← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وفي «الجامع الصغير» لفخر الإسلام: وعن أبي حنيفة ﵀ في استدبارها روايتان، ومن الناس من لم ير بذلك كله بأسًا، ومنهم من كره ذلك كله، وقال الشافعي ﵀: إنما يكره في القضاء، وأما في الأكنة فلا (١)، وقد صح في حديث سلمان ﵁ (٢): «نهى عن استقبال القبلة بالفرج لغائط أو بول» (٣)، وقد جاء في الحديث: أن من تحول عن القبلة بفرجه غفر له (٤). وفي حديث ابن عمر، وأبي هريرة: أن النبي ﵇ قال: «لا تستقبلوا القبلة لغائط أو بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا» (٥) وهذا بالمدينة؛ لأن من شرق بها أو غرب لم يكن مستقبل القبلة (٦) ولا مستدبرا (٧). وذكر أخوه صدر الإسلام ﵀: أما الاستدبار فلا بأس به وبعضهم قالوا: إذا كان ذيله ساقطًا على الأرض فلا بأس بالاستدبار، وأما إذا كان رافعًا ذيله قالوا: ينبغي أن يكون مكروهًا؛ لأن عورته تكون إلى القبلة، وأما نهي النبي ﵇ عن استدبارها مطلقًا عند الخلاء، كأنه قال ذلك في حق أهل المدينة؛ لأنهم إذا استدبروا صاروا متوجّهين (٨) إلى بيت المقدس فكره الاستدبار تعظيمًا لبيت المقدس أو أراد به أن يكون رافعًا ذيله (٩).

стр. 807

قوله: لأن سطح المسجد له حكم المسجد؛ لأن حكم المسجد ثابت في الأرض والسقف والهواء جميعًا حتى يصح الاقتداء بمن (١) تحته أي: إذا كان خلفه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء الوقوف عليه؛ ولهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار فقام على سطحها حنث (٢)، فإذا ثبت أن سطح المسجد من المسجد فيكره للجنب أن يدخل المسجد، وأن يكره اكتساب سبب الجنابة في المسجد أولى، ولأن تطهيره من النجاسات واجب، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (٣)، وقال عليه/ السلام: «إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلدة من النار» (٤)، فإذا كان التنخم مكروهًا في المسجد، فالبول أولى؛ لأنه لم يأخذ حكم المسجد لعدم الخلوص حتى يباع ويورث، وإن ندبنا إليه، فإنه يستحب لكل إنسان أن يعدّ في بيته للصلاة مكانًا يصلي فيه النوافل والسنن، قال تعالى في قصة موسى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (٥)، وقال ﵇: «لا تتخذوا بيوتكم قبورًا» (٦)، وهو عبارة عن ترك الصلاة في البيت (٧). وذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير»: ولم يذكر كراهة البول، والمجامعة، والخلاء في المواضع (٨) المتخذة للصلاة على الجنازة، وقد قال بعض أصحابنا: إن ذلك يكره فيها كما في المساجد التي على القوارع وعند (٩) الحياض، والأصح: أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد، فإنه لا بأس بإدخال البيت فيه مع أنا أمرنا بتجنيب المساجد الموتى، وما كان هذا إلا نظير الموضع المعدّ لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله، وأما المسجد الجامع فهو أعظم المساجد حرمة، والمساجد المبنية على القوارع لها حكم المسجد إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز؛ لأنه ليس لها إمام ومؤذن معلوم، وذكر صدر الشهيد في الفتاوى: والمختار للفتوى في المسجد الذي اتخذ لصلاة الجنازة والعيد أنه مسجد في حق جواز الاقتداء، وإن انفصل الصفوف رفقًا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد، كذا ذكره الإمام المحبوبي (١٠). وفي «التفاريق»: لا تعتكف المرأة في بيتها في غير مسجد، ومعناه الموضع المعد للصلاة؛ لأنه يشبه المنع من الصلاة، وهو حرام قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١١)، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «يا معشر بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار» (١٢).

стр. 808

فإذا كنا (١) لا يمنع من الدخول في المسجد الحرام، ففي سائر المساجد أولى، وكان المتقدمون يكرهون شد (٢) المصاحف، واتخاذ المشدة (٣) لها؛ لكيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثله أو فوقه؛ لأن المصحف ملك لصاحبه، والمسجد ليس بملك لأحد، ولكن قالوا: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد، ولا تفتح إلا في أوقات الصلاة، والتدبير في ذلك إلى أهلها؛ لأن الغلبة لأهل الفساد ويخاف منهم على متاع المسجد، وعلى منازل الجيران بالليل، وجاز أن يختلف الحكم باختلاف أحوال الناس ألا ترى أن النساء كن يحضرن الجماعات، ثم منعن من ذلك، فكان المنع صوابًا، فكذلك إغلاق باب المسجد في زماننا والتدبير فيه إلى أهل المحلة، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليًا بغير أمر القاضي يكون متوليًا، وقيل: إذا تقارب الوقتان كالعصر والمغرب والعشاء لا تغلق، وبعد العشاء إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الشمس إلى الزوال تغلق. كذا ذكره الإمام السرخسي، وقاضي خان، والمحبوبي، والتمرتاشي ﵏ (٤). ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجصّ والساج، وإنما ذكر هذه المسألة بهذه العبارة لما أن الناس مختلفون فيها، فإن من الناس من استحسن ذلك، ومنهم من كرهه (٥). وقال شمس الأئمة ﵀: في قوله: لا بأس إشارة إلى أنه لا يؤخذ بذلك، ويكفيه أن ينجو رأسًا برأس، وهذا لأن النبي ﵇ لما قيل له: ألا نهدُّ مسجدك ثم نبنيه؟ قال: «لا عرش كعرش موسى»، أو قال: «عرش كعرش موسى» (٦)، وكان سقف مسجده من الجريد، وكان نكفّ إذا مطر حتى قال أبو سعيد الخدري رض: رأيته سجد في ماء وطين (٧)؛ لأن النبي ﵇ عدّ ذلك من أشراط الساعة قال: «تزخرف المساجد، ويطول المنارات» (٨)، وعلي ﵁ قال حين مر بمسجد مزخرف: لمن هذه البيعة (٩)، وإنما قال –أي: علي- لكراهة هذا الصنيع في المساجد. ولما بعث الوليد بن عبد الملك (١٠) أربعين ألف دينار ليزين بها مسجد رسول الله ﵇، فمر بها على عمر بن عبد العزيز (١١) فقال: المساكين أحوج إلى هذا المال من الأساطين (١٢)، وعندنا لا بأس بذلك لما روي أن داود ﵇ بنى مسجد بيت المقدس، ثم أتمه سليمان صلوات الله عليهما بعده فزينه حتى نصب الكبريت الأحمر على رأس القبة، وكان ذلك أعز ما يؤخذ في ذلك الوقت، فكان يضيء من ميل وكن الغزالات يغزلن بضوئها في الليالي (١٣). (١٤).

стр. 809

وفي «الجامع الصغير» للمحبوبي/ حتى (١) كانت الغزالات يغزلن من ضوئها بالليالي من مسافة اثني عشر ميلًا، والعباس أول من زيّن المسجد الحرام بعد الإسلام (٢)، وعمر ﵁ زاد في مسجد رسول الله ﵇ وزينه في خلافته (٣)، ولأن في التزيين ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة، وذلك حسن، وفي الحديث الذي رووا زيادة، فإنه قال ﵇: «وقلوبهم خاوية من الإيمان» (٤)، وإنما كره ذلك لهذا. وذكر الإمام قاضي خان ﵀: والله تعالى حثنا على عمارة المسجد يعني بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥)، والكعبة مزخرفة بماء الذهب والفضة مستورة بألوان الديباج والحرير، وقال أصحابنا: إن فعل ذلك من مال نفسه جاز، والصرف إلى المساكين أفضل، أما الجواز فلحديث داود ﵇، ولتزيين الكعبة إلا أنه لا ينبغي أن يتكلف بدقائق النقش في المحراب، فإن ذلك مكروه؛ لأنه يشغل قلب المصلي، والمراد من الحديث تزيين المساجد وترك الصلاة وتضيعها، والصرف إلى المساكين أفضل لرواية عمر بن عبد العزيز ﵀ (٦). قوله ﵀: (٧) أما المتولي بفعل مال الوقف ويقال: يفعل. جواب المسألة يعني: يجب أن يفعل من مال (٨) الوقف ما يرجع إلى أحكام البناء مثل التجصيص (٩)، وذكر الإمام التمرتاشي قيل: يضمن في التجصيص أيضًا، وكان الزرنجري يقول: هذا في زمانهم أما في زماننا لو صرف ما يفضل من العمارة إلى التنقيش (١٠) يجوز؛ لأن الظلمة يأخذون ذلك، وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران لما يخاف من سقوط الكتابة، وأن يوطأ، وفي جمع النسفي ﵀ مصلى أو بساط فيه أسماء الله تعالى يكره بسطه، واستعماله في شيء، وكذا لو كان عليه الملك لا غير أو الألف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن عن استعمال الغير فالواجب أن يضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شيء، وكذا يكره كتبة الرقاع وإلصاقها بالأبواب لما فيه من الإهانة، والله أعلم (١١).

стр. 810

باب الوتر لما فرغ من بيان الصلوات المفروضات (١)، وما يتعلق بها من بيان أوقاتها، وكيفية أدائها، والأداء الكامل والقاصر فيها شرع في بيان صلاة هي دون الفرائض وفوق النوافل، وهي صلاة الوتر، ودلالة أنها قصدت هذه المناسبة إيراد النوافل بعدها ليكون ذكر الواجب بين الفرض والنفل كما هو حقّه (٢). قوله ﵀: الوتر واجب عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: هو سنة، وليس في الوتر رواية منصوصة عليها في الظاهر أنها فرض أم واجب أم سنة. روى حماد بن زيد (٣) عن أبي حنيفة أنها فريضة، وبه أخذ زفر، وروى يوسف بن خالد السمتي (٤) عنه أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن أبي مريم (٥) عنه أنها سنة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏ (٦) (٧).

стр. 811

قال أبو بكر الأعمش (١): اتفقوا مع اختلافهم فيها أنها دون درجة من الفريضة حتى لا يكفر جاحده، وليس لها أذان ولا إقامة، ويجب القراءة في الركعة الثالثة، وأعلى درجة من السنة حتى يجب القضاء بتركها ناسيًا أو عامدًا، وإن طالت المدة، ولا تؤدى على الراحلة من غير عذر، ولا تجوز بدون نية الوتر بخلاف التطوع وسائر السنن، ولو كانت سنة لكفتها نية الصلاة كما في سائر السنن (٢). كذا في «شرح الطحاوي»، و «تحفة الفقهاء» (٣). وحجتهما حديث الأعرابي أن النبي ﵇ علمه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليّ غيرهن؟ فقال: «لا إلا أن تتطوع» (٤). وروي أن رجلًا من الأنصار يقال له: أبو محمد قال: الوتر فريضة، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت رض، فقال: كذب أبو محمد سمعت رسول الله ﵇ يقول: «فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات» (٥). وفي القرآن إشارة إلى ما قلنا، فإن الله تعالى قال: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾. وإن (٦) تحقق الوسطى إلا إذا كان عدد الواجبات خمسًا، وأبو حنيفة استدل بحديث أبي بصرة الغفاري ﵁ أن النبي ﵇ قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر … » (٧)، فبهذا يتبين أن وجوب الوتر كان بعد سائر المكتوبات؛ لأنه قال:/ «زادكم»، وأضاف إلى الله تعالى لا إلى نفسه، والسنن تضاف إلى رسول الله ﵇، وكذلك الزيادة إنما تتحقق في الواجبات؛ لأنها محصورة بعدد في النوافل، فإنه (٨) لا نهاية لها (٩). وقال شيخ الإسلام ﵀: فالاستدلال بالحديث من ثلاثة أوجه، أحدها: بالزيادة فإنها إنما يتحقق على الشيء إذا كان من جنس المزيد عليه لا يقال: زاد في ثمنه إذا وهب هبة مبتدأة، ولا يقال: زاد على الهبة إذا باع، والمزيد عليه واجب، فكذا الزيادة.

стр. 812

والثاني: أنه قال: ألا وهي الوتر على سبيل التعريف، فكان في هذا دليل على أنه كان معلومًا عندهم، وزيادة التعريف زيادة وصف لا أصل، وهو الوجوب. والثالث: أنه أمر بأدائها، والأمر على الوجوب (١). والمعنى في المسألة: أن الوتر صلاة مؤقتة مقضية (٢)، فيكون واجبًا قياسًا على المغرب، وإنما قلنا: إنها مؤقتة؛ لأن أفضل الوقت للوتر وقت السحر، ويكره أداء العشاء فيه أشد الكراهة، ولو كان الوتر تبعًا للعشاء سنة له كركعتي العشاء كان وقته المستحب وقت العشاء، وإنما قلنا: مقضية (٣) فإنه لا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في أنها تقضى بعد ذهاب الوقت، ولأن عمر ﵁ لما أمر بصلاة التراويح روى تقدير أعداد ركعاتها بأعداد الفرائض، ولن تبلغ عشرين عددًا إلا بالوتر غير (٤) وجوب الوتر ثبت بدليل موجب للعمل غير موجب علم اليقين، فلهذا ينحط رتبته عن سائر المكتوبات، فلا يسمى فرضًا مطلقًا. وأما الفرض المطلق فالصلوات الخمس كما ذكرنا، ولأن ابتداء النوافل يكره بثلاث، وابتداء النوافل مبني على حد التطوعات المشروعة مؤقتة، ولو كان الثلاث مشروعة تطوعًا لما كره ابتداء النوافل كالركعتين والأربع. وحكي عن الحسن البصري ﵀: على أن الوتر حق واجب، وكذا حكى الطحاوي: في وجوبه إجماع السلف فإنهما كانا إمامين، كذا في «المبسوط»، و «الأسرار» الوتر ثلاث ركعات (٥). وفي «تحفة الفقهاء» (٦): وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أوتر بركعة أو بثلاث أو بخمس (٧) أو بتسع أو بإحدى عشرة ركعة، ولا يزيد (٨) على هذا، وقال الزهري (٩): في شهر رمضان ثلاث ركعات، وفي غيره ركعة.

стр. 813

وفي «المبسوط» (١): وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدة (٢)؛ لقوله ﵇: «إن الله تعالى وتر يحب الوتر» (٣)، ولنا حديث عائشة ﵂ في صفة قيام النبي ﵇، ثم (٤) يوتر بثلاث (٥)، وبعث ابن مسعود أمة لتراقب وتر رسول الله ﵇، فذكرت أنه أوتر بثلاث ركعات: قرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٦)، وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٧)، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٨)، وقنت قبل الركوع (٩). وهكذا ذكر ابن عباس ﵁ حين بات عند خالته ميمونة ﵂ ليراقب وتر رسول الله ﵇ (١٠)، ولما رأى عمر ﵁ سعدًا يوتر بركعة، فقال: ما هذه البتيراء لتشفعنها أو لأؤذينك؟ (١١) وإنما قال ذلك؛ لأن الأثر اشتهر أن النبي صلى ﵇ نهى عن البتيراء، ولأنه لو جاز الاكتفاء بركعة في شيء من الصلوات لدخل الفجر قصر بسبب السفر، ولا حجة له فيما روي؛ لأن الله تعالى وتر لا من حيث العدد (١٢). ويقنت في جميع السنة خلافًا للشافعي فإنه يقول: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان (١٣) لما روي أن عمر رضي لما أمر أُبي بن كعب ﵁ بالإمامة في ليالي رمضان أمره بالقنوت (١٤) في النصف الأخير منه (١٥)، وتأويله عندنا أن المراد بالقنوت طول القراءة؛ لا القنوت في الوتر؛ ولقوله ﵇ متصل بقوله: ويقنت في جميع السنة (١٦). والمعنى فيه: أنه ذكر زائد اختص بنوع من الصلوات، فيؤتى بهما في جميع الأحوال قياسًا على تكبيرات (١٧) العيد، ويقرأ في كل ركعة من الوتر هذا بالإجماع (١٨)، أما عندهم، فلأنه نفل وفي النفل يجب القراءة في الكل، وكذا على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن الوتر عنده واجب، والواجب يحتمل أنه نفل، لكن يترجح جهة الفرضية بدليل فيه شبهة، فكان الاحتياط فيه هو وجوب القراءة في الكل، ولكن لا ينبغي أن يقرأ سورة معينة على الدوام؛ لأن الفرض هو مطلق القراءة بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١٩)، والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس واجبًا، وانه لا يجوز.

стр. 814

لكن لو قرأ بما ورد به الآثار أحيانًا يكون حسنًا، ولكن لا يواظب لما ذكرنا كذا في تحفة الفقهاء؛ لأن/ الحالة قد اختلفت، أي: من حقيقة القراءة إلى شبهة القراءة والتكبيرات شرعت عند اختلاف الحالات كالقيام والركوع والسجود، فإن قلت: التكبير لما شرع في الصلاة عند اختلاف الحالات من حيث الأفعال كالخفض والرفع لا من حيث الأقوال، وهو القياس بخلاف صلاة العيد؛ لأن تلك مخصوصة بها بالأثر حتى أنه لا يكبّر عند الانتقال من دعاء الاستفتاح إلى قراءة القرآن، وإن (١) اختلفت الحالات من الثناء إلى حقيقة القرآن (٢). قلت: شرع رفع اليد في هذه الحالة بالحديث الذي ذكر، وهو قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» (٣)، وذكر منها القنوت، ورفع اليد لم يشرع في الصلاة بدون التكبير كما في تكبيرة الافتتاح، وتكبيرات العيدين، والمعنى فيه أن في التكبير مع رع اليد اعلماً لجنس المعذورين من الأصم والأعمى لما ذكرنا في بيان تكبيرة الافتتاح وذلك موجود (٤) هاهنا لما أن الاستمتاع والإنصات واجب عند القراءة، وليس بواجب حالة الدعاء، فإن المقتدي يدعو أيضًا كما يدعو الإمام، ولا يحصل ذلك إلا بالتكبير لإعلام الأعمى كما شرع لإعلام الأصم برفع اليد بالحديث بخلاف دعاء الاستفتاح، فإن قدرة معلوم لقلته، فلا يحتاج إلى زيادة الإعلام، وأما القراءة فقد تطول وتقصر، فكان محتاجًا إلى زيادة الإعلام كما في الخفض، والرفع، فافترقا (٥). قوله: لقوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» (٦). وقد ذكرنا بيان المواضع السبعة في باب صفة الصلاة، فإن قلت: هذا الحديث يقتضي انحصار جواز رفع الأيدي في هذه المواضع السبعة؛ لأنه ذكر حرمة الرفع عامًا، ثم استثنى منه المواضع السبعة، فيبقى ما وراءها تحت عموم الحرمة ضرورة حتى أن أصحابنا استدلوا بهذا على حرمة رفع اليدين عند الركوع على ما ذكر في الكتاب في باب صفة الصلاة؛ لكونه مما وراء السبعة، ثم عمل الأمة على خلاف هذا فإنهم يرفعون أيديهم في مواضع الأدعية كلها، وإن لم يكن هي من تلك المواضع السبعة فما وجهه (٧).

стр. 815

قلت: كنت على هذا زمانا في طلب الرواية التي تشهد على صحة عمل الأمة، فوجدت رواية في المستخلص للسيد الإمام أبو القاسم السمرقندي ﵀ (١)، فقال: آداب الدعاء عشرة إلى أن قال: الثالث أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه قال النبي ﵇: «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يده إليه أن يردها (٢) صفرًا» (٣)، (٤). وكذلك ذكر ركن الإسلام ﵀ محمد بن أبي بكر (٥) المفتي في شرعة الإسلام في فصل سنن الدعاء بعدما ذكر شرائط جمة، فقال: ويبدأ بالدعاء لنفسه، ويرفع يديه إلى المنكبين، ويجعل باطن كفيه بما يلي وجهه، ولكن لم يثلج به صدري، ولم يهدأ، أي: لم يكن ما يخالج في بحري لما أنهما ليسا من كتب الفقه إلى أن وجدت الرواية في كتاب معتمد في الباب بحيث يسكن به تحالج الصدور، والألباب (٦)، وهو «المبسوط» (٧) و «المحيط» (٨)، فقد ذكر فيهما في باب الاستسقاء: وعن أبي يوسف ﵀ قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعه؛ لأن رفع اليد عند الدعاء سنة هذا لفظهما.

стр. 816

[رفع اليدين في الدعاء] والاستسقاء ليس من تلك المواضع السبعة، عُلم أن رفع الأيدي في غير تلك المواضع جائز، ثم وجه ما ذكر في الحديث على وجه الانحصار، أي: لا يرفع الأيدي على وجه السنن الأصلية التي هي سنة الهدي إلا في هذه المواضع، وأما في سائر المواضع إنما يرفع (١) في الدعاء على أنه من الآداب والاستحباب والاتباع بالآثار لا على سنة الهدي، وأما وجه الاستدلال على حرمة رفع اليد عند الركوع لما أنه لما لم يكن ذلك من المواضع السبعة كان رفع اليد من الزوائد، والصلاة مظنة لنفي ما هو من الزوائد؛ لأن بناءها على السكينة والوقار خصوصًا ما إذا دل الدليل على حرمة الرفع هناك على ما ذكرناه مشبعًا في باب صفة الصلاة (٢). وفي «المبسوط» (٣): وعن محمد ابن الحنفية ﵀ (٤) قال: الدعاة أربعة: دعاء رغبة، ودعاء رهبة، ودعاء تضرع، ودعاء خفية. ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء. وفي دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشيء. وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة. وفي دعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه؛ وعلى هذا قال أبو يوسف في «الإملاء»:/ يستقبل بباطن كفيه القبلة عند افتتاح الصلاة، واستلام الحجر، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيد، ويستقبل بباطن كفيه السماء عند رفع الأيدي على الصفا والمروة بعرفات وبجمع وعند الجمرتين؛ لأنه يدعوا في هذه المواقف بدعاء الرغبة (٥). ولا يقنت في صلاة غيرها خلافًا للشافعي في الفجر. وقال الشافعي ﵀: يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية بعد الركوع (٦)، واستدل بحديث أنس كان النبي ﵇ يقنت في صلاة الفجر إلى أن فارق الدنيا (٧)، ولنا حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﵇ قنت في صلاة الفجر شهرًا يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه (٨).

стр. 817

[القنوت في الصلاة] وهكذا عن أنس قال:/ قنت رسول الله ﵇ في صلاة الفجر شهرًا، أو قال: أربعين يومًا يدعو على رعل وذكوان وعصية حين قتلوا القرّاء، وهم سبعون رجلًا أو ثمانون (١) إلى آخره على ما ذكرنا قبل (٢)، (٣). وفي «المبسوط» (٤): فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) ترك ذلك، وقال أبو عثمان النهدي ﵀ (٦): صليت خلف أبي بكر ﵁ سنتين، وخلف عمر ﵁ كذلك فلم أرى واحدًا منهما يقنت في صلاة الفجر (٧)، فهم رووا القنوت ورووا تركه كذلك ففعله المتأخر ينسخ المتقدم، وقد صح أنه ﵇ كان يقنت في صلاة المغرب كما في صلاة الفجر، ثم انتسخ أحدهما بالاتفاق، فكذلك الآخر، وكان يقال: مقدار القيام في القنوت مقدار ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٨)، وليس فيها دعاء مؤقت، أي: معين يريد به سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك" (٩). والصحابة اتفقوا على هذا في القنوت والأولى أن يأتي بعده بما علم رسول الله ﵇ الحسين (١٠) بن علي ﵁ في قنوته: «اللهم اهدني فيما هديت» (١١) إلى آخره.

стр. 818

والقراءة أهم من القنوت، فإذا لم يؤقت في القراءة بشيء في الصلوات، ففي دعاء القنوت أولى، وقد روي عن محمد ﵀: التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب ومشايخنا قالوا: مراده في أدعية المناسك، فأما في الصلاة إذا لم يؤقته فربما يجري على لسانه ما يفسد صلاته. كذا في «المبسوط» (١)، و «الجامع الصغير» لفخر الإسلام. وقال أبو يوسف: يتبعه وعلى هذا الخلاف إذا كبّر خمسًا في صلاة الجنازة عند أبي حنيفة ومحمد لا يتابعه في التكبيرة الخامسة لانتساخها، وإذا لم يتابعه قال بعضهم: يسلم قبل الإمام؛ لأن الإمام إذا اشتغل بالبدعة قلا معنى لانتظاره، والأصح: أنه يسكت ويسلم مع الإمام كيلا يصير مخالفًا لإمامه فيما هو مشروع وهو السلام، ثم قيل: يقف قائمًا ليتابعه (٢) فيما يجب متابعته، وهو الصحيح، كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀، وإليه أشار في الكتاب بقوله: والأول أظهر (٣). قوله ﵀: ودلت (٤) المسألة على جواز الاقتداء بالشفعوية. ذكر في ذيل المغرب (٥): ومن الأخطاء الظاهر قولهم: اقتداء حنفي المذهب بشفعوي (٦) المذهب، وإنما الصواب حنفي والشافعي المذهب في النسبة إلى شافعي المولد على حذف ياء النسب من المنسوب إليه، وفي حاشيته بخط الإمام تاج الدين الزرنوخي ﵀ (٧) قال: الغوري (٨) بنو شافع من بني المطلب بن عبد مناف، منهم الإمام الشافعي (٩) الفقيه، ومن قال في النسبة إليه الشفعوي فهو عامي. قلت: على هذا ينبغي أن يقال: على جواز الاقتداء بالشافعي (١٠). قوله: وعلى المتابعة في قراءة القنوت، أي: دلت على جواز المتابعة في قراءة القنوت، ووجهه ما ذكره الإمام قاضي خان، والإمام التمرتاشي فقالا: لأن الخلاف في المتابعة في قنوت الفجر مع أنه اتباع في الخطأ إجماع على المتابعة (١١) في الدعاء المسنون؛ لأن قنوت الوتر هو صواب بيقين.

стр. 819

وقال أبو اليسر ﵀ (١): واختلفوا أيضًا في المسبوق إذا قعد مع الإمام هل يقرأ التشهد والصلوات والدعوات قال: فهذه المسألة تدل على أنه يقرأ ذلك كله، وهو اختيارنا (٢). قلت: ففي كل من حكم هاتين الدلالتين خلاف إما جواز الاقتداء بشافعي المذهب، فقد ذكر أبو اليسر أن اقتداء الحنفي بشافعي المذهب (٣) غير جائز من غير أن يطعن في دينهم (٤) لما روى مكحول النسفي ﵀ في كتاب سماه «كتاب الشعاع»، عن أبي حنيفة: أن من رفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع تفسد صلاته، وجعل ذلك عملا كثيرًا، فصلاتهم فاسدة عندنا، فلا يصح الاقتداء لهذا (٥). وذكر في «الفوائد الظهيرية» بعدما ذكر هذا: ففيه نظر؛ لأن فساد الصلاة عند رفع الرأس من الركوع برفع اليدين لا يمنع (٦) / صحة الاقتداء في الابتداء لجواز صلاة الإمام إذ ذاك، وأما في دلالته على (٧) المتابعة في قراءة القنوت، فقد روي عن محمد ﵀ يقنت الإمام ويسكت المقتدي، كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وقال الإمام قاضي خان: ومن الناس من قال: يقنت الإمام جهرًا ولا يقنت المقتدي، ثم قال: والأصح ما قلنا، وهو: أن المقتدي يقنت كما يقنت مع الإمام (٨). [الوضوء في الماء الراكد] قوله: وَإِذَا عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ،. يعني: أن الاقتداء به (٩) إنما يصح إذا كان الإمام يتجافى مواضع الاختلاف بأن يتوضأ في الخارج النجس من غير السبيلين، وأن يقف إلى القبلة مستويًا، ولا ينحرف انحرافًا فاحشًا، ولا يكون متعصبًا، ولا شاكًا في إيمانه، كذا ذكره الإمام قاضي خان (١٠).

стр. 820

فكان/ ما ذكره بعد ذكر الخارج النجس نظير قوله وغيره، ومن نظائر قوله وغيره أيضًا: أن لا يتوضأ في الماء الراكد (١) القليل، وأن يغسل ثوبه من المني أو (٢) يفرك اليابس منه، ولا أن (٣) يقطع الوتر، وأن يراعي الترتيب في الفوائت، وأن يمسح ربع رأسه (٤). وذكر الإمام التمرتاشي عن شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: أنه إذا لم يعلم منه هذه الأشياء بيقين يجوز الاقتداء به، ويكره، ثم قال: ولو شهد احتجامه ولم يتوضأ وغسل موضع الحجامة، الصحيح: أنه لا يجوز الاقتداء به لمن شاهد ذلك ولو غاب عنه، ثم رآه يصلي الصحيح: أنه يجوز الاقتداء يه، ثم ذكر هاهنا الفساد الراجع إلى زعم المقتدي حيث قال: وإذا علم المقتدي ما يزعم به فساد صلاته، ولم يذكر حكم الفساد الراجع إلى زعم (٥) الإمام (٦). وذكر الإمام التمرتاشي: فإن شاهد أنه مس امرأةً ولم يتوضأ، ثم اقتدى به فإن أكثر مشايخنا قالوا: يجوز، وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز (٧). قلت: وقول الإمام الهندواني: أقيس لما أن زعم الإمام أن صلاته ليست بصلاة، فكان الاقتداء حينئذ بناء الموجود على المعدوم في زعم الإمام، وهو الأصل، فلا يصح الاقتداء، والمختار في القنوت الإخفاء، وذكر شيخ الإسلام، ولم يذكر في الكتاب أنه يجهر بالقنوت أم يخافت به، فلا إشكال في المنفرد أنه يخافت (٨). وأما إذا كان إمامًا فقد اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: بأنه يخافت بها، وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وأبو حفص السفكردري ﵀ (٩)، وقد جرى التوارث بالمخافتة في مسجد أبي حفص الكبير (١٠) وهو من أصحاب محمد ﵀، ولولا أنه علم من محمد أن من (١١) سننه المخافتة لما خافت (١٢)، ولأن القنوت دعاء في الحقيقة، والسبيل فيه المخافتة إلا لعارض أمر، وكان الجهر بالقنوت في بلادنا إنما استحسنوا بخلاف القياس؛ لأن البلاد بلاد عجم، وكانوا لا يعلمون (١٣) ذلك، فاستحسنوا الجهر؛ لكي يتعلموا كما روي عن عمر ﵁ أنه جهر بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ليتعلموا (١٤).

стр. 821

ومنهم من يقول: يجهر (١) بالقنوت؛ لأن له شبهة القرآن، فإن الصحابة اختلفوا في قول: "اللهم إنا نستعينك" أنه من القرآن أم لا؟ (٢) وفي «المبسوط» (٣): والاختيار الإخفاء في دعاء القنوت في حق الإمام والقوم؛ لقوله ﵇: «خير الدعاء الخفي» (٤)، وعن أبي يوسف ﵀: أن الإمام يجهر، والقوم يؤمنون على قياس الدعاء خارج الصلاة. باب النوافل (٥) وهذا الباب مستصحب مناسبة الباب باسمه، فإن النوافل هي الزوائد، والزوائد إنما يكون بعد ثبوت الأصل وشبهته، والأصل هو المكتوبات الخمس، وشبه الأصل الواجب وهو الوتر، فلما ذكرهما شرع في ذكر الزوائد، وهي (٦) السنة والنفل، وكل (٧) من هذه الأربعة، أعني: الفرض، والواجب، والسنة، والنفل من العزيمة، فاقتضت الجنسية وقوة بعضها على البعض إيرادها على هذا الترتيب، فلذلك قدم بيان السنن على النوافل، وأما لقب الباب بالنوافل فلكونها أعم وأشمل، كما لقب بباب (٨) الأوقات التي يكره فيها الصلاة، وبباب البيع الفاسد (٩) (١٠). ثم ابتدأ هاهنا بذكر سنة الفجر، وفي «المبسوط» (١١) بذكر (١٢) سنة الظهر، أما وجه ما ذكر هاهنا فظاهر، وهو أن سنة الفجر أقوى السنن باتفاق الروايات لحديث عائشة ﵂، أن النبي ﵇ قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (١٣)، (١٤). وذكر الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير»: أن سنة الفجر أقوى من سائر السنن حكمًا، حتى روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ قال: لو صلى الرجل سنة الفجر قاعدًا لا يجوز من غير عذر (١٥).

стр. 822

وقد قال مشايخنا ﵏: العالم إذا صار مرجعًا/ في الفتوى يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلى فتواه إلا سنة الفجر، فالابتداء بما هو الأقوى أولى (١). وأما وجه ما ذكر في «المبسوط» (٢) فلأن سنة الظهر تبع لصلاة الظهر، وأول صلاة فرضت على النبي ﵇ صلاة الظهر، فلذلك بدأ محمد بن الحسن ﵀ «الجامع الصغير» في ترتيبه بذكر صلاة الظهر، فذكر ما هو الأولى أولى في التناسب، وإن كان هو أدنى في درجة من غيره كما في تقديم ذكر الطهارة على ذكر الصلاة، وذكر الإمام التمرتاشي: وفي «اللآلئ» ترك الأربع قبل الظهر، أو التي بعده أو ركعتا الفجر لا تلحقه الإساءة؛ لأن محمد أسماه تطوعًا إلا أن يستخف به، ويقول: هذا فعل النبي ﵇، وأنا لا أفعل، حينئذ يكفر (٣). وفي «النوازل»: ترك سنن الصلوات الخمس إن لم يرها حقًّا كفر، وإن رآها وترك قيل: لا يأثم، والصحيح: أنه يأثم لأنه جاء الوعيد بالترك (٤). [ترتيب السنن] ثم ذكر ترتيب السنن، فقال: وذكر الحلواني ﵀: أقوى السنن ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب، فإن النبي ﵇ لم يدعهما في سفر ولا حضر، ثم التي بعد الظهر، فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبلها مختلف فيها، وقيل: وهي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء، وذكر الحسن ﵀، واختلف في أقواها بعد ركعتي الفجر، قيل: التي قبل الظهر، والتي بعدها، والتي بعد المغرب كلها سواء، وقيل: بل التي قبل الظهر آكد، وهو الأصح (٥). وذكر (٦) الحلواني: الأفضل أن يؤدي كله في البيت إلا التراويح؛ لأن في التراويح إجماع الصحابة، ومنهم من قال: يجعل بعض ذلك أحيانًا في البيت. والصحيح: أن كل ذلك سواء، ولا يختص الفضيلة بوجه دون وجه، ولكن الأفضل ما يكون أبعد من الرياء، وأجمع للإخلاص والخشوع (٧). وفي «اللآلئ» (٨): صلى المغرب في المسجد، وخاف أن يرجع إلى منزله يشغل بشيء يصلي في المسجد السنة، وإن لم يخف صلاها في المنزل للحديث: «خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة» (٩). وذكر (١٠) الحلواني ﵀: ولا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد (١١). وفي «شرح الشهيد» ﵀: القيام إلى السنة متصلًا بالفرض مسنون (١٢)، وفي «الشافي»: كان ﵇ إذا سلم كان يمكث قدر ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١٣)، وكذلك عن البقالي (١٤)، ولم يمر بي (١٥) لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة؟ قيل: تسقط، وقيل: لا، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم (١٦).

стр. 823

قوله: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ. يعني: هو مخيّر بين أن يصلي أربعًا، وبين أن يصلي ركعتين، وكذلك فيما بعد العشاء مخير بين الأربع والثنتين، وأما في التي قبل العشاء، فهي أربع لا غير لو أدَّها أتى بها، لكن هو مخير بين الإتيان بتلك الأربع والترك (١)، كذا ذكره الأستاذ ﵀ (٢)، والدليل عليه أيضًا ما (٣) ذكر في «المبسوط» (٤)، وقال: فأما قبل العصر، فإن تطوع بأربع ركعات فهو (٥) حسن، ولم يذكرها من السنن الرواتب، وكذلك لم يذكر فيما قبل العشاء، ولأن حدثت المثابرة وهي المداومة إنما يستقيم على اثني عشر ركعة إذا لم يذكر شيء من السنن فيما قبل العصر، وفيما قبل العشاء. قوله: وفسر –أي: النبي ﵇ على نحو ما ذكر في الكتاب –أي: في المبسوط وفي القدوري (٦) - غير أنه لم يذكر أنه لم يذكر الأربع قبل العصر (٧). أي: أن النبي ﵇ لم يذكر الأربع قبل العصر عند تفسير الحديث، فلهذا سماه في الأصل حسنًا، أي فلأجل هذا المعنى سمى محمد بن الحسن الأربع قبل العصر في «المبسوط» (٨) حسنًا. قلت: تسميته حسنًا ليس بمنحصر في حق الأربع قبل العصر، فإنه كما سمى الأربع قبل العصر حسنًا (٩) في «المبسوط» (١٠)، فكذلك سمى الأربع قبل العشاء حسنًا أيضًا، وخير –أي: محمد بن الحسن، أو أبو الحسن القدوري- بين الأربع والركعتين بقوله: وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين (١١).

стр. 824

قوله: لاختلاف الآثار رأي في بعضها، روي أربع ركعات (١)، وفي بعضها: روي ثنتان (٢)، ولم يقل: لاختلاف الأخبار (٣) لما أن اختلاف الرواية بين الأربع والركعتين إنما جاء من فعل الصحابة لا من النبي ﵇، وعن النخعي قال (٤): كانوا يستحبون قبل العصر ركعتين ولم يكونوا يعدونها من السنة، وهذا نقل من الصحابة (٥)، كذا في «الإيضاح»، ولم يذكر الأربع قبل العشاء، أي: النبي ﵇ لم يذكرها/ عند ذكر تفسير الحديث، وذكر فيه الركعتين بعد العشاء، أي: وذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الذي روينا ركعتين، وفي غيره -أي: وفي غير هذا الحديث- ذكر النبي ﵇ الأربع (٦)، فلهذا خير، أي: فللاختلاف في ألفاظ الحديث بين الأربع، والركعتين خيّر محمد بن الحسن أو القدوري بقوله: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ (٧). وأما لفظ الحديث بالأربع بعد العشاء، وفي غير هذا الحديث ما ذكر في «المبسوط» (٨): وإن صلى أربعًا فهو أفضل لحديث ابن عمر ﵁ (٩) موقوفًا عليه ومرفوعًا: «من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن له (١٠) كمثلهن من ليلة القدر» (١١)، وذكر في «الإيضاح»: وإنما ضعف حكم النفل بعد العشاء؛ لأن سنة النفل بالليل آخره، يعني: تشق فيه القيام، فلم يجعل لذلك من السنن الرواتب، ولأنه لما شرع الوتر بعده، وهو سنة عندهما، وعند أبي حنيفة ﵀ سنة في حق العلم ضعف حكمه لئلا يؤدي إلى الجمع بين سنتين خصوصًا عند أبي حنيفة، فإن من مشايخنا من قال: ما ذكر في الكتاب آية تصلي ركعتين بعد العشاء قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فالأفضل أن يصلي أربعًا، وجعل هذا فرعًا لمسألة أخرى، وهي أن صلاة الليل مثنى مثنى أفضل أم أربع بتسليمة واحدة؟ عند أبي حنيفة ﵀ الأربع أفضل (١٢)، وعندهما مثنى مثنى أفضل، وقال بعضهم: هذا لا يصح؛ لأن اختلافهم في التطوع الذي ليس من السنن، ولكن الصحيح ما قاله الأوّلون؛ لأن محمدًا جعله بمنزلة صلاة الليل، ولم يعده من السنن المؤقتة؛ لأنه قال: إن فعل فحسن. كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (١٣).

стр. 825

قلت: في تكرير شيخ الإسلام لفظ المثنى، وتوحيد الأربع إشارة إلى أن الخلاف في أن يأتي بالأربع بتسليمة أو بتسليمتين؛ لا أن يكون الخلاف بين الأربع والركعتين لا غير؛ لأنه حينئذ يكون الأربع أفضل بالاتفاق، والأربع قبل الظهر بتسليمة واحدة عندنا، ولو أوهما بتحريمتين لم يكن معتدًا من السنة، وعند الشافعي ﵀ يؤديهما بتسليمتين، وهو أفضل، واحتج بما روى أبو هريرة ﵁ (١)، عن النبي ﵇: «أنه كان يصليهن (٢) بتسليمتين» (٣)، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٤)، ولأنه متى صلى مثنى مثنى كان في ذلك زيادة تحريمة وتسليمة، فكان أفضل من الأربع التي ليس فيها زيادة تسليم وتحريمة (٥)، ودلنا ما روي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ (٦) أنه قال: «كان النبي ﵇ يصلي بعد الزوال أربع ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال: هذه ساعة يفتح فيها أبواب السماء وأحب (٧) أن يصعد لي فيها عمل صالح، فقلت: أفي كلهن قراءة؟ فقال: نعم، فقلت: أبتسليمة أم بتسليمتين؟ فقال: بتسليمة واحدة» (٨)، (٩).

стр. 826

ولأن النفل تبع للفرض، والفرض بعد طلوع الشمس أربع، فكذلك النفل ألا ترى أن فرض الفجر لما كان ركعتين كان النفل ركعتين أيضًا، وأما بعد الظهر شرع ركعتين تيسيرًا فقبل ذلك صلى ثمانيًا؛ وذلك لأنه شرع للظهر مكمل على مثال الفرض أربع ركعات قبلها، فكانت الركعتان بعدها زيادة على المكمل، فلذلك اقتصر على الركعتين تيسيرًا، فأما الجمعة فأصلها أربع، وبسبب الخطبة عادت إلى ركعتين، فكان النفل أربعًا على أصل القياس. وأما صلاة العيد فمشبهة بصلاة الجمعة، فجعلت ركعتين، ولأنها تقام بجمع عظيم، فبنى على الأيسر كالتراويح، فإن للجماعة تأثيرا في التخفيف كما في القراءة (١). والجواب عن الحديث الأول معنى قوله: «بتسليمتين» (٢)، أي: بتشهدين، فسمى التشهد تسليمًا لما شرع فيها من السلام كما يسمى تشهدا لما فيها من الشهادة، وقد روي هذا التأويل عن ابن مسعود ﵁، وأما عن الثاني: فالمشهور من صلاة الليل مثنى مثنى، والنهار غريب ولأن ثبت فمعنى قوله: مثنى، أي: شفع لا واحدة حتى لا يصلي البتيراء، وأما زيادة التحريمة، فقلنا: البقاء على التحريمة أفضل من القطع كما في حق الفرض شرع أربعًا، ولأن التحريمة إنما تثبت بقوله: الله أكبر (٣)، وهو يوجد عند قيامه إلى الثالثة (٤) كذا/ في المبسوطين (٥)، و «الأسرار» (٦). وتكره الزيادة على ذلك، أي: على الأربع لأن الإباحة إنما يعرف بالأثر، ولم ير الأثر في نوافل النهار أكثر من الأربع (٧) بتحريمة واحدة. قوله: فأما نافلة الليل … إلى قوله: ويكره الزيادة (٨). وفي «المبسوط» (٩): والأصح أنه لا يكره الزيادة على ثمان ركعات، وقال: روي «أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة» (١٠)، والذي قال: خمس ركعات ركعتان (١١) صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: سبع ركعات: أربع صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: تسع ركعات: ست صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: إحدى عشرة ركعة: ثمان صلاة الليل وثلاث وتر، والذي قال: ثلاث عشرة (١٢) ركعة: ثمان صلاة الليل وثلاث وتر (١٣) وركعتان سنة الفجر، وكان يصلي هذا كله في الابتداء، ثم فضل البعض على البعض، هكذا ذكره حماد بن سلمة (١٤) ولم يذكر كراهة الزيادة على ثماني ركعات بتسليمة، والأصح: أنه لا يكره؛ الزيادة لأن فيه وصلًا بالعبادة، وذلك أفضل، ثم قال: والأربع أحب إليّ. وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وأما عندهما وعند الشافعي: فالأفضل ركعتان. ولكن ذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره ما يوافق رواية الكتاب، فقال: ولما ثبت من فعل النبي ﵇ في صلاة الليل ما بينا ثبت أن الرخصة انتهت إلى الثماني فلا يزيد عليه، وإن زاد على الثماني يكره، لكن يلزمه؛ لأن هذه الكراهة لا يكون أشد من كراهة تكون عند طلوع الشمس وغروبها، وذلك لا يمنع اللزوم بالتحريمة فكذا هذا، وهذا كله عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا يزيد على الأربع، ولو زاده كره له ذلك (١٥)، وقاس نفل الليل على نفل النهار إلا أنه بما قال: ترك الأثر الوارد عن النبي ﵇، وهذا الذي ذكرنا في حق الإباحة، فأما في الأفضل فقال أبو حنيفةرحمه الله: الأفضل أن يصلي أربعًا بتحريمة واحدة، وقالا: الأفضل مثنى مثنى لما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، وفي كل ركعتين فسلم» (١٦)، واستدلًّا بالتراويح أيضًا، ولأبي حنيفة ﵀ ما استدل في الكتاب، وما روي: أن ابن عباس ﵄ (١٧) بات عند خالته ميمونة ﵂ (١٨) يراقب صلاة رسول الله بالليل بعثه أبوه العباس (١٩) لذلك قال: «فلما صلى العشاء رقد رقدة، ثم أنتبه فقام ونظر إلى السماء فقرأ خاتمة سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (٢٠)، ثم عدل إلى شن وتوضأ فصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة، ثم رقد رقدة، ثم أنتبه فقام ونظر إلى السماء، وقرأ خاتمة سورة آل عمران، وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة» (٢١).

стр. 827

ولأنه نفل الليل فيعتبر بنفل النهار، ولأن التطوع شرع مكملًا للفرائض، فشرع على مثال الفرائض، وأكثر الفرائض في اليوم والليلة شرعت أربعًا، فكان الأفضل من النوافل أربع ركعات (١). [صفة صلاة الليل] وأما قوله:/ بين كل ركعتين فسلم -أي: فتشهد-، فتسليمه -أي: فتشهد- أو يقول: كلاهما قد كان من فعل النبي ﵇، ولكن الكلام في الأفضل، والأربع أفضل؛ لأنه أدوم تحريمه، وقد أجيب مما تعلق به الشافعي من الحديث (٢). قلت: وبهذا كله يعرف أنه لا فائدة في تخصيصه أبا حنيفة ﵀ في قوله: فأما نافلة الليل قال أبو حنيفة: إن صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، ويكره الزيادة، أي: على الثماني ففي كلا الحكمين، أعني: الجواز في نافلة الليل إلى الثماني بغير كراهة (٣)، والكراهة فيما وراءها اتفاق في عامة روايات الكتب سوى أن شمس الأئمة السرخسي ﵀ قال: الأصح أنه لا تكره الزيادة على الثماني، وهو أيضًا ليس بمخصوص لقول أبي حنيفة ﵀: ويعرف أيضًا أن المراد من قوله: وقال: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة، أي: لا يزيد عليها من حيث الأفضلية لا من حيث الكراهة، فإن الزيادة عليها ليست بمكروهة بالاتفاق جاء به في الليل على ما ذكرنا، وقال الإمام المحبوبي ﵀: فرق محمد في الكتاب بين صلاة الليل وصلاة النهار في كراهة الزيادة على الأربع باعتبار أن الأثر (٤) في صلاة الليل دون صلاة النهار، وعلينا الاتباع خصوصًا في العبادات، وليس فيه معنى معقول سوى أن بالنهار يحتاج الناس أن يكلموه ويعاملوه، فإذا استكثر من الركعات بتسليمة واحدة ربما يتضرر به من ينتظره، فكره الزيادة على الأربع لهذا المعنى، وفي صلاة الليل لا يتحقق مثله، فكان له أن يتطوع ما شاء بتسليمة واحدة (٥). فصل في القراءة لما فرغ من بيان الصلوات المفروضات والواجبات والنوافل على الترتيب شرع في بيان القراءة التي تختلف وجوبها بحسب اختلاف هذه الصلوات. اعلم أن مسألة القراءة في الفرائض من ذوات الأربع مُخَمَّسَة قال علماؤنا ﵏: القراءة في الشفع الأول منها ركن دون الشفع الثاني، وقال الشافعي: ركن في الأربع (٦)، وقال مالك: ركن في الثلاث، وقال الحسن البصري: ركن في ركعة، وقال أبو بكر الأصم (٧): القراءة ليست بركن في شيء من الصلاة، وإنما هي سنة كسائر الأذكار، فوجه قوله: إن القراءة من الأقوال التي يؤديها في الصلاة، فيكون سنة كسائر الأركان فلان مبني الصلاة على الأفعال دون الأقوال ألا ترى أن العاجز عن الأفعال كلها (٨) والقادر على الأقوال لا يخاطب بالصلاة بخلاف العكس بخلاف التكبيرة الأولى، فإنها لا يؤتى بها في الصلاة، ووجه قول الحسن: أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٩) أمر بفعل القراءة في الصلاة؛ لأنه لا يحب خارج الصلاة، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، ولو خليت، وظاهر الأمر بسائر الأركان (١٠) لقلب بأنه لا يتكرر إلا أن يتكرر أرى فيه يثبت الاجماع فبلقي الباقي على الأصل. قلنا: ناقص بسائر الأذكار لا يصح، فإن سائر الأذكار حين شرع شرع سنة وجبت المخافتة به على كل حال، وهاهنا وجب الجهر بالقراءة في أكثر الصلوات، فلو كانت سنة لكان يخافت بها لما أن مبنى الأركان على الشهرة والإعلان ومبنى التطوعات على الخفية، والكتمان على ما قال ﵀: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١١) (١٢).

стр. 828

وقوله: مبني الصلاة على الأفعال. قلنا: لا بل على الأقوال والأفعال جميعًا؛ لأن الأفعال إنما صارت أركانًا لورود الأمر بها، والأمر كما ورد بالأفعال ورد بقراءة القرآن، ثم إن العاجز عن الأفعال لا يخاطب بالصلاة، وإن قدر على القراءة لا لأن مبناه على الأفعال لا غير، لكن لأنه عجز عن أكثر أركان الصلاة، وقدر على ركن واحد وباعتبار ما عجز عنه يسقط (١) عنه وباعتبار ما قدر عليه لا يسقط، فيرجح جانب العجز للكثرة؛ لأن لها حكم الكل، فصار كأنه عجز عن الكل، وأما إذا عجز عن القراءة لا غير يرجح (٢) جانب القدرة للكثرة، وإذا ترجح صار كالقادر على الكل كالصوم يتأدى بالنية قبل الزوال، وإن فاتت النية في بعض النهار؛ لأنها وجدت في الأكثر، وبعد الزوال لا يتأدى لانعدامها في الأكثر، وأما الجواب عنه قول الحسن فإن الأمر كما قاله إلا أنها تكررت في الثانية، والثانية تكرار للأولى فلا بد من أن يتكرر فيها جميع ما وجد (٣) من الأركان (٤) في الركعة الأولى ألا يرى أنها يتكرر بالصفة التي وجدت في الركعة الأولى ليتحقق التكرار، فلما وجبت مراعاة صفة القراءة في الركعة الثانية؛ لأنها تكرار للأولى، فلأن يجب مراعاة أصل القراءة بالطريق الأولى، وهذا لأن الصفة في الركعة الأولى واجبة إذا كان إمامًا والقراءة في الأولى ركن، فلما وجبت مراعاة الصفة في الثانية ضرورة التكرار؛ لأن يتكرر الأصل ضرورة التكرار أولى (٥). وأما قوله: وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ قلنا: والتكرار في الثانية لم يجب عندنا بالأمر، وإنما وجب لكون الثانية تكرارًا كما في سائر الأركان، وقال الشافعي: القراءة ركن في الأربع (٦)؛ لقوله ﵇: «لا صلاة إلا بالقراءة» (٧)، وكل ركعة صلاة بدليل أنه إذا حلف لا يصلي فصلى ركعة حنث في يمينه، فلا يصح ركعة بغير قراءة عملًا بهذا الظاهر، ولأن القراءة شرعت، وركنًا في الشفع الأول، فيتكرر في الشفع الثاني؛ لأن الشفع الثاني تكرار للأول كالثانية تكرار للأولى اعتبارًا بسائر الأركان إلا أنها لا تجب على صفة الأولى إظهارًا لنقصان القراءة في الركنيه، واحتج أصحابنا بما روي عن علي ﵁، عن النبي ﵇ أنه قال: «القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين» (٨).

стр. 829

أي: ينوب عنهما كما يقال: لسان الوزير لسان الأمير، ولأنها ذكر يخافت بها في الشفع الثاني في كل الأحوال، فيكون سنة كسائر الأركان، وهذا لأن القراءة/ وإن كانت ركنًا فهي ركن ناقص؛ لأنها تتأدَّى باللسان، واللسان عضو باطن عن وجه ظاهر من وجه فلكونه باطنًا ينبغي أن لا يتعلق به الركن كالقلب، ولكونه ظاهرًا يتعلق به كسائر الأعضاء الظاهر، فلذلك كانت القراءة ناقصة في الركنيه بخلاف سائر الأعضاء، فلو قلنا: بأنها تتكرر بالركنيه في الركعات كلها (١) سوينا بين الناقص والكامل، فأظهرنا ذلك في الشفع الثاني؛ لأنه شرع زيادة على أصل الصلاة، فصار أولى لصرف النقصان إليه كما جعل أولى بالإسقاط في حالة السفر، ولأن شرعية المخافتة بها (٢) في كل الأحوال فيه صارت علمًا على كونها سنة اعتبارًا لسائر الأذكار، ولهذا عينت الفاتحة دون غيرها؛ لأن الفاتحة ذكر وثناء، ولذلك قال علماؤنا: إنه ينوي بالقراءة الذكر والثناء ولا ينوي القراءة (٣)، (٤). وأما قوله: لا صلاة إلا بالقراءة. [القراءة في الصلاة] قلنا: المراد منه نفي الفضيلة لا نفي الصلاة بدون القراءة؛ لأن الصلاة توجد بدون القراءة من حيث الحقيقة علمنا أنه يراد به نفي الحكم، والحكم غير مذكور، وغير المذكور لا يجعل مذكورًا إلا لضرورة، والضرورة تنتفي بنفي الأدنى، وهو الفضيلة، ولأنه يشهد لنا؛ لأنه ذكر الصلاة، والصلاة متى ذكرت لا تنصرف إلى ركعة، وإنما ينصرف إلى صلاة كاملة بدليل مسألة اليمين ونحن نقول به (٥). وقوله: بأن الشفع الثاني تكرار للأول. قلنا: لا كذلك بدليل أن الجهر لم يتكرر، ولو كان تكرارًا للأول لكان يتكرر القراءة بالصفة التي وجدت في الشفع الأول ألا ترى أن الركعة الثانية لما كانت تكرارًا للأولى تكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الأولى، وأما إظهار نقصان الركنية في المخافتة مع بقائه ركنًا فغير مستقيم؛ لأن المخافتة جعلت علمًا على السنة، والنافلة لا على نقصان الركنية (٦) في موضع، فهذا كله حاصل ما ذكره شيخ الإسلام ﵀، ومن حجتنا أيضًا أن أصل أركان الصلاة أفعال لما مر، ولهذا سقطت القراءة بالاقتداء إذا خاف فوت الركعة بالإجماع، وكذلك الصلاة كانت مشروعة قبل وجوب القراءة. كذا في الأسرار (٧).

стр. 830

قوله: فأما الأخروان. قال في «ذيل المغرب» (١): هو لحن، وإنما الصواب الأخريين؛ وذلك لأن الألف إذا كانت ثالثة ردت إلى أصلها في التثنية نحو عصوان ورحيان، وإن كانت رابعة فصاعدًا لم يقلب إلا ياء نحو أعشيان وجليان والأوليان. وصفة القراءة أي: يخافت بها في الأخريين على كل حال، وقدرها أي: لا يضم السورة بالفاتحة في الأخريين كمن حلف لا يصلي صلاة حيث (٢) ينصرف إلى الركعتين ولا يحنث بما دونهما (٣) بخلاف ما إذا حلف حيث يحنث بالركعة الواحدة لما أن الصلاة غير مذكورة صريحًا إن شاء سكت، أي: مقدار تسبيحة، وإن شاء قرأ، أي (٤): الفاتحة، لكن قرأها على جهة الثناء لا على جهة القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين من أصحابنا، وإن شاء سبح، أي: ثلاث تسبيحات إلى هذا أشار في «المحيط» (٥)، وتحفة الفقهاء (٦)، وهو المأثور عن علي، وابن مسعود، وعائشة ﵂. ذكر في «المبسوط» (٧): وعن علي وابن مسعود في الأخريين كانا يسبحان (٨)، وسأل رجل عائشة ﵂ عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت: "اقرأ ولكن على جهة الثناء" (٩) إلا أن الأفضل أن يقرأ كأنه أراد بذكر الأفضل أنه لو (١٠) لم يأت بهما من القراءة والتسبيح لا يكون مسيئًا فكان فيه نفي لرواية الحسن، عن أبي حنيفة، فإنه قال: إن لم يقرأ، ولم يسبح كان مسيئًا إن كان متعمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه سجدتا السهو؛ لأن القيام في الأخريين مقصود فيكره إخلاءهما (١١) عن الذكر، والقراءة جميعًا، والأول أصح، وهو أن تركهما لا يوجب الكراهة؛ لأن الأصل في القيام القراءة، فإذا سقطت القراءة في الأخريين بقي القيام المطلق، فيكون قيامه كقيام المؤتم بخلاف الركوع والسجود؛ لأن القراءة فيهما غير مشروعة، وإنما المشروع فيهما (١٢) الذكر فلا يجوز اختلائهما عن الذكر، كذا في «المحيط» (١٣)؛ لأنه ﵇ داوم على ذلك، وقد ذكرنا غير مرة أن المداومة مطلقًا لا يدل على الوجوب، بل على السنة (١٤) والأفضلية، وإنما يدل على الوجوب إن لو كانت مقرونة بغير ترك (١٥).

стр. 831

قوله: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا. هذا الإيضاح أن قراءة الفاتحة في الأخريين على وجه الأفضلية لا على وجه الوجوب فكان/ نفيًا لما ذكرنا من رواية الحسن، وذكر الإمام الولوالجي ﵀ (١) في تعليل أفضلية قراءة الفاتحة في الأخريين بقوله: ليكون مؤديًا الصلاة الجائزة بيقين (٢)، (٣). قوله ﵀: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا هذا إذا نوى أربع ركعات حتى يحتاج إلى التقييد بالمشهور، فإنا إذا شرع في التطوع بمطلق النية لا يلزمه أكثر من ركعتين بالاتفاق في جميع الروايات، كذا في «المحيط» (٤). وذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره (٥): وإذا افتتح التطوع، ونوى أربع ركعات، ثم تكلم على رأس الركعتين بعدما قعد قدر التشهد، فإنه لا يلزمه شيء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي يوسف الآخر فكان أبو يوسف ﵀ يقول أولًا: بأنه يلزمه أربع ركعات، وهذا هو عين المسألة التي يأتي بعد هذا بخطوط في الكتاب، وهو قوله: ولو أفسد قبل الشروع في الشفع الثاني لا يقضي الأخريين، وعن أبي يوسف: أنه يقضي وكان قوله في المشهور عن أصحابنا احترازًا عن قول أبي يوسف الأول، فوجه قول أبي يوسف أن نية الأربع قارنت (٦) سبب الوجوب، فيلزمه الأربع قياسًا على النذر، فإنه لو نذر (٧)، وقال: لله عليّ صلاة، ونوى الأربع يلزمه الأربع، وإنما قلنا: قارن سبب الوجوب؛ لأنه قارنت الشروع، والشروع سبب ملزم كالنذور، وهما يقولان بأن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب، فبقي مجرد النية (٨)، ومجرد النية لا أثر له في الإيجاب كما لو نوى أن يصلي، ولم يشرع لا يلزمه شيء، وإنما قلنا: بأن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب؛ لأن سبب الوجوب شروع أو نذر ولم يوجد واحد منها في الشفع الثاني، وإنما وجد الشروع في الشفع الأول، والشروع فيه لا يوجب الشفع الثاني كما لو لم ينوِ الأربع، وذلك لأن الشروع إنما يلزم ما يشرع، وما لا بد لصحة ما شرع فيه منه كالركعة الثانية تلزمه، وإن لم يشرع فيها لما بينا، والشفع الثاني لم يوجد فيه مشروع ولا كان سببًا هو لصحة الشفع الأول، فإن الشفع الأول صحيح بدون الثاني حتى إن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول بخلاف قوله: لله عليّ صلاة، ونوى الأربع؛ لأن نية الأربع قارنت سبب الوجوب من حيث اللفظ؛ لأن اسم الصلاة كما يتناول الركعتين يتناول الأربع، فإذا نوى الأربع، فقد نوى ما يحتمله لفظه، فصار ما نوى كالمصرح به، فصار كأنه قال: لله عليَّ أن أصلي أربع ركعات، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٩). ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة، أي: يقرأ قوله: سبحانك اللهم وبحمدك كما في ابتداء شروع كل صلاة، وفي هذا لف ونشر (١٠)، فإن قوله: وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ إيضاح للمدعي الأول، وهو قوله: أما النفل فلان كل شفع منه صلاة على حدة (١١)، أي: يقرأ قوله: سبحانك اللهم وبحمدك كما في ابتداء شروع كل صلاة، وفي هذا لف ونشر، فإن قوله: ولهذا لا كب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان إيضاح للمدعي الأول، وهو قوله: أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حده، وقوله: ولهذا قالوا: ستفتح في الثالثة (١٢).

стр. 832

وقوله: ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة إيضاح للمدعي الثاني، وهو قوله: والقيام إلى الثالثة كتحريمه مبتدأة، فإن قلت: على هذا كله شكل قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فإنهما يجوزان ترك القعدة الأولى من الشفع الأول في التطوعات، فلو كان كل شفع منها صلاة على حدة لما جازت تلك الصلاة لترك القعدة الأخيرة التي هي فرض (١). قلت: القياس أن يفسد وهو قول زفر، ورواية عن محمد؛ لأن كل شفع من التطوع بمنزلة صلاة على حده بدليل وجوب القراءة في كل شفع، وبدليل أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول إذا كان قعد على رأس الثانية، فعلى هذا صار كل شفع بمنزلة صلاة الفجر، وصلاة الظهر للمسافر، ولو ترك القعدة فيها فسدت الصلاة، وإن ضم إليها شفعًا آخر كذا هذا، ولكن في الاستحسان لا تفسد، ويجب سجدتا السهو إذا كان ساهيًا لما أن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعًا أيضًا، فإذا ترك القعدة، وقام إلى الشفع الثاني أمكننا أن نجعل الكل صلاة واحدة، وفي الصلاة الواحدة من ذوات الأربع لا يفترض من القعدة إلا الأخيرة، وهي قعدة الختم والتحلل كما في الظهر بخلاف صلاة الفجر؛ لأن الفجر شرعت ركعتين لا غير، ويضم الشفع الثاني لا يصير الكل صلاة واحدة، وهذا الفقه وهو أن القعدة الثانية ليست من جملة الأذكار على ما مر/ ولكنها فريضة شرعت للختم وختم الفروض فرض، فلذلك لم يكن القعدة الأولى فرضًا؛ لأنها ليست بحالة الختم، فإذا قام إلى الثالثة هنا حتى صارت الصلاة من ذوات الأربع لم يكن حالة القعدة الأولى حالة الختم فلم يبق فرضًا كما في الفرض، ولا يقال: ينبغي على هذا أن يكون في حق القراءة كذلك حتى لا يجب القراءة في الأخريين كما في الفرض (٢)؛ لأنا قلنا: إنما اعتبر في حق القراءة بمنزلة صلاتين؛ لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة شرعت لتعينها بدليل أنها شرعت في الركعة الأولى كسائر الأركان، وأما القعدة فما شرعت مقصودة لعينها بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت للتحلل أو للفصل بين الشفعين إلا أن ما يجب للتحلل يفترض، وما شرع للفصل يكون واجبًا، فإذا صارت الصلاة أربعًا سقط التحلل، وسقطت الفرضية فإن قيل: لو صار هذا بالقيام إلى الشفع الثاني بمنزلة صلاة واحدة كالظهر لما أمر بالعود إلى القعدة عند القيام إلى الثالثة كما في الظهر بل يؤمر هاهنا قلنا: إنما أمر بالقود ما لم يقيد بالسجدة؛ لأن هذا يشبه الظهر من وجه حتى أن الفساد في آخره يسري إلى الأول متى ترك القعدة ويفارقه من وجه حتى أن القراءة يجب في الشفع الثاني فكان في هذا تشابهًا للفجر فنقول: لشبهه بالفجر يعود إليها ما لم يقيد بالسجدة، وليشبهه بالظهر لا يؤمر بالعود إذا قيد الثالثة بالسجدة، ولم يفسد توفيرًا لكلا الشبهتين كذا ذكره شيخ الإسلام في باب الحدث من «المبسوط» (٣)، وصاحب المحيط (٤).

стр. 833

ومن شرع في نافلة، أي: في صلاة نافلة، وكذلك الخلاف في الشروع في الصوم النفل والسلف ﵏ أوردوا هذه المسألة في كتاب الصوم اتباعًا للآثار لما أن الآثار في الحجج من الجانبين وردت في الصوم، ولكن القدوري ﵀ لما رأى حكم المسألة فيها واحدًا أوردها فيما تقدم من ذكرها والمصنف ﵀ اتبعه، واحتج الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١)، والمتنفل محسن، وعن النبي ﵇: «الصائم المتطوع أمين نفسه» (٢)، وعنه ﵇: «أنه أتي بعس من لبن فشرب، وناول أم هانئ (٣)، فشربت ثم قالت: يا رسول الله إني كنت صائمة لكني كرهت أن أرد سؤرك فقال ﵇: أمن قضاء كنت تقضين؟ فقالت: لا فقال ﵇: إن شئت قضيته وإن شئت لا» (٤)، (٥). ولأن المتنفل متبرع لما عليه فلا يلزمه ما لم يشرع به، ولكنه مخير في آخره كما كان مخيرًا في أوله كمن شرع في صلاة التطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين كان مخيرًا في الشفع الثاني، واحتج علماؤنا بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا … عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (٦) الآية. فالله تعالى أخبر أن أهل الكتاب ابتدعوا رهبانية لم تكتب عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها، ففسقوا، والرهبانية كانت هي الاعتزال عن الناس للعبادة أبدًا، فلولا أنها كانت سبب التزام لما ابتدعوا وإلا لما فسقوا بالترك، وشريعة من قبلنا يلزمنا ما لم يظهر نسخها (٧)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٨)، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أصبحت أنا وحفصة (٩) صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا حيس فأكلنا، فدخل رسول

стр. 834

الله ﵇ فابتدرنا لنسأله فبدرتني حفصة، وكانت ابنة أبيها سباقة إلى الخيرات، فقال ﵇: اقضيا يومًا مكانه» (١)، فإن كان (٢) هذا بعد حديث أم هانئ كان ناسخًا له، وإن كان قبله فتبين به أن المراد بقوله: فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضيه تأخير القضاء وتعجيله، أو تبين به أن النبي ﵇ خص أم هانئ ﵂ بإسقاط القضاء عنها بقصدها إلى التبرك بسؤر رسول الله ﵇، وكأنها غفلت عن الصوم لفرط قصدها إلى التبرك كما أن أبا طيبة رض (٣) لما حجم رسول الله ﵇ شرب دم رسول الله ﵇، فقال ﵇: «حرم الله جسدك على النار» (٤). وشرب الدم لا يوجب هذا، ولكنه لفرط المحبة غفل عن الحرمة فأكرمه رسول الله ﵇ بما ذكر (٥). وعن النبي ﵇: سأله الأعرابي عن أركان الدين؟ فبين له الإيمان والصلاة وغيرهما، فقال الأعرابي: هل عليّ غير هذا، فقال: «لا إلا أن تطوع» (٦) الحديث. فاستثنى رسول الله ﵇ التطوع عن النفي، فكان إيجابًا كقوله: لا إلا أن تنذر، ولا يقال: معناه إلا أن تفعل ما ليس عليك لأنا نقول: نعم كذلك/ ولكن إذا فعل ما ليس عليه يصير عليه حفظه تحقيقا لحكم الاستثناء من النفي، ولأن من شرع في قربة كان قدر المشروع فيه عملًا على سبيل القربة، فيحرم عليه إبطاله، وبالخروج عما بقي يبطل ما مضى؛ لأنه مما لا يتجزئ، فيحرم بهذا الطريق حتى إذا كان لا يبطل لا يحرم، وما ذكر من الشروع في صلاة التطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين من قبيل ذلك، فلذلك لا يحرم، فإن قيل: إن العبادة لا تتم (٧) قربة إلا بآخرها؛ لأنها لا تتجزئ، ولما توقف الجزء الأول على الآخر؛ ليصير قربة لم يحرم عليه إبطال ما صنع كالذي أخرج المال للصدقة، وقال للفقير: تصدقت به عليك لم يلزمه التسليم، وإن كان ما وجد من جملة القرب. قلنا: إذا شرع في الصوم أو الصلاة فهو متقرب إلى الله تعالى بفعل الصوم والصلاة، والفعل حاصل (٨)، وهو الكف أو القيام إلى الصلاة، وإنما عدم ما يسمى صومًا وصلاة، فأما الصدقة شرعت قربة لما فيه من صلة الفقير وأغنيائه، ومن هذا الوجه لم يثبت منه شيء (٩) قبل التسليم، وإنما يثبت إذا سلم، وفيه شبهة أخرى تذكر في مسألة ما إذا شرع التطوع قائمًا، ثم قعد (١٠).

стр. 835

أما قوله: فإنه متبرع، فلا يلزمه ما لم يتبرع به، فإنا لا نقول: إن تبرعه بما ليس عليه يلزمه ما لم يتبرع به، ولكن وجب عليه حفظ المؤدي؛ لكونه قربة، فإن التحرز عن إبطال العمل واجب بالنص، كما أن الوفاء بالعهد واجب يلزمه الأداء بعد النذر ولأنا لو أبحنا له الترك وخيّرناه (١) بطل ما مضى باعتبار الترك، فرجحنا جانب العبادة على جانب المباح من الفعل، وهو أصل في الشرع ألا ترى أن الرجل إذا كان في الصلاة في جانب منها مقيمًا، وفي جانب مسافر لزمته صلاة الإقامة، وإن قصد الترخص بالقصر، فترجح الموجب على المسقط، فكذلك هاهنا على أنا لا نقول: إن ما بقي من الفعل صار واجبًا في نفسه، بل نفليته باقية كما كان، ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: فيمن شرع في صلاة النفل قائمًا كان له أن يتمها قاعدًا بلا عذر كما لو ابتدأ الشروع في النفل قاعدًا؛ لأنه في نفسه نفل، وليس بواجب، وإنما يأمره بالفعل لحق ما مضى حتى لما يبطل، فإن الله تعالى نهانا عن إبطال القرب كما أمرنا بالوفاء بالنذور والعهود، فوجب الاحتراز عن إبطالها كما وجب الائتمار بوفاء النذور بالإجماع هذا حاصل ما ذكر في «الأسرار» (٢)، و «المبسوط» (٣). قلت: ولما وجب الفعل بالنذر بالإجماع؛ لأنه يجب بالشروع بالطريق الأولى، وبيان الأولوية من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الوجوب المستفاد في النذر مستفاد من الأمر، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ووجوب صيانة المودّي مستفاد من النهي بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥). وما ثبت من الوجوب بالنهي آكد من الوجوب الذي ثبت بالأمر؛ لأن المنهي في النهي آتٍ بالفرض أبدًا بخلاف الأمر، وإليه أشار النبي عليه [السلام] (٦) بقوله: «لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين» (٧)، (٨).

стр. 836

[النجاسة على بدن المصلي] وقد صرح/ الإمام التمرتاشي في باب المريض من صلاة «الجامع الصغير» (١)، فقال: وعن البقالي على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة؛ لأن إظهار العورة منهي عنه، والغسل مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى. والثاني: أن صيانة الفعل أولى من صيانة التسمية التي هي القول؛ لأن فضيلة العبادة يزيد بزيادة المشقة وهي في الفعل أكثر، ولذلك كان بناء الصلاة على الأفعال أكثر وأرسخ من بنائها على الأقوال لما عرف. والثالث: أن البقاء أسهل من الابتداء فلما وجب ابتداء الفعل مع قوته لصيانة القول في النذر؛ لأن يجب البقاء الفعل مع ضعفه وسهولته لصيانة ابتداء الفعل أولى، ومما مر في «الوافي»: وإن صلى أربعًا أي: شرع في الصلاة بنية الأربع، فإنها لو كانت على حقيقتها لا يتصور إفساد الأخريين بعد تمامها (٢). قوله: وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ يصلي ركعتين إنما قيد بالقعود؛ لأنه لو لم يقعد وأفسد الأخريين يجب عليه قضاء الأربع، بالإجماع وقد ذكرناه قبيل هذا (٣). قوله: يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ، أي: إتمام الركعة التي شرع فيها، وما لا صحة له إلا به، أي: الركعة الثانية، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية/ وقيل: يقضي أربعًا احتياطًا (٤)، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: يقضي أربعًا من قطعها في أي (٥) حال قطعها؛ لأنها بمنزلة صلاة واحدة حتى أن الزوج إذا خير امرأته وهي في الشفع الأول من هذه الصلاة أو أخبرت بشفعة لها فأتمت أربعًا لا تبطل شفعتها، ولا خيارها بخلاف سائر التطوعات، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان ﵀ (٦). وهذه المسألة على ثمانية أوجه، وإنما انحصرت على الثمانية؛ لاقتضاء القسمة العقلية إياها، وهذه الأقسام كلها في الحقيقة في أقسام ترك القراءة لا في القراءة؛ لأن الفساد إنما جاء من قبل الترك، ولهذا لم يأت بما إذا أقرأ في الكل مع أن القسمة العقلية تقتضيه، ثم ترك القراءة لا يخلو إما إن كان في الكل أو في البعض، فلو ترك في الكل فهو الوجه الأول، وإن ترك في البعض فلا يخلو إما إن ترك في الشفع أو في الركعات، وإن ترك في الشفع فلا يخلو إما أن ترك فهو الوجه الأول، فإن كان في الشفع الثاني أو في الأول، فإن كان في الثاني فهو الوجه الثاني، وإن كان في الأول فهو الوجه الثالث وإن كان في حق الركعات، فلا يخلو ما إن كانت الركعة منفردة عن الشفع التام أو مختلطة به، فإن كانت منفردة عنه، فلا يخلو إما إن كان في ركعة أو ركعتين، فإن كان في ركعة فلا يخلو، إما إن كان في الشفع الثاني أو في الأول، فإن كان في الثاني فهو الوجه الرابع، وإن كان في الأول فهو الوجه الخامس، وإن كان في الركعتين فهو الوجه السادس، وإن كانت مختلطة بالشفع التام، فلا يخلو أما إن كان في الشفع الثاني مع إحدى ركعتي الأول أو على العكس، فالأول السابع، والثاني الثامن (٧).

стр. 837

قوله: لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ، والأفعال قد فسدت وهذا بالإجماع، ومع صفة الفساد لإبقاء للتحريمة (١)، وذلك لأن الأفعال لما فسدت صارت الأفعال حينئذ بمنزلة أفعال ليست هي من الصلاة، ومن فعل في صلاته أفعالا ليست من الصلاة تبطل بها التحريمة كالتكلم والحدث العمد، كذا هاهنا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٢). ألا ترى أن للصلاة وجودًا بدونها كما في حق الأخرس، وكما في حق المقتدي حيث يتحمل عنه الإمام، وكذلك يجب الصلاة فهي على القادر على الأفعال والعاجز عن القراءة، ولا يجب في عكسه، وفساد الأداء (٣) لا تزيد على تركه بأن شرع في الصلاة، ولم يأت بأركان الصلاة حال كونه منفردًا أو خلف الإمام، وكما إذا سبقه الحدث فذهب ليتوضأ، فإن قيل: لمَ قلتم بأن هذا ترك بل هو (٤) تأخير؟ قلنا: هذا ترك قبل اشتغاله (٥) بالأداء، وإنما يعرف كونه تأخيرا إذا استعمل بالأداء، فقبل اشتغاله بالأداء يصح إطلاق اسم الترك عليه (٦)، كذا قاله العلامة مولانا شمس الأئمة الكردري ﵀ (٧)، وإنما قال: ببقاء التحريمة عند فساد الأداء؛ لأن بالفساد لا يتقدم إلا صفة الجواز، ولو عدم الأداء أصلًا بقيت (٨) على التحريمة؛ لأنها صحت في الابتداء بلا أداء فبقيت التحريمة صحيحة مع ترك الأداء، وهذا خلاف الكلام والحدث العمد، وعليه ركن؛ لأن هذه الأشياء من محظورات التحريمة وارتكاب المحظورات تقطع التحريمة؛ لأنه يمنع انعقادها في الابتداء، فيجوز أنه يقطعها بعد الصحة (٩)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (١٠). والفقه فيه أن التحريمة شرط الأداء فلا يفسد الشرط بفساد الأداء كالطهارة لا تفسد بفساد الصلاة، وإذا لم تفسد صح بناء الأخريين على التحريمة إلى هذا أشار في «المحيط» (١١).

стр. 838

قوله: (١) لأن كل شفع من التطوع صلاة على حده، فإن قلت: كيف يصح هذا التعليل على قول أبي حنيفة ﵀، وفي قوله: لا تبطل التحريمة بترك القراءة في ركعة على ما ذكر، فلو كان كل شفع من التطوع صلاة على حده يجب أن يبطل التحريمة كما إذا ترك القراءة في إحدى ركعتي صلاة الفجر حيث يفوت الفرض هناك على وجه لا يمكن إصلاحه، ذكره في «المحيط» (٢). قلت: وقد أشرنا إلى الفرق بينهما على قول أبي حنيفة ﵀ في بيان ترك القعدة الأولى في التطوع من ذوات الأربع وهو أن فرض الفجر مما لا يزيد ولا ينقص، فكان ترك القراءة في إحدى ركعتيه بمنزلة ترك القراءة في الشفع الأول من ذوات الأربع من التطوع من حيث إن كلا منهما نصف الصلاة، فكان مبطلا لتحريمة الفجر كما إذا ترك القراءة في الشفع من التطوع، وأما ذوات الأربع من التطوعات صار كل شفع منها على صلاة حده من حيث وجوب القراءة في كل ركعة منها/ ولزوم القعدة الأولى، ولكن لما قام إلى الثالثة صار كلها بمنزلة صلاة واحدة؛ لأن التطوع مما يزيد وينقص فكان عدم الفساد بترك القراءة في ركعة منها عملًا بالاحتياط (٣). وذكر في «المحيط» (٤): أن أبا حنيفة ﵀ عمل بالاحتياط حيث قال: إن الأمر بفعل القراءة لا يقتضي التكرار، لكن أوجبنا القراءة في الركعة الثانية احتياطًا؛ لأن الركعة الثانية تكرار الأولى على ما سبق، والاحتياط هنا في أن لا تجعل القراءة فرضًا في الثانية في حق بقاء التحريمة حتى بحكم (٥) صحة الشروع في الشفع الثاني، فيجب عليه إتمام الشفع ولا يحكم بصحة الأداء احتياطًا أيضًا، فأخذنا في كل حكم بالاحتياط، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: فَقَضَيْنَا بِالْفَسَادِ إلى أن قال: احتياطًا. وقال شيخ الإسلام في «المبسوط»: وما قاله أبو حنيفة ﵀ عدل بين القولين، فإنه قال: بالفساد وببقاء التحريمة، وقال محمد: بأن التحريمة تنقطع أصلًا، وقال أبو يوسف ﵀: بالصحة فكان ما قاله أبو حنيفة عدلا بين القولين حيث أوجب الفساد بفساد الأداء ولم يرفع التحريمة؛ لأنه لم يوجد ما يقطعه (٦).

стр. 839

[تكرار قراءة الفاتحة] قوله: وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، أي: عندنا تفسد، وعند البعض وهو الحسن البصري لا تفسد، فإن فرضية القراءة عنده في ركعة واحدة لا غير لما أن الأمر بالشيء لا يقتضي التكرار، وقد ذكرناه، فإن قلت: كما أن الفساد بترك القراءة في ركعة مجتهد فيه، فكذلك الفساد بترك القراءة في الكل مجتهد فيه أيضًا، فإن القراءة ليست فريضة عند أبي بكر الأصم على ما ذكرت، فعلى هذا ينبغي أن لا تفسد التحريمة عند ترك القراءة في الشفع الأول أيضًا؛ لأنه مجتهد فيه (١). قلت: قوله: ذاك خلاف لا اختلاف، فإن قوله مخالف للدليل القطعي، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢)، فلم يعتبر قوله لما أن القضاء في المجتهد إنما يأخذ حكم الصحة إذا كان قول من يخالف الدليل القطعي من الكتاب والسنة، فكان قوله بمنزلة قول من يقول: بحل متروك التسمية عامدًا، بل أفسد منه، فكان باطلًا، فلا يعتبر (٣). وذكر فخر الإسلام ﵀: وحاصل اختلافهم أن على قول أبي يوسف الإحرام لا ينقطع بترك القراءة بحال، وعند محمد ينقطع بكل حال حتى (٤) تم الترك، وذلك إن يقيد بالسجدة بعد الترك، وعند أبي حنيفة هي ترك قراءة صارت شرطًا بدليل مقطوع به انقطع به الإحرام، وإذا لم يكن الدليل كذلك لم ينقطع بتركه (٥). قوله: إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ فشرع في بيان تلك المسائل الثماني، وحاصل الاختلاف فيها أنه إذا لم يقرأ فيهن شيئًا أو قرأ في إحدى القولين وإحدى الأخريين يقضي أربع ركعات عند أبي يوسف في الصورتين (٦)، وعند محمد ﵀ يقضي ركعتين في الصورتين، وأبو حنيفة في الصورة الثانية مع أبي يوسف، وفي الصورة الأولى مع محمد ﵀ (٧). قوله: وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ لا غير هذا إذا قعد بينهما، وأما إذا لم يقعد فعليه أن يقضي أربًعا لما أن الفساد في الشفع الثاني يسري إلى الأول إذا لم يعقد بينهما، وقد ذكرناه ولو قرأ في الأخريين لا غير فعليه قضاء الأوليين بالإجماع (٨)، وهذا مما اتحد فيه الجواب، واختلف التخريج، والتخريج ما ذكرنا في الكتاب؛ لأن عندهما لم يصح الشروع في الشفع الثاني فلا يكون صلاة في قولهما حتى لو اقتدى به إنسان في الشفع الثاني لا يصح اقتداءه، ولو قهقهة لا تنقض طهارته (٩). كذا ذكر قاضي خان في «الجامع الصغير» (١٠).

стр. 840

وذكر في «المبسوط» (١): والأخريان لا يكونان قضاء عن الأوليين؛ لأنه بناهما على تلك التحريمة، والتحريمة الواحدة لا يتسع (٢) فيها الأداء والقضاء، ولو قرأ في إحدى الأوليين، وإحدى الأخريين فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ يلزمه قضاء أربع ركعات، وعند محمد ﵀ يلزمه قضاء ركعتين، فمحمد (٣) مر على أصله أن التحريمة انحلت (٤) بترك القراءة في إحدى الأوليين، وأبو يوسف مر على أصله أن التحريمة باقية، فصح شروعه في الشفع الثاني، وقد أفسده. وأما أبو حنيفة (٥) ﵀ فقد جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد في مذهبه حين عرض عليه «الجامع الصغير»، فقال أبو يوسف: رويت لك عنه أن عليه قضاء ركعتين، وقال محمد: بل/ رويت لي أن عليه قضاء أربع ركعات، وقيل: ما حفظه أبو يوسف هو قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة، فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع في هذه التحريمة، والاستحسان ما حفظه محمد؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد، فقد آكده بوجود القراءة في ركعة قضاء ذلك ملزم إياه (٦). قوله: قال ﵀ -أي: قال محمد في «الجامع الصغير» (٧): وتفسير قوله ﵇: «لا يصلي بعد صلاة مثلها» (٨) هذا اللفظ مروي عن رسول الله ﵇، وعن علي وعبدالله بن مسعود رض (٩) يعني ركعتين بقراءة، وركعتين بغير قراءة أي النفل (١٠) لا يشبه الفرض بحال، وإنما حملنا على هذا؛ لأنه حديث ثبت خصوصية بالإجماع، فإن الرجل يصلي ركعتي الفجر، ثم الفرض ويصلي ركعتي الظهر في سفر، ثم ركعتي السنة، وأربعًا قبل الظهر، ثم الظهر في الإقامة، فاستقام حمله على وجه صحيح، وقد قال بعض مشايخنا: إن المراد به الزجر عن تكرار الجماعات في المساجد، وهذا تأويل وهو ما ذكره أن يصلي التطوع ركعتين بقراءة وركعتين بغير قراءة حسن، فيكون حجة على الشافعي، وقال بعضهم: أراد به أن لا يقضي المرء ما أداه من الفرائض بوسوسته، فإن النبي ﵇ لما صلى الفجر ضحى النهار بعد ليلة التعريس قال له أصحابه من الغد: ألا تعيد صلاة الأمس، فقال: «إن الله تعالى نهاكم عن الربا أفيقبله منكم» (١١)، كذا ذكره فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (١٢)، فمن خالفنا أخذ بالظاهر، وقال: لا ينبغي أن يتطوع بعد العشاء بأربع ركعات بتسليمة واحدة (١٣) ذلك لا يكون مصليًا بعد الصلاة مثلها، ونحن نقول: ليس المراد من هذا إعداد الركعات، ولكن المراد صفة القراءة، ولو حمل على النهي عن تكرار الجماعة في المسجد أو على النهي عن قضاء الفرائض مخافة الخلل في المؤدي كان حسنًا، فإن ذلك مكروه، كذا في «الجامع الصغير» لشمس الأئمة وقاضي خان ﵀ (١٤).

стр. 841

قوله: لقوله ﵇: «صلاة القاعد على النصف من الصلاة القائم» (١)، أي: في حق الأجر، فإن قلت: هذا الحديث لم يتعرض لصلاة التطوع، والفرض ولا لحالة القدرة (٢)، وغير حالة القدرة (٣)، فكيف وجه التمسك به لما ادعاه من جواز صلاة النافلة قاعدًا مع قدرته على القيام (٤). قلت: الإجماع منعقد على أن صلاة الفرض بدون العجر لا يجوز قاعدًا، وكذا هو منعقد أيضًا على أن صلاة القاعد لعذر يعجزه عن القيام مساوية لصلاة القائم في الفضيلة والأجر (٥)، فلم يبق حينئذٍ إلا صلاة المتطوع قاعدًا بدون العذر فهو على نصف الأجر من صلاة القائم، ولأنه ﵇ يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدًا، وعنه ﵇ أنه كان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفًا. كذا ذكره شيخ الإسلام ﵀ (٦). ولأنه كان مخيرًا بين أن يصلي وبين أن لا يصلي، فيجوز أن يكون مخيرًا بعد الشروع بين أن يأتي بأفضل الأحوال وغير أفضلها إذا لقاعد مستجمع الأركان خصوصًا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى صح اقتداء القائم بالقاعد في الفرائض (٧). قوله: وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ، وذكر في التتمة من يصلي التطوع قاعدًا بعذر أو بغير عذر، ففي التشهد يقعد كما في سائر الصلوات إجماعًا أما حالة العجز يقعد القيام كله (٨)، فعن أبي حنيفة ﵀ إن شاء فكذلك قعد وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى (٩)، وعن أبي يوسف: يحتبي، وعن محمد أنه يتربع، وعن زفر أنه يقعد كما في التشهد (١٠)، وفي مختصر الكرخي ﵀: عن محمد، عن أبي حنيفة ﵀ يقعد كيف شاء (١١)، وذكر الفقيه أبو الليث أن الفتوى على قول زفر، وكذا اختاره شمس الأئمة السرخسي أيضًا ذكره في «المبسوط» (١٢)، (١٣) إلا أن شيخ الإسلام ﵀ (١٤) اختار الاحتباء (١٥)، وقال: روي عن أبي حنيفة أنه قال: الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبئًا؛ لأن عامة صلاة رسول الله ﵇ في آخر العمر كان محتبئًا، ولأن المحتبي يكون أكثر توجيهًا لأعضائه إلى القبلة؛ لأن الساقين يكونان متوجهتين كما يكون حالة القيام؛ لأن الشروع معتبر بالنذر، أي: من حيث إن كل واحد منها يلزم أداء الصلاة، ثم من نذر أن يصلي ركعتين/ قائمًا لم يجزه أن يقعد فيهما من غير عذر، فكذلك إذا

стр. 842

شرع قائمًا، وأبو حنيفة ﵀ يقول: القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر، ثم هناك لا فرق بين حال الابتداء والبقاء، فكذلك هاهنا، وهذا لأنه كان (١) مخيرًا بين القيام والقعود، وخياره فيما لم يؤد باقٍ، والشروع إنما يلزمه ما باشر، وقالا صحة لما باشر إلا به والركعة الأولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر، فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر هو التزام بالتسمية، وقد نص فيه (٢) على صفة القيام فيراعي تنصيصه، والدليل على التفرقة بين الشروع والنذر بالإجماع (٣) أنه لو نذر أن يصوم متتابعًا فمرض وأفطر يلزمه (٤) الاستقبال، وفي الشروع لا يلزمه الاستقبال، وكذلك لو نذر الحج ماشيًا لزمه كذلك، ولو شرع فيه ماشيًا لم يلزمه (٥) المشي، فكذلك هاهنا. كذا في «المبسوط» (٦)، و «المحيط» (٧)، والتمرتاشي. [صفة القيام] قلت:/ وبهذا يعلم أن معنى قوله: وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، أي: في حق صفة القيام لا في حق نفس الركعة، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الركعة الثانية، فإن قلت: ما حكم المسألة عند أبي حنيفة في حق الركعة الأولى (٨)، فهل له أن يقعد في الركعة الأولى بعد شروعه قائمًا كما له أن يقعد في الركعة الثانية عنده (٩). قلت: كان هذا مشتبهًا عليَّ، وعلى من سألته عنه بسبب الوضع، والتعليل فإن إطلاق وضعه يدل على أنه يجوز فإنه قال: وإن افتتحها قائمًا، ثم قعد من غير عذر جاز عند أبي حنيفة ﵀، وهذا غير متعرض للركعة الأولى والثانية، ولكن التعليل في الكتب بتخصيص الركعة الثانية على ما ذكرت في «المبسوط» (١٠) وغيره يدل على أن الحكم في الركعة الأولى على خلافه حتى وجدت رواية في «الفوائد الظهرية» في تقرير هذه المسألة في باب المريض، وقد ذكر الإمام ظهير الدين فيها على هذا الطريق أيضًا فقال: ثم وقع الاشتباه إن الاختلاف في القعود في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، حيث قال: فما ذكر في الكتاب (١١) يدل على أن الاختلاف في القعود في الركعة الثانية حيث قال (١٢): القيام في الثانية ينفصل عن القيام في الأولى (١٣).

стр. 843

والوجه الثاني: يدل على أن الاختلاف فيهما على السواء، وذلك الوجه هو أن المتطوع في الابتداء كانت له الخيرة بين الافتتاح قائمًا، وبين الافتتاح قاعدًا، فكذلك في الانتهاء بالطريق الأولى (١)؛ لأن حكم الاستدامة أخف بدليل أن الإمام لا يجوز له إنشاء الجمعة بلا جمع، ويجوز البناء على حسب اختلاف الأصلين، وكذلك لا يجوز التحريم مع الحدث، ويجوز استدامة معه، فإن قلت: قوله: أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ يقتضي أن لا يكون الشروع ملزمًا، ولا يجب القضاء إذا أفسده كما هو مذهب الشافعي ﵀؛ لأن الجزء الذي باشره قد أدى وسائر الأجزاء لم يباشره، فلا يلزمه القضاء، وهذه هي الشبهة الموعودة (٢). قلت: هو (٣) شرع فيما يسمى صلاة من غير استحقاق في (٤) الابتداء واستحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة إنما يكون بانضمام أجزاء أخر فلضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة ألزمناه الأجزاء الأخر أما هاهنا فليس من ضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة التزام صفة القيام؛ لأن الصلاة تجوز بدون صفة القيام؛ لأن القيام صفة زائدة، كذا في «المحيط» (٥)، حتى لو لم ينص على (٦) القيام، أي: في النذر لا يلزمه القيام عند بعض المشايخ، يعني: لو نذر أن يصلي صلاة، ولم يقل قائمًا أو قاعدًا، قال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: لا لرواية (٧) لهذه المسألة، واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هو بالخيار إن شاء صلى قائمًا، وإن شاء صلى قاعدًا؛ لأن القيام زيادة وصف (٨) في التطوع بدليل أنه تجوز الصلاة بدون القيام فلا يلزم (٩) إلا بالشرط كالتتابع في الصوم، وقال بعضهم: يلزم قائمًا؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وأينما أوجبها الله تعالى أوجبها قائمًا، فكذا ما أوجبها العبد بخلاف الصوم؛ لأنه أوجب متتابعًا وغير متتابع، فلا يلزم التتابع إلا بالشرط (١٠)، وقيل: هو (١١) على الاختلاف الذي بينا وبين أبي يوسف وصاحبيه، فلو أنه افتتح التطوع قاعدًا، ثم بدا له أن يقوم فقام وصلى ما بقي قائمًا أجزأه عندهم/ جميعًا لما روي عن عائشة: «أن النبي ﵇ كان يفتح

стр. 844

التطوع قاعدًا فيقرأه وورده حتى إذا بقي عشر آيات أو نحوها قام وأتم قرأته ثم ركع وسجد» (١)، وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية، فقد انتقل من القعود إلى القيام، ومن القيام إلى القعود، فدل أن ذلك جائز في التطوع، وهذا يشكل على قول محمد فإن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام حتى أن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة، فسدت صلاته عنده، ومع ذلك جوزه هاهنا، وذلك أما إن ثبت ذلك بالحديث الذي روينا أو لأن المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة (٢) فانعقدت تحريمته للقيام، فأما في صلاة التطوع كان قادرًا على القيام، فانعقدت تحريمته القيام، ويجوز هو في صلاة التطوع لأن افتتاح صلاة التطوع قاعدًا مع القدرة على القيام جائز بالاتفاق لما روينا من حديث عائشة، كذا في «المبسوط» (٣)، و «المحيط» (٤). [صلاة النافلة على الدابة] ومن كان/ خارج المصر يتنفل على دابته إلى أي جهة توجهت، ثم قيل: هل يشترط التوجه إلى القبلة عند ابتداء الصلاة قال في «المحيط» (٥): ومن الناس من يقول: إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم تركها وانحرف عنها، وأما إذا افتتح الصلاة إلى غير القبلة لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حالة (٦) الابتداء إنما الضرورة في حالة البقاء إلا أن أصحابنا لم يأخذوا به لأنه لا تفصيل في النص. وصرح في «الإيضاح» بأن القائل به الشافعي، وقال: استقبال القبلة في الابتداء ليس بواجب، وقال الشافعي ﵀: هو واجب (٧). وذكر في «الخلاصة»: أن كيفية الصلاة على الدابة أن يصلي بالإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع (٨) من غير أن يضع رأسه على شيء سائرة دابته أو واقفة (٩). قلت: ذكر في عامة الروايات رواية «المبسوط» (١٠)، و «الإيضاح»، وغيرهما (١١): أن صلاة التطوع على الدابة تجوز من غير عذر بخلاف المكتوبة، وشرط عذر عدم إمكان وقف الدابة في «المحيط» (١٢)، فقال بعد ذكر صلاة (١٣) التطوع: ولو أومئ على الدابة، وهي تسير لم يجز إذا قدر أن يقفها، وإن تعذر الوقف جاز؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، ويتحقق بسبب ذلك اختلاف المكان، فلا يتحمل إلا عند تعذر الوقف، وفي «المبسوط» (١٤): وإن كان على سرجة قذر فكذلك يجوز صلاته، وكان محمد بن مقاتل (١٥) وأبو حفص الكبير ﵀ يقولان: لا يجوز إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم اعتبارا للصلاة على الدابة بالصلاة على الأرض، وأكثر مشايخنا يقولون: يجوز لما قال في الكتاب: والدابة اشد من ذلك يعني إن باطنها لا تخلو عن النجاسات ويترك عليها الركوع والسجود مع التمكن من النزول والاداء، والأركان أقوى من الشرائط، فإذا سقط اعتبار الأركان هاهنا لحاجته، فشرط طهارة المكان أولى ثم الإيماء لا يصيب موضعه إنما هو إشارة في الهواء، وإنما يشترط طهارة الموضع الذي يؤدي عليه ركنًا، وهو لا يؤدي على موضع سرجة وركابيه ركنًا فلا يضره نجاستها.

стр. 845

قوله: فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ، أي: لو قلنا بأن نافلته لا تجوز بدون النزول فيتعذر النزول ينقطع عنه (١) حينئذ صلاة النافلة وهي خير موضوع مشروع على حسب النشاط، فلو ألزمناه النزول يتعذر عليه أداء ما ينشط (٢) فيه من التطوعات أو ينقطع هو عن القافلة (٣) أي: على تقدير النزول، وكلاهما ضرر، وهذا الضرر إنما ينبغي بالقول بجواز صلاة (٤) التطوع على الدابة (٥). وفي «المبسوط» (٦): ولو لم يكن له في التطوع على الدابة من المنفعة إلا حفظ اللسان، وحفظ النفس عن الوساوس والخواطر الفاسدة لكان ذلك كافيًا، ولا يصلي المسافر المكتوبة على الدابة من غير عذر؛ لأن المكتوبة في أوقات مخصوصة، فلا يشق عليه النزول لأدائها (٧) بخلاف التطوع، ومن الأعذار الخوف من اللص والسبع وطين المكان، وكون الدابة جموحًا، وكون المسافر شيخًا كبيرًا لا يجد من يركبه، فعند هذه الأحوال يجوز المكتوبة على الدابة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٨). وعن أبي حنيفة ﵀ أنه ينزل لسنة الفجر، وذكر ابن شجاع (٩) أن ذلك يجوز أن يكون لبيان الأولى، يعني: أن الأولى أن ينزل لركعتي (١٠) الفجر/ والتقييد بخارج المصر بنفي اشتراط السفر، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ أن جواز التطوع على الدابة يطلق (١١) للمسافر خاصة؛ لأن الجواز بالإيماء بخلاف القياس لأجل الضرورة (١٢) إنما يتحقق في السفر لا في الحضر، والصحيح: أن المسافر وغير المسافر في ذلك على السواء بعد أن يكون خارج المصر إلا أن الكلام بعد هذا في مقدار ما يكون بين ذلك الخارج وبين المصر حتى يجوز له التطوع على الدابة، وذكر في الأصل: إذا خرج من المصر فرسخين (١٣) أو ثلاثة فله أن يصلي على الدابة (١٤)، وقال بعضهم: بقدر الميل وإن كان أقلّ من ذلك فلا يجوز، هذا كله في «المحيط» (١٥). والجواز في المصر، أي: ينفي الجواز في المصر (١٦). وذكر في الهارونيات (١٧): أن عند أبي حنيفة لا يجوز التطوع على الدابة في المصر، وعند محمد يجوز ويكره، وعند أبي يوسف لا بأس به، فأبو حنيفة قال: التطوع على الدابة بالإيماء جوزناه بالنص بخلاف القياس، وإنما ورد النص به خارج المصر، والمصر في هذا ليس في معنى خارج المصر؛ لأن سيره على الدابة في المصر لا يكون ممتدًا (١٨) عادة، فرجعنا فيه إلى أصل القياس، وحكي أن أبا يوسف ﵀ لما سمع هذا من أبي حنيفة ﵀ قال: حدثني فلان عن (١٩) فلان: «أن النبي ﵇ ركب الحمار (٢٠) في المدينة يعود سعد بن عبادة ﵁ (٢١) فكان يصلي وهو راكب» (٢٢)، فلم يرفع أبو حنيفة ﵀ رأسه قيل: إنما لم يرفع رأسه رجوعًا منه إلى الحديث (٢٣)، وقيل: بل هذا حديث شاذ فيما يعم به البلوى، والشاذ في مثله لا يكون حجة عنده، فلهذا لم يرفع رأسه، وأبو يوسف ﵀ أخذ بالحديث، ومحمد كذلك، إلا أنه كره ذلك في المصر؛ لأن اللفظ فيه فلكثرة اللفظ ربما يبتلى بالغلط في القراءة، فلهذا كره. كذا في «المبسوط» (٢٤) و «المحيط» (٢٥)، إلا أنه ذكر في «المحيط» (٢٦): قال أبو يوسف غير (٢٧) ذلك حدثني فلان وسمَّاه عن سالم (٢٨) عن ابن عمر مكان قوله: حدثني فلان عن فلان فإن افتتح التطوع راكبًا، ثم نزل يبني (٢٩)، فإن قيل: القول بالبناء هاهنا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف، وذلك لا يجوز كالمريض إذا صلى بعض صلاته بالإيماء، ثم قدر على الأركان لا يجوز له البناء تحرزًا عما قلنا.
следующие страницы →