← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وذكر الإمام المعروف بصدر حميد: في الجامع الكبير: ولو أن رجلًا أوصى بثلث ماله لمواليه وليس له موال أعتقهم ولا أولادهم ولا موالي الموالي لكن له موالي أبيه وموالي ابنه فلا شيء لهم من الوصية؛ لأن هذا الاسم لا يطلق عليه لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن الحقيقة هو أن يباشر إعتاق المملوك فيصير به مولى له؛ والمجاز أن يسبب لذلك بإعتاق مملوك ثم يعتق ذلك المعتق مملوكًا ولم يوجد في حق موالي الأب وموالي الابن فعل (١) الإعتاق ولا سببه. فقلنا (٢): إنهم لا يدخلون في هذه الإضافة، ووارث الإنسان من موالي أبيه وموالي ابنه ما كان لأنه مولى له ولكن الشرع أقام عصبة المعتق مقام المعتق في حق الميراث لا لأن الولاء انتقل إليه (٣)، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب لا يورث نص عليه صاحب الشرع فقال النبي ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورَث» (٤). ألا ترى أن الرجل قد يكون من قبيلة [وأبوه من قبيلة] (٥) أخرى بأن كان الرجل وابنه عبدين فاشترى الأبَ رجل تميمي والابنَ رجل أسدي فأعتق الأسدي الابنَ والتميمي الأبَ ثم إن الابن (٦) اشترى عبدًا وأعتقه ثم مات الابن ثم مات معتق الابن ولم يترك عصبة فإن ميراثه يكون للأب بحكم أنه قام مقام ابنه (٧) في التعصيب، لا لأن الولاء انتقل إليه بموت الابن (٨) لأنه لو انتقل ولاؤه إلى الأب [بعد موت الابن] (٩) كان ولاؤه لبني تميم، فإن ولاء الأب لبني تميم؛ ولم يصر الولاء لبني تميم بالاتفاق حتى إن مولى الابن لو جنى لا يكون عقله على بني تميم بل يكون على بني أسدٍ، ولو انتقل ولاؤه لكان على بني تميم لأن ولاء الأب لهم؛ ثبت بهذا أن الولاء لم ينتقل إلى الأب، والأب إنما يرث لأنه قام مقام الابن في الميراث.

стр. 5252

وحصل من هذا كله أن الذي ينسب إليه بالولاء على نوعين حقيقةٍ ومجازٍ، فالحقيقة على نوعين مولى بولاء غير قابل للفسخ وهم الموالي الذين أعتقهم وأولاد هذه الموالي، وهؤلاء هم المقدمون على غيرهم في صرف الوصية للموالي إليهم؛ ومولى بولاء قابل للفسخ وهو الموالي بولاء الموالاة وهؤلاء لا يزاحمون المقدمين لضعفهم وقوة الأولين على ما ذكرنا؛ وإن كان اسم الموالي حقيقة لهم أيضًا لأن ولاء الموصي على الفريقين بمباشرته سبب الولاء بنفسه بعتق في الأولين، وعقد في الآخرين؛ وأما المجاز فهو موالي الموالي لأنه لم يعتقهم حقيقة ولكن تسبب لإعتاق من يعتقهم فكانت نسبة ولائهم له مجازًا، فلا تصرف الوصية باسم الموالي إليهم عند وجود الحقيقة، وتصرف إليهم عند عدم الحقيقة؛ وأما موالي أبيه أو ابنه فلا ينسبون إليه بالولاء لا حقيقة ولا مجازًا؛ فلذلك لا تصرف الوصية إليهم أصلًا. قوله: بخلاف معتق البعض [هكذا وقع في النسخ لكن هو ليس بصواب بل الصواب أن يقول بخلاف معتَق المعتق] (١) كما هو المذكور في الإيضاح (٢)؛ لأنه ثبت الفرق بهذا بين موالي المولى وبين موال أعتقهم أبوه أو ابنه على ما ذكرنا من النسخة الصحيحة فيه أيضًا؛ وذلك إنما يستقيم فيما إذا قال بخلاف معتق المعتق. وأما معتق البعض فعند أبي حنيفة: لم ينسب إليه بالولاء بعد لأنه بمنزلة المكاتب؛ والمكاتب لا يدخل تحت اسم المولى عند قيام الكتابة؛ وعندهما لو نسب إليه إنما (٣) ينسب إليه بالولاء حقيقة فلا يحتاج إلى ذكره. والله أعلم. * * * بابُ الوصيَّة بالخدمةِ والسُّكنى والثمرة لما فرغ من بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالأعيان شرع في بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالمنافع (٤) (٥)؛ وأخَّر هذا الباب عنه لما أن المنافع بعد الأعيان وجودًا فلذلك أوردها ذكرًا، وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره أو غلتهما سنين معلومة، ويجوز بذلك أبدًا وهذا عندنا.

стр. 5253

وعلى قول ابن أبي ليلى (١) لا يجوز شيء من ذلك مؤقتًا ولا غير مؤقت لأن الموصي (٢) يملك الموصى به (٣) بإيجابه وذلك لا يصح منه فيما ليس بمملوك له، والمنفعة والغلَّة التي تحدث [بعد موته ليس بمملوك له وإيجابه لا يتناول المنفعة والغَلة التي تحدث] (٤) في حال حياته فتبطل (٥) وصيته بها. ولكن نقول: المنفعة تحتمل التمليك ببدل وبغير بدل في حال الحياة وتحتمل التمليك بعد الموت أيضًا؛ وهذا لأن الموصي يبقي العين على ملكه حين يجعل مشغولًا بتصرفه موقوفًا على حاجته (٦) وإنما تحدث المنفعة على ملكه؛ وإذا ثبت هذا في المنفعة فكذلك في الغلة لأنها بدل المنفعة فالوصية على خلاف الميراث فالإرث لا يجري في الخدمة بدون الرقبة؛ لأن الوراثة خلافة. وتفسيرها أن يقوم الوارث مقامَ المورث فيما كان ملكًا للمورث وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين والمنفعة لا تبقى وقتين؛ وأما الوصية إيجاب ملك بالعقد (٧) بمنزلة الإجارة والإعارة كذا في المبسوط (٨). فإنها تمليك على أصلنا أي فإن العارية تمليك المنافع على أصلنا، وهو احتراز عن قول الشافعي: فإنها إباحة المنافع لا تمليكها عنده (٩). بخلاف الميراث أي لا يجري (١٠) الإرث في المنافع وتجري الوصية فيها، والمعنى هو الحاجة. يشملها أي يشمل المنفعة والغلة، وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يومًا أي أبدًا إذا كانت الوصية بخدمة العبد مطلقة غير مؤقتة. وأما إذا أوصى بخدمة عبده سنة من غير تعيين السنة والعبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين، فإذا مضى ثلاث سنين تم وصية الموصى له بالخدمة. وحاصل ذلك أنه إذا أوصى لرجل بخدمة عبده سنة ولا مال له غيره فهو على وجهين؛ إما أن تكون السنة بعينها بأن قال: أوصيت بخدمة هذا العبد لفلان [سنة] (١١) سبعين وأربعمائة؛ أو كان بغير عينها بأن لم يقل سنة كذا.

стр. 5254

وكل وجه من ذلك على وجهين؛ إما إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج؛ فإن كانت في سنة بعينها ومضت تلك السنة بعينها قبل موت الموصي بطلت الوصية. وإن مات الموصي بعد ما مضى من تلك السنة التي عينها بعضها أو مات قبل دخول السنة ينظر إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج، ولكن أجازت الورثة فإنه يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستوفي وصيته؛ وإن كان لا يخرج ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين (١) حتى تمضي السنة التي عينها فإذا مضت يسلم العبد للورثة؛ وإن كانت السنة بغير عينها إن كان العبد يخرج من ثلث المال أو لا يخرج وقد أجازت الورثة يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستخدمه سنة كاملة ثم يرد إلى الورثة؛ وإن كان العبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإنه يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين كذا في المغني (٢) (٣). فصيرناه إلى المهاباة أي المناوبة (٤) بالأزمان فكان هذا على خلاف ما لو أوصى له بغلة عبده ولا مال له غيره كان له ثلث غلته تلك السنة؛ لأن الغلة عين مال تحتمل القسمة، وإنما تنفذ الوصية في مقدار الثلث من الغلة في سنة واحدة بخلاف الخدمة فإنها لا تحتمل القسمة بالأجزاء، فكان للموصى له أن يستوفي (٥) الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة كما لو أوصى به كذا في المبسوط (٦). وفي المهاباة تقديم أحدهما زمانًا فلم تكن المهاباة في المعادلة مثل القسمة بالأجزاء فلذلك لا يصار (٧) إلى المهاباة (٨) إلا عند تعذر قسمة السكنى بالأجزاء؛ ولكن ليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار على ما ذكر في الكتاب. فإن كان مات الموصى له عاد أي (٩) الموصى به وهو العبد أو الدار.

стр. 5255

إلى الورثة [أي إلى ورثة] (١) الموصي. استحقها أي وارث الموصى له (٢) لأن إيجابها تعلق بالموت. على ما بيناه من قبل أي في فصل اعتبار حالة الوصية في بيان الفرق بين جواز الإقرار وبطلان الوصية بقوله بخلاف الوصية لأنها إيجاب عند الموت. وبين أيضًا في أوائل كتاب الوصايا في مسألة قبول الوصيّة بعد الموت بقوله: لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به. فاستخدمه بنفسه أي استخدم الموصى له العبد الذي أوصى بغلته بنفسه فيملك تمليكها من غيره ببدل (٣) أو غير بدل كالاستئجار فإنه لو تملك المنفعة بالاستئجار في حال الحياة ملك الإجارة من غيره؛ فكذلك إذا تملك المنفعة بالوصية بعد الموت. بخلاف العارية لأنها إباحة على أصله ولهذا قال: المستعير لا يملك الإعارة من غيره. فإنها تمليك أي فإن الإعارة تمليك المنفعة بغير بدل في حال الحياة على أصلنا، حتى لو قال: ملكتك منفعة هذه الدار كانت عارية صحيحة؛ وإنما لا يتعلق بها اللزوم لكونها متعرية (٤) عن البدل. وكذلك الوصية إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي والموصى فائت لا يتصور رجوعه فيه؛ وهذا لأن المنفعة ليست بمال، وفي تمليكها بمال (٥) إحداث معنى المالية فيها فإنما (٦) تثبت هذه الولاية لمن يملكها تبعًا لملك الرقبة أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكًا لها بالصفة التي تملكها؛ [فأما إذا تملكها] (٧) مقصودة بغير عوض ثم تملكها بعوض كان مملكًا أكثر مما يملك معنى وهو لا يجوز كذا في المبسوط (٨). فإذا كانوا في مصره أي في مصر الموصي. وإذا كانوا في غيره أي في غير مصر الموصي. أو بغلَّة داره يجوز أيضًا أي كما تجوز الوصية بالخدمة، لأنه بدل المنفعة أي لأن الغلة ذكَّر الضمير الراجع إليها لتذكير الخبر وهو البدل أو بتأويل المال. فكان بالجواز أولى أي بالنسبة إلى الخدمة، يعني أن الخدمة منفعة محضة ليست فيها شائبة العينية فلما جازت الوصية بها فلأن تجوز الوصية بالغلة التي هي عبارة عن مال عين (٩) وهو الدراهم والدنانير بالطريق الأولى، كان (١٠) له ثلث غلة تلك السنة يعني لو كانت الوصية بَغَلَّةِ عبده سنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء [هذا احتراز عن الوصية بخدمة العبد فإن هناك لما لم تحتمل نفس العبد القسمة بالأجزاء] (١١) صرنا إلى قسمة استيفاء الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة على ما ذكرنا من استخدامه ثلاث سنين فيما إذا كانت السنة غير معينة؛ وأما الغلة فهي عين مال يحتمل القسمة، ولذلك قسمناها بالأجزاء لا بالمهاباة عطفًا منه لأحدهما على الآخر لأنه عطف قوله لآخر برقبته بالواو على قوله أوصى له بخدمة عبده؛ وما أوجب لكل واحد منهما بطريق العطف يحتمل الوصية بانفراده، فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا يتحقق بينهما مشاركة فيما أوجبه لكل واحد منهما؛ ثم بما صحت الوصية لصاحب الخدمة [لو لم يوص في الرقبة بشيء لصارت الرقبة ميراثًا للولد مع كون الخدمة للموصى له فكذلك إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر] (١٢) لأن الوصية قياس الميراث من حيث أن الملك يثبت بهما بعد الموت كذا في المبسوط (١٣).

стр. 5256

فإن قلت: فعلى من تكون النفقة في هذه الصورة. قلتُ: قال الإمام التمرتاشي: ولو أوصى لرجل بدار ولآخر بسكناها فالنفقة على صاحب السكنى لأن المنفعة تحصل له، ونفقة العبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر على صاحب الخدمة؛ فإن مرض إن لم يستطع معه الخدمة فعلى الموصى له برقبته؛ وإن استطاع فعلى صاحب الخدمة وهكذا قالوا في المرأة إذا مرضت إن لم يمكن الانتفاع بها بوجه ما لا نفقة لها وإلا فلها النفقة. وذكر في المبسوط ونفقة العبد وكسوته على صاحب الخدمة لأنه إنما يتمكن من استخدامه إذا أنفق عليه فإن العبد لا يقوى [على الخدمة] (١) إلا بذلك وهو أحق بخدمته فيلزمه نفقته كالمستعير، فإنه ينفق على المستعار وينتفع به؛ وإن أبى أن ينفق رَدَّهُ على صاحبه فهذا كذلك أيضًا؛ فإن كان أوصى بخدمة عبد صغير (٢) لإنسان وبرقبته لآخر وهو يخرج من الثلث فنفقته على صاحب الرقبة حتى يدرك الخدمة، فإذا خدم صارت نفقته على صاحب الخدمة لأن بالنفقة عليه في حالة الصغر تنمو العين والمنفعة في ذلك لصاحب الرقبة؛ وإذا صار بحيث يخدم فهو بالنفقة (٣) يتقوى على الخدمة والمنفعة في ذلك لصاحب الخدمة فلهذا كانت النفقة عليه؛ ثم نفقة المملوك على المالك باعتبار الأصل إلا أن يصير معدًّا لانتفاع الغير به فحينئذٍ تكون النفقة على المنتفع كالمولى (٤) إذا زوج أَمَته ولم يبوّأها بيتًا كانت نفقتها على المولى، فإن بوّأها مع الزوج بيتًا كانت نفقتها على الزوج. وإذا جنى العبد [الموصى] (٥) بخدمته ورقبتِه جنايةً فالفداء على صاحب الخدمة لأن فيما هو المقصود بالعبد (٦) وهو الاستخدام هو المختص به كالمالك؛ وبالفداء تسلم الخدمة له ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال؛ فإذا فداه خدمه على حاله لأنه طهره من الجناية من حيث أن الملك يثبت فيهما أي في الوصية والميراث. القوصرة بالتخفيف والتشديد وعاء التمر يتخذ من قصب. ولا شيء لصاحب الظرف أي للموصى له بالأَمَة والخاتم والقوصرة.

стр. 5257

في المظروف أي في الولد والفص والتمر؛ أما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر فيها فكذلك الجواب عند أبي يوسف: أي كان كما أوصى ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف. وكذلك في أخواتها، والصواب في أختيهما وهو الخاتم مع الفص والقوصرة مع التمر لا غير. بخلاف العبد مع الخدمة فإن الخدمة لا تنتصف بينهما بالاتفاق على ما أشار إلى هذا في الكتاب بقوله كما في وصية الرقبة. والخدمة أي لا حظ لصاحب الرقبة في الخدمة بالاتفاق وإن كان ذكر ذلك في كلام (١) مفصول؛ ويحتمل أنه إنما جمع الأخوات باعتبار الأجزاء في المسألتين وهي الخاتم والفص والقوصرة والتمر كما في وصية (٢) الرقبة والخدمة فإن هناك المفصول والموصول سواء في الحكم أي للمفصول حكم الموصول، ثم تأخير تعليل محمد عن تعليل أبي يوسف: في الكتاب. وفي المبسوط ذكر جواب محمد: عما قاسه أبو يوسف: من وصية الرقبة والخدمة، وإطلاق الرّواية والتعليل على مذهب محمد: من غير ذكر خلاف أحد في أصول الفقه لشمس الأئمة وفخر الإسلام: كل ذلك دليل على أن المعوَّل عليه والمأخوذ به قول محمد:. قوله بخلاف الخدمة مع الرقبة يعني لو أوصى برقبة العبد لإنسان وبخدمته لآخر كان كما أوصى وإن كان في كلام مفصول، ولا يكون للموصى له بالرقبة من الخدمة شيء، إنما كان هكذا لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة بخلاف ما نحن فيه فإن الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعًا؛ واسم الجارية يتناولها وما في بطنها، واسم القوصرة (٣) كذلك كذا في المبسوط (٤). والدليل على الفرق (٥) أيضًا أن في فصل الخدمة والسكنى والغلة لو رد صاحب الوصية بالخدمة والسكنى والغلة أو مات (٦) قبل موت الموصي تكون الخدمة والسكنى والغلة ملكًا لصاحب الأصل ولا يعود إلى الورثة لأنه انعدم المانع وقد حصل على ملكه فيكون له. وأما في فصل الولد والفص ونحوه لو رد صاحب الوصية (٧) بالجارية الولد وكذلك [في الفص والتمر يكون الولد ونحوه للورثة ولا يكون لصاحب الأصل.

стр. 5258

وكذلك] (١) إذا مات الموصى له بالولد قبل موت الموصي؛ والدليل على الفرق (٢) بينهما أيضًا فصل الاستثناء فإنه لو أوصى بالجارية واستثنى ولدها أو أوصى بالخاتم واستثنى فصه أو أوصى بالدار واستثنى بناءها صح الاستثناء ويكون المستثنى للورثة. ولو أوصى بالعبد واستثنى الخدمة أو بالدار واستثنى السكنى أو بالبستان واستثنى الغلة المعدومة فإنه لا يصح الاستثناء فكذلك في التخصيص. والمعنى ما ذكرنا في أصل الباب أن من شرط [صحة] (٣) التخصيص والاستثناء (٤) أن يكون صدر الكلام متناولًا للمخصوص والمستثنى كذا في زيادات صاحب الهداية (٥). ومن أوصى لآخر بثمرة بستانه ثم مات وفيه ثمرة فله هذه الثمرة. وإنما قيد بقوله: وفيه ثمرة لأنه إذا لم يكن في البستان ثمرة والمسألة بحالها فمسألة الثمرة كمسألة الغلة في أنه تتناول الثمرة المعدومة ما عاش الموصى له كما في مسألة الغلة كذا في المبسوط (٦). وحاصل مسائل الباب على أوجه في وجه يقع على الموجود (٧) والحادث ما عاش الموصى له ذكر الأبد أو لا؛ وهو أن يوصي بغلة بستانه أو أرضه أو سكنى داره أو خدمة عبده لأن الغلة كما تتناول الموجود تتناول ما يكون بِعُرضِ الوجود (٨) في العرف؛ يقال: لفلان غلة هذه الدار يراد به ما يدخل في ملكه في المستقبل ويعتبر خروجه من الثلث. وفي وجه يقع على الموجود دون الحادث ذكر الأبد أو لا؛ وهو أن يوصي بالصوف على ظهر غنمه والولد في بطن جاريته واللبن في الضرع لأن المعدوم من هذه الأشياء لا يستحق بعقد ما. وفي وجه أن ذكر الأبد يقع على الموجود والحادث كالوصية بثمرة بستانه؛ وإن لم يذكر الأبد فإن كانت الثمرة وقت الموت موجودة تتناولها وإلا فالقياس أن تبطل الوصية. وفي الاستحسان يقع على الحادث إلى أن يموت الموصى له كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٩).

стр. 5259

قوله: والفرق أي بين الثمرة والغلة يعني أن الوصية بالثمرة إنما تتناول الثمرة المعدومة إذا كانت الدلالة الزائدة مقرونة بها كذكر الأبد. وأما الوصية بِالْغَلَّة فتتناول الغلة المعدومة وإن لم يكن ذكر الأبد مقرونًا بها. وذكر في المبسوط (١) وإنما كان هكذا لأن اسم الغلة حقيقة للموجود والحادث جميعًا؛ وأما اسم الثمرة فللموجود حقيقة ولا يتناول الحادث إلا مجازًا، فإذا أوصى له بثمرة بستانه ولم يقل: أبدًا فإن كان في البستان (٢) ثمرة حين يموت الموصي فإنه يستحق الموصى له تلك الثمرة ولا حق له فيما يحدث بعدُ؛ لأن اللفظ إذا صار مستعملًا في حقيقة ينتفي المجاز عنه. وإذا لم يكن في البستان ثمرة عند موت الموصي فلم يستعمل اللفظ في حقيقته فيجب استعماله في المجاز ويكون له ما يحدث من الثمار ما عاش بمنزلة الغلة. وفرق آخر بين الغلة والثمرة فهو أن الموصى له بالغلة إذا مات بطلت وصيته بخلاف الثمرة إذا ظهرت وصارت لها قيمة ثم مات الموصى له بالثمرة أنها تصير لورثة الموصى له؛ لأنه عين مال كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٣). وذكر في المبسوط وفي الوصية بالثمرة إذا استحق الحادث ثم مات الموصى له فإن مات قبل أن تحدث الثمرة بطلت وصيته لأن الثابت له حق الاستحقاق وذلك لا يورث عنه؛ وإن كان موته بعدما أثمر البستان فتلك الثمرة لورثته لأن ذلك العين صار مملوكًا له فيخلفه (٤) وارثه فيه. ألا ترى أنه لو كان باعه في حياته وأخذ ثمنه جاز بيعه وكان الثمن لورثته بعد موته، ثم في البستان السقي والخراج وما فيه صلاحه على صاحب الغلة لأنه هو المنتفع بالبستان فصار هو كالنفقة في فصل (٥) الخدمة. وهذا بخلاف ما تقدم أي الوصية بصوف الغنم ونحوه على خلاف الوصية بثمرة البستان والوصية بالغلة فإن الوصية فيهما عند ذكر التأبيد تتناول الموجود والحادث؛ والوصية بصوف الغنم (٦) ونحوه لا تتناول الحادث وإن ذكر التأبيد؛ والفرق وهو أن القياس في الثمرة والغلة أن لا يستحق إلا الموجود (٧) عند موته كما في الأولاد؛ لأنه إنما يُمَلِّكه بالوصية ما هو مملوك للموصي والعين الحادث بعد موته لا يكون مملوكًا فلا يستحقه الموصى له ولكنه استحسن فقال: الثمار التي تحدث يجوز أن تستحق بإيجابه بعقد من العقود كالمعاملة على قول من يجيزها.

стр. 5260

فكذلك يجوز استحقاقها بالوصية عند التنصيص على التأبيد لأن الوصية أوسع العقود جوازًا بخلاف ما في البطن فإن ما يحدث لا يجوز استحقاقه بشيء من العقود والوصية نوع من العقود، أو نقول أن القياس في مسألة الصوف واللبن والولد أن يستحق الموجود والحادث عند التنصيص على التأبيد لأن المحل الذي يحدث منه هذه الزوائد يجعل مبقى على ملك الميت حكمًا لاستعماله بوصيته، والوصية فيما يحدث منها يصير كالمضاف إلى حالة الحدوث فصح ذلك كما في الثمار؛ ولكنه استحسن فقال: ما في بطون الحيوان ليس في وسع البشر إيجاد ماليس بموجود منه فلا يصح إيجابه للغير بشيء من العقود بخلاف الثمار؛ فإن لصنع العباد تأثيرًا في إيجاده ولهذا جاز عقد المعاملة وهي شركة في الخارج فيصح إيجاب الوصية فيما يحدث منه عند التنصيص على التأبيد؛ والدليل على الفرق أنه لو أوصى بيد عبده لإنسان أو رِجْل شَاتِهِ لم تصح الوصية. ولو أوصى له بقوائم الخلاف أو سعف النخل صحت الوصية، وكان الفرق هذا هو أن سعف النخل وإن كان وصفًا للنخل فإنه يحتمل التمليك ببعض العقود بخلاف أطراف الحيوان، فإذا ظهر هذا الفرق فيما هو موجود منهما فكذلك فيما يحدث كذا في المبسوط (١). أما الولد المعدوم وأختاه وهما الصوف واللَّبَنُ؛ كذا في المبسوط (٢). والله أعلم. * * * بابُ وصيَّة الذمِّي (٣)

стр. 5261

ذكر وصية الكافر بعد ذكر وصية المسلم لأن الكفار ملحقون بالمسلمين في أحكام المعاملات بطريق التبعية فكان ذكر التبع بعد ذكر المتبوع من المناسبة. وأما عندهما (١) فلأن هذه معصية (٢) فلا تصح عندهما فثبت بهذه الجملة أنها تورث بالاتفاق ولكن على اختلاف التخريج (٣)؛ فعند أبي حنيفة: لعدم لزوم الوقف؛ وعندهما لكون الفعل معصية، ولا يقال: البيعة في حقهم كالمسجد في حقنا والمسلم إذا جعل داره مسجدًا في صحته وسلم إلى المتولي لا يورث فينبغي أن تكون البيعة كذلك؛ لأنا نقول: المسجد تحرر عن حقوق العباد وصار لله تعالى خالصًا فلا يورث ولا كذلك البيعة؛ لأن البيعة عندهم لمنافع الخلق فإنها يسكن فيها أساقفتهم ويدفن فيها موتاهم كذا في الجامع الصغير (٤) لقاضي خان: وغيره. وإن أوصى بداره كنيسة لقوم غير مسمين جازت الوصية عند أبي … حنيفة:؛ فالحاصل أن أبا حنيفة: فرق بين جعل الذمي داره بيعة أو كنيسة وبين وصيته بأن يجعل داره بيعة أو كنيسة فلم يجز في الأول كما هو مذهبهما (٥) وأجاز في الثاني من الثلث. وله أن هذه قربة في معتقدهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون؛ قال مشائخنا ﵏: هذا الاختلاف فيما إذا أوصى ببناء بيعة أو كنيسة في القرى؛ فأما في المصر فلا يجوز بالاتفاق لأنهم لا يمكنون (٦) من إحداث البيعة في الأمصار كذا في الجامع الصغير البرهاني (٧) (٨).

стр. 5262

امتنع ثبوت مقتضاه أي مقتضى الوصية بتأويل الإيصاء وهو زوال الملك، فبقي فيما هو قربة أي عندهم. على مقتضاه أي مقتضى الوصية وهو زوال الملك فلذلك لا يورث؛ وهذا لأن الوصية وضعت (١) لزوال الملك إلا أن لفظ الوصية تباعد عن إفادة مقتضاها وهو زوال الملك فيما إذا أوصى بما ليس بقربة في معتقدهم؛ فإذا أوصى بما هو قربة في معتقدهم عملت عملها. ثم سأل محمد: سؤالًا (٢) فقال: كيف يكون هذا قربة من الذمي وأنه لا يثاب على ذلك؛ قلنا: الأحكام في حقهم إنما تبنى على ما يُظْهِرون لا على الحقيقة. ألا ترى أنه إذا ذبح وسمى اسم الله تعالى تحل ذبيحته وإن كان ما يعتقده إلهًا ليس بإله على الحقيقة؛ ولو ذبح باسم المسيح لا تحل ذبيحته على ما قال علي ط: «إذا سمعتموهم سموا لغير الله فلا تأكلوا» (٣)؛ كذا في زيادات صاحب الكتاب (٤). وقوله: وهو ما ذكرناه وهو الذي ذكره بالوصية ببناء البيعة والكنيسة. والجهة مَشُورة (٥) أي صرف هذا المال الموصى به (٦) إلى استضاءَة المسجد وغيرها خرج منه على طريق المشورة لا على طريق الإلزام. وذكر الإمام قاضي خان: وإذا أوصى بما هو طاعة عندنا معصية عندهم كالوصية ببناء المسجد أو بالإسراج فيه فإن سمى لقوم بأعيانهم صحت ويكون تمليكًا منهم وتبطل الجهة التي عينها إن شاءوا [فعلوا ذلك وإن شاءوا] (٧) تركوا؛ وإن كانوا لا يحصون لا يصح لأنه لا يمكن (٨) تصحيحه تمليكًا وأنها ليست بقربة في اعتقادهم حتى يكون تمليكًا من الله تعالى في اعتقادهم فلا يصح. أو يغزى الترك من الروم (٩) أي كفرة من الدَيلم. أو [إن أوصى] (١٠) بأن يشترى العبد من ثلث ماله ويعتق في سبيل الله فإنها صحيحة بالاتفاق لأن هذه وصية بما هو قربة فتكون صحيحة.

стр. 5263

غاية ما في الباب أنه لا يؤجر بهذه الوصية ولا يستحق الثواب بها؛ ولكن استحقاق الثواب ليس بشرط لصحة الوصية، بل شرط صحة الوصية جعله الله تعالى بجهة القربة. ألا ترى أن المسلم إذا أوصى بشيء هو قربة ولم تحضره النية صحت الوصية وإن كان لا يستحق الثواب كذا ذكره صاحب الكتاب. وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها وذكر صاحب الكتاب في الزيادات على خلاف هذا؛ وقال: قال بعضهم (١): لا تكون بمنزلة الذمية وهو الصحيح حتى لا يصح منها وصية؛ والفرق بينها وبين الذمية أن الذمية تُقَرُّ على اعتقادها وأما المرتدة فلا تقر على اعتقادها. وإذا دخل الحربي بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز؛ قيل هذا إذا لم يكن ورثته معه في دار الإسلام؛ أما إذا كانت الورثة معه يتوقف على إجازتهم؛ وأشار إلى هذا في الكتاب بقوله: وليس لورثته حق مرعي لكونهم في دار الحرب فذلك صحيح من غير اعتبار الثلث. لما بينا أراد به قوله لأن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة إلى آخره (٢). وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجوز لأنه من أهل الحرب. وفي المبسوط وذكر في الأمالي (٣) أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تصح الوصية من المسلم والذمي للمستأمن؛ لأنه وإن كان في دارنا صورة فهو من أهل دار الحرب حكمًا حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب، ووصية من هو من أهل دار الإسلام لمن هو من أهل دار الحرب باطلة؛ لأن لتباين الدارين تأثيرًا في وضع (٤) العصمة والموالاة. ولو أوصى لحربي في دار الإسلام وقوله في دار الإسلام ظَرف لأَوصَى لا لِقوله حربي أي لو أوصى الذمي في دار الإسلام لحربي في دار الحرب لم يجز لتباين الدارين بينهما حقيقة وحكمًا كذا لفظ المبسوط (٥)؛ ولأن الذمي لو أوصى لحربي في دار الإسلام يجوز على ما ذكر قبل هذا بقوله: وكذا لو أوصى له أي (٦) للمستأمَن مسلم أو ذمي بوصية جاز. والله أعلم بالصواب.

стр. 5264

* * * بابُ الوصي وما يملكه لما فرغ من بيان أحكام الموصى له (١) شرع في بيان أحكام الموصى إليه وهو الوصي لما أن كتاب الوصايا يشملهما؛ لكن قدم أحكام الموصى له (٢) لكثرتها وكثرة وقوعها، فكانت الحاجة إلى معرفتها أَمَسُّ. ومن أوصى إلى رجل- أي: ومن جعل غيره وصيًّا؛ يقال أوصى إليه إذا جعله وصيًّا؛ والاسم: الوصاية بالكسر والفتح كذا في «الصحاح» (٣). فقبل الوصيفي وجه المُوصِي أي: بعلم الموصي. وردَّها في غير وجهه أي: بغير علم الموصي، هكذا فسره في «الذخيرة» (٤). لأن الميت مضى لسبيله؛ أي: مات. معتمدًا عليه؛ أي: على الوصي بقبول وصايته. فإن قلت ما الفرق بين هذا وهو ما إذا جعله وصيًّا بشرط قبول الوصاية في حال حياة الموصي في وجهه، وبين (٥) ما إذا أوصى لرجل بثلث ماله أو بمال معين حيث لا يعتبر قبول الموصَى له الوصية في حال حياة الموصي حتى لو قبله في حال حياة الموصي ثم رده بعد وفاته صح الرد؛ بخلاف الوصي فإنه لو قبل الوصاية في حال حياة الموصي ثم رده بعد وفاته لا يصح الرد مع أن كل واحدة من الوصيتين مضافة إلى ما بعد الموت. قلتُ: الفرق بينهما هو أن الإيصاء إلى الغير توكيل إلى وقت في المستقبل، وهو ما بعد الموت، وإضافة الوكالات إلى وقت في المستقبل جائزة، فإنه إذا قال لغيره: وكلتك ببيع عبدي غدًا أو رأس الشهر جاز قياسًا واستحسانًا. وأما الوصية [بالمال] (٦) فتمليك مضاف إلى وقت في المستقبل وهو ما بعد الموت وتمليك المال مضافًا إلى وقت في المستقبل مما يأباه القياس؛ فإنه لو قال: وهبتك عبدي هذا غدًا لم يصح؛ ثم التوكيل المضاف إلى وقت في المستقبل جائز في حال الحياة؛ وصح الإيصاء إلى آخر [للحال] (٧) مضافًا إلى ما بعد الموت، وإذا صح الإيصاء للحال مضافًا إلى ما بعد الموت صح القبول في الحال أيضًا. فأما تمليك المال مضافًا إلى وقت في المستقبل فباطل، فيعتبر باطلًا للحال؛ وإذا اعتبر باطلًا للحال صار وجوده وعدمه بمنزلة، فلذلك لم يصح القبول للحال؛ ولأن [الوصية] (٨) إليه استخلاف له في الولاية وإثبات ولاية التصرف للغير مع قيام ولاية المتصرف جائز.

стр. 5265

ألا ترى أن الوكيل يتصرف عن ولاية مستفادة من قبل الموكل مع قيام ولاية الموكل فصح القبول والرد في حال حياة الموصي وقيام ولايته؛ وأما الوصية له فاستخلاف في نفس الملك والحكم ثبت بعد الموت؛ فإن ثبوت الملك للموصى له مع قيام الملك للموصي لا يتصوَّر؛ فيعتبر القبول والرد حال ثبوت الملك له وهو ما بعد الموت؛ ولأن المقصود في جعله وصيًّا توفير المنفعة على الموصي ودفع الضرر عنه؛ وبعد ما قبل الوصي (١) لو جاز له الرد بعد الموت تضرر به الموصي لأنه ترك النظر والإيصاء إلى الغير اعتمادًا على قبوله؛ ثم لو صح رَدُّه في غير وجهه يصير الوصي بالقبول كالغارِّ له، والغرور حرام والضرر مدفوع. بخلاف الوصية بالمال فإن هناك وإن قبله في حياته فله أن يردَّه بعد موته؛ لأن المقصود هناك توفير المنفعة على الموصى له وليس في رده معنى الضرر [والغرور] (٢) في حق الموصي (٣)؛ لأنه إذا رده لا يضيع المال بل يصير إلى وارثه وذلك خير للموصي شرعًا، وهذه الفروق الثلاثة مستفادة من «الذخيرة» (٤) و «الإيضاح» (٥) و «المبسوط» (٦) على هذا الترتيب. قوله: بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه؛ هذا الذي ذكره مخالف لعامة روايات الكتب من «الذخيرة» (٧) و «التتمة» (٨) (٩) و «أدب القاضي» (١٠) للصدر الشهيد و «الجامع الصغير» للإمام المحبوبي (١١) و «فتاوى قاضي خان» (١٢)؛ لأنه ذكر في هذه الكتب أن الوكيل إذا عزل نفسه عن الوكالة حال غيبة الموكِّل لا يصح حتى لو عزل نفسه من [غير] (١٣) علم الموكل لا يخرج عن الوكالة. وموضعه في «الذخيرة» الفصل الثاني من وكالتها، والفصل العاشر من وكالة التتمة، والباب السابع والستون من أدب القاضي وباب بيع الأوصياء من وصايا (١٤) «الجامع الصغير» (١٥) وفصل التوكيل بالخصومة من فتاوى قاضي خان.

стр. 5266

ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان في الوكيل بشراء شيء بعينه فقال والوكيل بشراء شيء بعينه إذا أخرج نفسه عن الوكالة لا يملك إلا بمحضر من الموكل. ثم العجب من الإمام قاضي خان: أنه ذكر في الجامع الصغير مع هذا ما يوافق رواية الهداية فقال بين هذا أي بين الوصي وبين ما لو وكل رجلًا بشيء فرد الوكيل يصح رده سواء رده في وجه الموكل (١) أو في غير وجهه لأن في الوكالة الموكل قادر على التصرف بنفسه فلو صح الرد لا يتضرر به الموكل ولا يصير مغرورًا والله أعلم بصحته. فإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي (٢) فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء رد ولم يقبل لأن الإيصاء توكيل بعد الوفاة فيعتبر بالتوكيل حالة الحياة؛ ومن وكل وكيلًا حال حياته ما لم يوجد من الوكيل قبول إمَّا دلالة أو نصًّا كان بالخيار إن شاء رد وإن شاء قبل فكذلك هذا. فإن قيل كان يجب أن لا يكون له الخيار لأنه لما بَلغه الإيصاءُ ولم يَردَّه حال حياة الموصي بترك الميت الإيصاء إلى غيره اعتمادًا على أنه يقبله فإذا رد بعد وفاته يصير الميّت مغرورًا من جهته. والجواب عنه أن الميت مغتر ههنا وليس بمغرور لأنه كان من حقه أن يسأل عنه أنه يقبله أو لا يقبل فإذا لم يفعل ذلك وبنى الأمر على أنه يقبله بعد موته ولم يوص إلى غيره حصل مغترًا من جهة نفسه لا مغرورًا (٣) من جهة الوصي. بخلاف ما إذا قيل لأنه لما قبل في حياته بترك الميت (٤) الإيصاء إلى غيره اعتمادًا على قبوله فلو ملك الرد بعد وفاته يصير الميت مغرورًا من جهته والغرور منفي كذا في الذخيرة (٥). فلو أنه باع شيئًا من تركته فقد لزمته؛ لأن ذلك دلالة الالتزام والقبول ودليل القبول كصريح القبول (٦) فكذلك إذا باع بعض تركة الميت أو اشترى للميت بعض ما يحتاجون إليه أو اقتضى مالًا أو اقتضاه لزمته الوصية لوجود دليل القبول والرضا كالمشروط له الخيار إذا وجد منه ما يدل على الإجازة والفسخ كان ذلك بمنزلة التصريح بذلك والأصل في ذلك قوله ﷺ لبريرة ك (إن وطئك زوجك فلا خيار لك) (٧)

стр. 5267

كذا في المبسوط (١). وإذا كانت خلافة لا يتوقف على العلم كالوراثة؛ وهذه النكتة (٢) تحتاج إلى التتميم وتمامها أن الوصاية لما كانت خلافة كالإرث صح بيعه كبيع الوارث بعد موت المورث؛ وإذا صح البيع صار لازمًا حكمًا لنفاذ البيع فلا يملك رده بعد ذلك كذا في الذخيرة (٣). وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب؛ ومن تلك الكتب هو ما ذكره في فصل القضاء بالمواريث من فصول كتاب أدب القاضي فذكر هناك هذا الفرق الذي ذكر هنا ووجه التبليغ فقال ومن أعلم من الناس بالوكالة يجوز تصرفه ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل وهذا عند أبي حنيفة: وقال هو والأول سواء أي الواحد فيهما يكفي، ودفع الأولى أي المضرة الأولى وهو أعلى أولى يعني لما قال لا أقبل لا يبطل الإيصاء ولم يرتد لأنه لو بطل لوقع الموصي في الضرر؛ والضرر واجب الدفع وإن كان في لزوم الإيصاء نوع ضررعلى الوصي ولكن هذا الضرر أقل من ذلك الضرر ولأن هذا مجبور بالثواب وذلك غير مجبور بشيء كذا ذكره الإمام الكشاني: (٤). إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك أي يصح إخراج القاضي؛ وهذا استثناء عن قوله ثم قال أقبل فله ذلك يعني لو رد الوصي الوصاية فقال لا أقبل ثم قال أقبل يجوز قبوله الوصاية إلا إذا كان القاضي أخرجه حين رد الوصاية فحينئذٍ لا يصح قبوله بعد ذلك. وذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد: في باب ما يكون قبولًا للوصية، ولو أوصى إليه وهو ليس بحاضر فبلغه ذلك في حياة الموصي أو بعد وفاته فقال لا أقبل (٥) [ثم مات الموصي ثم قَبِل] (٦) بعد ذلك يجوز لأن هذا الرد لم يصح من غير علم الموصي كرد الوكالة لا يصح من غير علم الموكل؛ فإذا لم يرتد الإيجاب وقبل صح القبول إلا أن يكون القاضي أخرجه من ذلك بذلك الرد فيكون خارجًا من الوصية فبعد ذلك وإن قبل لا يصح. واختلف المشائخ ﵏ في تخريج هذا الحكم منهم من قال إنما كان لأن على قول بعض العلماء يصح الرد بدون علم الموصي فالقاضي متى أخرجه من الوصاية بذلك الرد فقد قضى في فصل مجتهد فيه فينفذ وإليه ذهب الإمام السرخسي.

стр. 5268

ومنهم من قال لا حاجة إلى هذا لكن إنما كان لأن الوصاية لو صحت بقبوله كان للقاضي أن يخرجه ويصح الإخراج فهذا أولى؛ وإليه ذهب الإمام شمس الأئمة الحلواني (١):. ومن أوصى إلى عبد أي إلى عبد غيره لأنه ذكر بعد هذا حكم الإيصاء إلى عبد نفسه؛ وفي المبسوط صرح بهذا وقال وإذا أوصى إلى عبد غيره فالوصية باطلة. وإن أجاز مولاه لعدم ولايته أي لعدم ولاية العبد على نفسه والوصية ولاية (٢) والرق ينفي (٣) ولايتَه [عن نفسه فيمنع ولايته] (٤) على غيره. واستبداده أي ولِعدم استبداده بنفسه لأن منافعه لمولاه فالظاهر أنه يمنعه من التبرع بها على غيره؛ فكذلك بعد إجازة المولى لا تصح وصايته أيضًا لأن هذا بمنزلة الإعارة منه للعبد فلا يتعلق به اللزوم؛ فإذا رجع المولى عنه كان العبد عاجزًا عن التصرف بالوصاية (٥)؛ إلى هذا أشار في المبسوط (٦). قيل معناه في جميع هذه الصور مستبطل والدليل على هذا ما ذكره في الإيضاح بقوله ولو تصرف العبد قبل أن يخرجه القاضي نَفذ تصرّفه لأنه أهل للتصرف ولكن يخرجه القاضي للمعنى الذي ذكرنا؛ وهو أن منافع بدنه مستحقة للمولى فلا يجوز التصرف (٧) لورثة الموصي فقبل الإخراج الوصاية ثابتة فنفذ تصرفه؛ وكذلك في الكافر معناه مستبطل لأنه ذكر في كتاب القسمة ما يدل على جواز الوصية ما لم يخرجه القاضي؛ فإن حملناه على هذه الرواية فالوجه فيه أنه أهل للتصرف واستنابته صحيحة إلا أن القاضي يخرجه عن الوصاية لأنه لا يتوقى (٨) البياعات الفاسدة؛ ولئن اعتبرنا ظاهر الرواية فالوجه فيه أن في الوصية إثباتَ الولاية للوصي (٩) على سبيل الخلافة عنه ولا ولاية للكافر على المسلم. ثم الوصي يخلف الموصي في التصرف كما أن الوارث يخلف المورث في الملك والتصرف؛ والكافر لا يرث المسلم فكذلك لا يكون وصيًا للمسلم؛ وكذلك إن أوصى الذمي إلى الحربي لم يجز لهذا المعنى؛ ولو أوصى إلى مكاتبه أو إلى مكاتب غيره فهو جائز لأن المكاتب في منافعه بمنزلة الحر فإن عجز المكاتب عن المكاتبة وعاد قنًا كان الجواب فيه كالجواب في العبد كذا في المبسوط (١٠) والإيضاح (١١).

стр. 5269

وهذا يصلح عذرًا في إخراجه لأن الإيصاء إلى الغير إنما يجوز شرعًا ليتم به نظر الموصي لنفسه ولأولاده؛ وبالإيصاء إلى الفاسق لا يتم معنى النظر وله أنه مخاطب احترازًا عن الصبي والمجنون. وقوله مستبدًا احترازًا عن الإيصاء إلى عبد الغير فإنه لا استبداد له وعن الإيصاء إلى عبد نفسه وفي الورثة كبير لأن للكبير أن يمنع (١) نصيبه منه فلا يبقى حينئذ للعبد الاستبداد بنفسه وأما ما نحن فيه فلا يملك منعه (٢) أحد فكان مستبدًا (٣) بالتصرف؛ وعن هذا علل لأبي حنيفة (٤): في الأسرار (٥) والإيضاح (٦) بقوله إن أحدًا لا يملك منعه (٧) فجازت الوصية إليه؛ ثم قال في الأسرارفإن قيل للقاضي ولاية البيع في هذه المسألة؛ قلنا إذا ثبت الإيصاء إلى العبد لم يبق للقاضي ولاية البيع؛ والوصاية قد تتجزأ على ما هو المروي عن أبي حنيفة: (٨). فإذا أوصى إلى رجلين إلى أحدهما في العين وإلى (٩) الآخر في الدين؛ روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: تعالى أن كل واحد منهما يكون وصيًا فيما أُوصِيَ إليه خاصة كذا ذكره الإمام المحبوبي في الجامع الصغير (١٠). ومن يعجز عن القيام بالوصية أي بالوصاية، [ولو شكى إليه الوصي ذلك أي ولو شكى إلى القاضي [[الوصيُّ عَجْزَه عن القيام بأمور الوصاية] (١١)؛ هكذا صرح في المبسوط (١٢) وقال وإن كان الوصي شكى إلى القاضي]] (١٣) عجزه عن التصرف فعلى القاضي أن ينظر في ذلك؛ فإن علم عدالتَه وعجزَه عن الاستبداد ضم إليه غيرَه لأنه لو لم يفعل ذلك إما أن يتضرر الوصي بالعجز عن التصرف في حقوق نفسه أو يترك التصرف في حوائج الموصي فيتمكن الخلل في مقصود الموصي ويرتفع هذا الخلل بضم غيره إليه فلهذا قدم أي الوصي (١٤) لأنه استفاد الولاية من الميت (١٥) ولأن الموصي اختاره ورضي به والشاكي قد يكون ظالمًا في شكواه فلما لم تتبين جنايته لا يحتاج القاضي إلى النيابة [عن الميت] (١٦) في النظر والاستبدال به؛ كذا في المبسوط (١٧).

стр. 5270

ومن أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: ينفرد؛ وقيل هذا الاختلاف فيما إذا أوصى إلى كل واحد منهما على حدة؛ فأما إذا أوصى لهما جملة لا ينفرد أحدهما بالإجماع كذا ذكره الإمام الكشاني (١). وذكر الإمام قاضي خان قيل الخلاف فيما إذا أوصى إليهما معًا؛ فأما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بالانفراد على وجه التعاقب ينفرد أحدهما بالتصرف عند الكل؛ وقيل الخلاف في الفصلين واحد وهكذا أيضًا ذكر الإمام المحبوبي في الجامع الصغير (٢). وقال: وذكر الإمام شمس الأئمة الحلواني: في شرح هذا الكتاب عن أبي القاسم الصفار (٣). وقال: هذا الخلاف بينهم فيما إذا أوصى إليهما جميعًا معًا بعقد واحد؛ فأما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بعقد على حدة يتفرد كل واحد منهما بالتصرف بلا خلاف. قال الفقيه أبو الليث (٤): وقول أبي القاسم الصفار أصح (٥) وبه نأخذ. وحكي عن أبي بكر الإسكاف (٦) قال الخلاف فيهما جميعًا سواء أوصى إليهما جميعًا أو متفرقًا؛ جعل في المبسوط قول أبي بكر الإسكاف أصح.

стр. 5271

وقال: ولم يذكر في الكتاب ما إذا أوصى إلى كل واحد منهما على الانفراد. وقال كثير (١) من مشائخنا ﵏ أن هنا يتفرد كل واحد منهما بالتصرف بمنزلة الوكيلين إذا وكل كل واحد منهما على الانفراد؛ ولكن الأصح أن الخلاف في الفصلين لأن وجوب الوصية يكون عند الموت؛ وعند الموت إنما تثبت الوصية لهما معًا بخلاف الوكالة وهذا لأن بالإيصاء إلى الثاني يقصد اشتراكه مع (٢) الأول وهو يملك الرجوع عن الوصية إلى الأول فيملك إشراك الثاني معه وقد يوصي (٣) الإنسان إلى غيره على ظن أنه يتمكن من إتمام مقصوده وحده ثم تبين له عجزه عن ذلك فيضم إليه غيره فكان بمنزلة الوصية إليهما معًا بخلاف الوكيلين فإن رَأْيَ الموكل (٤) قائمًا هناك وإذا عجز الوكيل تمكن الموكل من المباشرة بنفسه فلم يكن قصده ضم الثاني إلى الأول وإنما كان قصده إنابة كل واحد منهما منابه بانفراده. وذكر في الكتاب اختلاف الأقوال فيه ولم يذكر ما هو الأصح عنده إلا في أشياء معدودة أي استحسانًا كذا في المبسوط (٥). وذكر في الأسرار وإذا أوصى إلى رجلين لم يملك أحدهما التفرد بالتصرف إلا في ستة أشياء تجهيز الميت وقضاء الديون بجنس [حقه] (٦) وشراء ما لابد للصغير منه وبيع ما يَشْرَع إليه الفساد عند عدم الأخذ ورد الغصب والوديعة والخصومة. وقال أبو يوسف: يملك [التفرد] (٧) به. وفي الجامع الصغير لقاضي خان والحاصل أن عندهما أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف إلا في ثمانية؛ وزاد على ما ذكر في الأسرار تنفيذ الوصية المعينة وقبول الهبة وجمع الأموال الضائعة؛ ويحتمل أن يكون قبول الهبة من جنس جمع الأموال الضائعة فيعدان واحدًا فيه يُتِمُّ الثمانية؛ والمصنف: لما رأى اختلاف الأقوال في العدد لم يتعرض للعدد بل قال إلا في أشياء معدودة لأن الوصايا سبيلها الولاية حتى أنها لا تثبت [لمن لا تثبت] (٨) له الولاية بالتولية كالكافر والعبد فإن الوصاية إليهما (٩) لا تصح على ما مر لعدم ولاية الكافر على المسلم وعدم ولاية العبد على أحد فيراعى وصف التفويض؛ وإنما فوض إليهما حق التصرف وكل واحد منهما في هذا السبب بمنزلة شطر (١٠) العلة [وبشطر العلة] (١١) لا يَثْبت شيء من الحكم.

стр. 5272

إذ هو شرط مفيد أي وصف الاجتماع شرط مفيد لأن رأي الواحد لا يكون كرأي المثنى؛ ومقصود الموصي توفير المنفعة عليه وعلى ورثته وذلك عند اجتماع رأيهما أظهر فأشبه الوكالة من هذا الوجه. لأنها ليست من باب الولاية أي الولاية المستفادة من الموصي وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه؛ أي يملك صاحب الدين أخذه إذا كان من جنس حقه؛ فلما ملك أخذه من غير تسليم أحد لم يكن التسليم من باب الولاية. وقوله وحفظ المال بالدفع هذا على وجه التعليل لقوله وقضاء الديون؛ يعني أن كل واحد من الوصيين يملك قضاء الدين لأنه ليس في قضاء الدين إلا حفظ المال إلى أن يُقْضَى إلى صاحب الدين؛ وكل من يقع المال في يده فهو يملك حفظه؛ هذا في قضاء دين الميت وأما في اقتضاء دين الميت (١) على الغير فهو على الخلاف ذكره في المبسوط وقال: وأما اقتضاء الدين واسترداد الوديعة فهو على الخلاف لأن هذا يقبل التأخير ويتحقق اجتماعهما عليه؛ وفيه توفير المنفعة لأن حفظ الواحد لا يكون كحفظ المثنى وإنما رضي الموصي بحفظهما وقبول الهدية (٢) وهو معطوف على قوله إلا في شراء الكفن والخصومة في حقوق الميت لأن الاجتماع فيها متعذر لأنهما لو تكلما معًا بالخصومة في مجلس القضاء يؤدي إلى شغب في مجلس القضاء ولا يفهم القاضي كلامهما؛ وقال في المبسوط والخصومة مما لا يتحقق اجتماعهما عليه. ألا ترى أنهما وإن حضرا لم يتكلم إلا أحدهما لأنهم لو تكلما جميعًا لم يفهم القاضي كلام كل واحد منهما ولهذا ملك أحد الوكيلين الخصومة … والتفرد بها. والمراد بالتقاضي الاقتضاء أي القبض لأن الموصي (٣) ما رضي بتصرفه فلا يكون للوصي أن يرضى بما يعلم أن الموصي لم يرض به. وقال الشافعي: لا يكون وصيًا في تركة الميت الأول بحال. وقال ابن أبي ليلى لا يكون وصيًا في تركة الميت الأول إلا أن يوصى إليه بوصية الأول كذا في المبسوط (٤). وإلى الحد في النفس حتى كان له ولاية تزويج الصغار والصغائر واستيفاء القصاص فكذا الوصي فيما انتقل إليه لأنه خلف عن الأول؛ وباعتبار هذه الخلافة يجعل الأول قائمًا حكمًا والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل ومن شرط ثبوت الخلافة انعدام (٥) الأصل.

стр. 5273

وعند الموت كانت له أي عند موت الموصي (١) كانت للوصي ولاية في التركتين أي في تركة نفسه. وتركة موصيه أي في حال حياة الوصي (٢) الأول كان له ولاية فيهما؛ ففي ماله باعتبار أنه ملكه وفي مال موصيه باعتبار الوصاية إليه فكذا الوصية؛ فكانت تسمية التركة بمال الوصي (٣) الأول وهو حي بعد باعتبار ما يؤول إليه أمره فلا يرضى بتوكيل غيره. والإيصاء إليه أي لا يرضى الموكل بتوكيل الوكيل غيره ولا بإيصاء الوكيل إلى غيره. ومقاسمة الوصي الموصى له [على الورثة جائزة ومقاسمة الورثة عن الموصى له] (٤) باطل يعني قسمت كردن وصي [مر تركة رابا موصى له ازبراي ورثة صغار يا ازبراي ورثة كبار غائب جائز است وقسمت كردن وصي] (٥) باورثة ازبراي موصى له غائب بحاضر باطل كنمت (٦) (٧). اعلم أن فائدة الجواز والبطلان إنما تظهر في حق الرجوع على من وقع حقه في يده وعدم الرجوع عليه حتى إن مقاسمة الوصي الموصى له عن الورثة لما جازت لم يرجع الورثة على الموصى له عند هلاك حصتهم في يد الموصي (٨)؛ ومقاسمة الورثة عن الموصى له لما لم تجز كان للموصى له أن يرجع على الورثة بثلث ما في أيديهم إذا هلك حقه (٩) في يد الوصي (١٠). وكان معنى عن في قوله عن الورثة أي نائبًا عن الورثة وكذلك في قوله عن الموصى له أي نائبًا عن الموصى له. صورته أن رجلًا لو أوصى إلى رجل وأوصى لرجل آخر بثلث ماله وله ورثة صغار أو كبار غيَّب فقاسم الوصي الموصى له وأعطاه الثلث وأمسك الثلثين للورثة فالقسمة نافذة على الورثة حتى لو هلك حصة الورثة في يده لم يرجع الورثة على الموصى له بشيء لأن ولايته نافذة على الصغار وعلى حفظ مال الكبار والموصى له خصم والقسمة تصح بين الخصمين فنفذت القسمة.

стр. 5274

وأما في عكسه وهو أن يكون الوارث كبيرًا حاضرًا وصاحب الوصية غائبًا فقاسم (١) الوصي مع الوارث فأعطى الوصي الوارث حقه وأمسك الثلث للموصى له لم تنفذ القسمة على الموصى له حتى لو هلك ما في يده كان للموصى له أن يرجع على الورثة بثلث ما في أيديهم لأنه لا ولاية للوصي عليه إلى هذا أشار في الإيضاح (٢) وغيره. وذكر الإمام المحبوبي: محيلًا إلى مبسوط شيخ الإسلام أن مقاسمة الوصي (٣) الموصى له على الورثة جائزة في العروض والعقار جميعًا إذا كانت الورثة صغارًا كلهم حتى لو هلك نصيب الورثة لم يكن لهم الرجوع بشيء على الموصى له لأن للوصي ولاية على الورثة. ألا ترى أن له بيع نصيب الصغار من العقار والمنقول جميعًا؛ أما لو كانت الورثة كبارًا فليس للوصي ولاية البيع على الكبير الغائب في العقار وله ولاية بيع المنقول عليه فكذا القسمة إذ القسمة نوع بيع (٤) فلذلك قلنا إذا كانت الورثة كبارًا غُيَّبًا كانت مقاسمة [الوصي] (٥) الموصى له على الورثة جائزة في العروض دون العقار. وأما مقاسمته مع الورثة على الموصى له باطلة في العقار والعروض جميعًا سواء كان الموصى له صغيرًا أو كبيرًا حاضرًا (٦) أو غائبًا حتى إذا هلكت حصة الموصى له في يد الوصي (٧) وبقيت حصة الورثة كان للموصى له أن يرجع بثلث ما بقي في (٨) يد الورثة إن كان قائمًا في أيديهم. قوله: لأن الوارث خليفة الميت حتى يَردُّ (٩) بالعيب وَيُرَدُّ عليه به كالميت لو كان حيًا يعني لما كان الوارث قائمًا مقام الميت وهو كبير غائب أو صغير وهو حاضر أو غائب والوصي أيضًا قائم مقام الميت فصح أن يكون (١٠) الوصي قائمًا مقام الوارث عند عجز الوارث عن المقاسمة وهو فيما إذا كان صغيرًا أو غائبًا (١١)؛ ولما قام الوصي مقام الوارث في تمييز ملك الميت عن الوصية كانت مقاسمة الموصى له مع الوصي بمنزلة مقاسمته مع الوارث فصحت كما تصح مع الوارث؛ ولما صحت المقاسمة صار هلاك نصيب الوارث في يد الوصي بعد القسمة كهلاكه بعد قسمة الوارث بنفسه مع الموصى له فلا يرجع الوارث على أحد.

стр. 5275

وأما الموصى له لما لم يكن خليفة الميت بل يحصل (١) له ملك مبتدأ ولهذا لا يَرُدُّ بالعيب ولا يُرَدُّ عليه فلم يكن الموصى له قائمًا مقام الميت والوصي قائم مقام الميت فلا ينوب الوصي عن الموصى له (٢) حال غيبته فلذلك لم تصح مقاسمة الوصي مع الورثة لأجل الموصى له حتى لو [قاسم] (٣) وهلك ما أفرزه الموصي (٤) في يد الوصي من نصيب الموصى له كان له ثلث ما بقي في يد الورثة إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٥):. فإن قلت لما لم تصح مقاسمة الوصي مع الورثة نائبًا عن الموصى له كان ينبغي أن يضمن الوصي (٦) عند الهلاك للموصى له (٧) لأنه تصرف في نصيبه بالمقاسمة وليس له ولاية ذلك التصرف شرعًا وهلك المال بعد ذلك الفعل الذي هو غير مشروع فيضمن كما لو تعدى على المال واستهلكه. قلتُ الأمر لا يخلو إما إن هلك ما في يد الوصي الذي هو نصيب الموصى له [أو هلك ما] (٨) في أيدي الورثة، فإن هلك ما في يد الوصي فلا يضمن لأن الوصي أمين فيه كما كان أمينًا فيه قبل المقاسمة ولم يفعل في نصيب الموصى له شيئًا سوى أنه أفرز نصيبه من نصيب الورثة وأمسك في يده كما كان يمسكه قبل الإفراز، والإفراز للحفظ ليس بتعد فلا يضمن فكان هلاك نصيبه بعد الإفراز بمنزلة هلاك [قدر] (٩) نصيبه قبل الإفراز؛ ولو هلك [قدر نصيبه] (١٠) قبل الإفراز كان ينتقل قدر نصيبه إلى ما بقي من المال فكذلك ههنا انتقل قدر نصيبه إلى ما أعطى الورثة ثم إن كان ما أعطاهم باقيًا في أيديهم كان للموصى له الرجوع عليهم بقدر نصيبه وهو ثلث ما أعطاهم؛ وإن كان هالكًا كان الموصى له بالخيار في تضمين الحصة التي دفعها الوصي إلى الورثة إن شاء ضمن القابض بالقبض وإن شاء ضمن الدافع بالدفع؛ فإن لم يكن دفع حصة الورثة إليهم حتى لو هلك (١١) الكل في يد الوصي لم يكن للموصى له أن يضمن الوصي شيئًا لبقاء حكم الأمانة في المال فكذا في هلاك قدر نصيبه إلى هذا أشار الإمام المحبوبي: (١٢).

стр. 5276

يرجع الموصى له بثلث ما بقي لما بينا أراد به قوله لأن الموصى له شريك الوارث، وإن كان أوصى الميت بِحَجَّة فقاسم الورثة أي قاسم الوصي الورثة. فهلك ما في يده أي ما في يد الحاج فالوصي والحاج مدلول عليهما غير مذكور بهما حج عن الميت من ثلث ما بقي وهو الذي أفرزه الوصي للورثة. صورته ما ذكره الإمام قاضي خان: في مناسك الجامع الصغير فقال مثاله إذا مات الرجل وترك أربعة آلاف درهم وأوصى بأن يحج عنه وكان مقدار الحج ألف درهم فأخذ الوصي ألفًا ودفعها إلى الذي يحج عنه فسرقت في الطريق في قول أبي حنيفة: يؤخذ ثلث ما بقي من التركة وهو ألف درهم؛ فإن سرقت ثانيًا يؤخذ ثلث ما بقي مرة أخرى هكذا. وعند أبي يوسف: يؤخذ ما بقي من ثلث جميع المال وذلك ثلاثمائة وثلاثون وثلاث (١) [وثلث] (٢) فإن سرقت ثانيًا لا يؤخذ مرة أخرى. وفي قول محمد: إذا سرقت الألف الأولى بطلت الوصية ولا يؤخذ منه مرة أخرى سواء بقي من الثلث الأول شيء أو لم يبق شيء. [ولأبي يوسف: أن محل الوصية الثلث فيجب تنفيذها ما بقي محلها وإن لم يبق شيء] (٣) بطلت لأنه لو لم يبطل مع هذا أدى ذلك إلى إفناء المال على الورثة. ولأبي حنيفة: أن ما هلك هلك قبل تنفيذ الوصية وحق الوارث ما يبقى بعد تنفيذ الوصية فما هلك يجعل كأن لم يكن. ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لرجل فبعثوا به إلى الموصى له فهلك في الطريق أو سرقت قبل أن يصل إليه يعطى له ثلث ما بقي ويجعل الأول كأن لم يكن، وما قال فإن فيه إفناء (٤) المال على الورثة فجوابه ما قلنا أن حق الوارث ما يبقى بعد تنفيذ الوصية، ومن أوصى بثلث بألف درهم فدفعها أي فدفع الألف الورثةُ إلى القاضي فقسمها والموصى له غائب. فَقِسْمَتُهُ أي: فقسمة القاضي جائزة بخلاف قسمة الوصي مع الورثة حال غيبة الموصى له فإنها باطلة على ما مر، وفائدة الجواز هي ما ذكرنا أن ما في يد القاضي لو هلك ثم حضر الغائب (٥) لا يرجع على الورثة بشيء، ثم الفرق بين القاضي والوصي هو أن للقاضي ولاية على الغائب فيما ينفعه (٦) ولهذا يملك بيع ما يخشى عليه [التوى (٧) (٨) والتلف فكانت قسمة القاضي كقسمة الموصى له لما أن القاضي نصب ناظرًا للمسلمين ولمن يعجز عن تنفيذ أمره في قسمته (٩)؛ ذلك بخلاف الوصي لأنه لا ولاية له على الموصى له ولهذا لا يملك بيع شيء من ماله فلا تنفذ قسمته عليه إلى هذا أشار الإمام قاضي خان: (١٠).

стр. 5277

وذكر الإمام المحبوبي: أن هذا الذي ذكره من الجواب وهو جواز مقاسمة القاضي مع الورثة وإمساك نصيب الموصى له وهو فيما إذا كانت التركة مما يكال ويوزن لأن القسمة فيما يكال أو يوزن تمييز وليست بمبادلة حتى تفرد أحد الشريكين من غير قضاء ولا رضى، ويجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة على ما قام عليه من الثمن؛ فأما فيما لا يكال ولا يوزن لا يجوزلأن القسمة فيه مبادلة كالبيع وبيع مال الغائب لا يجوز فكذا القسمة. وإذا باع الوصي عبدًا من التركة بغير محضر من الغرماء فهو جائز؛ وإنما ذكر هذه المسألة للفرق بينها وبين ما إذا باع المولى (١) أو وصيه عبده المأذون [المديون] (٢) بغير محضر من غرماء العبد فإن ذلك لا يجوز لأن لغريم العبد هناك حقًا في استبقاء العبد وبعد البيع لا يبقى فكان البيع مبطلًا حق الغرماء فلا ينفذ بغير إجازتهم؛ وأما ههنا فليس لغريم المولى حق في استبقاء العبد إنما حقه في استيفاء الدين من الثمن فلم يكن البيع مبطلًا حق الغريم بل محققًا له لأن حقه في الدراهم والدنانير لا في عين العبد وبالبيع يحصل ذلك. ولو تولى حيًا (٣) بنفسه أي لو باع الموصي (٤) المديون بنفسه حال حياته كان يجوز بيعه بغير محضر من الغرماء. وإن كان مريضًا أي إذا باعه بمثل قيمته فكذا لو باعه من قام مقامه بغير محضر من الغرماء يجوز؛ فقد أخذ الوصي البائع مال الغير وهو المشتري بغير رضاه أي بغير رضا ذلك الغير لأن رضا المشتري بأخذ الوصي الثمن إنما كان عند سلامة المبيع للمشتري ولم يسلم فلا يكون راضيًا عند عدم السلامة فيجب على الوصي رد ما أخذ لذلك. وقال الإمام قاضي خان: وأما ضمان الوصي لأنه لما استحق العبد ظهر أنه قبض الثمن بغير حق فكان عليه رده ويرجع في تركة الميت. وكان أبو حنيفة: يقول لا يرجع أي لا يرجع الوصي على أحد لأنه تبين (٥) بطلان الوصية باستحقاق لغلام ولم يكن عاملًا (٦) للورثة فلا يرجع عليهم بشيء كذا ذكره الإمام المحبوبي: (٧).

стр. 5278

لأن الرجوع بحكم الوصية لأن البيع كان لتنفيذ الوصية فكان حكمه حكم الوصية والوصية تنفذ من الثلث. وجه ظاهر الرواية أنه يرجع عليه بحكم الغرور أي أن الوصي يرجع على الميت أي على تركته بحكم أن الميت غَرَّه بقوله أن هذا ملكي لأنه لما أمره ببيع عبده وبتصدق بثمنه على المساكين كان قائلًا أن هذا العبد ملكي فكان الوصي مغرورًا من جهته وكان ذلك الضمان دينًا على الميت والدين يُقْضَى من جميع الدين كذا ذكره الإمام قاضي خان: (١). وذكر في الذخيرة (٢) وإن هلكت التركة لا يرجع على أحد لا على الورثة ولا على المساكين إن كان قد تصدق على المساكين بالثمن لأن البيع (٣) لم يقع إلا للميت. وذكر فيها أيضًا محالًا إلى المنتقى (٤) إذا أوصى الرجل إلى رجل وأمره (٥) أن يبيع عبده هذا ويتصدق بثمنه على المساكين ففعل الوصي (٦) ذلك ثم استحق العبد من يد المشتري ورجع المشتري على الوصي بالثمن لم يرجع الوصي في مال الميت بشيء وإنما يرجع على المساكين الذين تصدق عليهم بالثمن؛ والقياس هكذا يقتضي لأن غُنْم تصرف الوصي يعود إلى المساكين فغُرْمه يجب أن يكون عليهم وهذه الرواية تخالف رواية الجامع الصغير. ووجه رواية الجامع الصغير أن الميت أصل في غُنْم هذا التصرف وهو الثواب والفقير تبع له. وقد مر في كتاب القضاء أي في آخر فصل القضاء بالمواريث من فصول كتاب أدب القاضي بقوله وإذا باع القاضي أو أمينه عبدًا للغرماء إلى آخره (٧). رجع في مال الصغير لأنه عامل له؛ هذا إذا باع للصغير بأمر القاضي أو بغير أمره؛ فإن باعه للغرماء بأمر القاضي وقبض الثمن وهلك في يده ثم استحق العبد رجع المشتري على الوصي بالثمن لما ذكر أنه لم يرض بخروج الثمن عن ملكه إلا عند سلامة المبيع له ولم يسلم؛ ثم الوصي يرجع على الغرماء لأنه باع لأجلهم فكان عاملًا لهم. وإن باعه بأمر الغريم لا بأمر القاضي فكذلك لأنه يحق عليه البيع عند طلب الغريم كما يحق عند أمر القاضي كذا ذكر الإمام قاضي خان: (٨).

стр. 5279

وإذا احتال الوصي أي إذا صار الوصي محتالًا له في قبض الدين الذي كان لليتيم على آخر فإن كان خيرًا لليتيم جاز؛ وهو أن يكون أملى أي وهو أن يكون الثاني وهو المحتال عليه أقدر على أداء الدين من المحيل الذي هو المديون الأول جاز قبول الحوالة للوصي (١)؛ وإن كان الثاني أفلس لا يجوز؛ وإن كانا سواء ذكر أنه لا يجوز كذا ذكره الإمام المحبوبي (٢). وذكر في الذخيرة (٣) وإن كان الثاني مثل الأول في الملأة فقد اختلف المشائخ ﵏ فيه وأشار في الكتاب إلى أنه لا يجوز. فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين البيع فإنه لو باع مال اليتيم بمثل قيمته من أجنبي جاز على ما ذكر بُعَيْد هذا في الكتاب؛ وههنا لو قبل الحوالة على الثاني الذي هو مثل الأول في الملأة لا يجوز. قلتُ الفرق هو أن البيع معاوضة من كل وجه والوصي يملك الاعتياض بمال اليتيم إذا لم يكن فيه غبن فاحش؛ فأما الحوالة فليست (٤) بمعاوضة من كل وجه حتى تجوز الحوالة في المُسْلَم (٥) فيه وبرأس مال السلم (٦)؛ ولو كانت مبادلة من كل وجه كان استبدالًا بالمسلَم فيه وبرأس المال بالحوالة وذلك لا يصح؛ وإذا لم تكن مبادلة من كل وجه كانت بمنزلة الهبة بشرط العوض والوصي لا يملك الهبة من مال اليتيم بشرط العوض عند أبي حنيفة … ومحمد:. وأما عند أبي يوسف: فيملكه فيجب أن يكون هذا على ذلك أيضًا كذا ذكره الإمام المحبوبي: (٧). ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس وكذلك الأب؛ لأن الولاية تثبت بطريق النظر والنظر فيما لم يكن فيه غبن لكن اليسير من الغبن إنما يتحمل [لتعذر] (٨) الاحتراز عنه. هذا إذا باع مال الصغير من أجنبي أو اشترى له من أجنبي؛ وأما إذا اشترى الوصي شيئًا من مال اليتيم لنفسه أو باع شيئًا من ماله للصغير (٩) جاز في قول أبي حنيفة: وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: إذا كان لليتيم فيه منفعة ظاهرة.

стр. 5280

وتفسيره أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير أو يشتري ما يساوي عشرة لنفسه بخمسة عشر فصاعدًا؛ وأما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لليتيم لا يجوز. وعلى قول محمد: وأظهر الروايات عن أبي يوسف: لا يجوز على كل حال. وجنس هذه المسائل ثلاث أحدها في الأب والثانية في الوكيل والثالثة في الوصي. فأما الأب فله أن يشتري لنفسه شيئًا من تركة الميت إذا لم يكن فيه ضرر للصغير بأن كان بمثل القيمة وليس للوكيل بالبيع أن يشتري لنفسه. وأما في الوصي إذا لم يكن فيه خير لليتيم لا يجوز وإذا كان خيرًا له فيجوز وقد ذكرنا تفسير الخيرية هذا إذا كان الوصي وصي الأب؛ وإن كان الوصي وصي القاضي فلا يجوز بيعه عن نفسه في الأحوال كلها لأنه وكيل والوكيل بالبيع لو باع من نفسه لا يجوز بالإجماع؛ ثم الفرق بين الأب والوصي فإن الأب لو باع مال الصغير من نفسه بمثل القيمة أو بغبن يسير يجوز بخلاف الوصي على ما ذكرنا لأن الأب وافر الشفقة في حق ولده فلا يقصر في أموره ظاهرًا؛ هذا كله فيما إذا كان مال الصغير وهو منقول. وأما إذا باع الوصي ضيعة أو عقارًا للصغير من أجنبي بمثل القيمة يجوز؛ هذا جواب السلف؛ أما جواب المتأخرين أنه إنما يجوز بأحد شروط ثلاثة؛ إما بأن يرغب المشتري فيها بضعف قيمتها أو للصغير حاجة إلى ثمنها أو بأن يكون على الميت دين لا وفاء له إلا بها قال الصدر الشهيد (١) وبه يفتى (٢). وأما الأب إذا باع ضيعة أو عقارًا لابنه الصغير بمثل القيمة؛ فإن كان الأب محمودًا عند الناس أومستورًا يجوز حتى لو كبر الابن لم يكن له أن ينقض البيع. وإن كان فاسقًا لا يجوز حتى لو كبر الابن كان له أن ينقضه؛ قال الصدر الشهيد: [هو المختار] (٣) كذا ذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد في باب ما لا يجوز فعل الوصي (٤) والذخيرة (٥) والجامع الصغير للإمام المحبوبي (٦) لأنه لا نظير (٧) في الغبن الفاحش بخلاف اليسير. وأصح ما قيل في الفرق بين الغبن الفاحش واليسير أن ما يدخل تحت تقويم المقوِّمين فهو غبن يسير وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو غبن فاحش.

стр. 5281

والصبي المأذون (١) والعبد (٢) المأذون (٣) [والمكاتب] (٤) (٥) يجوز بيعهم وشراؤهم بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة:. وعندهما لا يجوز إلا بما يتغابن الناس فيه. من المشائخ من قال هذه المسألة بناء على مسألة الوكيل بالبيع المطلق أو المضارب وشريك العنان والمفاوض حيث يملكون البيع بما عز وهان عند أبي حنيفة:؛ وعندهما لا يملكون إلا بما يتغابن الناس فيه فهذا مثله. ومنهم من تكلم في المسألة ابتداءً لأنهم يتصرفون (٦) بحكم المالكية أي يتصرفون بأهليتهم لا بأمر المولى لأن الإذن فك الحجر ولأنه أذن لهم في التجارة والتاجر (٧) يحتاج إلى المساهلة ويحتمل الغبن في بعض التصرفات لاستجلاب قلوب المجاهرين فكان ذلك من توابع التجارة بخلاف الهبة وبخلاف الأب والوصي لأنهما يتصرفان بشرط الأصلح والأحسن.

стр. 5282

وقال الفقيه أبو الليث: جنس هذه المسألة عند أبي حنيفة: على ثلاثة أوجه؛ في وجه لا يجوز البيع والشراء إلا بغبن يسير وهو البيع والشراء من الأب والجد والوصي والقاضي إذا باع مال اليتيم أو مال بيت المال. وفي وجه يجوز البيع والشراء بغبن فاحش أو يسير وهو الشراء والبيع من المأذون والمكاتب. وفي وجه يجوز البيع بغبن يسير وفاحش ولا يجوز الشراء إلا بغبن يسير وهو البيع والشراء من الوكيل والمضارب والشريك فلكل واحد من هؤلاء أن يبيع بغبن فاحش ولا يشتري إلا بغبن يسير ثم قال وبه نأخذ (١)؛ وعندهما لا يملكونه لأن التصرف الفاحش منه تبرع كالهبة حتى لو حصل من المريض يعتبر من الثلث وهما لا يملكان (٢) الهبة كذا ذكره الإمام قاضي خان (٣) والمحبوبي: (٤). وقوله ولو كتب جملة إلى آخره (٥) بيان وجه الاحتياط بدليل ما ذكره الإمام قاضي خان في الجامع الصغير بعد ما ذكر لفظ الاحتياط وقال لأنه لو كتب كتابًا واحدًا وجمع بين الوصية والشراء ويشهد من الشهود من يتحمل (٦) الشهادة على الوصية فعند أداء الشهادة عندي يشهد بجميع ذلك فيكون شاهد زور فكان الاحتياط أن يكتب كتاب الوصية على حدة و [كتاب الشراء على حدة] (٧)؛ يكتب في أول البياض صك الوصية ويشهد على ذلك ثم يكتب في آخره صك الشراء منه ويشهد وكذلك في الوكيل. ولا يكتب من فلان وصي فلان لما بينا وهو قوله لأن ذلك أحوط إلى آخره (٨). لأنه لو كتب اشترى من فلان وصي فلان جاز أن يتحمل هذا الشاهد تلك الشهادة وهو الشاهد الذي حضر شراءه ولم يحضر وصايته؛ ومع ذلك لو شهد بقوله وصي فلان كانت شهادته شهادة الزور في حق الوصاية فكان الأحوط ما ذكرنا من رواية الجامع الصغير لقاضي خان:.

стр. 5283

وبيع الوصي على (١) الكبير الغائب جائز في كل شيء إلا في العقار وإنما استثنى العقار في حق البيع على الكبير لما أن الوصي يملك بيع العقار على الصغير في جواب السلف مطلقًا. وفي جواب المتأخرين مقيدًا بأحد الأمور الثلاثة على ما ذكره في الذخيرة فقال والأصل فيه أن الوصي إذا باع التركة فهذا على ثلاثة أوجه إما أن يكون الورثة صغارًا كلهم أو كبارًا [أو صغارًا وكبارًا] (٢)؛ فإن كانت الورثة صغارًا كلهم فإن الوصي يبيع كل شيء من تركة الميت ضِيَاعًا كان أو عروضًا أو عقارًا سواء كانوا حضورًا أو غيبًا وسواء كان على الميت دين أو لم يكن إنما يبيع بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس في مثله. قال شمس الأئمة الحلواني: هذا الذي ذكره بأن الوصي يبيع عقار الميت ذلك جواب السلف (٣)؛ فأما المتأخرون قالوا إنما يجوز للوصي بيع عقار الصغير إذا كان (٤) على الميت دين لا وفاء له إلا من ثمن العقار أو يكون للصغير حاجة إلى ثمن العقار أو يرغب المشتري في شرائه بضعف القيمة؛ وإن كانت الورثة كبارًا كلهم فهو على وجهين الأول أن يكونوا حضورًا فإن لم يكن على الميت دين لا يملك التصرف في التركة أصلًا ولكن يتقاضى ديون الميت ويقبض حقوقه ويدفع إلى الورثة؛ وإن كان على الميت (٥) دين فإن كان الدين محيطًا بالتركة أجمعوا على أنه يبيع كل التركة [بقدر الدين] (٦). وأما فيما زاد على الدين (٧) اختلفوا فيه؛ قال أبو حنيفة: يبيع وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع. وإذا لم يكن على الميت دين ولكن الميت أوصى بوصايا فإن كانت الوصية في الثلث أو فيما دون الثلث أنفذها (٨)؛ وإن كانت أكثر من ذلك أنفذ بمقدار الثلث وما بقي فهو للورثة فلو أراد أن يبيع شيئًا من التركة لتنفيذ الوصية أجمعوا (٩) أنه يبيع بقدر الوصية وأما فيما زاد اختلفوا على الوجه الذي اختلفوا في قضاء الدين وهذا إذا لم يقض الورثة الدين ولم ينفذوا الوصية من خالص ملكهم؛ فأما إذا قضوا ونفذوا لم يبق للوصي ولاية بيع التركة أصلًا.

стр. 5284

والوجه الثاني إذا كانوا أغنياء فإن لم يكن في التركة دين ولا وصية فإنه يبيع المنقولات لأن بيع المنقولات من جملة الحفظ؛ ولا يبيع العقار لأنه لو باعه باعه لأجل الحفظ وبيع العقار ليس من الحفظ. ولو خيف هلاك بناء (١) العقار هل يملك بيعه اختلف المشائخ فيه؛ قال بعضهم يملك استدلالًا بالمنقول؛ وقال بعضهم لا يملك وهو الأصح لأن الدار لا يهلك (٢) غالبًا فيبنى الحكم عليه لا على النادر. فإن كانت التركة مشغولة بالدين وإن كان الدين مستغرقًا فله أن يبيع العقار والمنقول جميعًا لأنه لا يمكنه قضاء الدين إلا بالبيع فصار مأمورًا بالبيع من جهة الموصي؛ وإن كان الدين غير مستغرق يبيع بقدر الدين من العقار والمنقول. وهل يبيع الزيادة؛ إن كان منقولًا فله البيع وإن كان عقارًا فكذلك عند … أبي حنيفة:. وعندهما لا يبيع وإن كانت الورثة بعضهم كبارًا وبعضهم صغارًا فهو على وجهين أيضًا الأول أن يكون الكبار غيبًا فإن كانت التركة خالية عن الدين وعن الوصية فللوصي بيع المنقول بالإجماع وله بيع حصة الصغار من العقار. وهل (٣) يبيع حصة الكبار؛ فعلى الخلاف الذي مر، وإن كانت التركة مشغولة بالدين أو الوصية إن كان الدين مستغرقًا يبيع العقار والمنقول جميعًا؛ وإن كان غير مستغرق فإنه يبيع بقدر الدين من العقار والمنقول بالإجماع. وهل يبيع الزيادة على ذلك؛ فالمسألة على الخلاف؛ وإن كان الكبار حضورًا فإن كانت التركة خالية عن الدين فإنه يبيع حصة الصغار من العقار بالإجماع. وهل يبيع حصة الكبار؛ فالمسألة على الخلاف وإن كانت التركة مشغولة بالدين فإن كان الدين مستغرقًا فإنه يبيع الكل وإن كان الدين غير مستغرق يبيع بقدر الدين. وهل يبيع الزيادة؛ فالمسألة على الخلاف فالأصل عندهما أن الولاية تتقدر بقدر سببها وسبب الولاية للوصي عجز الوارث عن التصرف وعن الحفظ بنفسه [والصغير عاجز عن التصرف والحفظ بنفسه] (٤) والكبير إذا كان حاضرًا قادرًا على التصرف والحفظ بنفسه فلا حاجة إلى إثبات الولاية للوصي؛ وإذا كان غائبًا فهو قادر على التصرف من حيث هو عاجز عن الحفظ من حيث هو وبيع المنقول من جملة الحفظ لأنه يخشى عليه التوى والتلف فيثبت له ولاية بيع منقول الغائب (٥) من حيث أنه حفظ.

стр. 5285

أما العقار فمحصنة بنفسها فلم يكن بيعها من جملة الحفظ وإنما يكون بيعها من حيث التصرف وليس للوصي ولاية التصرف في مال الكبير وإن كان غائبًا؛ والأصل عند أبي حنيفة: أنه متى يثبت للوصي ولاية بيع بعض التركة يثبت له ولاية بيع الباقي فإن الوصي كما يملك بيع نصيب الصغير من المنقول يملك بيع نصيب الكبير الغائب إلى آخره [كذا في الذخيرة] (١) (٢). وذكر في المبسوط بعد ما ذكر هذا الاختلاف فقال وأبو حنيفة: استحسن فقال لما ثبت له الولاية في بيع البعض ثبت في الكل لأن الولاية بسبب الوصاية [وهي لا تحتمل التجزيء] (٣) وهذا لأن في بيع البعض إضرارًا (٤) بالصغير والكبير جميعًا لأنه يتعيب به نصيب الكبير والأشقاص لا يشترى [بما يشترى] (٥) به الحمل فكان في بيع الكل توفير المنفعة عليهم وللوصي ولاية في نصيب الكبير فيما يرجع إلى توفير الشفقة عليه. ألا ترى أنه يملك الحفظ وبيع المنقولات حال غيبته لما فيه من المنفعة له. قوله وصي الأخ في الصغير والكبير الغائب بمنزلة وصي الأب في الكبير الغائب وكذا وصي الأم والعم. وهذا الجواب في تركة هؤلاء أي في تركة الأم والأخ والعم وإنما قيد بقوله وهذا الجواب في تركة هؤلاء لأن وصي الأم [والأخ] (٦) في تركة الأب للصغير ليس كوصي الأب (٧) لأنه ذكر في الذخيرة بعدما ذكرنا منها في تصرف وصي الأب فقال هذا هو الكلام في وصي الأب. أما وصي الأم فنقول وصي الأم لا يملك على الصغير بيع ما ورثه الصغير عن الأب العقار والمنقول في ذلك سواء؛ لأن وصي الأم قائم مقام الأم والأم حال حياتها لا تملك بيع ما ورثه الصغير من العقار فالمنقول المشغول بالدين والخالي عن الدين سواء؛ وما كان موروثًا للصغير من جهة الأم إن كان خاليًا عن الدين والوصية يبيع المنقول ولا يبيع العقار لأنه لا ولاية للوصي على الصغير وإنما له حفظ التركة على الميت لتوهم أن يظهر على الميت دين؛ فبيع المنقول من جملة (٨) الحفظ وأما بيع العقار فليس من جملة الحفظ؛ وإن كانت التركة مشغولة بالدين وبالوصية إن كان الدين مستغرقًا فله أن يبيع الكل ودخل بيع (٩) العقار تحت ولايته لأن بيع العقار طريق قضاء الدين وقضاء الدين دخل تحت ولايته؛ وإن لم يكن الدين مستغرقًا يبيع بقدر الدين.

стр. 5286

وهل يبيع الزيادة على قدر الدين؛ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا. وكل جواب عرفته في وصي الأم فهو الجواب في وصي الأخ والعم لأنه كما لا ولاية للأم على الصغير في المال فكذا لا ولاية للأخ والعم على الصغير في المال أيضًا. وذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد في باب ما يجوز من فعل الوصي وأما وصي الأم ووصي الأخ بأن ماتت المرأة وتركت ابنًا صغيرًا فأوصت إلى رجل أو مات الرجل وترك أخًا صغيرًا وأوصى إلى رجل فلهذا الوصي (١) أن يبيع ما ترك من العروض وليس له أن يبيع ما ترك من العقار لأن لهذا الوصي (٢) ولاية الحفظ دون التصرف؛ وبيع العروض من جملة الحفظ لأنه يخشى عليه التوى والتلف؛ وأما بيع العقار فليس من جملة الحفظ لما ذكرنا أنه محصن بنفسه؛ غير أنه تقدم عليه وصي الأب في التصرف لما بينا و [هو] (٣) قوله ولنا أن بالإيصاء تنتقل ولاية الأب إلى آخره (٤). والله أعلم بالصواب. * * * فصلٌ في الشّهادة لما لم تكن الشهادة في الوصية أمرًا مختصًا بالوصية أخر ذكرها لعدم عراقتها فيها؛ وههنا خمس مسائل الغريمان لهما على الميت دين والغريمان للميت عليهما دين والموصى [لهما والموصى] (٥) إليهما والوارثان. قوله لأنهما متهمان والشهادة ترد بالتُّهمة ويقول شريح: لا أجيز شهادةَ خصم ولا مريب والمراد من المريب المتهم. إلا أن يدعيه المشهود (٦) له أي حينئذ تجوز الشهادة استحسانًا. قوله وهذا استحسان إشارة إلى حكم المستثنى (٧) وهو جواز الشهادة عند الدعوى. وهو في القياس كالأول (٨) أي حكم المستثنى الذي هو ادعاء المشهود له الوصاية كحكم المستثنى منه الذي هو إنكار المشهود له الوصاية أي أن الشهادة باطلة في الصورتين أعني صورة إنكار المشهود (٩) له الوصايةَ وصورة دعوى المشهود له الوصايةَ.

стр. 5287

وفي الاستحسان (١) تجوز الشهادة في صورة الدعوى ولا تجوز في صورة الإنكار ولكن إذا أنكر المشهود له الوصاية قال في المبسوط أدخلت معهما آخر؛ لأن في ضمن شهادتهما إقرارًا منهما بوصي آخر معهما للميت وإقرارهما حجة عليهما فلا يتمكنان من التصرف بعد ذلك بمنزلة ما لو مات أحد الأوصياء الثلاثة؛ وكذا لو صدقهما وقال لا أقبل الوصية كان له ذلك لأنه لم يسبق منه القبول ولكن يتعذر على الوصيين التصرف بدون رأي الثالث فيُدخل القاضي معهما وَصيًا ثالثًا؛ وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي ابتداءً إلى آخره (٢). فإن قيل إذا كان للميت وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى أن ينصب عن الميت وصيًّا آخر؛ فإن لم يكن له ذلك من غير شهادة فكذلك عند أداء الشهادة إذا تمكنت التهمة فيه. قلنا: القاضي وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي لكن الموصَى إليهما متى شهدا بذلك كان من زعمهما أنه لا تدبير لنا في هذا المال إلا بالثالث؛ فأشبه من هذا الوجه ما لم يكن ثمة وصي وهناك تقبل الشهادة فكذلك ههنا كذا ذكره الإمام المحبوبي: في باب القضاء بالشهادة من قضاء الجامع الصغير (٣). فإن قلت ما الفرق بين هذا أعني قبول الشهادة على وجه الاستحسان في أن الرجلين إذا شهدا أن أباهما أوصى إلى هذا (٤) وبينما لو شهدا أن أباهما وكل هذا الرجل (٥) بقبض ديونه بالكوفة لا تقبل سواء يدَّعِي الوكيل ذلك أو يجحد. قلتُ إنما قبلت شهادتهما في الوصايا لخلوها عن التهمة فإنهما لو سألا القاضي أن يجعل هذا الرّجل وصيًّا وهو راغب فيها (٦) أجابهما إلى ذلك؛ بخلاف الوكالة فإنهما لو سألا القاضي أن يوكل هذا الرجل عن أبيهما لم يفعل لأنه ليس للقاضي (٧) ولايةً في مال أبيهما كذا في المبسوط (٨).

стр. 5288

وقوله وكذلك الابنان معطوف على المستثنى منه وهو قوله فالشهادة باطلة وله أن يثبت لهما ولاية الحفظ إلى آخره (١)؛ وذكره في المبسوط (٢). وأما فيما ليس من الميراث فإن [شهادة] (٣) الوصي للصغير لا تقبل على الغير لأنه هو القابض؛ ويجوز للكبير لأنه أجنبي في ذلك فإنه إنما صار خصمًا بقبول الوصاية فيما هو من جملة الميراث. فأما فيما للوارث الكبير على الأجنبي لا بطريق الإرث هو كأجنبي آخر. وقوله وهذا قول أبي حنيفة ومحمد: فالإشارة بقوله وهذا راجعة إلى ما ذكرنا من جواز شهادتهما في [الدين وعدم جواز شهادتهما في] (٤) الوصية. وقال أبو يوسف: لا تقبل في الدين أيضًا كما لا تقبل في الوصية بألف؛ ثم إنما قيد عدم جواز شهادة كل فريق للآخر في الوصية بالألف المرسلة احترازًا عما لو شهد كل فريق للآخر في الوصية بعين على حدة فإن هناك تقبل شهادة كل فريق للآخر وهو ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بجاريته وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بعبده جازت الشهادة بالاتفاق. قوله وأبو حنيفة: فيما ذكر الخصاف (٥) مع أبي يوسف أي لا تجوز شهادة كل فريق من الشاهدين في حق الآخر لا في حق الدين ولا في حق الوصية بألف درهم.

стр. 5289

وقوله وعن أبي يوسف: مثل قول محمد: أي تجوز شهادة كل فريق من الشاهدين في حق الآخر في حق الدين ولا تجوز في حق الوصية بألف درهم؛ وإنما خص قول محمد: ههنا مع أنه ذكر قبل هذا في هذا الحكم قول أبي حنيفة ومحمد: ليقرر قول محمد: في ذلك واضطراب قول أبي … حنيفة: فيه. وذكر الإمام المحبوبي: بعد ذكر هذه الروايات بقوله وصار عن أبي حنيفة: روايتان وعن أبي يوسف: كذلك وعن محمد: رواية واحدة. وجنس هذه المسائل على أربعة أوجه في الوجه الأول تقبل الشهادة بالإجماع وهو أن يشهد الرجلان بوصية عين لرجلين كالعبد وشهد الموصى لهما لهذين الشاهدين بوصية عين أخرى كالجارية لأنه لا شركة للشهود فيه فلا تتمكن التهمة. وفي الوجه الثاني لا تقبل بالإجماع وهو أن يشهد الرجلان بالوصية بجزء شائع كالوصية بثلث ماله وشهد المشهود (١) لهما للشاهدين بمثل ذلك لأنهما أوجبا شركةً لأنفسهما فيما شهدا به (٢) للآخرين؛ وكذا لو شهد الرجلان لاثنين بالوصية بألف مرسلة وشهد المشهود لهما للشاهدين بألف مرسلة أيضًا. وفي الوجه الثالث لا تقبل أيضًا وهو أن يشهد الرجلان أن الميت أوصى لهذين الرجلين بعين [كالعبد] (٣) وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين الأوَّلين بثلث ماله لأن الشهادة مُثْبِتَة (٤) للشركة. وفي الوجه الرابع اختلفوا فيه وهو الشهادة بالدين وهو الذي نحن فيه؛ وجه القبول أن الدين يجب في الذمة والذمة قابلة لحقوق شتى ولا شركة؛ وعدم القبول باعتبار تهمة الشركة وهذا لأن كل فريق إنما يشهد للفريق الآخر بالدين في ذمّة الميّت ولو شهدا بذلك في حياته كانت الشهادة مقبولة فكذا إذا شهدا بعد موته؛ وهذا لأن الدين بالموت لا يتحول من الذمة إلى التركة. ألا ترى أن التركة لو هلكت لا يسقط شيء من الدين وأن للوارث أن يستخلص التركة لنفسه بقضاء الدين (٥) من محل آخر فلا تتمكن الشركة بينهم هنا بخلاف الوصية بالثلث فإن حق الموصى له يثبت في عين التركة حتى لايبقى بعد هلاك التركة؛ ولو أراد الوارث أن يستخلص التركة لنفسه ويقضي حق الموصى له من محل آخر لم يكن ذلك؛ ولهذا لو قبض أحد الفريقين شيئًا كان للآخر حق المشاركة فكان كل فريق مثبتًا لنفسه حق المشاركة فيما شهد فكانت الشركة بينهم ثابتة في التركة فلا تصح شهادتهما فيما تثبت فيه الشركة لهما ولا كذلك الدين.

стр. 5290

وجه الرد أن الدين بالموت يتعلق بالتركة ولهذا لا يثبت (١) الملك للوارث ولا ينفذ تصرفه فيه إذا كان الدين محيطًا بها؛ فشهادة كل فريق تلاقي محلًا مشتركًا فصار نظير مسألة الوصية بالثلث هذا كله من المبسوط (٢) وشروح الجامع الصغير (٣) (٤). وذكر في أدب القاضي [للصدر الشهيد] (٥) في باب (٦) شهادة الغرماء بعضهم لبعض قال ولو أن رجلًا مات وترك ورثة وترك مالًا وشهد رجلان لرجلين على الميت بدين ألف درهم وشهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم فالشهادة باطلة هكذا ذكر هنا؛ وذكر في الجامع الصغير والجامع الكبير أن الشهادة جائزة (٧) (٨). وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة عن الحسن بن زياد وعن (٩) أبي … حنيفة: أنهم إن جاءوا جميعًا وشهدوا فالشهادة باطلة؛ وإن شهد اثنان لاثنين تقبل شهادتهما ثم ادعى الشاهدان بعد ذلك على الميت بألف درهم فشهد لهما الغريمان الأولان فشهادتهما جائزة فصار في المسألة ثلاث روايات. وذكر وجه ما ذكر في أدب القاضي وهو وجه عدم قبول الشهادة؛ [ووجهما ذكر في الجامعين وهو وجه قبول الشهادة] (١٠) كما ذكرنا وزاد فيه شيئًا وقال وجه رواية الجامعين أن الشهادة إنما قامت (١١) على الميت بالدين والدين يثبت في ذمّة الميت ثم يتحول إلى التركة لا يجوز (١٢) القرار (١٣) فإن الوارث (١٤) لو أراد أن يقضي الدين من ماله ويستخلص التركة لنفسه له ذلك فيصير كأنهم شهدوا عليه (١٥) في حياته.
следующие страницы →