← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وله أنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه، فإنه لو تحرم للظهر، فلم (١) يخرج عنها حتى دخل وقت العصر لزمه أداء العصر، ولا يمكنه أداء العصر إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عن تحريمة الظهر سببًا يتوصل به إلى أداء العصر والعصر فرض، فما يكون سببًا للوصول إليه يكون فرضًا كالانتقال من ركن إلى ركن في باب (٢) الصلاة عُدَّ من الأركان، وإن لم يكن ركنًا في نفسه، لكنه سبب يتوصل به إلى أداء الركن، فكذا هناهنا؛ لأنه مالم يبق الأول على الصحة لا يمكنه أداء الثاني لأن الترتيب فرض عندنا، ولا تخرج عن الأول على وجه يبقى الأول صحيحًا (٣) إلا بصنع يوجد منه، فكان الخروج بصنعه فرضًا على هذا الوجه (٤). وهذه نكتة نقلت عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي ﵀ (٥)، فإن قيل: لما كان الخروج بصنعة فرضًا لصلاة أخرى لا لعينة كان يجب أن يتم صلاته في هذه الصور بانقضاء مدة المسح، وإصابة المتيمم ماء ونحوهما لحصول ما هو المقصود من الصنع، وهو الخروج عن الأولى، فيسقط الصنع كالسعي إلى الجمعة لما كانت فرضية لإمكان أداء الجمعة لا لعينة سقط إذا (٦) أمكنه بدونه بأن حملة إنسان مكرها أو دخل مسجد الجامع قبل دخول الوقت، قلنا: الفساد هاهنا عند أبي حنيفة ﵀ لا بسبب أنه فات الصنع، بل الفساد عنده في هذه المسائل بسبب آخر، وهو أنه أدى ما أدى مع الحدث، أما المتيمم إذا وجد الماء أو الماسح إذا انقضى مدة المسح، أو المستحاضة إذا برأت، فلأنه صار محدثًا بالحدث السابق، فاستندت صيرورته محدثًا إلى ذلك الوقت؛ لأن الحكم إذا ثبت متأخرًا عن العلة تستند إلى وقت العلة، كالملك في البيع بشرط الخيار إذا ثبت بمضي المدة استند إلى وقت البيع، فكذا هذا، وإذا استندت صيرورته محدثًا إلى الحدث السابق فسدت هذه الصلاة؛ لأنها حصلت مؤداة مع الحدث؛ لأن الاستناد يظهر في حقها؛ لأن حرمتها قائمة (٧)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 772

وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه المسألة، فقال: ومن أصحابنا من قال: هذه المسائل تنبني على أصل، وهو أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ثم قال: ولكن هذا ليس بقوي لاستحالة أن يقال: يتأدى فرض الصلاة بالحدث العمد، ولو كان الخروج بصنع المصلى فرضًا لاختص بما هو قربة كالخروج من الحج، ولكن الصحيح لأبي حنيفة أن التحريمة باقية بعد الفراغ من التشهد، واعترض المغير للفرض في هذه الحالة (١) كاعتراضه في خلال الصلاة بدليل أن المسافر لو نوى الإقامة في هذه الحالة يتغير فرضه كما لو نواها (٢) في خلال الصلاة، وهذه العوارض مغيرة للفرض بخلاف الكلام، فإنه قاطع لمغير والقهقهة والحدث العمد، والمحاذاة مبطلة لا مغيرة للصلاة، وطلوع الشمس مغيرا للصلاة أيضًا من الفرض إلى النفل. وجميع ما بينا فيما إذا اعترض قبل السلام، كذلك في سجود السهو أو بعدما فرغ منها قبل أن يتشهد أو بعد التشهد قبل أن يسلم؛ لأن التحريمة (٣) باقية/ فإن عرض له شيء من ذلك بعدما سلم قبل أن يسجد للسهو فصلاته تامة أما عندهما فلا شك، وأما عند أبي حنيفة فلأنه بالسلام يخرج من التحريمة، وبهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الإقامة في هذه الحالة، وكذلك إن سلم إحدى التسليمتين؛ لأن انقطاع التحريمة يحصل بتسليمة وحدة، وهذا كله بناء على قولنا (٤)، وأما عند الشافعي فتفسد صلاته بالكلام والحدث العمد والعوارض المفسدة في هذه الحالة؛ لأن الخروج بالسلام عنده (٥) من فرائض الصلاة، ومعنى قوله أي: قول النبي ﷺ تمت أي: قارب التمام كما قال ﵇ «من وقف بعرفة فقد تم حجه» (٦)، أي: قارب التمام (٧).

стр. 773

[استخلاف الامام] قوله:/ والاستخلاف ليس بمفسد هذا جواب إشكال يرد على قوله أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميًّا بأن يقال: كان ينبغي أن لا تفسد صلاته عند أبي حنيفة ﵀ أيضًا في هذه الصورة لما أن الاستخلاف صنع منه (١)، فقال في «المبسوط» (٢): في جوابه بعدما ذكر السؤال، قلنا: نعم، ولكنه صنع غير مفسد بدليل أنه لو استخلف القارئ في خلال صلاته لم يضره. قلت: وقد قيل: يجوز صلاته هنا بالاتفاق لوجود الصنع المفسد منه، وهو الاستخلاف، وقد ذكر هذا قبيل هذا الباب، ومن اقتدى بالإمام (٣) بعدما صلى ركعة أي: الإمام صلى ركعة لوجود المشاركة في التحريمة، وصحة الاستخلاف بوجود المشاركة في التحريمة والحاجة إلى إصلاح صلاته فجاز تقديمه؛ لأنه أقدر على إتمام صلاته، يعني: من المسبوق، وقال رسول الله ﵇: «من قلد إنسانًا عملًا، وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين» (٤). لكن صحة الاستخلاف تنبني على وجود المشاركة في التحريمة، وهو موجود في المسبوق، فيجوز، فإذا انتهى إلى موضع السلام تأخر، وقدم رجلًا من المدركين ليسلم بهم؛ لأنه عاجز عن السلام لبقاء الركعة عليه، فيستعين بمن يقدر عليه وأوان إتمامه بعد سلام الإمام، ثم يقوم هو فيقضي ما بقي عليه من صلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه لم يبق عليهم البناء، ولو ضحكوا بأنفسهم في هذه الحالة كانت صلاتهم تامة، وضحك الإمام في حقهم لا يكون أكثر تأثيرًا من ضحكهم، وإن لم يفرغ تفسد، وهو الأصح (٥). وذكر في «المبسوط» (٦): فأما الأمام الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم، فصلاته تامة كغيرهم من المدركين، وإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة، فصلاته فاسدة، وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضًا، ووجه هذه الرواية أنه مدرك لأول صلاته، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد، والرواية الأولى أصح وأشبه بالصواب؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في حقه في المنع من البناء كضحكه، ولو ضحك هو في هذه الحالة فسدت صلاته، فكذلك ضحك الإمام في حقه، ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه استقل بتقسيم ثم أجاب في الفصلين بان صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب.

стр. 774

قوله: بخلاف السلام؛ لأنه منه، والمراد: من المنهي ما يكون مستحقًّا بالتحريمة إما بصفة الاتصال كالسلام، أو بصفة الانفصال كالخروج، وأما الحدث العمد والقهقهة، فليس من (١) موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها بخلاف السلام والخروج، فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام، فلقوله ﵇: «وتحليلها التسليم» (٢). وأما الخروج فلقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) (٤) يوضح الفرق ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ قالوا (٥): إن المقتدي بعد سلام الإمام، وكماله بعدما قعد قدر التشهد يسلم، وبعدما أحدث قهقهة أو أحدث متعمدًا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدى، والمفسد يتعدى كذا في «الفوائد الظهيرية». وذكر فخر الإسلام ﵀ في مبسوطه (٦): والسلام منه (٧) لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منهي، وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه؛ لأنه وجد بعد تمام الأركان، فيكون منهيًّا لا مفسدًا وإذا لم يكن مفسدًا (٨) لصلاته لا تفسد صلاة المقتدي؛ لأنه ثناء (٩) عليه (١٠). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: وفي صلاة اللاحق روايتان (١١). قوله: والكلام في معناه؛ لأن السلام كلام مع القوم غير يمين ويسار لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو سلم الإمام أو تكلم كان على القوم أن يسلموا، وإذا ضحك أو أحدث متعمدًا ذهب القوم من غير سلام (١٢)، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي/ خان، وينتقض وضوء الإمام عندنا خلافًا لزفر لما مر أن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة لا توجب تناقض الطهارة عنده (١٣).

стр. 775

وقد ذكرنا (١): ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ، وبنى ولا يعتد (٢) بالذي أحدث من الاعتداد، وفي بعض النسخ: توضأ وبنى، ويعيد بالتي أحدث من الإعادة ومعناهما في الحكم واحد؛ لأنه إنما يعيد ما لم يقع معتدًا؛ لأن إتمام الركن بالانتقال إلى آخره، ولأن قضية القياس أن ينتقضه بالحدث جميع ما أدى، وإنما تركنا القياس للأثر الوارد في البناء، فبقي انتقاض الركن الذي سبق الحدث فيه على أصل القياس، وإذا (٣) انتقص الركوع والسجود جاز له البناء بالأثر، ويلزمه إعادة ما كان فيه الحدث بالقياس، وأم (٤) المقدم على الركوع، أي: على هيئة الإمام لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة؛ لأن الاستدامة فيما استدام كالابتداء، فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع أصله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) (٦). وكذا لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه يحنث بالاستدامة لوجود اللبس تامًا بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان هو في مكانه كان يمكث في ركوعه، فكذا هذا، ولو ذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة إلى آخره، أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة فرق بين هذا وبين ما تقدم، فإنه لو لم يعد هنا أجزأه بخلاف الأول، والفرق من وجهين أحدهما: أن تذكر السجدة في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه ينعدم به ما هو شرط جواز الصلاة، وهو الطهارة. والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل انتقالا كيلا يصير مؤديًا شيئًا من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة أم تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال؛ لأن أداء شيء من الصلاة بعد تذكر السجدة جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة يجوز صلاته إلا أنه لم يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فيستحب له الإعادة، وإن لم يعد أجزاءه (٧)، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀. فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله فهلا جعل الانتقال رفضًا ونقضًا لذلك الركن الذي تذكر فيه كما لو قعد قدر التشهد، ثم عاد إلى السجدة الصلبية أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ القرآن فعاد لقراءة القرآن يرتفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما قيل: له الشروع في الصلاة ركنًا أو فرضًا أنواع منها ما يتحد في كل الصلاة كالقعدة، ومنها ما يتعدد كالركعات، ومنها ما يتحد في كل ركعة كالقيام والركوع، ومنها ما تعدد في كل ركعة كالسجود، فالترتيب ليس شرطاً بين ما يتعدد (٨) في كل الصلاة أو يتحد في كل ركعة، وبين ما يتعدد في كل ركعة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل صلاة أو (٩) الركعات وبين المتحد في كل صلاة؛ لأن ما اتحدت شرعيته في كل صلاة يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما (١٠) تعلق به جزؤا أو كلا إذ لا يمكن استيفاء (١١) ما تعلق به جزؤا أو كلًّا من جنسه ضرورة اتحاده في الشرعية والإفراد بالشرعية دليل توقف ذلك عليه، وهكذا نقول: فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة حتى يشترط الترتيب بين المتحد والمتحد، ولا كذلك ما تعددت شرعيته في كل ركعة (١٢)، كذا في «الفوائد الظهيرية»، أو نقول: إنما لا يجوز تأخير السجدة عن القعدة، وترتفض القعدة بإتيان السجدة لما أن النبي ﵇ علق تمام الصلاة بالقعدة في قوله: إذا قلت: هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فلو قلنا: بجواز تأخير غيرها عنها لكان تمام الصلاة بذلك الغير، وهو خلاف ما شرعه الشارع، فلا يجوز، وكذلك لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود لما أن القيام وسيلة الركوع والركوع وسيلة السجود حتى أن من لم يقدر على السجود والركوع لا يجب القيام؛ لأن إنهاء التواضع في السجود والوسائل مقدمة على المقاصد، وكذلك القراءة فإنها زينة القيام، فلما كان القيام مقدمًا على الركوع كانت رتبته (١٣) أيضًا مقدمة على الركوع (١٤).

стр. 776

وذكر في مبسوط شيخ الإسلام (١): هذا إذا لم يقرأ القرآن أصلًا، فإن المعتبر هو الركوع الثاني على اتفاق الروايات، وأما إذا أتم القراءة وركع، ثم عاد/ إلى القراءة ثانيًا ففيه روايتان في ارتفاض الركوع (٢). وقال شمس الأئمة السرخسي بعد قوله: لو ترك سجدة من الركعة الأولى فخر ساجدًا، ثم رفع رأسه فإن احتسب بذلك الركوع جاز، وإن أعاد فهو أحب إليَّ، وقال زفر: عليه (٣) أن يعيد القيام، والقراءة والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة فالتحقت هذه السجدة بمحلها، وبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع لترك الترتيب، فأما عندنا فمراعاة الترتيب في أفعال الصلاة ليست بركن ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام، ولو كان الترتيب (٤) ركنًا لما جاز له تركه بعذر الجماعة كالترتيب بين الصلوات، وإن كان الترتيب واجبًا فقد سقط بعذر النسيان (٥). [تأثير نية الإمام] قوله: فالمأموم/ إمام نوى أو لم ينو لتعينه لذلك، وذلك لأن الإمامة تحتاج إليها لتبقى صلاته جائزة، وليس معه أحد يصلح للإمامة، وهو يصلح لها فيتعين إمامًا، وكان كرجل قال لعبدين له: أحدكما حر، ثم مات أحدهما قبيل (٦) البيان، فيتعين الآخر للحرية؛ لأنه لم يبق من يصلح للحرية إلا هذا فتعين من غير تعيين، فكذا هذا بخلاف ما إذا كان خلفه امرأة، فأخذت، وخرج من المسجد ولم يقدمها، فإنها لا تصير إمامًا؛ لأنها لا تصلح للإمامة، وصلاة الرجل تامة؛ لأنه كالمنفرد، وصلاتها فاسدة؛ لأنها مقتدية (٧) ولم يبق لها إمام في المحراب، والمقتدي متى لم يبق له إمام في المحراب تفسد صلاته لفوات شرط الاقتداء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٨). وذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان: إمام أحدث وخلفه من لا يصلح للإمامة نحو الصبي والأمي والمرأة اختلفوا فيه، قال بعضهم: تفسد صلاة الكل؛ لأنه لما أحدث وخرج من المسجد تعين المقتدي للإمامة فصار كأنه استخلفه، فتفسد صلاة الكل، وهو قول زفر، وقال بعضهم: تفسد صلاة الإمام لا غير، وقال بعضهم: تفسد صلاة المقتدي لا غير، وهو الصحيح؛ لأن المقتدي إنما يتعين للإمامة إذا كان أهلًا للإمامة صيانة للصلاة عن الفساد، أما إذا لم يكن أهلًا كان في تعينه إفساد صلاة الكل فلا يتعين، وإذا لم يتعين (٩) لم يصر الإمام مقتديًا به، وبقي الإمام منفردًا فلا تفسد صلاة الإمام، وتفسد صلاة المقتدي؛ لأنه خلا مكان إمامه عن الإمام (١٠).

стр. 777

وقال الإمام التمرتاشي: والأصح أن صلاة الإمام لا تفسد؛ لأن الإمامة انتقلت منه من غير صنعه، وعلى هذا مسافر ومقيم يقضيان فائتة والمسافر هو الإمام فاحدث لا يصير المقيم إمامًا له، وإن كان خلفه جماعة لا يتعين أحدهم إلا بتقديم الإمام أو القوم أو يتقدمه فيقتدوا به، ولو استخلف الإمام رجلين أو هو رجلًا والقوم رجلًا (١) أو القوم رجلين أو بعضهم رجلًا، وبعضهم رجلًا فسدت (٢) صلاة الكل فإن خرج الإمام قبل تعيين الخليفة فسدت صلاة القوم، والإمام المحدث على إمامته ما لم يخرج من المسجد أو يقم خليفته مقامه أو يستخلف القوم غيره أو يتقدم بنفسه حتى صح الاقتداء به، ولو تأخر الإمام ليستخلف، فلبث في مكانه لينظر من يصلح فقبل أن يستخلف كبر رجل من وسط الصف للخلافة وتقدم فصلاة من كان إمامه فاسدة ومن خلفه جائزة وكذا لو استخلف الأمام رجلًا من وسط الصف فخرج الإمام قبل أن يقوم خليفته مكانه تفسد صلاة من كان أمامه، والله أعلم (٣). باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها وهذا الباب لبيان نوع من العوارض التي تعرض في الصلاة أيضًا فكان من جنس الباب المتقدم من حيث العوارض إلا أن بناء الأول في العوارض التي لا اختيار للمصلي فيه فكانت هي سماوية، وبناء هذا في العوارض التي للمصلي فيها اختيار فكانت هي مكتسبة، وقدم الأول على هذا لما أن السماوية أعرف في العارضية لما ذكر في «الوافي» (٤)، ومفزعه أي ملجأه يقال: فلان مفزع الناس أي: ملجأهم يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث إذا دهمهم أمر (٥). قوله: فزعوا إليه ثم عند الشافعي (٦) إذا تكلم ناسيًا أو مخطئًا لا يستقبل الصلاة إلا إذا طال كلامه واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٧)، وبالحديث المعروف وهو قوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٨).

стр. 778

والرفع شرعًا يكون حكمًا، وقاس الكلام بالسلام؛ لأن كل واحد منهما/ قاطع ثم في السلام يفصل بين العمد والنسيان، وكذلك الكلام بخلاف الحدث، فإنه مناف للصلاة؛ لأنه ينعدم به شرطها فسوينا فيه بين النسيان والعمد ولنا ما روينا، وليبن على صلاته ما لم يتكلم أن النبي ﵇ أباح البناء ما لم يتكلم، ولم يقل عن قصد، وفي حديث ابن مسعود ﵀ أنه قدم من الحبشة، فوجد رسول الله ﵇ في الصلاة، فسلم عليه، فلم يرد ﵇ قال: فأخذني ما قرب وما بعد، فلما فرغ قال ابن مسعود: «إن الله تعالى يحدث في أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة» (١). وفي حديث معاوية بن الحكم قال: صليت خلف رسول الله ﵇ فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل (٢) أماه ما لي أراكم تنظرون إلي شزرا (٣)؟ فضربوا أيديهم على أفخاذهم، فعلمت أنهم يسكتونني، فلما فرغ النبي ﵇ دعاني، فوالله ما رأيت معلما أحسن تعليما منه ما كهرني ولا زجر، ولكن قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» (٤) الحديث (٥). فالشرع جعل في حق الصلاة؛ لأن لا يصلح فيها كلام الناس كما جعل من حقها أن لا يتأدى إلا بالطهارة، ومستقبل القبلة، فلم يسقط حق الصلاة، وشرطها بعذر رجل بالمصلى كما لا يسقط ضمان المحل المقتول بالديّة والكفارة تعذره والكفارة ضمان يجب لله تعالى؛ لأن الشرع جعل العذر (٦) بأن الحقه بالمباح في أن لا يأثم فلا يظهر فيما عدا الإثم من الحقوق سواء كانت لله تعالى أو للناس كما لو ترك ركن العبادة ناسيًا ألا ترى أن الأكل والشرب مفسد للصلاة ناسيًا أو عامدًا لما أن ما لا يصلح في الصلاة، فمباشرته مفسدة للصلاة ناسيًا أو عامدًا، ولهذا لو طال الكلام كان مفسدًا، ولو كان النسيان (٧) فيه عذرا لاستوى فيه أن يطول أو يقصر كالأكل في الصوم، والقياس في السلام أنه مفسد، وإن كان ناسيًا، ولكن استحسنًا فيه لمعنى لا يوجد ذلك في الكلام، وهو أن السلام من جنس أذكار الصلاة، فإن المتشهد يسلم على النبي ﵇، وعلى عباد الله الصالحين، وهو اسم من أسماء الله تعالى، وإنما أخذ حكم الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق معنى الخطاب فيه عند القصد، فإذا كان ناسيًا شبهناه بالأذكار، وإذا كان عامدًا (٨) شبهناه (٩) بالكلام، فأما الكلام فهو ليس من جنس أذكار الصلاة فكان منافيًا للصلاة على كل حال والخطأ والنسيان عذر في رفع الإثم، وعليه يحمل الآية والخبر بدليل ما ذكرنا، ولأن الحكم غير ملفوظ به، وإنما ثبت مقتضى والمقتضى لا عموم له، وقد ثبت الإثم مرفوعًا بالإجماع (١٠)، فلم يثبت ما عداه كذا في «الأسرار» (١١)، و «المبسوط» (١٢)، فإن قلت: فقد فصل بين القليل والكثير في حق الفعل بأن القليل منه لا يفسد والكثير يفسد، فيجب أن يكون كذلك في الكلام (١٣) لما أنهما في الإفساد سواء فما وجه الفرق بينهما. قلت: قد ذكر في «الأسرار» (١٤) لا يجوز اعتبار القول بالفعل؛ لأن الاحتراز عن أصل الفعل الذي ليس من الصلاة غير ممكن؛ لأن في الحي حركات هي أفعال ليست من الصلاة، ولا يمكنه الاحتراز عن أصلها فلم يكن مفسدًا حتى يكثر ويدخل في حد ما يمكن الاحتراز عنه، وليس في طباعنا كلام فيمكن الاحتراز عن قليله وكثيره.

стр. 779

[الكلام المبطل للصلاة] قوله ﵀: قال فإن أنّ فيها أو تأوّه قالوا: تفسير الأنين أن نقول: أوه، وتفسير التأوّه أن نقول: أوه ثم إنما افترق حكمهما بين ذكر الجنة والنار، وبين الوجع والمصيبة لما أن الأنين من ذكر الجنة والنار تعريض لسؤال الجنة والتعوذ من النار، ولو صرح به فقال: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار لم يضره، فكذلك هاهنا، وإذا كان من وجع أو مصيبة فهو تعريض بإظهار الوجع، ولو صرح به فقال: أعينوني وأدركوني فإني مصاب، فسدت صلاته، فكذلك هاهنا، ثم إن كان الأنين من وجع. روي عن أبي يوسف أنه قال: إن كان يمكن الامتناع عنه بقطع الصلاة، وإن كان لا يمكن لا يقطع، وعن محمد ﵀ قال: إن كان المرض خفيفًا يقطع، وإن كان ثقيلًا لا يقطع؛ لأنه لا يمكنه القعود إلا بالأنين كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ (١). وفي «الصحاح» (٢): قولهم عند الشكاية أوّه من كذا ساكنة الواو، وإنما هو توجع، وربما قلبوا الواو ألفًا، قالوا: آه من كذا، وربما شددو الواو وكسروها وسكنوا الهاء إليها، وقالوا: أوّه من كذا، وربما حذفوا الهاء مع التشديد، وقالوا/ أوه من كذا بلا مدّ، وبعضهم قالوا: آوّه بالمد، والتشديد، وفتح الواو وساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية، فارتفع بكاؤه، أي: حصل به الحروف في الحالين، أي: في حال ذكر النار، وحال التوجع (٣)، وقيل: الأصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين، وهما زائدتان أو أحدهما لا يفسد، فلذلك لم يفسداه؛ لأنهما من حروف الزوائد، وأوّه يفسد، وإن كان كلها من حروف الزوائد؛ لأنه زاد على الحرفين، وهو قد قيد عدم الإفساد بالحرفين، فكان الزائد عليهما مفسد، أو إن كان هو من حروف الزوائد، فكان تقييده (٤) بحرفين زائدين إشارة إلى أن نسي يفسد؛ لأن له حرفين أصليين وأوّه (٥) أيضًا يفسد؛ لأنه زائد على الحرفين، فوجه ذلك ما ذكره في «الأسرار» (٦)، فقال: واحتج بما روي عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة الكسوف، ونفخ في سجوده، وقال: أُف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم (٧).

стр. 780

ولما ثبت هذا بالنص ثبت في غيره استدلالًا به، والمعنى فيه أن أقل أصل كلام العرب: ثلاثة أحرف، وهو الأصل ليكون له ابتداء وانتهاء ووسط، فكان الحرف (ف) الواحد أقل الجملة، فلا يطلق عليه اسم الكلام، وكذلك الحرفان إذا كان أحدهما من الزوائد؛ لأنه واحد على اعتبار الأصل (١). [التنحنح في الصلاة] ألا ترى أن/ التنحنح، وهو "أح" لا يقطع الصلاة؛ لأنه حرفان أحدهما همزة، وهي من حروف الزوائد، وهما يقولان: إن حديث الكسوف يحتمل أنه حين كان الكلام مباحًا، ويحتمل بعده، والخبر حكاية فعل لا عموم له، فيسقط الاحتجاج به. ألا ترى أن أبا يوسف ﵀ يكره هذا أشد الكراهة، فلا نظن برسول الله ﵇ ارتكابه بعد النهي، أو قال النبي ﵇ على سبيل الدعاء، فإنه كلمة تبعيد كأنه بعد بهذه الكلمة الواقعة، ولأن قوله: أُف من جنس كلام الناس؛ لأنه حروف مهجاة، وله معنى مفهوم يذكر لمقصود قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢)، فجعله من القول، والقائل يقول: أفًّا وتفًّا لمن مودته إن غبت عنه سويعة زالت إن مالت: الريح هكذا، وكذا مال مع الريح أينما مالت، والكلام مفسد للصلاة بخلاف التنحنح، فإنه لإصلاح الحلق؛ ليتمكن به من القراءة، كذا في «المبسوط» (٣). وذكر صورة المسألة في «المحيط» (٤)، فقال: المصلي إذا قال: أف (٥) مخفّفًا لا تفسد صلاته عند أبي يوسف بلا خلاف بين المشايخ، وإذا قال: أف مشددًا ينبغي أن تكون فيه اختلاف المشايخ، وعندهما تفسد الصلاة في المخفف والمشدد جميعًا. قوله: ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد، فإنك إن قلت: أنتم اليوم سألتمونيها، فإن هذا مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول به ومفعول فيه، فكلها من حروف الزوائد، وهو مفسد بالاتفاق (٦). قلت: هذا لا يرد عليه؛ لأن كلامه في الحرفين لا في الزائد عليهما فإن في الزائد عليهما قوله كقولهما (٧). قوله: بأن لم يكن مدفوعًا إليه أي: بأن لم يكن مضطرًا في التنحنح بأن كان مبعوث الطبع، فإنه حينئذ لا يمكنه الاحتراز عنه (٨).

стр. 781

وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): وإن كان التنحنح لتحسين الصوت، فكذلك -أي: الكلام- أيضًا؛ لأنه يفعله لإصلاح القراءة، فيصير من القراءة معنى. ألا ترى أن المشي للبناء لا يقطع الصلاة، وإن لم يكن من الصلاة حقيقة؛ لأنه لإصلاح الصلاة، فصار من الصلاة معنى حتى إذا لم يكن لعذر يقطع الصلاة، وكذلك ذكره الإمام السرخسي ﵀ أيضًا، كما ذكرنا. وفي «المحيط» (٢): وإن لم يكن مدفوعًا إليه في التنحنح إلا أنه لإصلاح الحلق ليتمكن من القراءة إن ظهر له حروف نحو: أخ أخ، وتكلف لذلك كان الفقيه إسماعيل الزاهد (٣) يقول: يقطع الصلاة عندهما؛ لأنهما (٤) حروف مهجاة، وقال غيره من المشايخ: لا تقطع وإن لم يظهر له حروف مهجاة لا تقطع الصلاة عندهما فللاختلاف في هذه المسألة لم يقطع الجواب في الكتاب، وقال: ينبغي أن تفسد عندهما. قوله: كالعطاس إذا حصل به حروف. وذكر في «المبسوط» (٥): العطاس لا يكون قاطعًا للصلاة، وإن سمع فيه حروف مهجاة، وهي أصهب أراد بأن صهب هيئة العطاس، فإنه يكون لبعض الناس على هذه الهيئة، ومن عطس، فقال له آخر: يرحمك الله، إنما قيد بقوله: آخر؛ لأنه إذا قاله العاطس بنفسه ذكر في «الفوائد الظهيرية» لا تفسد صلاته؛ لأن هذا بمنزلة قوله: يرحمني الله، ولهذا لا تفسد. وفي «المحيط» (٦): أسند ما ذكر (٧) في الفتاوى الظهيرية إلى بعض المشايخ،/ وفي فتاوى قاضي خان بعد ذكر الفساد: وينبغي أن لا تفسد كما لو دعا بدعاء آخر (٨). وفي «المحيط» (٩) في مسألة الكتاب، وهي: ما إذا قال المصلي لعاطس آخر: يرحمك الله لم تفسد صلاته عند أبي يوسف؛ لأن هذا دعاء بالمغفرة والرحمة، وله (١٠) ذلك وهما يتمسكان بحديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.

стр. 782

قوله: وهو في الصلاة الإشارة راجعة إلى القائل على ما قالوا في هذا اللفظ إشارة إلى خلاف البعض روي عن أبي حنيفة ﵀ في العاطس يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرّك لسانه فلو حرّك تفسد صلاته. كذا في «المحيط» (١). وإن استفتح ففتح عليه في صلاته، أي: الفاتح في صلاة نفسه ذكر في الفتاوى الظهيرية الاستفتاح طلب الفتح والاستبصار أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ (٢) أي: يستبصرون، ويمكن هاهنا أرادة كل واحد من المعنيين، فإن كلا منهما مفسد؛ لأن الفتح ينزل منزلة قول القائل إذا انتهت إلى هذا، فبعده هذا، والتصريح به يفسد، فكذلك النازل منزلته، لكن وقع العدول عن قضية هذا الدليل فيما اتحدت صلاتهما بأن كان المستفتح إمامًا، والفاتح مقتديًا بالنص، وهو ما روي عن النبي ﵇ أنه قرأ في الصلاة سورة المؤمنين فترك منها كلمة، فلما فرغ منها قال: «ألم يكن فيكم أُبيّ بن كعب؟»، فقالوا: بلى، فقال ﵇: «هلا فتحت عليّ؟»، فقال: ظننت أنها نسخت، فقال ﵇: «لو نسخت لأنبأتكم» (٣) (٤). [الفتح على الإمام] وعن علي ﵁: إذا استطعمك الإمام فأطعمه (٥). والاستطعام مجاز عن الاستفتاح؛ لاشتراكهما في معنى الاستعانة (٦). قوله ﵀: على غير إمامه، ثم ذلك الغير جاز أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، ثم شرط التكرار في الأصل، أي: في «المبسوط» (٧)، وذكر شيخ الإسلام في «المبسوط» (٨) في الرجل يصلي وخلفه رجل يتعلم القرآن، فإن استفتح ففتح عليه الرجل الذي يصلي غير مرة، فإنه ينظر إن أراد بهذا تعليمه، فإن صلاته تفسد (٩)، وإن لم يرد بذلك تعليمه، ولكن أراد قراءة القرآن، فإن صلاته لا تفسد (١٠).

стр. 783

أما إذا أراد به تعليمه؛ لأنه انتصب معلمًا في صلاته (١)، والتعليم ليس من أفعال الصلاة، فإذا كثر منه في الصلاة أوجب الفساد كما لو انتقل بعمل آخر، وإن لم يرد تعليمه، ولكن أراد به قراءة القرآن لا تفسد صلاته؛ لأنه انتصب قارئًا في صلاته، والقراءة من أعمال الصلاة، فلا تفسد وإن كثرت (٢)، ونظير هذا ما قالوا في رجل يصلي، فقال له إنسان: ما مالك؟ فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ (٣)، فإنه ينظر إن أراد به جوابه تفسد صلاته، وإن لم يرد به جوابه، بل أراد قراءة القرآن لا تفسد، وكذلك لو كان الرجل يصلي وإمامه كتاب موضوع، وخلفه رجل يسمى يحيى، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٤)، وكذلك لو قيل للمصلي: بأي موضع مررت؟ فقال: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (٥)، أو كان راكبًا في سفينته وابنه خارج السفينة، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (٦) فهو على هذا التفصيل من مشايخنا من قال: ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة ومحمد. فأما على قول أبي يوسف لا تفسد صلاته أراد بذلك تعليمه أو لم يرد، وأراد (٧) به جواب السائل أو لم يرد؛ لأن الأصل عنده أن ما كان قرآنًا أو ثناء فإنه لا يتغير بالنية، وعندهما يتغير. كذا في «شروح الجامع الصغير» أيضًا (٨)، وذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان، وأبي اليسر ﵀ (٩)، وذكر في الأصل إذا فتح غير مرة فسدت صلاته، وهذا إشارة إلى أنه ما لم يتكرر لا تفسد، ولم يشترط التكرار هنا، أي: في «الجامع الصغير» (١٠)، وهو الصحيح؛ لأنه كلام فيكون مفسدًا بنفسه، وإن فتح على إمامه لم يكن كلامًا، وإطلاق هذا دليل على أن ما إذا قرأ الإمام مقدار ما يجوز به الصلاة، أو لم يقرأ ولا تفسد صلاتهما بالفتح، والأخذ ويؤيد هذا ما ذكره قاضي خان في فتاواه فقال: وإن قرأ الإمام مقدار ما يجوز به الصلاة إلا أنه توقف ولم ينتقل إلى آية أخرى حتى فتح المقتدي اختلفوا فيه، والصحيح: أنه لا تفسد صلاة الفاتح، وإن أخذ الإمام لا تفسد صلاتهم لم يكن كلامًا استحسانًا (١١).

стр. 784

وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان: وإذا (١) فتح على إمامه لم تفسد صلاته استحسانًا، وهذا والأول في القياس سواء، وإنما تركنا القياس في هذا بأثر علي ﵁، وقد ذكرناه، وبالمعنى المذكور في الكتاب وينوي الفتح على إمامه دون القراءة هو الصحيح هذا/ احتراز عن قول بعض المشايخ، فإنهم قالوا: ينوي بالفتح عن إمامه التلاوة، وهو سهو، لأن قراءة المقتدي خلف الإمام منهي عنها، والفتح على إمامه غير منهي عنه، فلا يدع نية ما رخص له بنيته شيء هو منهي عنه، وإنما هذا إذا أراد أن يفتح على غير إمامه حينئذ ينبغي أن ينوي التلاوة دون التعليم فلا يضر (٢) ذلك. كذا في «المبسوط» (٣). ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح والإمام لو أخذ هو به تفسد، وإطلاق هذا على خلاف ما ذكر في «المحيط» (٤) في قول عامة المشايخ، قال: ولو أخذ الإمام من الفاتح بعدما انتقل إلى آية أخرى هل تفسد صلاة الإمام، حكى عن القاضي الإمام أبي بكر الزرنجري ﵀ (٥) قال: تفسد وغيره من المشايخ قالوا: لا تفسد، وللإمام أن لا يلجئهم، وتفسير الإلجاء أن يردد الآية أو يقف ساكنًا (٦)، بل يركع إذا جاء أوانه، وإنما أطلق الأوان ولم يفصل؛ لأن الرواية اختلفت فيه في بعضها اعتبر الاستحباب، وفي بعضها اعتبر فرض القراءة، فإنه ذكر الإمام التمرتاشي ﵀ محالا على «الشافي»: ينبغي للإمام إذا أرتج أن يتجاوز إلى سورة أخرى أو يركع إذا كان قرأ المستحب صيانة للصلاة عن الزوائد.

стр. 785

وذكر بكر ﵀: يكره للإمام أن يردد فيلجئ القوم إلى أن يفتحوا عليه إذا كان قرأ مقدار ما يتعلق به الجواز، ولكن يركع وصاحب المحيط، وقاضي خان ﵀ ذكرا بنحو ما ذكره بكر ﵀ (١). ولو أجاب المصلي رجلًا بلا إله إلا الله، فهذا كلام مفسد، وصورة ذلك إذا قيل بين يدي المصلي: أمع الله إله آخر، فقال: لا إله إلا الله؛ يريد به جوابه، وإن أراد به إعلامه أنه في الصلاة لا تفسد صلاته عندهم، وعلى هذا الخلاف إذا وصف الله تعالى بوصف لا يليق به، فقال: سبحان الله يريد به الجواب، وإن أراد به إعلامهم أنه في الصلاة لا يفسد أو أخبر بخبر فسره، فقال: الحمد لله يريد به الجواب (٢). كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان. وقول الشافعي مثل قول أبي يوسف ﵀ فقالا: هذا تسبيح قصد به التنبيه، فلا يوجب فساد الصلاة قياسًا على ما لو سبح لإمامه، وقياسًا على ما لو قصد به الإعلام أنه في الصلاة، وقد استأذنه إنسان بالدخول عليه (٣)، وأصله ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٤). وهذا قد سبح في حال ما نابه نائبة، فلا تفسد صلاته عملًا بهذا الظاهر، ولأن صيغة هذه الألفاظ للثناء على الله تعالى، وهو موجود (٥) في القرآن، ولم تجر العادة بين الناس في استعمال هذه الألفاظ للجواب بخلاف الاسترجاع، وتشميت العاطس؛ لأنه غلب استعمال هذه الألفاظ بين الناس للجواب في قوله: يرحمك الله خطاب للعاطس (٦). وأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله احتجا بحديث معاوية بن الحكم (٧)، فإن تشميت العاطس لا شك أنه ذكر الله، لكن ألحقه النبي ﵇ بكلام الناس حين قصد به خطاب العاطس دل أن ذكر الله تعالى متى قصد به خطاب الآدمي يلتحق بكلام الناس، وكلام الناس قاطع للصلاة، وليس كما لو أراد أعلام أنه في الصلاة، وقد استأذنه؛ لأن من مشايخنا من يقول: بأن القياس في هذا أن تفسد صلاته إلا أنا تركنا القياس بالأثر والمعدول به عن القياس لا يقاس عليه (٨). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٩).

стр. 786

فإن قيل: روى ابن مسعود ﵁ أنه استأذن رسول الله ﵇ وهو في الصلاة فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (١) (٢). قلنا: قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: لا يحمل هذا على أنه أراد بذلك جوابه، وإنما يحمل (٣) هذا على أنه انتهى بالقراءة إلى هذا الموضع (٤). وأما قوله: إنه بناء (٥) بصيغته فلا يتغير بعزيمته (٦). قلنا: بل (٧) يتغير ألا ترى إلى ما روي عن سري السقطي ﵀ (٨) أنه قال: إنا استغفر الله من قولي الحمد لله منذ ثلاثين سنة، قيل له: كيف كان؟ قال: وقع الحريق في الليل فخرجت انظر إلى دكاني، فقيل: الحريق بالبعد من دكانك، فقلت: الحمد لله، ثم قلت: هب أن دكانك تخلص أما تهتم للمسلمين، ولولا التغيير بالعزيمة لما استقام ذلك، وألا ترى أن من انشد الشعر، وهو ثناء محض بقوله: تبارك ربنا الأحد الوحيد … له الآلاء والمجيد (٩) المجيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل ومع ذلك يتعلق الفساد بالإنشاد (١٠). كذا (١١) في «الفوائد الظهيرية»، والاسترجاع على هذا الخلاف، وذكر في «المحيط» (١٢) فمن مشايخنا/ من قال: مسألة الاسترجاع على الخلاف أيضًا، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا، ومنهم من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بين مسألة الاسترجاع، وبين مسألة التحميد والتسبيح إذا أخرجهما جوابًا كما ذكرنا (١٣)، ومنهم (١٤) من قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق، وهذا القائل يحتاج إلى الفرق لأبي يوسف، والفرق له أن الاسترجاع لإظهار المصيبة، وما شرعت الصلاة لأجله، والتحميد لإظهار الشكر والصلاة شرعت لأجله، ولهما أن الجواب ينتظم الكلام، فيصير كأنه قال: الحمد لله على قدوم أبي وأشباه ذلك، ولو صرح بذلك تفسد صلاته، فكذا هاهنا وتمام قوله ﵇: «فليسبح، فإن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (١٥).

стр. 787

قوله: ومن صلى ركعة من الظهر، ثم افتتح العصر فقد نقض الظهر، وذكر في جامعي الصغير لفخر الإسلام، وقاضي خان: إنما تفسير المسألة أن لا يكون صاحب ترتيب بطل عنه ذلك بضيق الوقت أو بكثرة الفوائت، فأما صاحب الترتيب إذا انتقل من الظهر إلى العصر قيل: أداء الظهر لا يصير شارعًا في العصر، بل في التطوع؛ لأن العصر لا ينعقد في حقه قبل أداء الظهر (١). وفي جامعي (٢) الصغير لشمس الأئمة والتمرتاشي ﵀، وعلى هذا من كان في المكتوبة، فكبر ينوي النافلة أو في النافلة، فكبّر ينوي المكتوبة، أو في الظهر فكبّر ينوي الجمعة، أو في الجمعة فكبّر ينوي الظهر أو كان يصلي منفردا، فكبّر ينوي الاقتداء بالإمام في تلك الصلاة، وكذا المقتدي لو كبر للمنفرد أو للإمامة يخرج عن صلاته، ولو افتتح منفردًا، ثم اقتدى به رجل فافتتح بالإمام في تلك الصلاة، وكذا المقتدي لو كبّر للتفرد، أو للإمامة يخرج عن صلاته، ولو افتتح منفردًا، ثم اقتدى به رجل، فافتتح ثانيًا لأجله فهو على الافتتاح الأول إلا أن يكون الداخل امرأة (٣). وحاصله: أن الثانية لو كانت غير الأولى، ونوى الدخول في غير ما هو فيه كان من ضرورته خروجه عما هو فيه، فيبطل ما صلى كمن باع عبدًا بألف، ثم جدد البيع بأقل منها أو بأكثر أو بدينار ينتقض الأول كذا هنا، وكذا لو صالح على مال ثم على مال غيره. وأما الثانية: لو كانت عين الأولى، فلا يلغو ما صلّى، بل يحتسب ما صلى من الصلاة، وهي المسألة الثانية التي ذكرها بقوله: ولو افتح الظهر بعد ما صلى منها ركعة، فهي هي، أي: فالركعة التي صلها هي عين الركعة المعتبرة المحسوبة في الصلاة التي هو فيها، فيلغو ما نوى من الافتتاح حتى لو صلى بعدها ثلاث ركعات يخرج عن عهدة فرض الظهر، ولو صلى أربعًا بعدما نوى على ظن أن الأولى انتقضت، فلم يقعد في الثالثة تفسد صلاته؛ لأنه ترك القعدة الأخيرة؛ لأن الركعة الأولى وقعت محسوبة، ولم يبطل فكان معنى قوله فهي هي، أي: يلغو نيته، فيبقى في الأولى على حاله؛ لأنه نوى تحصيل ما هو حاصل له، فكان كرجلين تبايعًا شيئًا بألف، ثم تبايعًا بألف لا ينفسخ الأول، وذكر في «الخلاصة» هذا إذا نوى بقلبه، وأما إذا نوى بلسانه، وقال: نويت أن أصلي الظهر انتقض ما صلى، ولا يجتزئ بتلك الركعة (٤).

стр. 788

وذكر في نوادر الصلاة: لو صلى الرجل على جنازة، فكبر تكبيرة (١)، ثم جيء بأخرى، فوضعت بجنبها، فإن كبر التكبيرة الثانية ينوي الصلاة على الأولى أو عليهما أو لا نية له فهو على الجنازة الأولى على حالة يتمها، ثم يستقبل الصلاة على الثانية؛ لأنه نوى إيجاد الموجود، وهو لغو، وإن كبر ينوي الصلاة على الثانية يصير رافضًا للأولى شارعًا في الثانية؛ لأنه نوى ما ليس بموجود، فصحت نيته، وإذا قرأ الإمام من المصحف فسدت صلاته، وتقييد الإمام اتفاقي، فإن الحكم لا يختلف في الإمام وغيره (٢)؛ ولذلك أطلق الرواية في «المبسوط» (٣)، [القراءة من المصحف] وقال: وإذا قرأ في صلاته من المصحف فسدت صلاته عند أبي حنيفة، وكذلك الدليل من الطرفين لا يفصل بين إمام ومنفرد، فجاز أن يكون القيد بالإمام باعتبار أن الإمام هو الذي يحتاج إلى تطويل القراءة عادة، فيحتاج إلى القراءة من المصحف، وعند الشافعي (٤) ﵀ يجزئه بغير كراهة، واحتج أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بما روى من حديث ذكوان أنه كان يؤم عائشة ﵂ في رمضان، وكان يقرأ من المصحف، والمعنى فيه أنه قرأ القرآن، فيجزئه صلاته كما لو قرأ عن ظهر القلب، وهذا لأن الفساد لا يخلو إما أن كان لأجل حمل المصحف أو لأجل النظر/ أو لأجل تقليب الأوراق لا جائز أن يكون الفساد لأجل الحمل؛ لأن حمل ما هو أكبر من المصحف لا يوجب فساد الصلاة ألا ترى أن رسول الله ﵇ كان يصلي، وأُمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فكان يضعها إذا سجد ويحملها إذا رفع رأسه من السجود، ولا جائز أن يكون لأجل النظر (٥) إلى المصحف؛ لأن النظر إلى المصحف لا يكون أكبر حالًا من النظر إلى النقوش في المحراب، وهو لا يوجب الفساد، ولا جائز أن يكون لتقليب الأوراق؛ لأنه عمل قليل، وهو لا يوجب الفساد إلا أنه يكره؛ لأنه (٦) صنيع أهل الكتاب، فإنهم يصلون هكذا، فكره التشبه بهم؛ لأنا نهينا عن التشبه بهم، فيما لم يكن منه بد كما يكره للإنسان أن يصلي سادلًا ثوبه؛ لأنه صنيع أهل الكتاب، ولنا منه بد، فيكره التشبه بهم (٧).

стр. 789

قلت: وبقوله فيما لنا منه بدّ خرج الجواب عما قاله الشافعي ﵀ بأنه لو كره هذا الصنيع؛ لأنه صنيع أهل الكتاب كان يجب أن يكره إذا كان يصلي، وهو يقرأ عن ظهر القلب؛ لأن منهم من يصلي هكذا، وكذلك نتصدق كما يتصدقون ونأكل ونشرب كما يأكلون ويشربون فلا يكره لما أن هذه الأشياء مما لنا منه بدّ. وأبو حنيفة ﵀ يقول: قرأ في صلاته مما تعلم فيها فلا يجزئه (١) صلاته، كما لو قرأ ما تعلم فيها من معلم؛ وذلك لأنه يتلقن من المصحف، فصار كمن تلقن من رجل (٢)، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: إنا أجمعنا على أن الرجل إن كان يمكنه أن يقرأ من المصحف، ولا يمكنه القراءة عن ظهر القلب لو صلى بغير قراءة تجزئه، فلولا أن القراءة من المصحف مما تفسد الصلاة، وإلا ما أبيح له الصلاة بغير قراءة إلا أنهم لا يسلمون هذا (٣). كذا في مبسوط شيخ الإسلام، ولأنه يلقن من المصحف، وجعل الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في هذا التعليل احتج، ذكره في «المبسوط» (٤). وذكر في جامعه الصغير: وأما إذا كان يحفظه عن ظهر القلب، وهو مع ذلك ينظر في المكتوب على المحراب، ويقرأ فلا إشكال أنه يجوز صلاته (٥). وذكر الإمام المحبوبي ﵀ لم يفصل في الكتاب في هذه المسألة بين ما إذا قرأ قليلًا أو كثيرًا من المصحف، وقال بعض مشايخنا: إن قرأ مقدار آية تامة تفسد صلاته عند أبي حنيفة ﵀، وإلا فلا (٦). وقال بعضهم: إن قرأ مقدار الفاتحة تفسد صلاته، وفيما دون هذا لا تفسد، ولو نظر إلى مكتوب، وفهمه، فالصحيح: أنه لا تفسد أي مكتوب هو، غير القرآن؛ لأنه لو نظر إلى مكتوب هو قرآن وفهمه لا خلاف فيه لأحد أنه لا يجوز، ولأنه ذكر شمس الأئمة في «الجامع الصغير» هذه المسألة، وقال: ولم يذكر ما إذا تأمل في المكتوب على المحراب مما سوى القرآن حتى فهم ذلك من غير أن يقرأ بلسانه هل يجوز صلاته، فالصحيح: أنه يجوز لأنه وإن فهم ذلك فبالنظر فيه لا يكون متكلمًا، والمفسد هو الكلام (٧).

стр. 790

وذكر شيخ الإسلام: المصلي إذا نظر في المحراب، فإذا فيه مكتوب: كن في صلاتك خاشعًا، فنظر في ذلك، وتأمل حتى فهم قال بعض مشايخنا على قول أبي يوسف: لا تفسد، وعلى قول محمد تفسد قاسوا هذه المسألة على مسألة اليمين بأن حلف لا يقرأ كتاب فلان، فوصل إليه كتاب فلان، فنظر فيه حتى فهم (١)، ولم يقرأ بلسانه، قال أبو يوسف: لا يحنث في يمينه؛ لأنه لم يقرأ بلسانه، والقراءة مما تكون باللسان، وعلى قول محمد يحنث متى فهم ما فيه، فجعل محمد التفهم كالقراءة في حق الحنث، فكذا في حق إفساد الصلاة، ثم لو قرأ: كن في صلاتك خاشعًا تفسد صلاته، فكذا هذا، ولهذا قالوا: يجب أن لا يضع المصلي الجزء بين يديه؛ لأنه ربما يكون مكتوبًا فيها الجزء الثاني أو الأول، فينظر في ذلك ويفهم، فيدخل في ذلك شبهة الاختلاف، فيجب أن تتحرز عن هذا، ومن مشايخنا من يقول على قول محمد أيضًا لا يفسد وإن فهم، وقد روي عن محمد نصًّا أن صلاته لا تفسد، ولأن قراءة الكتاب غير مقصود في نفسه، وإنما المقصود علم ما فيه، فينصرف اليمين إلى ما هو المقصود (٢). وأما قراءة القرآن فمقصود بنفسه، فينصرف اليمين إلى القراءة لا إلى التفهم، والدليل عليه أنه لو نظر إلى جبين امرأته وعليه مكتوب: أنت طالق، وفهم ولم يقرأ لا تطلق امرأته، وكذلك إذا كان أنت حرّ مكتوبًا في جبين عبده، فنظر وفهم (٣) لا يعتق عبده، فدل أن محمدًا إنما جعل/ التفهم بمنزلة القراءة في (٤) قراءة الكتاب خاصة، فأما في حق سائر الأحكام المتعلقة بالنطق لا يجعل التفهم كالقراءة، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀، وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول محمد ينبغي أن تفسد صلاته قياسًا على مسألة الحلف، ولكن الأصح هو الفرق بينهما؛ لأنه اعتبر العادة هناك؛ لأن مقصود الحالف الامتناع عن قراءة كتابه لكيلا يقف على أسراره، وذلك يحصل بالنظر فيه والتفهم، فلا كذلك هاهنا، ثم ليس المراد بحديث ذكوان أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة إنما المراد بيان حاله أنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب، والمقصود بيان أن (٥) قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليست بفرض ألا ترى أن القراءة من المصحف مكروه عندنا، فلا يتوهم على عائشة ﵂ أنها تؤدي صلاتها على وجه مكروه، وقيل: تأويله أنه كان يستظهر من المصحف، ثم يقرأ في الصلاة (٦).

стр. 791

قوله: وإن مرت امرأة بين يدي المصلي لم تقطع الصلاة، وإنما ذكر هذه المسألة مع وضوح حكمها حيث لم يوجد من المصلي شيء يوجب فساد صلاته ردًّا لقول بعض الناس (١). وفي «الجامع الصغير» لشمس الأئمة وغيره، وعلى قول أصحاب الظواهر تفسد صلاة المصلي مرور المرأة بين يديه؛ لقوله ﵇: «تقطع المرأة الصلاة والكلب والحمار» (٢)، ولكنا نقول: أنكرت هذا الحديث عائشة ﵂ حين بلغها، وقالت: يا أهل العراق والشقاق والنفاق قرنتمونا بالكلاب والحُمر كان رسول ﵇ يصلي بالليل وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا سجد خنست رجلي، وإذا قام مددتها (٣) (٤). ثم الكلام في هذه المسألة في عشرة مواضع كلها مذكور في الكتاب إلا الثامن: أولها هذا، وهو: أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء. والثاني: ينبغي للمصلي أن يستتر بحائط أو سارية. والثالث: أن الاستتار بالعود وما لا يستر (٥) جسمه جائز. والرابع: أن سترة الإمام تجزئ أصحابه. والخامس: أن مقدار السترة ذراع فصاعدًا. والسادس: أن يقرب من السترة. والسابع: أن يجعلها إلى حد حاجبيه. والثامن: لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور لما أن اتخاذ (٦) السترة للحجاب عن المار ولا حاجة بها عند عدم المار. التاسع: أن المار آثم، والعاشر: في مقدار موضع يكره المرور عنه (٧). قوله: لوقف أربعين، روى عن أبي جهيم الأنصاري ﵁ قيل له: ماذا تحفظ عن رسول الله ﵇ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: «لو علم المار ماذا عليه»، وفي رواية: «ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين»، وأبو جهيم كان اسمه أيوب، فكان أيوب يقول: لا أدري قال: أربعين عامًا أم أربعين شهرا أم أربعين يومًا (٨).

стр. 792

وروي أيضًا عن كعب ﵁ أنه قال: "لو علم المار ماذا عليه، لكان أن يخسف الله به الأرض خيرًا له" (١). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢)، وإنما يأثم إذا مرّ في موضع سجوده على ما قيل. واختلف في الموضع الذي يكره المرور فيه منهم من قدرة بثلاثة أذرع، ومنهم بخمسة، ومنهم بأربعين، ومنهم بموضع سجوده، ومنهم بمقدار صفين أو ثلاثة، والأصح: إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، فلا يكره نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه. كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وكذا اختار فخر الإسلام، ذلك أيضًا، وقال: إذا صلى راميًّا ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع عليه بصره لم يكره، وهذا حسن. وأما غيرهما كالإمام شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، وقاضي خان ﵀ اختاروا ما اختاره صاحب الهداية بأن الموضع الذي يكره المرور فيه هو موضع السجود (٣). قلت: ما ذكره فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه إلى الصواب؛ وذلك لأن المصلي إذا صلَّى على الدكان ويحاذي أعضاء المار أعضاءه، فيكره المرور، وإن كان يمر أسفل الدكان، وأسفل الدكان (٤) ليس بموضع سجود المصلى على الدكان، فلذلك قال فخر الإسلام: وأنه حسن، وأن فخر الإسلام ما اختار شيئًا إلا وهو ممشّى (٥) في الصور كلها غير منقوض، وسيتلى عليك فيما يستقبل من محاسن اختياراته (٦). ثم ذكر شيخ الإسلام هذا الحدّ الذي ذكرنا إذا كان الرجل يُصلّي في الصحراء، فأما في المسجد فالحد هو المسجد إلا أن يكون بينه وبين المار أسطوانة أو غيرها (٧). قوله: ويحاذي/ أعضاء المار أعضاءه لو كان يصلي على الدكان إنما شرط هذا، فإنه لو صلى على الدكان، والدكان مثل قامة الرجل، وهو سترة، فلا يأثم المار، وكذا السطح والسرير، وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة، وهو ذراع، وهو (٨) غلط؛ لأنه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب، وإن استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائمًا اختلفوا، وإن استتر بدابة، فلا بأس به، وقالوا: حيلة الراكب إذا أراد أن يمر ينزل، فيصير وراء الدابة، ويمرّ أو تصير الدابة ستره، ولا يأثم، وكذلك لو مر رجلان متحاذيان، فإن كراهة المرور، وأثمه (٩) يلحق الذي يلي المصلي. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٠).

стр. 793

قوله: مثل مؤخرة الرحل بضم الميم وكسر الهاء لغة في آخرته، وهي الخشبة العريضة التي تحاذي رأس الراكب، وتشديد الخاء خطأ. كذا في «المغرب» (١). فمؤخرة الرحل جاز أن تكون مقدار الذراع (٢). وذكر في مبسوط شيخ الإسلام من حديث عون بن أبي جحيفة ﵀ (٣) أن النبي ﵇ ركز عنزة (٤). وقال: مقدار العنزة إنما يكون طول ذراع. قوله ﵀: وبه ورد الأثر، وهو ما روي عن المقداد ﵁ قال: ما صلى رسول الله ﵇ إلى شجرة ولا إلى عود، ولا إلى عمود إلا جعله على حاجبه (٥) الأيمن، ولم يصمده صمدًا (٦). كذا في «الجامع الصغير» لفخر الإسلام، أي: لم يقصده قصدًا بالمواجهة إلى عَنزةٍ بالتنوين (٧)؛ لأنها اسم جنس نكرة، وهي شبه العكازة، وهي عصا ذات زج. كذا في «المغرب» (٨) الزج الحديدة التي في أسفل الرمح، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٩): إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوًا، فأما إذا كانت الأرض صلبةً لا يمكنه الغرز، فإنه يضع وضعًا؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز لكن يضع طولًا لا عرضًا؛ ليكون على مثال الغرز، فإن لم يكن معه خشبة أو شيء يضع هل يخط خطًّا، والخط ليس بشيء هكذا روي عن محمد رواه عصمة، وقال الشافعي ﵀: بأنه يخط خطًّا (١٠)، وبه قال بعض مشايخنا المتأخرين، فقالوا: يخط خطًّا طولًا لا عرض إلا أنا نقول: بأن الخط لا يعتبر حائلًا بينه وبين المار فيكون وجوده وعدمه بمنزلة (١١).

стр. 794

قوله: كما فعل رسول الله ﷺ بولدي أم سلمة. روي أن النبي ﵇ كان في بيت أم سلمة، فقام عمر ابن أم سلمة ليمر بين يديه، فأشار إليه أن قف فوقف، ثم قامت زينب بنت أم سلمة لتمر بين يديه، فأشار إليها أن قفي، فأبت فمرت، فلما فرغ من صلاته قال: «ناقصات العقل ناقصات الدين صواحب يوسف صواحب كرسف يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام» (١). وكرسف عابد فتنة النساء، وإن مرّ عن بعد في المسجد الجامع، فقد قيل: يكره، والأصح: أنه لا يكره. كذا في «الجامع الصغير» لفخر الإسلام، أو يدفع بالتسبيح لما روينا، وهو قوله ﵇: «إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة، فليسبح» (٢)؛ لأن هذا نائبة فائتة في الصلاة، فكان له أن يسبح عملًا بهذا الحديث (٣). كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمة الله عليه (٤). فصل وهذا الفصل أيضًا من بيان أنواع العوارض إلا أنه قدم ما يفسد على ما يكره؛ لأنه لما كان مفسدًا كان مبطل للعمل، فكان (٥) أحوج إلى البيان ليصون المصلي عمله عن البطلان خصوصًا في عبادة الرحمن، ثم اتبعه ما يكره فيها؛ ليكون الصيانة أتم والمحافظة أعم (٦). قوله: ويكره للمصلي أن يبعث بثوبه قدم هذه المسألة لما أن هذه (٧) كلية (٨) وغيرها نوعية؛ لأن تقليب الحصا والفرقعة والتحصر من أنواع العبث، والكلي مقدم على النوعي؛ لأن الكلي مفرد، والنوعي مركب بتقيده بشيء آخر كما في حروف العطف والمفرد مقدم على المركب، ولا يقال: لما ذكر حكم الكلي دخل تحته النوعي، فكان حكم النوع معلومًا أيضًا، فلماذا ذكر الأنواع بعده لأنا نقول: إنما ذكرها لورود الآثار في كل واحد منها على الخصوص، ولأنه قد اشتبه أنه من حملة العبث أم لا؟ قال الإمام بدر الدين الكردري (٩): العبث الفعل الذي فيه غرض مالا غرض له فيه أصلاً؛ لقوله ﵇: «إن الله كره لكم ثلاثًا: الرفث في الصوم، والعبث في الصلاة، والضحك في المقابر» رواه أبو هريرة ﵁ (١٠) (١١).

стр. 795

وحاصله: أن كل عمل هو مفيد للمصلي، فلا بأس بأن يأتي به، أصله ما روي أن النبي عليه [السلام] (١) / عرق في صلاته ليلة فسلت العرق عن جبينه؛ لأنه كان يؤذيه، فكان مفيدًا، وفي زمن الصيف كان إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة؛ لأنه مفيدًا كيلا يبقى صورة (٢). فأما ما ليس مفيد، فيكره للمصلي أن يشتغل به؛ لقوله ﵇: «إن في الصلاة لشغلا» (٣) أي: بأمر الصلاة، والعبث غير مفيد، ثم في تقليب الحصاة لا يمكنه من السجود، فلا بأس أن يستقرئه مرة وتركها أحب إليّ لحديث أبي ذرّ (٤)، لكن تركه أقرب إلى الخشوع فهو أولى حتى قال النبي ﵇ في بعض الروايات: «وإن تركتها فهو خير لك من مائة ناقة سود الحدقة يكون لك» (٥). كذا في «المبسوط» (٦). ويقال في حديث أبي ذر: سأل أبو ذر ﵁ خير البشر عن تسوية الحجر، فقال: «يا أبا ذر مرة أو ذر» (٧). ولا يفرقع أصابعه الفرقعة تنقبض الأصابع، وذلك أن يغمزها أو يمدها حتى يصوت يقال: فرقعها فتفرقعت، ولا يتخصر وهو وضع الخاصرة (٨)، وفي «المغرب» (٩): التخصر والاختصار وضع اليد على الخصره، وهو المستدق فوق الورك أو على الخاصرة، وهي ما فوق الطفطفة والشراسيف الطفطفة أطراف الخاصرة، والشراسيف أطراف الضلع التي تشرف على البطن، ومنه قوله ﵇: «الاختصار في الصلاة راحة أهل النار» (١٠) معناه أن هذا فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار؛ لا أن (١١) لهم فيها راحة (١٢). وذكر في «المبسوط» (١٣) في تعليله، وقال: وهو فعل المصاب وحالة الصلاة حال يناجي فيها العبد ربه، فهي حال الافتخار لا حال إظهار المصيبة، ولأنه فعل أهل الكتاب، وقد نهينا عن التشبه بهم، ولو نظر بمؤخر عينيه مؤخر العين -بضم الميم وكسر الخاء- مخففًا طرفها الذي يلي الصدغ والمقدم خلافه. وذكر في «المبسوط» (١٤) وحد الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج وجهه من أن يكون إلى جهة القبلة الملاحظة المراعاة من لحظه ولحظ إليه نظر إليه بمؤخر عينيه المؤق مؤخرة العين ويجوز قلب الهمزة واوًا.

стр. 796

وفي مبسوط شيخ الإسلام: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرحمة تواجه العبد ما دام في صلاته فإذا التفت أعرضت عنه» (١)، ولأن الالتفات يمنة ويسرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه ولو انحرف عن القبلة (٢) بجميع بدنه فسدت صلاته، فإذا انحرف ببعض بدنه كره كالعمل اليسير في الصلاة يكره؛ لأن كثيره مفسد، فكذا هذا، وقال ﵇: «تلك خلسته يختلسها الشيطان من صلاة العبد» (٣)، وهذا دليل على أن الالتفات مما لا يقطع الصلاة وإن انحرف عن القبلة (٤) يمنة ويسرة ما لم يستدبر القبلة (٥). قوله: إن انقر نقر الديك يقال: نقر الطائر الحب، أي: التقطه بمنقاره من باب طلب شبه من يسرع في الركوع والسجود ويخفف منهما بالديك الذي ينقر الحب (٦). وفي «المبسوط» (٧): في تفسير الإقعاء قولان، أحدهما: أن ينصب قدميه كما يفعل في السجود، ويضع أليتيه على عقبيه. والثاني: أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ركبتيه نصبًا، وقال: هذا أصح؛ لأن إقعاء الكلب تكون بهذه الصفة إلا أن إقعاء الكلب في نصب اليدين وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره. وفي «المغرب» (٨): وافترش ذراعيه أي: ألقاهما على الأرض؛ لأن فيه ترك سنة القعود. وفي «المبسوط» (٩): ومن مشايخنا من علل فيه، فقال: التربع جلوس الجبابرة، فلهذا كره في الصلاة، وهذا ليس بقوي، فإن النبي ﵇ كان يتربع في جلوسه في بعض أحواله حتى أنه كان يأكل يومًا متربعًا، فنزل عليه الوحي، فقال جبرئيل (١٠): كُلْ كما يأكل العبيد (١١). وهو كان منزهًا من أخلاق الجبابرة، وكذا عامة جلوس عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ كان تربعًا، ولكن العبارة الصحيحة أن يقول: الجلوس على الركبتين أقرب إلى التواضع من التربع فهو أولى في حال الصلاة إلا عند العذر.

стр. 797

قلت: كأنه أراد بقوله: ومن مشايخنا من علل به كشيخ الإسلام، فإنه علل بذلك، وهو أن يجمع شعره على قامته. وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): وصورة العقص هو أن يشتد ضفرتيه حول رأسه كما يفعله النساء أو يجمع شعره، فيعقد (٢) في مؤخر رأسه، وكل ذلك مكروه. وعن عمر ﵁: أنه مرّ على رجل ساجد عاقص شعره، فحله حلًّا عنيفًا، وقال: "إذا طول أحدكم شعره فليرسله/ ليسجد معه" (٣)، ونهى عن السدل (٤). وفي فتاوى قاضي خان: وهو أن يجعل الثوب على رأسه أو عاتقه، ويرسل جانبيه (٥). وفي مبسوط شيخ الإسلام: هو أن يضع الرداء على كتفيه، ولم يدخل يديه في الكمين، وكذا أيضًا في «الخلاصة»، وهو مكروه سواء كان تحته قميص أو لا، ولا يأكل ولا يشرب. أما إذا كان بين أسنانه شيء فابتلعه لا تفسد صلاته؛ لأن ما بين أسنانه تبع لريقه، ولهذا لا يفسد به الصوم، قال بعضهم: هذا إذا كان ما بين أسنانه قليلًا بما (٦) دون الحمصة، فأما إذا كان أكثر من ذلك تفسد صلاته، وسوى بينها وبين الصوم، وقال بعضهم: ما دون ملء الفم لا تفسد صلاته (٧)، (٨) وفرق بين الصلاة والصوم. كذا في فتاوى قاضي خان (٩). ثم ابتدأ المسائل «الجامع الصغير» (١٠)، فقال: ولا بأس بأن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق المراد منه المحراب، وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀ (١١): وفيه طريقان أحدهما: أنه إذا دخل الطاق صار ممتازاً عن القوم في المكان؛ لأنه في معنى بيت آخر، وذلك صنيع أهل الكتاب، والتشبيه بهم مكروه قال ﵇: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١٢) خصوصًا في الصلاة، ولهذا يكره الاعتجاز وتغطية الفم في الصلاة؛ لأنه تشبه بهم.

стр. 798

والوجه الثاني: ما حكي عن الكبير الفقيه أبي جعفر ﵀ أنه قال: لأنه يشتبه على من عن يمينه وعن يساره حالة حتى إذا كان بجنبي الطاق عمودان وراء ذلك فرجة يطلع فيها من عن يمينه وعن يساره على حالة، فلا بأس به؛ لأن الإمام إنما كان إمامًا ليعلم بحالة، فيتحقق الإتمام به، وإنما هذا بالعراق؛ لأن محاربهم مجوفة مطوقة مبنية باللبن والآجر، وإن كانت قدماه خارجتين، فلا بأس به؛ لأن المعتبر مكان القدم، فإن الطويل إذا اقتدى بالقصير سبق الإمام رأسه عند السجود، واعتبار مكان الأقدام يوافق أصول أصحابنا بدليل أن (١) من حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل قدميه فيها حنث، ولو كانت عامة بدنه في الدار، وقدماه خارج الدار لم يحنث، وكذلك الصيد إذا كان رجلاه في الحرم ورأسه خارج الحرم يكون صيد الحرم، وكذلك المصلي إذا كانت قدماه على مكان نجس لا يجوز صلاته، ولو كانت قدماه على مكان طاهر وركبتاه ويداه على مكان نجس تجوز صلاته، فكذلك هاهنا كره إذا كان مقام الإمام في الطاق ولم يكره إذا كان مقامه خارج الطاق (٢). وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: من اختار الطريقة الأخيرة لم يكره عند الاشتباه، وإن كان مقام الإمام في الطاق بأن كان على جانبي الطاق فرجة، ومن اختار الطريقة الأولى قال: يكره في الوجهين جميعًا، وقال: وهذا هو الأوجه (٣) كذا ذكره الإمام المحبوبي، والإمام المرغيناني ﵀ (٤). ويكره أن يكون الإمام وحده على الدكان إنما قيد به؛ لأنه لو كان معه بعض القوم لا يكره، ثم إنما يكره عند الانفراد لما ذكره من تشبه صنيع أهل الكتاب بتخصيص الإمام، ولأنه تشبه اختلاف المكانين، فأما إذا كان الإمام أسفل الدكان والقوم على الدكان، فكذلك في ظاهر الرواية على ما ذكر من ازدراء الإمام (٥). وذكر الطحاوي (٦): أنه لا يكره لزوال المعنى الأول وهو التشبه بصنيع أهل الكتاب، فإنهم لا يفعلون هكذا، ولم يذكر في الكتاب مقدار ارتفاع الدكان الذي يكره عنده، وذكر الطحاوي ﵀: أنه مقدر بقامة الرجل، وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀، وقيل: بأنه مقدر بقدر ما تقع به الامتياز، وقيل: بأنه مقدر بقدر ذراع اعتبارًا بالسترة، وعليه الاعتماد. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٧)، وذكر شيخ الإسلام: أن القوم إذا كانوا على الدكان إنما يكره إذا لم يكن فيه عذر،

стр. 799

أما عند العذر، فلا يكره كما في الجمعة فإن القوم يقومون على الرفوف (١)، والإمام على الأرض ولم ينكر أحد لضيق المكان (٢). وحكى عن شمس الأئمة الحلواني ﵀: الصلاة على المرفوف (٣) في الجامع (٤) من غير ضرورة مكروه، وعند الضرورة بأن امتلاء المسجد، فلا بأس به، وهكذا يحكى عن الفقيه أبي الليث ﵀ (٥) في مسألة الطاق، فإنه إذا تحققت الضرورة بأن ضاق المسجد على القوم، والإمام يقوم في الطاق لا يكره (٦). كذا في الجامع المحبوبي، ولا بأس بأن يصلي إلى ظهر رجل قاعد يتحدث أما الصلاة إلى ظهر الرجل، فلما ذكر/ ولأن الصف الأول يصلون إلى ظهر الإمام، والصف الثاني إلى ظهر الصف الأول علم أنه لا بأس به إنما المكروه أن يصلي إلى وجه غيره لما روي أن عمر ﵁ رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما (٧) بالدرة، وقال للمصلي: أتستقبل الصورة في صلاتك؟ فقال للقاعد: أتستقبل المصلي بوجهك. علم أن ذلك حرام (٨). ولو صلّى إلى وجه إنسان وبينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لم يكره، ففي قوله: إلى ظهر رجل يتحدث أمارة (٩) إلى أنه لا بأس بأن يصلي، وإن كان يقر به قوم يتحدثون، ومن الناس من كره ذلك لما روي أن النبي ﵇: «نهى أن يصلي الرجل، وعنده قوم يتحدثون أو نائمون» (١٠)، وتأويل ذلك عندنا إذا رفعوا أصواتهم على وجه يخاف وقوع الغلط في الصلاة، وفي النائمين إذا كان يخاف أن يظهر صوت من النائم، فيضحك في صلاته، ويحجل النائم إذا انتبه، فإن لم يكن كذلك، فلا بأس به، والدليل على أنه لا يكره عند ذلك: ما روي أن أصحاب رسول الله ﵇ كانوا يصلون، وبعضهم كانوا يقرءون، وبعضهم كانوا يتعلمون الفقه، وبعضهم كانوا يذكرون المواعظ، ولم يمنعهم عن ذلك رسول الله ﵇ (١١) (١٢). كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١٣)، و «الفوائد الظهيرية».

стр. 800

ولا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق، وإنما أورد هذه المسألة هكذا؛ لأن من العلماء من كره هذا فقالوا: أما السيف فإنه آلة حرب، وفي الحديد بأس شديد، فلا يليق تقديمه في مقام الابتهال، وقيل: هو قول ابن عمر ﵁. وأما في استقبال المصحف فإنه فيه تشبها بأهل الكتاب، فإنهم كانوا يفعلون ذلك بكتبهم، وقيل: هو قول إبراهيم النخعي ﵀ إلا أنا نقول: لا يفعلون ذلك عبادة، لكن ليقرءوا منه في صلاتهم، وذلك مكروه عندنا، ولأنه لو كان موضوعا أمام المصلي، فليس به بأس، فكذلك إذا كان معلقًا، وأما السيف قلنا: نعم، إنه آلة الحرب، لكن الموضع موضع الحرب، ولهذا سمي محرابًا، فيليق هو فيه، ولأنا أمرنا بأخذ الأسلحة في صلاة الخوف (١). قال ﵀: وليأخذوا أسلحتهم، فإذا كان معلقًا بين يديه كان أمكن من أخذه إذا احتاج إليه، فلا يوجب الكراهة، وقد كانت العنزة تحمل أمام رسول الله ﵇، وكانت تركز (٢) بين يديه، فيصلي إليها، وهي سلاح، فتبين أنه لا بأس بالسلاح بين يدي المصلي. كذا ذكره الإمام التمرتاشي والمرغيناني رحمهما الله (٣). ولا بأس بأن يصلي على بساطة فيه تصاوير، ذكر في «المغرب» (٤): التمثال ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله تعالى من ذوات الروح، والصورة عام. وأما قولهم: ويكره التصاوير والتماثيل، فالعطف للبيان، وإما تماثيل شجر فمجاز إن صح (٥). قوله ﵀: وأطلق الكراهة في الأصل، أي: لم يفصل في «المبسوط» في حق الكراهة بين أن يسجد على الصورة أو لا يسجد، فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٦): فإن صلى على بساط فيه تماثيل، فإنه يكره؛ لأنه متى صلى عليه تشبه هذه الصلاة إلى (٧) الصورة. وحقيقة الصلاة إلى الصورة حرام، فما يشبهها يكون مكروهًا، ولأن البساط الذي يعد للصلاة يعظم من بين سائر البسط، فيكون هذا نوع تعظيم للصورة، وقد أمرنا بالإهانة ثم قال: هكذا ذكر في الكتاب، وأطلق الجواب. وذكر محمد (٨) ﵀ في «الجامع الصغير»: أنه إذا كان في موضع سجوده يكره لما فيه من التعظيم له، فإن كان في موضع جلوسه، وقيامه لا يكره لما فيه من الإهانة، ولأن المصلي معظم كلاهما على لفظ اسم المفعول يعني السجدة التي يصلي فيها مستحقة للتعظيم، ونحن أمرنا بإهانة الصورة، وهي فيها لما روي مجاهد عن أبي هريرة ﵁: أن جبرئيل ﵇ استأذن على رسول الله ﵇، فقال له: «أدخل»، فقال: كيف أدخل بيتا فيه ستر عليه تماثيل حيوان أو رجال، إما أن يقطع رءوسها أو يجعل بساطًا يوطأ إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة (٩)؛ لأن الصغار جدا لا تعبد؛ لأنه قد كان على خاتم أبي موسى ذبابتان (١٠)، ولما وجد خاتم دانيال النبي ﵇ على عهد عمر ﵁ كان على فصّه أسد ولبوة وبينهما صبي يلحسانه، فلما نظر إليه عمر ﵁ أغر ورقت عيناه بالدموع ودفعه إلى أبي/ موسى الأشعري ﵀. وأصل ذلك أنه ألقي في غيضة وهو رضيع؛ لأنه حكي: أن بخت نصر حين استولى أخبر أن بعض ما يولد في زمانك يقتلك، فكان يتبع الصبيان فيقتلهم، فلما ولد دنيال ﵇ ألقاه (١١) أمه في غيضة رجاء أن ينجو من القتل فقيض (١٢) الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه، وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منة الله تعالى عليه (١٣)، وكان لابن عباس ﵁ كانون محفوف بصور صغار (١٤). (١٥).

стр. 801

قوله ﵀: وإذا كان التمثال مقطوع الرأس، أي: ممحو الرأس إنما فسره بهذا لئلا يتوهم أن لو قطع رأسه يخيط من الحلقوم ورأسه ظاهر، فإن الكراهة فيه باقية أيضًا؛ لان من الطير ما هو مطوق، فلما محي رأسه، وصار بحال لا ترى رأسه لا تكره؛ لأنه لا يعبد بلا رأس، فألحق هو (حينئذ) بصور الجمادات (١). قوله ﵀: كما إذا صلى على شمع أو سراج على ما قالوا وإنما ذكر قوله على ما قالوا (٢): إيذانا بخلاف البعض. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: واختلف فيمن صلى وبين يديه شمع أو سراج فقيل: يكره كما لو كان بين يديه كانون فيه جمر أو نار موقدة. والصحيح: أنه لا يكره؛ لأن السراج أو الشمع لا يعبده أحد (٣). وعن ظهير الدين: الأصل أن كل ما يقع تشبها بهم فيما يعظمونه يكره الاستقبال في الصلاة إليه، وهم يعبدون الجمر بدون الضرام إلا أن الاستقبال إلى الضرام يكره؛ لأنه لا ينفك عن الجمر، وقالوا أيضًا: يكره الصلاة إلى تنور مفتوح الرأس فيه نارًا، وعلى بساط مفروش لا يكره (٤). قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وقد ذكره (٥) بعض المتأخرين التمثال على البسني الكبير من الوسائد التي وضع في صدر المجلس عليها ليجلس عليها؛ لأن ذلك في معنى الإزار فيكره الجلوس عليها، ويحكى عن الحسن البصري وعطاء (٦) أنهما دخلا بيتًا فيه بساط عليه تصاوير فوقف عطاء وجلس الحسن، وقال: تعظيم الصورة في ترك الجلوس عليها ثم خلفه (٧). وإن كانت الصورة تحت رجليه فهو أيسر، وفي شرح عتاب ﵀ فإن كانت خلفه أو تحت رجليه لا تكره الصلاة، ولكن يكره كراهة جعل الصورة في البيت للحديث: «أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة» (٨)، فيجب تنزيه مكان الصلاة عما يمنع دخول الملائكة (٩).

стр. 802

ولا يكره تمثال غير ذي الروح، هكذا روي عن ابن عباس ﵁ أنه نهى مصورًا عن التصوير، فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ قال: إن لم يكن لك بد فعليك بتمثال للأشجار (١). وروي أن عليًّا ﵁ قال: من صور تمثال ذي الروح كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ (٢) (٣). قال مشايخنا: وكما يكره اتخاذ الصورة في البيوت يكره الدخول في مثل هذه البيوت والجلوس والزيارة، ولا يكره بيع الثوب الذي فيه التصاوير، وفي الأقضية لا تقبل شهادة الذي يبيع الثياب للصورة، أو ينسجها، وفي فتاوي الفضلي: لا يكره إمامة من في يده تصاوير؛ لأنها مستورة بالثياب لا تستبين، فصارت كصورة نقش خاتم (٤). وفي نوادر هشام عن محمد: الأجير لتصوير تماثيل الرجال أو ليزخرفها والإصباغ (٥) من المستأجر، قال: لا أجر له لأن عمله معصية (٦). وفي التفاريق هدم بيتًا مصورًا بالإصباغ ضمن قيمة البيت والإصباغ غير مصورة (٧)، وهذا كله من المبسوطين، وشروح الجامع الصغير. «اقتلوا الأسودين» (٨) أراد بهما الحية والعقرب هنا، وفي حديث عائشة ﵂: رأيتنا وما لنا طعام إلا الأسودان. المراد بهما التمر والماء (٩)، ذكره في «الفائق» (١٠).

стр. 803

ويستوي جميع أنواع الحيات هو الصحيح هذا احتراز عن قول الفقيه (١) أبي جعفر ﵀، فإنه يقول: الحيات على نوعين منها ما يكون من سواكن البيوت، وهي جنية، ومنها ما لا يكون فيها، والجني صورتها بيضاء لها ضفيرتان تمشي مستوية، فلا يباح قتلها، فلذلك لم يذكر في «الجامع الصغير» قتل الحية، وإنما ذكرها في كتاب الصلاة (٢). وفي قوله ﵇: «اقتلوا الأسودين» (٣) إشارة إلى هذا وأيده قوله ﵇: «إياكم والحية البيضاء فإنها من الجن» (٤) (٥). وفي غير الصلاة على قوله: لا يحل قتله إلا بعد الإنذار، والإنذار بأن يقال: خل طريق المسلمين، فإن أبى فحينئذ تقتله وغير الجني/ ما كان يضرب لونه إلى السواد، وفي مشيته التواء، والإمام الطحاوي ﵀ يقول: إنه فاسد (٦) من قبل: أن النبي ﵇ أخذ على الجن العهود والمواثيق بأن لا يظهر والآمنة في صورة الحية ولا يدخلوا بيوتهم، فإذا انقضوا العهد يباح قتلها (٧). وقال الإمام القاضي خان ﵀: والأولى هو الأعذار رجاء العمل بالعهد (٨)، وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «الجامع الصغير» بما قاله الطحاوي فقال: والأصح عندنا أنه لا بأس بقتل جميع أنواع الحيات في الصلاة، إنا ما سالمناهن مذ حاربناهن، وكذا قاله ﵇ يريد به قصة آدم ﵇ حين أعانت الحية إبليس على آدم، وقال ﵇: «لا أوى الله من آوى حية»، وقد عهد رسول الله ﵇ مع الجن إلى آخر ما ذكرنا (٩). وذكر صدر الإسلام في «الجامع الصغير»، والصحيح: من الجواب أن يحتاط في قتل الحيات حتى لا يقتل جنيًّا، فإنهم يؤذونه أذى كثيرًا وعظيمًا، بل إذا رأى حية، وشك أنه جني يقول له: خلي طريق المسلمين ومر، فإن مر تركه، فإن واحدًا من إخواني وهو أكبر سنًّا مني قتل حية كبيرة بنسف في دار لنا، فضربه الجن جعلوه زمنًا كان لا يتحرك رجلاه قريبًا من الشهر، ثم عالجناه وداويناه بإرضاء الجن حتى تركوه، فزال ما به، وهذا مما عاينته بعيني (١٠)، وفي «الجامع الصغير البرهاني» قالوا: إنما يُباح قتلها في الصلاة إذا مرت بين يديه، وخاف أن يؤذيه وإلا فيكره (١١).

стр. 804

وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» (١): وقيل: هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة كما فعله رسول الله ﵇ في العقرب (٢)، فأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات، فليستقبل الصلاة كما لو قاتل إنسانًا في صلاته؛ لأن هذا عمل كثير، ثم قال: والأظهر أن الكل سواء فيه؛ لأن هذا عمل رخّص فيه للمصلي فهو كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضئ. قلت: وشمس الأئمة هذا ﵀ خالف عامة رواية شروح الجامع الصغير، ورواية مبسوط شيخ الإسلام في موضعين في هذه المسألة أحدهما: أن في عامة رواياتها فرقوا بين الجني وغيره من الحيات، ولم يبيحوا قتل الجني، وهو أباح قتل جميع الحيات. والثاني: أنهم لم يبيحوا العمل الكثير في قتلها، وهو جوز العمل الكثير في قتلها، ولم يأمر بالاستقبال. قوله ﵀: ويكره عدّ الآي والتسبيحات في الصلاة اختلف المشايخ في محل الخلاف قال بعضهم: لا خلاف في المكتوبة أنه يكره، وإنما الخلاف في النوافل، ومنهم من قال: لا خلاف في النوافل أنه لا يكره، وإنما الخلاف في المكتوبة، كذا ذكره الإمام المرغيناني، والإمام المحبوبي (٣). ثم في قوله: وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا بأس به إشارة إلى أن خلافهما ليس من ظاهر الرواية حيث ذكر بكلمة عن وكذا ذكر في شروح الجامع الصغير أجمع خلافهما بكلمة عنه وصدر الإسلام لم يذكر خلافهما أصلًا لفظًا (٤)، بل قال بعضهم: قالوا: هذا في الفرائض، وأما في النوافل فلا باس به فإنه جاء مثله عن النبي ﵇ في تكرار السور في الصلاة، وتكرار التسبيح، ويحتاج إلى العد، والصحيح: أنه لا يباح العد أصلًا؛ لأنه ليس في الكتاب فصل بين الفرض وبين النفل، وقد يصير العدّ عملا كثيرًا، فيوجب فساد الصلاة، وما روي في الأحاديث: «من قرأ في الصلاة كذا كذا مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٥) (٦)، «وكذا كذا تسبيحة» (٧)، فتلك الأحاديث لم يصححها الثقات. أما صلاة التسبيح قد أوردها الثقات، وهي صلاة مبارك فيها ثواب عظيم، ومنافع كثيرة، فإنه يقدر أن يحفظ بالقلب وإن احتاج يعد الأصابع حتى لا يصير عملًا كثيرًا (٨). وكذلك لم يذكر شمس الأئمة السرخسي خلافًا لهما، بل قال: وكان أبو حنيفة ﵀ يكره عدّ الآي والتسبيح في الصلاة؛ لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة، وقال ﵇: «إن في الصلاة لشغلا للمصلي» (٩)، أي: شغلًا للمصلي بأعمال الصلاة فلا ينبغي أن يشتغل بغيرها، ثم السلف كانوا يختلفون في عدّ الآي والتسبيح في غير الصلاة، فمنهم من كان يكره ذلك، وقد روي عن عمر ﵁ أنه لما رأى من يفعل ذلك قال: أتنبئون الله بما لا يعلم. وابن مسعود رأى رجلًا يفعل ذلك فقال: عدّ ذنوبك لتستغفر منها، وأنت مستغن عن عدّ التسبيح (١٠).

стр. 805

وإذا كره بعضهم في غير الصلاة عرفنا أنه مكروه في الصلاة، وعن أبي يوسف/ في «الأمالي»: أنه لا باس بذلك في التطوع، واستدل بحديث صلاة التسبيح (١). وقال فخر الإسلام: وقد دخل النبي ﵇ على بعض الصحابيات وهي تسبح بالنواة، فقال: «ألا أعلمك خيرًا من هذا سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته» (٢). وقال مشايخنا: لم ينهها عن ذلك إنما أرشدها إلى ما يكثر به العدد، قال مشايخنا: فالصواب أن لا ينهى الضعفاء عن عد النواة، فذلك أسكن للقلوب، قال مشايخنا: فإن احتاج المرء إلى العد عده إشارة لا إفصاحًا، ويعمل المضطر بقولهما (٣). قوله: والعمل بما جاءت به السنة، وهي صلاة التسبيح من تسبيحاتها عشرًا عشرًا (٤) في الأركان على ما هو المعروف، وقد لا يتهيأ له العد إلا بأصابعه، فيجوز له العد بالأصابع ضرورة العمل بما جاءت به السنة في صلاة التسبيح، وعن النبي ﵇ قال للنسوة: «اعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات» (٥) كذا ذكر المحبوبي ﵀، والله أعلم (٦). فصل لما ذكر مسائل الكراهة المخصوصة بالصلاة اتبعها ذكر مسائل الكراهة التي هي خارج الصلاة، لكن يتعلق إما بحال المصلي، أو بمكانه، فلذلك فصل ورتب عليه لوجود معنى الفصل والترتيب عليه. قوله ﵀: ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء. وهذه المسألة من خواص مسائل «الجامع الصغير» الخلاء الممدود بيت التغوط، والمقصود (٧): النبت، ومنه الحديث: «ألا لا يختلي خلاها» (٨)، ثم كما يكره استقبال القبلة بالفرج كذلك يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحوها ليبول، وهذا كله إذا كان ذاكرا للقبلة، ولو غفل عن ذلك، وجلس يقضي حاجته، ثم وجد نفسه كذلك، فلا بأس، لكن إن أمكنه الانحراف ينحرف، فإنه عد ذلك من موجبات الرحمة، فإن لم يفعل لم يكن به بأس، ويكره أن يدخل الخلاء، ومعه خاتم عليه اسم الله أو شيء من القرآن لما فيه من ترك التعظيم، فإن كان المكتوب من رقية أو غيرها في غلاف متجاف عنه لا يكره الدخول به في الخلاء مع الاحتراز عن مثله أفضل، وفي جميع العلوم لا يدخل الخلاء إلا مستوي الرأس، ولا يتنحنح ولا يبزق ولا يمتخط، ويكره الكلام عند الوطئ والخلاء، ويسكت إذا عطس، ويكره مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره عمدًا، وكذلك إلى المصحف، وكتب الفقه، واختلفوا في الاستقبال للتطهير والإزالة، وفي الأجناس لا يكره الاستقبال حالة الاستنجاء والطهور، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٩).

стр. 806

وفي «الجامع الصغير» لفخر الإسلام: وعن أبي حنيفة ﵀ في استدبارها روايتان، ومن الناس من لم ير بذلك كله بأسًا، ومنهم من كره ذلك كله، وقال الشافعي ﵀: إنما يكره في القضاء، وأما في الأكنة فلا (١)، وقد صح في حديث سلمان ﵁ (٢): «نهى عن استقبال القبلة بالفرج لغائط أو بول» (٣)، وقد جاء في الحديث: أن من تحول عن القبلة بفرجه غفر له (٤). وفي حديث ابن عمر، وأبي هريرة: أن النبي ﵇ قال: «لا تستقبلوا القبلة لغائط أو بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا» (٥) وهذا بالمدينة؛ لأن من شرق بها أو غرب لم يكن مستقبل القبلة (٦) ولا مستدبرا (٧). وذكر أخوه صدر الإسلام ﵀: أما الاستدبار فلا بأس به وبعضهم قالوا: إذا كان ذيله ساقطًا على الأرض فلا بأس بالاستدبار، وأما إذا كان رافعًا ذيله قالوا: ينبغي أن يكون مكروهًا؛ لأن عورته تكون إلى القبلة، وأما نهي النبي ﵇ عن استدبارها مطلقًا عند الخلاء، كأنه قال ذلك في حق أهل المدينة؛ لأنهم إذا استدبروا صاروا متوجّهين (٨) إلى بيت المقدس فكره الاستدبار تعظيمًا لبيت المقدس أو أراد به أن يكون رافعًا ذيله (٩).

стр. 807

قوله: لأن سطح المسجد له حكم المسجد؛ لأن حكم المسجد ثابت في الأرض والسقف والهواء جميعًا حتى يصح الاقتداء بمن (١) تحته أي: إذا كان خلفه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء الوقوف عليه؛ ولهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار فقام على سطحها حنث (٢)، فإذا ثبت أن سطح المسجد من المسجد فيكره للجنب أن يدخل المسجد، وأن يكره اكتساب سبب الجنابة في المسجد أولى، ولأن تطهيره من النجاسات واجب، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (٣)، وقال عليه/ السلام: «إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلدة من النار» (٤)، فإذا كان التنخم مكروهًا في المسجد، فالبول أولى؛ لأنه لم يأخذ حكم المسجد لعدم الخلوص حتى يباع ويورث، وإن ندبنا إليه، فإنه يستحب لكل إنسان أن يعدّ في بيته للصلاة مكانًا يصلي فيه النوافل والسنن، قال تعالى في قصة موسى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (٥)، وقال ﵇: «لا تتخذوا بيوتكم قبورًا» (٦)، وهو عبارة عن ترك الصلاة في البيت (٧). وذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير»: ولم يذكر كراهة البول، والمجامعة، والخلاء في المواضع (٨) المتخذة للصلاة على الجنازة، وقد قال بعض أصحابنا: إن ذلك يكره فيها كما في المساجد التي على القوارع وعند (٩) الحياض، والأصح: أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد، فإنه لا بأس بإدخال البيت فيه مع أنا أمرنا بتجنيب المساجد الموتى، وما كان هذا إلا نظير الموضع المعدّ لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله، وأما المسجد الجامع فهو أعظم المساجد حرمة، والمساجد المبنية على القوارع لها حكم المسجد إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز؛ لأنه ليس لها إمام ومؤذن معلوم، وذكر صدر الشهيد في الفتاوى: والمختار للفتوى في المسجد الذي اتخذ لصلاة الجنازة والعيد أنه مسجد في حق جواز الاقتداء، وإن انفصل الصفوف رفقًا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد، كذا ذكره الإمام المحبوبي (١٠). وفي «التفاريق»: لا تعتكف المرأة في بيتها في غير مسجد، ومعناه الموضع المعد للصلاة؛ لأنه يشبه المنع من الصلاة، وهو حرام قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١١)، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «يا معشر بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار» (١٢).

стр. 808

فإذا كنا (١) لا يمنع من الدخول في المسجد الحرام، ففي سائر المساجد أولى، وكان المتقدمون يكرهون شد (٢) المصاحف، واتخاذ المشدة (٣) لها؛ لكيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثله أو فوقه؛ لأن المصحف ملك لصاحبه، والمسجد ليس بملك لأحد، ولكن قالوا: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد، ولا تفتح إلا في أوقات الصلاة، والتدبير في ذلك إلى أهلها؛ لأن الغلبة لأهل الفساد ويخاف منهم على متاع المسجد، وعلى منازل الجيران بالليل، وجاز أن يختلف الحكم باختلاف أحوال الناس ألا ترى أن النساء كن يحضرن الجماعات، ثم منعن من ذلك، فكان المنع صوابًا، فكذلك إغلاق باب المسجد في زماننا والتدبير فيه إلى أهل المحلة، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليًا بغير أمر القاضي يكون متوليًا، وقيل: إذا تقارب الوقتان كالعصر والمغرب والعشاء لا تغلق، وبعد العشاء إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الشمس إلى الزوال تغلق. كذا ذكره الإمام السرخسي، وقاضي خان، والمحبوبي، والتمرتاشي ﵏ (٤). ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجصّ والساج، وإنما ذكر هذه المسألة بهذه العبارة لما أن الناس مختلفون فيها، فإن من الناس من استحسن ذلك، ومنهم من كرهه (٥). وقال شمس الأئمة ﵀: في قوله: لا بأس إشارة إلى أنه لا يؤخذ بذلك، ويكفيه أن ينجو رأسًا برأس، وهذا لأن النبي ﵇ لما قيل له: ألا نهدُّ مسجدك ثم نبنيه؟ قال: «لا عرش كعرش موسى»، أو قال: «عرش كعرش موسى» (٦)، وكان سقف مسجده من الجريد، وكان نكفّ إذا مطر حتى قال أبو سعيد الخدري رض: رأيته سجد في ماء وطين (٧)؛ لأن النبي ﵇ عدّ ذلك من أشراط الساعة قال: «تزخرف المساجد، ويطول المنارات» (٨)، وعلي ﵁ قال حين مر بمسجد مزخرف: لمن هذه البيعة (٩)، وإنما قال –أي: علي- لكراهة هذا الصنيع في المساجد. ولما بعث الوليد بن عبد الملك (١٠) أربعين ألف دينار ليزين بها مسجد رسول الله ﵇، فمر بها على عمر بن عبد العزيز (١١) فقال: المساكين أحوج إلى هذا المال من الأساطين (١٢)، وعندنا لا بأس بذلك لما روي أن داود ﵇ بنى مسجد بيت المقدس، ثم أتمه سليمان صلوات الله عليهما بعده فزينه حتى نصب الكبريت الأحمر على رأس القبة، وكان ذلك أعز ما يؤخذ في ذلك الوقت، فكان يضيء من ميل وكن الغزالات يغزلن بضوئها في الليالي (١٣). (١٤).

стр. 809

وفي «الجامع الصغير» للمحبوبي/ حتى (١) كانت الغزالات يغزلن من ضوئها بالليالي من مسافة اثني عشر ميلًا، والعباس أول من زيّن المسجد الحرام بعد الإسلام (٢)، وعمر ﵁ زاد في مسجد رسول الله ﵇ وزينه في خلافته (٣)، ولأن في التزيين ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة، وذلك حسن، وفي الحديث الذي رووا زيادة، فإنه قال ﵇: «وقلوبهم خاوية من الإيمان» (٤)، وإنما كره ذلك لهذا. وذكر الإمام قاضي خان ﵀: والله تعالى حثنا على عمارة المسجد يعني بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥)، والكعبة مزخرفة بماء الذهب والفضة مستورة بألوان الديباج والحرير، وقال أصحابنا: إن فعل ذلك من مال نفسه جاز، والصرف إلى المساكين أفضل، أما الجواز فلحديث داود ﵇، ولتزيين الكعبة إلا أنه لا ينبغي أن يتكلف بدقائق النقش في المحراب، فإن ذلك مكروه؛ لأنه يشغل قلب المصلي، والمراد من الحديث تزيين المساجد وترك الصلاة وتضيعها، والصرف إلى المساكين أفضل لرواية عمر بن عبد العزيز ﵀ (٦). قوله ﵀: (٧) أما المتولي بفعل مال الوقف ويقال: يفعل. جواب المسألة يعني: يجب أن يفعل من مال (٨) الوقف ما يرجع إلى أحكام البناء مثل التجصيص (٩)، وذكر الإمام التمرتاشي قيل: يضمن في التجصيص أيضًا، وكان الزرنجري يقول: هذا في زمانهم أما في زماننا لو صرف ما يفضل من العمارة إلى التنقيش (١٠) يجوز؛ لأن الظلمة يأخذون ذلك، وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران لما يخاف من سقوط الكتابة، وأن يوطأ، وفي جمع النسفي ﵀ مصلى أو بساط فيه أسماء الله تعالى يكره بسطه، واستعماله في شيء، وكذا لو كان عليه الملك لا غير أو الألف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن عن استعمال الغير فالواجب أن يضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شيء، وكذا يكره كتبة الرقاع وإلصاقها بالأبواب لما فيه من الإهانة، والله أعلم (١١).

стр. 810

باب الوتر لما فرغ من بيان الصلوات المفروضات (١)، وما يتعلق بها من بيان أوقاتها، وكيفية أدائها، والأداء الكامل والقاصر فيها شرع في بيان صلاة هي دون الفرائض وفوق النوافل، وهي صلاة الوتر، ودلالة أنها قصدت هذه المناسبة إيراد النوافل بعدها ليكون ذكر الواجب بين الفرض والنفل كما هو حقّه (٢). قوله ﵀: الوتر واجب عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: هو سنة، وليس في الوتر رواية منصوصة عليها في الظاهر أنها فرض أم واجب أم سنة. روى حماد بن زيد (٣) عن أبي حنيفة أنها فريضة، وبه أخذ زفر، وروى يوسف بن خالد السمتي (٤) عنه أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن أبي مريم (٥) عنه أنها سنة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏ (٦) (٧).
следующие страницы →