← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: لقوله ﵇: «صلاة القاعد على النصف من الصلاة القائم» (١)، أي: في حق الأجر، فإن قلت: هذا الحديث لم يتعرض لصلاة التطوع، والفرض ولا لحالة القدرة (٢)، وغير حالة القدرة (٣)، فكيف وجه التمسك به لما ادعاه من جواز صلاة النافلة قاعدًا مع قدرته على القيام (٤). قلت: الإجماع منعقد على أن صلاة الفرض بدون العجر لا يجوز قاعدًا، وكذا هو منعقد أيضًا على أن صلاة القاعد لعذر يعجزه عن القيام مساوية لصلاة القائم في الفضيلة والأجر (٥)، فلم يبق حينئذٍ إلا صلاة المتطوع قاعدًا بدون العذر فهو على نصف الأجر من صلاة القائم، ولأنه ﵇ يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدًا، وعنه ﵇ أنه كان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفًا. كذا ذكره شيخ الإسلام ﵀ (٦). ولأنه كان مخيرًا بين أن يصلي وبين أن لا يصلي، فيجوز أن يكون مخيرًا بعد الشروع بين أن يأتي بأفضل الأحوال وغير أفضلها إذا لقاعد مستجمع الأركان خصوصًا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى صح اقتداء القائم بالقاعد في الفرائض (٧). قوله: وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ، وذكر في التتمة من يصلي التطوع قاعدًا بعذر أو بغير عذر، ففي التشهد يقعد كما في سائر الصلوات إجماعًا أما حالة العجز يقعد القيام كله (٨)، فعن أبي حنيفة ﵀ إن شاء فكذلك قعد وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى (٩)، وعن أبي يوسف: يحتبي، وعن محمد أنه يتربع، وعن زفر أنه يقعد كما في التشهد (١٠)، وفي مختصر الكرخي ﵀: عن محمد، عن أبي حنيفة ﵀ يقعد كيف شاء (١١)، وذكر الفقيه أبو الليث أن الفتوى على قول زفر، وكذا اختاره شمس الأئمة السرخسي أيضًا ذكره في «المبسوط» (١٢)، (١٣) إلا أن شيخ الإسلام ﵀ (١٤) اختار الاحتباء (١٥)، وقال: روي عن أبي حنيفة أنه قال: الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبئًا؛ لأن عامة صلاة رسول الله ﵇ في آخر العمر كان محتبئًا، ولأن المحتبي يكون أكثر توجيهًا لأعضائه إلى القبلة؛ لأن الساقين يكونان متوجهتين كما يكون حالة القيام؛ لأن الشروع معتبر بالنذر، أي: من حيث إن كل واحد منها يلزم أداء الصلاة، ثم من نذر أن يصلي ركعتين/ قائمًا لم يجزه أن يقعد فيهما من غير عذر، فكذلك إذا

стр. 842

شرع قائمًا، وأبو حنيفة ﵀ يقول: القعود في التطوع بلا عذر كالقعود في الفرض بعذر، ثم هناك لا فرق بين حال الابتداء والبقاء، فكذلك هاهنا، وهذا لأنه كان (١) مخيرًا بين القيام والقعود، وخياره فيما لم يؤد باقٍ، والشروع إنما يلزمه ما باشر، وقالا صحة لما باشر إلا به والركعة الأولى صحة بدون القيام في الركعة الثانية بدليل حالة العذر، فلم يلزمه القيام بالشروع بخلاف النذر هو التزام بالتسمية، وقد نص فيه (٢) على صفة القيام فيراعي تنصيصه، والدليل على التفرقة بين الشروع والنذر بالإجماع (٣) أنه لو نذر أن يصوم متتابعًا فمرض وأفطر يلزمه (٤) الاستقبال، وفي الشروع لا يلزمه الاستقبال، وكذلك لو نذر الحج ماشيًا لزمه كذلك، ولو شرع فيه ماشيًا لم يلزمه (٥) المشي، فكذلك هاهنا. كذا في «المبسوط» (٦)، و «المحيط» (٧)، والتمرتاشي. [صفة القيام] قلت:/ وبهذا يعلم أن معنى قوله: وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، أي: في حق صفة القيام لا في حق نفس الركعة، فإنه لا صحة للركعة الأولى بدون الركعة الثانية، فإن قلت: ما حكم المسألة عند أبي حنيفة في حق الركعة الأولى (٨)، فهل له أن يقعد في الركعة الأولى بعد شروعه قائمًا كما له أن يقعد في الركعة الثانية عنده (٩). قلت: كان هذا مشتبهًا عليَّ، وعلى من سألته عنه بسبب الوضع، والتعليل فإن إطلاق وضعه يدل على أنه يجوز فإنه قال: وإن افتتحها قائمًا، ثم قعد من غير عذر جاز عند أبي حنيفة ﵀، وهذا غير متعرض للركعة الأولى والثانية، ولكن التعليل في الكتب بتخصيص الركعة الثانية على ما ذكرت في «المبسوط» (١٠) وغيره يدل على أن الحكم في الركعة الأولى على خلافه حتى وجدت رواية في «الفوائد الظهرية» في تقرير هذه المسألة في باب المريض، وقد ذكر الإمام ظهير الدين فيها على هذا الطريق أيضًا فقال: ثم وقع الاشتباه إن الاختلاف في القعود في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، حيث قال: فما ذكر في الكتاب (١١) يدل على أن الاختلاف في القعود في الركعة الثانية حيث قال (١٢): القيام في الثانية ينفصل عن القيام في الأولى (١٣).

стр. 843

والوجه الثاني: يدل على أن الاختلاف فيهما على السواء، وذلك الوجه هو أن المتطوع في الابتداء كانت له الخيرة بين الافتتاح قائمًا، وبين الافتتاح قاعدًا، فكذلك في الانتهاء بالطريق الأولى (١)؛ لأن حكم الاستدامة أخف بدليل أن الإمام لا يجوز له إنشاء الجمعة بلا جمع، ويجوز البناء على حسب اختلاف الأصلين، وكذلك لا يجوز التحريم مع الحدث، ويجوز استدامة معه، فإن قلت: قوله: أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ يقتضي أن لا يكون الشروع ملزمًا، ولا يجب القضاء إذا أفسده كما هو مذهب الشافعي ﵀؛ لأن الجزء الذي باشره قد أدى وسائر الأجزاء لم يباشره، فلا يلزمه القضاء، وهذه هي الشبهة الموعودة (٢). قلت: هو (٣) شرع فيما يسمى صلاة من غير استحقاق في (٤) الابتداء واستحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة إنما يكون بانضمام أجزاء أخر فلضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة ألزمناه الأجزاء الأخر أما هاهنا فليس من ضرورة استحقاق هذا الجزء اسمية الصلاة التزام صفة القيام؛ لأن الصلاة تجوز بدون صفة القيام؛ لأن القيام صفة زائدة، كذا في «المحيط» (٥)، حتى لو لم ينص على (٦) القيام، أي: في النذر لا يلزمه القيام عند بعض المشايخ، يعني: لو نذر أن يصلي صلاة، ولم يقل قائمًا أو قاعدًا، قال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: لا لرواية (٧) لهذه المسألة، واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هو بالخيار إن شاء صلى قائمًا، وإن شاء صلى قاعدًا؛ لأن القيام زيادة وصف (٨) في التطوع بدليل أنه تجوز الصلاة بدون القيام فلا يلزم (٩) إلا بالشرط كالتتابع في الصوم، وقال بعضهم: يلزم قائمًا؛ لأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وأينما أوجبها الله تعالى أوجبها قائمًا، فكذا ما أوجبها العبد بخلاف الصوم؛ لأنه أوجب متتابعًا وغير متتابع، فلا يلزم التتابع إلا بالشرط (١٠)، وقيل: هو (١١) على الاختلاف الذي بينا وبين أبي يوسف وصاحبيه، فلو أنه افتتح التطوع قاعدًا، ثم بدا له أن يقوم فقام وصلى ما بقي قائمًا أجزأه عندهم/ جميعًا لما روي عن عائشة: «أن النبي ﵇ كان يفتح

стр. 844

التطوع قاعدًا فيقرأه وورده حتى إذا بقي عشر آيات أو نحوها قام وأتم قرأته ثم ركع وسجد» (١)، وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية، فقد انتقل من القعود إلى القيام، ومن القيام إلى القعود، فدل أن ذلك جائز في التطوع، وهذا يشكل على قول محمد فإن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام حتى أن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة، فسدت صلاته عنده، ومع ذلك جوزه هاهنا، وذلك أما إن ثبت ذلك بالحديث الذي روينا أو لأن المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة (٢) فانعقدت تحريمته للقيام، فأما في صلاة التطوع كان قادرًا على القيام، فانعقدت تحريمته القيام، ويجوز هو في صلاة التطوع لأن افتتاح صلاة التطوع قاعدًا مع القدرة على القيام جائز بالاتفاق لما روينا من حديث عائشة، كذا في «المبسوط» (٣)، و «المحيط» (٤). [صلاة النافلة على الدابة] ومن كان/ خارج المصر يتنفل على دابته إلى أي جهة توجهت، ثم قيل: هل يشترط التوجه إلى القبلة عند ابتداء الصلاة قال في «المحيط» (٥): ومن الناس من يقول: إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم تركها وانحرف عنها، وأما إذا افتتح الصلاة إلى غير القبلة لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حالة (٦) الابتداء إنما الضرورة في حالة البقاء إلا أن أصحابنا لم يأخذوا به لأنه لا تفصيل في النص. وصرح في «الإيضاح» بأن القائل به الشافعي، وقال: استقبال القبلة في الابتداء ليس بواجب، وقال الشافعي ﵀: هو واجب (٧). وذكر في «الخلاصة»: أن كيفية الصلاة على الدابة أن يصلي بالإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع (٨) من غير أن يضع رأسه على شيء سائرة دابته أو واقفة (٩). قلت: ذكر في عامة الروايات رواية «المبسوط» (١٠)، و «الإيضاح»، وغيرهما (١١): أن صلاة التطوع على الدابة تجوز من غير عذر بخلاف المكتوبة، وشرط عذر عدم إمكان وقف الدابة في «المحيط» (١٢)، فقال بعد ذكر صلاة (١٣) التطوع: ولو أومئ على الدابة، وهي تسير لم يجز إذا قدر أن يقفها، وإن تعذر الوقف جاز؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، ويتحقق بسبب ذلك اختلاف المكان، فلا يتحمل إلا عند تعذر الوقف، وفي «المبسوط» (١٤): وإن كان على سرجة قذر فكذلك يجوز صلاته، وكان محمد بن مقاتل (١٥) وأبو حفص الكبير ﵀ يقولان: لا يجوز إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم اعتبارا للصلاة على الدابة بالصلاة على الأرض، وأكثر مشايخنا يقولون: يجوز لما قال في الكتاب: والدابة اشد من ذلك يعني إن باطنها لا تخلو عن النجاسات ويترك عليها الركوع والسجود مع التمكن من النزول والاداء، والأركان أقوى من الشرائط، فإذا سقط اعتبار الأركان هاهنا لحاجته، فشرط طهارة المكان أولى ثم الإيماء لا يصيب موضعه إنما هو إشارة في الهواء، وإنما يشترط طهارة الموضع الذي يؤدي عليه ركنًا، وهو لا يؤدي على موضع سرجة وركابيه ركنًا فلا يضره نجاستها.

стр. 845

قوله: فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ، أي: لو قلنا بأن نافلته لا تجوز بدون النزول فيتعذر النزول ينقطع عنه (١) حينئذ صلاة النافلة وهي خير موضوع مشروع على حسب النشاط، فلو ألزمناه النزول يتعذر عليه أداء ما ينشط (٢) فيه من التطوعات أو ينقطع هو عن القافلة (٣) أي: على تقدير النزول، وكلاهما ضرر، وهذا الضرر إنما ينبغي بالقول بجواز صلاة (٤) التطوع على الدابة (٥). وفي «المبسوط» (٦): ولو لم يكن له في التطوع على الدابة من المنفعة إلا حفظ اللسان، وحفظ النفس عن الوساوس والخواطر الفاسدة لكان ذلك كافيًا، ولا يصلي المسافر المكتوبة على الدابة من غير عذر؛ لأن المكتوبة في أوقات مخصوصة، فلا يشق عليه النزول لأدائها (٧) بخلاف التطوع، ومن الأعذار الخوف من اللص والسبع وطين المكان، وكون الدابة جموحًا، وكون المسافر شيخًا كبيرًا لا يجد من يركبه، فعند هذه الأحوال يجوز المكتوبة على الدابة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٨). وعن أبي حنيفة ﵀ أنه ينزل لسنة الفجر، وذكر ابن شجاع (٩) أن ذلك يجوز أن يكون لبيان الأولى، يعني: أن الأولى أن ينزل لركعتي (١٠) الفجر/ والتقييد بخارج المصر بنفي اشتراط السفر، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ أن جواز التطوع على الدابة يطلق (١١) للمسافر خاصة؛ لأن الجواز بالإيماء بخلاف القياس لأجل الضرورة (١٢) إنما يتحقق في السفر لا في الحضر، والصحيح: أن المسافر وغير المسافر في ذلك على السواء بعد أن يكون خارج المصر إلا أن الكلام بعد هذا في مقدار ما يكون بين ذلك الخارج وبين المصر حتى يجوز له التطوع على الدابة، وذكر في الأصل: إذا خرج من المصر فرسخين (١٣) أو ثلاثة فله أن يصلي على الدابة (١٤)، وقال بعضهم: بقدر الميل وإن كان أقلّ من ذلك فلا يجوز، هذا كله في «المحيط» (١٥). والجواز في المصر، أي: ينفي الجواز في المصر (١٦). وذكر في الهارونيات (١٧): أن عند أبي حنيفة لا يجوز التطوع على الدابة في المصر، وعند محمد يجوز ويكره، وعند أبي يوسف لا بأس به، فأبو حنيفة قال: التطوع على الدابة بالإيماء جوزناه بالنص بخلاف القياس، وإنما ورد النص به خارج المصر، والمصر في هذا ليس في معنى خارج المصر؛ لأن سيره على الدابة في المصر لا يكون ممتدًا (١٨) عادة، فرجعنا فيه إلى أصل القياس، وحكي أن أبا يوسف ﵀ لما سمع هذا من أبي حنيفة ﵀ قال: حدثني فلان عن (١٩) فلان: «أن النبي ﵇ ركب الحمار (٢٠) في المدينة يعود سعد بن عبادة ﵁ (٢١) فكان يصلي وهو راكب» (٢٢)، فلم يرفع أبو حنيفة ﵀ رأسه قيل: إنما لم يرفع رأسه رجوعًا منه إلى الحديث (٢٣)، وقيل: بل هذا حديث شاذ فيما يعم به البلوى، والشاذ في مثله لا يكون حجة عنده، فلهذا لم يرفع رأسه، وأبو يوسف ﵀ أخذ بالحديث، ومحمد كذلك، إلا أنه كره ذلك في المصر؛ لأن اللفظ فيه فلكثرة اللفظ ربما يبتلى بالغلط في القراءة، فلهذا كره. كذا في «المبسوط» (٢٤) و «المحيط» (٢٥)، إلا أنه ذكر في «المحيط» (٢٦): قال أبو يوسف غير (٢٧) ذلك حدثني فلان وسمَّاه عن سالم (٢٨) عن ابن عمر مكان قوله: حدثني فلان عن فلان فإن افتتح التطوع راكبًا، ثم نزل يبني (٢٩)، فإن قيل: القول بالبناء هاهنا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف، وذلك لا يجوز كالمريض إذا صلى بعض صلاته بالإيماء، ثم قدر على الأركان لا يجوز له البناء تحرزًا عما قلنا.

стр. 846

قلنا: الإيماء من المريض دون الإيماء من الراكب؛ لأن الإيماء من المريض بدل عن الأركان والإيماء من الراكب ليس بدل عنها؛ لأن البدل في العبادات اسم لما يصار إليه عند عجز (١) غيره، والمريض أعجزه مرضه عن الأركان فكان الإيماء بدلا عنها، والراكب لم يعجزه الركوب عن الأركان؛ لأنه يمكنه الانتصاب على الركابين، فيكون ذلك منه قيامًا (٢)، وكذلك يمكنه أن يخر راكعًا وساجدًا، ومع هذا أطلقه الشارع في الإيماء، فلا يكون الإيماء بدلًا عن (٣) فكان قويا في نفسه فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف (٤)، (٥)، فإن قيل: إذا كان الإيماء على الدابة قويًا في نفسه لماذا لا يجوز البناء إذا تحرّم نازلًا، ثم ركب أو أركب؟ قلنا: أما إذا ركب فلان الركوب عمل كثير، وأنه قاطع للتحريمة، وأما إذا أركب فلان الدليل يأتي جواز الصلاة راكبًا؛ لأن سير الدابة مضاف إلى راكبها، فيتحقق الأداء بخلاف النزول (٦) في أماكن مختلفة فحينئذ يتحقق الأداء في حالة المشي، وذا (٧) لا يجوز إلا أن في الشرع جعل الأماكن المختلفة كمكان واحد للحاجة إلى قطع المسافة وصيانة نفسه وماله عن التوى والتلف، فكان ابتداء التحريم نازلًا دليل استغنائه عما ذكرنا، فلما (٨) يجوز له البناء بعد ذلك. كذا في «الفوائد الظهرية» (٩). وفرق في «المحيط» (١٠): بوجه آخر بين المريض الذي قدر في خلال صلاته على الركوع والسجود حيث يستقبل وبين الراكب إذا نزل حيث يبنى بالركوع والسجود هو أن في المريض ليس له أن يفتح الصلاة بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، فكذلك إذا قدر على ذلك في خلال صلاته لا يبني إما له أن يفتتح الصلاة بالإيماء على الدابة مع القدرة على الركوع والسجود بالنزول، فكذلك قدرته على الركوع والسجود بالنزول لا يمنعه من (١١) البناء.

стр. 847

[الفرق بين المريض والراكب] قلت:/ وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبًا، ثم نزل؛ لأنه ليس له أن يفتتحها بالإيماء على الدابة عند قدرته على الركوع والسجود بالنزول/ ولذلك قيد المسألة في الكتاب (١) بقوله: فإن افتتح التطوع راكبًا، وذكر الإمام الإسبيجاني ﵀ (٢): أن استقبال المريض فيما إذا صح في خلال صلاته إنما كان في المكتوبة ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فاحتمل أن المريض لا يستقبل أيضًا في التطوع فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أنه مستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بينا (٣). قوله: لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا … إلى آخره. هذا الدليل في الفرق بين الراكب والنازل مما اختاره فخر الإسلام ﵀، وقال: قيل: في الفرق بينهما الركوب عمل كثير فيقطع والنزول عمل يسير، فلم يقطع، وهذا أمر مضطرب؛ لأنهما سواء عند عامة الناس أرأيت لو رفع، فوضع في السرج وضعًا، يعني: لا فعل منه أصلًا، ومع ذلك لا يجوز، ثم ذكر هذا الفرق الذي ذُكر في الكتاب، وعن أبي يوسف ﵀: أنه يستقبل إن نزل أيضًا كالمريض إذا برأ في خلال صلاته بالإيماء، وقدر على الركوع والسجود، فإنه يستقبل لئلا يلزم بناء القوى على الضعيف على ما ذكرنا (٤). وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان: وعن محمد ﵀ الراكب إذا نزل يستقبل الصلاة، والنازل إذا ركب يبني؛ لأن الراكب إذا نزل لو استقبل كان مؤديًا جميع الصلاة بركوع وسجود، وهو أولى من أداء البعض بالإيماء، والبعض بركوع وسجود (٥)، والنازل إذا ركب لو استقبل كان مؤديًا جميع الصلاة بالإيماء، ولو بنى كان مؤديًا بعضها بركوع وسجود، فكان البناء أولى، وعلى قول زفر: يبني في الوجهين؛ لأن عنده يجوز بناء الصلاة بركوع وسجود [وهو أولى من أداء الأصل بالإيماء (٦) على صلاة افتتحها بالإيماء (٧).

стр. 848

وفي «المحيط» (١) في تعليله؛ لأنه لما جاز له الافتتاح على الدابة بالإيماء مع القدرة على النزول فالبناء أولى. قوله: وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، يعني: يستقبل، وأما إذا لم يصل ركعة بالإيماء، ثم نزل أتمها نازلًا، لكن هذه الرواية على أصل محمد غير مستقيم؛ لأن تحريمة الصلاة انعقدت (٢) بالإيماء، فلا يصح إتمامها بركوع وسجود؛ لأنه يكون بناء القوي (٣) على الضعيف كذا نقل عن صدر الإسلام، ووجهه مع أنه مخالف لظاهر الرواية عنه أنه لم يتم ركعة كان مجرد تحريمة، وهي شرط عندنا، والشرط (٤) المنعقد للضعيف كان شرطًا للقوي كالطهارة للنافلة يكون طهارة للمكتوبة، فيصح أما إذا صلى ركعة، فقد تأكد فعل (٥) الضعيف، فلا يبني عليه القوي كما في الاقتداء، والأصح: هو الظاهر وهو أن الراكب إذا نزل لا يستقبل، وفي عكسه يستقبل ووجهه ما هو المذكور في الكتاب، وهو ما ذكرناه (٦)، والله أعلم (٧). فصل في قيام شهر رمضان لما ذكر باب النوافل اتبعه بفصلي القراءة والتراويح لزيادة تعلقهما واختصاصهما به أما القراءة فإنها واجبة في جميع ركعات النفل، وأما التراويح فإنها نوافل إلا أنها اختصت بخصائص ليست هي مطلق النوافل من الجماعة، وتقدير الركعات وسنة الختم (٨)، (٩). قوله: فَيُصَلِّيَ بِهِمْ إمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، والترويحة هاهنا اسم لكل أربع، فكانت جملتها عشرين ركعة، وهذا عندنا، وعند الشافعي (١٠)، وأما عند مالك فإنها مقدرة بستٍّ وثلاثين ركعة (١١) اتباعًا لعمر وعلي رض، وما قلناه هو المشهور من الصحابة والتابعين، وما روى مالك غير مشهور أو هو محمول على أنها كانا يصليان بين كل ترويحة أربع ركعات فُرادى فُرَادى كما هو مذهب أهل المدينة فإن قاموا بما قال مالك ﵀ بالجماعة، فعند الشافعي لا بأس به، وعندنا يكره بناء على أن التنفل بالجماعة بما شاءوا وأنكره عندنا خلافًا للشافعي ﵀، وأما لو أتوا بما زاد على العشرين إلى تمام ست وثلاثين فرادى فلا بأس به، وهو مستحب. كذا في «المحيط» (١٢).

стр. 849

وفي (١) فتاوى قاضي خان (٢): ثم التراويح جمع ترويحة، وأصلها المصدر، وعن أبي سعيد: سميت الترويحة لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات يقال: روحت بالناس أي: صليت بهم التراويح. كذا في «المغرب» (٣). والأصح: أنها سنة التراويح سنة هو الصحيح من المذهب، وهكذا روى الحسن، عن أبي حنيفة ﵀ نصًّا، والدليل على أنها سنة قوله ﵇: «أن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه» (٤)، وواظب عليها الخلفاء الراشدين (٥)، وقال ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٦). والمستحب في الجلوس بين التراويح مقدار الترويحتين كان من حقه أن يقول:/ والمستحب في الانتظار بين الترويحتين؛ لأنه استدل بعادة أهل الحرمين على ذلك، وأهل الحرمين لا يجلسون، فإن أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، وأهل المدينة يصلون بدل ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار ويسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتًا، وإنما يستحب الانتظار بين كل ترويحتين؛ لأن الترويحة مأخوذ من الراحة، فيفعل ما قلنا تحقيقًا للاسم. كذا في فتاوى قاضي خان (٧)، و «المحيط» (٨). قوله: ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ اختلف المشايخ في وقتها، حكى عن الشيخ الإمام إسماعيل (٩) المستمل (١٠)، وجماعة من متأخري مشايخ بلخ (١١) ﵏ أن جميع الليل إلى طلوع الفجر، قبل العشاء وبعده وقتها؛ لأنها سميت قيام الليل فكان وقتها الليل، وقال عامة مشايخ بُخارى (١٢) ﵏: وقتها ما بين العشاء والوتر، فإن صلاها قبل العشاء أو بعد الوتر لم يؤدها في وقتها؛ لأن التراويح عرفت بفعل الصحابة، فكان وقتها ما صلوا فيه، وهم صلَّوا بعد العشاء قبل الوتر (١٣).

стр. 850

وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: الصحيح أنه لو صلى التراويح قبل العشاء لا يكون تراويح، ولو صلى بعد العشاء وبعد الوتر جاز، ويكون تراويح؛ لأنها تبع للعشاء بمنزلة السنة (١). قوله ﵀: وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يقرأ في كل شفع مقدار ما يقرأ في صلاة المغرب؛ لأن التطوع أخف من المكتوبة، فيعتبر بأخف المكتوبات قراءة، وهو المغرب، وهذا ليس بصحيح؛ لأن بهذا القدر لا يحصل الختم، والختم في التراويح مرة واحدة سنة، وقال بعضهم: يقرأ مقدار ما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء، وقال بعضهم: وهو رواية الحسن، عن أبي حنيفة رحمهما الله: يقرءون في كل ركعة عشر آيات، وهو الصحيح؛ لأن فيه تخفيفًا على الناس، وبه يحصل السنة، وهي (٢) الختم مرة واحدة؛ لأن عدد الركعات في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم في التراويح، والفضيلة في الختم مرتين، وأهل الاجتهاد كانوا يختمون في كل عشر ليالٍ، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه كان يختم في شهر رمضان إحدى وستين ثلاثين في الليالي، وثلاثين في الأيام، وواحدة في التراويح (٣)، كذا في فتاوى قاضي خان (٤). وإذا كان إمام مسجد حيَّه لا يختم له (٥) أن يترك مسجد حيه ويطوف، وما ذكر الصدر الشهيد أنه إذا كان يقرأ في مسجد حيّه قدر المسنون لا يترك (٦) مسجد حيه لم يتضح لي معناه، كذا في «المحيط» (٧). [الدعاء بعد التشهد] قوله: بخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا، يعني: إذا علم أن قراءة الدعوات تثقل على القوم قال ﵀: لكن ينبغي أن يأتي بالصلاة؛ لأن الصلوات فرض عند الشافعي ﵀ (٨)، فيحتاط في الإتيان بها، كذا في «الخلاصة» (٩). ولا يصلي الوتر بجماعة في غير شهر رمضان؛ لأنها نفل من وجه حتى وجبت القراءة في الركعات كلها، ويؤدي بغير أذان وإقامة، وصلاة النفل بالجماعة ليست مستحبة؛ لأنها لو كانت مستحبة لكانت أفضل من الصلاة فرادى، ولو كانت أفضل لفعلها أصحاب رسول الله ﵇ ولو فعلوا لاشتهروا به واشتهرت الجماعه في الوتر خارج رمضان علم أنهم لم يغفلوا، كذا ذكره الإمام الوالوالجي (١٠) ﵀ (١١).

стр. 851

وأما الوتر (١) في رمضان بالجماعة أفضل أم الأداء في منزله وحده، الصحيح: أن الجماعة أفضل؛ لأن عمر ﵁ كان يؤمهم في الوتر (٢)؛ لأنه لما جاز الأداء بالجماعة كانت الجماعة أفضل اعتبارا بالمكتوبة، كذا في فتاوى قاضي خان ﵀ (٣). وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي: أن الوتر بالجماعة أحب إليّ في رمضان، واختار بعض علماؤنا أن يوتر في منزله في رمضان (٤)، ولا يوتر بجماعة؛ لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كما اجتمعوا على التراويح فيها، فعمر كان يؤمهم فيها في رمضان، وأُبي بن كعب (٥) لا يؤمهم فيها، كذا في «المحيط» (٦) والله أعلم. باب إدراك الفريضة لما فرغ من بيان أنفس (٧) الصلوات المفروضات والواجبات والسنن شرع في بيان مسائل متفرقة يتعلق بالفرائض في الأداء الكامل (٨)، ومسائل هذا الباب كلها من مسائل «الجامع الصغير. [ادراك الركعة] قوله:/ وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ أراد بالإقامة شروع الإمام في الصلاة/ لا إقامة المؤذن فإنه لو أخذ المؤذن في الإقامة والرجل لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة، فإنه يتم الركعتين بلا خلاف بين أصحابنا قال: كذا قاله شمس الأئمة الحلواني ﵀، كذا في «الفوائد الظهرية»، و «الجامع الصغير» البرهاني (٩).

стр. 852

قوله: يُصَلِّي أُخْرَى صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ فإن قيل: كيف يستقيم هذا على أصل محمد، والأصل عنده أن صفة الفرضية إذا بطلت بطل أصل الصلاة، فلم يكن المؤدي مصونًا حينئذٍ عن البطلان؟ قيل: (قال القاضي الإمام ظهير الدين) (١): سمعت والدي يقول: ليس هذا مذهبًا لمحمد في جميع المواضع إنما هذا مذهب له فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها كما إذا قيد الخامسة بالسجدة، وهو لم يقعد في الرابعة، وهاهنا يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي فيها، والفرق بينهما أن إبطال صفة الفرضية لإحراز فصل الجماعة بإطلاق من الشرع، وإبطال صفة الفرضية هناك ليس بإطلاق من جهة الشرع، فجاز أن ينقلب نفلا هاهنا، وصار كالمكفر بالصوم إذا أيسر في خلال الصوم (٢) اليوم، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٣)، ثم يدخل مع القوم إحراز الفضيلة الجماعة كما لو شرع في الظهر، ثم أقيمت الجمعة ألا ترى أنه يجوز قطعها لحطام الدنيا، فإن المرأة إذا كانت يفور قِدرها جاز لها القطع، وكذا المسافر إذا ندّت دابته أو خاف فوت شيء من ماله (٤). وفي «اللآلئ»: يقطع لأجل الدرهم، فلما جاز القطع لحطام الدنيا، فلان يجوز لإحراز فضيلة الجماعة أولى، وحاصله أن نقض الصلاة بغير عذر حرام، والنقض للإكمال كمال كهدم المسجد للبناء وللصلاة بالجماعة ضرب مزية على الصلاة وحده، قال ﵇: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٥)، فيجوز النقض لإحراز الجماعة، وعن عبد الله بن عباس أن رجلًا سأله عن رجل يقوم بالليل ويصوم بالنهار ولا يحضر الجماعة؟ قال: هو في النار (٦). فإن قيل: لماذا يجوز إبطال صفة الفرضية لإقامة السنة. قلنا: يجوز إبطال الفرض لإقامة الفرض على أكمل الوجوه كما إذا تذكر في الركوع أنه لم يقرأ السورة، فإنه يرفض الركوع لقراءة السورة، فلأن يجوز إبطال صفة الفرضية لإقامة الفرض على أكمل الوجوه كان أولى، وكذلك يتحمل الانحراف والانصراف في صلاة الخوف لإقامة الجماعة علم أن إقامة الجماعة أمر عظيم. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀، وقاضي خان، وظهير الدين ﵏ (٧).

стр. 853

وإن لم يقيد الأولى بالسجدة يقطع ويشرع مع الإمام هو الصحيح، ومال إلى هذا فخر الإسلام ﵀، وبعضهم قالوا: يصلي ركعتين، ثم يقطع ومال إلى هذا شمس الأئمة السرخسي ﵀، وكان الشيخ (١) محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ (٢) تختلف فتواه في هذا كذا في «الفوائد الظهرية» (٣). واختار (٤) الإمام قاضي خان القطع أيضًا كما اختار في الكتاب قال بعضهم: يقطع وهو الصحيح؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، ألا ترى أنه لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، ولا يقال: بأن ما أتى به إن لم يكن صلاة كانت هي قربة والجماعة سنة، فلماذا يجوز إبطالها لمراعاة السنة ألا ترى أنه لو شرع في التطوع، ولم يقيدها بالسجدة حتى أقيمت للفرض، فإنه لا يقطع؛ لأنا نقول: هذا إبطال صورة لكنه وسيلة إلى الإكمال، فلا يعد إبطال كمن صلى وسها، وكان ذلك أول ما سها، فإنه يستقبل بخلاف ما إذا شرع في النفل؛ لأن ذلك القطع ليس للتكميل، وفي التفاريق كبّر للنفل، فحضرت جنازة إن خاف (٥) فوت الجنازة قطعها (٦). قوله: يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وإليه مال السرخسي والبقالي والأسبيجاني ﵀، وقيل: يتم وإليه أشار في الأصل، وحكى عن السغدي (٧) أنه كان يقول: (٨) أفتي (٩) يتم سنة الظهر أربعًا بخلاف التطوع حتى وجدت في «النوادر» رواية عن أبي حنيفة إذا شرع في سنة الجمعة، ثم خرج الإمام قال: إن كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى ويسلم، فرجعت عن ذلك (١٠)، كذا ذكره التمرتاشي ﵀ (١١)؛ لأن للأكثر حكم الكل، فلا يحتمل النقض؛ لأن بذلك ثبت شبهة الفراغ، ولو ثبت حقيقة الفراغ لا يقبل النقض، فكذا إذا ثبت شبهة الفراغ، كذا في «المحيط» (١٢).

стр. 854

وذكر الإمام قاضي خان: ولأنه منهي عن إبطال الركعة الثالثة من غير ضرورة مع التمكن من احراز الجماعة؛ لأنه بتيراء لأنه بمحل الرفض؛ لأن ما دون الركعة محل/ الرفض؛ لأن الشفع الأول قد تم، والقيام إلى الثالثة أو في ركوعها ما دون الركعة (١) ليس لها حكم الصلاة على ما ذكرنا، فكان محل الرفض ويتخيّر إن شاء عاد فقعد (٢). وفي «المحيط» (٣): وإذا أراد القطع كيف يقطع؟ قال بعضهم: هو بالخيار إن شاء عاد فقعد وسلم، وإن شاء كبر قائمًا ينوي الشروع في صلاة الإمام. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ يعود إلى التشهد لا محالة؛ لأنه أراد الخروج عن صلاة معتد بها لم (٤) يشرع إلا بالقعدة، ثم إذا عاد إلى القعدة على قول من يعود اختلفوا قال بعضهم: يقرأ التشهد ثانيًا؛ لأن القعدة الأولى لم يكن قعدة ختم، وقال بعضهم: يكفيهم التشهد الأول؛ لأن بالعود إلى القعدة يرتفص القيام وجعل كأنه لم يوجد أصلًا، فكانت هذه القعدة هي القعدة الأولى، وقد تشهد فيها، ثم يسلم تسليمتين عند بعضهم؛ لأنه تحلل عن (٥) القربة، فكان بالتسلمتين، وعند بعضهم يسلم تسليمة واحدة؛ لأن التسليمة الثانية للتحلل، وهذا قطع من وجه، وإذا أتمها يدخل مع القوم، والدخول ليس بختم؛ لأنه تطوع. وفي «المحيط» (٦): وإذا أتمها إن شاء دخل مع الإمام بنية التطوع، وإن شاء لم يدخل؛ لأن ما يؤدي مع الإمام تطوع له، والناس في التطوعات بالخيار، ولكن الأفضل أن يدخل في صلاة الإمام؛ لأن التطوع بعد الظهر مشروع، فلو خرج من المسجد ولم يصلِّ مع الإمام ربما يتهم ممن لا يرى الجماعة، وقد ورد في غير هذه الصورة نصّ وهو ما روي: «أن رسول الله ﵇ فرغ من الظهر فرأى رجلين (٧) في آخريات الصفوف لم يصليا معه، فقال: عليّ بهما، فأتى بهما وفرائصهما ترتعد (٨) فقال: على رسلكما فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد، ثم قال: «ما لكما لم تصليا معنا؟ فقالا: كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵇: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما صلاة قوم فصليا معهم، واجعلا صلاتكما معهم سُبحة (٩)، أي: نافلة.

стр. 855

وكذلك الحكم في صلاة العشاء؛ لأن التنفل (١) بعد العشاء مشروع أيضًا، فإن قيل: أليس أن أداء النفل بجماعة خارج رمضان مكروه؟ قلنا: نعم، ولكن ذاك إذا كان الإمام والقوم يؤدون النفل، وأما إذا أدى الإمام الفرض، والقوم النفل لا بأس به بدليل ما روينا من الحديث (٢). وأما الجواب عن فرضية القراءة في الركعات كلها على المقتدي المتنفل، وعدم فرضيتها في الأخريين على الإمام المفترض، وكذلك في القعدة الأولى، فقد مرّ ذكره فيما سبق، وإن أراد أن يكون فرض ما صلى مع الإمام، فالحيلة أن لا يقعد في الرابعة من صلاته التي أداها وحده، ويصلي الخامسة والسادسة، فيصير ذلك نفلًا له، ويكون فرضه ما صلى مع الإمام، وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواية أي: لا يشرع في صلاة الإمام بعدما صلى المغرب، وعن أبي يوسف أنه قال: الأحسن أن يدخل مع الإمام ويصلي أربع ركعات يصلي ثلاث ركعات مع الإمام، فإذا فرغ الإمام قام، وأتم الرابعة أكثر ما فيه أن فيه نوع تغير إلا أن هذا التغير إنما وقع بسبب الاقتداء والتغير بسبب الاقتداء لا بأس به (٣) كمن أدرك الإمام في السجدة، فإنه يتابعه فيها، والسجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدركه في القعدة، فإنه يتابعه فيها، والقعدة قبل أداء الأركان ليس بمشروع، وعنه في رواية أخرى يدخل في صلاة الإمام، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء فليس به بأس كما لو اقتدى بالإمام في الظهر بعدما صلاها، وترك الإمام القراءة في الأخريين فإنه يجوز صلاة المقتدى؛ لأنه تغير وقع بسبب الاقتداء، وعندنا إن دخل في صلاة الإمام فعل كما قال أبو يوسف ﵀ في الرواية الأولى بأن يتم أربعًا؛ لأن مخالفة الإمام أهون من مخالفة السنة، كذا في «المحيط» (٤)، و «الجامع الصغير» لقاضي خان (٥). وفي جعلها أربعًا مخالفة لإمامه، فإن قلت: هذه مخالفة بعد (٦) فراغ الإمام من صلاته، فليس به بأس كالمقيم إذا اقتدى بالمسافر كالمسبوق فإنهما يقومان بعد فراغ الإمام (٧).

стр. 856

قلت: هذا هو الوجه الذي تشبث به أبو يوسف ﵀ فيما روي عنه أنه يقتدي ويتم أربعًا وجه الفرق في ظاهر الرواية أن صلاة المسافر على فرضية أن تصير أربعًا، ولا كذلك صلاة المغرب/ وأما المسبوق فقد عرف جوازه بالسنة في قوله ﵇: «وما فاتكم فاقضوا» (١)، (٢). وقد استدل في «المحيط» (٣) على أنه لا يضيف إليها ركعة أخرى بأنه يصير بأنه يصير متنفل بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وأنه مكروه. [الخروج من المسجد بعد الآذان] قوله/ ﵀: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِنَّ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ، أما إذا كان مسجد حيه، فلا شك أنه لا يخرج قبل الصلاة؛ لأن المؤذن دعاه ليُصلي فيه، فإن لم يكن مسجد حيه إن كان صلّوا في مسجد حيه، فكذلك لأنه صار من أهل هذا المسجد بالدخول، وإن لم يكن صلوا إن خرج ليصلي في مسجد حيه لا بأس؛ لأن الواجب عليه أن يصلي في مسجد حيه، ولو صلى في هذا المسجد، فلا بأس أيضًا؛ لأنه صار من أهله، والأفضل أن لا يخرج؛ لأنه يتهم إلا أن يكون إمام قوم أو مؤذنًا يتفرق الناس في مسجد حيه لغيبته (٤)، (٥). وفي الثاني: فاتته الجماعة في مسجد حيه، فإن أتى مسجدًا آخر يرجو فيه الجماعة، فحسن، وإن صلى في مسجد حيه، فحسن أيضًا هذا إذا لم يدخل المسجد، فإن كان قد دخل يصلي فيه، وأي الحسنين أفضل؟ كان الشعبي ﵀ (٦) يختار طلب الجماعة، والنخعي ﵀ يختار مسجد حيه، والبصري ﵀ يقول: كان الصحابيون إذا دخلوا مسجد حيهم صلوا فرادى بغير أذان ولا إقامة، ولو كان متفقهًا فجماعة مسجد أستاذه لأجل درس أو لسماع الأخبار أو لسماع مجلس العامة أفضل بالإنفاق؛ ليحصل الثوابين فلو فاتته التكبيرة الأولى أو ركعة أو ركعتان فالأفضل أن يصلي في مسجد حيه ولا يذهب إلى مسجد آخر، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀؛ لأنه يتهم بمخالفته الجماعة قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» (٧) يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد أما يصليهما، وإن كانت الجماعة قامت؛ لأن سنة الفجر من أقوى السنن قال ﵇: «صلوهما، فإن فيهما الرغائب (٨)، صلوهما وإن طردتكم الخيل عنهما (٩) (١٠)، وقال ﵇: «ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها» (١١) وإدراك ركعة من الفجر مع الإمام بمنزلة إدراك الكل، قال ﵇: «من أدرك ركعة من الفجر فقد أدرك الصلاة» (١٢)، فيجمع بينهما، وأما عند باب المسجد، فإنه لو صلَّاهما في المسجد كان متنفلًا في المسجد عند اشتغال الإمام بالفريضة، وأنه مكروه والسنة في ركعتي الفجر الأداء في البيت، فإن رسول الله ﵇ كان يصليهما (١٣) في البيت، وأنكر على من صلاها في المسجد، وهذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، فإن لم يكن يصليهما في المسجد إلا أنه إذا كان الإمام في الصيفي يصليهما في الشتوي أو على العكس وإن كان الصيفي والشتوي واحدًا يقوم خلف الصفوف، وعند سارية، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١٤).

стр. 857

وذكر فخر الإسلام: فإن تعذر فخلف سارية من سواري المسجد وأشدها كراهة أن يصليهما مخالطًا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف (١). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: واختلف في الوقت المستحب لها قيل: إن تؤديّا كما طلع الفجر؛ لأن السبب قد وجد، وقيل: إن تؤديّا بقرب من الفريضة؛ لأنهما تبع للفريضة، وعند الشافعي يشتغل بالجماعة، ويؤدي السنة بعد أدائها (٢)؛ لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣)، ولنا ما روي عن النبي ﵇: «رجع عن صلح بين الأنصار فوجد الناس في الفجر ودخل منزله وصلى ركعتي الفجر، ثم خرج» (٤). وعن أبي عثمان النهدي قال: كان الناس يفعلون كذلك في زمن عمر ﵁، والحديث محمول على غير صلاة الفجر توفيقًا بين الحديثين (٥). وما ذكره الشافعي ﵀ بناه على مذهبه فإنه يأتي بالسنة بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو غير جائز عندنا لما روي من حديث ابن عباس قال: حدثنا (٦) المرضيّون من أصحاب رسول الله ﵇ وأرضاهم عندي عمر ﵁ أن النبي ﵇ قال: «إذا أقيمت الفجر فلا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس» (٧)، فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ لما صلى الفجر رأى رجلا يصلي بعد ذلك ركعتي الفجر فقال له: «ما هاتان الركعتان؟ قال: ركعتا الفجر كنت لم (٨) أركعهما، فسكت النبي ﵇» (٩).

стр. 858

قلنا: يحتمل أن يكون (١) ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه إنما سكت؛ لأنه لم يكن وقت التعليم، وليس في الحديث أنه لم يُعلمه بعده، والنبي ﵇ كان لما يشتغل بالتعليم في كل/ وقت، كما روي عن ابن مسعود ﵁ قال: «كان رسول ﵇ يعظنا أحيانًا مخافة السامة علينا» (٢)، كذا ذكره الإمام المحبوبي ﵀ (٣). قوله: … (٤) والوعيد بالترك ألزم. قال ﵇: «لقد همت أن استخلف من يصلي بالناس فانظر إلى من لم يحضر الجماعة فأمر بعض الفتيان بأن يحرقوا بيوتهم» (٥)، ولم يذكر في الكتاب أنه كان يرجوا إدراك القعدة كيف يفعل فظاهر ما ذكرنا في الكتاب يدل على أنه يدخل مع الإمام؛ لأنه قال: إن خاف أن يفوته الركعتان يدخل مع الإمام (٦). وحكي عن الفقيه أبو جعفر ﵀ أنه قال على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀: يصلي ركعتي الفجر؛ لأن إدراك التشهد عندهما كإدراك الركعة أصله مسألة الجمعة، وحكي عن الفقيه إسماعيل الزاهد ﵀ أنه كان يقول: ينبغي أن يشرع في السنة، ثم يقطعها، ويدخل مع الإمام حتى يلزمه بالشروع، فيتمكن من القضاء بعد الفجر (٧)، (٨). قال الإمام السرخسي ﵀: وليس هذا بقوي فإن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر، وقد نص محمد ﵀: أن المنذور لا يؤدي بعد الفجر قبل الطلوع، ثم هذا أيضًا أمر بالإتيان (٩) على قصد أن يقطعها، وهذا غير مستحسن شرعًا كذا ذكره الإمام التمرتاشي، وقاضي خان (١٠)، بخلاف سنة الظهر حيث يتركها في الحالين، أي: يترك سنة الظهر حال خوف فوت كل فرض الظهر، وحال خوف فوت البعض وهو الصحيح احتراز عن قول بعضهم أنه لا يقضيها، وهذا غير سديد للحديث: «من فاتته الأربع قبل الظهر قضاها بعده» (١١) ذكر الإمام التمرتاشي هو المروي عن النبي ﵇، وهو قوله ﵇: «نوَّروا بيوتكم بالصلاة ولا تجعلوها قبورًا»، ولذلك أفتى الفقيه أبو جعفر بأن التطوع في المساجد حسن، وفي البيت أفضل، وكان يقول: كانت جميع السنن والوتر لرسول الله ﵇ في بيته (١٢). وفي الجامع الأصغر (١٣): إذا صلى الرجل المغرب في المسجد بالجماعة يصلي ركعتي المغرب في المسجد إذا كان يخاف أنه لو رجع إلى بيته يشتغل بشيء، وإن كان لا يخاف، فالأفضل أن يصلي في بيته لقوله ﵇: «خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة» (١٤).

стр. 859

وفي «شرح الآثار» (١): أن الركعتين بعد الظهر والركعتين بعد المغرب يؤديهما في المسجد، فأما سواهما، فلا ينبغي أن يصلي في المسجد، وهذا قول البعض، كذا في «المحيط» (٢)؛ لأنه يبقى نفلًا مطلقًا؛ لأن السنة ما أداها رسول ﵇، ولم يثبت أنه ﵇ أداهما في غير الوقت على الانفراد إنما قضاهما تبعًا للفرض غداة ليلة التعريس، ولا كلام فيه إنما الكلام على الانفراد، فكان نفلا مطلقًا بخلاف سنة الظهر إذا فاتت قبل الظهر، فإنه يقضيها بعد الظهر في الوقت؛ لأن رسول الله ﵇ قضاها في الوقت بعد الظهر هكذا رواية عائشة ﵂ (٣)، كذا في «المحيط (٤)» (٥). وقال محمد: أحبُّ إلي أن يقضيهما إلى وقت الزوال، ومن المشايخ من قال: لا خلاف بينهم، فإن محمدًا يقول: أحب إليّ أن يقضي، فإن لم يفعل فلا شيء عليه (٦)، وهما يقولان: ليس عليه أن يقضي، فإن فعل لا بأس به منهم شمس الأئمة الحلواني ﵀، ومنهم من حقق الخلاف، وقال: الخلاف في أنه لو قضى يكون نفلًا مبتدأ أو سنة، كذا في «المحيط» (٧)؛ لاختصاص القضاء بالواجب؛ لأن القضاء إسقاط الواجب بمثل من عنده، ثم إنما يقضي تبعًا له، وهو يصلي بالجماعة أو وحده، أي: عندنا يقضيها تبعًا للفرض سواء قضى الفرض بالجماعة أو وحده، وفيما بعده اختلاف المشايخ، أي: فيما بعد الزوال يقضي الفرض لا محالة، وهل يقضي السنة تبعًا له؟ قال بعض أصحابنا: يقضي السنة أيضًا وهو أحد قولي الشافعي، وكذا في سائر السنن، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٨).

стр. 860

وذكر في «المحيط» (١): أنه لا يقضي السنة بعد الزوال وإن تركها مع الفرض من غير ذكر الخلاف، ومن أدرك من الظهر ركعة ولم يدرك الثلاث فإنه لم يصلِّ الظهر في جماعة، وقال محمد ﵀: قد أدرك فضل الجماعة، فإن قلت: الاختلاف إنما يكون عند اتحاد الموضوع، ثم ذكر أيضًا (٢) قولهما في صلاة الظهر في جماعة، وقول محمد في إدراك فضل الجماعة، وهما متغايران في الوضع، فلا يتحقق الاختلاف بذلك (٣). قلت: تخصيص ذكر محمد ﵀ ليس لبيان الاختلاف فيما/ بينهم، فإنهم اتفقوا في الوضعين، وهو أنه لم يصلّ الظهر في جماعة، وأنه أدرك فضل الجماعة وإنما خصّ قول محمد لشبهة ترد على قوله. وقد ذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٤)، فقال: أما فائدة (٥) قوله: لم يصلّ الظهر في جماعة أنه لو حلف، وقال: إن صليت الظهر مع الإمام فعبده حرّ، فأدرك ركعة مع الإمام، ولم يدرك الثلاث لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام، وقد صلى ثلاث ركعات بدون الإمام، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ولأنه فاتته ركعة مع الإمام، وصلى ثلاث ركعات معه، فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لم يصلّ الكل مع الإمام. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: يكون حانثًا؛ لأنه صلى الأكثر مع الإمام وللأكثر حكم الكل، ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام حنث، وإن أدركهم قعودًا؛ لأن بإدراك البعض يسمى مدركًا قال ﵇: «من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها» (٦)، وقال محمد: في المسألة الأولى، فقد أدرك فضل الجماعة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف أيضًا، وإنما خصّ قول محمد؛ لأنه لا شبهة في قولهما إنما الشبهة في قول محمد، فإن على قولهما إذا أدرك الإمام في الجمعة في القعدة كان مدركًا للجمعة حتى يصلي ركعتين، وعلى قول محمد يصلي أربعًا، ويكون مدركًا للجمعة محرز ثوابها لما ذكرنا أن إدراك الشيء إنما يكون بإدراك جزء منه، وقال ﵇: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (٧)، وإنما يصلي أربعًا احتياطًا، ولهذا يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وسورة، ويقعد في الثانية لا محالة احتياطًا، ولو لم يكن مدركًا للجمعة لصلى أربعًا كما يصلي الظهر، ومن المتأخرين من قال على قول محمد المسبوق لا يكون مدركًا فضيلة أداء الصلاة بجماعة؛ لأنه لم يؤد الصلاة بجماعة بل يكون مدركًا ثواب الإدراك وفيه نظر لان صلاة الخوف لم تشرع إلا لبيان كل واحدة في الطائفتين ثواب أداء الصلاة الجماعة، وقال الفقيه أبو جعفر ﵀: هذه المسألة جواب لسؤال لم يذكر السؤال رجل قال: عبده حر إن صلى الظهر بجماعة فأدرك ركعة من الظهر مع الإمام ما حكمه، ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر بجماعة، يعني: في الأول لا يحنث، وفي الثاني يحنث، كذا ذكره الإمام المرغيناني (٨) ﵀. وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ إلا في قول الثوري والحسن أنه لا يتطوع. ذكره الإمام التمرتاشي، وقيل: هذا إشارة إلى قوله: فلا بأس بأن يتطوع إلى آخره (٩).

стр. 861

قوله: وَقِيلَ هَذَا فِي الْجَمِيعِ، وهو اختيار صدر الإسلام (١)، فقال: هو في «الجامع الصغير» (٢) من أصحابنا من قال: أراد به غير سنة الفجر وغير سنة الظهر، ولكن عندي هذا ليس بشيء فإنه لو كان المراد هكذا لم يكن لهذا الوضع فائدة، فإن في حق كل من يصلي مكتوبة الجواب كذلك، بل هو مطلق، ولأن محمدًا متى ذكر التطوع قبل المكتوبة يريد به السنة، فإن من صلى المكتوبة وحده لا بأس بأن يترك السنن سنة الفجر، والظهر، وغيرهما؛ لأن النبي ﵇ ما أتى بالركعتين، ولا الأربع (٣) قبل الظهر إلا عند أداء المكتوبة بجماعة، ولم يروا عنه أنه أتى بذلك وهو (٤) يصلي وحده، ولهذا قال أبو جعفر وأبو يوسف (٥) ﵀: لا يأتي بركعتي الفجر إذا لم يصلهما قبل الفجر بعد ارتفاع الشمس؛ لأن النبي ﵇ ما أتى بهما في ذلك الوقت إلا مع الفجر، ولكن ذكر أخوه فخر الإسلام في شرح الجامع الصغير وغيره من المشايخ كشمس الأئمة السرخسي، وصاحب المحيط، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي اختار كلهم القول الأول، وهو قوله قبل هذا في غير سنة الفجر والظهر لزيادة وكارة فيهما (٦) (٧). وقال الإمام قاضي خان: والأول أصح والأخذ به أحوط؛ لأن السنة بعد المكتوبة شرعت لجبر نقصان تمكن في المكتوبة وقبلها لقطع طمع الشيطان عن المصلي، فيقول: لما لم يطعني في ترك ما يكتب عليه كيف يطيعني في ترك ما كتب عليه؟ والمنفرد إلى ذلك أحوج (٨). ومن انتهى إلى الإمام في ركوعه فكبّر ووقف حتى رفع الإمام رأسه، يعني: وقد تمكن من الركوع أو لم يتمكن لم يصير مدركًا لتلك الركعة عندنا خلافًا لزفر ﵀، وسفيان الثوري (٩)، وابن أبي ليلى (١٠)، وعبد الله بن المبارك (١١)، وعلى هذا الخلاف لو لم

стр. 862

يقف حتى انحطّ ليركع، فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع، ثم ركع، وأجمعوا أنه لو انتهى إلى الإمام، وهو قائم فكبّر، ولم يركع مع الإمام حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع أنه يصير مدركًا لهذه الركعة، وأجمعوا أنه لو اقتدى به في قومة الركوع لم يصر مدركًا لتلك الركعة وجه (١) قولهم: إنه أدركه فيما له حكم القيام، وهو الركوع على ما جاء في الأثر من أدرك الركوع، فقد أدرك القيام، ولهذا قلنا: يأتي تكبيرات العيد في الركوع مع أنه يؤتي بها في حقيقة القيام، وهذا لأن القائم إنما يفارق القاعد في النصف الأسفل، والراكع كالقائم في استواء النصف الأسفل منه، ولنا حديث ابن عمر (٢) أنه قال مثل مذهبنا، وفي حديث أبي بكرة ﵁ (٣): أنه كبر وركع عند باب المسجد، ثم دبّ (٤) راكعًا حتى التحق بالصفوف، فقال ﵇: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (٥) (٦). ولو لم يكن مشاركته مع الإمام في الركوع شرط الإدراك في الركعة لما فعل هكذا، ولأن الركوع ليس بقيام؛ لأن القيام عبارة عن استواء النصفين، والنصف الأعلى مبين منه، فقلنا: لشبهة بالقيام (٧) إذا أدركه في الركوع يصير مدركًا للركعة، ولشبهة بغير القيام لا يصير مدركًا للركعة إذا لم يركع معه عملًا بالشبهين بخلاف ما لو (٨) أدركه في القيام؛ لأنه شاركه فيما هو قيام من كل وجه، ثم إذا دخل المسجد والإمام راكع فقد قال بعض مشايخنا: ينبغي له أن يكبر ويركع، ثم يمشي حتى يلتحق بالصف كي لا يفوته الركعة (٩). قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وأكثر مشايخنا على أنه لا يكبر لكيلا يحتاج إلى المشي في الصلاة، فمن اختار القول الأول قال: معنى قوله: «لا تعد» أي: لا تؤخر المجيء إلى هذه الحالة، ومن اختار القول الثاني قال: معناه لا تعد إلى مثل هذا الصنيع وهو التكبير قبل الاتصال بالصف والمشي في الركوع، وإنما لم يأمر بإعادة الصلاة؛ لأن ذلك كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحًا، ثم إذا أدرك الإمام في الركوع وهو يعلم أنه لو اشتغله بثناء الافتتاح ألا يفوته الركوع، فإنه يثني؛ لأنه أمكنه إقامة الأمرين، فلا يترك واحدًا منهما وإن كان يفوته الركوع لو اشتغل بالثناء قال بعضهم: يثني؛ لأن الركوع يفوته إلى خلف وهو القضاء، ولو ترك الثناء أصلًا والفوت إلى خلف أهون من الفوت أصلًا، وقال بعضهم: لا يثني؛ لأن الركوع وإن كان لا يفوته فسنة الجماعة فيها يفوته ففضيلة الجماعة آكد (١٠) من فضيلة الثناء. كذا ذكر الإمام المحبوبي ﵀ (١١).

стр. 863

وحاصله: أنه لو أدركه في حقيقة القيام وشاركه فيها يكون مدركًا لتلك الركعة بالإجماع حتى لو لم يركع معه وركع بعده يكون معتبرًا؛ لأن القيام هو الأصل في الركعة، فكان مدركًا للركعة لمشاركته في القيام؛ لأن إدراك إنسان آخر في شيء لا يكون إلا بمشاركته إياه في ذلك الشيء الذي هو له كإدراك إنسان زمان قوم، ثم الركوع قيام من وجه على ما ذكرنا من قيام النصف الأسفل، فإذا شارك الإمام فيه بأن ركع حال ركوع الإمام يجعل كمشاركته في حقيقة القيام؛ لوجود بعض القيام أو لأنه وجدت المشاركة في أكثر الركعة، فيقوم مقام المشاركة في الكل؛ كيلا يفوته الركعة، وأما إذا لم يشاركه في الركوع لم يوجد المشاركة في حقيقة القيام، ولا في حكم القيام، فلا يكون مدركًا لتلك الركعة؛ لأن الإدراك لا يتحقق بدون المشاركة، وثمرة الاختلاف تظهر (١) في أن عنده هو لا حق في هذه الركعة حتى يأتي بها قبل (٢) فراغ الإمام، وعندنا هو مسبوق بها حتى يأتي بها (٣) بعد فراغ الإمام، كذا ذكره صدر الإسلام، والإمام المرغيناني (٤). [مسابقة الإمام] ولو ركع/ المقتدي قبل إمامه فأدركه الإمام فيه جاز، وكذا فعل هذا في السجدة، وقال زفر ﵀: لا تجزئه، أي: الصلاة إذا لم يعد الركوع لقوله ﵇: «إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٥)، وقوله ﵇: «أما يخشى من يركع قبل الإمام أن تصير رأسه رأس حمار» (٦) شبهه به؛ لأنه فعل فعله حيث اختير بنفسه من غير نفع، فكان ما أتى به وقع حرامًا، وما أتى بعده بناء عليه فلا يعتد به، كما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام، ولنا أن القدر الذي وجد فيه المشاركة ركوع حتى يسمى به راكعًا، فيجعل (٧) مبتدئًا/ لا ثانيًا عليه بخلاف ما لو رفع رأسه من هذا الركوع قبل ركوع الإمام؛ لأن ثمة لم يوجد المشاركة في شيء، كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀ وغيره (٨)، كما في الطرف الأول وهو أن يرفع رأسه قبل الإمام، فهذا لأن السجدة أو الركوع لها طرفان والشركة في أحدهما كافية (٩)، والله أعلم بالصواب (١٠).

стр. 864

باب قضاء الفوائت لما فرغ من بيان أحكام الأداء وما يتعلق به، وهو الأصل شرع في بيان أحكام القضاء، وهو خلف عنه إذ الأداء عبارة عن تسليم نفس الواجب بسببه إلى مستحقه، والقضاء عبارة عن تسليم مثل الواجب به (١)، فالتسليم لمثل الواجب إنما يكون عند العجز عن التسليم نفسه كما في المضمونات من حقوق العباد، فكان خلفًا، فلذلك كان ذكره بعد ذكر الأصل كما هو حقه، ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها، فكذلك الحكم إذا فوت صلاة عمدًا لكن للمسلم عقلًا ودينًا (٢) يرد عامة عن التفويت قصدًا ظاهرًا، فعبّر عنه بالفوت لذلك تحسينًا للظن به، وحملًا لأمره على الصلاح، وكذلك في الحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها» (٣)، فإن الحكم غير مقتصر على النوم والنسيان؛ لأنه إذا ترك فسقًا ومجانة يجب القضاء أيضًا بالإجماع، لكن أخرجه صاحب الشرع مخرج تحسين العبارة والظن بالخير (٤). قوله ﵀: لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ قياسًا على الصيامات المتروكة والزكوات وسائر العبادات، وذلك لأن شرط الشيء تبع له ولا أصالة تنافي التبعية، والشيء لا يجتمع مع ما ينافيه، فإن قلت: يشكل على هذا الإيمان لسائر العبادات والصوم للاعتكاف، فإن الإيمان أصل بنفسه، وهو رأس العبادات حتى يحصل بالإيمان نفسه عندنا السعادات الأبدية، ومع ذلك هو شرط لصحة العبادات كلها، وكذلك الصوم أصل بنفسه، ومع ذلك هو شرط لصحة الاعتكاف الواجب بالاتفاق (٥). قلت: الأصل هذا وهو أن الشيء إذا كان مقصودًا بنفسه لا يكون شرطًا له مع بقائه مقصودًا لغيره لما أن فيهما من المنافاة، ولكن إذا دل الدليل على أنه شرط لغيره يصح أن يكون شرطًا في نفسه، وما ذكره من المنافاة لا يلزم عند اختلاف الجهة، ثم كل منهما يصلح أن يكون شرطًا له مع بنائه مقصورًا في نفسه للنذر عند تعليق النذر به بأن يقول الرجل: إن صليت الظهر، فعلى صوم يوم، وهو يريد كونه كانت الصلاة شرطًا لوجوب الصوم عليه، فلما كان في جعل العبادة شرطًا لغيره صار شرطًا له، فأولى أن يصلح شرطا عند جعل الله شرطًا لغيره، ثم الله تعالى جعل الإيمان شرطًا لصحة سائر العبادات في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ من ذكر أو أنثى ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٦) فلا كفران بسعيه، وكذلك نفى النبي ﵇ صحة الاعتكاف بدون الصوم في قوله: «لا اعتكاف إلا بالصوم» (٧)، فصار كل واحد منهما شرطًا بغيره بهذين النصين لقيام الدليل، وأما فيما إذا لم يقم الدليل على غيره فهو على حقيقته، وحقيقة الشيء المقصود هي أن لا يصير شرطًا بغيرها (٨). ومن حجته أيضًا ما ذكره صاحب المحيط (٩)، أي: كل واحد من الفرضين ليس بشرط للآخر في حق الجواز، ولهذا يسقط الترتيب عند النسيان وضيق الوقت وكثرة الفوائت وشرائط الصلاة لا يسقط بعذر النسيان (ضيق الوقت) (١٠) كالطهارة واستقبال القبلة ولا يلزمن وجوب الترتيب بين الصلوات حالة الأذان؛ لأن الترتيب في أداء الصلوات في أوقاتها لضرورة الترتيب في أوقاتها، وذلك لا يوجد في الفوائت، وذلك لأنها صارت مرسلة عن الوقت ثابتة في الذمة، فكان قياس قضاء الصوم مع الأداء، ولنا ما روي ابن عمر (١١) ﵁ أن النبي قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل التي هو فيها، ثم ليصلِّ التي ذكرها، ثم ليعيد التي صلى مع الإمام» (١٢).

стр. 865

[الترتيب في قضاء الفوائت] وبعين هذا نقول، وفيه تنصيص/ على أن الترتيب شرط بين الفائتة والوقتية مع أن المعنى يقتضيه، وهو أن القضاء يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، فكان في صفة الترتيب على وفق الأداء أيضًا، وفي حديث آخر: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» (١)، فإن ذلك وقتها، فقد جعل رسول الله ﵇ وقت التذكر وقت للفائتة فمن ضرورة أن لا يكون وقتًا لغيره؛ لأن في الوقت الواحد لا يسع وقتيين (٢)، وأداء الصلاة قبل وقتها لا يجوز، وشرائط الصلاة لا تسقط بعذر النسيان وضيق الوقت (٣). قلنا: أما حالة النسيان، فإنها ليست بوقت للفائتة؛ لأن وقت الفائتة وقت التذكر وهو ناسٍ فلا يكون/ وقتًا لها فكان وقتا لفرض الموقت، وأما حال ضيق الوقت؛ فإن كون قضاء الفائتة شرط جواز أداء الوقتية إنما ثبت بخبر الواحد حال سعة الوقت للمعنى الدال عليه (٤)، وهو: أنه لو اشتغل بالفائتة خرج الوقت قبل أداء فرض الوقت، فلم يبق عليه مراعاة (٥) الترتيب؛ لأنه ليس من الحكمة تدارك الفائتة بتفويت مثلها، فلم يبق شرطًا عند ضيق الوقت لهذا، ولأن تعين الوقت للوقتية عند ضيق الوقت ثابت بالكتاب؛ لقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٦)، أو بالخبر المتواتر، وتعينه للفائتة بسبب التذكر عنده ثابت بخبر الواحد فلا ينسخ، وأثبت (٧) بخبر الواحد الحكم الثابت بالكتاب، والخبر المتواتر، فلو قلنا: ببقاء شرطيته عند ضيق الوقت أيضًا يلزم هذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم هذا معنى ما ذكر في «المبسوط» (٨)، و «المحيط» (٩). وذكر شمس الأئمة السرخسي في «الجامع الصغير» في تعليل وجوب الترتيب، فقال: إن مراعاة الترتيب بين الصلوات ثابتة وقتًا فظاهر، وأما فعل فلأن (١٠) الظهر، والعصر بعرفات اجتمعا في حق الحاج في وقت واحد، ثم لو بدأ بالعصر قبل الظهر لم يجزه، فكذلك هاهنا لما أنه لو فاته مراعاة الترتيب وقتًا يلزمه مراعاة الترتيب فعلًا؛ لأن وقت التذكر وقت الفائتة (١١).

стр. 866

وذكر شيخ الإسلام ﵀ سؤالًا في مسألة الترتيب، وقال: فإن قيل: العمل بخبر الواحد غير متمكن (١) إلا بعد رفع ما ثبت بخبر المتواتر؛ لأن بالخبر المتواتر ثبت الجواز كما زالت الشمس، ومتى عملنا بالخبر الواحد، وأوجبنا الترتيب رفعنا الجواز الثابت لأول الوقت بخبر الواحد، فلا يجب العمل بخبر الواحد إذ ذاك، وإذا لم يجب لم يتأخر أداء الوقتية، وهو الظهر مثلًا إلى ما بعد أداء الفائتة، وكما لو ضاق الوقت. قلنا: متى عملنا بخبر الواحد لا يفوت جواز الظهر عن وقته بل آخرنا إلى ما بعد قضاء الفائتة، ومتى لم نعمل بخبر الواحد تركناه أصلًا فكان تأخير ما ثبت بخبر المتواتر أولى من ترك ما ثبت بخبر الواحد أصلًا؛ لأن التأخير أهون من الإبطال فكان هذا أولى؛ لأنه (٢) يكون عملًا بالخبرين جميعًا بخلاف ما لو ضاق الوقت؛ لأنه يفوت الأداء أصلًا، فحينئذ كان ترك العمل بالخبر الواحد أصلًا أولى من ترك العمل بالمتواتر أصلًا (٣). قلت: يندرج في هذا الجواب جواب ما ذكروا أصوله في مسألة الترتيب، وقالوا: لو كان وقت التذكر وقتا للفائتة لتأدي الفائتة بنية الوقتية، ولما لزمه الإيصاء بالفدية عن الفائتة إذا أدركه الموت وقت التذكر إياها، كما هو الحكم في الوقتية الثابتة بالكتاب، والخبر المتواتر، ولجاز أداء الفائتة عند احمرار الشمس؛ لأنه وقت التذكر كما جاز أداء عصر يومه؛ لأنا نقول: إن اسم الوقتي مطلقًا ينصرف إلى ما هو الوقتي بصفة الكمال، وهو من ثبت وقته بالكتاب، والخبر المتواتر، وما قلنا: بوجوب الترتيب بخبر الواحد إلا الاحتياط في العمل، والاحتياط فيما ذكروا أن لا يؤدي الفائتة بنية الوقتية لانصراف الوقتية إلى ما هو فيه لما ذكرنا، وكذلك الاحتياط في وجوب الإيصاء عن الفائتة لتقررها في ذمته بخلاف الوقتية حيث لم يخاطب بها أداء بعد، وكذلك عدم جواز قضاء الفائتة عند احمرار الشمس للاحتياط فيه أن لا يجوز لوجوب الفائتة في ذمته بصفة الكمال، فلا يؤدي في الوقت الناقص للاحتياط بخلاف عصر يومه لنقصان السبب في حقه، فيؤدي حق السبب الناقص بالأداء الناقص أو الحكم نتيجة السبب، فيثبت على حسب ثبوت السبب، فإن قيل: ما عملتم بخبر الفاتحة مثل ما عملتم بخبر وجوب الترتيب حيث قلتم: بفساد الصلاة عند ترك الترتيب، وما قلتم: بفساد الصلاة عند ترك الفاتحة مع أن كلًا منهما خبر الواحد؟

стр. 867

قلنا: القول بوجوب الترتيب قول بزيادة شرط في جواز الصلاة، والقول بتعيين الفاتحة (١). قوله: بزيادة الركن في الصلاة فجاز أن يثبت الشرط بخبر الواحد، ولا يثبت الركن به لانحطاط رتبة الشرط عن رتبة الركن، أو نقول: إن صيغة قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب صيغة يستعمل مثلها لنفي الكمال استعمالًا ظاهرًا كما في قوله لا فتى إلا علي، ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا وضوء لمن لم يسم فيمكن أن يحمله (٢) / على نفي الكمال من حيث الوجوب، وأما الحديث الذي ذكر في الكتاب فيه بيان النهاية على ما روينا، ومثله لا يذكر إلا في مقصود لا يراد به غيره، فانحصر لذلك على ما يقتضيه ظاهر لفظ الحديث، وذلك نص على ما نحن عليه من المذهب، أو نقول: وهو الأصح من الجواب أنا لو قلنا: بوجوب تعيين الفاتحة على وجه يلزم فساد الصلاة بتركها يلزم نسخ الكتاب الذي يقتضي الجواز، وهو إطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣)، وذلك لا يجوز كما قلنا بجوز (٤) الوقتية مع التذكر عند ضيق الوقت؛ لئلا يلزم مثل هذا (٥). وأما لو قلنا: بوجوب الترتيب عند سعة الوقت على وجه يلزم فساد الوقتية لا يلزم نسخ الكتاب بأن كان عملًا بخبر الواحد، والكتاب كما أشار إليه شيخ الإسلام ﵀ في «المبسوط» (٦)؛ لأن بذلك يتأخر حكم من ثبت بالكتاب، ولا تبطل فكان له ولاية التأخير بدون هذا، فلأن يثبت قوله (٧): لاشتغاله بقضاء الفائتة التي جعل خبر الواحد ذلك الوقت وقتًا لها أولى (٨)، وهذا أوفق للأصول، وأليق بالمعقول، فكان أوجب بالقبول، وكان هذا عين نظير من صلى المغرب في طريق المزدلفة في وقت المغرب (٩) يؤمر بالإعادة عندهما خلافًا لأبي يوسف ﵀، وإذا طلع الفجر لا يؤمر بالاتفاق لما أنه لو قلنا: بالإعادة بعد طلوع الفجر يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد بخلاف ما قبل الطلوع لما عرف (١٠).

стр. 868

قوله: فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا. الحديث (١) يصلح حجة لها على محمد في أنه لا يلزم من بطلان صفة الفرضية بطلان أصل الصلاة حيث أمره رسول الله ﵇ بالمضي فيها (٢)، كذا في الفوائد الظهيرية (٣)؛ لأن الترتيب يسقط بضيق الوقت؛ لأن أداء الوقتية إنما يتأخر إلى ما بعد الفائتة إذا صار وقت التذكر وقتا للفائتة، وإذا ضاق الوقت لم يصر وقت التذكر وقتا للفائتة؛ لأن كون وقت التذكر وقتا للفائتة إنما كان بخبر الواحد، والعمل به إنما يجب إن لم يؤد ذلك إلى ترك العمل بالمتواتر، والمتواتر أوجب أداء الظهر في وقت الظهر، وهاهنا يؤدي (٤) إليه على تقدير العمل بخبر الواحد فلذلك لم يصر وقت التذكر حال ضيق الوقت وقتا للفائتة (٥). وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان (٦): ويعتبر ضيق الوقت عند الشروع حتى لو شرع مع تذكر الفائتة في أول الوقت، وأطال القراءة حتى ضاق الوقت لا يجوز إلا أن يقطع فيشرع عند ضيق الوقت، وكذلك إذا كثرت الفوائت، فإن لو جعلنا وقت التذكر وقتًا للفائتة مع كثرة الفوائت، وأمرنا بتقديم الفوائت الكثيرة على الوقتية يؤدي العمل بخبر الواحد إلى ترك العمل بالمتواتر على ما ذكرنا، فلذلك سقط اعتبار الترتيب عند كثرة في الفوائت، ووجب اعتباره عند قلة الفوائت، ثم احتجنا إلى الحد الفاصل بين القليل والكثير، فجعلنا الحد بينهما دخول الفوائت في حد التكرار؛ لأن التكرار دليل الكثرة، وإنما يدخل في حد التكرار إذا صارت الفوائت ستًّا، وكان هذا نظير مسألة الإغماء حيث ورد الحديث بالقضاء في القليل، وبعدمه في الكثير، فحد الكثير هناك بالسادسة، فكذا هنا كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٧). وأما النسيان فالحديث غير متعرض له، بل تعرض لضده فكان هو داخلًا تحت الحكم الثابت بالكتاب، وخبر المتواتر من كل وجه، فلذلك جازت الوقتية قبل أداء الفائتة في حالة النسيان، وإن لم يضق الوقت، وقلة الفوائت. وفي «المحيط» (٨): روي أن رسول الله ﵇ خرج يومًا ليصلح بين حيين فنسي صلاة العصر، وصلى المغرب بأصحابه، ثم قال لأصحابه: «هل رأيتموني صليت العصر؟ فقالوا: لا، فصلى العصر، ولم يُعد المغرب» (٩).

стр. 869

ولو قدم الفائتة جاز، أي: قدم الفائتة حال ضيق الوقت يجوز الفائتة؛ لأن النهي عن تقديمها لمعنى في غيره، أي: لمعنى في غير الفرض الفائت (١)؛ لأن النهي عن تقديم الفائتة حال ضيق الوقت لمعنًى في غير المنهي عنه أو لمعنى في غير الفرض الفائت، وهو أداء الوقتية في وقتها، وبهذا التأويل ذكر الضمير في غيره مع أنه راجع إلى الفائتة معنى حتى أنث في قوله عن تقديمها بخلاف ما إذا قدم الوقتية على الفائتة حيث لا يجوز عند سعة الوقت (٢)، وقلة الفوائت؛ لأنه/ أداها قبل وقتها، أي: أدّى الوقتية قبل وقت الوقتية الذي ثبت ذلك الوقت لها بالحديث، وهو واجب العمل، وكان المنهي من أداء الوقتية قبل الفائتة لمعنًى راجع إلى تعيين الوقتية، وهو أن يقدم الصلاة على وقتها فلذلك أثر في عدم الجواز (٣)، وأوضح هذا المعنى في «المبسوط» (٤)، فقال: لو بدأ بالفائتة أجزأه بخلاف الأول، فإن هناك هو مأمور بالبداية بالفائتة، ولو بدأ بفرض الوقت لم يجزه؛ لأن النهي عن البداية بفرض الوقت هناك لمعنى في عينها ألا ترى أن له أن يبدأ بالتطوع؛ لانعدام المعنى الموجب للنهي، فمنع الجواز لهذا، وهاهنا النهي عن البداية بالفائتة ليس لمعنى في عينها، بل لما فيه من تفويت فرض الوقت ألا ترى أنه ينهى (٥) عن الاشتغال بالتطوع أيضًا لوجود ذلك المعنى الموجب للنهي، والنهي متى لم يكن لمعنى في عين المنهي عنه لا يمنع جوازه. قوله ﵀: وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، أي: عند قلة الفوائت بدليل قوله فيما بعده إلا أن يزيد الفوائت على ست صلوات، يعني: كما أن مراعاة الترتيب بين الفوائت، والصلاة الوقتية واجبة عند قلة الفوائت، فكذلك هي واجبة بين الفوائت نفسها عند قلته لما روي: أن النبي ﵇ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن بعد هوى من الليل مرتبًا (٦). ثم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٧)، فوقع التشبيه على أصله، ووصفه، فدل أن أدائها بوصف الترتيب شرط، ثم قيل: ولم يقل النبي ﵇ كما صليت، بل قال: «كما رأيتموني أصلي» (٨)؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يصلي مثل صلاة رسول الله ﵇ إلا أن يزيد الفوائت (٩) على ستة صلاة، وهذا مستثنى عن قوله: وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، يعني: يراعي الترتيب في قضاء الفوائت إلا أن يزيد الفوائت على ست صلوات، فحينئذ لا يجب مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت، وتفسيره: أنه (١٠) إذا قضى فائتة، ثم فائتة وبينهما صلوات أُخَر، فإن كان مجموع الفوائت زائدًا على الست جازت الثانية وإلا فلا، وإنما شرطت الزيادة على الست؛ ليكون بين الفائتة التي يقضيها أولًا، وبين آخر صلاة قضاها ست صلوات فيصير نظير الوقتية؛ لأنه يشترط أن يكون بين الوقتية، وبين آخر صلاة أدائها في وقته ست صلوات (١١)، كذا وجدت بخط شيخي ﵀ (١٢). وقيل في قوله: إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ ظاهر هذا الكلام يقتضي أن تصير الفوائت سبعًا؛ لأنه ذكر الفوائت بلفظ الجمع، والزيادة غير المزيد عليه، والمزيد عليه ست، فيصير المجموع سبعة لكن معناه: إلا أن يصير الفوائت في نفسها زائدة على ست صلوات، والمراد من الصلوات أوقاتها، فإن فوت الصلاة السابعة ليس بشرط بالإجماع (١٣). (١٤).

стр. 870

وذكر شيخ الإسلام، وصاحب «المحيط» (١): ثم إذا كثرت الفوائت حتى سقط الترتيب لأجلها في المستقبل سقط الترتيب في نفسها أيضًا حتى، قال أصحابنا: فيمن كان عليه صلاة شهر، فصلى ثلاثين فجرًا، ثم صلى ثلاثين ظهرًا (٢) هكذا إلى آخرها أجزأه، ولم يوجد الترتيب في أنفسها هاهنا؛ لأن فجر اليوم الثاني حصل قبل الظهر والعصر، وهذا مروي عن أصحابنا بخلاف ما يقوله العوام: إنه يراعي الترتيب في الفوائت، وليس كذلك لما أن الفوائت عند كثرتها لما أسقطت الترتيب في اعتبارها، فلأن يسقط في نفسها كان أولى، وشبهه الإمام مولانا بدر الدين الكردري ﵀ بالضرب، فإن الضرب إذا أثر في غير موضع الضرب إيلامًا؛ لأن يؤثر في موضع الضرب إيلامًا أولى، ثم كثرة الفوائت عندنا ست صلاة على ما ذكرنا باعتبار أن واحدة منها يصير (٣) مكررة، وهذا يرجع إلى ضيق الوقت أيضًا، فلو أمرناه بمراعاة الترتيب مع كثرة الفوائت لفاته فرض الوقت عن وقته، ولكن لا يشترط عندنا في حق كثرة الفوائت حقيقة خوف فوت فرض الوقت، فإنه لما دخلت في حد الكثرة سقط الترتيب حتى لو قدر على (٤) أداء الكل في الوقت لا يلزمه مراعاة الترتيب، وعن زفر ﵀: أنه يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر، فكأنه جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر، وكان بشرًا المريسي (٥) يقول: من ترك/ صلاة لم تجزه صلاته في عمره بعد ذلك ما لم يقضها إذا كان ذاكرًا لها؛ لأن كثرة الفوائت يكون عن كثرة تفريطه، فلا يستحق به التخفيف، وقال ابن أبي ليلى ﵀: يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة سنة، فجعل حد الكثرة ما زاد على السنة، ولكنا نقول: لو اشتغل بالمتروكة عند ضيق الوقت بفوت الوقتية عن الوقت، فكان أداء الوقتية في الوقت أولى من قضاء الفائتة؛ لأنه (٦) عمل بالكتاب، أو لأنه أداء في وقته في (٧) كثرة الفوائت في معناه، فالتحقت به، ولكن هي مختلفة في نفسها بين كثرة وكثرة، فأقيم الدخول في حد التكرار مقام الكثرة؛ لأنه دليلها يفنى للجرح (٨)، فبعد ذلك لم نعتبر (٩) أن ذلك بسبب التقصير منه، أو بغير تغير (١٠) التقصير، كما في السفر لما أقيم مقام المشقة لم نعتبر خروجه للمعصية، أو للطاعة في حق الترخص، كذا في «المبسوط» (١١) وغيره (١٢). وذلك في الأول، أي: في خروج وقت السادسة ﵀ (١٣)، ولو اجتمعت الفوائت القديمة، والحديثة، اعلم أن الفوائت نوعان قديمة، وحديثه، فالحديثة تسقط الترتيب بلا خلاف، وفي القديمة اختلاف المشايخ (١٤).

стр. 871

وتفسير القديمة: رجل ترك صلاة شهر مجانة، وفسقًا ثم ندم على ما صنع، واشتغل بأداء الصلوات في مواقيتها فقبل أن تقضي تلك الفوائت ترك صلاة ثم صلى صلاة أخرى، وهو ذاكر لهذه المتروكة الحديثة. قال بعض المتأخرين: من مشايخنا لا يجوز هذه الصلاة، ويجعل الماضي كأن لم يكن احتياطًا (١)، وزجرًا عن التهاون، وأن لا يصير المعصية، وسيلة إلى التخفيف، والتيسير (٢). وبعضهم قالوا: يجوز، وعليه الفتوى؛ لأن الاشتغال بهذه الفائتة ليس بأولى من الاشتغال بتلك الفوائت، والاشتغال بالكل يفوت الوقتية عن وقتها، كذا في «المحيط» (٣). وجعل الصدر الشهيد القول الأول صحيحًا ذكره في «الجامع الصغير»، وقال: [قال] بعضهم: لا يجوز، وهو الصحيح لما ذكره الأولون من الدليل (٤). قوله: وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فإن قلت: لما سقط الترتيب بكثرة الفوائت، فكيف يعود عند القلة مع أن الساقط لا يعود. قلت: هذا من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وثبوت الحكم عند زوال المانع؛ وذلك لأن سقوط الترتيب كان بعلة الكثرة المفضية إلى الحرج، فلما قلت: الفوائت لم يبق الحرج، فعاد الحكم الذي قبله، وكان هذا عين نظير حق الحضانة (٥)، فإنه إذا ثبت لمحرم الصغير من النساء يسقط ذلك الحق بالتزويج، ثم إذا ارتفعت الزوجية يعود الحق الذي كان سقط بالتزوج لزوال المانع فكذا هنا (٦)، ولكن هذا الذي اختاره المصنف ﵀ في الكتاب (٧) خلاف ما اختاره شمس الأئمة السرخسي ﵀ (٨)، وفخر الإسلام، وصاحب «المحيط» قاضي خان (٩)، وصاحب المغني، وغيرهم (١٠).

стр. 872

وفي «المحيط» (١): ثم في كل موضع سقط الترتيب بحكم كثرة الفوائت، ثم عادت الفوائت إلى القلة بالقضاء هل يعود الترتيب؟ عن محمد فيه (٢) روايتان، وقد اختلف المشايخ فيه بيانه أنه إذا ترك صلاة شهر وقضاها إلا صلاة أو صلاتين، ثم صلى صلاة دخل وقتها، وهو ذاكر لما بقي عليه. بعض مشايخنا (٣) قالوا: لا يجوز، وإليه مال الفقيه أبو جعفر ﵀، وبعضهم قالوا: يجوز، وإليه مال الشيخ أبو حفص الكبير ﵀ وعليه الفتوى، وعلل فقال: الترتيب قد سقط، والساقط لا يحتمل العود كما قلنا في ماء قليل نجس دخل عليه الماء الجاري حتى كثر وسال، ثم عاد إلى القلة لا يعود نجسًا، والمعنى ما قلنا: إنه سقط اعتبار النجاسة بالسيلان، والساقط لا يحتمل العود كذا هاهنا، وكذا ذكره شمس الأئمة، وفخر الإسلام (٤)، فإن قلت: يشكل على ما اختاره هؤلاء من عدم عود الترتيب مسألة سقوط الترتيب بالنسيان، وضيق الوقت، فإنه يعود الترتيب هناك بالاتفاق عند وجود التذكر وسعة الوقت مع أن السقوط ثابت في الثلاثة جميعًا، فما وجه الفرق بينهما لهؤلاء المبرزين على غيرهم؟ قلت: قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «الجامع الصغير»: والأصح عندي أن الترتيب إذا سقط بكثرة الفوائت لا يعود إذا قلَّت لما أنه سقط مراعاة الترتيب في هذه الصلوات، والساقط يكون متلاشيًا، فلا يتصور عوده، فإما بسبب النسيان/ وضيق الوقت ما سقط مراعاة الترتيب لكنه يعذر للعجز أما عجز الناسي، فلما يذكروا أما العجز عند ضيق الوقت، فلئلا يلزم إبطال الحكم الثابت بالكتاب، وخبر المتواتر بسبب الاشتغال بموجب خبر الواحد، فلما خرج الوقت انعدمت تلك الضرورة، فوجد إمكان الجمع بين العمل بموجب خبر الواحد، وموجب الكتاب على ما مرَّ، وخبر الواحد موجب العمل متى أمكن العمل به من غير تضمن إبطال شيء أقوى منه من الكتاب، وخبر المتواتر وقد أمكن، فوجب العمل، فكان عود وجوب الترتيب عند سعة الوقت من ضرورة وجوب العمل بخبر الواحد عند الإمكان، وهذا ظاهر إذا خرج الوقت، ولم يكن أداء بعض صلاته في الوقت. وأما إذا كان أداء بعضها في الوقت بأن غربت الشمس، وهو قد أدّى بعض صلاة العصر الوقتية، وعليه صلاة أو صلاتان قبلها فائتة، وهو ذاكر لها (٥). قال شمس الأئمة السرخسي في نوادر صلاة «المبسوط» (٦): فإن غربت الشمس، وهو في العصر فإنه يتمها، وطعن عيسى ﵀ في هذا، وقال: الصحيح أنه يقطعها بعد غروب الشمس، ثم يبدأ بالظهر، ثم بالعصر؛ لأن ما بعد غروب الشمس الوقت قابل الظهر، والمعنى المسقط لمراعاة الترتيب ضيق الوقت، وقد انعدم بغروب الشمس؛ لأن الوقت قد اتسع فهو بمنزلة ما لو افتتح العصر في أول الوقت، وهو ناس للظهر ثم تذكر، وقد بيّنا هناك أنه يلزمه مراعاة الترتيب، فكذلك في هذا الموضع، وهذا لأن ما يعترض في خلال الصلاة يجعل كالموجود عند افتتاحها كالمتيمم إذا وجد الماء، والعاري إذا وجد الثوب، ثم قال: وما ذكره عيسى فهو القياس، ولكن محمدًا استحسن فقال: لو قطع صلاته بعد غروب الشمس كان مؤديًا جميع العصر في غير وقتها، ولو أتمها كان مؤديًا بعض (٧) العصر في وقتها، وكما يسقط (٨) مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء جميع العصر في وقتها يسقط (٩) مراعاة الترتيب لحاجته إلى أداء بعض العصر في وقتها يوضحه أنه في الابتداء كان مأمورًا بالشروع في العصر (١٠)، وإن كان يعلم يقينًا أن الشمس تغرب قبل فراغه منها، ولو كان هذا المعنى مانعًا له من إتمام العصر لكان تيقنه به عند الشروع مانعًا له من افتتاح العصر واحد لا يقول: إنه لا يفتتح العصر عند ضيق الوقت، وإن كان الحال هكذا يوضحه (١١) أن عند ضيق الوقت قد سقط عنه مراعاة الترتيب في هذه الصلاة، وبعدما سقط الترتيب، وفي صلاة لا يعود في تلك الصلاة بخلاف حالة النسيان، فهناك الترتيب غير ساقط عنه (١٢)، ولكنه يعذر بالجهل، فإذا زال العذر قبل الفراغ من الصلاة بقي عليه مراعاة الترتيب كما كان؛ لأنه لما زال العذر (١٣) في خلال الصلاة صار كأن لم يكن وكذا لو تذكر الظهر بعد شروعه في العصر بعدما غربت الشمس، فإنه يفسد عصره، وإن افتتح العصر في أول وقتها، وهو ناسٍ للظهر، فلما صلى منها ركعة احمرت الشمس، ثم تذكر أن الظهر عليه، فإنه يمضي فيها؛ لأن شروعه في العصر قد صح في الابتداء؛ لكونه ناسيًا للظهر، وإنما تذكر بعدما احمرت الشمس، ومراعاة الترتيب ساقطة عنه في هذه الحالة، فكان وجود تذكره، وعدمه بمنزلة؛ لأنه لو قطعها لكان مستقبل العصر، ولا فائدة في القطع، ثم الشروع إذا الشروع كان صحيحًا بخلاف ما إذا افتتحها، وهو ذاكر للظهر على ما مر (١٤).

стр. 873

قوله: فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أي: قدمها على الوقتيات، أو أخرها عنها، والوقتيات فاسدة إن قدمها؛ لأنه متى أدَّى صلاة من الوقتيات (١) صارت هي سادسة المتروكات إلا أنه لما قضى متروكة بعدها عادت المتروكات خمسًا، ثم لا يزال هكذا، فلا يعود إلى الجواز، وإن أخرها، أي: آخر الوقتيات عن الفوائت، فكذلك لا يجوز الوقتيات إلا العشاء الأخيرة، فإنها جائزة أما فساد ما وراء العشاء الأخيرة من الوقتيات؛ لأنه كلما صلى فائتة عادت الفوائت أربعًا، ففسدت الوقتية ضرورة، وأما العشاء الأخيرة فما ذكر من الجواب أنها جائزة محمول على ما إذا كان الرجل جاهلًا؛ لأنه صلاها، وعنده أنه لم يبق عليه، فائتة فصار (٢) كالناسي، وأما إذا كان الرجل عالمًا لا تجزئه العشاء الأخيرة أيضًا؛ لأنه صلاها، وعنده أن عليه أربع صلوات، وهذه الرواية/ دليل على ما ذكره من الأظهر في الرواية، وهو أن الترتيب يعود عند عود الفوائت إلى القلة بعد سقوطه بسبب كثرة الفوائت (٣). كذا في «المحيط» (٤)؛ لأنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها، أي: حال أداء العشاء الأخيرة الوقتية، والظن متى كان في فصل مجتهد فيه يقع معتبرًا، فإن عند الشافعي هي جائزة لما أنه لا يرى في وجوب الترتيب، فوقع ظن هذا الظان على وفق مذهبه، فيحكم بالصحة لذلك، وإن كان وقع خطأ، وهذا كما يقول في القصاص إذا كان بين اثنين فعفا أحدهما، فظن صاحبه أن عفو أخيه لا يؤثر في حقه، فقبل ذلك القاتل (٥)، فإنه لا يقاد منه، ومعلوم أن هذا قتل بغير حق، ولكن لما كان متأولًا مجتهدًا في ذلك صار ذلك التأويل مانعًا وجوب القصاص. كذا في «المحيط» (٦). فإن قلت (٧): يشكل على هذا ما إذا صلى به (٨) الظهر على غير وضوء ناسيًا، ثم صلى العصر على وضوء ذاكرًا للظهر، وهو يحسب أنه يجزئه، فعليه أن يعيدهما جميعًا، فعلى قياس ما ذكر هنا أنه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها كان ينبغي أن لا يجب قضاء العصر ثانيًا لما أنه لما (٩) قضى الظهر، فقد وقع في زعمه أنه قضى جميع ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الفائتة، والترتيب غير واجب على مذهب الشافعي، فكان ظنه هاهنا أيضًا موافقًا لمذهبه كما مرَّ (١٠).

стр. 874

قلت (١): قال صاحب «المحيط» (٢): إن مراعاة الترتيب واجبة، ومستحقة عليه، وبمجرد ظنه لا يسقط عنه ما هو مستحق عليه حتى أنه لو عاد الظهر وحدها، ثم صلى المغرب، وهو يظن أن العصر له جائز قال: قال يجزئه المغرب، ويعيد العصر فقط؛ لأن ظنه هاهنا استند إلى خلاف معتبر بأن الترتيب غير واجب، ثم قال: وحاصل الفرق أن فساد الصلاة بترك الطهارة فساد قوي مجمع عليه، فظهر أثره فيما يؤدي بعده، فأما فساد العصر بسبب ترك الترتيب فساد ضعيف مختلف فيه، فلا يتعدى حكمه إلى صلاة أخرى، وهو كمن جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد يبطل العقد فيهما بخلاف ما إذا جمع بين قنِّ، ومدبر حيث صح العقد في حق القنِّ، والمعنى ما ذكرنا كذلك هاهنا. [الترتيب في أداء الفرائض] قوله (٣): وَمَنْ صَلَّى/ الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ (٤). وحاصل ذلك: ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» (٥)، وهو: أنه إن أمكنه أداء الظهر، والعصر قبل تغيّر الشمس، ويقع العصر كلها أو بعضها بعد تغيّر الشمس، فعليه مراعاة الترتيب، فعليه أداء العصر (٦)، وإن كان يمكنه أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع العصر كلها أو بعضها بعد تغير الشمس، فعليه مراعاة الترتيب إلا على قول الحسن بن زياد، فإن عنده ما بعد تغير الشمس ليس بوقت للعصر. ويُحكى (٧) عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه (٨) كان يقول في هذا الفصل على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (٩) يلزمه مراعاة الترتيب، وعند محمد لا يلزمه؛ لأن ما بعد تغير الشمس، وإن كان وقت العصر، ولكن تأخير العصر إليه مكروه، وعلى أصل محمد معنى الكراهة يسقط مراعاة الترتيب، كما أن معنى تفويت الوقت يسقط ذلك بيانه في مصلي الجمعة إذا تذكر الفجر، وكان بحيث لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة، ولا يفوته الوقت عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يلزمه مراعاة الترتيب، وعند محمد (١٠) لا يلزمه لكن يتم الجمعة؛ لأن ترك الجمعة للصحيح المقيم في المصر مكروه، فنزل ذلك منزلة خوف فوات الوقت في سقوط مراعاة الترتيب فهذا مثله، ثم قال شمس الأئمة ﵀ (١١): وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه مراعاة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة.

стр. 875

والفرق لمحمد أن الجمعة أقوى من الفجر فإنها أدعى للشرائط، ولهذا لو صلى الظهر، ثم أدرك الجمعة كان فرضه الجمعة، والأضعف لا يكون مفسدًا للأقوى، وخوف فوت الأقوى يمنعه من الاشتغال بالأدنى، وهاهنا الظهر، والعصر يستويان في الوقت، فلا يسقط عنه مراعاة الترتيب لا لخوف فوت الوقت. وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان (١) بعد ذكر قول الحسن بن زياد (٢): وعندنا إذا كان يتمكن من أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع كل العصر أو بعضه بعد تغير الشمس يلزمه الترتيب، وإن كان يتمكن من أداء الصلاتين قبل غروب الشمس لكن لا يتمكن من أن يفرغ (٣) من الظهر قبل تغير الشمس لا يلزمه الترتيب؛ لأن أداء شيء من الظهر بعد تغير الشمس لا يجوز، وما بعد تغير الشمس/ لأداء شيء (٤) من الصلوات إلا عصر يومه، وإذا فسدت الفرضية لا يبطل أصل الصلاة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يبطل، يعني: يتقلب (٥) عندهما تطوعًا، وعند محمد لا ينقلب، وفائدة الاختلاف تظهر أيضًا فيما إذا قهقه قبل أن يخرج من الصلاة، فإنه ينقض طهارته على قولهما، ولا ينتقض على قول محمد، فلم يكن (٦) من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل؛ لأنه لا يفسد أصل الصلاة إذا لم يكن من يعترض منافيًا لأصلها، وتذكر الظهر لا ينافي أصل الصلاة، وإنما يمنع أداء العصر، فيفسد العصر، ويبقى أصل الصلاة بمنزلة المكفر بالصوم إذا أيسر في بعض اليوم لا يقع عن الكفارة ويصير تطوعًا بالاتفاق (٧)، كذا في «المبسوط» (٨)، حتى لو صلى ست صلوات، ولم يعد الظهر انقلب الكل جائزًا، وإنما ذكر هكذا (٩)؛ لأنه لو صلى المتروكة قبل أن يصلي السادسة فسد الخمس، ولو صلى السادسة قبل الاشتغال بالقضاء صح الخمس عنده (١٠). وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وهذه هي التي يقال لها: واحدة تفسد خمسًا، وواحدة تصحح خمسًا، ذكره في باب صلاة المسافر من «المبسوط» (١١)، وتفسيره ما ذكرنا، ثم المعنى من السادسة هي سادسة المؤداة، وسابعة بالنسبة إلى المتروكة.

стр. 876

وفي «المحيط» (١): قال مشايخنا: وإنما لا يجب إعادة الفوائت عند أبي حنيفة إذا كان عند المصلى أن الترتيب ليس بواجب، وأن صلاته جائزة، وأما إذا كان عنده فساد الصلاة بسبب الترتيب، فعليه إعادة الكل كما قال أبو يوسف، ومحمد؛ لأن العبد يكلف بما عنده ثم ما قالاه قياس، وما قاله أبو حنيفة استحسان، فوجه القياس هو أن سقوط الترتيب حكم، والكثرة علة لهذا الحكم، وإنما يثبت الحكم إذا ثبتت العلة في حق ما بعدها، فأما في حق أنفسها، فلا كما إذا رأى الرجل عنده يبيع ويشتري فسكت؛ يثبت الإذن فيما يتجر (٢) بعده لا في ذلك البيع الذي رآه، وكذلك كون الكلب معلمًا يترك الأكل ثلاث مرات يثبت الحل فيما بعد الثلاث لا فيها، ولأنها فسدت الخمس بفوات الترتيب حتى لو اشتغل بالقضاء في ذلك الوقت كان عليه قضاء الكل، فبتأخير القضاء لا ينقلب صحيحًا، ووجه قول أبي حنيفة ﵀، وهو الاستحسان أن الترتيب يسقط بكثرة الفوائت، والكثرة تثبت بسادسة، فإذا ثبت بها استندت إلى أولها، فيثبت سقوط الترتيب الذي هو حكمها كما في تصرف المريض، وتعجيل الزكاة، وهذا لأن الترتيب لما سقط عن أغيارها بسبب الكثرة، فأولى أن يسقط عن كل واحدة من آحادها لهذا المعنى، وهذا كالضرب حتى تألم غير موضعه بسببه، فلأن يتألم موضعه بسببه أولى، ولأن كتاب الله تعالى يقتضي جواز الوقتية في الوقت، ومراعاة الترتيب مانع من الجواز فتوقف الجواز على زوال المانع، فإذا سقط الترتيب زال (٣) المانع فيحكم بجوازها، ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلاة المؤدَّاة على ما يتبين أمرها في ثاني الحال كمن صلى المغرب بعرفات يتوقف فإن أفاض إلى المزدلفة (٤) في وقت العشاء ينقلب نفلًا، ويلزمه إعادتها مع العشاء في المزدلفة، [وإن لم يأت إلى المزدلفة]، وتوجه إلى مكة (٥) من طريق آخر، أو إلى المزدلفة بعدما أصبح من الغد جاز المغرب، وكذا لو صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإن راح إلى الجمعة قبل فراغ الإمام انقلب نفلًا، وإن راح بعد فراغ الإمام بقيت فرضًا، وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها، وصلت صلوات، ثم عاودها الدم يتبين أنها لم تكن صلاة صحيحة، وإن لم يعاودها الدم يتبين أنها كانت صحيحة كذا هنا (٦).

стр. 877

وقال أيضًا: وكيف يلزمه إعادة الخمس بعد المتروكة لأجل لترتيب، وقد سقط مراعاة الترتيب في حق هذه الخمس حتى لو أعاد المتروكة مع الخمس غير مرتبة جاز عندهما، ولأن كثرة الفوائت لو لم يسقط الترتيب من المتروكة الأولى يلزمه قضاء الست في وقت واحد، فيكون سببًا لفوات (١) الوقتية عن الوقت، وحاصل كلام أبي حنيفة ﵀: أن هذه الصلوات مؤدَّاة في أوقاتها، والفساد بسبب ترك الترتيب ضعيف، فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب، وهما يقولان ما حكم بفساده لمراعاة الترتيب لا يصح بسقوط الترتيب كمن افتتح الصلاة في أول الوقت ذاكرًا للفائتة حتى ضاق الوقت لم يحكم بجوازها إلا أن أبا حنيفة ﵀ قال: هناك لم يسقط/ الترتيب؛ لأن بعد السقوط الترتيب (٢) لا يعود الترتيب، وإذا خرج الوقت كان عليه مراعاة الترتيب هذا حاصل ما ذكره في «المبسوط» (٣) وغيره، وعلى هذا إذا صلى العشاء ثم توضأ، وصلى السنة، والوتر (٤). وفي «المبسوط» (٥): أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلي العشاء، وهو ذاكر لذلك لم يجزه بالاتفاق؛ لأنه أداها قبل وقتها أو ترك الترتيب المأمور به من بناء الوتر على العشاء، فأما إذا صلى العشاء بغير وضوء، وهو لا يعلم به، ثم جدد الوضوء فأوتر، ثم اعلم أنه كان صلى العشاء بغير وضوء (٦)، فعليه إعادة العشاء دون الوتر في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن الترتيب كان ساقطًا عنه بعذر النسيان، وعندهما يلزمه إعادة الوتر؛ لأن عندهما دخول وقت الوتر بعد أداء العشاء على وجه الصحة ولم يوجد، وكان مصليًا قبل وقته، وعند أبي حنيفة يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء إنما كان عليه مراعاة الترتيب، وقد سقط ذلك بالنسيان، وإنما ينبني هذا على اختلافهم في صفة الوتر، فعند أبي حنيفة ﵀ واجب أو فرض، فلا يكون تبعًا للعشاء، فلا يعاد بإعادة العشاء، وعندهما سنة فكان تبعًا للعشاء، فيعاد بإعادة العشاء، والله أعلم بالصواب. باب سجود السهو لما انتهى ذكر الأداء والنوافل، والقضاء شرع في بيان جابر نقصان يتمكن فيها جميعًا كما أنه ذكر النوافل بعد ذكر الأداء؛ لأنها مخصوصة بجبر نقصان تمكن في أداء الفرائض كذلك سجود السهو بجبر نقصان تمكن في الأداء، والقضاء، والفرائض، والنوافل جميعًا قفَّى لذلك على هذه الأربعة بذكره، ثم هذه الإضافة من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، وهو الأصل في الإضافة، والكلام هاهنا في سبعة مواضع: أحدها: في بيان السبب، والثاني: في بيان المحل، والثالث: في بيان الصفة، والرابع: في تعداد ما يجب بسببه، والخامس: في حق من يجب عليه، والسادس: في إصلاح ما كان على عرضية الإفساد (٧)، والسابع: في بيان إصلاح الشك المتفرد (٨)، (٩).

стр. 878

قوله: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. بدأ ببيان السبب، فقال: للزيادة والنقصان، واللام لإثبات معنى السببية كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١)، وقولك: أد الثمن للشراء، ثم هو فيهما بعد السلام كما ذكر في الكتاب، وهذا هو بيان المحل، ثم فيه نفى لقول مالك، فإنه يقول: إن كان سهوه عن نقصان سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، وإن كان عن زيادة سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان (٢)، وفيه حكاية: فإنه روي أن أبا يوسف ﵀ كان مع هارون الرشيد ﵀ (٣)، فجاء مالك فسأله أبو يوسف عن هذه المسألة، فقال: إن كان عن نقصان يسجد (٤) قبل السلام، وإن كان للزيادة بعد السلام، فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال أبو يوسف ﵀: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، فقال مالك (٥): على هذا أدركنا مشايخنا، فظن أن أبا يوسف قال له: الشيخ تارة يخطئ، وتارة يصيب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٦). ثم يتشهد ويسلم فيه إشارة إلى أنه يرفع التشهد والسلام، ولكن لا يرفع القعدة؛ لأن الأقوى لا يرتفع (٧) بالأدنى بخلاف الصلبية فإنها أقوى من القعدة فترفعها (٨)، وبخلاف سجدة التلاوة، فإنها أثر القراءة المفروضة فألحقت بها (٩)، والأولى فيه ما قاله صاحب «المحيط» (١٠): أن ارتفاض القعدة الأخيرة بالسجدة الصلبية، وسجدة التلاوة إنما كان؛ لأنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فيصير رافضًا للقعدة لهذا المعنى بخلاف سجود السهو، فإنه يؤتى به (١١) بعد القعدة، وذكر قبل هذا أن في ارتفاض القعدة بالعود إلى سجدة التلاوة، روايتين في رواية لا يرتفض، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وقد يترك الفرض لمكان الواجب، كما إذا قرأ آية السجدة في حال القيام فإنه يأتي بها، وإن صار تاركًا للفرض، ثم الشافعي احتج فيما ادعى أنه يسجد قبيل السلام (١٢) بحديث عبد الله بن بُحينة رض (١٣): «أن رسول الله ﵇ سجد سجدتي السهو قبل السلام» (١٤).

стр. 879

ولأن سجود السهو مؤدي في حرمة الصلاة، ولهذا لو أدرك الإمام فيه يصح اقتداؤه به، والسلام محلل فينبغي أن يتأخر السلام/ عن كل ما يؤدي في حرمة الصلاة قياسًا على سجدة التلاوة، ولنا حديث ابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة ﵃: «أن النبي ﵇ سجد للسهو بعد السلام» (١)، وما روي أنه قبل السلام الثاني فإن عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضًا، ولما وقع الاختلاف في فعل رسول الله ﵇، فيصير إلى قوله: وهو حديث ثوبان رض (٢): «بعد السلام» (٣)، ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان مؤدى قبل السلام لكان الأولى أن يؤديه في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرًا ليتأخر أداءها عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وما قبل السلام يتوهم السهو حتى ذكر أصحابنا سجود السهو بتأخير السلام ساهيًا بأن شك في صلاته، ولم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فيشغله بفكره (٤) حتى أخَّر السلام، ثم ذكر أنه صلى أربعًا (٥) لزمه سجود السهو، فلذلك يؤخر عن السلام، ثم يعود إلى حرمة الصلاة للسجود؛ ليتحقق الخبر في الصلاة. كذا في «المبسوط» (٦)، و «الجامع الصغير» للإمام الكاساني ﵀ (٧). وذكر في «الأسرار»: فتأويل الحديث عندنا أنه دخل في صلاة رسول الله ﵇ في سجدتي السهو، وعاين السلام بعدهما فروى كذلك أو كان ذلك (٨) من رسول الله ﵇ لبيان أنه جائز قبل السلام لا لبيان المسنون، وأما الجواب عن قوله: أن الجبر شرع في الصلاة، فقد قلنا: فإن حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام، ولا يسجد إلا وهو في الصلاة، وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة، وأما سجدة التلاوة فإنه شرع التكرار فيها ألا ترى أنه يؤمر (٩) بها كما تلا، ولم يشرع بآخرها عن أول الوجوب، فصارت هي شاهدة لنا من حيث العدم، أي: عدم التأخير من الجزء الذي وجبت هي فيه ثابت عملًا بالأصل، وهو أن لا يتأخر الحكم عن العلة، فلما تأخر هنا من وقت الوجوب إلى (١٠) وقت السلام بالإجماع؛ لئلا يلزم التكرار وجب أن يتأخر عن السلام أيضًا؛ لئلا يلزم التكرار فتعارضت رويتا فعله، وبقي التمسك بقوله: فإن قلت: في هذا شبهتان أحديهما: أن في المعارضة بين الحجتين إنما يصار إلى ما بعدهما من الحجة لا إلى ما فوقهما، والقول فوق الفعل؛ لأن القول موجب، والفعل لا، فكيف صير إلى القول عند معارضة الفعلين، والثانية هي أنه يلزم من هذا الذي ذكر الترجيح بكثرة الأدلة [العلة]، وهو باطل إذ كل ما صلح علة لا يصلح مرجحًا، وقول الرسول ﵇ من أقوى العلل، فكيف صلح مرجحًا (١١).

стр. 880

قلت: أما الجواب عن الأولى (١)، فإن المعارضة يقتضي المساواة، ولا معارضة بين القول، والفعل لما ذكرت من قوة القول، وضعف الفعل، فلم ثبتت المعارضة بين الفعلين لتساويهما في القوة احتجنا إلى ما هو حجة في الباب، فوجدنا القول يشهد لمذهبنا فقلنا به، وما ذكر أن المعارضة إذا وقعت بين الحجتين يصار إلى ما بعدهما، فذلك إنما يكون عند انعدام الحجة فيما فوقهما، وإن كانت الحجة فوقهما، فلا يحتاج حينئذٍ إلى المعارضة، وهنا كذلك، وإن أنكر الخصم لثبوته بنقل العدول، والجواب عن الثانية هو أن ما قلته إنما يلزم أن لو قلنا بترجيح الفعل بالقول (٢)، ولا نقول به، بل نقول لما تعارض حديثًا، فعله رجعنا إلى ما هو الحجة في الباب (٣)، وهو حديث القول، ومثل هذا مذكور في «شرح الآثار» (٤) من أوله إلى آخره، وأورد على الشيخ بأن الأصل في الدلائل أعمالها لا إهمالها، فلم تعمل بحديثي الفعلين، فقال: فيما قلنا أعمال للأصل أيضًا، وهو: أن الأصل في التعارض التوقف لما أن التوقف موجب التعارض كما أن العمل موجب الدليل عند عدم المعارض (٥). قوله: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ. أي: الخلاف المذكور فيما بيننا وبين الشافعي في الأولوية، فإن الأولى أن يأتي عندنا بعد السلام، ولو أتى بسجود السهو قبل السلام جاز عندنا أيضًا (٦)، وذكر في «الأسرار» (٧): قال علماؤنا: الأحسن أن يسجدهما بعد السلام، وذكر في «المحيط» (٨): لو سجد قبل السلام أجزأه عندها قال القدوري ﵀: هذه رواية الأصول قال: وروي عنهم أنه لا يجزئه (٩)؛ لأنه أداه قبل وقته ووجه رواية الأصول أن فعله حصل في فصل مجتهد فيه، فلا يحكم بفساده ولأنا لو أمرناه بالإعادة يتكرر السجود، وهذا شيء لم يقل به أحد من العلماء فلأن يكون فعله على وجه قال به بعض العلماء أولى من أن يكون على وجه لم يقل به أحد من العلماء. [صفة سجود السهو] قوله: وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ احتراز عما اختاره فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وصاحب الإيضاح، فإنهم اختاروا أن يسلم تسليمة واحدة، ثم اختار فخر الإسلام أن يكون تلك التسليمة الواحدة تلقاء وجهه، ولا ينحرف عن القبلة؛ لأن ذلك لمعنى التحية دون التحليل، وقال شيخ الإسلام: إنه لو سلم تسليمتين لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك (١٠)، ولكن شمس الأئمة السرخسي، وصدر الإسلام أبا اليسر (١١)، وظهر الدين المرغيناني ﵀ اختاروا، ما اختاره صاحب الهداية بالتسليمتين، ونسب صدر الإسلام قائل التسليمة الواحدة إلى البدعة، فقال أخوه فخر الإسلام: وإنما اخترنا (١٢) ما اخترناه بإشارة محمد في كتاب الصلاة، فتقصين (١٣) عن عهدة البدعة، وإنما العهدة على من قصر في طلبه، ويأتي بالصلاة إلى أن قال: هو الصحيح (١٤). وفي «المحيط» (١٥): واختلفوا في الصلاة على النبي ﵇، وفي الدعوات أنها في قعدة الصلاة أم في قعدة سجدتي السهو، و (١٦) ذكر الكرخي أنها في قعدة سجدتي السهو؛ لأنها هي القعدة الأخيرة، والفراغ من الصلاة يحصل بهذه القعدة، والطحاوي قال (١٧): كل قعدة في آخرها سلام، ففيها صلاة على النبي ﵇، فعلى هذا القول يصلي على النبي في القعدتين جميعًا، ومنهم من قال في المسألة اختلاف عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يصلي في القعدة الأولى، وعند محمد يصلي في القعدة الأخيرة بناء على أصل، وهو أن سلام من عليه السهو يخرجه من الصلاة عندهما، فإذا كان كذلك كانت القعدة الأولى هي قعدة الختم، وعند محمد على خلافه، واختار فخر الإسلام أيضًا ما اختاره صاحب الهداية، فإن يأتي بها بعد سجدتي السهو، ويلزمه السهو إذا زاد في صالاته فعلًا، وإنما وجب (١٨) سجود السهو عند الزيادة مع أن سجود السهو لجبر النقصان، والزيادة ضده لما أن الزيادة في غير موضعها نقصان فإن السعر نقص، وإن كان زئدًا ألا ترى أن من اشترى عبدًا، وكان له ستة أصابع كان له ولاية الرد كما لو كان له أربعة أصابع لما أن الزيادة بعد الكمال نقصان، ولأنه لا يخلو عن تأخير ركن أو تأخير واجب.
следующие страницы →