← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وأما الوصية لعبده بثلث ماله فعبارة عن إعتاق ثلث رقبته فلا يحتاج إلى هذا التعليل. وعن هذا (١) قال في الذخيرة في جواز الوصية لأم ولده القياس والاستحسان لا في حق العبد، فقال: وإذا أوصى لأم ولده بثلث ماله في صحته (٢) أو في مرضه ثم مات، فإنه تصح الوصية لها من الثلث، وهذا استحسان، وكان القياس ألا تصح الوصية لأم الولد؛ لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فإنما تستحق هي الوصية متى جازت لها الوصية بعد موت مولاها، وبعد موت مولاها حال حلول العتق بها فالعتق يحلها وهي أمة فتستحق الوصية وهي أمة، والوصية لأمته باطلة أي بشيء غير رقبتها، إلا أنا جوزناها استحسانًا؛ لأن الوصية مضافة إلى ما بعد عتقها لا حال حلول العتق بها بدلالة حال الموصي لأن الظاهر من حال الموصي أنه يقصد بالإيصاء (٣) وصية صحيحة لا باطلة. والوصية [إنما تصح] (٤) أن لو كانت مضافة إلى ما بعد عتقها. فإن قلت: إذا أوصى لأمهات أولاده وله أمهات أولاد عتقن في حياته وأمهات أولاده عتقن بموته، فالوصية للاتي عتقن بموته لا للاتي عتقن في حياته (٥)، هكذا ذكر المسألة في الفصل الثامن من وصايا الذخيرة، والقياس يقتضي أن ينعكس الحكم؛ لأن الوصية بالمال للحر لا للعبد فمن أين وقع هذا الفرق. قلتُ: إنما وقع من قبل أن أم الولد إذا عتقت في حال الحياة صارت مولاة وتسمى في العرف مولاة لا أم الولد. ألا ترى أنه لو لم يبق فيها معنى أمومية الولد وهو استحقاق العتق بموت المولى، فانصرفت الوصية إلى أمهات الأولاد وقت الموت لأنهن هن يفهن بأمهات الأولاد، وإن لم يكن له إلا أمهات أولاد عتقن في حياته فالوصية لهن؛ لأنه لم يوجد ههنا من هو أولى منهن وهو أمهات أولاده على الحقيقة. فإن قلت: فهل تصح الوصية لعبده بالمال مطلقًا أم لا. قلتُ: الوصية لعبده لا تخلو من أربعة أوجه، أما إن أوصى لعبده بدراهم [مسماة] (٦) أو بشيء من ماله مسمى نحو عرض أو دابة وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز، وأما إن أوصى له بشيء من رقبته نحو الثلث والربع فإنه يصح، والفرق بينهما [هو ما ذكرنا هو أن الوصية له بثلث رقبته بمنزلة إعتاقه ثلث رقبته والعبد أهل لأن تملك رقبته فيعتق] (٧) فتصح الوصية له بالرقبة كما تصح لغيره، وأما هو فليس من أهل أن يملك مالًا آخر سوى رقبته قبل العتق فلا تصح الوصية له بمال آخر، ثم لما صحت الوصية له بشيء من رقبته نصف أو ثلث أو نحوه عتق المسمى من رقبته وسعى في الفضل (٨) على قول أبي حنيفة: سواء كان الفضل على المسمى يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج؛ لأن الإعتاق عنده منجز (٩) لأن الوصية له بنصف رقبته، وقول المولى له أعتقت نصفك سواء، وهناك يعتق المسمى لا غير عنده فكذا هنا (١٠)، وعندهما يعتق الكل من غير سعاية إذا كان يخرج من الثلث فكذا هنا، وأما إن أوصى له بثلث ماله فقد ذكرنا أنه جائز؛ لأن ذلك في المعنى بمنزلة وصيته بثلث رقبته؛ لأن رقبته من ماله، ولما جازت الوصية له بثلث رقبته باعتبار أنه عبارة عن إعتاق ثلث رقبته، فيجوز هناك كذا هنا، وأما إن أوصى لعبده بألف أو بألفين مرسلًا من غير إشارة إلى رقبته أو إلى دراهم مسماة فلا رواية في هذا عن أصحابنا؛ ولقائل أن يجعل ذلك بمنزلة الوصية بعين (١١) من أعيان ماله، ولقائل أن يجعله بمنزلة الوصية بالثلث، هذا كله من الذخيرة (١٢).

стр. 5217

والفقراء والمساكين جنسان بدليل العطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١)، والعطف يقتضي المغايرة. وفي الأمالي (٢) (٣) عن أبي يوسف: ما يخالف هذا فقال: إن من أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين، فعلى قول أبي حنيفة: يقسم الثلث بينهم على ثلاثة أسهم: سهم لفلان، وسهم للفقراء، وسهم للمساكين. وقال أبو يوسف: فأما أنا فأجعل ثلث ماله على سهمين: سهم لفلان، وسهم للفقراء والمساكين؛ فأبو يوسف جعل المسكين والفقير اسمًا واحدًا من حيث المعنى، كذا في المغني (٤) (٥). لمحمد: أن المذكور لفظ الجمع وأدناه في الميراث اثنان، وإنما قيد بقوله في الميراث احترازًا عن فصل الزكاة، فإن لفظ الجمع هناك منصرف إلى الواحد بإجماع بين أصحابنا، ثم لما كان لفظ الجمع في الميراث مصروفًا إلى الاثنين والوصية في معنى الميراث من حيث إن كلًا منهما تمليك المال بعد الموت فكان الجمع مصروفًا هناك أيضًا إلى الاثنين نجد ذلك في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٦). والمراد من الإخوة الاثنان فصاعدًا فكان من كل فريق اثنان (٧)، أي من كل فريقي الفقراء والمساكين من كل واحد اثنان فصار أربعة، والأربعة مع (٨) ثلاث أمهات الأولاد سبعة، فإنه يتناول الأدنى (٩) مع احتمال الكل؛ لأن حكم الجنس كذلك. ألا ترى أنه لو حلف ألا يتزوج النساء أو لا يشرب المياه فشرب قطرة واحدة أو تزوج امرأة واحدة حنث في يمينه، وإذا انصرف الاسم إلى الأدنى وهو الواحد قسم (١٠) الثلث على عدد الرءوس وهو خمسة [فكانت القسمة على خمسة] (١١) أسهم، ثم قال [لآخر] (١٢): قد أشركتك معهما فله ثلث كل مائة، وهذا استحسان.

стр. 5218

وفي القياس له نصف كل مائة؛ لأن لفظ الاشتراك يقتضي التسوية عند الإطلاق، قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١)، وقد أشرك الثالث فيما أوصى به لكل واحد منهما في استحقاق المائة، وذلك يوجب أن يكون له نصف كل مائة، وجه الاستحسان أنه أثبت الشركة بينهم وإنما تثبت المساواة بينهم إذا أخذ من كل واحد منهما [ثلث المائة، أما إذا أخذ من كل واحد منهما] (٢) نصف المائة حتى حصل له مائة لا تثبت المساواة بينهم، فعلم بهذا أنه أشرك (٣) بينهما (٤) جملة واحدة فلا يعتبر بإشراكه (٥) إياه مع كل واحد منهما متفرقًا. قوله: ثم كان الاشتراك، أي قال الثالث: قد أشركتك معهما فيما أوصيت لهما، كان له النصف من كل واحد منهما جميعًا لأنه حين فاوت (٦) بين الأولَيْن ثم أشرك الثالث معهما علم أنه لم يرد بالإشراك التسوية بينهم من كل وجه جملة، بل أراد بهذا الإشراك التسوية بينه وبين كل واحد منهما [فيما أوصى لكل واحد منهما] (٧) على الانفراد وأخذ فيه بالقياس. وإن أوصى لأحدهما بجارية ولآخر بجارية أخرى وقيمتهما سواء، ثم قال لآخر: أشركتك معهما، فله الثلث من كل واحدة منهما عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة من كل واحدة منهما نصفها؛ لأنه لا يرى قسمة الرقيق، فصارت بمنزلة وصيتين مختلفتين، وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجوزان قسمة الرقيق، فصار كأنه أوصى بالألف لهذا وبالألف لهذا ثم أشرك ثالثًا معهما، كذا في الجامع الصغير (٨) لقاضي خان والمحبوبي (٩) رحمهما الله. ومن قال: لفلان علي دين فصدقوه إلى آخره (١٠)، وقد قال أصحابنا هذه المسألة وفيها شبهة؛ لأنه لم يجعل هذا الإقرار كالدين وكالوصية بل جعل أضعف منهما.

стр. 5219

ألا ترى أنه لا يمنع القسمة كالدين ولم يوجب مشاركة [الموصى] (١) له كسائر الوصية فكان الواجب أن يكون أقوى من الوصية لأنه أخذ شبهًا من الدين ومن الوصية؛ فإن أقر المريض مع ذلك بدين مسمى فالمسمى أولى؛ ولو قال كل من يَدَّعِي عليَّ شيئًا فأعطوه فهو باطل إلا أن يقول إن رأى الوصي أن يعطيه فأعطوه فحينئذ يعطى من الثلث، وكذا لو قال: احبسوا إليَّ ألفًا فمن ادعى علي شيئًا فادفعوا إليه لم يجز إلا أن يقول: إن رأى الوصي كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢). وقوله: فصدقوه، صدر مخالفًا للشرع لأنه أمرهم بخلاف حكم الشرع وهو تصديق المدعي من غير حجة. فيجعلها أي فيجعل هذه الوصية وصية جعل التقدير فيها إلى الموصى له. وقوله جعل التقدير صفة للنكرة، وهي وصية أي وصية مجهولًا التقدير فيها إلى الموصى له كما في قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (٣)، وكذا الوصايا معلومة وهذا مجهول، فأما هذا فليس بدَيْن معلوم ولا وصية معلومة لكنه دين في حق المستحق وصية في حق التقدير (٤)، وهذا بخلاف ما إذا أقر بِعَيْن أو دَيْن. وقوله وهذا إشارة إلى الإيصاء المذكور في قوله: ومن أوصى لأجنبي ولوارثه فللأجنبي نصف الوصية. وأما ههنا أي في صورة إقرار المريض لوارثه وللأجنبي بالدين فلا يصح إقراره أصلا للأجنبي ولا للوارث، والفرق أن الإقرار إخبار فلو صح إقراره للأجنبي حيث (٥) يثبت المخبر به وهو الدين المشترك، لأنه أقر بدين مشترك فيثبت كذلك، فما من شيء يأخذه الأجنبي إلا وللوارث حق المشاركة فيه فيصير إقرارًا للوارث، أما الوصية فتمليك مبتدأ لهما فببطلان التمليك لأحدهما لا يبطل التمليك للآخر. وقال الإمام التمرتاشي (٦): هذا الذي ذكره من حكم البطلان في الإقرار فيما إذا تصادقا، أما إذا أنكر الأجنبي شركة الوارث أو الوارث أنكر شركة الأجنبي فالإقرار باطل أيضًا. وقال محمد: يصح في حصة الأجنبي؛ لأن الوارث مقر ببطلان حقه وبطلان حق شريكه، فبطل في نصيبه وثبت في نصيب الآخر.

стр. 5220

ولهما أن حق الوارث لم يعد من (١) حق الأجنبي وإنما أوجبه مشتركًا بينهما فبطل كما بيناه. وبطلانًا [أي بقاء في حق الأجنبي وبطلانًا] (٢) في حق الوارث؛ أي تبقى الوصية صحيحة في حق الأجنبي وتبطل في حق الوارث لامتياز حصة كل واحد منهما عن حصة الآخر، ومن كان له ثلاثة أثواب جيّد ووسط ورديء يخرج من ثلث ماله فأوصى بكل ثوب لرجل بعينه ثم مات الموصي فهلك أحد الأثواب ولا يدرى أي الأثواب هلك فالوصية باطلة؛ يريد بهذا أن الورثة يجحدون بقاء حق واحد منهم بعينه ويقولون حق واحد منكم بطل ولا يدرى من بطل حقه ومن بقي حقه فلا نسلم إليكم شيئًا فالوصية باطلة؛ لأنه إذا لم يعلم بقاء حق واحد منهم بعينه لا فائدة في بقائها فبطل، كذا ذكره الصدر الشهيد (٣) (٤) وقاضي خان: (٥). وكان المستحق مجهولًا كما إذا أوصى لأحد هذين الرجلين فإن الوصية باطلة لما قلنا أن المستحق مجهول وجهالته تمنع صحة القضاء، وتحصيل المقصود وهو إتمام غرض الموصي فيكون لصاحب الجيد ثلثا [الثوب] (٦) الأجود أي الأجود الحالي، ولا يعلم أن هذا الأجود الحالي هو الأجود الأصلي أو هو الوسط الذي صار هو الأجود في الحال؛ لأن صاحب الجيد لا حق له في الرديء بيقين، لأنه أي الرديء الباقي وصاحب الرديء لا حق له في الجيد الباقي بيقين، لأنه أي لأن الجيد الباقي، ويحتمل أن يكون الرديء هو الرديء الأصلي فيعطى منه محل الاحتمال إلى آخره (٧)، أي يعطى لكل واحد منهم الثلثان، لأن التسوية بينهم واجبة، لأن الكل في بطلان حقه [وبقائه] (٨) على السواء، ولما كان كذلك عينا حق كل واحد في محل يحتمل أنه يكون حقه، والاثنان إذا قسما على ثلاثة يصيب كل واحد الثلثان، ولما أخذ صاحب الجيد وصاحب الرديء ثلثي كل واحد منهما تعين حق [صاحب] (٩) الوسط في ثلث كل واحد منهما، هذا إذا ابتدئ بتعليل [جانب] (١٠) صاحب الجيد وصاحب الرديء، ولو ابتدئ بتعليل جانب صاحب الوسط له وجه آخر وهو أن يقول: إن الهالك إن كان أرفع من الباقين فحق صاحب الوسط [في الجيد منهما، وإن كان الهالك أردى من الباقين فحق صاحب الوسط] (١١) في الرديء منهما فحقه (١٢) يتعلق بهذا مرة ومرة بالآخر، وإن كان الهالك هو الوسط فلا حق له في الباقين، فإذا كان حقه يتعلق بكل واحد من الباقين في حال ولا يتعلق في حالين فيأخذ ثلث كل واحد منهما؛ بقي صاحب الجيد وصاحب الرديء فصاحب الجيد يدعي الجيد ولا يدعي الرديء؛ لأنه لا حق له فيه قطعًا، وصاحب الرديء يدعي الرديء دون الجيد فيسلم ثلثا الجيد لصاحب الجيد وثلثا الرديء لصاحب الرديء، كذا ذكره الإمام قاضي خان: (١٣).

стр. 5221

كما إذا أوصى بملك الغير ثم اشتراه فإنه لا تصح وصيته، تنفذ الوصية في عين الموصى به وهو نصف الثلث (١) لأنه لم يملك وقت الإيصاء إلا النصف، ومعنى المبادلة في هذه القسمة تابع. فإن قلت: كيف قيد بقوله في هذه القسمة مع أنه ذكر في كتاب القسمة والإفراز (٢) هو الظاهر في المكيلات والموزونات، [ومعنى المبادلة] (٣) هو الظاهر في الحيوانات والعروض وهذا الذي نحن فيه من العروض، فلما كان معنى المبادلة هو الظاهر فيها لا يكون هو تبعًا (٤) فيها فما وجه التوفيق. قلتُ: وجهه ما ذكر هناك أيضًا بعد قوله ومعنى المبادلة هو الظاهر في العروض بقوله إلا أنها إذا كانت من جنس واحد أجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء، والذي نحن فيه من جنس واحد، فكان معنى المبادلة فيه تابعًا كما ذكر هنا؛ لأن الجبر لا يجري في المبادلة. ومعنى قوله هناك ومعنى المبادلة هو الظاهر في الحيوانات والعروض أي إذا لم يكن من جنس [واحد] (٥). وذكر الإمام قاضي خان: ولهما أن القسمة فيما لا يكال ولا يوزن وإن كانت مبادلة من وجه حتى لا يتفرد أحدهما بالقسمة لو اشتريا دارًا واقتسما، لم يكن لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة على ما اشترى فهي إفراز في حق بعض الأحكام. ألا ترى أنه يجبر عليها، ولو بنى أحدهما في نصيبه بعد القسمة بناءً ثم استحق الأرض لا يرجع على شريكه بقيمة (٦) البناء ولا يثبت للشفيع الشفعة في القسمة، والمشتري إذا قاسم البائع لم يكن للشفيع نقض القسمة، ولو كانت القسمة مبادلة لكانت الأحكام على عكسها فثبت أنها إفراز من وجه مبادلة من وجه، فيجعل إفرازًا في حكم الوصية تصحيحًا (٧) للوصية؛ لأن مبناها على المساهلة وسرعة الثبوت، ولهذا صحت الوصية بمعدوم على خطر (٨) الوجود كالثمر والغلة، وإذا جعلت القسمة إفرازًا ظهر أنه أوصى بما يملك، فإذا وقع البيت في نصيب الميت سلم البيت للموصى له، وإن وقع البيت في نصيب الشريك فله عوضه أو لأنه أراد التقدير على اعتبار أحد الوجهين، وهو في وقوعه في نصيب الشريك والتمليك بعينه على اعتبار الوجه الآخر، وهو في وقوعه في نصيبه فتصير السهام أحد عشر: للموصى له سهمان ولهم تسعة.

стр. 5222

فإن قيل: ينبغي أن يقسم نصيب الموصي بين الورثة والموصى له على خمسة أسهم: سهم للموصى له وأربعة للورثة؛ لأنه لما صحت الوصية (١) عندهما في عشرة أذرع بقي حق الورثة في أربعين. قلنا: زعم الورثة أن حقهم في خمسة وأربعين وحق الموصى له في خمسة تمسكًا بمذهب محمد:، وزعم الموصى له أن حقه في عشرة وحق الورثة في أربعين، فيعتبر [زعم] (٢) كل فريق في حقه، فجعلنا كل خمسة سهمًا فصار الكل أحد عشر. وقيل: لا خلاف فيه بل قول محمد في الإقرار كقولهما في الوصية. وله أن يمنع أي ولصاحب المال أن يمنع ما أجازه من (٣) الدفع وإن كان بعد الإجازة؛ لأن هذا هبة من صاحب المال، والهبة لا تتم بدون التسليم وإن دفع تمت الهبة وإلا فلا. بخلاف ما إذا أوصى بالزيادة على الثلث فأجازت الورثة يعني بعد موت الموصي، ثم أرادوا أن يمتنعوا من التسليم لا يكون لهم ذلك؛ لأن الوصية ههنا صادفت محلها وهو ملك الموصي، إلا أن للوارث حق الإبطال فيما زاد على الثلث، فكانت إجازته إسقاطًا لحقه، والإسقاط يتم بنفسه، فسلم المال للموصى له من جهة الميت. أما في مسألتنا فالوصية صادفت مال الغير فتوقفت على الإجازة، وعند الإجازة تصير هبة من جهة صاحب المال فلا تتم قبل التسليم، كذا في شروح الجامع الصغير (٤) (٥). ثم أقر أحدهما لرجل أن الأب أوصى له بثلث ماله يعني أن الوارث الآخر غائب أو حاضر وأنكر. بخلاف ما إذا أقر أحدهما بدين لغيره أي لو أقر بالدين دفع جميع نصيبه إذا كان الدين مستغرقًا نصيبه فلا يخرج عنها بالانفصال، كما في البيع يعني تسري الوصية إلى الولد الحادث قبل القسمة كما يسري البيع إلى الولد الحادث قبل القبض، وإذا سرت (٦) الوصية إلى الولد صار كأن الولد كان (٧) موجودًا فأوصى بهما وقيمتهما (٨) مثل نصف المال تنفذ الوصية في ثلثي (٩) كل واحد منهما كذا ههنا.

стр. 5223

وله أن الأم أصل أي في الوصية، والولد تبع فيه أي في الوصية على تأويل الإيصاء، وإنما قلنا إن الأم أصل في الوصية؛ لأن الإيجاب تناول الجارية قصدًا ثم سرى حكم الإيجاب إلى الولد ولا مساواة بين الأصل والتبع فتقيد (١) الوصية بالأم، ثم يكون له من الولد قدر ما بقي من الثلث، وتنفيذ الوصية في جميع الأم كان مستحقًّا قبل الولادة فلا تتغير بزيادة المال بخلاف البيع؛ لأن تنفيذ البيع في التبع لا يؤدي إلى نقضه في الأصل أي وجود التبع لا يؤثر في حق الأصل، فإن كل (٢) الأصل مبيع كما كان سوى أن بعض الثمن خرج عن أن يكون مقابلًا له لضرورة أن ذلك البعض (٣) من الثمن وقع بمقابلة الولد ولا يضر ذلك؛ لأن الثمن يجري مجرى البيع (٤) فصار بمنزلة حط (٥) بعض الثمن، وذلك لا يقدح في أن يكون البيع (٦) مبيعًا بجملته كما كان. بخلاف الوصية فإنها عند مزاحمة الولد يخرج بعض الأصل عن الوصية (٧) فلا يجوز أن يكون التبع (٨) ناقضًا لشيء من الأصل. وقوله: إلا أنه لا يقابله، أي لا يقابل بعض الثمن الأصل لأن ذلك البعض صار بمقابلة الولد إذا اتصل به القبض وقيد باتصال القبض للولد (٩) للمقابلة؛ لأن مقابلة بعض الثمن بالولد إنما يكون أن لو كان مقبوضًا بالأصل وإلا فلا. والله أعلم. فصل في اعتبار حالة الوَصية لما ذكر الحكم الكلي في الوصية وهو الحكم الذي يتعلق بثلث المال ذكر في هذا الفصل أحكامًا تتعلق بالأحوال المتغيرة من وصف إلى وصف لما أن هذه الأحوال بمنزلة العوارض والأحكام المتعلقة (١٠) بثلث المال بمنزلة الأصول والأصل مقدم على العارض. جاز الإقرار وبطلت الوصية وهذا بناء (١١) على أن المعتبر في جواز الوصية وفسادها كون الموصَى له وارثًا أو غير وارث يوم الموت لا يوم الوصية.

стр. 5224

والمعتبر في فساد الإقرار وجوازه كون المقَر له وارثًا للحال لأن الإقرار تمليك للحال فمتى كان المقَر له وارثًا يوم الإقرار لا يصح إقراره إذا كان المقِر مريضًا كذا في المغني (١). وقد ذكرنا قبل هذا منقولًا من المبسوط إن صار الوارث وارثًا بسبب تجدد بعد الإقرار كان الإقرار صحيحًا وإن ورث بسببٍ كان قائمًا وقت الإقرار لم يصح الإقرار. وقال زفر إقراره باطل أيضًا لأن إقرار المريض بمنزلة التمليك ولهذا لا يصح للوارث. ولنا أن الإقرار يثبت الحكم بنفسه أي من غير أن يتوقف إلى شرط زائد كالموت في باب الوصية. ولا يبطل بالدين أي الإقرار لا يبطل بالدين، إلا أن الثاني يؤخر عنه أي تنفيذ حكم الإقرار في حالة المرض يؤخر عن تنفيذ حكم الإقرار الذي في حالة الصحة. بخلاف الوصية أي تبطل الوصية التي أوصى لامرأة أجنبية بشيء ثم تزوجها ثم مات وهي امرأته؛ لأنه أي لأن الوصية بتأويل الإيصاء (٢) إيجاب عند الموت وهي وارثة عند ذلك. وذكر الإمام التمرتاشي: لا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو عين إلا إقراره لامرأته بالمهر إلا أن يقر بأكثر من مهر مثلها (٣). فإن قيل: لو أقر بوارث يجوز فكذا إذا أقر لوارث. قلنا: إذا أقر بوارث إنما يجوز لأنه أوجب له مشاركة مع الورثة في الميراث فجاز كما لو كانت تحته زوجة فتزوج بأخرى في المرض لأنه أوجب لها مشاركة في الميراث كذا هنا؛ ولو أرادت المريضة هبة مهرها من زوجها فالوجه فيه أن يقر بمهرها لأجنبي ثم يتبرع الأجنبي على زوجها؛ والإقرار وإن كان ملزمًا بنفسه لكن سبب الإرث وهو البنوة قائمة وقت الإقرار إلى قوله بخلاف ما تقدم. قال الإمام التمرتاشي: وإن أقر له وهو غير وارث ثم صار وارثًا يوم مات إن كان ذلك بقرابة بطل إقراره؛ بأن أقر لابنه النصراني ثم أسلم النصراني بطل الإقرار لأنه أقر وسبب التهمة قائم وهو القرابة؛ وإن صار وارثًا بولاء أو زوجية بأن أقر لأجنبية ثم تزوجها أو والاها ثم مات لم يبطل إقراره لأنه أقر وليس بينهما سبب تهمة فلا يبطل إقراره بحدوث سبب بعده. وهذا بخلاف ما إذا أوصى لأجنبية ثم تزوجها ثم مات بطل كله؛ لأن الوصية تمليك وقت الموت. وكذا لو كان الابن عبدًا أو مكاتبًا فأعتق أي لا تصح الوصية والهبة له لأن الوصية مضافة إلى وقت الموت.

стр. 5225

أما إذا أقر له بدين ثم أعتق قبل الموت لم يذكر ههنا. وذكر في كتاب الإقرار أنه إن لم يكن عليه أي على العبد (١) دين يصح [إلى آخره (٢) (٣). يقال: فلجت الشيء فلجين، أي: شققته نصفين، ومنه المفلوج؛ لأنه ذهاب النصف، عن ابن دريد (٤) وقد فلج الرجل فهو مفلوج. والشلل فساد في اليد يقال: شلت يده تشَل بالفتح والمسلول الذي سل أنثياه (٥) أي نزعت خصيتاه كذا في المغرب (٦). لأنه إذا تقادم العهد صار طبعًا من طباعه لأن المغيِّر لحكم التصرف مرض الموت، ومرض الموت ما يكون سببًا للموت غالبًا، وإنما يكون سببًا للموت إذا كان يزداد حالًا فحالًا إلى أن يكون آخره الموت؛ فأما إذا استحكم فصار بحيث لا يزداد ولا يخاف منه الموت لا يكون سببًا للموت كالعمى ونحوه؛ وإنما يكون في حكم المريض في أول ما أصابه ذلك إذا صار صاحب فراش وصاحب السِل والدِق قبل أن يصير صاحب فراش لا يكون في حكم المريض لأن الإنسان قل ما يخلو عن قليل مرض فما دام يخرج في حوائجه بنفسه ولم يصر صاحب فراش لا يعد مريضًا عند الناس كذا ذكره الإمام قاضي خان (٧):. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 5226

بابُ العتق في مرض الموت فالإعتاق أيضًا من أنواع الوصية إذا وُجد في مرض الموت، لكن له أحكام مخصوصة؛ فلذلك أفرده بباب على حدة، وأخَّره عن أبواب صريح الوصية لأن الصريح هو الأصل. والمراد أي المراد بقوله: فهو وصية الاعتبار من الثلث لا حقيقة الوصية، فإن الوصية عبارة عما أوجبه الموصي (١) في ماله بعد موته متطوعًا كالضمان والكفالة؛ غاير بينهما بالعطف لأن الضمان أعم من الكفالة فإن من الضمان ما لا يكون كفالة بأن قال لأجنبي: خالع امرأتك على ألف على أني ضامن؛ وكذلك لو قال: بع هذا العبد بألف على أني ضامن لك بخمسمائة من [الثمن] (٢) سوى الألف، فإن بدل الخلع يكون على الأجنبي لا على المرأة (٣) والخمسمائة على الضامن دون المشتري. وما نفذه من التصرف أي نجَّزه في الحال ولم يضف إلى ما بعد الموت. والأصل أن الوصايا إذا لم يكن فيها ما جاوز الثلث فكل من أصحابها يضرب بجميع وصيته في الثلث؛ معناه: إذا لم يكن في كل فرد من أفراد الوصايا ما جاوز الثلث مثل أن يوصي بالربع والسدس لا يقدم البعض على البعض لأنهم استووا في سبب الاستحقاق. وفي المبسوط في باب الوصية بأكثر من الثلث: ولو أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بربع ماله ولآخر بسدس ماله فأجازت الورثة أخذ كل واحد منهم وصيته كاملة؛ لأن في المال وفاء بما أوجبه لكل واحد منهم [وزيادة] (٤)؛ فإن لم يجيزوا ضرب كل واحد منهم في الثلث بوصيته فتكون القسمة بينهم على طريق العول بالاتفاق؛ لأن الوصايا كلها وقعت في الثلث واستوت في القوة فيضرب كل واحد منهم بجميع حقه إلا العتق الموقع في المرض. والعتق المعلق (٥) بموت الموصي كالتدبير الصحيح؛ احترازًا عما لو قال: هو حر بعد موتي بيوم على ما يجيء، فإن ذلك لا يقدم على الوصايا لأنه ليس بتدبير صحيح حيث لا يعتق بنفس الموت. وأما العتق الموقع بموت الموصي أو المحاباة في البيع في المرض أنه يبدأ بذلك قبل الوصايا (٦) ثم يتضارب أهل الوصايا بعد ذلك في باقي الثلث بقدر وصاياهم؛ لأن العتق أقوى من الوصية لأنه لا يلحقه (٧) الفسخ، والوصية يلحقها الفسخ فيبدأ بالعتق؛ وكذلك المحاباة لأنها تثبت (٨) في ضمن المعاوضة ومن قضية المعاوضة اللزوم؛ ولزمت الوصية التي في ضمن المعاوضة فكانت أقوى من الوصايا (٩) المطلقة كذا في الإيضاح (١٠).

стр. 5227

وقوله: والمحاباة في البيع بالرفع عطفًا على قوله إلا العتق الموقع. وقوله: لأن الوصايا قد تساوت تعليل لقوله: لا يقدم البعض على البعض؛ ثم صورة تقديم العتق وعدم التقديم ما ذكره في باب الوصية في العتق من وصايا المبسوط. وقال: وإذا أوصى بعتق عبده بعد موته، أو قال: أعتقوه، أو قال: هو حر بعد موتي بيوم ليس هذا من العتق الذي يبدأ به؛ وإنما يبدأ به إذا قال: هو حر بعد موتي مبهمًا أو أعتقه في مرضه البتة، أوقال: إن حدث لي حدث في مرضي هذا فهو حر فهو يبدأ به قبل الوصية؛ وكذلك كل عتق يقع به بعد الموت بغير وقت يبدأ به قبل الوصية؛ وكان المعنى فيه أن العتق الذي يقع بنفس الموت بسببه يلزم في حال الحياة على وجه لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف الوصية بالعتق فإنه يحتمل الرجوع عن. ولكن هذا لا يستقيم في قوله: إن حدث بي حدث في مرضي هذا فإن هذا يحتمل الفسخ [ببيع الرقبة ولو قال هو حر بعد موتي بيوم فإن سببه لا يحتمل الفسخ] (١) بالرجوع عنه، ومع ذلك لا يكون مقدمًا على سائر الوصايا ولكن الحرف الصحيح فيه أن نقول: ما يكون منفذًا (٢) عقيب الموت من غير حاجة إلى التنفيذ (٣) فهو في المعنى أسبق (٤) مما يحتاج إلى تنفيذه (٥) بعد الموت؛ لأن هذا بنفس الموت يتم والترجيح يقع بالسبق؛ يوضحه أن العتق المنفذ (٦) بعد الموت مستحق استحقاق الديون فإن صاحب الحق ينفرد باستيفاء دينه إذا ظفر بجنس حقه وهنا يصير مستوفيًا حقه بنفس الموت؛ والدين مقدم على الوصية فالعتق الذي هو في معنى الدين يقدم أيضًا؛ فأما ما يحتاج إلى تنفيذه (٧) بعد الموت فهو ليس في معنى الدين فيكون بمنزلة سائر الوصايا؛ ثم صورة قوله: فإن حابى ثم أعتق وضاق الثلث عنهما فالمحاباة أولى عند أبي حنيفة: ما ذكره في باب الوصية بالعتق والمحاباة من كتاب العتق (٨) والدين من المبسوط؛ فقال وإذا باع الرجل في مرضه عبدًا من رجل بألف درهم وقيمته ألفان ثم أعتق عبدًا له آخر يساوي ألفًا ولا مال له غيرهما فالمحاباة (٩) أولى من العتق عند أبي حنيفة:، وإذا بدأ بالعتق تحاصا فيه.

стр. 5228

وعند أبي يوسف ومحمد: العتق أولى على كل حال؛ فعندهما يعتق العبد مجانًا لأن قيمته بقدر الثلث ويخير المشتري إن شاء نقض البيع ورد العبد بما لزمه من الزيادة في الثمن ولم يرض به؛ وإن شاء أمضى العقد وأدى كمال قيمة العبد ألفي درهم. وعند أبي حنيفة: المحاباة أولى لأنه بدأ بها فيسلم العبد للمشتري بألف ولم يبق من الثلث شيء إلا أن العتق لا يمكن رده فيسعى العبد في قيمته للورثة، فإن كانت قيمة المعتَق (١) ألفًا وخمسمائة فعلى قول أبي حنيفة: يبدأ بالمحاباة كما بينا، ثم يسلم للمعتق باقي الثلث من قيمته وهو مائة وستة وستون وثلثان لأن جملة المال ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقد يسلم للمشتري بالمحاباة [مقدار ألف ويسلم للعبد ما بقي من الثلث، وعندهما العتق مقدم فيسلم للعبد] (٢) مقدار الثلث ويسعى فيما بقي وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ويخير المشتري كما بينا. وقوله: وغيره يلحقه، أي: وغير العتق المنجز يلحقه الفسخ كالوصية بالعتق والوصية بالمال. يستوي فيه مَن سواهما أي سوى العتق والمحاباة ولا معتبر بالتقديم في الذكر لأنه لا يوجب (٣) التقدم في الثبوت. ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله لفلان ولفلان ولفلان كان بينهم أثلاثًا وصل أم فصل، ولا عبرة بالبداية لأن الموصى لهم مختلفون فكذا فيما نحن فيه العتق وصية للمعتق والمحاباة للمشتري كذا في الأسرار (٤). وذكر في الكتاب أيضًا قبيل باب الوصية بثلث المال بقوله: بخلاف ما إذا أوصى به أي بالعبد لرجل ثم أوصى به لآخر أي أنهما يشتركان؛ لأن المحل يحتمل الشركة فعلم بهذا أنه لا اعتبار بالتقديم. فإن قلتَ: أين ذهب قولنا في الفصل الذي يجيء بعد هذا بقوله: ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منها؛ فإن تساوت في القوة بدأ بما قدمه الموصي إذا ضاق عنها الثلث؛ فعلم بهذا أن لتقديم الموصي اعتبارًا عند تساوي القوة؛ وههنا أيضًا العتق والمحاباة يستويان في القوة فإنه لو كان للعتق رجحان من حيث أنه لا يلحقه الفسخ وللمحاباة أيضًا رجحان من حيث أنها تثبت في ضمن عقد المعاوضة فيستويان؛ فلما استويا وجب أن يبدأ بما قدمه الموصي كما هو حكم سائر الوصايا.

стр. 5229

قلتُ: وجوب تقديم ما قدمه الموصي عند تساوي الوصايا في القوة إنما هو في الوصايا التي هي حقوق الله تعالى وهي نوافل مختلفات؛ كالحج النفل والصدقة النافلة وعتق نسمة بغير عينها لأن المستحق واحد. وأما في حقوق العباد فالوصايا كلها مستوية، ولا اعتبار لتقديم الموصي على ما ذكرنا أنه لو أوصى بثلث ماله لفلان ولفلان ولفلان كان بينهم أثلاثًا وصل أم فصل، ولا اعتبار لتقديم الموصي؛ والذي نحن فيه من قبيل حقوق العباد (١) على ما ذكرنا فيجب أن لا يكون لتقديم الموصي اعتبار؛ هذا كله مما أشار إليه في الأسرار (٢). وذكر في المبسوط: وإنما يبدأ بما بدأ به الموصي إذا كان لمستحق واحد فأما إذا كان لمستحقَيْن فلا؛ كما لو أوصى بثلثه [لإنسان ثم أوصى بثلثه] (٣) لآخر فكان تبرعًا بمعناه لا بصيغته (٤)، وهذا لأن سبب المحاباة التجارة؛ فإن البيع بالمحاباة عقد تجارة حتى يجب للشفيع الشفعة في الكل، والشفعة تختص بالمعاوضات دون التبرعات (٥)؛ ولهذا قلت أن البيع بالمحاباة يصح من العبد المأذون والصبي المأذون وبالمرض لا يلحقه الحجر [عن التجارة] (٦). وأما العتق فتبرع محض وبالمرض يصير محجورًا عن التبرعات فكانت المحاباة أقوى سببًا من العتق لما أن سبب المحاباة التجارة؛ ومن حيث الحكم العتق أولى لأنه لا يحتمل الفسخ لما كان للمحاباة رجحان من حيث السبب وللعتق رجحان من حيث الحكم استويا في القوة؛ ثم إذا سبقت المحاباة العتق ويثبت في الثلث ثم جاء العتق والمحاباة ثابتة (٧) ومالها بعد ثبوتها حكم الهبة بوجه؛ بدليل أن الشفيع يأخذ كذلك بالشفعة ولا شفعة في الهبة، والعتق تبرع فلا يزاحمها العتق لا بحكم البداية بل بحكم التحاقها بضمان التجارة؛ دل عليه أن العبد المأذون إذا اشترى أمة فوطئها ثم استحقت أخذ بالعقد للحال بحكم ضمان التجارات؛ لأنه لزمه بسبب الشراء لولاه لَحُدَّ؛ ولو تزوجها بغير أمر المولى فوطئها لم يؤاخذ بالعقد حتى يعتق لأن سببه ليس بتجارة فتغير (٨) الحكم بسببه، فجاز تغير المحاباة بسببها أيضًا؛ وينظر إلى سببها وهو التجارة لا إلى المحاباة (٩) التي فيها معنى الهبة والتبرع.

стр. 5230

فإن قيل: لو حابى ثم حابى ولا يخرجان من الثلث تحاصَّا ولم يترجح الأول من الوجه الذي قلته، فإن على قوله ما ذكرته يلزم أن ينفذ الأولى ثم الثانية. قلنا: إنما كان هكذا لأن ما يحتمل النقض من تبرعات المريض ينفذ ثم ينقض إذا لم يخرج من الثلث؛ وإذا كان كذلك نفذناه جميعًا ثم نقضناه (١) بعد الموت [وثبت لهما] (٢) بحكم الوصية وهما نافذتان (٣) فاستويا، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (٤) والأسرار. قسم [الثلث] (٥) بين العتق الأول والمحاباة لأن العتق الثاني مؤخر عن المحاباة فلا يزاحمها، والعتق الأول مقدم على المحاباة فيزاحمها في الثلث؛ ثم ما أصاب العتق الأول شاركه فيه العتق الآخر للمجانسة والمساواة بينهما. فإن قيل: كيف يستقيم هذا ولم يصل إلى صاحب المحاباة كمال حقه كان ينبغي أن يسترد صاحب المحاباة ما أخذ صاحب العتق الثاني؛ لأن حق صاحب المحاباة مقدم على حق صاحب العتق الثاني كما لو كانا معًا وليس معهما عتق آخر وتقدمت المحاباة. قلنا: لا كذلك فإنه لو استرد ذلك منه استرد منه العتق الأول؛ لأن حق العتق الأول وحق المحاباة سواء في الثلث، فيؤدي ذلك إلى دور لا ينقطع والسبيل في الدور أن يقطع، وأن يقضِ صاحب المحاباة البيع لما لزمه من زيادة الثمن كان الثلث بين المعتقين نصفين لاستواء حقهما، كذا في باب الوصية بالعتق والمحاباة من كتاب العين والدين من المبسوط (٦). بهذه المائة أي: المعينة، وبقي شيء من الحجَّة يرد على الورثة إلا أن يكون الموصي جعل الفضل للذي يحج عنه فيكون له، كذا ذكره الإمام الكشاني (٧). وهذا أشبه أي أشبه إلى الصواب لأنه ثبت بالدليل أنه حق العبد عنده فيختلف المستحق إذا هلك شيء منه. ومن أوصى بعتق عبده أي: بإعتاق عبده؛ لأنه يتلقى الملك من جهته أي لأن الموصى له يأخذ الملك من جهة الموصي؛ إلا أن ملكه أي ملك الموصى فيه باقٍ لحاجة الميت حتى لو كان العبد ذا رحم محرم من الورثة لا يعتق لما بينا أن ملك الميت باق بعدُ لحاجته؛ وهذا لأن ملك الورثة ملك خلافة فلا يثبت ما لم يستغن الأصل منه كذا في مبسوط فخر الإسلام (٨).

стр. 5231

كما إذا باعه الموصي أو بيع بعد موته بسبب الدين؛ كان الفداء في مالهم أي كانوا متطوعين؛ فقال الموصى له أعتقه في الصحة يعني أن إعتاق هذا العبد لم يقع وصية بل نفذ العتق بدون الوصية، ووصيته بثلث ماله صحيح فيما وراء العبد؛ وإنما يقول بهذا لأن الإعتاق لو وقع وصية وقيمة العبد ثلث المال لم يكن للموصى له بالثلث شيء من وصيته؛ لأن الوصية بالعتق مقدمة على الوصية بالثلث بالاتفاق. وقال الوارث أعتقه في المرض أي في مرض موته فكأن إعتاقه وقع وصية والوصية بالعتق مقدمة في حق التنفيذ على الوصية بالثلث، وصار الثلث كله مشغولًا بعتق العبد أو بعضه والقول قول الورثة فيه؛ لأن الورثة ينكرون ثبوت حق الموصى له، والقول قول المنكِر، والموصى له يدَّعي فلا يصدق في دعواه إلا بالحُجة إلى هذا أشار الإمام المحبوبي (١). والعتق في الصحة لا يوجب السعاية وإن كان على المعتق دين؛ لأن من أعتق عبدًا في صحته ثم مات وعليه دين لم يسعَ العبد له في شيء فهذا مثله، وهذا لأن الإقرار بهذين الأمرين في حالة المرض إنما يمنع أحدهما الآخر أن لو كان أحدهما متأخرًا عن الآخر فيَمنع المتقدم المتأخرَ، وههنا لما حصلا معًا بتصديق واحد يجعل كأن الأمرين كانا وثبتا بالبينة فيثبتان معًا لذلك. ولأبي حنيفة: وجهان؛ أحدهما: أن الإقرار بالدين أقوى على ما ذكر، والثاني: على أن العتق لا يمكن إسناده إلى حالة الصحة فلذلك ثبت الدين من كل وجه ويثبت العتق من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛ لأن إعتاق المريض المديون يُرد من حيث المعنى بوجوب السعاية (٢) وصار تصديق الوارث بمنزلة تصديق الميت. ولو قال العبد لمولاه المريض: أعتقتني في صحتك، وقال رجل آخر: لي عليك ألف درهم دين، فقال المريض: صدقتما؛ عتق العبد ويسعى في قيمته للغريم كذلك ههنا؛ كذا في شرح الجامع الصغير لقاضي خان (٣) (٤) وغيره (٥)؛ فعنده الوديعة أقوى، وعندهما هما سواء. وذكر فخر الإسلام والكشاني وغيرهما الوديعة أقوى عندهما لا عنده، فقال فخر الإسلام: رجل قال للوارث هذه الألف كانت وديعة لي عند أبيك، وقال الآخر: لي على أبيك ألف درهم؛ أن الوارث إذا قال صدقتما كانت الوديعة أولى عندهما.

стр. 5232

وذكر في المنظومة (١) (٢) في كتاب الإقرار من باب أبي حنيفة: ما يؤيد ما ذكره فخر الإسلام والكشاني فقال لو تركت (٣) ألف وهذا يدعي دينًا وذاك قال هذا مدعي والابن قد صدَّق هذين معًا استويا وأُعطيا من أودعا. والله تعالى أعلم. * * * فصلٌ قدم باب العتق في المرض على هذا الفصل لقوة العتق في المرض؛ لأنه لا يلحقه الفسخ بخلاف مسائل هذا الفصل؛ ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منها قدمها الموصي أو أخرها مثل الحج والزكاة إلى آخره (٤). اعلم أن من مات وعليه حقوق الله تعالى من زكاة أو صدقة فطر أو كفارة أو نذر أو حج أو صيام أو صلاة أو ما أشبه ذلك من غير وصية فإنه لا يؤخذ ذلك من تركته عندنا؛ إلا إن يتبرع ورثته بذلك وهم من أهل التبرع، وإن امتنعوا لم يجبروا عليه؛ ولو أوصى بذلك يجوز وينفذ من ثلث ماله، وهذا عندنا وعند الشافعي: يؤخذ من تركته؛ ثم الوصايا لا يخلو إما أن يكون كله لله تعالى أو كله للعباد؛ وما كان لله تعالى لا يخلو إما أن يكون كله فرائض كالزكاة والحج والصوم والصلاة؛ أو كله واجبات كالكفارات والنذور وصدقة الفطر؛ أو كله تطوع كالوصية بحج [التطوع] (٥) والصدقة على الفقراء وما أشبهها. وإن جمع بين هذه الوصايا كلها فإن كان ثلث ماله يحتمل جميع ما أوصى فإنه تنفذ وصاياه كلها من ثلث ماله؛ وإن كان ثلث ماله لا يحتمل ذلك إن أجازت الورثة فكذلك؛ وإن لم يجز الورثة فإنه ينظر إن كانت وصاياه كلها لله تعالى فإنه ينظر إن كانت (٦) فرائض فإنه يبدأ بما بدأ به الميت. وإن كانت واجبات فإنه يبدأ بما بدأ به أيضًا، وكذلك إن كانت كلها تطوعًا؛ وإن كانت بعضها فرائض وبعضها واجبات وبعضها تطوع فإنه يبدأ بالفرائض أولًا - وإن أخرها - ثم بالواجبات ثم بالتطوع (٧).

стр. 5233

وإن جمع هذه الوصايا يتضاربون في الثلث بوصاياهم فما أصاب العباد فهو لهم لا يقدم بعضهم على البعض، وما كان لله تعالى يجمع ذلك كله؛ فيبدأ منها بالفرائض ثم الواجبات ثم النوافل هذا إذا لم يكن بالوصية عتق منفذ ولا محاباة منجزة؛ فإن كان فيها عتق منفذ أومحاباة منجزة فإن في قول أبي … حنيفة: إن كانت المحاباة متقدمة على العتق يصرف (١) الثلث كله إلى المحاباة ثم إلى العتق ثم إلى سائر الوصايا على ما بيَّنَّا؛ هذا كله من زكاة شرح الطحاوي (٢). فإن تساوت في القوة بُدئ بما قدمه الموصي إذا ضاق عنها الثلث. ألا ترى أنه لما سئل رسول الله ﷺ عن السعي بأيهما نبدأ؛ قال: «ابدءوا بما بدأ الله به» (٣)، فالزكاة تعلق بها حق العباد لأن حق الفقير في القبض ثابت فكان ممتزجًا بحَقّيْن؛ والحج يخص حق الله تعالى فكانت الزكاة أقوى. وقوله: فكان الحج أقوى؛ لأن فيه تأدية الوظيفتين البدنية والمالية، وفي الزكاة تأدية وظيفة واحدة؛ ولأن الحج فرض العمر فكان فرض العمر أقوى لشموله من فرض السنة وقد جاء فيها من الوعيد؛ أما في حق الزكاة فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٤) الآية، وأما في حق الحج فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) مكان قوله: ومن لم يحج؛ وقوله ﷺ : «من مات وعليه حجة الإسلام إن شاء مات يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا وإن شاء مجوسيًّا» (٦).

стр. 5234

والكفارة في القتل والظهار واليمين مقدمة على صدقة الفطر؛ وإنما قيد بهذه الكفارات [الثلاث] (١) في التقديم على صدقة الفطر دون كفارة الفطر لما أن صدقة الفطر مقدمة على كفارة الفطر لأن كفارة الفطر تثبت بخبر الواحد وصدقة الفطر وجبت (٢) بأخبار مستفيضة والإجماع. وعلى هذا القياس يقدم بعض الواجبات على البعض؛ فمن ذلك أن صدقة الفطر تقدم على النذور لأن صدقة الفطر تجب بإيجاب الله تعالى فتكون مقدمة على ما يجب بإيجاب العبد؛ والنذور والكفارات كلها مقدمة على الأضحية [لأن الأضحية] (٣) اختلفوا في وجوبها ولم يختلفوا في وجوب النذور، والأضحية مقدمة على النوافل لأن الأضحية واجبة عندنا، ثم الترتيب بين الكفارات الثلاث أن كفارة القتل تقدم على غيرها لأن [كفارة] (٤) القتل أقوى وأكثر تغليظًا من غيرها. ألا ترى أن الإسلام شرط في ذلك دون سائر الكفارات ثم تقدم كفارة اليمين على كفارة الظهار لأن كفارة اليمين وجبت بهتك حرمة اسم الله تعالى وكفارة الظهار وجبت بإيجاب حرمة على نفسه فكانت كفارة اليمين أقوى؛ وما ليس بواجب قُدم ما قدمه الموصي بأن أوصى بأن يحج عنه تطوعًا وأوصى بأن يعتق عنه نسمة ولم يعينها تطوعًا؛ وأوصى بأن يتصدق عنه بمائة على الفقراء لا بأعيانهم (٥) فإنه يبدأ بما بدأ به الميت؛ وإنما كان كذلك لأن الموصى له (٦) في هذه الصورة واحد وهو الله تعالى؛ لأن الوصية بالحج صحت وكذلك الوصية بعتق نسمة لا يعينها (٧) صحت لله تعالى لا للعبد؛ لأن العبد إذا لم يكن بعينه (٨) كان مجهولًا والوصية للمجهول لا تصح فهو معنى قوله (٩): أن الموصى له واحد والمقصود واحد وهو التقرب إلى الله تعالى. وقوله: لما بينا، إشارة إلى قوله: [لأن الظاهر] (١٠) أن يبدأ بالأهم وصار كما إذا صرح بذلك وهو أن يقول ابدءوا بما بدأت به لزمنا تقديم ذلك على سائر الوصايا حينئذ، كذا ههنا هذا هو ظاهر الرواية؛ وروى الحسن عن أصحابنا أنه يبدأ بالأفضل فالأفضل يبدأ بالصدقة ثم بالحج ثم بالعتق سواء بدأ بالصدقة أو أخرها؛ قالوا: إن الثلث يقسم عن جميع (١١) الوصايا ما كان لله وما كان للعبد فيجعل كل جهة من جهات القربة منفردة بالضرب، ولا يجعل جهة واحدة نحو أن يقول: ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارات ولزيد (١٢) يقسم على أربعة أسهم؛ لأن كل جهة من هذه غير الجهة الأخرى، والمقصود وإن كان متحدًا وهو القربة ولكن تعتبر الجهة المسماة لأن الجهة هي المنصوص عليها، وهو كما لو أوصى للفقراء والمساكين وابن السبيل يصرف لكل جهة سهم، وإن كان المقصود من الجميع القربة؛ هذا كله في الباب الأول من وصايا المبسوط (١٣)، والفصل الرابع من وصايا الذخيرة (١٤)، والباب السادس من وصايا الإيضاح (١٥).

стр. 5235

وقد فرقنا بين هذا وبين الوصية بالعتق من قبل وذلك الفرق إنما وقع على قول أبي حنيفة: وهو الذي ذكره قبل هذا الفصل بقوله: وله أنه وصيته بعتق عبد يشترى بمائة وتنفيذها فيمن يشتري بأقل منه تنفيذ لغير الموصى له … إلى آخره (١). ومن خرج من بلده حاجًا قيد بقوله: حاجًا لأنه لو خرج للتجارة فإنه يحج من بلده هناك بالاتفاق؛ وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله: بخلاف سفر التجارة؛ ثم هذا الخلاف فيما إذا كان له وطن فإن لم يكن له وطن فمن حيث مات بالاتفاق؛ لأنه لو تجهز بنفسه للحج إنما يتجهز من حيث هو فكذلك إذا أوصى؛ وهذا لأن من لا وطن له فوطنه حيث حل وإن أحجوا عنه من موضع آخر فإن كان أقرب إلى مكة فهم ضامنون؛ وإن كان أبعد لا ضمان عليهم لأن في الأول لم يحصّلوا مقصوده بصفة الكمال والإطلاق يقتضي ذلك؛ وفي الثاني حصلوا مقصوده وزيادة، وله (٢) أن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده إلى آخره (٣). ولأبي حنيفة: وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ قال: «كل عمل ابن آدم ينقطع [بموته] (٤) إلا ثلاثة [علم علمه الناس، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له بالخير» (٥)، ذكر في كتاب الحج من هذا الكتاب] (٦)؛ والخروج للحج ليس من الثلاثة فينقطع بالموت؛ والثاني أن خروجه إنما يكون قربة بطريق أنه يتوصل به إلى أداء الحج وقد تبين أن هذا الخروج ما كان يوصله إلى ذلك والدليل عليه أنه [ظهر] (٧) بموته أن سفره كان سفر الموت لا سفر الحج، كما روي أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة» (٨)، فكان هذا في المعنى وخروجه للتجارة سواء؛ ثم هناك يحج عنه من وطنه فهنا كذلك كذا في المبسوط (٩).

стр. 5236

فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة: عما أورد مسألة الإطعام (١) عليه في الكفارة وهي أن المكفر إذا أطعم بعض المساكين ومات فأوصى وجب الإكمال بما يفي (٢) بالاتفاق كذا في الأسرار (٣)؛ ولم يبطل هناك ما أطعمه بموته؛ فيجب أن يكون في الحج كذلك. قلتُ: قال أبو حنيفة: الفرق بينهما هو أن سفر الحج لا يقبل التجزيء في حق الأمر بدليل أن الأول لو بدا له في أن لا يحج بنفسه بعدما مشى بعض الطريق وفوض الأمر إلى غيره برضا الموصي (٤) لم يجز، ولزمه رد نفقة أنفقها؛ وأما الإطعام فإنه يَقْبَل التجزيء حتى أن المأمور بالإطعام إذا أطعم البعض ثم ترك وأمر به غيره فإنه يجزئه كذا في الأسرار (٥). على ما قررناه أراد به قوله قبيل هذا: ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلًا من بلده يحج راكبًا؛ لأن الواجب لله تعالى الحج من بلده إلى آخره (٦). والله أعلم بالصواب. * * * بابُ الوصيَّة للأقارب وغيرهم إنما أخر هذا الباب عما تقدمه لأن في هذا الباب ذكر أحكام وصية لقوم مخصوصين؛ وفيما تقدمه ذكر أحكام الوصايا على وجه العموم؛ والخصوص أبدًا يتلو العموم وجودًا فكذا ذكرًا وذلك عند اتحاد المسجد، وإذا اختلف المسجد زال الاختلاط؛ وما يُروى فيه ضعيف وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الجار أربعون دارًا هكذا وهكذا وهكذا» (٧)، وهذا خبر لا يعرف، وقد طُعِن في راويه مع ذلك كذا في شرح الأقطع (٨).

стр. 5237

ويستوي فيه الساكن والمالك قال محمد: في الزيادات (١) (٢): وينبغي على قياس قول أبي حنيفة: أن يدخل السكان تحت الوصية من الجيران المتلازقين وإن كانوا لا يملكون المسكن، ومن كان مالكًا ولم يكن ساكنًا لا يدخل. قال أبو بكر بن شاهويه (٣): فهذه كرحم أبيه من محمد في مذهب أبي حنيفة وليس كذلك فإنه بنى هذا الحكم على استحقاق الشفعة للملاك دون السكان كذا في المغني (٤). ويدخل فيه العبد الساكن لإطلاقه ولا يدخل عندهما لأن الوصية لو (٥) ثبتت لكان الاستحقاق للمولى [والمولى] (٦) ليس بجار؛ فأما المكاتبون فيدخلون لأن الاستحقاق يثبت لهم؛ والأرملة تدخل لأن سكناها مضاف إليها؛ والتي هي ذات بعل لا تدخل لأن سكناها غير مضاف إليها فلم تكن جارًا حقيقة كذا في الذخيرة (٧) والإيضاح (٨). ومن أوصى لأصهاره أي لأقرباء امرأته؛ وفي الصحاح (٩) الأصهار أهل بيت المرأة وإن كانت في عدة من طلاق [بائن] (١٠) لا يستحقها، وإن كانت ترث منه بأن كان الطلاق في حالة المرض كذا في المغني (١١). ومن أوصى لأقاربه (١٢) فهي للأقرب فالأقرب إلى أن قال: وقالا: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام؛ وهذا كان في زمن محمد: فإن في زمنه ما كان في أقرباء الإنسان الذين ينسبون إليه إلى أقصى أب له في الإسلام كثرة؛ فأما في زماننا ففيهم كثرة لا يمكن إحصاؤهم فتصرف الوصية إلى أولاد أبيه (١٣) وجده وجد أبيه وأولاد أمه وجدته وجد أمه؛ ولا تصرف إلى أكثر من ذلك كذا كان بخط شيخي: محالًا إلى بعض شروح المشائخ للمبسوط (١٤).

стр. 5238

وقوله: فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه إلى آخره (١). وحاصله أن عند أبي حنيفة في هذه المسألة يشترط ستة أشياء: أحدها: أن يكون المستحق بهذا اللفظ ذا رحم محرم من الموصي. والثاني: أن ذلك لا يتفاوت من قبل الآباء والأمهات. والثالث: يجب أن يكون (٢) ممن لا يرثه. والرابع: أن يقدم الأقرب فالأقرب. والخامس: أن يكون المستحق به اثنين فصاعدًا. والسادس: أن لا يدخل فيه الولد والوالد، إلى هذا أشار في المبسوط (٣)؛ ثم ذكر فيه وعندهما ذو الرحم المحرم وغير ذي الرحم سواء بل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام يستوون في الاستحقاق. وفي بيان هذا اللفظ على قولهما وجهان أحدهما: أقصى أب له أسلم. والثاني: أن من يناسبه إلى أقصى أب أدرك الإسلام يدخل في هذه الوصية سواء أسلم أو لم يسلم؛ وتفاوت ما بين القولين أن الموصي إذا كان عَلَويًّا (٤) فعلى القول الأول أقصى الأب هو علي- ﵁ -فلا يدخل في الوصية أولاد عقيل وجعفر. وعلى الطريق الثاني: أقصى الأب هو أبو طالب لأنه أدرك الإسلام وإن لم يسلم فيدخل فيه أولاد عقيل وجعفر وإلى هذا أشار في الأصل (٥) (٦). وقال: كل أب يجمعهم منذ كان الإسلام؛ وجه قول أبي حنيفة: أن مقصوده بهذه الوصية صلة القرابة وقرابة ذي الرحم المحرم يفرض وصلها وإذا تجرد الرحم عن المحرمية لا يفرض وصلها، وما ليس بفرض لا يكون مزاحمًا للفرض، وبالإجماع يتناول هذا اللفظ ذا الرحم المحرم؛ والدليل على صحة هذه القاعدة حرمة الرجوع في الهبة والعتق عند دخوله في ملكه واستحقاق النفقة؛ فإنه يختص ذو الرحم المحرم؛ يقرره أن قرابة ذي الرحم الذي ليس بمحرم ثابت من وجه؛ فإن في حرمة المناكحة والأحكام التي بينا هم كالأجانب، وفي حكم الميراث (٧) تعتبر قرابتهم؛ والثابت من وجه دون وجه لا يدخل في الاسم (٨) المطلق كما أن اسم الصلاة عند الإطلاق لا يتناول صلاة الجنازة؛ واعتبار الأقرب فالأقرب لأن الصلة في حق الأقرب أوجب، والوصية أخت الميراث على معنى أنه يتعلق استحقاق المال فيهما بالموت ثم في الميراث يقدم الأقرب فالأقرب فكذلك في الوصية؛ واشتراط كون الأقرب غير وارث (٩) له لأن مقصود الموصي تصحيح وصيته ولا وصية للوارث شرعًا؛ واعتبار المثنى فصاعدًا لأن اللفظ لفظ الجمع ولفظ الجمع في الميراث يتناول المثنى فصاعدًا.

стр. 5239

بخلاف ما إذا أوصى لذي قرابته، فصيغة (١) اللفظ هنا تتناول الواحد فصاعدًا وإنما لا يدخل الواحد (٢) فيه عندنا خلافًا للشافعي:؛ والقياس ما ذهب إليه فإن من اتصل بالمرء بغير واسطة يكون أقرب إليه ممن يتصل بواسطة، ولكنا نقول: إن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين فقال: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٣) وإنما يعطف الشيء على غيره؛ ثم من حيث العرف (٤) العاقل لا يقول لوالده هو قريبي، ومن قال ذلك ينسب إلى السفه ويعد عقوقًا منه، فعرفنا أن القريب في لسان الناس من يتقرب إلى غيره بواسطة، والولد يتقرب إليه بغير واسطة كالأب فلا يدخل واحد منهما في هذه الوصية كذا في المبسوط (٥). و [لا] (٦) معتبر بظاهر اللفظ بعد (٧) انعقاد الإجماع على تركه، هذا جواب عن قولهما أن القريب مشتق من القرابة فيكون اسمًا لمن قامت به. وذكر في شرح الأقطع ههنا سؤالًا وجوابًا فقال، فإن قيل، تساوَوْا (٨) في سبب الاستحقاق وهو اسم القرابة فوجب أن يتساووا في الاستحقاق أصله [إذا أوصى] (٩) لبني فلان؛ الجواب أن تعلق الاستحقاق بالاسم يخالف الإجماع لأن أبا حنيفة: اعتبر الأقرب، وأبو يوسف ومحمد (١٠): اعتبرا من ينسب إلى أقصى أب في الإسلام، والشافعي اعتبر من ينسب إلى الأب الأقرب الأدنى وما خالف الإجماع لا يصح. وإذا أوصى لأقاربه وله عمَّان وخالان فإن كان له ولد يحرز ميراثه فالثلث لعميه عند أبي حنيفة: لأنهما أقرب إليه من الخالين. ألا ترى أنهما في الميراث يتقدمان على الخالين، وأن بالعمومة يستحق العصوبة وأقوى ما يستحق بالقرابة العصوبة. وفي قول أبي يوسف ومحمد: الخالان والعمان في الثلث سواء؛ ولو ترك عمًّا وخالين فللعم نصف الوصية والنصف للخالين؛ لأنه لابد من اعتبار معنى الجمع وهو الاثنان في الوصية يعني لو كان العم اثنين كان لكل واحد منهما النصف فكذا إذا انفرد كان له النصف أيضًا.

стр. 5240

فإن قلت: في هذا التقدير يلزم أن يجعل عدم المزاحم بمنزلة المزاحم. قلت (١): إذا كان معه عم آخر كان له النصف فكذا إذا لم يكن معه عم آخر كان له النصف أيضًا فحينئذٍ كان لقائل أن يقول: إذا كان له عم واحد كان له الثلث لأنه إذا كان معه عمان (٢) كان له الثلث فكذا إذا لم يكن معه غيره؛ وكذلك يجب أن يكون له الربع أو الخمس عند الانفراد على تقدير أن يكون معه (٣) ثلاثة أعمام أو أربعة أعمام، وكذلك فيما وراء ذلك ولا يقول به أحد؛ قلتُ: لا يلزم ذلك لأن اعتبار الجموع كلها من الثلاثة والأربعة وغيرها ساقط لتعذر اعتبارها، فتعين أدنى الجموع المستعمل فيه وأدنى الجموع في الوصية والميراث الاثنان، فاعتبر هو وما وراءه لم يعتبر؛ وهذا لأن نقصان حقه عن النصف باعتبار المزاحمة وعدم المزاحمة إذا لم يكن معه غيره أظهر من عدمها إذا كان معه آخر؛ فإذا أخذ العم النصف صار كأن لم يكن فيكون الباقي من الثلث للخالين، وفي قولهما الثلث بينهم أثلاث إلى هذا أشار في المبسوط (٤). فله نصف الثلث لما بينا أراد قوله لأنه لابد من اعتبار معنى الجمع وهو الاثنان إلى آخره (٥). وهي أقوى أي قرابة العمومة أقوى من قرابة الخؤولة والأنسباء في جميع النسب (٦) كالأنصباء في جميع النصب (٧). وقالا: يتناول كل من يعولهم وتصيبهم (٨) نفقته، ولكن لا يدخل تحت هذه الوصية مماليكه وإن كان يصيبهم نفقته كذا في المغني (٩).

стр. 5241

لأن الإنسان يتجنس بأبيه لأن الجنس عبارة عن النسب، والأنساب إنما تكون من جنس قوم أبيه لا من جنس قوم أمه؛ فإن إسماعيل ﷺ كان من هاجر وكان من جنس قوم أبيه؛ وإبراهيم- ﵁ -ابن رسول الله ﷺ كان من جنس قريش؛ وأولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة فعلمنا أنهم يدخلون في هذا اللفظ دون عشيرة الأم كذا في المبسوط (١). ولو أوصى لأيتام بني فلان فاليتيم اسم لصغير مات أبوه لقوله النبي ﷺ : «لا يتم بعد الحلم» (٢)؛ ولأن اليتيم عبارة عن الانفراد يقال: درة يتيمة أي لا نظير لها فهي منفردة؛ فمن انفرد عمن يربيه في حال حاجته إلى التربية كان يتيمًا، وبعد البلوغ قد استغنى عمن يربيه لقدرته على القيام بمصالح نفسه فلا يسمى يتيمًا. فإن قيل: أليس أن الكفار كانوا يسمون رسول الله ﷺ يتيم أبي طالب. قلنا: هذا لطف من الله تعالى لنبيه فإنهم كانوا يسبون اليتيم وهو ليس بيتيم، فلا يتناوله بسبهم كما كانوا يسمونه مذممًا ويسبون المذمم، ولا يتناوله لأنه كان محمدًا، ثم يدخل فيه الغني والفقير ههنا لتحقق معنى اليتم في الفريقين كذا في وصايا الجامع الكبير (٣) لشمس الأئمة السرخسي:. وقوله: وإن كانوا قومًا يحصون دخل في الوصية فقراؤهم وأغنياؤهم؛ وإن كانوا لا يحصون فالوصية للفقراء منهم؛ ثم حد الإحصاء عن أبي يوسف: أن لا يحصوا الانكباب وحساب لهم لا يحصون. وقيل: إذا كان لا يحصيهم المحصي حتى يلد فيهم مولودًا ويموت فيهم أحد فإنهم لا يحصون؛ وقال محمد: إذا كانوا أكثر من مائة فإنهم لا يحصون؛ وقال بعضهم: فهو مفوض إلى رأي القاضي وعليه الفتوى؛ والأيسر ما قاله محمد: كذا في فتاوى قاضي خان: (٤). أو لأيامى بني فلان وهم لا يحصون حيث تبطل الوصية. فإن قيل: كيف فرق بين الأرامل والأيامى في حق الاسم والحكم المرتب عليهما حيث جعل الأرامل من أسماء الحاجة؛ وعدم الإحصاء فيهم غير مانع لصحة الوصية لهم؛ ولم يجعل الأيامى من أسماء الحاجة وجعل عدم الإحصاء فيهم مانعًا لصحة الوصية مع أن الأيم والأرملة اسمان مترادفان لامرأة لا زوج لها في اللغة.

стр. 5242

قلتُ: نعم كذلك وهما وإن كانا اسمين مترادفين لامرأة لا زوج لها استعمالًا ولكن في أصل ما يرجع إليه اشتقاقهما يفترقان؛ فاختلاف الحكم المبني عليهما كان بسبب اختلاف مرجعهما (١) إلى ذلك الأصل. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي: في الجامع الكبير: ولو أوصى بثلث ماله لأرامل بني فلان وهم يحصون أو لا يحصون فالوصية (٢) جائزة؛ لأن في الحقيقة معنى هذا الاسم ما ينبيء (٣) عن الحاجة؛ يقال أرمل القوم إذا نفد ما عندهم من الزاد فصاروا محتاجين ثم قال: الأرامل للنساء خاصة دون الرجال؛ وقال الشافعي (٤) يدخل فيه النساء والرجال ولكنا نقول: يتناول النساء خاصةً؛ لأن معنى مفارقة الزوج في هذا اللفظ معتبر فإن من لم تتزوج لا تسمى أرملة؛ ونفقة الزوجات على الأزواج شرعًا فالمرأة إذا فارقها زوجها نفد (٥) ما كان لها من النفقة بهذه المفارقة تسمى أرملة؛ وأما الرجل فلم ينفد زاده بهذه الفرقة إذ ليس له عليها (٦) شيء من الزاد فلا يكون أرمل؛ ثم الأرامل من النساء البالغة (٧) التي كان لها زوج ففارقها أو مات عنها سواء دخل بها أو لم يدخل وهي محتاجة لما بينا أن حقيقة المعنى فيه نفاد زادها بسقوط نفقتها عن زوجها. ثم قال: ولو أوصى بثلث ماله لأيامى بني فلان وإن كن لا يحصون فالوصية باطلة؛ لأنه ليس في الاسم ما ينبئ عن الحاجة، فالتأيم هو البعد عن الزوج، وإذا لم يكن فيه ما ينبيء عن الحاجة تعذر إدخال الكل في الوصية إذا كن لا يحصين فبطلت الوصية؛ وإن كن يحصين (٨) فالوصية جائزة؛ ولا يدخل في الأيامى الرجال إنما الوصية للنساء خاصة، وكان الكرخي: يقول: يدخل فيه النساء والرجال، ولكن قول محمد: حجة في اللغة. وذكر في المغرب أيضًا ما يدل على أن اختلاف الحكم فيهما واقع على إنباء اللغة على ذلك؛ وقال أرمل أي افتقر من الرمل (٩) كادفع من الدفعاء وهي التراب، ثم قال: وفي التهذيب يقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل أو امرأة أرمل ولا يقال للتي لا زوج لها [وهي] (١٠) موسرة أرملة فعلم بهذا أن معنى الفقر لازم في الأرمل، والأيم التي لا زوج لها بكرًا كان أو ثيبًا؛ ورجل أيم أيضًا وقد آمت آيمة والفقر فيه ليس بلازم فلذلك صار اسم الأيامى بمنزلة اسم الشبان في أنه لا ينبئ عن الحاجة.

стр. 5243

وقوله: بخلاف ما إذا أوصى لشبّان بني فلان وهم لا يُحصَون أو لأيامى بني فلان وهم لا يحصون حيث تبطل الوصية، ثم إنما تبطل الوصية لقوم لا يحصون إذا كان اسم ذلك القوم لا ينبئ عن الحاجة كالشبان؛ وإن كان ينبئ عن الحاجة كالفقراء والمساكين تصح الوصية، وإن كانوا لا يحصون للمعنى الذي ذكره الإمام شمس الأئمة والمعروف بصدر حميد (١): في أصل باب من يوصي لبني فلان من وصايا الجامع الكبير فقال: إن الاستحقاق متى علق بالنسبة فإن كان في اللفظ ما ينبئ عن الحاجة صحت الوصية وإن كانوا لا يحصون لأن مقصود الموصي إزالة حاجة المحتاج؛ وجهة القربة والوصية متى وقعت بجهة هي قربة صار المراد بها وجه الله تعالى؛ والله تعالى واحد لا شريك له فلم تكن للجهالة فيه تصور، فكان هذا والوصية بالصدقة المطلقة سواء، وإذا لم يكن في لفظه ما ينبئ عن الحاجة لم تكن القربة (٢) فيها مقصودة بل كان المقصود هو التمليك من المسمى؛ وجهالة المتملك (٣) مانعة صحة التمليك فلابد من إعلام المسمى لذلك، وذلك لأنه إذا سمى قومًا يحصون تصح الوصية لصحة التمليك منهم؛ وأما إذا كانوا لا يحصون فتبطل الوصية لجهالة تمكنت في المصروف إليه على وجه لا يمكن رفعها؛ فإن الصرف إلى الكل غير ممكن لكثرتهم، وليس بعضهم بأولى من البعض فكانت الوصية باطلة بمنزلة الوصية لبني آدم أو لأهل الدنيا. وقال في الصحاح (٤): الشباب جمع شاب وكذلك الشبان (٥). وفي الإيضاح: وقال أبو يوسف: إذا أوصى لشبان أهل بيته أو لكهولهم أو لمشائخهم فالشباب من خمسة عشر إلى خمسين سنة إلى أن يغلب عليه الشمط؛ والكهل من ثلاثين سنة إلى آخر عمره؛ والشيخ ما زاد على خمسين سنة؛ وجعل أبو يوسف: الشيخ والكهل سواء فيما زاد على الخمسين. وروي عن محمد: أنه قال: الغلام ما كان له أقل من خمسة عشر؛ والفتى من بلغ خمسة عشر وفوق ذلك؛ والكهل إذا بلغ أربعين فزاد عليه؛ وما بين خمسين إلى ستين إلى أن يغلب عليه الشيب فحينئذٍ يكون شيخًا. ولو أوصى لبني فلان يدخل فيه الإناث في قول أبي حنيفة: أول قوله وهو قولهما.

стр. 5244

ثم اعلم أن عندهما إنما يدخل الإناث تحت هذه الوصية فيما إذا اختلط الذكور والإناث وأما إذا انفرد الإناث فلا شيء لهن بالاتفاق؛ ثم هذا الذي ذكره فيما إذا كان فلان ذلك أبا الأولاد؛ وأما إذا كان بنو فلان اسم قبيلة أو اسم فخذ وهو أخص من اسم القبيلة يتناول الذكور والإناث بالاتفاق لأن حقيقةَ الاسم للذكور وانتظامه للإناث يجوز. ألا ترى أنه يستقيم [أن ينفي] (١) (٢) اسم البنين عن البنات بإثبات غيره وهو اسم البنات؛ ولا يستقيم نفي هذا الاسم عن الذكور بحال، وهذا هو علامة الفرق بين الحقيقة والمجاز كذا في المبسوط (٣). فلهذا يدخل فيه موالي العتاقة أي الفقراء [منهم] (٤). وقال في الجامع [الكبير] (٥) لشمس الأئمة وإن كان في بني فلان موالي عتاقة فقراء وموالٍ أسلموا على أيديهم ووالُوهُم وفقراء موالي موال وحليف لهم وعديد فهم يدخلون جميعًا في الوصية يَقْسِم الوصي بين من يَقدر عليهم من فقرائهم، والحليف اسم من يأتي قبيلةً فيحلف لهم ويحلفون له على التناصر؛ والعديد من يعد نفسه منهم وهم عدوا (٦) ذلك له من غير حلف (٧)، وإنما دخل الكل لأن الإيجاب ههنا تعلق بالنسبة إلى القبيلة وهم في هذه النسبة سواء للتناصر بينهم بهذه الأسباب. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال: «موالي القوم من أنفسهم وحليفهم [منهم] (٨)» (٩)، وهذا لأن حقيقة النسب تكون في حكم المنقطع بالامتداد. [ألا ترى أن أحدًا لا ينسب إلى آدم ﷺ بالنسب ولكن بالنسبة يقال أنه من بني آدم] (١٠) ولما كان كذلك استوى الكل في الاستحقاق بهذا الاسم لاستوائهم في التناصر؛ بخلاف ما إذا كان فلان أبو أولاد ليس بقبيلة ولا فخذ فهنالك حقيقة النسب متصل غير منقطع فيتعلق الاستحقاق به ولا يدخل الموالي فيه.

стр. 5245

ومن أوصى لولد فلان فالوصية بينهم للذكر والأنثى [سواء] (١) حتى لو كان لفلان بنات لا غير دخلن تحت الوصية لأن الوصية حصلت باسم الولد واسم الولد يطلق على الإناث حالة الانفراد كما يطلق على الذكور، يقال: هذه المرأة ولد فلان؛ بخلاف ما لو أوصى لبني فلان ولفلان بنات لا غير فإنه لا شيء لهن لأن اسم البنين لا يقع على الإناث حالة الانفراد كذا في الذخيرة (٢)، وذكر الإمام المحبوبي: في الجامع الصغير في تقرير مسألة الوصية لما في البطن. وقال: لو أوصى لأولاد فلان ولم يكن لفلان ولد وإنما ولد له ولد بعد الوصية قبل موت الموصي فالوصية صحيحة. ثم قال في الذخيرة في هذه المسألة: يكون ثلث ماله بينهم بالسوية لا يفضل الذكور على الإناث لأن الموصي (٣) لم يفضل الذكور على الإناث؛ ولا يدخل أولاد الأولاد تحت هذه الوصية حال قيام أولاد الصلب فأولاد البنين وأولاد البنات في ذلك على السواء؛ لأن الموصي أوصى لولد فلان وولد فلان على الحقيقة من يولد من فلان، والذي يولد من ابنه أو بنته لم يولد من فلان؛ فكان حقيقة هذا الاسم لولد صلبه، فما دام لفلان ولد الصلب لا يدخل ولد الابن تحت الوصية كالحربي إذا أخذ أمانًا لولده فإنه إذا كان له ولد الصلب لا يدخل ولد ابنه (٤) في الأمان فكذا هذا؛ وهذا إذا كان فلان أبًا خاصًّا فأما إذا كان هذا أب فخذ فأولاد الأولاد يدخلون تحت الوصية مقام (٥) ولد الصلب؛ لأن في الأب (٦) الخاص لا يراد بهذا أولاد الأولاد لأنه قد يخلو بنوه وبناته عن الأولاد إذا كان هو أبًا خاصًّا؛ وأما إذا كان فلان فخذًا فلا يخلو بنوه وبناته عن الأولاد؛ [ثم في مسألتنا إن لم يكن لفلان إلا ولد واحد كان الثلث كله له بخلاف ما] (٧) لو أوصى لأولاد فلان وله ولد واحد فإنه يستحق النصف؛ ووجه الفرق بينهما أن الأولاد جمع وأقل الجمع في باب الوصية والميراث اثنان؛ فكان للواحد النصف كما لو أوصى لأقربائه وله عم واحد كان له النصف؛ وأما الولد فليس باسم جمع وإنما هو اسم جنس ومطلق اسم الجنس يطلق على أدنى ما يطلق عليه الاسم؛ كما لو حلف لا يشرب الماء أو لا يتزوج النساء حيث يحنث بشرب قطرة ونكاح واحدة.

стр. 5246

وإذا أوصى لأولاد فلان وليس لفلان أولاد لصلبه يدخل تحت الوصية أولاد البنين؛ وهل يدخل فيه أولاد البنات؛ ففيه روايتان. ومن أوصى لورثة فلان إلى آخره (١) ثم في هذه المسألة لو مات الموصي قبل أن يموت الموصى لورثته فالوصية باطلة؛ وإن [مات] (٢) الموصى لورثته قبل موت الموصي فهو بين ورثته على عدد رءوسهم، يعني إذا ضم إليهم غيرهم بأن أوصى لفلان ولورثة فلان فإنهم يقاسمون الموصى له [بالثلث] (٣) برءوسهم فما أصابهم من ذلك قسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان فإن الذكر والأنثى فيه سواء على ما ذكر الفرق في الكتاب كذا في الإيضاح (٤). وقال الشافعي: في بعض كتبه أن الوصية لهم جميعًا. وذكر في شروح الجامع الكبير زفر مكان الشافعي هنا في قوله: إن الوصية جائزة ويدخل فيها الفريقان؛ لأن كلًا منهم يسمى مولى؛ فصار كالإخوة يعني أنه إذا أوصى لإخوة فلان فإنه يصح ويدخل فيه الأخ لأب وأم والأخ لأم والأخ لأب لأن الكل يسمى أخًا لفلان، فكذا ينبغي أن يدخل هنا المولى الأعلى والمولى الأسفل لأن كلًا منهما يسمى مولى وهذه رواية عن أبي حنيفة:. والجواب عن هذا على ظاهر الرواية هو: أن اسم الأخ يطلق على كل واحد بمعنى واحد وهو الحامل على الشخصين إلا أن محل الاشتمال مرة يكون هو الصلب ومرة يكون هو الرحم؛ فإذا اختلف محل الاشتمال [لا معنى الاشتمال] (٥) والشيء لا يختلف باختلاف محله فبقي الاسم متناولًا الكل بمعنى واحد فكان عامًّا فيجري على عمومه؛ وفيما نحن فيه المعنى مختلف لأن المولى الأعلى مُنْعِم والأسفل مُنْعَم عليه فصار بمعنى الفاعل مرة وبمعنى المفعول مرة أخرى فصار مشتركًا لا عامًا؛ لأن العام ما يشتمل جمعًا بمعنى واحد وبطل التعيين لأن مقاصد الناس مختلفة؛ من الناس من يقصد الأعلى مجازاةً وشكرًا لإنعامه؛ ومن الناس من يقصد الأسفل زيادةً للإنعام في حقه؛ فلما كان كذلك وجب التوقف حتى يقوم الدليل ولم يوجد لأن أحدًا منا لا يطلع على مقصود الموصي ومرادِهِ كذا في الجامع الكبير (٦) للإمام المعروف بصدر حميد:.

стр. 5247

ثم قوله: إن الجهة مختلفة احتراز عن لفظ الأخوة التي ذكرنا. وقوله: في موضع الإثبات احتراز عما إذا حلف لا يكلم موالي فلان حيث يتناول الأعلى والأسفل؛ لأنه مقام النفي ولا تنافي (١) فيه لأن النفي يعمه، ويتناول المتضاد والمختلف والوصية إثبات وذلك لا يعم. ألا ترى أنه لو قال ما رأيت رجلًا حُمل على كل ما يتناوله الاسم؛ ولو قال رأيت رجلًا اقتضى أنه رأى واحدًا غير معين كذا في شرح الأقطع (٢). قوله: فصار مشتركًا فلا ينتظمها لفظ واحد. فإن قلت: سلَّمنا أن المولى اسم مشترك وإثبات الحكم بالمشترك غير باطل. ألا ترى أن الله تعالى أثبت الحكم بالمشتركات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣)، وذلك لأن السامع ربما يرجح أحد المرادين على الآخر بنوع دليل ظهر له كما رجحنا الحيض على الطهر في اسم القرء [بنوع] (٤) رجحان ظهر لنا، فكيف قال في الكتاب مع هذا فالوصية باطلة. قلنا: لما لم يكن ههنا ترجيح أحد المرادين على الآخر لتعارض موجبهما على السواء لما في الوصية للأعلى معنى المجازاة وقضاء حق النعمة؛ وفي الوصية للأسفل تربية الضعيف (٥) والزيادة في الإنعام عليه صار من قبيل المجمل لكن سماه مشتركًا لصدور إجماله من الاسم المشترك الذي لا يتمكن ترجيح أحد النوعين على الآخر ولا فائدة في إجمال العبد؛ بخلاف ما أنزل الله تعالى من المجمل والمتشابه في القرآن فإن فيه فائدة سوى العمل بمعناه وهي اعتقاد حقية المراد به والاعتقاد بالحق أنه حق رأس العمل وجواز الصلاة ينظمه. فإن قلت: لا نسلم بأنه لا فائدة في إجمال العبد فإن العبد إذا أجمل فيما يجب عليه يصح ويجبر على البيان، حتى أن رجلًا لو أقر بشيء لفلان فقال: لفلان عليَّ شيء فإنه صحيح وإن كان مجملًا فيجبره القاضي على البيان. قلتُ: ذاك ليس بنظير مسألتنا؛ فإن ذلك في الواجب الذي لا يمكن الرجوع عنه بعد الإقرار؛ والذي نحن فيه من المندوب والمستحب الذي لو أوصى به ثم رجع يصح ولا يجبره القاضي على البيان؛ ولأن كلامنا فيما إذا أوصى بثلث ماله لموالي فلان ومات قبل البيان وبعد الموت (٦) لا يمكن الرجوع إليه بالاستيفاء (٧) فتبطل الوصية وذلك لعدم إمكان ترجيح أحد المرادين على الآخر [حتى] (٨).

стр. 5248

قلنا: إن الوصية في هذه الصورة باطلة إلا أن يبين ذلك في حياته. فإن قلت: لا نسلم بأن ترجيح أحد المرادين على الآخر غير ممكن (١) فإن رجحان صرف الوصية إلى المولى الأعلى (٢) الذي أعتقه ثابت لما أن شكر الإنعام واجب؛ وفضل الإنعام في حق المنعَم عليه مندوب فكان صرف الوصية إلى الواجب أولى من صرفها إلى المندوب كما هو المروي عن أبي يوسف: لهذا المعنى. قلتُ: هو كذلك إلا أن هذا الوجوب لا يدخل في الحكم، فإن القاضي لا يجبره على شكره بالإيصاء لا محالة، فكان وجوده كعدمه فلم يعتبر الوجوب لذلك؛ ولأن صرف الوصية إلى المولى الأسفل ثابت بوجه آخر وهو أن المعروف فيما بين الناس الوصية بثلث المال للفقراء ابتغاء لمرضاة الله تعالى واتباعًا للزكاة في حق المصارف؛ والغالب في المولى [الأسفل الفقر وفي المولى] (٣) الأعلى الغنى، … والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٤) فكان الصرف إلى الأسفل أولى من هذا الوجه. وهذا أيضًا مروي عن أبي يوسف: في رواية لهذا المعنى، ولما كان كذلك قد تعارض المرادان على السواء فلم يمكن الترجيح فبطلت الوصية لذلك، هذا كله مما أشار إليه في الذخيرة (٥) والجامع الكبير (٦) للإمام المعروف بصدر حميد:. ويدخل في هذه الوصية أي: في الوصية لمواليه؛ فلابد من تحقق (٧) الاسم قبله أي لابد من تحقق اسم المولى قبل الموت. وفي الجامع الكبير للإمام المعروف بصدر حميد: وإنما لم يكن للمُدَبَّرين وأمهات الأولاد شيء من الثلث لأن الموت يوجد وهؤلاء ممالكيه، [وإنما يثبت العتق بعد الموت والعتق يقع على المملوك، والوصية تقع عند الموت فيكون هؤلاء وقت وقوع الوصية ممالكيه] (٨) لا مواليه. وعن أبي يوسف: أنهم يدخلون في الوصية لأنه بالتدبير والاستيلاد استحق ولاءهم. ألا ترى أن المُدَبَّر إذا كان بين شريكين أعتقه أحدهما وضمن نصيب شريكه كان ولاؤه بينهما فدل على أن بنفس التدبير قد استحق ولاءهم فكانوا من جملة مواليه؛ ولكن ما ذكره محمد: أصح لأنهم لا ينسبون إليه بالولاء بنفس الاستحقاق بل بالإحياء الحاصل بالعتق وذلك يكون بعد موته كذا ذكره الإمام شمس الأئمة في الجامع الكبير (٩).

стр. 5249

ويدخل فيه عبد أي بالإجماع؛ لأن العتق يثبت قُبيل الموت عند تحقق عجزه لأنه كما أشرف على الموت وعجز عن الصرف (١) فقد تحقق شرط الحنث، فعتق قبل موته ويكون من مواليه عند (٢) الموت بخلاف المدبر وأم الولد فإنه يعتق بعد الموت، ويدخل فيه معتقوه وأولادهم؛ أما المعتوقون فظاهر لأن اسم الموالي للمعتقين حقيقة وكذلك أولاد الموالي فإن نسبتهم إليه بالولاء للعتق الذي باشره في آبائهم لا لعتق آخر وجد من غيره، والفروع أجزاء الأصول فكان الاسم حقيقة في الأجزاء كما هو حقيقة في الأصول؛ وهذا بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان وفلان أب الأولاد لم يدخل أولاد الأولاد مع الأولاد؛ لأن نسبتهم إليه بالولادة وقد وجد في النافلة ولادة أخرى سوى ما كان في ولد الصلب فكان الاسم مجازًا في حقهم. ألا ترى أنه يستقيم نفيه عنهم فيقال إنهم ليسوا ببنيه بل هم بنوا بنيه وههنا لا يستقيم نفي اسم المولى (٣) عن أولاد الموالي (٤) فكان الاسم لهم حقيقة. وقوله والإعتاق لازم كالجواب لسؤال من سأل وقال: لما كانت جهة المولى مختلفة لم رجحت مولى العتاقة على مولى الموالاة مع أن اسم المولى حقيقة؛ فأجاب عن رجحانه في الكتاب باللزوم في العتاق. وذكر شمس الأئمة: هذه المسألة في الجامع الكبير ولم يذكر الاختلاف فيها بل (٥) ذكر فيها القياس والاستحسان وقال: فإن كان له موال أعتقهم أو أولاد موالي [أو موالي موال] (٦) مع موالي الموالاة فلا شيء لموالي الموالاة من الثلث استحسانًا؛ لأنه ولاء ضعيف مختلف فيه بين العلماء وسببه عقد محتمل للفسخ بخلاف ولاء العتق فإنه بمنزلة النسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته، والمزاحمة لا تتحقق بين الضعيف والقوي؛ وكان [ينبغي] (٧) في القياس أن يكون الذين أسلموا على يديه ووالوه مثل موالي العتاقة لأن ولاءه على الفريقين بمباشرته سبب الولاء من عقد أو عتق فكان الاسم للفريقين حقيقة.

стр. 5250

وبخلاف ما إذا لم يكن له موالي أي موالي عتاقة. ولا أولاد الموالي أي ولا أولاد موالي العتاقة يعني حينئذٍ يصرف الثلث إلى موالي الموالاة. وفي الجامع الكبير وإن لم يكن له إلا موالي الموالاة كان الثلث لهم لأن الأحق إذا لم يوجد وجب العمل بما دونه. ولو كان له أي للموصي معتق واحد أو ولد واحد لمعتقه وموالي المولى فالنصف لمعتقه والباقي للورثة. وحاصله أنه إذا لم يكن له موال أعتقهم إنما له أولاد موال وموالي موالاة فالوصية لأولاد مواليه لما بينا أن اسم الموالي للأولاد حقيقة كما هو للآباء، فإذا صارت الحقيقة مراده يتنحى المجاز؛ ولو لم يكن له إلا موالي موال فالوصية لهم لأن الحقيقة غير مرادة باللفظ ههنا لكونه معدومًا؛ فإذا تعذر إعمال اللفظ في الحقيقة يعمل بمجازه فتصرف الوصية إلى موالي مواليه ولو كان بقي من مواليه أو من أولادهم (١) اثنان فصاعدًا فالثلث كله لهما دون موالي الموالي لأن الوصية أخت الميراث؛ وفي الميراث للمثنى (٢) حكم الجمع حتى إن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس مع أن المنصوص عليه اسم الإخوة فكذلك في الوصية للمثنى (٣) حكم الجمع ولو لم يبق من المعتقين ولا من أولادهم إلا واحد كان نصف الثلث لذلك الواحد لأن الإيجاب كان باسم الجمع فلا يستحق الواحد كله وإنما يستحق النصف. ألا ترى أنه لو كان معه آخر استحقا الجميع فيكون حظ كل واحد منهما النصف فإذا لم يكن إلا واحدًا استحق نصيبه وهو النصف والنصف الثاني (٤) مردود على الورثة ولا يكون لموالي الموالي منه أصلًا؛ لأن اللفظ صار معمولًا به في حقيقته فيتنحى المجاز عنه أصلًا؛ وهو كما قال أبو حنيفة: فيما إذا أوصى بثلث ماله لبنيه وله ابن واحد وبنو البنين فللابن نصف الثلث ولا شيء لبني البنين فهذا مثله، كذا في الجامع الكبير (٥) لشمس الأئمة:. والباقي للورثة أي لا يكون لموالي الموالي لتعذر الجمع بين الحقيقة والمجاز. ولا يدخل فيه أي فيما أوصى لمواليه، قوله: موالي أعتقهم هكذا وقع في النسخ ولكن الصواب في هذا أن يقال: موال أعتقهم ابنه أو أبوه كما هو المذكور في الإيضاح (٦) والجامع الكبير (٧)؛ لأن التعليل الذي علل به إنما يصح في الذين أعتقهم [ابنه أو أبوه لا في موالي أعتقهم] (٨) الموصي لأن أولئك مواليه حقيقة.

стр. 5251

وذكر الإمام المعروف بصدر حميد: في الجامع الكبير: ولو أن رجلًا أوصى بثلث ماله لمواليه وليس له موال أعتقهم ولا أولادهم ولا موالي الموالي لكن له موالي أبيه وموالي ابنه فلا شيء لهم من الوصية؛ لأن هذا الاسم لا يطلق عليه لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن الحقيقة هو أن يباشر إعتاق المملوك فيصير به مولى له؛ والمجاز أن يسبب لذلك بإعتاق مملوك ثم يعتق ذلك المعتق مملوكًا ولم يوجد في حق موالي الأب وموالي الابن فعل (١) الإعتاق ولا سببه. فقلنا (٢): إنهم لا يدخلون في هذه الإضافة، ووارث الإنسان من موالي أبيه وموالي ابنه ما كان لأنه مولى له ولكن الشرع أقام عصبة المعتق مقام المعتق في حق الميراث لا لأن الولاء انتقل إليه (٣)، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب لا يورث نص عليه صاحب الشرع فقال النبي ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورَث» (٤). ألا ترى أن الرجل قد يكون من قبيلة [وأبوه من قبيلة] (٥) أخرى بأن كان الرجل وابنه عبدين فاشترى الأبَ رجل تميمي والابنَ رجل أسدي فأعتق الأسدي الابنَ والتميمي الأبَ ثم إن الابن (٦) اشترى عبدًا وأعتقه ثم مات الابن ثم مات معتق الابن ولم يترك عصبة فإن ميراثه يكون للأب بحكم أنه قام مقام ابنه (٧) في التعصيب، لا لأن الولاء انتقل إليه بموت الابن (٨) لأنه لو انتقل ولاؤه إلى الأب [بعد موت الابن] (٩) كان ولاؤه لبني تميم، فإن ولاء الأب لبني تميم؛ ولم يصر الولاء لبني تميم بالاتفاق حتى إن مولى الابن لو جنى لا يكون عقله على بني تميم بل يكون على بني أسدٍ، ولو انتقل ولاؤه لكان على بني تميم لأن ولاء الأب لهم؛ ثبت بهذا أن الولاء لم ينتقل إلى الأب، والأب إنما يرث لأنه قام مقام الابن في الميراث.

стр. 5252

وحصل من هذا كله أن الذي ينسب إليه بالولاء على نوعين حقيقةٍ ومجازٍ، فالحقيقة على نوعين مولى بولاء غير قابل للفسخ وهم الموالي الذين أعتقهم وأولاد هذه الموالي، وهؤلاء هم المقدمون على غيرهم في صرف الوصية للموالي إليهم؛ ومولى بولاء قابل للفسخ وهو الموالي بولاء الموالاة وهؤلاء لا يزاحمون المقدمين لضعفهم وقوة الأولين على ما ذكرنا؛ وإن كان اسم الموالي حقيقة لهم أيضًا لأن ولاء الموصي على الفريقين بمباشرته سبب الولاء بنفسه بعتق في الأولين، وعقد في الآخرين؛ وأما المجاز فهو موالي الموالي لأنه لم يعتقهم حقيقة ولكن تسبب لإعتاق من يعتقهم فكانت نسبة ولائهم له مجازًا، فلا تصرف الوصية باسم الموالي إليهم عند وجود الحقيقة، وتصرف إليهم عند عدم الحقيقة؛ وأما موالي أبيه أو ابنه فلا ينسبون إليه بالولاء لا حقيقة ولا مجازًا؛ فلذلك لا تصرف الوصية إليهم أصلًا. قوله: بخلاف معتق البعض [هكذا وقع في النسخ لكن هو ليس بصواب بل الصواب أن يقول بخلاف معتَق المعتق] (١) كما هو المذكور في الإيضاح (٢)؛ لأنه ثبت الفرق بهذا بين موالي المولى وبين موال أعتقهم أبوه أو ابنه على ما ذكرنا من النسخة الصحيحة فيه أيضًا؛ وذلك إنما يستقيم فيما إذا قال بخلاف معتق المعتق. وأما معتق البعض فعند أبي حنيفة: لم ينسب إليه بالولاء بعد لأنه بمنزلة المكاتب؛ والمكاتب لا يدخل تحت اسم المولى عند قيام الكتابة؛ وعندهما لو نسب إليه إنما (٣) ينسب إليه بالولاء حقيقة فلا يحتاج إلى ذكره. والله أعلم. * * * بابُ الوصيَّة بالخدمةِ والسُّكنى والثمرة لما فرغ من بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالأعيان شرع في بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالمنافع (٤) (٥)؛ وأخَّر هذا الباب عنه لما أن المنافع بعد الأعيان وجودًا فلذلك أوردها ذكرًا، وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره أو غلتهما سنين معلومة، ويجوز بذلك أبدًا وهذا عندنا.

стр. 5253

وعلى قول ابن أبي ليلى (١) لا يجوز شيء من ذلك مؤقتًا ولا غير مؤقت لأن الموصي (٢) يملك الموصى به (٣) بإيجابه وذلك لا يصح منه فيما ليس بمملوك له، والمنفعة والغلَّة التي تحدث [بعد موته ليس بمملوك له وإيجابه لا يتناول المنفعة والغَلة التي تحدث] (٤) في حال حياته فتبطل (٥) وصيته بها. ولكن نقول: المنفعة تحتمل التمليك ببدل وبغير بدل في حال الحياة وتحتمل التمليك بعد الموت أيضًا؛ وهذا لأن الموصي يبقي العين على ملكه حين يجعل مشغولًا بتصرفه موقوفًا على حاجته (٦) وإنما تحدث المنفعة على ملكه؛ وإذا ثبت هذا في المنفعة فكذلك في الغلة لأنها بدل المنفعة فالوصية على خلاف الميراث فالإرث لا يجري في الخدمة بدون الرقبة؛ لأن الوراثة خلافة. وتفسيرها أن يقوم الوارث مقامَ المورث فيما كان ملكًا للمورث وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين والمنفعة لا تبقى وقتين؛ وأما الوصية إيجاب ملك بالعقد (٧) بمنزلة الإجارة والإعارة كذا في المبسوط (٨). فإنها تمليك على أصلنا أي فإن العارية تمليك المنافع على أصلنا، وهو احتراز عن قول الشافعي: فإنها إباحة المنافع لا تمليكها عنده (٩). بخلاف الميراث أي لا يجري (١٠) الإرث في المنافع وتجري الوصية فيها، والمعنى هو الحاجة. يشملها أي يشمل المنفعة والغلة، وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يومًا أي أبدًا إذا كانت الوصية بخدمة العبد مطلقة غير مؤقتة. وأما إذا أوصى بخدمة عبده سنة من غير تعيين السنة والعبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين، فإذا مضى ثلاث سنين تم وصية الموصى له بالخدمة. وحاصل ذلك أنه إذا أوصى لرجل بخدمة عبده سنة ولا مال له غيره فهو على وجهين؛ إما أن تكون السنة بعينها بأن قال: أوصيت بخدمة هذا العبد لفلان [سنة] (١١) سبعين وأربعمائة؛ أو كان بغير عينها بأن لم يقل سنة كذا.

стр. 5254

وكل وجه من ذلك على وجهين؛ إما إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج؛ فإن كانت في سنة بعينها ومضت تلك السنة بعينها قبل موت الموصي بطلت الوصية. وإن مات الموصي بعد ما مضى من تلك السنة التي عينها بعضها أو مات قبل دخول السنة ينظر إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج، ولكن أجازت الورثة فإنه يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستوفي وصيته؛ وإن كان لا يخرج ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين (١) حتى تمضي السنة التي عينها فإذا مضت يسلم العبد للورثة؛ وإن كانت السنة بغير عينها إن كان العبد يخرج من ثلث المال أو لا يخرج وقد أجازت الورثة يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستخدمه سنة كاملة ثم يرد إلى الورثة؛ وإن كان العبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإنه يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين كذا في المغني (٢) (٣). فصيرناه إلى المهاباة أي المناوبة (٤) بالأزمان فكان هذا على خلاف ما لو أوصى له بغلة عبده ولا مال له غيره كان له ثلث غلته تلك السنة؛ لأن الغلة عين مال تحتمل القسمة، وإنما تنفذ الوصية في مقدار الثلث من الغلة في سنة واحدة بخلاف الخدمة فإنها لا تحتمل القسمة بالأجزاء، فكان للموصى له أن يستوفي (٥) الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة كما لو أوصى به كذا في المبسوط (٦). وفي المهاباة تقديم أحدهما زمانًا فلم تكن المهاباة في المعادلة مثل القسمة بالأجزاء فلذلك لا يصار (٧) إلى المهاباة (٨) إلا عند تعذر قسمة السكنى بالأجزاء؛ ولكن ليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار على ما ذكر في الكتاب. فإن كان مات الموصى له عاد أي (٩) الموصى به وهو العبد أو الدار.

стр. 5255

إلى الورثة [أي إلى ورثة] (١) الموصي. استحقها أي وارث الموصى له (٢) لأن إيجابها تعلق بالموت. على ما بيناه من قبل أي في فصل اعتبار حالة الوصية في بيان الفرق بين جواز الإقرار وبطلان الوصية بقوله بخلاف الوصية لأنها إيجاب عند الموت. وبين أيضًا في أوائل كتاب الوصايا في مسألة قبول الوصيّة بعد الموت بقوله: لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به. فاستخدمه بنفسه أي استخدم الموصى له العبد الذي أوصى بغلته بنفسه فيملك تمليكها من غيره ببدل (٣) أو غير بدل كالاستئجار فإنه لو تملك المنفعة بالاستئجار في حال الحياة ملك الإجارة من غيره؛ فكذلك إذا تملك المنفعة بالوصية بعد الموت. بخلاف العارية لأنها إباحة على أصله ولهذا قال: المستعير لا يملك الإعارة من غيره. فإنها تمليك أي فإن الإعارة تمليك المنفعة بغير بدل في حال الحياة على أصلنا، حتى لو قال: ملكتك منفعة هذه الدار كانت عارية صحيحة؛ وإنما لا يتعلق بها اللزوم لكونها متعرية (٤) عن البدل. وكذلك الوصية إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي والموصى فائت لا يتصور رجوعه فيه؛ وهذا لأن المنفعة ليست بمال، وفي تمليكها بمال (٥) إحداث معنى المالية فيها فإنما (٦) تثبت هذه الولاية لمن يملكها تبعًا لملك الرقبة أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكًا لها بالصفة التي تملكها؛ [فأما إذا تملكها] (٧) مقصودة بغير عوض ثم تملكها بعوض كان مملكًا أكثر مما يملك معنى وهو لا يجوز كذا في المبسوط (٨). فإذا كانوا في مصره أي في مصر الموصي. وإذا كانوا في غيره أي في غير مصر الموصي. أو بغلَّة داره يجوز أيضًا أي كما تجوز الوصية بالخدمة، لأنه بدل المنفعة أي لأن الغلة ذكَّر الضمير الراجع إليها لتذكير الخبر وهو البدل أو بتأويل المال. فكان بالجواز أولى أي بالنسبة إلى الخدمة، يعني أن الخدمة منفعة محضة ليست فيها شائبة العينية فلما جازت الوصية بها فلأن تجوز الوصية بالغلة التي هي عبارة عن مال عين (٩) وهو الدراهم والدنانير بالطريق الأولى، كان (١٠) له ثلث غلة تلك السنة يعني لو كانت الوصية بَغَلَّةِ عبده سنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء [هذا احتراز عن الوصية بخدمة العبد فإن هناك لما لم تحتمل نفس العبد القسمة بالأجزاء] (١١) صرنا إلى قسمة استيفاء الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة على ما ذكرنا من استخدامه ثلاث سنين فيما إذا كانت السنة غير معينة؛ وأما الغلة فهي عين مال يحتمل القسمة، ولذلك قسمناها بالأجزاء لا بالمهاباة عطفًا منه لأحدهما على الآخر لأنه عطف قوله لآخر برقبته بالواو على قوله أوصى له بخدمة عبده؛ وما أوجب لكل واحد منهما بطريق العطف يحتمل الوصية بانفراده، فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا يتحقق بينهما مشاركة فيما أوجبه لكل واحد منهما؛ ثم بما صحت الوصية لصاحب الخدمة [لو لم يوص في الرقبة بشيء لصارت الرقبة ميراثًا للولد مع كون الخدمة للموصى له فكذلك إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر] (١٢) لأن الوصية قياس الميراث من حيث أن الملك يثبت بهما بعد الموت كذا في المبسوط (١٣).
следующие страницы →