الورثة على ما ذكرنا؛ والوارث إنما يرث ماله يوم الموت لا ما كان موجودًا قبل الموت.

стр. 5214

بخلاف ما لو قال: أوصيت لك بشاة من غنمي، لأنه لم يجعله بمنزلة الوارث لما أوصى له بشاة شائعة (١) في غنمه لا في جميع ماله ثم لما صحت (٢) الوصية بشاة من ماله، وانصرفت الوصية إلى شاة تكون في ماله يوم الموت إذا مات الموصي بعد ذلك وترك مالًا إن كان في ماله شاة، فالورثة بالخيار إن شاءوا دفعوا [الشاة إليه وإن شاءوا دفعوا] (٣) قيمة الشاة؛ لأن تقدير الوصية كأنه قال: أوصيت لك بقدر شاة من مالي لأن الشاة لا توجد في جميع ماله، وإنما الذي يوجد في جميع ماله (٤) قدر الشاة؛ [فعلمنا أنه أراد بذلك قدر الشاة] (٥) كقوله ﷺ : «في خمس من الإبل شاة» (٦) [تقديره] (٧) في خمس من الإبل قدر الشاة؛ لأنه لا يوجد في خمس من الإبل عين الشاة وإنما يوجد قدرها، ثم [لو] (٨) نص على قدر الشاة في الوصية كان للوارث الخيار بين إعطاء عين الشاة وبين إعطاء قيمتها كما في الزكاة فكذلك ههنا. وفي المبسوط وإذا أوصى بثلث غنمه فهلك الغنم [قبل موته] (٩) أو لم يكن له غنم من الأصل، فالوصية باطلة وكذلك العروض كلها لأنه خص بالإيجاب جنسًا من ماله، وليس لهذا التخصيص فائدة سوى أن يكون المستحق بعض ذلك الجنس وإذا لم يوجد ذلك الجنس في ملكه (١٠) لم يجب له شيء لانعدام المحل الذي أوجب الوصية فيه. وقوله: ولو قال شاة من غنمي ولا غنم له فالوصية باطلة، وأما إذا قال: شاة من غنمي فهلكت أغنامه واشترى غنمًا أخرى يجب تنفيذ الوصية له في شاة منها لأنه بنى الإيجاب على إضافة الغنم إليه لا على محل هو عين، فيعتبر (١١) وجود الإضافة عند موته، كما في قوله: ثلث مالي.

стр. 5215

وعلى هذا يُخرَّج كثير من المسائل، [فمن تلك المسائل] (١) ما ذكره في المبسوط بقوله: لو قال: بقفيز حنطة من مالي أو بثوب من مالي، فإنه يصح الإيجاب وإن لم يكن ذلك في ملكه، [بخلاف ما إذا قال: من حنطتي أو من ثيابي إذا لم يوجد ذلك في ملكه] (٢) أو [هلك] (٣) قبل موته فلا شيء للموصى له، والفرق ما ذكرناه، ومن أوصى بثلث ماله لأمهات أولاده إلى أن قال: وأصله أن الوصية لأمهات الأولاد جائزة. قال الإمام قاضي خان: والإمام المحبوبي: أما جواز الوصية لأمهات أولاده لأن أوان ثبوت الوصية وعملها (٤) بعد الموت وهن حرائر بعد الموت، فتجوز الوصية لهن كما لو أوصى لمدبر (٥) نفسه أو مكاتب نفسه، بخلاف الهبة لأم الولد أو الإقرار لها بالدين حيث يبطل من المولى؛ لأنها باقية على ملكه وكسبها له بمنزلة كسب القن (٦). فإن قلت: إنه لا حاجة لهذين الإمامين (٧) إلى هذا التعليل في أم الولد بأنها تعتق بعد موت المولى، فكانت الوصية واقعة للحرة مع أن الوصية بثلث ماله لعبد نفسه جائزة بدون هذا التكلف، ذكره في باب الوصية في العتق من وصايا المبسوط (٨)، والعبد لا يعتق بموت المولى. قلتُ: المعنى المجوَّز فيهما مختلف ففي العبد إنما جازت الوصية له بثلث المال باعتبار أن الوصية تتناول ثلث رقبته فإن رقبته من ماله، فكانت الوصية له بثلث ماله بمنزلة إعتاقه ثلث رقبته، ولا خلاف لأحد في جواز إعتاق ثلث رقبته، إنما الخلاف في أنه يجري في الإعتاق أم لا يجري، وهو معروف. وأما أم الولد فإنها غير محتاجة إلى عتقها بسبب الوصية لها بثلث المال بل تعتق هي بموت المولى، وإن لم تكن الوصية لها بثلث المال [فكانت الوصية لها بثلث المال] (٩)، إنما تقع في مال غير رقبتها بمنزلة الوصية بثلث المال لحر آخر، فكانت الوصية لها بثلث المال عبارة عن تمليك مال مضاف إلى ما بعد الموت، فلابد أن يكون أهلًا للتمليك والأهلية له إنما تثبت بالحرية فلابد من التعليل بذلك.

стр. 5216

وأما الوصية لعبده بثلث ماله فعبارة عن إعتاق ثلث رقبته فلا يحتاج إلى هذا التعليل. وعن هذا (١) قال في الذخيرة في جواز الوصية لأم ولده القياس والاستحسان لا في حق العبد، فقال: وإذا أوصى لأم ولده بثلث ماله في صحته (٢) أو في مرضه ثم مات، فإنه تصح الوصية لها من الثلث، وهذا استحسان، وكان القياس ألا تصح الوصية لأم الولد؛ لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فإنما تستحق هي الوصية متى جازت لها الوصية بعد موت مولاها، وبعد موت مولاها حال حلول العتق بها فالعتق يحلها وهي أمة فتستحق الوصية وهي أمة، والوصية لأمته باطلة أي بشيء غير رقبتها، إلا أنا جوزناها استحسانًا؛ لأن الوصية مضافة إلى ما بعد عتقها لا حال حلول العتق بها بدلالة حال الموصي لأن الظاهر من حال الموصي أنه يقصد بالإيصاء (٣) وصية صحيحة لا باطلة. والوصية [إنما تصح] (٤) أن لو كانت مضافة إلى ما بعد عتقها. فإن قلت: إذا أوصى لأمهات أولاده وله أمهات أولاد عتقن في حياته وأمهات أولاده عتقن بموته، فالوصية للاتي عتقن بموته لا للاتي عتقن في حياته (٥)، هكذا ذكر المسألة في الفصل الثامن من وصايا الذخيرة، والقياس يقتضي أن ينعكس الحكم؛ لأن الوصية بالمال للحر لا للعبد فمن أين وقع هذا الفرق. قلتُ: إنما وقع من قبل أن أم الولد إذا عتقت في حال الحياة صارت مولاة وتسمى في العرف مولاة لا أم الولد. ألا ترى أنه لو لم يبق فيها معنى أمومية الولد وهو استحقاق العتق بموت المولى، فانصرفت الوصية إلى أمهات الأولاد وقت الموت لأنهن هن يفهن بأمهات الأولاد، وإن لم يكن له إلا أمهات أولاد عتقن في حياته فالوصية لهن؛ لأنه لم يوجد ههنا من هو أولى منهن وهو أمهات أولاده على الحقيقة. فإن قلت: فهل تصح الوصية لعبده بالمال مطلقًا أم لا. قلتُ: الوصية لعبده لا تخلو من أربعة أوجه، أما إن أوصى لعبده بدراهم [مسماة] (٦) أو بشيء من ماله مسمى نحو عرض أو دابة وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز، وأما إن أوصى له بشيء من رقبته نحو الثلث والربع فإنه يصح، والفرق بينهما [هو ما ذكرنا هو أن الوصية له بثلث رقبته بمنزلة إعتاقه ثلث رقبته والعبد أهل لأن تملك رقبته فيعتق] (٧) فتصح الوصية له بالرقبة كما تصح لغيره، وأما هو فليس من أهل أن يملك مالًا آخر سوى رقبته قبل العتق فلا تصح الوصية له بمال آخر، ثم لما صحت الوصية له بشيء من رقبته نصف أو ثلث أو نحوه عتق المسمى من رقبته وسعى في الفضل (٨) على قول أبي حنيفة: سواء كان الفضل على المسمى يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج؛ لأن الإعتاق عنده منجز (٩) لأن الوصية له بنصف رقبته، وقول المولى له أعتقت نصفك سواء، وهناك يعتق المسمى لا غير عنده فكذا هنا (١٠)، وعندهما يعتق الكل من غير سعاية إذا كان يخرج من الثلث فكذا هنا، وأما إن أوصى له بثلث ماله فقد ذكرنا أنه جائز؛ لأن ذلك في المعنى بمنزلة وصيته بثلث رقبته؛ لأن رقبته من ماله، ولما جازت الوصية له بثلث رقبته باعتبار أنه عبارة عن إعتاق ثلث رقبته، فيجوز هناك كذا هنا، وأما إن أوصى لعبده بألف أو بألفين مرسلًا من غير إشارة إلى رقبته أو إلى دراهم مسماة فلا رواية في هذا عن أصحابنا؛ ولقائل أن يجعل ذلك بمنزلة الوصية بعين (١١) من أعيان ماله، ولقائل أن يجعله بمنزلة الوصية بالثلث، هذا كله من الذخيرة (١٢).

стр. 5217

والفقراء والمساكين جنسان بدليل العطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١)، والعطف يقتضي المغايرة. وفي الأمالي (٢) (٣) عن أبي يوسف: ما يخالف هذا فقال: إن من أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين، فعلى قول أبي حنيفة: يقسم الثلث بينهم على ثلاثة أسهم: سهم لفلان، وسهم للفقراء، وسهم للمساكين. وقال أبو يوسف: فأما أنا فأجعل ثلث ماله على سهمين: سهم لفلان، وسهم للفقراء والمساكين؛ فأبو يوسف جعل المسكين والفقير اسمًا واحدًا من حيث المعنى، كذا في المغني (٤) (٥). لمحمد: أن المذكور لفظ الجمع وأدناه في الميراث اثنان، وإنما قيد بقوله في الميراث احترازًا عن فصل الزكاة، فإن لفظ الجمع هناك منصرف إلى الواحد بإجماع بين أصحابنا، ثم لما كان لفظ الجمع في الميراث مصروفًا إلى الاثنين والوصية في معنى الميراث من حيث إن كلًا منهما تمليك المال بعد الموت فكان الجمع مصروفًا هناك أيضًا إلى الاثنين نجد ذلك في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٦). والمراد من الإخوة الاثنان فصاعدًا فكان من كل فريق اثنان (٧)، أي من كل فريقي الفقراء والمساكين من كل واحد اثنان فصار أربعة، والأربعة مع (٨) ثلاث أمهات الأولاد سبعة، فإنه يتناول الأدنى (٩) مع احتمال الكل؛ لأن حكم الجنس كذلك. ألا ترى أنه لو حلف ألا يتزوج النساء أو لا يشرب المياه فشرب قطرة واحدة أو تزوج امرأة واحدة حنث في يمينه، وإذا انصرف الاسم إلى الأدنى وهو الواحد قسم (١٠) الثلث على عدد الرءوس وهو خمسة [فكانت القسمة على خمسة] (١١) أسهم، ثم قال [لآخر] (١٢): قد أشركتك معهما فله ثلث كل مائة، وهذا استحسان.

стр. 5218

وفي القياس له نصف كل مائة؛ لأن لفظ الاشتراك يقتضي التسوية عند الإطلاق، قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١)، وقد أشرك الثالث فيما أوصى به لكل واحد منهما في استحقاق المائة، وذلك يوجب أن يكون له نصف كل مائة، وجه الاستحسان أنه أثبت الشركة بينهم وإنما تثبت المساواة بينهم إذا أخذ من كل واحد منهما [ثلث المائة، أما إذا أخذ من كل واحد منهما] (٢) نصف المائة حتى حصل له مائة لا تثبت المساواة بينهم، فعلم بهذا أنه أشرك (٣) بينهما (٤) جملة واحدة فلا يعتبر بإشراكه (٥) إياه مع كل واحد منهما متفرقًا. قوله: ثم كان الاشتراك، أي قال الثالث: قد أشركتك معهما فيما أوصيت لهما، كان له النصف من كل واحد منهما جميعًا لأنه حين فاوت (٦) بين الأولَيْن ثم أشرك الثالث معهما علم أنه لم يرد بالإشراك التسوية بينهم من كل وجه جملة، بل أراد بهذا الإشراك التسوية بينه وبين كل واحد منهما [فيما أوصى لكل واحد منهما] (٧) على الانفراد وأخذ فيه بالقياس. وإن أوصى لأحدهما بجارية ولآخر بجارية أخرى وقيمتهما سواء، ثم قال لآخر: أشركتك معهما، فله الثلث من كل واحدة منهما عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة من كل واحدة منهما نصفها؛ لأنه لا يرى قسمة الرقيق، فصارت بمنزلة وصيتين مختلفتين، وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجوزان قسمة الرقيق، فصار كأنه أوصى بالألف لهذا وبالألف لهذا ثم أشرك ثالثًا معهما، كذا في الجامع الصغير (٨) لقاضي خان والمحبوبي (٩) رحمهما الله. ومن قال: لفلان علي دين فصدقوه إلى آخره (١٠)، وقد قال أصحابنا هذه المسألة وفيها شبهة؛ لأنه لم يجعل هذا الإقرار كالدين وكالوصية بل جعل أضعف منهما.

стр. 5219

ألا ترى أنه لا يمنع القسمة كالدين ولم يوجب مشاركة [الموصى] (١) له كسائر الوصية فكان الواجب أن يكون أقوى من الوصية لأنه أخذ شبهًا من الدين ومن الوصية؛ فإن أقر المريض مع ذلك بدين مسمى فالمسمى أولى؛ ولو قال كل من يَدَّعِي عليَّ شيئًا فأعطوه فهو باطل إلا أن يقول إن رأى الوصي أن يعطيه فأعطوه فحينئذ يعطى من الثلث، وكذا لو قال: احبسوا إليَّ ألفًا فمن ادعى علي شيئًا فادفعوا إليه لم يجز إلا أن يقول: إن رأى الوصي كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢). وقوله: فصدقوه، صدر مخالفًا للشرع لأنه أمرهم بخلاف حكم الشرع وهو تصديق المدعي من غير حجة. فيجعلها أي فيجعل هذه الوصية وصية جعل التقدير فيها إلى الموصى له. وقوله جعل التقدير صفة للنكرة، وهي وصية أي وصية مجهولًا التقدير فيها إلى الموصى له كما في قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (٣)، وكذا الوصايا معلومة وهذا مجهول، فأما هذا فليس بدَيْن معلوم ولا وصية معلومة لكنه دين في حق المستحق وصية في حق التقدير (٤)، وهذا بخلاف ما إذا أقر بِعَيْن أو دَيْن. وقوله وهذا إشارة إلى الإيصاء المذكور في قوله: ومن أوصى لأجنبي ولوارثه فللأجنبي نصف الوصية. وأما ههنا أي في صورة إقرار المريض لوارثه وللأجنبي بالدين فلا يصح إقراره أصلا للأجنبي ولا للوارث، والفرق أن الإقرار إخبار فلو صح إقراره للأجنبي حيث (٥) يثبت المخبر به وهو الدين المشترك، لأنه أقر بدين مشترك فيثبت كذلك، فما من شيء يأخذه الأجنبي إلا وللوارث حق المشاركة فيه فيصير إقرارًا للوارث، أما الوصية فتمليك مبتدأ لهما فببطلان التمليك لأحدهما لا يبطل التمليك للآخر. وقال الإمام التمرتاشي (٦): هذا الذي ذكره من حكم البطلان في الإقرار فيما إذا تصادقا، أما إذا أنكر الأجنبي شركة الوارث أو الوارث أنكر شركة الأجنبي فالإقرار باطل أيضًا. وقال محمد: يصح في حصة الأجنبي؛ لأن الوارث مقر ببطلان حقه وبطلان حق شريكه، فبطل في نصيبه وثبت في نصيب الآخر.

стр. 5220

ولهما أن حق الوارث لم يعد من (١) حق الأجنبي وإنما أوجبه مشتركًا بينهما فبطل كما بيناه. وبطلانًا [أي بقاء في حق الأجنبي وبطلانًا] (٢) في حق الوارث؛ أي تبقى الوصية صحيحة في حق الأجنبي وتبطل في حق الوارث لامتياز حصة كل واحد منهما عن حصة الآخر، ومن كان له ثلاثة أثواب جيّد ووسط ورديء يخرج من ثلث ماله فأوصى بكل ثوب لرجل بعينه ثم مات الموصي فهلك أحد الأثواب ولا يدرى أي الأثواب هلك فالوصية باطلة؛ يريد بهذا أن الورثة يجحدون بقاء حق واحد منهم بعينه ويقولون حق واحد منكم بطل ولا يدرى من بطل حقه ومن بقي حقه فلا نسلم إليكم شيئًا فالوصية باطلة؛ لأنه إذا لم يعلم بقاء حق واحد منهم بعينه لا فائدة في بقائها فبطل، كذا ذكره الصدر الشهيد (٣) (٤) وقاضي خان: (٥). وكان المستحق مجهولًا كما إذا أوصى لأحد هذين الرجلين فإن الوصية باطلة لما قلنا أن المستحق مجهول وجهالته تمنع صحة القضاء، وتحصيل المقصود وهو إتمام غرض الموصي فيكون لصاحب الجيد ثلثا [الثوب] (٦) الأجود أي الأجود الحالي، ولا يعلم أن هذا الأجود الحالي هو الأجود الأصلي أو هو الوسط الذي صار هو الأجود في الحال؛ لأن صاحب الجيد لا حق له في الرديء بيقين، لأنه أي الرديء الباقي وصاحب الرديء لا حق له في الجيد الباقي بيقين، لأنه أي لأن الجيد الباقي، ويحتمل أن يكون الرديء هو الرديء الأصلي فيعطى منه محل الاحتمال إلى آخره (٧)، أي يعطى لكل واحد منهم الثلثان، لأن التسوية بينهم واجبة، لأن الكل في بطلان حقه [وبقائه] (٨) على السواء، ولما كان كذلك عينا حق كل واحد في محل يحتمل أنه يكون حقه، والاثنان إذا قسما على ثلاثة يصيب كل واحد الثلثان، ولما أخذ صاحب الجيد وصاحب الرديء ثلثي كل واحد منهما تعين حق [صاحب] (٩) الوسط في ثلث كل واحد منهما، هذا إذا ابتدئ بتعليل [جانب] (١٠) صاحب الجيد وصاحب الرديء، ولو ابتدئ بتعليل جانب صاحب الوسط له وجه آخر وهو أن يقول: إن الهالك إن كان أرفع من الباقين فحق صاحب الوسط [في الجيد منهما، وإن كان الهالك أردى من الباقين فحق صاحب الوسط] (١١) في الرديء منهما فحقه (١٢) يتعلق بهذا مرة ومرة بالآخر، وإن كان الهالك هو الوسط فلا حق له في الباقين، فإذا كان حقه يتعلق بكل واحد من الباقين في حال ولا يتعلق في حالين فيأخذ ثلث كل واحد منهما؛ بقي صاحب الجيد وصاحب الرديء فصاحب الجيد يدعي الجيد ولا يدعي الرديء؛ لأنه لا حق له فيه قطعًا، وصاحب الرديء يدعي الرديء دون الجيد فيسلم ثلثا الجيد لصاحب الجيد وثلثا الرديء لصاحب الرديء، كذا ذكره الإمام قاضي خان: (١٣).
следующие страницы →