← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله: وهو المخاطب به دونها فيكون هو التارك لفرض المقام، فيفسد صلاته لذلك دون صلاتها لما أنها وإن خوطبت بالتأخر، لكن إنما خوطبت به في ضمن وجود التأخير حتى لو خوطب بالتأخير (١) نصًّا ولم تتأخر تفسد صلاتها دون صلاته لتركها الخطاب المنصوص (٢). [التقدم والتأخر عن الامام] وقد ذكر في «المحيط» (٣)، و «الذخيرة» (٤): أن المرأة إذا جاءت بعدما شرع الرجل في الصلاة، ونوى إمامتها، واقتدت به فلم يمكنه التأخير بالتقدم عليها خطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه في الصلاة، وإنما تأخيرها بالإشارة باليد، أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فقد وجد منه التأخير فيلزمها التأخر فإذا لم تتأخر فقد تركت فرضًا من فروض المقام فتفسد صلاتها لا صلاته، ثم قال: وهذه مسألة عجيبة، كالمأموم، أي: كالمقتدي، فإن هناك لما خوطب المقتدي برعاية ترتيب المقام دون الإمام، فلذلك فسدت صلاة المقتدي إذا ترك الترتيب بأن يتقدم على الإمام، ولا تفسد صلاة الإمام سواء تقدم أو تأخر؛ لأنه غير مخاطب بترتيب المقام بخلاف المقتدي لا يثبت دونها أي: دون النية (٥) ألا ترى أنه يلزمه الترتيب، أي: يلزم الإمام رعاية ترتيب مقامه بأن يؤخرها أو يتقدم هو عليها لوجود الفساد (٦) من محاذاتها، فكذلك يلزم الإمام نية إمامتها لصحة اقتدائها به؛ ليكون الضرر لو وجد وهو فساد صلاته عند محاذاتها بالتزامه لا بدون الالتزام (٧)، وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وهذا لأنا لو صححنا اقتداءها به بغير النية قدرت على إفساد صلاة الرجل كل امرأة متى شاءت بأن تقتدي به فتقف إلى جنبه وفيه من الضرر ما لا يخفى (٨). وفي صلاة الجمعة والعيدين أكثر مشايخنا (٩) قالوا: لا يصح اقتداؤها به ما لم ينو إمامتها وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب. يعني: بجواز اقتداء المرأة بالرجل في الجمعة والعيدين، ولكن هو محمول عند أكثر المشايخ على وجود النية من الإمام، ومنهم من سلم، ولكن يفرق بينها وبين سائر الصلوات، فنقول: الضرورة هاهنا في جانبها؛ لأنها لا تقدر على أداء صلاة العيد والجمعة وحدها، ولا تجد إمامًا آخر يقتدي به مع أن الظاهر لا يتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هذه الصلوات؛ لكثرة الازدحام فصححنا اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات كالاقتداء (١٠).

стр. 737

[اقتداء القارئ بالأمي] يعني: أن فساد صلاة المقتدي لما جاء من قبل إمامه (١) لم يصح اقتداؤه به إلا بالنية حتى لو جاء الفساد صلاته (٢) من قبل إمامه كان ضررًا مرضيًا بسبب التزامه بالاقتداء فلا يثبت ذلك بدون الاقتداء، فكذا هنا لما كان/ وهم فساد صلاة الإمام من جانب المرأة بسبب المحاذاة لم يصح اشتراكها في صلاة الإمام بدون التزامه بالنية، فإن قيل: يشكل على هذا التعليل قول أبي حنيفة (٣) ﵀ في اقتداء القارئ بالأمي، فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ به، ومع ذلك لا يشترط للأمي نية إمامة (٤) القارئ مع أنه يلحق صلاته فساد من جهة عنده (٥).

стр. 738

قلنا: يمنع عدم (١) اشتراطه النية على قول الكرخي (٢) (٣)، فإن عنده لا يصح هو (٤) أيضًا بدون النية، ولئن سلمنا فنقول ثمة لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، فإن القارئ لو صلى وحده والأمي وحده وأمكن الأمي الاقتداء به يفسد صلاته دل أن الفساد ليس بسبب اقتداء به حتى يدفع الفساد عن نفسه بترك النية، وأما هنا (٥) فساد صلاة الإمام بسبب اقتدائها لا غير فيوقف (٦) على التزامه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧)، والمحيط (٨). ولكن ذكر في الكتاب الصحيح أنه يجوز صلاة الأمي فيما إذا صلى القارئ منفردًا على ما يأتي (٩)، وقد ذكرنا قبل هذا ما ذكره الإمام المحبوبي (١٠) أن محاذاة الأمرد (١١) أيضًا تفسد صلاة الرجل عند البعض (١٢) (١٣).

стр. 739

[محاذاة الامام للمأموم] قوله ﵀: إذا ائتمت محاذاته (١)، أي: اقتدت بالإمام محاذية للإمام أو للمقتدي (٢). وذكر فخر الإسلام: ومسألة كتاب الصلاة في امرأة (٣) وقفت إلى جنب الإمام، ولم ينو الإمام إمامتها فكانت صلاتها فاسدة (٤)، وصلاة الرجل تامة (٥). ومسألة هذا الكتاب فيما إذا وقفت خلفه، وذلك على وجهين، إما أن يكون بجنبها خلفه رجل، أو لا يكون، فإن لم يكن بجنبها رجل، ففي رواية (٦) لا تصح اقتداؤها أصلا؛ لأنه لما وقع احتمال الفساد من جهتها (٧) توقف ذلك على اختياره من غير أن يقال: إذا حاذت الإمام لا تصح، وإن لم تحاذ تصح، وفي رواية: صح اقتداءها؛ لأن ذلك لا تفسد صلاته، لكن يشترط (٨) أن لا تلزمه فسادًا، فإذا حاذته فات الشرط فبطل الاقتداء، فأما إذا كان بجنبها رجل فالصواب (٩): أن لا يصح اقتداءها إلا بالنية من جهة الإمام؛ لأن الإمام إن لم يلزمه فسادها هنا لكن يلزم الفساد على الذي بجنبها، ولا يجوز أن يلزم عليه أيضًا من غير رضاه إلا أنه مولّى عليه من جهة إمامته، فيوقف (١٠) ما يلزم على هذا الرجل إلى التزام إمامه (١١).

стр. 740

وذكر في «المبسوط» (١): وروى الحسن بن زياد أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها، ثم (٢) إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وإن كان نوى إمامتها فسدت صلاة الرجل، وهذا قول أبي حنيفة الأول، ووجهه أنها إذا وقفت خلفه فقصدها أداء الصلاة لا فساد صلاة الرجل فلا يشترط نية الإمامة، فإذا وقفت إلى جنبه فقد قصدت إفساد صلاته فيرد قصدها عليها بإفساد صلاتها إلا أن يكون الرجل قد نوى إمامتها، فحينئذ هو ملتزم (٣) بهذا الضرر، وإن لم يكن بجنبها رجل، أي: إمام أو مقتدي والفرق على إحديهما أي: على الرواية التي لا تشترط نية الإمام لصحة اقتدائها إذا لم يكن بجنبها رجل أن الفساد في الأول (٤)، أي: فيما إذا كانت محاذيه، وفي (٥) الثاني أي: فيما إذا لم يكن بجنبها رجل، فإنها إذا لم تكن بجنب رجل يحتمل أن تمشي وتحاذي الرجل فيفسد، ولكن الظاهر أن لا تمشي في الصلاة، ولا تحاذي، فلذلك لم يشترط النية في هذه الصورة في إحدى الروايتين و (٦) لصحة اقتدائها بخلاف الأول، فإن المحاذاة فيه ثابتة، فيلزم الفساد من غير احتمال، فيشترط النية، ومن شرائط المحاذاة إلى آخره (٧). قيل في حد المحاذاة: المفسدة هي محاذاة المرأة المشتهاة حالًا أو ماضيًا الرجل في صلاة مطلقة منوية إمامتها مشتركة تحريمة وأداء، وقد استويا في المكان، وليس بينهما حائل فشرطنا المحاذاة مطلقًا ليتناول كل الأعضاء أو بعضها، فإنه ذكر في «الخلاصة» (٨) محالًا على فوائد القاضي أبي علي النسفي ﵀ (٩) حد المحاذاة أن يحاذي عضو منها عضوًا من الرجل حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحذائها أسفل منها إن كان يحاذي الرجل شيئًا منها تفسد صلاته إنما عين هذه الصورة؛ ليكون قدم المرأة محاذته للرجل لأن المراد بقوله: إن يحاذي عضو منها هو قدم المرأة لا غيرها، فإن محاذاة غير قدمها لشيء من الرجل لا يوجب فساد صلاة الرجل (١٠)، نص على هذا في فتاوى قاضي خان (١١) في أواسط فصل من تصح الاقتداء به ومن لا تصح، وقال: المرأة إذا صلت مع زوجها في البيت إن كان قدمها بحذاء قدم الزوج لا يجوز صلاتهما بالإجماع (١٢)، وإن كان قدمها خلف قدم الزوج إلا أنها طويلة يقع رأس المرأة في السجود قبل رأس الزوج جازت صلاتها؛ لأن العبرة للقدم.

стр. 741

ألا ترى أن صيد الحرم إذا كان رجلًا/ خارج الحرم، ورأسه في الحرم يحل أخذه، وإن كان على العكس لا يحل (١) (٢). والمرأة مطلقًا لتناول (٣) الأجنبية والمحرم (٤) والحليل والحال أو الماهر (٥) لتناول الصغيرة المشتهاه، والكبيرة التي تنفي عنها الرجال لما أنها كانت مشتهاه فيما مضى، فيبقى حكمها كذلك كذا ذكره الإمام المحبوبي (٦)، وذكر في «المحيط» (٧): ويعني (٨) بالمرأة أن تكون ممن تصح منها الصلاة وهي بالغة أو صبية مشتهاة، حتى إن المجنونة إذا حاذت الرجل لا تفسد صلاة الرجل، وإن كانت بالغة مشتهاة؛ لأنه لا تصح منها الصلاة، والصبية التي تعقل الصلاة إذا كانت لا تشتهى، فحاذت الرجل لا تفسد صلاته. والمطلقة لتقع (٩) الاحتراز عن (١٠) صلاة الجنازة حيث لا تفسد محاذاتها صلاة الرجل فيها (١١)، ثم اعلم أن مشايخنا فرقوا بين الاقتداء وبين المحاذاة في صلاة الجنازة حتى لا يصح اقتداء الرجل بها فيها، ولا يفسد صلاته بالمحاذاة؛ لأن صلاة الجنازة تشبه التلاوة من وجه؛ لأنها ركن واحد من الصلاة كالتلاوة، والمرأة تصلح إمامًا للرجل في التلاوة، فإنها إذا تلت كان على الرجل سجدة التلاوة مع أن التالي إمام السامع (١٢)، ويشبه الصلاة المطلقة من وجه؛ لأن فيها تحليلًا وتحريمًا بخلاف سجدة التلاوة فوقرنا لكل الشبهين حظهما فالحقت بسجدة التلاوة في حق المحاذاة، فلم توجب هي الفساد، وبالمطلقة في أنها لا تصلح إمامًا للرجل في صلاة الجنازة عملًا بالشبهين (١٣)، كذا ذكره شيخ الإسلام (١٤).

стр. 742

والمنوية احتراز عن غير المنوية، فإن عند ذلك لا يصح اقتداؤها فلا تفسد صلاة الرجل، والاشتراك تحريمة وأداء احترازًا عن الرجل والمرأة المسبوقين يتحاذيان حال أدائهما ما سبقا، فلا تفسد صلاة الرجل؛ لأن المسبوق في أدائها سبق منفرد بدليل وجوب القراءة وسجود السهو، فلم يكونا مشتركين أداء بخلاف اللاحق (١). وذكر في «المحيط» (٢): يعني بالشركة تحريمة أن يكونا بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام، ونعني (٣) بالشركة أداء أن يكون لهما إمام فيما يؤديان حقيقة أو تقديرًا كما في اللاحق (٤) ثم الشركة تكون عند اتحاد الفرضين، و (٥) عند اقتداء المتطوعة بالمتطوع، و (٦) عند اقتداء المتطوعة بالمفترض، فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا اقتدت ناوية للعصر برجل يصلي الظهر، فلم يصح اقتداؤها من حيث الفرض، ويصح من حيث النفل، فكان اقتداء المتطوعة بالمفترض، ومع ذلك لا تفسد صلاة الرجل، وإن حاذته. قلت: رواية عدم فساد صلاة الرجل هي رواية باب الحدث من «المبسوط» (٧). وأما في رواية باب الأذان (٨) (٩): فتفسد صلاته لاعتبار اقتداء المتطوعة بالمفترض، وقيل: هي قولهما (١٠) خلافًا لمحمد بناء على جواب مسألة صلاة الفجر إذا طلعت الشمس في خلال الصلاة عندهما ينقلب نفلا خلافًا لمحمد، كذا ذكر الجواب شيخ الإسلام ﵀ (١١). والاستواء في المكان؛ لأنه شرط تحقق المحاذاة حتى لو كان الرجل على الدكان (١٢)، والمرأة على الأرض، والدكان قدر قامة الرجل لا يتحقق المحاذاة، ويجوز صلاته ذكره في «الخلاصة» محالًا على «الجامع الكبير» لمجد الدين الشرخلتي (١٣).

стр. 743

وهذا الشرط وإن كان يفهم من ذكر المحاذاة، ولكن المشايخ أوردوها، وعدم الحائل حتى إذا كان بينهما حائل وأدناه مثل مؤخرة الرحل لا يوجب فساد صلاة الرجل (١)، وإن كانا في مكان واحد (٢). [خروج النساء للمساجد] وذكر في «المحيط» (٣): وكذا لو كان بينهما حائط، وكان الحائط قدر الذراع كان سترة، وإن كان أقل من ذلك لا يكون سترة، وذكر الإمام التمرتاشي (٤): والمحاذاة في صلاة لا يشتركان فيها والتقدم عليه يورث الكراهة، ذكره بكر في الحج (٥)، وذكر في الصلاة مكان الكراهة الإساءة والكراهة أفحش العجوز المرأة الكبيرة (٦). قال/ابن السكيت (٧): فلا يقول: عجوزة والعامة تقوله، والجمع عجائز وعجز، كذا في «الصحاح» (٨)، والجملة في هذه المسألة أن النساء كان يباح لهن الخروج إلى الصلاة (٩)، ثم منعن بعد ذلك لما صار خروجهن سببًا للوقوع في الفتنة لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (١٠) جاء في التفسير أن الآية نزلت (١١) في شأن النسوة كان المنافقون يتأخرون حتى يطلعون على عوراتهن (١٢).

стр. 744

والدليل عليه: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات (١) (٢)،/ فمنعن بعد ذلك، وعن عمر ﵁: أنه نهى النساء عن الخروج إلى المساجد، فشكون إلى عائشة ﵂ فقالت: لو علم النبي ﵇ ما علم عمر ما أذن لكنَّ (٣) في الخروج (٤). ثم تكلموا أن في زماننا هل يرخص (٥) لهن في الخروج في شيء من هذه (٦) الصلوات أم لا؟ أما الشواب (٧) فلا يرخص لهن في الخروج في شيء من الصلوات عندنا (٨)، وعند (٩) الشافعي ﵀ يباح لهن الخروج (١٠) واحتج بقوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١١) (١٢)، واحتج أصحابنا بنهي عمر عن الخروج لما رأى من الفتنة، وأما العجائز من النساء يباح لهن الخروج إلى صلاة العيدين والجمعة والفجر والعشاء، ولا يباح لهن الخروج إلى الظهر، والعصر (١٣)، والمغرب عند أبي حنيفة (١٤)، وقالا: يباح لهن الخروج إلى الصلوات كلها، واحتجا بأن خروج العجائز إلى الجماعات مما لا يصير سببًا للوقوع في الفتنة لقلة ترغيب الرجال فيهن، ولهذا حل للرجل مصافحتهن (١٥)، وقد

стр. 745

كنّ (١) يخرجن إلى الجهاد (٢) مع رسول الله ﵇، ويداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن، ولهذا يبيح (٣) لهن الخروج في صلاة الفجر والعشاء والعيدين وصلاة الجمعة، فكذا في غيرها، وأبو حنيفة ﵀ يقول: إن وقت الظهر والعصر والمغرب وقت يكثر فيه انتشار الفساق والحريص منهم يرغب في العجائز، فيصير خروجهن سببا للوقوع في الفتنة، فلا يباح لهن الخروج (٤). قلت: ذكر صلاة المغرب من قبيل صلاة العشاء وصلاة الجمعة من قبيل صلاة الظهر في «المبسوط» (٥)، و «المحيط» (٦) حتى يباح لهن الخروج إلى المغرب بالإجماع (٧)، ولا يباح لهن الخروج إلى الجمعة عند أبي حنيفة (٨)، وذكر صلاة المغرب من قبيل صلاة الظهر في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان (٩). وأما صلاة الجمعة فقد ذكرها شيخ الإسلام من قبيل صلاة العيدين هيئ (١٠) لهن الخروج بالإجماع، وذكرها قاضي خان من قبيل صلاة الظهر حتى لا يباح لهن الخروج إليها عند أبي حنيفة (١١). ولفظ المتطوعة يؤيد ما ذكر في «المبسوط» (١٢) و «المحيط» (١٣) في حق المغرب حتى جعله من قبيل المستثنى منه في قوله: وتحضر العجوز إلا الظهر والعصر في القوم، وقالا: طراً.

стр. 746

وحكم الجمعة مشتبه فيها فإن قلت: لا اشتباه، بل فيها دليل على أن الجمعة من قبيل المستثنى منه حتى يباح لهن الخروج لها بالإجماع؛ لأن المستثنى من إباحة الحضور صلاتان لا غير، وهما الظهر والعصر فكان ما بقي منها داخلًا تحت الإباحة. قلت: فلو قلنا كذلك لكنا قائلين بقول لم يقل به أحد، فإن كل من جعل المغرب من قبيل العشاء جعل الجمعة من قبيل الظهر كما في «المبسوط» (١)، وكل من جعل المغرب من قبيل الظهر جعل الجمعة من قبيل صلاة (٢) العيدين، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣). الفرط بسكون الراء مجاوزة الحد، والفعل منه أفرط، والشبق بفتحتين مصدر شبق بالكسر من حد علم سدة الغلمة، وهي شهوة الضراب، كذا في «الصحاح» (٤). وذكر فخر الإسلام في «المبسوط» (٥): أما العجائز فلا بأس بخروجهن إلى العيدين بالإجماع، وتكلموا أن حضورهن للصلاة أو لتكثير الجمع. روى الحسن عن أبي حنيفة: أن (٦) خروجهن للصلاة يقمن في آخر الصفوف، فيصلين مع الرجال؛ لأنهن من أهل الجماعة تبعًا للرجال. وروى أبو يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀: أن خروجهن لتكثير السواد يقمن في ناحية، ولا يصلين؛ لأنه قد صح عن النبي ﵇ أمر الحيض بذلك (٧)، فإنهن لسن من أهل الصلاة (٨)، والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها لظهور الفساد فمتى كره حضور المسجد للصلاة؛ لأن يكره حضور مجالس العلم خصوصًا عند هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية أهل العلم أولى إلى هذا لفظه ﵀ (٩).

стр. 747

وكذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ أيضًا: وجوب منع حضورهن الجماعات في زماننا فكان هذا نظير إغلاق باب المسجد فقال: والحكم جاز أن يختلف باختلاف أحوال الناس، فذكر هذه المسألة في عامة الكتب سوى كتابنا هذا في صلاة العيدين لما أن الأصل إباحة الخروج لهن فيها إما لتكثير السواد على ما روي المعلى (١) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أو للصلاة على ما روى الحسن عن أبي حنيفة، كذا في «المبسوط» (٢). قوله ﵀: ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة إلى آخره. والأصل في جنس هذه المسائل أن المقتدي إذا كان أقوى حالًا من الإمام لا يجوز صلاته/ وإن كان دونه أو مثله جاز؛ لأن المقتدي إذا قدر على أركان لم يقدر الإمام عليها كان المقتدي فيها كالمنفرد قبل فراغ الإمام عن الصلاة لانعدام جواز بناء القوي على الضعيف، والانفراد في موضع الاقتداء قاطع للصلاة إذا ثبت هذا فتقول (٣): لا يصح اقتداء اللابس بالعاري، والقاري بالأمي والأخرس، والساجد (٤) بالمومئ، والصحيح بصاحب العذر، والرجل بالمرأة لفوات الشرط وهو تأخير المرأة (٥)، كذا ذكر قاضي خان ﵀ في "الجامع الصغير"، وذكر في فتاواه ولا يصح اقتداء الأمي بالأخرس، ويصح اقتداء الأخرس بالأمي (٦). [حكم اقتداء الأمي بالأخرس] وقال في «المحيط» (٧): قال بعض مشايخنا: إنما لا يصح اقتداء الأمي بالأخرس؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة، وهي فرض، والأمي يأتي بها فصار كاقتداء القارئ بالأمي، الأمي إذا اقتدى بالقارئ فتعلم سورة في وسط الصلاة. قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ (٨): لا تفسد صلاته؛ لأن صلاته كانت بقراءة، وقال غيره: تفسد صلاته؛ لأنه يقوي حاله (٩)، ثم ذكر بعد هذا أن صلاة الإمام في جنس هذه المسائل جائزة إلا إذا كان الإمام أميًّا واقتدى به قارئ، فإن صلاة الأمي لا تجوز، وكذا الأخرس إذا اقتدى به الأمي فإنه لا يجوز صلاة الأخرس أيضًا، وفي كل موضع لا يجوز الاقتداء هل يكون شارعًا في صلاة نفسه؟ في رواية باب الحدث لا يكون شارعًا، وكذا في زيادات الزيادات (١٠) حتى لو ضحك قهقهة لا ينتقص طهارته، وفي رواية باب الأذان يصير شارعًا قبل ما ذكر في باب الحدث قول محمد، وما ذكر في باب الأذان قولهما بناء على أن فساد الجهة يوجب فساد التحريمة في قول محمد وعلى قولهما لا يوجب (١١).

стр. 748

[إمامة الأمي للقارئ] وذكر في «المحيط» (١): أن القارئ إذا اقتدى بالأمي قال بعضهم: لا يصير شارعًا حتى لو كان في التطوع لا يجب القضاء، وبعضهم قالوا: يصير شارعًا، ثم يفسد حتى لو كان في التطوع يجب القضاء، والصحيح هو الأول نص عليه محمد ﵀ في الأصل، قيل: وإنما لا يلزمه القضاء؛ لأن الشروع بمنزلة النذور، ولو نذر القارئ أن يصلي بغير قراءة لا يلزمه، فكذا إذا شرع. [إمامة المتيمم للمتوضئ] قوله: ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد ﵀: لا يجوز (٢). وذكر في «الخلاصة»: أن اقتداء المتوضئ بالمتيمم في صلاة الجنازة جائز بلا خلاف (٣). وذكر شيخ الإسلام (٤) هذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، فقال: واختلفوا في أن المتيمم هل يؤم المتوضئين. قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمها الله: بأنه يؤم المتوضئين استحسانًا إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، وإن كان معهم ماء فإنه لا يؤم المتوضئين (٥). وقال محمد ﵀: بأنه لا يؤم المتوضئين سواء كان مع المتوضئين ماء أو لم يكن، وقال زفر ﵀: بأنه يؤم المتوضئين سواء كان مع المتوضئين ماء أو لم يكن، وأجمعوا على أن ماسح الخف يؤم الغاسلين، ولمن كان بمثل حاله احتج محمد في المسألة بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين" (٦). ولم يرو عن أقرانه خلاف ذلك فوجب اتباعه (٧)، والمعنى فيه: أنه أدى الصلاة بالتيمم مع قدرته على الأداء بالوضوء فلا يجزئه قياسًا على ما لو كان مع المتوضئ ماء فاقتدى بالمتيمم، وإنما قلنا: إنه قادر على الأداء بالوضوء؛ لأنه متوضئ فيمكنه أن يصلي وحده حتى يصير صلاته بوضوء، والدليل عليه صاحب (٨) الجرح السائل لا يؤم الصحيح؛ لأنه يقدر على أداء الصلاة بطهارة كاملة فلم يجزه إلا بطهارة ناقصة، فكذا هذا وهما استدلا بحديث عمرو بن العاص ﵁: فإن رسول الله ﵇ جعله أميرًا على سرية، فلما انصرفوا سألهم عن سيرته (٩) فقالوا: كان حسن السيرة (١٠)، ولكنه صلى بنا يومًا، وهو جنب فسأله رسول الله ﵇ عن ذلك؟ فقال: يا رسول الله، احتلمت في ليلة باردة وخشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١١)، فتيممت وصليت بهم، فتبسم رسول الله ﵇ في وجهه، وقال: «يا لك من فقه عمرو بن العاص» ولم يأمرهم بإعادة الصلاة (١٢)، (١٣).

стр. 749

والمعنى فيها: هو أن هذا طاهر اقتدى بطاهر في حقه فيصح اقتداؤه قياسًا على ما لو كان متوضئًا أو كان المقتدي متيممًا، وإنما قلنا: اقتدى بطاهر في حقه (١)؛ لأن التراب شرع طهور حال عدم الماء والعدم ثابت/ في حق الكل؛ لأن المسالة فيما إذا كان المقتدي غارمًا (٢)، فيكون الطهارة ثابتة في حقهما جميعًا، وذلك لأن التيمم اعتبر طهارة في حق الإمام بسبب العدم، والعدم ثابت في حق المتوضئ، وأما الجواب عن حديث علي قلنا: أراد به نفي الفضيلة والكمال لا نفي الجواز كما في قوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٣). والدليل عليه: عطف المقيد على ذلك، وهناك المراد نفي الفضيلة؛ لأن اقتداء المطلق بالمقيد جائز (٤). وأما قوله: بأنه صلى بالتيمم مع القدرة على الأداء بالوضوء، قلنا: ليس في الاقتداء بالمتيمم إلا جعل صلاته بالتيمم بعد ما كان يقدر على أدائه بوضوء، فله ذلك فإنه لو أحدث في هذه الحالة مختارا لأمكنه (٥) الأداء بالتيمم بالاقتداء (٦)، فإذا كان في وسعه الأداء بالتيمم في هذه الحالة بأن يحدث كان له الأداء بالتيمم بالاقتداء، وهذا لأن التيمم ما جعل طهارة بشرط العجز عن الأداء بالوضوء حتى يقال: بأن العجز غير ثابت في حق هذا المتوضئ، بل جعل طهارة بشرط العدم لا بسبب الحاجة إلى الأداء بدليل أنه لم يقدره (٧) بقدر الحاجة، فإنه يبقى بعد الوقت، ويجوز في وقت الأداء في وقت الأداء عليه دل أنه شرع طهارة بشرط العدم لا غير، والعدم ثابت في حق الكل (٨). قلت: وهذا في الحقيقة (٩) بناء على ما ذكر في أصول الفقه فقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في أصول الفقه (١٠): فعلى قول أبي حنيفة وأبو يوسف التراب خلف عن الماء، وعند محمد: التيمم خلف عن الوضوء، وتظهر المسألة في المتيمم عنده لا يؤم المتوضئين؛ لأن التيمم خلف فكان المتيمم صاحب الخلف، وليس لصاحب الأصل القوي أن يبني صلاته على صلاة صاحب الخلف كما لا يبني المصلى بركوع وسجود صلاته على صلاته المومي، وعندهما التراب كان خلفًا عن الماء في حصول الطهارة (١١)، ثم بعد حصول الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين قوله ﵀ لأنه طهارة ضرورية من حيث إنه يصار إليه عند العجز والضرورة عن استعمال الماء، ولهما أنه طهارة مطلقة، أي: غير مؤقتة بوقت بخلاف طهارة المستحاضة، وهذا هو الفرق لهما بين المتيمم وبين صاحب الجرح السايل حيث يجوز الاقتداء (١٢) بالأول دون الثاني لما أن طهارة صاحب الجرح غير مطلقة، بل مؤقتة ببقاء الوقت، فإذا خرج الوقت تبطل.

стр. 750

قلت: هاهنا شبهة دوارة بين البلدان وسيارة في الخلصان، وهي أن العلماء الثلاثة كلهم في باب الرجعة تركوا أصولهم المذكورة هنا حيث عكسوا العلل وبينوا الأحكام على خلاف ما تقتضيه العلة المذكورة في كل موضع، فبرز في حق كل منهم صورة المناقضة فإن محمدًا ﵀ جعل طهارة للمتيمم ضرورية هنا فلذلك لم يجوز إمامته للمتوضئين وجعلها مطلقة في باب الرجعة حتى أن المعتدة في الحيضة الثالثة إذا انقطع دمها وأيامها دون العشرة وتيممت تنقطع الرجعة بمجرد التيمم من غير أن يصلي كما إذا اغتسلت، فقال: لأن طهارة المتيمم طهارة مطلقة، وهما جعلاها مطلقة هنا، وضرورية هناك فاثبتا حكما على خلاف ما يقضيه عليهما في الموضعين من جواز إمامته للمتوضئين، وعدم انقطاع الرجعة بمجرد التيمم (١). فأقول -وبالله التوفيق-: الأصل المذكور في موضع إذا ترك في موضع آخر باعتبار اقتضاء ذلك الموضع إياه لا يكون هو من باب المناقضة، بل هو عمل بالدليل في كل موضع على ما يقتضيه لكن النسيان في تخريجه، وهذا كما قلنا مع الشافعي في مسألة التدبير، فإن عند الشافعي يجوز بيع المدبر (٢)، وعندنا لا يجوز، والتدبير هو تعليق العتق بالموت والتعليقات أسباب في الحال عند الشافعي حتى أبطل تعليق الطلاق والعتاق بالملك، فيجب أن لا ينفد بيعه عنده بناء على هذا الأصل، وعندنا التعليقات ليست بأسباب حتى جوزنا التعليق بالملك في الطلاق والعتاق، فكان يجب أن يجوز بيعه إلا أنا نقول: الأسباب الشرعية إنما تعرف سببًا عند الاتصال بالمحل والمعلق بالشرط لم يتصل بالمحل بالاتفاق فلا يكون سببًا (٣). واما التدبير فليس بتعليق وإن كان في صورة التعليق؛ لأن التعليق إنما يكون بالشرط والشرط اسم لمعدوم على خطر الوجود وللحكم تعلق به، والموت أمر كأئن تحققه لا محالة فلا يكون التعليق به تعليقًا حقيقيًّا؛ لانعدام حده، ولأن في سائر التعليقات بقاء الأهلية عند وجود الشرط ظاهرًا، وفي التدبير عند وجود الشرط بطلان الأهلية من كل وجه، فلو أخرنا ما السببية هنا إلغاء كلامه من كل وجه بخلاف سائر التعليقات، وكذلك نقول مطلقا الكتاب مقدم على السنة، والسنة على القياس، ثم قد يتقدم القياس على العام الذي خص منه البعض، وللآية المؤلة والسنة التي يلزم بعملها انسداد باب القياس (٤) من كل وجه، وكذلك ترك أبو يوسف ومحمد أصلهما في مسألة الإدام فجعل أبو يوسف اللحم والبيض والجبن إدامًا في قوله: إن أكلت إلا رغيفًا حيث لم يحنث عند أكل الرغيف بهذه الأشياء؛ لأن هذه الأشياء تبع للرغيف ولم يجعلها محمد إدامًا، ثم عكسا العلة في قوله: لا يأكل إلا إدامًا فرتبنا الحكم عليها على ما يقتضيه، فكذلك هاهنا (٥)، ثم في طهارة التيمم (٦) جهة الإطلاق وجهة الضرورة ظاهرة، أما كونها مطلقة فإنها ليست بمؤقتة بخلاف طهارة المستحاضة ويثبت بما يثبت بالطهارة الحاصلة بالماء من استباحة الصلاة ومس المصحف، وسجدة التلاوة وغيرها، وأما جهة كونها ضرورية فإنها في الحقيقة تلويث وتلطيخ ولا ترفع الحدث حقيقة حتى إذا وجد الماء كان محدثًا بالحدث السابق، ثم اختار كل واحد من الطرفين ما لاح له من الدليل فاختار محمد ﵀ في الموضعين جانب الاحتياط، فإنه يختار في مثله الاحتياط حتى أنها لو اغتسلت وتركت المضمضة والاستنشاق في الاغتسال تنقطع الرجعة عند محمد خلافًا لأبي يوسف احتياطًا لشبهة اختلاف العلماء فإن من الناس من يقول: المضمضة والاستنشاق (٧) سنة، فكان الاحتياط في قطع الرجعة، فلما كان الاحتياط أصلًا عنده كان الاحتياط في مسألتنا القول بعدم جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم؛ لأنه لما لم يجز له ذلك لا بد له أن يقتدي بالمتوضئ أو يصلي منفردًا يخرج عن عهدة الصلاة حتى تكون صلاته بالوضوء من كل وجه فيخرج عن عين الصلاة إجماعًا (٨)، وكذلك في فصل الرجعة، فإنه لما انقطعت ليس له أن يراجعها، ولا يحل له وطئها، والحكم بسقوط الرجعة مما يؤخذ بالاحتياط إجماعًا حتى أنها لو اغتسلت وبقي على بدنها لمعة تنقطع الرجعة عنها احتياطًا، وإن لم يحل لها أداء الصلاة، وهاهنا يحل لها الصلاة بالتيمم فأولى أن ينقطع به، وكذا لو اغتسلت بسور الحمار تنقطع الرجعة إجماعًا احتياطًا، ولم يحل لها أداء الصلاة، فلما كان العمل بالاحتياط أصلًا عنده، وهو متحد في الموضعين، ولكن اختلف سبب الاحتياط في الموضعين فلا يتناقض مذهبه؛ لأن أصل واحد غير منقوض، وهو العمل بالاحتياط، وإنما جاءت الصورة التناقض لاختلاف طريق الاحتياط في الموضعين، ولكن الاحتياط شيء واحد فيهما فلا يتناقض (٩).

стр. 751

وأما أبو حنيفة وأبو يوسف اختارا جانب الإطلاق في حق الصلاة، وما لحقهما، وجاءت الحقيقة فيما سواه، فإن الشارع إنما أعطى له حكم الطهارة المطلقة في حق الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (١) (٢)، حتى أجمع العلماء الثلاثة فيمن تيمم في حالة الإسلام ثم ارتد -والعياذ بالله-، ثم أسلم فهو على تيممه كما إذا توضأ ثم ارتد ثم أسلم؛ لأن التيمم في حق بقاء الطهارة (٣) مثل طهارة الوضوء غير مؤقت فعملا بإطلاقه في حق الصلاة لورود طهارته في حق الصلاة خصوصًا وبعدما تأيد ما قال بحديث عمرو بن العاص في حق الصلاة (٤) على ما ذكرنا، ولكن هو في الحقيقة تلويث وتلطيخ، وليس بطهارة فعملا بحقيقة فيما سوى الصلاة (٥) حتى لم تكن طهارة في حق انقطاع الرجعة ما لم يتأيد بمؤيد، وهو الصلاة به، وهذا لأن ما كان مشروعًا لمقصود، وله ضعف في نفسه فقبل انضمام المقصود إليه يبقى على ضعفه، فلا يزول به الملك كشهادة الشاهدين على الطلاق لما كانت المقصود، وهو قضاء القاضي بها فما لم ينضم إليها القضاء لا يكون مزيلة الملك (٦) كذا ذكر بعض هذا في «المبسوط» (٧). [صلاة القائم خلف القاعد] قوله: ويصلي القائم خلف القاعد إذا كان الإمام قاعدًا يركع ويسجد فاقتدى به من يصلي قائمًا بركوع وسجود جاز في قولهما استحسانًا، وفي القياس لا يجوز، وهو قول محمد (٨)؛ لقول النبي ﵇: «لا يؤمّن أحد بعدي جالسًا القائم» (٩)، ولم يرد به الجالس فإن اقتداء القاعد بالقاعد جائز بالإجماع، فعلمنا أن المراد به: لا يؤمن أحد بعدي جالسًا القائم ولم يرد به الجالس، ولأن هذا اقتداء/ غير المعذور بالمعذور فلا يحتج؛ لأن صلاة الفرض جالسًا لا يجوز إلا بعد الفجر، فلا يصح الإمامة للقائم قياسًا على الصحيح بالمريض الذي يومئ إماء.

стр. 752

والقاري إذا اقتدى بالأمي والكاسي إذا اقتدى بالعاري، والطاهر إذا اقتدى بصاحب الجرح السايل، فإنه لا يصح، وهذا لأن المقتدي بأن صلاته على صلاة الإمام، وتحريمة الإمام لم تنعقد للقيام فلا يمكنه بناء القيام عليه فحينئذ كان اقتداءه في بعض الصلاة دون البعض؛ لأن المقتدي منفرد بالقيام، فكان اقتداء وانفرادًا في حالة واحدة، وكذا ما روي أن آخر صلاة صلاها رسول الله ﵇ بأصحابه كان قاعدًا وهم قيام خلفه، فإنه ﵇ لما ضعف في مرضه قال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقالت عائشة ﵂ لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه، فلو أمرت غيره فقالت ذلك كرتين، فقال: «أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس»، فلما افتتح أبو بكر ﵁ الصلاة وجد رسول الله ﵇ في نفسه خفة، فخرج يهادى بين علي والفضل ورجلاه تخطان الأرض حتى دخل المسجد، فسمع أبو بكر ﵁ حس مجيء النبي ﵇، فتأخر وتقدم النبي ﵇ وجلس يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر: يعني أن أبا بكر كان يسمع تكبير رسول الله ﵇ فيكبر والناس يكبرون بتكبير أبي بكر» (١)، وهذا آخر فعل رسول الله ﵇ في مرضه فكان ناسخا لما كان قبله (٢). ولأن الإمام صاحب بدل صحيح، فاقتداء صاحب الأصل به صحيح كالماسح على الخفين إذا أم الغاسلين بخلاف صاحب الجرح ونحوه؛ لأنه ليس بصاحب بدل صحيح، ولأن صلاة القائم والقاعد واحدة، فإن القعود قيام مقصور؛ لأن كماله باستواء النصفين، وقد وجد بصفة فكان بمنزلة اقتداء المستوي قائمًا بالمنحنى ظهر حتى كان كالراكع (٣). قلت: هذه النكتة هي القاطعة للشغب لما أن القيام عبارة عن استواء النصفين، فلما لم يوجب فوات استواء النصف إلا على عدم جواز الاقتداء لم يوجب أيضًا فوات استواء النصف للأسفل عدم جواز الاقتداء؛ لأنها سواء في تكميل القائم، واسم النصف ولا يلزم إذا كان يومئ إيماء فاقتدى به فإنه لا يصح، كما أن صلاة المقتدي بركوع وسجود فلا ركوع ولا سجود في الإيماء أصلًا؛ لأن الركوع إنما يكون بانحناء الظهر، والسجود بوضع الجبهة على الأرض، وليس هو في الإيماء، فأما في القعود فقد وجد نصف القيام، وهو القيام بالنصف الأعلى، ولأن القيام في ركنين نوع قصور بدليل سقوطه عند سقوط الركوع والسجود، فاكتفينا فيه بالقيام القاصرة لا قصور في الركوع والسجود، وأما المومئ فليس له قيام ولا ركوع ولا سجود أصلًا، فلو قلنا: بجواز اقتداء من يجمع هذه الأركان به لكان ذلك قولا بجواز بناء الموجود على المعدوم، وأنه لا يصح، وليس هذا كالكاسي يقتدي بالعاري وأمثاله؛ لأن ستر العورة والطهارة والقراءة شروط أركان لا وجود لها أصلًا في صلاة الإمام، وفوات هذه الأشياء يوجب الفساد في حق القادر، فلا يصح الاقتداء، فأما هاهنا فقد وجد جميع الأركان في صلاة الإمام على ما تبينا (٤).

стр. 753

وأما الجواب عن تعلقه بالخبر قلنا: معه قوله: «لا يؤمن أحد أحدًا بعدي جالسًا» (١)، أي لجالس هو قادر على القيام، ونحن هكذا نقول فكان النبي ﵇ مخصوصًا به، وإنما قلنا ذلك بدليل قصة الحديث، وهو ما روى الزهري (٢) عن أنس بن مالك ﵀: أن رسول الله ﵇ سقط من فرسه فجحش شقه الأيسر، في رواية مبسوط شمس الأئمة: وشقه الأيمن، في رواية مبسوط شيخ الإسلام ﵀: فلم يخرج أيامًا، فدخل عليه أصحابه، فوجدوه يصلي قاعدًا، فافتتحوا الصلاة خلفه قيامًا، فأشار إليهم أن أقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال: «إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا فرادًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين لا يؤمن أحد بعدي جالسًا» (٣) أي: بعدي لجالس هو قادر على القيام كما فعلته أنا فإني كنت مخصوصًا بذلك، كذا في المبسوطين (٤)، والأسرار (٥). [صلاة المومئ] ثم قال في الأسرار: وكلام محمد أحب القولين إلي. قوله: ويصلي المومئ خلف مثله؛ لأنهما سواء، فإن كان الإمام يصلي قاعدًا والمقتدي قائمًا بإيماء صح اقتداؤه به أيضًا؛ لأن هذا القيام ليس بركن حتى كان الأولى تركه دل عليه لو عجز عن السجود، وقدر على غيره من الأفعال يصلي قاعدًا بإيماء. كذا ذكره الإمام التمرتاشي إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا، والإمام مضطجعًا، أي (فحينئذ) لا يجوز (٦). وذكر الإمام التمرتاشي حكم المسألة على خلاف هذا فقال: واختلف في اقتداء الذي يصلي قاعدًا موميًا بالذي يصلي مضطجعًا، والأصح: أنه يجوز على قول محمد، وكذلك الأظهر على قولهما جوازه (٧)، ولكن ذكر في «المحيط» (٨) ما يوافق رواية «الهداية» فقال في تعليله: إن حال المستلقي في الإيماء دون حال القاعد، ألا ترى أنه لا يجوز صلاة التطوع بالإيماء مستلقيًا إذا كان قادرًا على القعود، ثم ذكر الإمام التمرتاشي، وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ أحد برائه حد الركوع (٩)، فكان هذا على خلاف ما ذكرت قبل من «الأسرار»، ولكن رواية «المحيط» (١٠) مثل رواية «الأسرار» (١١).

стр. 754

قوله: وفيه خلاف زفر، وقال زفر: يجوز أن يؤم المومئ لمن يركع ويسجد هنا سقط إلى بدل، والمتأدي بالبدل كالمتأدي بالأصل، ولهذا قلنا: إن المتيمم يؤم المتوضئين، وبه فارق ما تقدم، وهو اقتداء القاري بالأمي وغيره؛ لأن هناك الفرض سقط لا إلى بدل فلم يمكن البناء عليه، ولنا أن الإيماء ليس بدل عن الركوع؛ لأنه بعضه وبعض الشيء لا يكون بدلًا عنه، فلما كان هو بعض الأصل، ثم لو جاز الاقتداء لكان مقتديًا في بعض الصلاة دون البعض، وذلك لا يجوز (١)، كذا في «المحيط» (٢). [اقتداء المفترض بالمتنفل] ولا يصلي المفترض خلف المتنفل إلى آخره، وجملته: أن اقتداء المفترض بالمتنفل أو على العكس أو اقتداء مصلي فرض بمصلي فرض آخر، والاقتداء المحدث أوجبت بعد العلم أو قبله لا يجوز عندنا سوى اقتداء المتنفل بالمفترض. وعند مالك: لا يجوز هو أيضًا، ويقول: لا أنها صلاتان مختلفتان اسمًا، فلا يصح بناء إحداهما على الأخرى قياسًا على الفرضين المختلفتين (٣)، وعند الشافعي يجوز في جميع ذلك، وأما إذا علم قبل الاقتداء أن الإمام حنث أو محدث، فلا يجوز الاقتداء به بالإجماع (٤). [الاقتداء بالكافر] وأما الاقتداء بالكافر والمرأة فلا يجوز عنده أيضًا كما لا يجوز عندنا سواء علم أو لم يعلم فقال: لأن المرأة لا تصلح لإمامة الرجل؛ لأنها جعلت تبعًا للرجل في باب الجماعة، فلا يجوز أن يجعل أصلًا، والكافر لا صلاة له فالاقتداء بمن لا صلاة له باطل، والقياس في الجنب كذلك إلا أني تركت القياس بالأثر على ما يأتي بيانه (٥). واحتج هو في صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وفي اختلاف الفرضين لحديث معاذ ﵁ فإنه كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة (٦). فكانت صلاة العشاء لمعاذ نفلًا مع قومه ولأصحابه فرضًا على أن اقتداء المفترض بالمتنقل جائز، والمعنى في المسألة: هو أنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة وتصحان جماعة وفرادى، فيصح بناء أحديهما على الأخرى بالاقتداء قياسًا على صلاة واحدة، ولا يلزم من يصلي الجمعة بمن يصلي الظهر حيث لا يجوز لأنا قلنا: يصح فرادى وجماعة، والجمعة لا تصح أدائها فرادى، ولأن لها شرائط لم يوجد في الظهر. ولنا ما روي عن النبي ﵇: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» (٧).

стр. 755

ومعنى قوله: «الإمام ضامن» أي: أنه ضامن صلاة القوم فإن كل مصلي ضامن صلاة نفسه، وكان المراد والله أعلم ضامن بصلاة نفسه صلاتهم، فإن الضمان ليس في الذمة، فإن صلاة المقتدي لا يصير دينا عليه فثبت أن صلاة المقتدى صارت في ضمان صلاة الإمام صحة وفسادًا؛ لأنه لم تصير فيها أداء حيث لم يسقط عنهم بأداء الإمام، ثم إنما يصير في ضمن صلاة الإمام صحة وفسادًا إذا بنيت صلاة القوم على صلاة الإمام والابتناء لا يصح ما لم يمكن أصل الفرض بحيث يمكن الإمام (١) أداء ما على المقتدي بتحريمه إذ بصلاته يصح أداء المقتدي بناء على صلاته (٢). وفي «المبسوط» (٣): معنى قول: «الإمام ضامن» أي: تضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز، وفيما هو دونه لا يجوز وهو (٤) المعنى في الفرق، فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة والنفل يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضًا فصلاته (تشمل على صلاة المقتدي وزيادة فصح الاقتداء/ به وإذا كان الإمام متنفلًا فصلاته) (٥) لا تشتمل على ما تشتمل على صلاة المقتدي، فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بناء القوي على أساس ضعيف (٦)، فإن قيل: إن اقتداء المتطوع بالمفترض صحيح، والقراءة فرض على المقتدي في الأخريين (٧) بحكم الاقتداء (٨) طبقا لما اقتدى به لم يبق علة (٩) قراءة لا فريضة ولا نافلة، وكذلك قعدة المتنفل المشفع (١٠) الأول تصير نفلًا لما صار نفله أربعًا كذا (١١) في «الأسرار» (١٢)، وكذا في «المحيط» (١٣)، ثم بين مشايخنا اختلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل. قال بعضهم: اقتداء المفترض (١٤) بالمتنفل كما لا يجوز في جميع أفعال الصلاة لا يجوز في فعل واحد؛ لأن المعنى لا يوجب الفصل؛ لأن الاقتداء بناء على سبيل المشاركة، وإنما يصح بناء الموجود على الموجود لا بناء الموجود على المعدوم، واقتداء المفترض بالمتنفل بناء الموجود على المعدوم في حق صفة الفرضية، وبعض مشايخنا قالوا: اقتداء المفترض بالمتنفل إنما لا يجوز في جميع أفعال الصلاة، ولكن يجوز في فعل واحد (١٥) ألا ترى إلى ما ذكر محمد ﵀ أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع جاء إنسان واقتدى به فقيل: إن يسجد السجدتين سبق الإمام الحدث فاستخلف هذا الرجل الذي (١٦) اقتدى به صح الاستخلاف، ويأتي الخليفة بالسجدتين، ويكون هاتان السجدتان نفلًا للخليفة حتى يعيدها بعد ذلك، وفرضًا في حق من أدرك أول الصلاة، ومع هذا صح الاقتداء، وكذلك المتنفل إذا اقتدى بالمفترض في الشفع الأخير يجوز، وهو (١٧) اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة، ومع هذا صح اقتداؤه، وعامة المشايخ لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في (١٨) شيء من أفعال الصلاة (١٩)، فأجابوا عن المسألتين:

стр. 756

أما المسألة الأولى: فإنا لا نقول: بأن (١) السجدتين فصل في حق الخليفة بل هي فرض بوجود (٢) حد الفرض، فإن حده أنه إذا لم يأت به تفسد صلاته، وهذا كذلك؛ لأن الخليفة قائم مقام الأول، ولو كان الأول في مكانه كانت السجدتان فرضًا في حقه فكذا (٣) في حق الخليفة (٤). وأما المسألة الثانية: قلنا: صلاة المقتدي أخذت حكم (٥) بسبب الاقتداء، ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك مع الإمام من الشفع الأول، وكذلك لو أفسد المقتدي الصلاة (٦) على نفسه يلزمه قضاء أربع ركعات، وإذا أخذت صلاة المقتدي حكم الفرض كانت (٧) القراءة نفلًا (٨) في حقه كما في حق الإمام، فكان هذا اقتداء المتنفل بالمتنفل في حق القراءة (٩). وأما حديث معاذ فتأويله أنه (١٠) كان يصلي مع رسول الله ﵇ بنية النفل ليتعلم منه سنة القراءة، ثم يأتي فيصلي بهم الفرض، وعلى هذا تغاير الفرضين عندنا يمنع صحة الاقتداء لما أن المشاركة تتقوى بالاقتداء، فتغاير الفرضين يمنع صحة المشاركة؛ لأن صلاة المقتدي مع صلاة الإمام صلاتان لا يجوز للمقتدي أن يبني إحديهما على تحريمة الأخرى بنفسه بأن كان منفردًا فلا يجوز له البناء على تحريمه الإمام، وقياسًا على مصلي الجمعة إذا اقتدى بالذي يصلي الظهر، وعلى القاري إذا اقتدى بالأمي، فإنه لا يصح؛ لأن المقتدى يبني صلاته على تحريمة الإمام فما أمكنه البناء بنفسه على تحريمته أمكنه بالاقتداء، وما لا فلا، كذا في المبسوطين (١١)؛ لأن الاقتداء بناء، وتفسير البناء هو أن يجعل التحريمتين تحريمة واحدة؛ لأن الاقتداء شركة أي في التحريمة، وموافقة أي: في الأفعال، ومن اقتدى بإمام، ثم علم أن إمامه محدث، وقيد بالعلم بعد الاقتداء، فإنه لو علم أن إمامه محدث قبل الاقتداء لا يجوز الاقتداء به بالإجماع بناء على ما تقدم، وهو أن الاقتداء عنده أداء على سبيل الموافقة من غير معنى التضمين (١٢).

стр. 757

واحتج الشافعي ﵀ في جواز صلاة المقتدي إذا علم أن إمامه كان جنبًا أو محدثًا بعد الاقتداء بحديث أنس بن مالك ﵀ قال: دخل رسول الله ﵇ في صلاته فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم أن أمكثوا كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتى رسول الله ﵇ قد اغتسل ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم (١). ولو لم يكن صلاتهم منعقدة لم يكلفهم استدامة القيام مع قوله ﵇: «لا تقوموا في الصف حتى تروني خرجت» (٢). فدل أن عدم طهارة الإمام لا يمنع انعقاد صلاة المقتدي إذا لم يعلم بحال الإمام، ولأنه غير منسوب إلى التفريط بهذا (٣) الإتمام دليله (٤) ما لو ارتد الإمام بعدما صلى (٥)./ ولنا ما روي أن النبي عليه [السلام] (٦) صلى بأصحابه لم يذكر جنابة، وأعاد وأمرهم بالإعادة، وقال ﷺ : «أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابة أعاد وأعادوا» (٧). وتأويل ما تعلقوا من الخبر أنه كان في بدء الأمر قبل تعلق صلاة القوم بصلاة الإمام ألا ترى أن في الحديث جاء النبي ﵇ وكبر ولم يأمرهم بإعادة التكبيرة (٨) فيكون القوم مصلين بصلاته بتكبير قبل تكبير الإمام، وهذا لا يصح بلا إشكال، ولأن محمد بن سيرين ﵀ (٩) ذكر هذه القصة، وذكر أن النبي ﵇ أومئ إليهم أن اقعدوا (١٠)، ولو انعقدت صلاتهم لم يأمرهم بالقعود، ويحتمل أن الأمر بالمكث كيلا يتفرقوا حتى مجيء رسول الله ﵇ (١١).

стр. 758

والحديث حكاية حال لا عموم له، فلا (١) يجوز ترك القياس بمثل هذا الحديث وقال (٢): بأنه غير منسوب إلى التفريط، فيشكل بما لو ظهر أنه كافر أو امرأة حيث لا يصح، وإن كان هو غير منسوب إليه هناك أيضًا، كذا في «الأسرار» (٣)، ومبسوط شيخ الإسلام (٤). الأمي إذا صلى بقوم يقرءون، وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة، وقالا: صلاة الإمام، ومن هو بمثل حال (٥) جائزة، وعلى هذا الخلاف إذا أم الأخرس قومًا قارئين وخرسًا (٦) هما يقولان: إنه لو أم قومًا أميين جازت صلاتهم، ولو أم قارئين لا يجوز صلاتهم، فإذا أم قارئين وأميين كان (٧) لكل فريق حكم نفسه اعتبارًا للكل بالبعض، فيجوز صلاة الأميين، وتفسد صلاة القارئين (٨)، أو نقول: اقتدى بهذا الإمام من هو مثل حاله (٩)، ومن هو أعلى حالا منه، فيجوز صلاة من هو بمثل حاله، ولا يجوز صلاة من هو أعلى حالًا منه (١٠) كما إذا أم العاري عراة ولابسين، وكذا صاحب الجرح السائل، والمومئ إذا أما لمن هو بمثل حالهما، ولمن هو أعلى حالا منهما ولأبي حنيفة ﵀ طريقان، أحدهما: أنهم لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة فالأمي قادر على أن يجعل صلاته بالقراءة بأن يقدم القاري، فيكون قراءة إمامه قراءة له كما جاء في الحديث فإذا تقدم بنفسه فقد ترك أداء الصلاة بالقراءة مع القدرة عليها، فيفسد صلاته، وصلاة القوم أيضًا بخلاف سائر الأعذار، فإن لبس الإمام لا يكون لبسًا للمقتدي، وكذلك الركوع والسجود والطهارة، فلا يكون قادرًا على إزالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له، فإن قيل: لو كان الأمي يصلي وحده، وهناك قارئ يصلي تلك الصلاة جازت صلاة الأمي، ولم ننظر إلى قدرته على أن يجعل صلاته بقراءة بالاقتداء بالقارئ (١١).

стр. 759

قلنا: ذكر أبو حازم (١) أنه على (٢) قياس قول أبي حنيفة ﵀ لا يجوز صلاته، وهو قول مالك ﵀، وبعد التسليم قلنا: لم يظهر هناك رغبة في أداء الصلاة بالجماعة فلا يعتبر وجوده في حق الأمي بخلاف ما نحن فيه. والطريق الثاني: أن افتتاح الكل قد صح لأنه أوان التكبير، والأمي قادر عليه كالقارئ فبصحة الاقتداء صار الأمي متحملًا (٣) فرض القراءة عن القارئ، ثم جاء أوان القراءة، وهو عاجز عن الوفاء بما يحمل فتفسد صلاته، وبفساد صلاته تفسد صلاة القوم بخلاف سائر الأعذار فإنها قائمة عند الافتتاح ولا يصح اقتداء من لا عذر له بصاحب العذر ابتداء، فإن قيل: لو اقتدى القاري بالأمي بنية النفل لا يلزمه القضاء، ولو صح شروعه في الابتداء للزمه القضاء قلنا: إنما لا يلزمه (٤) القضاء؛ لأنه صار شارعًا في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر، ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه شيء إلا في رواية عن أبي يوسف. فكذلك إذا شرع فيها، كذا في «المبسوط» (٥). وذكر الإمام التمرتاشي: ويجب أن لا يترك الأمي اجتهاده في آناء ليله ونهاره حتى يتعلم مقدار ما يجوز به صلاته، فإن قصر لم يعذر عند الله تعالى، ولم يمر بي تعذر (٦) القيام بالقراءة، وسألت عنها ظهير الدين (٧) فقال: لا يتعذر (٨) بها، وفي حق اللاحق ذكر في «الشافي» (٩) كذلك (١٠).

стр. 760

ولو افتتح الأمي ثم حضر القارئ قيل: تفسد، وقال الكرخي: لا (١)، لأنه إنما يكون قادرًا على أن يجعل صلاته بقراءة قبل الافتتاح، ولو حضر الأمي على قارئ يصلي فلم يعتد به، وصلى وحده اختلفوا فيه، والأصح أن صلاته فاسدة (٢). وذكر في «المحيط» (٣): ورأيت مسألة في بعض النسخ أن القارئ إذا كان على باب المسجد أو بجوار المسجد (٤)، والأمي/ في المسجد يصلي وحده أن صلاة الأمي جائزة بلا خلاف، وكذا (٥) إذا كان القارئ في صلاة غير صلاة الأمي جاز للأمي أن يصلي وحده ولا ينتظر فراغ القاري بالاتفاق، وذكر الفقيه أبو عبد الله الجرجاني (٦) في مسألة الأخرس والأمي إذا صلى كل واحد منهما بقوم أميين وقارئين وخرس إنما تفسد صلاة الأمي، والأخرس عند أبي حنيفة ﵀ إذا علم أن خلفه قارئًا أما إذا لم يعلم (٧) لا تفسد صلاته كما قالا إلا أن في ظاهر الرواية لا فصل بين حالة العلم وحالة الجهل، ووجه ذلك أن القراءة فرض، وما يتعلق بالفرائض لا يختلف بين العلم والجهل، ألا ترى أنه لو ترك القراءة ناسيًّا أو جاهلًا أو عامدًا لا يجوز (٨)، وإلى هذا كان يميل الشيخ الزاهد أبو نصر الصفار ﵀ (٩). قوله: بخلاف تلك المسألة وأمثالها كصاحب الجرح السائل أم الجرحى والأصحاء والمومئ أَمّ المومئين والمصلين بركوع وسجود.

стр. 761

قوله: هو الصحيح احتراز عن قول أبي حازم القاضي كما ذكرنا فإن قراءة الإمام في الأوليين ثم قدم في الأخريين أميا أي: أحدث، فاستخلف أميًّا، كذا ذكر مقيدًا في نسخ «الجامع الصغير» (١). وقال زفر: لا تفسد وكذا عن أبي يوسف في غير رواية الأصول؛ لأن الإمام الأول أدى فرض القراءة، وليس في الأخريين قراءة، فكان استخلاف القارئ والأمي سواء، ولنا أن القراءة فرض في جميع الصلاة تؤدي في موضع مخصوص، فإذا كان الإمام قارئًا فقد التزم أداء جميع الصلاة بقراءة الأمي عاجز عن ذلك فلا يصلح خليفة له، وانتقاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له تفسد صلاته كما لو استخلف صبيًّا أو امرأة، وعلى هذا لو رفع رأسه من آخر السجدة، ثم سبقه الحدث، فاستخلف أميًّا فسدت صلاته، وصلاة القوم عندنا، فأما إذا قعد قدر التشهد، ثم أحدث، فاستخلف أميًّا، فهو على الخلاف المعروف بين أبي حنيفة وصاحبيه كذا في «المبسوط» (٢). وذكر في «الجامع الصغير (٣)» لقاضي خان (٤): فإن قدمه بعدما قعد قدر التشهد فسدت صلاته في قول أبي حنيفة، ولا تفسد في قول أبي يوسف ومحمد، وهي من المسائل الاثنى عشرية، وقيل: لا تفسد عند الكل أما عندهما فظاهر، وكذلك عند أبي حنيفة ﵀ لوجود الخروج من الصلاة بصنعة، وهو الاستخلاف كما لو قهقه أو تكلم، و (٥) جعل الإمام التمرتاشي ﵀ عدم الفساد عند الكل أولى (٦). وفي «المحيط» (٧): جعل ذلك قول الفقيه أبي جعفر الهندواني (٨)، والإمام الكاساني ﵀ (٩) ذكر عدم الفساد بالإجماع، فقال: ولو قدمه بعد التشهد جاز بالإجماع عندهما لا يشكل، وعند أبي حنيفة ﵀ لوجد المنع.

стр. 762

قوله: وكذا على هذا لو قدمه في التشهد أي قبل التشهد ليكون حكمه حكم (١) التقديم في الأخريين؛ لأنه عطفه عليه، وأما إذا قدمه بعد التشهد فقد ذكرناه (٢)، (٣). باب الحدث في الصلاة لما ذكر أحكام السلامة عن العوارض في الصلاة انفرادًا وجماعة؛ لأنها هي الأصل ذكر في هذا الباب ما يعرض لها من العوارض، ويمنعه من المضي فإن المرشد كما يرشد السالك إلى الطرق (٤) الجادة يرشده إلى وجه التخلص فيما لو غراه من الأقارب الصادة (٥)، (٦). قوله: وفي (٧) سبقة الحدث في الصلاة انصرف، أي: انصرف من غير توقف بعد سبق الحدث؛ لأنه لو مكث ساعة يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث وأداء الصلاة مع الحدث لا يجوز، ففسد ما أدَّى، وإذا فسد ما أدى يفسد الباقي ضرورة؛ لأن الصلاة الواحدة لا يتجزئ (٨) صحة وفسادًا نص على هذا في مبسوط شيخ الإسلام (٩)، و «المحيط» (١٠). فإن كان إمامًا استخلف، وتفسير الاستخلاف هو أن يأخذه بثوبه، ويجره إلى المحراب (١١)، كذا في «الخلاصة». وكان مالك يقول في الابتداء: يبني ثم رجع، وقال: لا يبني فعابه محمد ﵀ في كتاب الحج برجوعه من الآثار إلى القياس وجه القياس أن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط فكذلك بقاءها، ولأن الحدث مناف للصلاة قال ﵇: «لا صلاة إلا بطهور» (١٢) ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها (١٣) وجه قولنا ما روي من الحديث المذكور في الكتاب. وفي/ المسألة إجماع الصحابة، فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر (١٤) وأنس بن مالك وسلمان الفارسي ﵃ أنهم قالوا مثل قولنا، فترك علماؤنا القياس بهذه الآثار، وقياس الشافعي بالحدث العمد فاسد، لكنا جوزنا البناء، وأبقينا التحريمة بالآثار بخلاف القياس والآثار وردت (١٥) في الحدث السماوي فلا يقاس على الحدث العمد؛ لأن الحدث العمد فوق السماوي ألا ترى أن الشرع ما أوجب القضاء، والكفارة في أكل الناسي وأوجب في أكل العمد، والدليل على الفرق بينهما أن الحدث العمد يأثم، وهنا لا يأثم، كذا في «المحيط» (١٦)، و «المبسوط (١٧)» (١٨).

стр. 763

وإن لم يتكلم بعد سبق الحدث، ولكن لما رجع إلى أهله بال أو تغوط، فإنه لا يبنى على صلاته؛ لأن هذا حدث العمد، وحدث العمد مانع للبناء. قلت: وجملة هذا أنه إنما يجوز البناء على صلاته في الأحداث الخارجة من بدنه الموجبة للوضوء دون الغسل من غير قصد منه للحدث أو لسببه أو من غيره، ولم يأت بعده بما ينافي الصلاة من توقف في موضع الصلاة، وكلام وحدث أو كشف عورة من غير ضرورة أو فعل ينافي الصلاة مما له منه بد فلذلك (١) قلنا: لا يجوز البناء فيما إذا انتضح البول على بدن المصلي أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم فانصرف ليغسله؛ لأنه ليس من الأحداث، وكذا (٢) فيما إذا انتقض وضوءه بالإغماء أو الجنون أو القهقهة؛ لأنها ليست بخارجة في البدن، وكذا في الاحتلام، وإن كان خارجا من البدن؛ لأنه موجب للغسل والنص ورد فيما يوجب الوضوء دون الغسل، وكذا في الحدث العمد؛ لأنه يقصده (٣)، والشرط سبق الحدث، وكذا فيما إذا كانت به جراحة أو دمل فغمزها بيده فسال منها الدم؛ لأنه وجد منه القصد بسبب الحدث، وكذا فيما إذا رماه إنسان ببندقة أو حجر أو سقط الحجر من السقف فأصابه فسال الدم؛ لأن الحدث منه بسبب غيره، وكذا إذا مكث ساعة في موضع الصلاة بعد سبق الحدث؛ لأن ذلك أداء منه للصلاة بالحدث، وذلك مفسد للصلاة (٤) على ما ذكرناه وكذا فيما إذا تكلم أو بال أو تغوط بعد سبق الحدث؛ لأنه أتى بما ينافي الصلاة، وكذا في كشف العورة من غير ضرورة (٥). وقال في فتاوى قاضي خان: المصلى إذا سبقه الحدث فذهب ليتوضأ فانكشفت عورته في الوضوء أو كشفها هو. قال (٦) القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: إن لم يجد بدًّا من ذلك لم تفسد صلاته، وإن وجد منه بدًّا بأن تمكن من الاستنجاء وغسل موضع النجاسة تحت القميص فأبدا عورته فسدت صلاته (٧)، وكذا فيما إذا أتى الحوض، فوجد موضعًا يقدر على الوضوء، فجاوز ذلك الموضع وتوضأ في مكان آخر؛ لأنه مشى من غير حاجة هذه القيود مستفادة من شرح الطحاوي، والخلاصة وغيرهما، والمنفرد إن شاء أتم من منزله، وهو اختيار بعض مشايخنا لما فيه من تقليل المشي (٨).

стр. 764

وذكر في نوادر ابن سماعة (١): في المقتدي إذا عاد إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام الثاني: تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة إلا أن محمد بن الحسن (٢) لم يقسم هذا التقسيم (٣). وإن شاء عاد إلى مكانه وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، والإمام خواهر زاده (٤) ليكون مؤديًا جميع الصلاة في مكان واحد، فإن قيل: متى عاد إلى المسجد يجب أن تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة فإن أداء الباقي في بيته جائز، والمشي في الصلاة من غير حاجة يوجب فساد الصلاة، قلنا: المشي إن وجد من حيث الحقيقة لم (٥) يوجد من حيث الحكم؛ لأن حرمة الصلاة تجعل الأماكن المختلفة كمكان واحد ألا ترى أن من صلى على دابة (٦) إذا قرأ آية السجدة مرارًا والدابة تسير تكفيه سجدة واحدة فيجعل كأن الدابة لم تسر، فكذلك هاهنا (٧). كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٨). وكذلك الإمام يعود أيضًا؛ لأنه صار كواحد من المقتدين، والمقتدي يعود إلى مكانه أي: لا محالة (٩) حتى لو أتم بقية الصلاة في بيته لا يجزئه؛ لأن بينه وبين إمامه (١٠) يمنع صحة الاقتداء هذا إذا لم يفرغ إمامه عن صلاته.

стр. 765

وأما إذا فرغ فحينئذ يخير المقتدي على ما ذكرنا في «المحيط» (١) إلا أن يكون إمامه قد فرغ يعني حينئذ يجوز له أن لا يعود إلى مكانه الأول (٢)، فإن قيل: كيف يستقيم هذا واللاحق في حكم المقتدى فيما يتم من صلاته، فإذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع صحة الاقتداء به من طريق أو/ نهر، فينبغي أن لا تجوز صلاته في بيته، قلنا: نعم، هو فيما يؤدي بمنزلة المقتدي، ولكن الإمام قد خرج من حرمة الصلاة، فلا نزاع حينئذ في ترتيب المقام بينه وبين إمام قد خرج من الصلاة، وربما خرج أو أحدث أو مات أو نام كذا ذكر السؤال، والجواب في نوادر صلاة المبسوط (٣). قلت: قد ظهر الفرق بين لاحق يصلي وإمامه لم يفرغ، وبين لاحق يصلي وإمامه قد فرغ في حق حكم آخر، وهو نية الإمامة لما عرف في أصول الفقه، فجاز أن يظهر الفرق بينهما في حق ترتيب المقام أيضًا؛ لفوات ما يستدعيه، وهو خروج إمامه عن حرمة الصلاة. قوله ﵀: أو لا يكون بينهما حائل يعني حينئذ يجوز له أن يصلي في بيته على وجه الاقتداء بالخليفة، وإن لم يفرغ الإمام عن الصلاة بأن يكون بيته بجنب المسجد بحيث لو اقتدى به يكون صحيحًا؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء، وفي الابتداء لو اقتدى به، وهو في بيته والمسجد ملأن يجوز، فكذا يجوز (٤) إتمام الصلاة في بيته، وإن لم يفرغ الإمام من صلاته إذا لم يكن ما يمنعه من الاقتداء من البعد والحيطان والنهر (٥)، (٦). قوله: وهو رواية عن محمد ﵀، وخلاف محمد ﵀ فيما إذا كان باب المسجد على غير حائط القبلة ليتحقق الانصراف، وأما إذا كان يمشي في المسجد، ووجهه إلى القبلة بأن كان باب المسجد على حائط القبلة لا تفسد صلاته بالاتفاق فوجه القياس ظاهر؛ لأن هذا انصراف عن القبلة من غير عذر، فيلزمه الاستقبال كالمتيمم إذا رأى سرابًا فظنه ماء، وكمن ظن أنه لم يمسح فانصرف، ثم علم أنه قد مسح، أو صلى الظهر فظن أنه لم يصلي الفجر فانصرف، ثم علم أنه قد صلى أو ظن الماسح في صلاته أنه انقضى (٧) مدة المسح، فانصرف ثم علم أنه لم ينقض أو رأى في صلاته على ثوبه حمرة فظن أنها دم فانصرف، ثم علم أنه لم يكن فإنه يستقبل الصلاة (٨).

стр. 766

وفي ظاهر الرواية: أنه لم يفصل بين ما إذا مشى في المسجد مستقبل القبلة أو انصرف عن القبلة، وفرق بينهما وبين تلك المسائل، ووجه الفرق هو أن هذا انصراف لإصلاح الصلاة لا على قصد الترك والإعراض بخلاف تلك المسائل، فإن انصرافه ثمة كان على قصد الترك والرفض. ألا ترى أنه لو تحقق ما تخيله لا يمكنه البناء، وما تجانس هذه المسألة ما ذكر في العيون: رجل صلى العشاء فسلم على رأس الركعتين على ظن أنها ترويحة، أو كان في صلاة الظهر فسلم على رأس الركعتين على ظن أنها جمعة، أو سلم على رأس الركعتين على ظن أنه (١) مسافر، فإنه يستقبل، ولو سلم على رأس الركعتين على ظن أنها رابعية (٢) فإنه يبني على صلاته، ويسجد للسهو؛ لأن في المسائل الثلاث تيقن أنه صلى ركعتين لا غير، فكان عامدًا في السلام (٣) على رأس الركعتين، وسلام العمد قاطع، وفي المسألة الأخيرة: سلم على ظن أنها رابعية (٤)، فلم يكن عامدًا في السلام على رأس الركعتين، ولأن في تلك المسائل شبهة عليه ما لا يشتبه غالبًا لاختصاص كل صلاة بوقت وشرائط، واختصاص السفر بعلامات، فلا يتحمل (٥) ذلك (٦). أما هاهنا فبخلافه كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان، فالحق قصد الإصلاح بحقيقيته، فإن القصد إلى الشيء يجعل كأنه يفعل ذلك الشيء في الشرع كما إذا تترس الكفار بأسارى المسلمين، فإنه يباح الرمي إليهم بشرط إن كان قصدهم الرمي (٧) إلى الكفار، فيجعل كأنهم رموا إلى الكفار علم أن القصد إلى الشيء يلحق به، ثم هاهنا لو كان حقيقة الإصلاح بأن تحقق ما توهمه من الحدث (٨) لما فسدت صلاته بالانصراف؛ لكون انصرافه لإصلاح صلاته، فكذا إذا انصرف على قصد الإصلاح، فإن قلت: لو كان قصد الإصلاح ملحقًا بحقيقة الإصلاح، وهي الانصراف للتوضئ عند تحقق الحدث لكان يجب أن لا يستقبل الصلاة، وإن خرج من المسجد كما هو الحكم في حقيقة الإصلاح (٩). قلت: الحكم يثبت على حسب ثبوت الدليل، ثم في حقيقة الإصلاح، وهي الانصراف للتوضئ عند تحقق الحدث وجد شيئان، أحدهما: قصد الإصلاح، والثاني: قيام العذر فتقوى أحدهما بالآخر، فلذلك ثبت لذلك الدليل من القوة ما ليس لغيره، فلم تفسد صلاته بالانصراف لا في المسجد ولا خارج المسجد لقصد الإصلاح، ولقيام العذر أصله قوله ﵇:/ «من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف» (١٠) الحديث (١١).

стр. 767

وفي تلك المسائل، أعني: المتيمم الذي رأى سرابًا فظنه ماء فانصرف، وغيره لم يوجب (١) واحد منهما، ففسدت صلاته لذلك بمجرد الانصراف، وإن لم يخرج من المسجد، وفي مسألتنا وهي ما إذا ظن أنه أحدث وجد أحدهما وهو قصد الإصلاح، ولم يوجد الآخر، وهو قيام العذر، فقلنا: بأنه لا تفسد ما دام في المسجد عملًا بقصد الإصلاح لما أن المسجد، وإن تباينت أطرافه بمنزلة مكان واحد بدليل صحة الاقتداء أو عدم تكرر وجوب سجدة التلاوة، وتفسد إذا خرج من المسجد لاختلاف المكان حقيقة وحكما، ولعدم قيام العذر (٢). قوله: فهذا هو الحرف، أي: الأصل بين المسألتين، وهو أن الانصراف إذا كان على سبيل قصد الإصلاح لا يستقبل ما لم يخرج عن المسجد، وإذا كان على سبيل الرفض والترك يستقبل بمجرد الانصراف، وإن لم يخرج من المسجد، وتحقيق ما ذكرنا، وإن كان منفردا فموضع سجوده، أي فمقدار موضع سجوده من كل جانب، فإن جن أو نام فاحتلم أو أغمي عليه استقبل، هذا إذا وجدت هذه الأشياء، قيل: إن يقعد قدر التشهد، فأما إذا أغمي عليه بعدما قعد قدر التشهد أو أصابه لمم (٣)، فإن صلاته وصلاة القوم تامة، وعلى الإمام الوضوء لصلاة أخرى. أما صلاة الإمام تامة؛ لأنه صار خارجًا عنها بالإغماء، وليس عليه ركن من أركان الصلاة، فيجزئه صلاته وصلاة من كان بمثل حاله (٤)، فإن قيل: أليس أن الخروج بصنعة فرض على قول أبي حنيفة ولم يوجد؟ قلنا: وجد لأنه بعدما صار محدثًا بالإغماء لا بد من اضطراب يوجد منه، وذلك صنع منه، وإن لم يوجد الاضطراب، فقدر ما وجد فيه من المكث بعد الحدث قاطع للصلاة؛ لأنه يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث، والأداء (٥) صنع منه، فكيف ما كان فقد وجد منه صنع أما من حيث الاضطراب، أو من حيث الأداء مع الحدث (٦). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧)؛ لأنه يندر وجود هذه العوارض، ولأنه بعدما صار محدثًا بهذه الأشياء لا بد من أن يمكث ساعة، والمكث ساعة بعدما سبقه الحدث يوجب فساد الصلاة كما كان مفيقًا فمكث ساعة، وما يوجب فساد الصلاة لا يقع الفرق بين أن يكون بقصده أو بغير قصده كالكلام، فإنه لما كان مفسدًا لم يفرق بين أن يكون مخطئًا أو ناسيًا أو قاصدًا في الكلام، وهذا لأن عند المكث يصير مؤديًا جزء آخر من الصلاة مع الحدث، وهو عليه حرام، وهذا الذي ذكرنا قول علمائنا، فأما على قول الشافعي (٨) إن كان هو إمامًا، فتفسد صلاته ولا تفسد صلاة من خلفه لما أن صلاة المقتدي غير متعلق بصلاة الإمام عنده حتى لو ظهر الإمام محدثًا أو جنبًا، ولم يعلم المقتدي به لا تفسد صلاة المقتدي عنده، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٩)؛ لأنه بمنزلة الكلام من حيث إن كلا منهما ينقل المعنى من ضميره إلى فهم السامع (١٠).

стр. 768

وفي «المبسوط» (١): القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة، ولهذا جعلت ناقضة للوضوء، وثم سوى بين النسيان والعمد، ففي القهقهة أولى، وإن قهقهه بعدما قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم لم تفسد صلاته كما لو تكلم في هذه الحالة؛ لأنه لم يبق عليه شيء من أركان الصلاة، وقد وجد منه صنع ينافي الصلاة، ولكن يلزمه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، ولا يلزمه عند زفر فقال: كل قهقهة توجب إعادة الصلاة توجب (٢) الوضوء، وما لا يوجب إعادة الصلاة لا يوجب الوضوء؛ لأنه ليس في معنى المنصوص عليه من كل وجه. قلت: التسوية بين القهقهة والكلام بوجهين، أحدهما: أن كلا منهما قاطع للصلاة، فلذلك استوى فيهما العمد والنسيان. والثاني: أن كلا منهما إذا وجد بعد التشهد يوجب تمام الصلاة بالاتفاق. [عجز الإمام عن القراءة] قوله: وإن حصر الإمام عن القراءة هذه المسألة من خواص مسألة «الجامع الصغير» الحصر بفتحتين العي وضيق الصدر، والفعل منه حصِر مثل لبِس، فهو حصر، ومنه إمام حصر، فلم يستطع أن يقرأ، وضم الحاء فيه خطأ، كذا في «المغرب» (٣)، وذكر في «الصحاح» (٤): كل من امتنع عن شيء لم يقدر عليه، فقد حصر عنه، وقالا: لا يجزئهم، أي: الاستخلاف، بل يتمها بدون القراءة، كالأمي إذا أمَّ قومًا أميين، وذلك لأن جواز الاستخلاف عرف نصًّا بخلاف القياس، والنص ورد في الحدث، وهذا ليس في معنى الحدث/ لأن الحدث مما تعم به البلوى، ولا يندر أما نسيان جميع ما يحفظ أمر نادر، فأشبه الجنابة (٥). وذكر في «الفوائد الظهيرية»: وليس الحصر في معنى الحدث؛ لوجود أحدها أن الطهارة شرط لجميع الصلاة، والقراءة شرط لبعضها. والثاني: أنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة، وللصلاة جواز بدون القراءة. والثالث: أن القراءة تجري فيه النيابة بخلاف الطهارة، وهو هاهنا ألزم، أي: العجز هاهنا أثبت من الحدث؛ لأنه لا يمكنه الخلاص عنه الحصر بنفسه بخلاف (٦) سبق الحدث؛ لأنه يمكن الخلاص بإعادة الطهارة، وذكر الإمام قاضي خان، ولأبي حنيفة ﵀ أن جواز الاستخلاف في باب الحدث للعجز عن المضي، والعجز هاهنا ألزم؛ لأن المحدث عسى يجد ماء في المسجد، فيمكنه إتمام الصلاة من غير استخلاف، أما الذي نسي جميع ما يحفظ لا يقدر على الإتمام إلا بالتعليم والتذكير بخلاف الجنابة؛ لأنها مثل الحدث في العجز إلا أن في الجنابة يحتاج إلى زيادة أمور في كشف العورة، فالنص الوارد ثمة لا يكون واردًا هنا، ولأن الجنابة في الصلاة مما يكن الاحتراز عنها، وكذلك الحصر عن القراءة (٧).

стр. 769

وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: قال الرازي: إنما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئًا، فإن أمكنه قراءة آية، فلا يستخلف، وإن استخلف فسدت صلاته، ثم إنما يجوز الاستخلاف إذا كان حافظًا للقرآن إلا أنه لحقه خجل وخوف فامتنعت عليه القراءة، فأما إذا نسي فصار أميًّا لم يجز الاستخلاف؛ لأن التسليم واجب هذا عندنا (١) خلافا للشافعي (٢) فإن عنده إصابة لفظ السلام فرض على ما مر إلا أن عنده لا يجوز التوضئ والبناء على ما مر (٣). [بطلان صلاة المتيمم] قوله: فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته، وقد مر من قبل أي مر بطريق الإشارة في تعليل مسألة العبد، ثم وجه البطلان في هذه المسألة ظاهر لما أنه قدر على الأصل حال قيام الخلف تمام الحكم بالخلف، فإن قيل: يشكل هذا بالتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماء كان له أن يتوضأ، ويبني على صلاته فلم يبطل صلاته هناك برؤية الماء، والمسألة في فصل مسح الخف من فتاوى قاضي خان، قلنا: الفرق بين المسألتين حيث يلزمه الاستئناف هنا ولا يلزمه (٤) في تلك المسألة هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق و الإصابة ليست بحدث (٥) (٦). وفي مسألتنا لم ينتقض المتيمم عند إصابة الماء (٧) بصفة الاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم، فلم يوجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالحلف، فلا يلزم الانتقاض بصفة الاستناد (٨)، كذا في «الفوائد الظهيرية» أو كان أميًّا، فتعلم سورة معناه تذكر؛ لأن التعلم لا بد له من التعليم، وذلك فعل ينافي الصلاة، فيتم صلاته بالاتفاق، أو يذكر فائتة عليه قبل هذه، أي: وفي الوقت سعه أو خلع خفيه بعمل يسير بأن كان الخف واسع الساق لا يحتاج في نزعه إلى المعالجة، وإنما قيد به؛ لأنه إذا كان ضيقًا فعالج في النزع، فصلاته تامة بالاتفاق (٩). كذا في «المبسوط» (١٠).

стр. 770

وهذه المسائل تسمى باثني عشرية؛ لأنها بذلك العدد في الروايات المشهورة، وقد يزيد عليها مسائل منها إذا كان يصلي بالثوب، وفيه نجاسته أكثر من قدر الدرهم، ثم وجد من الماء يغسل به النجاسة في هذه الحالة، ومنها أنه يقضي صلاة الفجر، وقد عاينه فدخل وقت الزوال في هذه الحالة، ومنها أنه يقضي صلاة الظهر في وقت العصر فتغيرت الشمس في هذه الحالة (١)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). قوله: إن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة ﵀، فإن قلت: لا فائدة في تقييده بصنع المصلي، فإنه إذا حاذت المرأة الرجل فإنه في هذه الحالة يتم إلى صلاته بالاتفاق ولا صنع من الرجل هاهنا أصلًا، فالمسألة في «المبسوط» (٣). قلت: المحاذاة صنع من جهته كذا في «المبسوط» (٤). قلت: المحاذاة صنع من جهته لما أن المفاعلة تقتضي الفاعلين، فكان الفعل موجودًا من الرجل كوجوده من المرأة، وإن لم يكن للرجل فيه اختيارًا أو نقول: وجود الصنع المفسد من غير المصلي إذا كان عن ذي اختيار، وقد اتصل ذلك الفعل بالمصلي يجعل كأنه وجد ذلك الفعل من المصلي، وإن لم يكن للمصلي فيه اختيار ألا ترى أن المرأة إذا كانت تصلي فلمسها زوجها بشهوة/ أو قبَّلها بشهوة تفسد صلاتها، والمسألة في «المحيط» (٥) وغيره (٦). وإن لم يوجد منها فعل ولا اختيار بوجود الصنع من غيرها باختيار، وقد اتصل ذلك الفعل بها، فكذلك في المحاذاة لهما ما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ إذا قلت: هذا وفعلت هذا، فقد تمت صلاتك (٧)، فالنبي ﵇ علق التمام بأحدهما، فمن علق التمام بصنع آخر يوجد بعد أحدهما، فقد خالف النص، ولأن الخروج لو كان ركنًا من أركان الصلاة كان لا يتأدى إلا بفعل هو قربة كسائر الأركان من الركوع والسجود، وبالاتفاق أنه يتأدى بالحدث العمد، والقهقهة علمنا أنه ليس بركن، ولأنه لو كان ركنًا في الصلاة كان إذا وجد في وسط الصلاة لا تفسد به الصلاة، وإن كان في غير محله كالقعدة والركوع والسجود، وهذا يفسد في غير محله، فلا يكون ركنًا، ولأبي حنيفة ﵀ أن هذه عبادة لها تحريم، وتحليل، فلا تخرج منها على وجه التمام إلا بصنعه كالحج وتقريره أن بعد التشهد لو أراد استدامة التحريمة إلى خروج الوقت أو دخول وقت صلاة أخرى يمنع منه بالاتفاق، ولو لم يبق عليه شيء من الصلاة لم يمنع من ذلك (٨)، كذا في المبسوطين (٩).

стр. 771

وله أنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه، فإنه لو تحرم للظهر، فلم (١) يخرج عنها حتى دخل وقت العصر لزمه أداء العصر، ولا يمكنه أداء العصر إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عن تحريمة الظهر سببًا يتوصل به إلى أداء العصر والعصر فرض، فما يكون سببًا للوصول إليه يكون فرضًا كالانتقال من ركن إلى ركن في باب (٢) الصلاة عُدَّ من الأركان، وإن لم يكن ركنًا في نفسه، لكنه سبب يتوصل به إلى أداء الركن، فكذا هناهنا؛ لأنه مالم يبق الأول على الصحة لا يمكنه أداء الثاني لأن الترتيب فرض عندنا، ولا تخرج عن الأول على وجه يبقى الأول صحيحًا (٣) إلا بصنع يوجد منه، فكان الخروج بصنعه فرضًا على هذا الوجه (٤). وهذه نكتة نقلت عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي ﵀ (٥)، فإن قيل: لما كان الخروج بصنعة فرضًا لصلاة أخرى لا لعينة كان يجب أن يتم صلاته في هذه الصور بانقضاء مدة المسح، وإصابة المتيمم ماء ونحوهما لحصول ما هو المقصود من الصنع، وهو الخروج عن الأولى، فيسقط الصنع كالسعي إلى الجمعة لما كانت فرضية لإمكان أداء الجمعة لا لعينة سقط إذا (٦) أمكنه بدونه بأن حملة إنسان مكرها أو دخل مسجد الجامع قبل دخول الوقت، قلنا: الفساد هاهنا عند أبي حنيفة ﵀ لا بسبب أنه فات الصنع، بل الفساد عنده في هذه المسائل بسبب آخر، وهو أنه أدى ما أدى مع الحدث، أما المتيمم إذا وجد الماء أو الماسح إذا انقضى مدة المسح، أو المستحاضة إذا برأت، فلأنه صار محدثًا بالحدث السابق، فاستندت صيرورته محدثًا إلى ذلك الوقت؛ لأن الحكم إذا ثبت متأخرًا عن العلة تستند إلى وقت العلة، كالملك في البيع بشرط الخيار إذا ثبت بمضي المدة استند إلى وقت البيع، فكذا هذا، وإذا استندت صيرورته محدثًا إلى الحدث السابق فسدت هذه الصلاة؛ لأنها حصلت مؤداة مع الحدث؛ لأن الاستناد يظهر في حقها؛ لأن حرمتها قائمة (٧)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 772

وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه المسألة، فقال: ومن أصحابنا من قال: هذه المسائل تنبني على أصل، وهو أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ثم قال: ولكن هذا ليس بقوي لاستحالة أن يقال: يتأدى فرض الصلاة بالحدث العمد، ولو كان الخروج بصنع المصلى فرضًا لاختص بما هو قربة كالخروج من الحج، ولكن الصحيح لأبي حنيفة أن التحريمة باقية بعد الفراغ من التشهد، واعترض المغير للفرض في هذه الحالة (١) كاعتراضه في خلال الصلاة بدليل أن المسافر لو نوى الإقامة في هذه الحالة يتغير فرضه كما لو نواها (٢) في خلال الصلاة، وهذه العوارض مغيرة للفرض بخلاف الكلام، فإنه قاطع لمغير والقهقهة والحدث العمد، والمحاذاة مبطلة لا مغيرة للصلاة، وطلوع الشمس مغيرا للصلاة أيضًا من الفرض إلى النفل. وجميع ما بينا فيما إذا اعترض قبل السلام، كذلك في سجود السهو أو بعدما فرغ منها قبل أن يتشهد أو بعد التشهد قبل أن يسلم؛ لأن التحريمة (٣) باقية/ فإن عرض له شيء من ذلك بعدما سلم قبل أن يسجد للسهو فصلاته تامة أما عندهما فلا شك، وأما عند أبي حنيفة فلأنه بالسلام يخرج من التحريمة، وبهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الإقامة في هذه الحالة، وكذلك إن سلم إحدى التسليمتين؛ لأن انقطاع التحريمة يحصل بتسليمة وحدة، وهذا كله بناء على قولنا (٤)، وأما عند الشافعي فتفسد صلاته بالكلام والحدث العمد والعوارض المفسدة في هذه الحالة؛ لأن الخروج بالسلام عنده (٥) من فرائض الصلاة، ومعنى قوله أي: قول النبي ﷺ تمت أي: قارب التمام كما قال ﵇ «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (٦)، أي: قارب التمام (٧).

стр. 773

[استخلاف الامام] قوله:/ والاستخلاف ليس بمفسد هذا جواب إشكال يرد على قوله أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميًّا بأن يقال: كان ينبغي أن لا تفسد صلاته عند أبي حنيفة ﵀ أيضًا في هذه الصورة لما أن الاستخلاف صنع منه (١)، فقال في «المبسوط» (٢): في جوابه بعدما ذكر السؤال، قلنا: نعم، ولكنه صنع غير مفسد بدليل أنه لو استخلف القارئ في خلال صلاته لم يضره. قلت: وقد قيل: يجوز صلاته هنا بالاتفاق لوجود الصنع المفسد منه، وهو الاستخلاف، وقد ذكر هذا قبيل هذا الباب، ومن اقتدى بالإمام (٣) بعدما صلى ركعة أي: الإمام صلى ركعة لوجود المشاركة في التحريمة، وصحة الاستخلاف بوجود المشاركة في التحريمة والحاجة إلى إصلاح صلاته فجاز تقديمه؛ لأنه أقدر على إتمام صلاته، يعني: من المسبوق، وقال رسول الله ﵇: «من قلد إنسانًا عملًا، وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين» (٤). لكن صحة الاستخلاف تنبني على وجود المشاركة في التحريمة، وهو موجود في المسبوق، فيجوز، فإذا انتهى إلى موضع السلام تأخر، وقدم رجلًا من المدركين ليسلم بهم؛ لأنه عاجز عن السلام لبقاء الركعة عليه، فيستعين بمن يقدر عليه وأوان إتمامه بعد سلام الإمام، ثم يقوم هو فيقضي ما بقي عليه من صلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه لم يبق عليهم البناء، ولو ضحكوا بأنفسهم في هذه الحالة كانت صلاتهم تامة، وضحك الإمام في حقهم لا يكون أكثر تأثيرًا من ضحكهم، وإن لم يفرغ تفسد، وهو الأصح (٥). وذكر في «المبسوط» (٦): فأما الأمام الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم، فصلاته تامة كغيرهم من المدركين، وإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة، فصلاته فاسدة، وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضًا، ووجه هذه الرواية أنه مدرك لأول صلاته، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد، والرواية الأولى أصح وأشبه بالصواب؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في حقه في المنع من البناء كضحكه، ولو ضحك هو في هذه الحالة فسدت صلاته، فكذلك ضحك الإمام في حقه، ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه استقل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بان صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب.

стр. 774

قوله: بخلاف السلام؛ لأنه منه، والمراد: من المنهي ما يكون مستحقًّا بالتحريمة إما بصفة الاتصال كالسلام، أو بصفة الانفصال كالخروج، وأما الحدث العمد والقهقهة، فليس من (١) موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها بخلاف السلام والخروج، فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام، فلقوله ﵇: «وتحليلها التسليم» (٢). وأما الخروج فلقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) (٤) يوضح الفرق ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ قالوا (٥): إن المقتدي بعد سلام الإمام، وكماله بعدما قعد قدر التشهد يسلم، وبعدما أحدث قهقهة أو أحدث متعمدًا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدى، والمفسد يتعدى كذا في «الفوائد الظهيرية». وذكر فخر الإسلام ﵀ في مبسوطه (٦): والسلام منه (٧) لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منهي، وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه؛ لأنه وجد بعد تمام الأركان، فيكون منهيًّا لا مفسدًا وإذا لم يكن مفسدًا (٨) لصلاته لا تفسد صلاة المقتدي؛ لأنه ثناء (٩) عليه (١٠). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: وفي صلاة اللاحق روايتان (١١). قوله: والكلام في معناه؛ لأن السلام كلام مع القوم غير يمين ويسار لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو سلم الإمام أو تكلم كان على القوم أن يسلموا، وإذا ضحك أو أحدث متعمدًا ذهب القوم من غير سلام (١٢)، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي/ خان، وينتقض وضوء الإمام عندنا خلافًا لزفر لما مر أن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة لا توجب تناقض الطهارة عنده (١٣).

стр. 775

وقد ذكرنا (١): ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ، وبنى ولا يعتد (٢) بالذي أحدث من الاعتداد، وفي بعض النسخ: توضأ وبنى، ويعيد بالتي أحدث من الإعادة ومعناهما في الحكم واحد؛ لأنه إنما يعيد ما لم يقع معتدًا؛ لأن إتمام الركن بالانتقال إلى آخره، ولأن قضية القياس أن ينتقضه بالحدث جميع ما أدى، وإنما تركنا القياس للأثر الوارد في البناء، فبقي انتقاض الركن الذي سبق الحدث فيه على أصل القياس، وإذا (٣) انتقص الركوع والسجود جاز له البناء بالأثر، ويلزمه إعادة ما كان فيه الحدث بالقياس، وأم (٤) المقدم على الركوع، أي: على هيئة الإمام لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة؛ لأن الاستدامة فيما استدام كالابتداء، فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع أصله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) (٦). وكذا لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه يحنث بالاستدامة لوجود اللبس تامًا بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان هو في مكانه كان يمكث في ركوعه، فكذا هذا، ولو ذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة إلى آخره، أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة فرق بين هذا وبين ما تقدم، فإنه لو لم يعد هنا أجزأه بخلاف الأول، والفرق من وجهين أحدهما: أن تذكر السجدة في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه ينعدم به ما هو شرط جواز الصلاة، وهو الطهارة. والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل انتقالا كيلا يصير مؤديًا شيئًا من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة أم تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال؛ لأن أداء شيء من الصلاة بعد تذكر السجدة جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة يجوز صلاته إلا أنه لم يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فيستحب له الإعادة، وإن لم يعد أجزاءه (٧)، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀. فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله فهلا جعل الانتقال رفضًا ونقضًا لذلك الركن الذي تذكر فيه كما لو قعد قدر التشهد، ثم عاد إلى السجدة الصلبية أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ القرآن فعاد لقراءة القرآن يرتفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما قيل: له الشروع في الصلاة ركنًا أو فرضًا أنواع منها ما يتحد في كل الصلاة كالقعدة، ومنها ما يتعدد كالركعات، ومنها ما يتحد في كل ركعة كالقيام والركوع، ومنها ما تعدد في كل ركعة كالسجود، فالترتيب ليس شرطاً بين ما يتعدد (٨) في كل الصلاة أو يتحد في كل ركعة، وبين ما يتعدد في كل ركعة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل صلاة أو (٩) الركعات وبين المتحد في كل صلاة؛ لأن ما اتحدت شرعيته في كل صلاة يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما (١٠) تعلق به جزؤا أو كلا إذ لا يمكن استيفاء (١١) ما تعلق به جزؤا أو كلًّا من جنسه ضرورة اتحاده في الشرعية والإفراد بالشرعية دليل توقف ذلك عليه، وهكذا نقول: فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة حتى يشترط الترتيب بين المتحد والمتحد، ولا كذلك ما تعددت شرعيته في كل ركعة (١٢)، كذا في «الفوائد الظهيرية»، أو نقول: إنما لا يجوز تأخير السجدة عن القعدة، وترتفض القعدة بإتيان السجدة لما أن النبي ﵇ علق تمام الصلاة بالقعدة في قوله: إذا قلت: هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فلو قلنا: بجواز تأخير غيرها عنها لكان تمام الصلاة بذلك الغير، وهو خلاف ما شرعه الشارع، فلا يجوز، وكذلك لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود لما أن القيام وسيلة الركوع والركوع وسيلة السجود حتى أن من لم يقدر على السجود والركوع لا يجب القيام؛ لأن إنهاء التواضع في السجود والوسائل مقدمة على المقاصد، وكذلك القراءة فإنها زينة القيام، فلما كان القيام مقدمًا على الركوع كانت رتبته (١٣) أيضًا مقدمة على الركوع (١٤).
следующие страницы →