← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وفي «المحيط» (١): قال مشايخنا: وإنما لا يجب إعادة الفوائت عند أبي حنيفة إذا كان عند المصلى أن الترتيب ليس بواجب، وأن صلاته جائزة، وأما إذا كان عنده فساد الصلاة بسبب الترتيب، فعليه إعادة الكل كما قال أبو يوسف، ومحمد؛ لأن العبد يكلف بما عنده ثم ما قالاه قياس، وما قاله أبو حنيفة استحسان، فوجه القياس هو أن سقوط الترتيب حكم، والكثرة علة لهذا الحكم، وإنما يثبت الحكم إذا ثبتت العلة في حق ما بعدها، فأما في حق أنفسها، فلا كما إذا رأى الرجل عنده يبيع ويشتري فسكت؛ يثبت الإذن فيما يتجر (٢) بعده لا في ذلك البيع الذي رآه، وكذلك كون الكلب معلمًا يترك الأكل ثلاث مرات يثبت الحل فيما بعد الثلاث لا فيها، ولأنها فسدت الخمس بفوات الترتيب حتى لو اشتغل بالقضاء في ذلك الوقت كان عليه قضاء الكل، فبتأخير القضاء لا ينقلب صحيحًا، ووجه قول أبي حنيفة ﵀، وهو الاستحسان أن الترتيب يسقط بكثرة الفوائت، والكثرة تثبت بسادسة، فإذا ثبت بها استندت إلى أولها، فيثبت سقوط الترتيب الذي هو حكمها كما في تصرف المريض، وتعجيل الزكاة، وهذا لأن الترتيب لما سقط عن أغيارها بسبب الكثرة، فأولى أن يسقط عن كل واحدة من آحادها لهذا المعنى، وهذا كالضرب حتى تألم غير موضعه بسببه، فلأن يتألم موضعه بسببه أولى، ولأن كتاب الله تعالى يقتضي جواز الوقتية في الوقت، ومراعاة الترتيب مانع من الجواز فتوقف الجواز على زوال المانع، فإذا سقط الترتيب زال (٣) المانع فيحكم بجوازها، ولا يبعد أن يتوقف حكم الصلاة المؤدَّاة على ما يتبين أمرها في ثاني الحال كمن صلى المغرب بعرفات يتوقف فإن أفاض إلى المزدلفة (٤) في وقت العشاء ينقلب نفلًا، ويلزمه إعادتها مع العشاء في المزدلفة، [وإن لم يأت إلى المزدلفة]، وتوجه إلى مكة (٥) من طريق آخر، أو إلى المزدلفة بعدما أصبح من الغد جاز المغرب، وكذا لو صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، فإن راح إلى الجمعة قبل فراغ الإمام انقلب نفلًا، وإن راح بعد فراغ الإمام بقيت فرضًا، وكصاحبة العادة إذا انقطع دمها فيما دون عادتها، وصلت صلوات، ثم عاودها الدم يتبين أنها لم تكن صلاة صحيحة، وإن لم يعاودها الدم يتبين أنها كانت صحيحة كذا هنا (٦).

стр. 877

وقال أيضًا: وكيف يلزمه إعادة الخمس بعد المتروكة لأجل لترتيب، وقد سقط مراعاة الترتيب في حق هذه الخمس حتى لو أعاد المتروكة مع الخمس غير مرتبة جاز عندهما، ولأن كثرة الفوائت لو لم يسقط الترتيب من المتروكة الأولى يلزمه قضاء الست في وقت واحد، فيكون سببًا لفوات (١) الوقتية عن الوقت، وحاصل كلام أبي حنيفة ﵀: أن هذه الصلوات مؤدَّاة في أوقاتها، والفساد بسبب ترك الترتيب ضعيف، فلا يبقى حكمه بعد سقوط الترتيب، وهما يقولان ما حكم بفساده لمراعاة الترتيب لا يصح بسقوط الترتيب كمن افتتح الصلاة في أول الوقت ذاكرًا للفائتة حتى ضاق الوقت لم يحكم بجوازها إلا أن أبا حنيفة ﵀ قال: هناك لم يسقط/ الترتيب؛ لأن بعد السقوط الترتيب (٢) لا يعود الترتيب، وإذا خرج الوقت كان عليه مراعاة الترتيب هذا حاصل ما ذكره في «المبسوط» (٣) وغيره، وعلى هذا إذا صلى العشاء ثم توضأ، وصلى السنة، والوتر (٤). وفي «المبسوط» (٥): أوتر في وقت العشاء قبل أن يصلي العشاء، وهو ذاكر لذلك لم يجزه بالاتفاق؛ لأنه أداها قبل وقتها أو ترك الترتيب المأمور به من بناء الوتر على العشاء، فأما إذا صلى العشاء بغير وضوء، وهو لا يعلم به، ثم جدد الوضوء فأوتر، ثم اعلم أنه كان صلى العشاء بغير وضوء (٦)، فعليه إعادة العشاء دون الوتر في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن الترتيب كان ساقطًا عنه بعذر النسيان، وعندهما يلزمه إعادة الوتر؛ لأن عندهما دخول وقت الوتر بعد أداء العشاء على وجه الصحة ولم يوجد، وكان مصليًا قبل وقته، وعند أبي حنيفة يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء إنما كان عليه مراعاة الترتيب، وقد سقط ذلك بالنسيان، وإنما ينبني هذا على اختلافهم في صفة الوتر، فعند أبي حنيفة ﵀ واجب أو فرض، فلا يكون تبعًا للعشاء، فلا يعاد بإعادة العشاء، وعندهما سنة فكان تبعًا للعشاء، فيعاد بإعادة العشاء، والله أعلم بالصواب. باب سجود السهو لما انتهى ذكر الأداء والنوافل، والقضاء شرع في بيان جابر نقصان يتمكن فيها جميعًا كما أنه ذكر النوافل بعد ذكر الأداء؛ لأنها مخصوصة بجبر نقصان تمكن في أداء الفرائض كذلك سجود السهو بجبر نقصان تمكن في الأداء، والقضاء، والفرائض، والنوافل جميعًا قفَّى لذلك على هذه الأربعة بذكره، ثم هذه الإضافة من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، وهو الأصل في الإضافة، والكلام هاهنا في سبعة مواضع: أحدها: في بيان السبب، والثاني: في بيان المحل، والثالث: في بيان الصفة، والرابع: في تعداد ما يجب بسببه، والخامس: في حق من يجب عليه، والسادس: في إصلاح ما كان على عرضية الإفساد (٧)، والسابع: في بيان إصلاح الشك المتفرد (٨)، (٩).

стр. 878

قوله: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. بدأ ببيان السبب، فقال: للزيادة والنقصان، واللام لإثبات معنى السببية كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١)، وقولك: أد الثمن للشراء، ثم هو فيهما بعد السلام كما ذكر في الكتاب، وهذا هو بيان المحل، ثم فيه نفى لقول مالك، فإنه يقول: إن كان سهوه عن نقصان سجد قبل السلام؛ لأنه جبر للنقصان، وإن كان عن زيادة سجد بعد السلام؛ لأنه ترغيم للشيطان (٢)، وفيه حكاية: فإنه روي أن أبا يوسف ﵀ كان مع هارون الرشيد ﵀ (٣)، فجاء مالك فسأله أبو يوسف عن هذه المسألة، فقال: إن كان عن نقصان يسجد (٤) قبل السلام، وإن كان للزيادة بعد السلام، فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال أبو يوسف ﵀: الشيخ تارة يخطئ، وتارة لا يصيب، فقال مالك (٥): على هذا أدركنا مشايخنا، فظن أن أبا يوسف قال له: الشيخ تارة يخطئ، وتارة يصيب. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٦). ثم يتشهد ويسلم فيه إشارة إلى أنه يرفع التشهد والسلام، ولكن لا يرفع القعدة؛ لأن الأقوى لا يرتفع (٧) بالأدنى بخلاف الصلبية فإنها أقوى من القعدة فترفعها (٨)، وبخلاف سجدة التلاوة، فإنها أثر القراءة المفروضة فألحقت بها (٩)، والأولى فيه ما قاله صاحب «المحيط» (١٠): أن ارتفاض القعدة الأخيرة بالسجدة الصلبية، وسجدة التلاوة إنما كان؛ لأنه عاد إلى شيء موضعه قبل القعدة، فيصير رافضًا للقعدة لهذا المعنى بخلاف سجود السهو، فإنه يؤتى به (١١) بعد القعدة، وذكر قبل هذا أن في ارتفاض القعدة بالعود إلى سجدة التلاوة، روايتين في رواية لا يرتفض، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وقد يترك الفرض لمكان الواجب، كما إذا قرأ آية السجدة في حال القيام فإنه يأتي بها، وإن صار تاركًا للفرض، ثم الشافعي احتج فيما ادعى أنه يسجد قبيل السلام (١٢) بحديث عبد الله بن بُحينة رض (١٣): «أن رسول الله ﵇ سجد سجدتي السهو قبل السلام» (١٤).

стр. 879

ولأن سجود السهو مؤدي في حرمة الصلاة، ولهذا لو أدرك الإمام فيه يصح اقتداؤه به، والسلام محلل فينبغي أن يتأخر السلام/ عن كل ما يؤدي في حرمة الصلاة قياسًا على سجدة التلاوة، ولنا حديث ابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة ﵃: «أن النبي ﵇ سجد للسهو بعد السلام» (١)، وما روي أنه قبل السلام الثاني فإن عندنا يسلم بعد سجود السهو أيضًا، ولما وقع الاختلاف في فعل رسول الله ﵇، فيصير إلى قوله: وهو حديث ثوبان رض (٢): «بعد السلام» (٣)، ولأن سجود السهو مؤخر عن محله، فلو كان مؤدى قبل السلام لكان الأولى أن يؤديه في محله كسجدة التلاوة، وإنما كان مؤخرًا ليتأخر أداءها عن كل حالة يتوهم فيها السهو، وما قبل السلام يتوهم السهو حتى ذكر أصحابنا سجود السهو بتأخير السلام ساهيًا بأن شك في صلاته، ولم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فيشغله بفكره (٤) حتى أخَّر السلام، ثم ذكر أنه صلى أربعًا (٥) لزمه سجود السهو، فلذلك يؤخر عن السلام، ثم يعود إلى حرمة الصلاة للسجود؛ ليتحقق الخبر في الصلاة. كذا في «المبسوط» (٦)، و «الجامع الصغير» للإمام الكاساني ﵀ (٧). وذكر في «الأسرار»: فتأويل الحديث عندنا أنه دخل في صلاة رسول الله ﵇ في سجدتي السهو، وعاين السلام بعدهما فروى كذلك أو كان ذلك (٨) من رسول الله ﵇ لبيان أنه جائز قبل السلام لا لبيان المسنون، وأما الجواب عن قوله: أن الجبر شرع في الصلاة، فقد قلنا: فإن حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام، ولا يسجد إلا وهو في الصلاة، وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة، وأما سجدة التلاوة فإنه شرع التكرار فيها ألا ترى أنه يؤمر (٩) بها كما تلا، ولم يشرع بآخرها عن أول الوجوب، فصارت هي شاهدة لنا من حيث العدم، أي: عدم التأخير من الجزء الذي وجبت هي فيه ثابت عملًا بالأصل، وهو أن لا يتأخر الحكم عن العلة، فلما تأخر هنا من وقت الوجوب إلى (١٠) وقت السلام بالإجماع؛ لئلا يلزم التكرار وجب أن يتأخر عن السلام أيضًا؛ لئلا يلزم التكرار فتعارضت رويتا فعله، وبقي التمسك بقوله: فإن قلت: في هذا شبهتان أحديهما: أن في المعارضة بين الحجتين إنما يصار إلى ما بعدهما من الحجة لا إلى ما فوقهما، والقول فوق الفعل؛ لأن القول موجب، والفعل لا، فكيف صير إلى القول عند معارضة الفعلين، والثانية هي أنه يلزم من هذا الذي ذكر الترجيح بكثرة الأدلة [العلة]، وهو باطل إذ كل ما صلح علة لا يصلح مرجحًا، وقول الرسول ﵇ من أقوى العلل، فكيف صلح مرجحًا (١١).

стр. 880

قلت: أما الجواب عن الأولى (١)، فإن المعارضة يقتضي المساواة، ولا معارضة بين القول، والفعل لما ذكرت من قوة القول، وضعف الفعل، فلم ثبتت المعارضة بين الفعلين لتساويهما في القوة احتجنا إلى ما هو حجة في الباب، فوجدنا القول يشهد لمذهبنا فقلنا به، وما ذكر أن المعارضة إذا وقعت بين الحجتين يصار إلى ما بعدهما، فذلك إنما يكون عند انعدام الحجة فيما فوقهما، وإن كانت الحجة فوقهما، فلا يحتاج حينئذٍ إلى المعارضة، وهنا كذلك، وإن أنكر الخصم لثبوته بنقل العدول، والجواب عن الثانية هو أن ما قلته إنما يلزم أن لو قلنا بترجيح الفعل بالقول (٢)، ولا نقول به، بل نقول لما تعارض حديثًا، فعله رجعنا إلى ما هو الحجة في الباب (٣)، وهو حديث القول، ومثل هذا مذكور في «شرح الآثار» (٤) من أوله إلى آخره، وأورد على الشيخ بأن الأصل في الدلائل أعمالها لا إهمالها، فلم تعمل بحديثي الفعلين، فقال: فيما قلنا أعمال للأصل أيضًا، وهو: أن الأصل في التعارض التوقف لما أن التوقف موجب التعارض كما أن العمل موجب الدليل عند عدم المعارض (٥). قوله: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ. أي: الخلاف المذكور فيما بيننا وبين الشافعي في الأولوية، فإن الأولى أن يأتي عندنا بعد السلام، ولو أتى بسجود السهو قبل السلام جاز عندنا أيضًا (٦)، وذكر في «الأسرار» (٧): قال علماؤنا: الأحسن أن يسجدهما بعد السلام، وذكر في «المحيط» (٨): لو سجد قبل السلام أجزأه عندها قال القدوري ﵀: هذه رواية الأصول قال: وروي عنهم أنه لا يجزئه (٩)؛ لأنه أداه قبل وقته ووجه رواية الأصول أن فعله حصل في فصل مجتهد فيه، فلا يحكم بفساده ولأنا لو أمرناه بالإعادة يتكرر السجود، وهذا شيء لم يقل به أحد من العلماء فلأن يكون فعله على وجه قال به بعض العلماء أولى من أن يكون على وجه لم يقل به أحد من العلماء. [صفة سجود السهو] قوله: وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ احتراز عما اختاره فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وصاحب الإيضاح، فإنهم اختاروا أن يسلم تسليمة واحدة، ثم اختار فخر الإسلام أن يكون تلك التسليمة الواحدة تلقاء وجهه، ولا ينحرف عن القبلة؛ لأن ذلك لمعنى التحية دون التحليل، وقال شيخ الإسلام: إنه لو سلم تسليمتين لا يأتي بسجود السهو بعد ذلك (١٠)، ولكن شمس الأئمة السرخسي، وصدر الإسلام أبا اليسر (١١)، وظهر الدين المرغيناني ﵀ اختاروا، ما اختاره صاحب الهداية بالتسليمتين، ونسب صدر الإسلام قائل التسليمة الواحدة إلى البدعة، فقال أخوه فخر الإسلام: وإنما اخترنا (١٢) ما اخترناه بإشارة محمد في كتاب الصلاة، فتقصين (١٣) عن عهدة البدعة، وإنما العهدة على من قصر في طلبه، ويأتي بالصلاة إلى أن قال: هو الصحيح (١٤). وفي «المحيط» (١٥): واختلفوا في الصلاة على النبي ﵇، وفي الدعوات أنها في قعدة الصلاة أم في قعدة سجدتي السهو، و (١٦) ذكر الكرخي أنها في قعدة سجدتي السهو؛ لأنها هي القعدة الأخيرة، والفراغ من الصلاة يحصل بهذه القعدة، والطحاوي قال (١٧): كل قعدة في آخرها سلام، ففيها صلاة على النبي ﵇، فعلى هذا القول يصلي على النبي في القعدتين جميعًا، ومنهم من قال في المسألة اختلاف عند أبي حنيفة، وأبي يوسف يصلي في القعدة الأولى، وعند محمد يصلي في القعدة الأخيرة بناء على أصل، وهو أن سلام من عليه السهو يخرجه من الصلاة عندهما، فإذا كان كذلك كانت القعدة الأولى هي قعدة الختم، وعند محمد على خلافه، واختار فخر الإسلام أيضًا ما اختاره صاحب الهداية، فإن يأتي بها بعد سجدتي السهو، ويلزمه السهو إذا زاد في صالاته فعلًا، وإنما وجب (١٨) سجود السهو عند الزيادة مع أن سجود السهو لجبر النقصان، والزيادة ضده لما أن الزيادة في غير موضعها نقصان فإن السعر نقص، وإن كان زئدًا ألا ترى أن من اشترى عبدًا، وكان له ستة أصابع كان له ولاية الرد كما لو كان له أربعة أصابع لما أن الزيادة بعد الكمال نقصان، ولأنه لا يخلو عن تأخير ركن أو تأخير واجب.

стр. 881

قوله: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ، والإشارة راجعة إلى قوله: ويلزمه السهو (١). قوله: وهُوَ الصَّحِيحُ احتراز عن قول القدوري، فإنه يقول: إنه سنة عند عامة أصحابنا. كذا في «التحفة» (٢)، وذكر في «المحيط» (٣): كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: هو واجب استدلالًا بما قال محمد ﵀ إذا سها الإمام وجب على المؤتم أن يسجد، ووجهه أنه جبر لنقصان العبادة، فكان واجبا كدم الجبر في الحج، وهذا لأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب، وصفة الكمال لا يحصل إلا بجبر النقصان، وقال غيره من أصحابنا: إنه سنة استدلالًا بما قاله محمد أن العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد، ولو كان واجبًا لكان رافعًا للتشهد كسجدة التلاوة، ولأنه يجب بترك بعض السنن، والحلف لا يكون فوق الأصل. قلت: العذر عن سجدة التلاوة وقد مر، وأما الوجوب بترك بعض السنن إنما يجب لسنة تضاف إلى كل الصلاة، وكانت هي بمعنى الواجب، ولهذا لا يجب بترك تسبيحات الركوع، والسجود في قولهم جميعًا (٤)، وأما الوجوب بترك بعض السنن، فهو (٥) دليل على ما قلنا حيث ذكروا بلفظ الوجوب، ويلزمه إذا ترك فعلًا مسنونًا، وهذا بيان التعداد (٦). وفي «المحيط» (٧): وترك السنة المضافة إلى جميع (٨) الصلاة يجوز أن يترك التشهد في القعدة الأولى يوجب سجود السهو، وما ذكر في الكتاب لا يحتاج إلى التأويل، فإنه قال: أراد بالفعل المسنون الواجب الذي ثبت وجوبه بالسنة كالقعدة الأولى، ثم أنث في الكتاب ضمير الفعل في قوله: إن وجوبها بالسنة على تأويل القعدة، أو سنية (٩) الفعل. [متى يجب سجود السهو] قوله: أَوْ تَرَكَ/ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ إلى آخره تكلم المشايخ في هذا، وأكثرهم على أنه يجب بستة أشياء بتقديم ركن نحو أن يركع قبل أن يقرأ، ويسجد قبل أن يركع، وبتأخير ركن كترك سجدة صلبية تذكرها في الركعة الثانية، وبتأخير القيام إلى الثالثة بالزيادة على قدر التشهد، وبتكرار ركن كركوعين، وثلاث سجدات، ويتغير (١٠) الواجب كالجهر فيما يخافت أو على/ العكس، وبترك واجب كترك القعدة الأولى في الفرائض، وبترك السنة المضافة إلى جميع الصلاة كترك التشهد في القعدة الأولى، وكان القاضي الإمام صدر الإسلام يقول وجوبه بشيء واحد، وهو ترك الواجب، وهذا أجمع ما قيل فيه، فإن هذه الوجوه الستة تخرج (١١) على هذا؛ لأن كلها واجب، وأما التشهد في القعدة الأولى، فإنه كان يقول هو واجب، وعليه المحققون من أصحابنا، وكذلك يجب سجود السهو عندنا في تكبيرة الافتتاح بأن شك (١٢) في حالة القيام أو بعدها أنه هل كبر للافتتاح أم لا؟ وطال تفكره فيه، ثم علم أنه قد كبر فبنى أو ظنَّ أنه لم يكبر فكبّر، وبنى عليه فعليه سجدتا السهو فيها (١٣)، كذا في «المحيط» (١٤). أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيد، وفي «المبسوط» (١٥): وإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى أو تكبريات العيد أو قنوت الوتر، ففي القياس أن (١٦) لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة، فتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة كما إذا ترك الثناء والتعوذ، وهذا لأن مبني الصلاة على الأفعال دون الأذكار، وسجود السهو عرف بفعل رسول الله ﵇، وما نقل عنه ذلك (١٧) إلا في الأفعال وجه الاستحسان أن هذه السنة يضاف إلى جميع الصلاة يقال (١٨): تكبيرات العيد، وقنوت الوتر، وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان، والتغير في الصلاة فأما ثناء الافتتاح فغير مضاف إلى الصلاة، فبتركه لا يتمكن النقصان في الصلاة.

стр. 882

قوله: ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ (١) قالوا في إطلاق اسم الواجب على القعدة الثانية: نظر، وذلك سهو من (٢) المصنف فإنها فريضة، ويتركها تفسد (٣) الصلاة، فكيف يجب سجدة السهو؟! وقيل: يحمل الترك على التأخير، فإن في التأخير نوع ترك، والأوجه فيه: هو أن يحمل هو (٤) على رواية الحسن، عن أبي حنيفة ﵀ بأنه تجوز الصلاة بدون القعدة الأخيرة (٥)، فإنه ذكر في «الأسرار»: في مسألة فائتة القراءة أنها ركن مطلقًا أم (٦) الفاتحة عندنا بعد ذكر أن السنة تثبت الواجب، ولا تثبت الفريضة، ولا يلزم القعدة الأخيرة؛ لأن الحسن بن زياد، روى عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: تجوز صلاته إذا رفع رأسه من السجدة، أي: يتم صلاته بدون القعدة الأخيرة (٧). قوله: هو الصحيح احتراز عن جواب القياس في التشهد بأنه سنة لا واجب، ولكن في (٨) جواب الاستحسان هو واجب على ما ذكرنا (٩)، واحتراز أيضًا عن إحدى الروايتين عن أبي يوسف ذكرها قاضي خان في «الجامع الصغير»، وقال في التشهد: بأنه سنة لا واجب ولكن جواب الاستحسان هو واجب على ما ذكرناه وإن قعد مقدار التشهد في القعدة الثانية، ونسي قراءة التشهد، ثم يذكر فقرأ التشهد عن أبي يوسف فيه روايتان في أحديهما يلزمه، وفي الأخرى لا، وكذلك لو ترك بعض التشهد ساهيًا (١٠)، وفيه أيضًا: وقال القاضي الإمام الأستروشني (١١): قراءة التشهد في القعدة الأولى سنة. وهذا أقيس إلا أنه خلاف ظاهر الرواية، فإن محمدًا أوجب سجود السهو بترك التشهد ساهيًا، وسجود السهو واجب، فلا يجب إلا بترك الواجب، وترك التشهد لا يتصور إلا في القعدة الأولى (١٢). وذكر في «الفوائد الظهيرية» وجهه؛ لأنه إذا لم يتشهد حتى استتم قائمًا لا يمكنه العود فيتحقق الترك، والقعدة الأخيرة لا تتحقق تركها إلا بعمل تفسد به الصلاة، ومتى فسدت الصلاة لا يمكنه السجود، ومتى لم يفسد أمكنه العود، فلا يتحقق الترك (١٣).

стр. 883

قوله: وَلَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافِتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يَجْهَرُ تَلْزَمُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ. وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: لا يلزمه (١)، واحتج في (٢) ذلك بما روى أبو قتادة ﵁ (٣): أن النبي ﵇ كان يسمعنا الآية، والآيتين في الظهر والعصر، ولأن المتروك سُنّة، فلا يلزمه سجدتا السهو كما في تكبيرات الخفض، والرفع، وتسبيحات الركوع، والسجود؛ وذلك لأن الجهر، والمخافتة هيئة من هيئات القراءة لا من أصل القراءة يكون سنة كهيئات الفعل نحو أخذ الركب، وهيئة القعدة (٤)، واحتج علمائنا بما روى ثوبان رض عن النبي ﵇ أنه قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٥)، ولم يفصّل فهو على الكل إلا ما قام الدليل، والمعنى فيه أن المتروك واجب؛ لأن الجهر على الإمام فيما يجهر بالقراءة واجب؛ ليستمع القوم قراءته/ لأن قراءة الإمام أقيمت مقام قراءة المقتدي لوجود المقصود، وهو الاستماع، ولما قام مقام القراءة وجب أن يكون فرضًا، فلا يتقاعد عن أن يكون واجبًا، وكذلك المخافتة واجبة على الإمام؛ لأن المخافتة في الأصل شرعت لصيانة القرآن عن مغالطة الكفرة (٦) ألا ترى أن النبي ﵇ كان يجهر في الصلوات كلها، فلما كان الكفار يلغون النبي ﵇، ويغلطونه على ما قال تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٧) أمر بالمخافتة (٨)، ولهذا شرع في صلاة النهار دون الليل لانهم كانوا نيامًا في صلاة الليل، فدل على أنها شرعت لصيانة القرآن، وصيانة القرآن عن مثل هذا واجبة، وأما أخذ الركب وغيره، فليس فيه ما يدل على الوجوب مع (٩) أنه قال عمر ﵁: "سنَّت لكم الركب، فحذوا بالركب" (١٠)، فقيس عليه هيئة سائر الأفعال بخلاف الجهر، والمخافتة (١١).

стр. 884

وأما الحديث: فهو محمول على أنه ﵇ إنما يفعل ذلك عمدًا لتبين أن القراءة مشروعة في الظهر والعصر، وعندنا لا يجب السهو متى (١) تعمد ذلك، ثم سوى بين الجهر، والمخافتة في رواية كتاب الصلاة، وفصّل الجواب في نوادر الصلاة، فقال: إن جهر فيما يخافت لزمه سجدتا السهو (٢) قلّ ذلك أو كثر، وإن خافّت فيما يجهر، فإن كان في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير الفاتحة، أو آية قصيرة على مذهب أبي حنيفة ﵀ يلزمه سجدتا السهو، وإلا فلا فقد فرّق بين الجهر والمخافتة، ووجه الفرق بينهما هو أن حكم الجهر فيما يخافت أغلظ من المخافتة فيما يجهر؛ لأن الصلاة التي يجهر فيها لها خط من المخافتة، فإنه يخافت بالقراءة في الأخريين، وكذلك المنفرد يخير في الصلاة التي يجهر فيها بخلاف الصلاة التي يخافت فيها في ذانك الحكمين، ثم اعتبر من الفاتحة أكثرها لما أنها، وإن كانت قرآنًا حقيقة، ولكن يقوم مقام الدعاء في الأخريين، ولو كانت دعاء على الحقيقة لما وجبت السجدة بتغيير صفتها كلها فوفرنا على الشبهين حظهما، كذا ذكره شيخ (٣) الإسلام ﵀ (٤). قوله: وَالْأَصَحُّ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ احتراز عن رواية (٥) نوادر الصلاة على ما ذكرنا، واحتراز أيضًا عن اختيار غيره (٦)، فإن قاضي خان اختار غير هذا، وقال في «الجامع الصغير» (٧): بعد ذكر ما يجب فيه سجدتا السهو، وكذا لو جهر، وهو إمام فيما يسّر فيه في الروايات الظاهرة أو خافت فيما يجهد قلّ ذلك أو كثر، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ ظاهر الجواب أن الجهر، والمخافتة سواء، وفي (٨) كل ذلك سهو، وإن كانت كلمة. قوله: وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ (٩)، أي: وجوبهما (١٠)، فإن قلت: هذا الجواب في حق المنفرد في حق الصلاة التي يجهر فيها صحيح؛ لأنه لا يجب الجهر على المنفرد بل هو مخيّر بين الجهر والمخافتة، وأما في حق الصلاة التي يخافت فيها ينبغي أن يجب سجدة السهو بالجهر فيها؛ لأن المخافتة على المنفرد واجبة فيها كالإمام (١١).

стр. 885

قلت: هذا الذي ذكره جواب ظاهر الرواية، وأما جواب رواية النوادر، فإنه يجب عليه سجدة السهو، وكذا ذكر الناطفي (١) في واقعاته (٢): رواية أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة ﵀: في المنفرد إذا جهر فيما يخافت أن عليه السهو لما ذكرنا، وأما وجه ظاهر الرواية إذا خافت فيما يجهر فظاهر؛ لأنه مخيّر بين الجهر والمخافتة، والتخيير بناء في الوجوب فكذلك إذا جهر فيما يخافت لم يترك واجبًا عليه؛ لأن المخافتة إنما وجبت لنفي المغالطة، وإنما يحتاج إلى هذا في صلاة يؤدي (٣) على سبيل الشهرة، والمنفرد يؤدي على سبيل الخفية، فلم يكن المخافتة واجبة عليه، كذا ذكر في «الذخيرة» (٤)، و «المحيط» (٥). وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود لتقرر السبب الموجب في حق الأصل، وهو وجوب سجدة السهو في حق الإمام، والمتابعة على القوم لازمة حتى أن الإمام إذا تشهد، وقام من القعدة الأولى إلى الثالثة (٦)، فنسي بعض من خلفه التشهد حتى قاموا جميعًا، فعلى من لم يتشهد أن يعود، ويتشهد ثم يتبع إمامه (٧)، وإن خاف أن يفوته الركعة الثالثة؛ لأنه تبع لإمامه، فيلزمه أن يتشهد بطريق المتابعة، وهذا بخلاف المنفرد؛ لأن التشهد الأول في حقه سنة، وبعدما اشتغل بفرض القيام لا يعود إلى السنة، وهاهنا التشهد فرض عليه بحكم المتابعة، وهذا بخلاف ما إذا أدرك الإمام في السجود، فلم يسجد معه السجدتين، فإنه يقضي السجدة الثانية ما لم يخف فوت ركعة أخرى، فإذا خاف ذلك تركها؛ لأن هناك هو يقضي تلك الركعة بسجدتها فعليه أن يشتغل بإحراز الركعة الأخرى إذا خاف فوتها، وهاهنا لا يقضي هذا التشهد بعد هذا فعليه/ أن يأتي به ثم يتبع إمامه بمنزلة الذي نام خلف الإمام، ثم انتبه. كذا ذكر في نوادر الصلاة من «المبسوط» (٨)، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم؛ لأنه يصير مخالفًا (٩)، فإن قلت: يشكل على هذا المسائل التسع التي ذكرت في «الخلاصة»، والخزانة أنها إذا لم يفعلها الإمام يفعلها القوم إحديها إذا لم يرفع الإمام يديه عند تكبيرة الافتتاح يرفعهما (١٠) القوم، وإذا لم يبن الإمام فالمقتدي يبني، وكذلك ترك الإمام تكبير الركوع، وتسبيحه، وتسميعه، وتكثير الانحطاط، وقراءة التشهد، والتسليم، والتاسع: تكبير التشريق (١١).

стр. 886

قلت: هذه الأحكام لم يثبت في ضمن شيء باشره الإمام، بل يثبت ابتداء على كل واحد من الإمام والمقتدي، ولا تجري (١) فيها النيابة، فلما لم يفعلها الإمام يفعلها المقتدي؛ لأنها تثبت ابتداء كما لو كان المقتدي منفردًا في صلاته، وأما وجوب سجدة السهو إنما يثبت في ضمن فعل باشره الإمام، فلما لم يأت المباشرة به لا تجب على غيره؛ لأن الفائز بالحكم هو الفائز بالسبب، والسبب ثبت (٢) في حق الإمام، ولو وجب على غيره إنما يجب بسبب المتابعة، والمتابعة إنما يكون أن لو كان موافقًا لإمامه، وفي الإتيان بها عند عدم إتيان إمامه (٣) بها مخالفة فلا يجب، وأما تلك المسائل فثابتة عليهما بعد الشروع في الصلاة، فلا يتوقف الإتيان بها (٤) على إتيان الإمام بها، وقد أورد على (٥) الشيخ ﵀ في قوله: لأنه (٦) يصير مخالفًا لإمامه إشكال، وهو ما إذا قام المسبوق لقضاء ما سبق بعد فراغ الإمام، والمقيم إذا اقتدى بالمسافر يتم ركعتين بعد فراغ الإمام يعلم (٧) بهذا أن المخالفة بعد فراغ الإمام لا يعد مخالفة (٨). وقال ﵀: هاهنا يصير مخالفًا وهناك لا؛ وذلك لأن المقتدي لو سجد لا يخلو إما أن يسجد في الحالة التي كان مع الإمام أو بعدها، ففي الأول كانت المخالفة صورة ومعنى، وفي الثاني معنى لا صورة أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإن (٩) سجود السهو إنما كان لجبر نقصان تمكن في الصلاة التي أداها مع الإمام هاهنا، فصار حيتئذٍ (١٠) كأنه سجد في تلك الحالة التي كان مع الإمام فيها، وكانت مخالفة معنًى، وإن لم يكن صورة بخلاف تلك المسألتين فإنهما يتحققان بعد فراغ الإمام، ولم يتعلق بصلاة الإمام، فلا يكون مخالفة لا صورة، ولا معنى (١١).

стр. 887

[من سها عن التشهد الأول] قوله: وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى (١). أي: في ذوات الأربع أو الثلاث من الفرض فإنه، وضح المسألة في مبسوط شيخ الإسلام، و «المحيط» (٢)، ولو أن رجلًا صلى ركعتين من الظهر، ثم قام إلى الثالثة قبل أن يقعد، ولأن القعدة الأولى في التطوع فرض عند محمد، وكانت هي بمنزلة الأخيرة، وفي القعدة الأخيرة يعود إلى القعدة لا محالة، وإن استوى قائمًا؛ لأن ما يقرب إلى الشيء يأخذ حكمة (٣) كفناء المصر له حكم المصر في حق صلاة العيد، والجمعة، وكحريم البئر له حكم البئر، وما قرب من العامر له حكم العامر (٤) في حكم (٥) المنع عن (٦) الإحياء، كذا في «المحيط» (٧). ثم قيل: يسجد للسهو للتأخير، أي: لتأخير القعدة التي هي واجبة؛ لأنه لما اشتغل بالقيام فقد أخر الواجب، والأصح: أنه لا يسجد، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀؛ لأنه إذا كان إلى القعود أقرب صار كأنه لم يقم، ولهذا يقعد، وقال غيره من مشايخنا: إنه يسجد (٨). وذكر الإمام الولوالجي ﵀ في فتواه: والمختار أنه يسجد؛ لأنه بقدر ما اشتغل بالقيام صار مؤخرًا واجبًا وجب، وصله بما قبله من الركن، فصار تاركًا للواجب، فيجب عليه سجدتا السهو، ولو كان إلى القيام أقرب لم يعد؛ لأنه كالقائم معنى، ولو كان في حقيقة القيام لما عاد إلى القعدة الأولى بالاتفاق (٩) فكذا هذا؛ لأنه أخذ حكمه لقربه منه، ثم إنما لا يعود عند حقيقة القيام لما أن القيام فرض، والقعدة الأولى واجبة، فلا يترك الفرض لأجل الواجب، فإن قلت: يشكل هذا بما إذا تلا آية السجدة حالة القيام فإنه يترك القيام قصدًا، وهو فرض، ويأتي بسجدة التلاوة، وهي واجبة فقد ترك (١٠) الفرض لأجل الواجب (١١). قلت: قال الشيخ الإمام ﵀ في «المبسوط» (١٢): كان القياس هناك أيضًا أن لا يترك القيام إلا أنه جوّز ذلك بالأثر، فإن النبي ﵇ والصحابة كانوا يسجدون، ويتركون القيام لأجلها، فتركنا الركن به، والمعنى فيه: أن المقصود من سجدة التلاوة إظهار التواضع، ومخالفة الكفرة، فإنهم كانوا يستكبرون عن السجود، فجوز ترك القيام تحقيقًا (١٣)

стр. 888

لمخالفتهم ومخالفة الكفار فرض فكان هناك ترك الفرض لأجل الفرض حينئذ، وأصل هذا ما ذكر في «المبسوط» (١)، و «المحيط» (٢): أنه روي عن النبي ﵇ أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبّحوا له فعاد، وروى أنه لم يعد، ولكن سبح لهم فقاموا، ووجه التوفيق بين الحديثين أن ما روي أنه عاد كان لم يستتم قائمًا، وما روي أنه لم يعد كان بعد ما استتم قائمًا، ويسجد للسهو؛ لأنه بالتحرك للقيام غيّر نظم الصلاة، فيلزم سجود السهو رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته، ولأنه لما أمر بالرجوع في المسألة الثانية، وهي ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام إلى الخامسة ساهيًا إلى القعدة لأجل الواجب، وهو إصابة لفظ السلام مع أن للصلاة جوازًا بدونها، فلأن يؤمر هاهنا بالعود، ولا جواز للصلاة بدون القعدة كان أولى. كذا في «المحيط» (٣)؛ لأن ما دون الركعة (٤) بمحل الرفض؛ لأنه ليس له حكم الصلاة، ولهذا لا يحنث به في يمينه لا يصلي، وألغى الخامسة؛ لأنه رجع إلى شيء محله قبله، وفي بعض النسخ قبلها، وهذا أدل على المراد؛ لأن الضمير في قبله راجع إلى الخامسة، فكان التأنيث تصريحًا بأن المراد به هي؛ لأنه أراد بقوله: إلى شيء القعدة الأخيرة، يعني: أن من كان في فعل من الصلاة، ثم رجع من ذلك الفعل إلى فعل قبله يوجب ارتفاض الفعل الذي كان هو فيه قبل الرجوع كما إذا قعد قدر التشهد ثم تذكر السجدة الصلبية (٥) أو التلاوة يفترض القعدة لما أن محلها قبل القعدة الأخيرة، وكذلك هاهنا يفترض الركعة الخامسة؛ لأنه أخر واجبا بتأخير السلام تجب السجدة (٦)، وهو إصابة لفظ السلام على ما ذكرنا من «المحيط» (٧)، وإن قيّد الخامسة بسجدة بطل فرضه عندنا خلافًا للشافعي (٨)، وقال الشافعي ﵀: لا يبطل فرضه، ولكن يعود إلى القعدة، ويتشهد ويسلم، ويسجد سجدتي السهو، فيجزأه صلاته (٩). هذا إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، فإن قام إليها عائدًا (١٠)، ولم يكن قعد قدر التشهد، فعلى قول علمائنا لما لم يقيد الخامسة بالسجدة لا يفسد صلاته كما لو قام إليها ساهيًا (١١)، وقال الشافعي ﵀: بأنه كما (١٢) قام إلى الخامسة عامدًا تفسد صلاته، فالكلام بيننا وبينه في هذه المسألة في موضعين: أحدهما هو أن الزيادة إذا كانت ركعة واحدة، وقد حصلت ساهيًا هل يقبل الرفض أم لا؟ عندنا لا يقبل كما لو كانت الزيادة ركعتين، وعنده يقبل الرفض كما دون الركعة.

стр. 889

والثاني: أن للزيادة إذا كانت دون الركعة، وقد حصلت عمدًا هل يفسد الفرض أم لا؟ عندنا لا تفسد، وعنده تفسد، واحتج بما روي عن النبي ﵇ «أنه صلى الظهر خمسًا» (١)، ولم ينقل أنه قعد في الرابعة، ولا أنه زاد في صلاته ما ليس بصلاة ساهيًا، فلا تفسد صلاته، كما لو أتى بما دون (٢) الركعة، ولا يلزم ما إذا قام عامدًا؛ لأن الفرق ثابت بين فعل يوجد ساهيًا، وفعل يوجد عامدًا كما في السلام (٣). ولنا أنه اشتغل بالنفل قيل إكمال الفرض فتفسد صلاته كما لو صلى ركعتين؛ وذلك لأن القعدة الأخيرة فرض، والركعة الخامسة نفل لا محالة، ومن ضرورة استحكام شروعه في النفل خروجه من الفرض، والخروج من قبل إكماله مفسدًا له بخلاف ما قبل تقييد الركعة بالسجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة بدليل مسألة اليمين حيث لا يحنث بذلك القدر (٤). وأما الركعة الواحدة فصلاة لوجود الأركان فيها، ولا يشكل على هذا وجوب ختم الثانية لما أنها شرعت لإتمام الأولى لا لوجودها، والتمام صفة للشيء، ووجود الشيء لا يقف على وجود الصفة، وتأويل الحديث أنه كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل أنه قال: «صلى الظهر خمسًا» (٥)، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها القعدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن (٦) أن هذه القعدة هي القعدة الأولى حملًا لفعل رسول الله ﵇ على ما هو أقرب إلى الصواب، وفرقه بين العمد، والسهو لا تصح (٧)؛ لأن ما هو المفسد يستوي فيه العمد والسهو، والشروع في النافلة على وجه الاستحكام قبل تمام الفرض مفسد، فلا يتوقف إلى العمد (٨). كذا في المبسوطين (٩). وتحولت صلاته نفلًا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافًا لمحمد ﵀ على ما مرّ، أي: في باب قضاء الفوائت، وإنما تبطل صلاته هاهنا عند محمد لمعنيين مختلفين: أحدهما: لمعنى قبل التحول، والثاني (١٠): لمعنى بعد التحول (١١).

стр. 890

أما المعنى الأول: فهو ما ذكر في باب قضاء الفوائت أن للصلاة جهة واحدة عنده، فإذا فسدت صفة الفرضية بطل/ أصل الصلاة. وأما الثاني: فهو أن صلاته لو لم يفسد أصلًا هاهنا يصير تطوعًا، وترك القعدة على رأس الركعتين في التطوع مفسد للصلاة عنده، وإذا بطلت صلاته لا يضيف إلى الخامسة ركعة أخرى، وعندهما ترك القعدة على رأس الركعتين في التطوع لا يفسد الصلاة (١) فبقيت التحريمة فيضيف إليها ركعة أخرى عندهما حتى يصير متنفلًا بستّ ركعات؛ لأن النفل شرع شفعًا لا وترًا. كذا في «المحيط» (٢). وهل يسجد للسهو عندهما؟ اختلفوا فيه، والأصح أنه لا يسجد؛ لأن النقصان بالفساد لا يجبر بالسجود، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٣). ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون، والمظنون غير مضمون، ولكن (٤) لو اقتدى به إنسان، ثم قطعها المقتدي يلزمه قضاء ست ركعات عند أبي حنيفة، وأبي يوسف فرق أبو يوسف بين هذا، وبين الفصل الثاني حيث قال هناك: لو قطعها يقضي ركعتين على ما نبين إن شاء الله تعالى، ثم إنما (٥) يبطل فرضه بوضع الجبهة عند أبي يوسف، وعند محمد يرفعه (٦). وقال فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (٧): والمختار للفتوى قول محمد؛ لأنه أوفق وأقيس؛ لأن السجود لو تم قبل الرفع، وجعل دوامه كتكراره (٨) لم ينقضه الحدث، يعني: بالاتفاق أن الحدث ينقض كل ركن وجد هو فيه حتى لو توضأ، وبني على صلاته يجب عليه إعادة ذلك الركن الذي وجد فيه الحدث، ولو تم السجود بالوضع لما احتيج إلى إعادته كما لو وجد الحدث بعد الرفع، وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا سبقه الحدث في السجود بني عند محمد خلافًا لأبي يوسف، وقد حكى أنه ذكر قول محمد بين يدي أبي يوسف فقال: زِهْ (٩) صلاة فسدت يصلحها الحدث (١٠)، وذكر في «الفوائد الظهيرية»، وهذه المسألة تسمى مسألة زِهْ بزاء مكسورة منقوطة من فوقها بنقطة واحدة، وهي كلمة استعجاب ألا أنها استعجاب بطريقة التهكم، وإنما قال أبو يوسف هذا لغيظ لحقه من محمد، وهو أنه روي أن محمدًا مر بمسجد عامر قد راثت فيه الدواب، وبالت فيه الكلاب، فقال: هذا مسجد أبي يوسف؛ لأن مثل هذا يبقى مسجدًا إلى قيام الساعة عنده؛ لكون الوقف تحريرًا عنده، وعند محمد يعود إلى ملك الواقف في حياته، وإلى ورثته بعد وفاته (١١).

стр. 891

وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان: وكل ما ذكرنا في الظهر فكذلك في العصر، والعشاء؛ لأنه صار متنفلًا بست ركعات قبل العصر، وفي صلاة الفجر يقطع سواء قعد على رأس الثانية أو لم يقعد؛ لأن التنفل قبل الفجر، وبعده مكروه سوى ركعتيها (١)، ولو قعد في الرابعة، ثم قام، أي: ساهيًا، ثم شرع في بيان القسم الثاني، وهو ما إذا قعد في الرابعة، ثم قام ساهيًا، وذكر هذا القسم مقدمًا على القسم الآخر في غير هذا الكتاب، وأخّر هنا؛ لأن ما ذكر أولًا أحوج إلى البيان لتعلق فساد الصلاة به بخلاف هذا القسم، ثم إنما يعود هاهنا إلى القعدة مع أنه لو لم يعد تجوز صلاته ليأتي بالسلام؛ إذ إصابة لفظ السلام فرض عند الشافعي، وواجب عندنا (٢)؛ لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع، أي: في الصلاة المطلقة، ومع ذلك لو سلم قائمًا لا تفسد صلاته، وإذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو قام عامدًا ثم القوم (٣) هل يتبعونه؟ قيل: فيتبعونه (٤)، فإن عاد عادوا معه، وإن مضى في النافلة اتبعوه؛ لأن صلاتهم تمت بالقعدة. والصحيح: ما ذكره البلخي، عن علمائنا: فإنهم لا يتبعونه؛ لأنه ليس في البدعة اتباع، وإن عاد قبل تقييد الخامسة بالسجدة اتبعوه في السلام، فإن قيّد سلموا في الحال كذا ذكره صاحب «المحيط» (٥)، والتمرتاشي (٦)، وإن قيّد بالخامسة بالسجدة، ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى هذا لفظ «الجامع الصغير» (٧). ولم نذكر أنه على معنى التخيير أم على معنى الاستحباب أو الإيجاب؟ وفي الأصل ما يدل على الوجوب، فإنه قال فيه (٨): عليه أن يضيف، وكلمة على الإيجاب، وإذا أضاف إليها ركعة أخرى يتشهد ويسلم، ويسجد سجدتي السهو، ثم يتشهد ويسلم، وإنما وجب سجدتا السهو؛ لأنه ترك لفظ السلام، وإصابة لفظة السلام واجبة حتى أنه إذا شك في صلاته، فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا، فشغله بفكره حتى أخّر السلام لزمه سجود السهو، والضمان إنما يجب بتأخير الواجب، وقد ترك هاهنا، ثم هذا جواب الاستحسان/ والقياس أن لا يلزمه سجود السهو؛ لأن هذا سهو وقع في الفرض، وقد انتقل منه إلى النفل، ومن سها في صلاة لا يجب عليه أن يسجد في صلاة أخرى، ووجه الاستحسان أنه انتقل من الفرض إلى النفل إلا أن النفل بناء على التحريمة الأولى، فيجعل في حق وجوب سجدة السهو كأنها صلاة واحدة، وهذا كمن صلى ست ركعات تطوعًا بتسليمة واحدة، وقد سها في الشفع لأول يسجد للسهو في آخر الصلاة، وإن كان كل شفع من التطوع كصلاة على حدة لكن كلها في حق التحريمة صلاة واحدة قالوا: وهذا القياس، والاستحسان بناء على مسألة أخرى، وهي أن المسبوق إذا اشتغل بقضاء ما فاته، ولم يتابع الإمام في سجود السهو هل يسجد في آخر الصلاة؟ القياس أن لا يسجد؛ لأن السهو وقع في صلاة الإمام فهو انتقل إلى صلاة أخرى، وفي الاستحسان يجب؛ لأن صلاته بناء على صلاة الإمام، فيجعل كأنها صلاة واحدة في حق وجوب سجدة السهو. كذا في هذا قيل: هذا القياس، والاستحسان على قول محمد؛ لأن عنده (٩) سجود السهو في هذه الصلاة لنقصان يمكن في الفرض بترك السلام، وأما عند أبي يوسف وجوبه لنقصان يمكن في النفل، فكان واجبا قياسًا، واستحسانًا، كذا في «المحيط» (١٠).

стр. 892

البتيراء (١) تصغير البتر تأنيث الأبتر (٢). قوله: هو الصحيح احتراز عن قول بعضهم حيث قالوا: تنوبان عن سنة الظهر، والأصح أنهما لا تنوبان؛ لأن السنة عبارة عن طريقة النبي ﵇، وهو كان يتطوع بتحريمة مبتدأه قصدًا، ولأن المشروع صلاة كاملة على صفة السنة، فلا يتأدَّى بما هو مظنون ناقص غير مضمون، وبه أخذ الشيخ الإمام أبو عبد الله الخيزاخزي (٣)، كذا ذكر فخر الإسلام، وقاضي خان لتمكن النقصان في الفرض بالخروج لا على الوجه المسنون، وهو الخروج بإصابة لفظ السلام، وهذا مذهب محمد ﵀ (٤). وفي النفل بالدخول لا (٥) على الوجه المسنون، وهو الشروع فيه بتحريمة مبتدأه، وهذا مذهب أبي يوسف ﵀، وإنما قدم قول محمد على قول أبي يوسف؛ لأنه هو المختار، والمعتمد للفتوى (٦). ذكره فخر الإسلام في «الجامع الصغير»، ووجهه أن من قام من الفرض إلى النفل من غير تسليم، ولا تكبير عمدًا لم يُعدَّ ذلك نقصًا في النفل؛ لأنه أحد (٧) وجهي الشروع في النفل، وإنما هو نقص في الفرض، ولو قطعها لم يلزمه القضاء؛ لأنه مظنون، والمعنى فيه: أنه شرع مسقطًا لا ملزمًا ثم تبين أنه لم يكن عليه فسقط لم يكن (٨) أصلًا (٩). وذكر في «المحيط» (١٠): وهذا عندنا، وقال زفر: عليه (١١) قضاء ركعتين، فإن عنده يبقى في نفل لازم، وإن تبين أنه لم يكن عليه، وكذلك في الصوم، وأجمعوا على أن من شرع في الحج على ظن أنه عليه، ثم تبين أنه ليس عليه يبقى في إحرام لازم، وكذا من تصدق على فقير على ظن أن عليه الزكاة، ثم تبين أنه لم يكن عليه تبقى الصدقة لازمة بصفة اللزوم، ولا يتمكن من استردادها بحال.

стр. 893

قوله: وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا يُصَلِّي سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، أي: على طريق اللزوم، ومعناه: أنه لما أتى بهذه الركعة مع الأمام، فيأتي المقتدي بعده بخمس ركعات سواها؛ لأن إحرام الفرض لما لم ينقطع عنده صار المقتدي شارعًا في الكل؛ وذلك لأنه لما شرع في تحريمة الإمام فيلزمه ما أدى الإمام بهذه التحريمة، وقد أدى الإمام ست ركعات فيلزمه ذلك، ولهما أنه اقتدى به في النفل بعد خروجه من الفرض خروجًا مستحكمًا، فلا يلزمه غير هذا الشفع، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١). وكيف يصلي هذا الخمس عنده؟ ينبغي أن يقوم فيصلي ركعة فيقعد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، فهذا قياس مذهبه؛ لأن القعود مشروع عند انتهاء كل ركعتين، ولو أفسده المقتدي لا قضاء عليه عند محمد، ثم يصلي ركعتين فيقعد، فهذا قياس مذهبه؛ لأن القعود مشروع (٢) إلى اعتبارًا بالإمام، ولأنها لو صارت مضمونة على المقتدي لصارت بمنزلة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك باطل، كذا ذكره فخر الإسلام (٣). وعند أبي يوسف ﵀ يقضي ركعتين، وكان من حقه أن يقول: وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله بدليل ما تقدم في قوله: وعندهما ركعتين، وبدليل ما ذكر في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٤)، وعندهما يقضي (٥) ركعتين ثم أن المقتدي إنما يقضي ركعتين (٦) بخلاف الإمام؛ لأن المقتضي للوجوب ثابت في حق الإمام، وهو الشروع ممن كان أهلًا لتوجه/ الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل، ومتى قام المقتضي في حق الإمام يجب، إظهار حكمه في حق المقتدي، وإن لم يظهر حكمه في حق الإمام بعارض الظن الذي خُصّ هو به ونظيره ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في باب التيمم من «المبسوط» (٧): هو أن المتوضئ إذا اقتدى بالمتيمم، ثم أنه أبصر الماء بقرب إمامه، والإمام لا يعلم به فسدت صلاة المقتدي دون صلاة الإمام لقيام المقتضي لفساد صلاة الإمام، وهو كون الماء على قرب منه، وطهارة الإمام معتبرة في حق المقتدي، ولذا امتنع اقتداء الصحيح بالجريح الذي جرحه لا يرقأ إلا أنه لم يظهر حكمه في حق الإمام لكان الجهل بمكان الماء، فظهر في حق المقتدي عملًا بالمقتضي بقدر الإمكان بخلاف ما لو اقتدى بصبي حيث لا يجوز اقتداؤه به عنده لانعدام ما ذكرنا من المقتضي في حق الإمام (٨) لامتناع توجه الخطاب نحوه بالنهي عن إبطال العمل، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٩).

стр. 894

وقال فخر الإسلام: والفتوى على قول أبي يوسف في هذا لما أن ابتداء النفل غير مضمون قصدًا غير مشروع بخلاف ما تقدم من الموضعين أحدهما أن تمام السجدة بالرفع (١)، والثاني أن سجود السهو لنقصان تمكن في الفرض في هذه المسألة كان الفتوى على قول محمد ﵀، وقد ذكرناه (٢)، ثم فرق أبو يوسف بين هذا الفصل، وبين الفصل الأول، وهو ما إذا لم يقعد في الرابعة، فإنه قال هناك: تقضي ست ركعات، وقال: لما قعد في الرابعة: هنا قدر التشهد، ثم فرضه، فيصير شارعًا في النفل، فمن ضرورة شروعه في النفل خروجه عن (٣) الفرض، فإذا اقتدى به إنسان فإنما التزم ركعتين لا غير فلا يلزمه بالإفساد إلا قضاء ركعتين، وهناك لم يتم الفرض حتى يصير شارعًا في النفل، ويخرج عن الفرض ضرورة شروعه في النفل، بل يترك القعدة بطلت الفرضية أصلًا، وانعقد إحرامه في الابتداء لست ركعات، فإن اقتدى به إنسان إنما اقتدى به في تحريمه انعقدت للست فيصير ملتزمًا الست بالاقتداء فيلزمه عند الإفساد قضاء الست إلى هذا أشار في «المحيط» (٤)؛ لأن السقوط بعارض يخص الإمام، وهو ظن الإمام بأنها الركعة الثالثة، وكان شارعًا فيها على عزم أداء ما عليه بالإسقاط، فيجعل هذا العارض معدومًا في حق المقتدي، فكان بناء المضمون على المضمون، وعن هذا قلنا بصحة الاقتداء بالإجماع، وإلا لما جاز لما فيه من بناء القوي على الضعيف كما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل لهذا. [اقتداء البالغ بالصبي] وفي «الجامع الصغير» لقاضي خان:/ ومما يتصل لهذه المسألة اقتداء البالغين بالصبيان في التراويح، والسنن المطلقة قال مشايخ بلخ: يجوز؛ لأن الصبي من أهل التطوع إلا أنها لا تكون مضمونة عليه، ويكون مضمونة على البالغ، ومثل هذا لا يمنع الاقتداء كما في هذه المسألة حيث صح الاقتداء، وأنها مضمومة على المقتدي غير مضمونة على الإمام في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وكذلك عند محمد في غير رواية النوادر (٥). وقال مشايخ بخارى ﵏: لا يصح الاقتداء بالصبيان في التراويح، كما لا يصح الاقتداء بهم في المكتوبة، وفرقوا بين مسألة الكتاب، وبين تلك المسألة على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وكذلك على قول محمد في قول بعض المشايخ (٦)، ووجه الفرق: أن في المسألة المقتدي والإمام كل واحد منهما من أهل الضمان إلا أنه سقط الضمان عن الإمام لمعنى عارض، وهو عدم القصد فلا يظهر في حق المقتدي، وإذا لم يظهر في حقه كان هذا اقتداء من يصلي صلاة مضمونة بمن يصلي صلاة مضمونة، فأما الصبي فليس من أهل الضمان، فلا يمكن أن يجعل مضمونًا عليه في حق المقتدي؛ لأنه الشيء إنما يقدر تقديرًا أن لو تصور تحقيقًا، فكان اقتداء البالغ بالصبي في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل (٧).

стр. 895

قوله: ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَاوَيْنِ، والصواب: أن يقال: أُخريين -وقد ذكرناه في فصل القراءة- لَمْ يَبْنِ، أي: ليس له أن يبني؛ لأنه على تقدير البناء يكون سجدة السهو في وسط الصلاة، وهو غير مشروع بخلاف المسافر إذا سجد للسهو، ثم نوى الإقامة إنما ذكر نية الإقامة بعد السجدة للسهو، فإنه لو نوى الإقامة بعد السلام لأجل سجدة السهو، وقبل السجدة لا يصح نيته عندهما خلافًا لمحمد، وهي (١) المسألة التي تلي هذه المسألة ثم هاهنا/ يصح نية الإقامة، وإن وقع سجود السهو في وسط الصلاة بخلاف بناء التطوع؛ لأنه لزمه أربع ركعات حكمًا لنية الإقامة، وفي تركها فساد جميع الآتي (٢) به، وفي الاشتغال بها نقض بسجود السهو، وهذا أدنى فكان أولى، وأما هاهنا فيمكنه الإتيان بالركعتين بتحريمة (٣) مستقبلة، وليس في الجمع إلا إحراز فضيلة الدوام، وفيه نقص الواجب فالاحتراز عن نقض الواجب أولى من إحراز غير الواجب، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٤). وذكر شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط» (٥): وحقيقة الفرق أن السلام محلل ثم (٦) بالعود إلى سجود السهو قعود (٧) حرمة الصلاة للضرورة، وهذه الضرورة (٨) فيما يرجع إلى إكمال تلك الصلاة لا في صلاة أخرى، ونية الإقامة عملها في وجوب إكمال تلك الصلاة، فظهر عود الحرمة في حقها، فأما كل شفع من التطوع فصلاة على حدة، ولم تعد الحرمة في حق صلاة أخرى، فلهذا لا يمكنه أن يبني عليها ركعتين. قلت: وهذا التعليل يشير إلى أنه لو بنى عليها ركعتين لا يصح فكان مخالفًا لقوله: في الكتاب، ومع هذا لو أدى صح لبقاء التحريمة، ولكن شيخ الإسلام، والإمام المرغيناني ذكرا ما يوافق رواية الكتاب، فقال شيخ الإسلام: فإن بنى على ذلك ينبغي أن يعيد سجدتي السهو؛ لأنه لما بنى حصلت السجدتان في وسط الصلاة لا يعتد بهما (٩) فكان عليه الإعادة، ومن سلم وعليه سجدة السهو إلى آخره، وأصله: أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلًا عند محمد، وعندهما يخرجه خروجًا موقوفًا إن عاد إلى سجود السهو تبين أنه لم يخرجه، وإن لم يعد تبين أنه أخرجه، ويتولد من هذا الأصل مسائل منها مسألة الكتاب (١٠)، فإن عند محمد ﵀: صح الاقتداء على سبيل البناء، وعندهما توقف، وهو قوله: وَيَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا، أي: في صحة الاقتداء (١١)، وفي انتقاض الطهارة بالقهقهة، أي: لو ضحل الذي سلم، وعليه سجود السهو ينتقض طهارته عند محمد؛ لأنه ضحك في حرمة الصلاة، وعندهما لا ينتقض، وكذا لو ضحك المقتدي في هذه الحالة، وتغيّر الفرض بنية الإقامة في هذه الحالة، يعني: أن المسافر إذا نوى الإقامة بعد السلام قبل سجود السهو عند محمد يتغير فرضه أربعًا كما لو نوى قبل السلام، وعندهما لا يتغير فرضه؛ لأن النية لم يحصل في حرمة الصلاة، ويسقط عنه سجود السهو؛ لأنه لو سجد يتغير فرضه (١٢) فيكون مؤديًا سجود السهو في وسط الصلاة، وكذلك يظهر الاختلاف فيمن اقتدى به إنسان بنية التطوع، ثم تكلم هذا المقتدي قبل أن يسجد الإمام للسهو لا يجب على المقتدي قضاء شيء عندهما، وإن عاد الإمام إلى سجود السهو؛ لأنه تكلم قبل صحة الاقتداء، وعند محمد يلزمه قضاء ما بنى الإمام، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١٣).

стр. 896

قلت: وبهذا يُعرف أن عندهما من سلم للسهو يخرج عن حرمة الصلاة من كل وجه لا أن يكون معنى التوقف أن يثبت الخروج من وجه دون وجه، ثم بالسجود يدخل في حرمة الصلاة؛ لأنه لو كان في حرمة الصلاة من وجه لكانت الأحكام على عكسها عندهما أيضًا كما هو مذهب محمد من انتقاض الطهارة بالقهقهة [ولزوم الأداء بالاقتداء]، ولزوم الأربع عند نية الإقامة عملًا بالاحتياط احتج محمد، وزفر ﵀ بأنه سلم، وقد بقي عليه شيء شرع جبرًا للنقصان المتمكن في الصلاة، وذا لا يكون (١) إلا ببقاء التحريمة؛ لأن الجبر إنما يكون للقائم لا للمقتضي فيجب تأخير حكم السلام لجواز تراخي أحكام الأسباب عنها للحاجة، فلا يجعل هذا السلام محللًا كما إذا سلم ساهيًا (٢)، وهما يقولان: إن السلام محلل في الأصل قال ﵇: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٣)، فإذا كان التسليم تحليلًا ينبغي التحريم الذي يضاده، فلذلك لا يبطل عمله إلا للحاجة، وللضرورة (٤)، والضرورة عند أداء السجدة لا عند عدمها، فيتوقف عملها في الحال ثم لما لم يسجد لم توجد الحاجة فعمل المحلل عمله من وقت وجوده، ثم إذا سجد الإمام حتى صار الرجل داخلًا في صلاته بالإجماع سجد هذا الرجل معه؛ لأن المسبوق يتابع الإمام فيما يدركه فيه، فإن سجد مع الإمام، ثم قام يقضي لم يكن عليه أن يعيد السهو، وإن كان ذلك السهو في وسط في الصلاة؛ لأن هذا آخر صلاته حكمًا؛ لأنه آخر صلاة الإمام حقيقة، فيكون آخر صلاته حكمًا تحقيقًا للمتابعة، فإن سها الرجل فيما يقضي، فعليه أن يسجد لسهوه، وسجوده/ الأول مع الإمام لا يجزئه عن سهوه؛ لأن المسبوق فيما يقضي منفرد، فالسجود مع الإمام لا ينفع (٥) المنفرد عن السهو في صلاته، كذا في «المحيط» (٦). ومن سلم يريد به (٧) قطع الصلاة، وعليه سهو فعليه أن يسجد للسهو، وبطلت نية القطع عندهم جميعًا، فإن قلت: حكم هذه المسألة يترآى مناقضًا لحكم المسألة المتقدمة على قولهما، فإن هناك لما خرج عن حرمة (٨) الصلاة مطلقًا حتى لم يصح الاقتداء، ونية الإقامة كان نية القطع، وهي نية التحليل موافقة لقولهما، فلما ثبت الخروج عن حرمة الصلاة بالسلام بدون نية قطع الصلاة (٩) على قولهما، فلأن يخرج عند اقتران النية أولى، ثم ذكر هاهنا عدم كون السلام قاطعًا لحرمة الصلاة مع وجود نية القطع فما وجه الجمع بينهما (١٠).

стр. 897

قلت: سلام من عليه السهو يخرج عن حرمة الصلاة عندهما مطلقًا، ولكن له عرضية العود وصلى حقيقة إلى حرمة الصلاة بالسجود للسهو ما لم يأت بشيء هو مناف للصلاة، فتلك العرضية، والصلاحية لا يرتفع لا بالنية، ولا بدون النية، وهي المعنية من التوقف، ثم ذكر في المسألة الأولى الخروج عن حرمة الصلاة مع انعدام ارتفاع عرضية العود إلى حرمة الصلاة بالسجود عند عدم نية قطع الصلاة، وذكر هاهنا أيضًا انعدام ارتفاع عرضية العود (١) عند وجود نية القطع، فكان فيهما جميعًا ذكر عدم ارتفاع عرضية العود، وصلاحيته إلى حرمة الصلاة بالسجود، فكانتا متفقتين معنًى، وإن اختلفا صورة (٢). وقال في «المحيط» (٣): وبطلت نية القطع عندهم جميعًا أما عند محمد، فلأن هذا لم يشرع محللًا للحال، فلا يصير محللًا بقصده إذ ليس إلى العبد تغيير المشروع، وعندهما هذا السلام اعتبر محللًا على سبيل التوقف، فمتى قصد أن يجعلها محللًا على سبيل الثبات بحيث لو أتى بالسجود لا يعود إلى حرمة الصلاة، فقد قصد تغيير المشروع، فيرد عليه قصده، وقد ذكر في «الجامع الصغير» (٤) مطلقًا أنه يسجد للسهو، ولكن ذكر في الأصل هذه المسألة، وشرط لأداء السجدة شرطًا زائدًا، فقال: إذا سلم، وهو لا يريد أن يسجد لسهوه لم يكن تسليمة ذلك قطعًا حتى لو بدا له أن يسجد، وهو في مجلسه ذلك قبل أن يقوم، وقبل أن يتكلم فإنه يسجد سجدتي السهو، فكان هذا إشارة إلى أنه متى قام عن مجلسه، واستدبر القبلة لا يأتي بسجدتي السهو، وإن لم يخرج عن المسجد، وذكر بعد هذه المسألة في الأصل أن يأتي بها (٥) قبل أن يتكلم، ويخرج عن المسجد، وإن مشى وانحرف عن القبلة، وبه قال بعض المشايخ. قوله: وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ (٦)؛ لأن السجود عقيب السلام مشروع لقوله ﵇: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٧)، فيلغو نيته كما لو نوى قطع الصلاة لكن هذا ينتقض بما إذا نوى الإشراك بالله يصير مشركًا من ساعته، وإن كانت نيته مغيّرة لا شرع المشروعات لكنا نقول النية بوصف التجرد لا تأثير لها في إبطال ما يتوقف تحققه على النية، وعمل الجوارح، والصلاة بهذه المثابة بخلاف الإيمان، فإنه في التحقق لا يفتقر إلى عمل الجوارح على ما اختاره رئيس أهل السنة أبو منصور الماتريدي ﵀، فإن عنده الصلاة التصديق بالجنان تكفي، والإقرار باللسان لإجراء الأحكام، قال ﵁: ولكن بقي لي فيه بعض الأشكال، وهو أن النية هنا لم توجد مجردة عن العمل لاقترانها بالتسليم الذي هو تحليل لاسيما على قولهما، والجواب عنه: أن النية المقرونة بالعمل إنما تعمل إذا لم يكن ذلك العمل المقرون به النية مستحقًّا عليه زمان اقتران النية به، والسلام زمان اقتران النية به مستحق عليه؛ لأنه يجب عليه أن يسلم حتى يتمكن من أن يسجد للسهو فلا تعمل النية فكانت النية مجردة عن العمل عن هذا التقدير، كذا في «الفوائد الظهيرية» (٨).

стр. 898

ومن شك في صلاته فلم (١) يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا وذلك أول ما عرض له استأنف للحديث بهذا اللفظ، ولأن الاستقبال لا يريبه، والمضي بعد الشك يريبه (٢)، وقد قال ﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣). ولأنه قادر على إسقاط ما عليه من الفرض بيقين من غير مشقة فيلزمه ذلك قياسًا على ما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أم لم يصل، وهو في الوقت لزمه أن يصلي، وقياسًا على ما لو ترك (٤) صلاة واحدة من يوم وليلة، ولا يدري أية (٥) صلاة هي فإنه يصلي خمس صلوات حتى يخرج عما عليه بيقين، فكذا هنا (٦)، ثم اختلف المشايخ في معنى قوله: أول ما عرض له أو أول ماسها. قال بعضهم: معناه أن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يسه/ في عمره قط، وقال بعضهم: معناه أول سهو وقع له في عمره، ولم يكن سها في صلاة قط من حين بلغ، وقال بعضهم: أول سهو وقع له في تلك الصلاة، والأول أشبه، وإن وقع الشك في صلاة الفجر، فلم يدر أنها الركعة الأولى أم الثانية، وهو قائم يتحرَّى في ذلك فإن وقع تحريه على شيء عمل به، وإن لم يقع تحريه على شيء، وهو قائم يبني على الأقل (٧)، ويجعلها أولى (٨) فيتم تلك الركعة ثم يقعد لجواز أنها ثانيته (٩)، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أن ما صلى كانت أولى، وهذه ثانيته (١٠) ثم يسلم؛ لأنها ثانيته (١١) حكمًا، وإن شك فيها أنها ثانيته (١٢) أو ثالثته (١٣) عمل بالتحري كما ذكرنا (١٤). وإن لم يقع تحريه على شيء، وكان قائمًا فإنه يقعد في الحال، ولا يركع لجواز أنها ثالثته، فلو قلنا: بأنه يمضي، ولا يقعد فقد ترك القعدة على رأس الركعتين فتفسد صلاته ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أن القيام الذي رفضه بالقعود ثانيته، وقد ترك ذلك فعليه أن يصلي ركعة أخرى حتى يتم صلاته، وإن كان قاعدًا، والمسألة بحالها يتحرى، فإن وقع تحريه أنه قعد على رأس الركعتين يمضي على صلاته، وإن وقع تحريه أنه لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته؛ لأن القعدة على رأس الركعتين فرض، وإن لم يقع تحريه على شيء (١٥) فسدت صلاته أيضًا؛ لأن صلاته دارت (١٦) بين الصحة، والفساد فيفسد احتياطًا، وإن وقع الشك في ذوات الأربع أنها الأولى أم الثانية، عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء يبني على الأقل (١٧) فيجعلها أولى ثم يقعد لجواز أنها ثانيته، والقعدة فيها واجبة ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لجواز أنها رابعته ثم يقوم، ويصلي ركعة أخرى، ويقعد لأنا جعلناها في الحكم رابعته (١٨)، والقعدة على رأس الرابعة فرض، وإن وقع الشك في ذوات الثلاث فهو على قياس ما ذكرنا، وهذا كله إذا وقع الشك في الصلاة فأما إذا وقع الشك بعد الفراغ من الصلاة بأن شك بعد السلام مثلًا في ذوات الأربع أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فهذا عندنا على أنه أتم الصلاة حملًا لأمره على الصلاح، وهو الخروج عن الصلاة، ولو شك بعدما فرغ من التشهد في القعدة الأخيرة على نحو ما بينا فكذلك الجواب على أنه أتم صلاته. كذا في «المحيط» (١٩)، و «الذخيرة» (٢٠).

стр. 899

قوله (١): «من شك في صلاته فليتحرَّ الصواب» (٢) (٣). [الشك في عدد الركعات] التحري طلب أحرى الأمرين، وهو أولاهما تفعل منه، وقال الشافعي في هذا: في الأحوال كلها يبني على الأقل ولا يستقبل (٤)، وإن كان أول ما عرض له، أو تكرر، أو وقع تحريه على شيء احتجا بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ (٥)، عن رسول الله ﵇ أنه قال:/ «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليقِ (٦) الشك، وليبن على اليقين» (٧)، فقد أمر بالبناء على اليقين، ولم يفصّل، والمعنى: أن هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال، فكذا إذا وجد أول مرة، ولأنا أجمعنا على أنه يأخذ باليقين في هذه المسألة على اختلاف الأصلين على أصل يبني على الأقل (٨)، وعلى مذهبكم يستأنف، والبناء على الأقل أولى؛ لأن فيه صيانة الصلاة عن القطع، وفي الاستقبال قطع للصلاة (٩)، والصلاة يصان (١٠) عن القطع ما أمكن، ولنا ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فليستقبل» (١١) أمر بالاستقبال ولم يفصل (١٢)، والمعنى فيه: أنه قدر على إسقاط ما عليه من الفرض بيقين من غير مشقة يلحقه، فلزمه ذلك قياسًا على ما لو شك في أصل الصلاة أنه صلى أم لم يصل، وإنما قلنا: قدر على إسقاط ما عليه بيقين؛ لأنه متى استقبل الصلاة يتحقق إسقاط ما عليه يقينًا، ومتى بني على الأقل لا يصير خارجًا عما عليه بيقين؛ لأنا نفرض الكلام فيما إذا شك أنه صلى أربعًا أم خمسًا، أو كم صلَّى، لو قلنا: بأنه يأخذ الأقل لا يكون خروجًا عما عليه بيقين لجواز أنه صلى خمسًا، وقد ترك القعدة على رأس الرابعة، فالبناء على الأقل لا يخرجه عن الفرض بيقين، والاستئناف يخرجه عما عليه بيقين، وهو قادر على الاستئناف من غير مشقة تلحقه؛ لأنه لم يعتد هذا، فالظاهر أنه إذا استقبل لا يقع له هذا (١٣) الشك في المرة الثانية.

стр. 900

فكان القياس فيما إذا تكرر منه أن يستقبل، ولا يتحرَّى حتى يخرج عن (١) الواجب بيقين لما ذكرنا إلا أنا لو أمرناه بالاستقبال، ويقع له هذا الشك في الاستقبال، ويعجز عن الأداء بما يقع له كل مرة، فسقط عنه الاستقبال دفعًا للحرج، والحديث/ الذي رواه محمول على ما إذا تكرَّر منه بدليل ما روينا نفيًا للمناقضة، وأما (٢) بأن البناء على الأقل صيانة للصلاة عن القطع، قلنا: نعم فيه صيانة الصلاة عن القطع، ولكن مع وهم الفساد؛ لأنه يجوز أنه صلى خمس ركعات، وقيدها بالسجدة، فالبناء على الأقل لا يزيل وهم (٣) الفساد، وفي الاستقبال زوال وهم الفساد، فكان أولى (٤). وقوله: بأن هذا معنى تكرر لا يوجب الاستقبال، قلنا: القياس فيما تكرر أن يجب الاستقبال؛ لأن هذه صلاة ترددت بين الجواز والفساد على ما بينا إلا أنه إذا تكرر واعتاد ذلك لو قلنا: بأنه يلزمه الاستقبال ربما يعجز عن أداء الواجب. كذا ذكره شيخ الإسلام ﵀ (٥). وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، أي: وقطع صلاته بالسلام أولى فيما وجب فيه القطع؛ لاستقبال صلاته، وهو فيما عرض له الشك أول مرة؛ لأن السلام عرف محللًا للصلاة شرعًا دون الكلا (٦)، وهذا لدفع شبهة، فإنه عنى بهم الواهم بأن هذا لما كان قطعًا للصلاة لاستقبال صلاته من الابتداء لا يتفاوت الحكم بين السلام والكلام؛ إذ كل منهما قاطع للصلاة (٧). ومجرد النية يلغو، أي: نفس النية تقطع الصلاة من غير اقتران السلام بها (٨) ليست بكافية للقطع لما ذكرنا قبل هذا أن النية بوصف التجرد لا تأثير لها في الشيء الذي يتوقف تحققه على النية، وعمل الجوارح، وقطع الصلاة من هذا، فلا يثبت بمجرد النية، والله أعلم (٩).

стр. 901

باب صلاة المريض (١) عجز المريض عن القيامذكر صلاة المريض عقيب سجود السهو؛ إمّا لأن كلًّا منهما من العوارض السماوية (٢)، إلا أنّ الأوّل أكثر وقوعًا (٣)؛ لأنّه يعرّض كثيرًا في صلاة واحدة، وأعمّ موقعًا؛ لأنّه يتناول صلاة المريض، وصلاة الصحيح، وغيرهما؛ فقدّمه لشدة مساس الحاجة إلى بيانه لكثرة وجوده، أو لأنّ السهو في الصّلاة قصور وله جبر (٤)، وصلاة المريض مع قصور ولها جبر، وهو قدر الإمكان، ثم الإضافة؛ إما إضافة الفعل إلى فاعله كـ: قيام زيدًا، وإلى محله كـ: تحرك الخشب، وقولهم: جرح زيد لا يندمل، يجمعها (٥). (وإذا عجز المريض عن القيام صلّى قاعدًا) (٦). وفي «المحيط» (٧): (لم يرد بهذا العجز، [والعجز] (٨) أصلًا بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدًا، بل إذا عجز عنه أصلًا، أو قدر عليه إلا أنه يُضعفه ذلك ضعفًا شديدًا حتى يزيد عليه لذلك، أو يجد وجعًا لذلك، أو يخاف إبطاء البرء، فهذا وما لو عجز عنه أصلًا سواء) (٩). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ (١٠): (اختلف في حدّ المرض الذي يبيح الصلاة قاعدًا، قيل (١١): أن يكون بحال لو قام سقط من ضعف، أو دوران رأس، أو غير ذلك، وقيل: أن يصير صاحب فراش، وأصحّ الأقاويل: أن يلحقه بالقيام ضرر) (١٢). (١٣)

стр. 902

وإذا كان قادرًا على بعض القيام دون تمامه كيف يصنع؟ قال الفقيه أبو جعفر (١): [لأنه] (٢) يؤمر [أن يقوم مقدار ما يقدر، فإذا عجز قعد حتّى أنه إذا كان قادرًا على أن يكبّر قائمًا] (٣)، ولا يقدر على القيام للقراءة، أو كان يقدر على القيام لبعض القراءة دون تمامها، فإنّه يؤمر بأن يكبّر قائمًا؛ [بأن يقوم مقدار ما يقدر، فإذا عجز قعد، حتى أنه إذا كان قادرًا على أن يُكبّر قائمًا] (٤)، ويقرأ ما يقدر عليه قائمًا، ثم يقعد إذا عجز، وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني (٥) ﵀ (٦). الفرق بين صلاة المريض وصيامه وفي «المبسوط» (٧) (٨): فرَّق بين هذا وبين الصوم، فإن المريض إذا كان قادرًا على الصوم في بعض اليوم، ثم عجز؛ فإنّه لا يصوم أصلًا، وهاهنا يصلي ووجه الفرق بينهما أنّ في الصوم، لمّا أفطر في آخر اليوم لم يكن فعله في أوّل اليوم معتدًا (٩)، به فلا يشتغل به، وفي الصلاة يبقى قيامه في أوّلها معتدًا (١٠) به، وإن قعد في آخرها [فيشتغل] (١١) به، ثم إذا قدر على القيام متكئًا (١٢).

стр. 903

قال شمس الأئمة الحلواني: الصحيح: أنه يصلي قائمًا متكئًا، ولا يجزيه غير ذلك (١)، وكذلك لو قدر على أن يعتمد على عصا، أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام فإنّه يقوم ويتكأ؛ خصوصًا على قول أبي يوسف (٢)، ومحمد (٣)، فإن عندهما قدرته على الوضوء بغيره كقدرته بنفسه، فكذا هذا (٤). (أومى إيماءً) (٥)، أصله أومأ إيماءً بالهمزة، ولم يذكر في الأصل ما إذا لم يقدر على القعود مستويًا، وقدر عليه متكأ، أو مستندًا إلى حائط، أو إنسان، أو ما أشبه ذلك (٦). قال مشايخنا (٧): ينبغي أن يصلي قاعدًا مستندًا، أو متكئًا، ولا يجزيه أن يصلي مضطجعًا، وهو نظير ما ذكرنا [في القيام. كذا] (٨) في «المحيط» (٩).

стр. 904

فإن قلت: إذا قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود ينبغي أن لا يسقط عنه فرضية القيام، وكان عليه أن يصلي قائمًا، ويومئ بالركوع والسجود. وهو قول الشافعي ﵀ (١)؛ لحديث عمران بن الحصين ﵁ (٢): «فإن لم يستطع فقاعدًا» (٣) حيث (٤) نقل الحكم من القيام إلى القعود بشرط العجز عن القيام. قلت: ذاك محمول على ما [إذا] (٥) كان قادرًا على الركوع والسجود حالة القيام؛ بدليل أنّه ذكر الإيماء [ثمة] (٦) حال ما يصلّى على الجنب، دلّ أنّ المراد بحالة القيام القدرة على الأركان. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٧) (٨). صفة سجود المريض [١٢٩/ أ] (ولا يرفع إلى وجهه شيئًا يسجد عليه) / (٩)؛ لما روي أن النبي ﷺ دخل على مريض يعوده فوجده يصلي كذلك، فقال: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأؤم برأسك» (١٠)، وأن ابن مسعود ﵁ (١١) دخل على [أخيه] (١٢) عتبة (١٣) يعوده، فوجده يصلي، ويرفع إليه عودٌ فيسجد عليه؛ فنزع ذلك من يد من كان في يده، وقال: «هذا شيء عَرِّض لكم الشيطان أؤم بسجودك» (١٤)، (١٥).

стр. 905

(فإن فعل ذلك) (١) ينظر فإن [كان] (٢) يخفض رأسه للركوع شيئًا، ثم للسجود؛ جازت صلاته بالإيماء لا بوضع الرأس على العود، وإن كان لا يخفض شيئًا، ولكن يوضع العود على جبهته لم يجزه؛ لأنّه لم يأت بالإيماء وهو فرضه، فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض، فكان يسجد عليه جازت صلاته؛ لأنّ أمّ سلمة –﵂ (٣) فعلت ذلك لرمد كان بها، فكانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها، ولم يمنعها رسول الله ﷺ من ذلك (٤). كذا في «المبسوط» (٥). وذكر في «المحيط» (٦): وإذا كان بجبهته جرح لا يستطيع السجود عليه؛ لم يجزه الإيماء، وعليه أن يسجد على أنفه؛ لأن الأنف مسجد كالجبهة، وإن لم يسجد على أنفه وأومئ لم يجزه صلاته؛ لأنه ترك السجود مع الإمكان عليه، وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومئ بالركوع والسجود أراد بهذا أن يوضع له وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد؛ ليتمكّن من الإيماء بالركوع والسجود؛ إذ حقيقة الاستلقاء يمنع الأصحّاء عن الإيماء، فكيف بالمرضى. كذا ذكره بدر الدين الكردري ﵀ (٧) (٨). اذا لم يقدر المريض على الايماءقوله ﵀: (فإن لم يستطع فالله تعالى أحق بقبول العذر منه) (٩)، وهذا من تتمة الحديث، ولفظ «المبسوطين» و «الأسرار» (١٠) أولى فكان أحق، ثم معناه على قول من يقول: [لا يسقط القضاء عنه (١١).

стр. 906

(وإن لم يقدر على الإيماء) (١) أي: أحق بقبول عذر التأخير هو الصحيح كفاية لا عذر للإسقاط، وعلى قول من يقول] (٢) بعدم القضاء، وهو الأصح، أي: أحق بقبول عذر الإسقاط لما روينا من قبل، أي: من حديث عمران بن الحصين (٣). (٤). (إلا أن الأولى هي الأولى) (٥) أي: الفعلة الأولى، أو الهيئة الأولى، وهي الاستلقاء على ظهره وقفاه، وإنما أنثه، وإن كان الضمير راجعًا إلى الاستلقاء؛ ليزاوج (٦) الأولى خطأ، وقال الشافعي ﵀ (٧): (يضجع على جنبه الأيمن ويُوَجّه نحو القبلة)، واحتج بحديث عمران ابن الحصين؛ ولأنه إذا اضجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى، كما إذا احتضر يضجع على شقه الأيمن، وكذلك في القبر، واحتج أصحابنا بما روي عن عبدالله بن عمر ﵄ (٨) وهو حديث المريض الذي ذكر في الكتاب (٩)؛ ولأن شرط المصلي أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء ما له فعل غير [الإيماء] (١٠)، الإيماء إنما يقع إلى الكعبة على ما قلنا. ألا ترى أنه لو حققه كذلك سجودًا كان إلى القبلة، وعلى ما قاله الخصم؛ لو حقّقه كان إلى يسار الكعبة، وإنما يقع توجه البدن إلى الكعبة، والشرط (١١) أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن بدون الأداء، فالخصم مال (١٢) إلى ظاهر التوجه ببدنه، كما في الميّت، ونحن إلى التوجه مصليًا، وهذا (١٣) أولى؛ لأنه شرط الصلاة، وما به من العجز على شرف الزوال إلا أنه أبطن، بخلاف ما إذا احتضر، وما بعد الموت؛ لأنه ليس حالة الصلاة، وحديث عمران بن الحصين قبل المرض الذي به كان مأسورًا، فلا يمكنه أن يستلقي على قفاه (١٤)، وقيل: معنى قوله ﷺ : «فعلى الجنب» (١٥)، أي ساقطًا على الأرض، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (١٦) أي: سقطت، والمستلقي ساقط على الأرض (١٧). كذا في «المبسوطين» (١٨)، (١٩)، و «الأسرار» (٢٠).

стр. 907

ثم إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه، فلا شيء عليه عندنا (١)، وقال زفر (٢) والحسن (٣) -رحمهما الله-: يومئ بعينيه، فإن عجز عن ذلك أيضًا قال زفر: وحده يومئ بقلبه؛ لأنه وُسْع مثله. لكنا نقول: الإيماء يكون بالرأس، وإما بالعينين، فيكون إيحاء، أي: إشارة لا إيماء، وبالقلب يكون نية، وبمجرّد النية لا تتأدّى الصلاة. [١٢٩/ ب] ولأنّ/ الإيماء بالرأس إنما عرف صلاة شرعًا بخلاف القياس بدليل أنّ التطوع مما (٤) لا يوجد به حالة الاختيار، والتطوّع أصل الصلاة، وما شرع بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره (٥)، وعن أبي يوسف ﵀ (٦): أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس يومئ بعينيه، ولا يومئ بقلبه، وسئل محمد (٧) عن ذلك؟ فقال: (لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا شك أنّ الإيماء بالقلب لا يجوز، وإنك (٨) في الإيماء بالعين أنه [بل] (٩) يجوز). كذا في «المبسوطين» (١٠) (١١) و «المحيط» (١٢).

стр. 908

[قوله: (إشارة] (١) إلى أنّه لا تسقط عنه الصلاة … إلى أن قال: وهو الصحيح) (٢). وهذا احتراز عن قول آخرين أنهم قالوا: الصحيح أنه يسقط عنه الصلاة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وفخر الإسلام (٣)، وقاضي خان (٤)، وغيرهم ﵏ (٥). وفي «فتاوى قاضي خان»: والأوّل أصح، أي: عدم وجوب القضاء؛ لأن مجرّد العقل (٦) لا يكفي لتوجّه الخطاب. ذكر محمّد ﵀ في «النوادر» (٧): (من قُطعت يداه إلى المرفقين، وقدماه من السّاقين لا صلاة عليه)، فثبت أن مجرّد العقل (٨) لا يكفي (٩) لتوجّه الخطاب (١٠). (ويُصلي قاعدًا يومئ إيماء) (١١)، وهذا لبيان الأفضلية، فإنّه لو أومئ قائمًا يجوز. وقال في «الإيضاح» (١٢): (وإن عجز عن الركوع والسجود، وقدر على القيام صلى قاعدًا بإيماء)، فإن صلّى قائمًا بإيماء آخر أجزاه، ولا يستحب له ذلك، وقال زفر (١٣) والشافعي (١٤) رحمهما الله: يصلي قائمًا؛ لأنّ القيام ركن فلا يسقط بالعجز عن أداء ركن آخر، ونحن نقول: بأنّ الصلاة معناها الخضوع والخشوع، وأصله يوجد في القيام، ويزداد بالركوع، ويتناهى بالسجود، ولهذا كان السجود معتبرًا بدون القيام، كما في سجدة التلاوة، والقيام لم يشرع بدونه، فكان القيام كالتابع للسجود، فإذا سقط [الأصل] (١٥) سقط التّابع (١٦).

стр. 909

(فيتخيّر) (١) أي: بين الإيماء قائمًا، وبين الإيماء قاعدًا على ما ذكرنا؛ لأنّه اشبه بالسجود؛ لأنّ عند الإيماء قاعدًا يصير رأسه أقرب إلى الأرض من الإيماء قائمًا، وعن هذا قلنا: بأنّ المومئ يجعل السجود أخفض من الركوع؛ لأنّ ذلك أشبه بالسجود. كذا في «المبسوط» (٢). (أو (٣) يومئ إن لم يقدر) (٤)؛ لأنه بناء للأدنى على الأعلى، وهذا مخالف لما ذُكر في «فتاوى قاضي خان»، فقال: (رجل صلّى ركعة بقيام وركوع وسجود، ثم مرض مرضًا، وصار إلى حالة الإيماء فسدت صلاته في قول أبي حنيفة ﵀). ذكره في «النوادر»؛ لأنّ تحريمته انعقدت موجبة للركوع والسجود، فلا يجوز بدونهما (٥). وقال محمد ﵀: (استقبل بناء على اختلافهم في الاقتداء، فإن في كلّ فصل جوّز الاقتداء، ثم [جوّز] (٦) بناء آخر الصلاة على أولها هاهنا، وما لا فلا)، ثم عند محمد كان لا يقتدي القائم بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه، وعندهما القائم يقتدي بالقاعد، فكذلك يبني في حق نفسه (٧). فإن قلت: يُشكل هذا [إنما إذا] (٨) افتتح الصحيح التطوع قاعدًا، أو أدّى بعضها قاعدًا، ثم بدا له أن يقوم فقام وصلّى بعضها قائمًا أجزه بالإجماع، وليس فيه خلاف محمد مع (٩) أنّ اقتداء القائم بالقاعد لا يجوز عنده، وهاهنا جاز بناء آخر صلاته قائمًا على أوّل صلاته قاعدًا عنده أيضًا. قلت: إنّ [المريض] (١٠) ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة، فما انعقدت تحريمته للقيام، فأمّا في صلاة التطوّع كان قادرًا على القيام، فانعقدت تحريمته للقيام، فلو أنّه افتتح التطوّع قاعدًا، [فكلما] (١١) جاء أوان الركوع قام وقرأ ما بقي من القراءة وركع جاز، وهكذا ينبغي أن يفعل إذا صلّى التطوّع قاعدًا، وهكذا كان يفعل النبي ﷺ ، فدلّ أن ذلك جائز في التطوع. كذا في «المحيط» (١٢). استأنف عندهم جميعًا إلا على قول زفر ﵀، فإن عنده يبني لما مرّ من أصله أنه يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، وعندنا لا يجوز، فكذا البناء في حق صلاة نفسه. كذا في «المحيط» (١٣).

стр. 910

(والإعياء) لازم ومتعدّ، يقال: إعياء الرجل في المشي، أي: تعب، وأعياه الله (١) [أتعبه] (٢) كلاهما بالألف. كذا في «الصحاح» (٣). [١٣٠/ أ] وفي قوله: (ومن افتتح التطوع قائمًا ثم أعيا) (٤) لازم، وقيل: لا يكره عند أبي حنيفة لأنه لو قعد عنده يجوز من غير عذر فكذا لا يكره الاتكاء، وبعضهم قالوا على قول أبي حنيفة: يجب أن يكره الاتكاء بخلاف القعود، فإنّه إذا قعد بعدما افتتح قائمًا لا يكره عنده، ووجه ذلك: أنّ في الابتداء هو مخيّر بين أن يفتتح التطوع قائمًا، وبين أن يفتتحه قاعدًا فيبقى (٥)./ [قلت: هذا الجواب لا يوافقه قوله: (وتجوز الصلاة عنده ولا يجوز عندهما). وفي «الكافي» (٦): لكنا نقول لقول: لا يجوز، ويستلزم الكراهة، فاستقام وصفه به، وهذا وقوع] (٧). هذا الخيار في الانتهاء من غير كراهة، وأمّا في حق الاتكاء فهو غير مخيّر في الابتداء بين أن يصلي متكئًا، وبين أن يُصلي غير متكئ، بل يكره له ذلك؛ لما فيه من سوء الأدب، وإظهار التجبّر، فكذلك في الانتهاء. كذا في «المحيط» (٨). (فإن قعد بغير عذر يكره بالاتفاق) (٩)، فإن قيل: كيف يوصف هذا بالكراهة، وقد انعدم الجواز عندهما (١٠) لهذه الصلاة بسبب القعود ولا يوصف صلاة غير جائزة بالكراهية (١١)؟ جلوس المريض في الصلاةقلنا: المراد من هذا: أنّه لو صلى ركعة قائمًا، ثم قعد في الثانية (١٢)؛ ليقرأ لإعيائه، ثم قام وأتّم الثانية قائمًا، فإنّ هذه صلاة جائزة مع صفة الكراهة. كذا قاله الإمام مولانا حميد الدين الضرير (١٣) ﵀ (١٤).

стр. 911

ثم قوله: (بالاتفاق) (١) مخالف لما ذكره فخر الإسلام ﵀ في «مبسوطه» فقال: لو قعد في النفل [من غير] (٢) عذر لا يكره في الصحيح عنده؛ لأن الابتداء على هذا الوجه مشروع من غير كراهة، فالبقاء (٣) أولى؛ لأنّ حكم الانتهاء أسهل من حكم الابتداء (٤)، ألا ترى أن الحدث يمنع ابتداء الصلاة، ولا يمنع البقاء، وإذا استطاع الرجل الخروج من السفينة للصلاة، فالمستحب له أن يخرج ويصلي على الأرض؛ لأنّ الصلاة على الأرض أكمل، والصلاة في (٥) السفينة أنقص؛ لأنّ الغالب من حال راكب السفينة دوران الرأس، واسوداد العين، ولكن مع ذلك لو صلّى فيها جاز؛ لحديث ابن سيرين (٦) ﵀ قال: «صلينا مع أنس بن مالك ﵁ (٧) في السفينة قعودًا ولو شئنا لخرجنا إلى الجُدّ» (٨). وقال مجاهد (٩): «صلينا مع جنادة بن أبي أمية (١٠) قعودًا في السفينة ولو شئنا لقمنا» (١١)، كذا في «المحيط» (١٢).

стр. 912

(ومن صلى في السفينة) (١) قيّد بها؛ لأنّه لو صلى على العجلة، وهي على الدابة لا يجوز، [أي: عند عدم العذر] (٢)، وقيّد بقوله: (قاعدًا)؛ لأنه لو صلى المسافر فيها بالإيماء لا يجوز سواء كانت الصلاة مكتوبة، أو نافلة لا يمكنه أن يسجد فيها، فلا يعذر في تركه، والإيماء إنما شرع عند العجز، وهذا قادر. وقيّد بقوله: (من غير عذر)؛ لأنّ عند العذر يجوز الصلاة قاعدًا بالاتفاق، ثم أطلق عدم العذر، ولم يقيد بأنّ المراد به عدم دوران الرأس؛ إذ وجود قدرة الخروج إلى الشط ليبقى مطلقًا، فإنّ الصلاة فيها قاعدًا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان قادرًا على القيام، أو قادرًا على الخروج إلى الشَّطّ، ثم ينبغي للمصلي فيها أن يتوجّه [إلى] (٣) القبلة كيف ما دارت السفينة، سواء كان عند افتتاح الصلاة، أو في خلال الصلاة؛ لأنّ التوجّه فيها فرض عند القدرة، وهذا قادر فيتوجّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) بخلاف راكب الدابة؛ لأنّه عاجز عن استقبال القبلة حتّى [أنّ] (٥) راكب الدابة إن كان يسير نحو القبلة، فأعرض عن القبلة لم تجز صلاته (٦). كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي (٧) ﵀ (٨). ثم ما قاله أبو حنيفة ﵀ استحسانًا، وما قالاه قياسًا؛ فوجه القياس: أن السفينة كالبيت في حق راكب السفينة، بدليل: أنّه يلزمه استقبال القبلة، ولا تجوز صلاة التطوع فيها بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، كما في البيت؛ لأنّ سقوط القيام في المكتوبة للعجز والمشقة، وقد زال ذلك؛ لقدرته على القيام، أو الخروج.

стр. 913

وجه الاستحسان: هو أنّ الغالب من حال راكب السفينة دوران الرأس إذا قام، والحكم يُبنى على الغالب دون النادر، ألا ترى أن نوم المضطجع جعل حدثًا بناء على الغالب من [حاله أنه يخرج منه شيء لزوال الاستمساك، وسكوت البكر جعل رضاء لأجل الحياء بناء على الغالب من] (١) حال البكر، وكذلك المترفه في السفر له أن يفطر كصاحب المشقة؛ لأن مبنى أمر السفر على المشقة، فلم يعتبر ذلك الترفه في حق الترخص بالإفطار، وهذا مثله. كذا في «المحيط» (٢). وذكر شيخ الإسلام ﵀: وما رُوي عن ابن سيرين وحجة لأبي حنيفة ﵀ وليست السفينة كالأرض، لأنّ كونه على الأرض لا يكون سببًا لدوران الرأس، والعجز عن القيام حتى يُقام مقام العجز. وطريقة أخرى لأبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة: أنّ السفينة تشبه الأرض من وجه، فإنّه يباح الجلوس عليها للقرار، ولهذا لم يجز أن يترك الركوع والسجود في التطوع، وإذا تلا آية السجدة مرتين يكفيه سجدة واحدة، وتشبه الدابة من وجه؛ لأنها تسير كالدابة فوفرنا على الشبهين حظهما، فلشبهها بالأرض لا يسقط الركوع والسجود، ولا استقبال القبلة، ولشبهها بالدابة يسقط القيام عملًا بالشبهين بقدر الإمكان (٣). [١٣٠/ ب] [قوله] (٤): (والمربوطة كالشط هو/ الصحيح) (٥) احتراز عن قول بعضهم: بأنه أيضًا على الخلاف، ولكن الأصح: أنه لا يجوز فيه إلا قائمًا في قولهم، وكذا إذا كانت على الأرض هذا فيما إذا كانت مربوطة بالشط، وإن كانت موثقة باللنجر (٦)، (٧) في لجة البحر (٨) وهي تلعب، أي: تضطرب، قيل: يحتمل وجهين، والأصح: [أنّه] (٩) إن كان الريح تحركها تحريكًا شديدًا فهي كالسائرة، وإن حركتها قليلًا فهي كالواقفة. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١٠).

стр. 914

قضاء المريض (ومن أغمى عليه خمس صلوات أو دونها قضى) (١)، وقال الشافعي (٢) ﵀: (إذا كان في وقت صلاة كامل مغمًى عليه فلا قضاء عليه)؛ لأن وجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء، وفرّق بين النوم والإغماء، وقال: لأنّ النوم عن اختيار منه -بخلاف الإغماء-، وإن كان أكثر من ذلك لم يقض. وقال بشر (٣): عليه القضاء، وإن طالت مدة الإغماء؛ لأنّه مرض، فلا بأس للمرض في إسقاط أصل الصلاة، وقاس الإغماء بالنوم، ولكن استحسانًا لحديث علي ﵁ (٤): «أنه أغمى عليه في أربع صلوات فقضاهنّ» (٥)، وعبد الله بن عمر ﵁: «أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات» (٦)، ولأن الإغماء إذا قصر فهو معتبر بما يقصر عادة، وهو النوم، فلا يسقط القضاء، وإذا طال كان معتبرًا بما يطول عادة، وهو الجنون والصغر، وفرق ما بين الطويل والقصير بالزيادة على يوم وليلة؛ ليدخل بها الصلوات في حدّ التكرار. كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 915

ثم الزيادة تعتبر من حيث الأوقات، اختلفوا في أنّ الزيادة على اليوم والليلة تُعتبر بالساعات أم بالصلوات، وذكر الكرخي ﵀ (١) أن المعتبر الزيادة على يوم وليلة بالصلوات، وذكر الفقيه أبو جعفر ﵀ (٢) اختلافًا بين أبي يوسف ومحمد؛ عند أبي يوسف: من حيث الساعات، وهو رواية عن أبي حنيفة. وعند محمد ﵀: تُعتبر من حيث الصلوات ما لم يصير الصلوات شيئًا لا يسقط عنه القضاء، وإن كان من حيث الساعات أكثر من يوم وليلة، وهو الأصح، وإنما يظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمى عليه عند الضحوة، ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة، فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات، فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وعلى قول محمد يجب عليه القضاء؛ لأنّ الصلوات لم تزد على خمس، هذا الذي ذكرنا إذا دام الإغماء، فلم يُفق إلى تمام يوم وليلة، وزيادة فإن كان يفيق ساعة، ثم يعاوده الإغماء لم يذكره محمّد في الكتاب، وأنّه على وجهين: إن كان لإفاقته وقت معلوم نحو أن يخف مرضه عند الصبح، فيفيق قليلًا، ثم يعاوده الإغماء، فهو إفاقة معتبرة تبطل حكم ما قبلها من الإغماء إن كان أقل من يوم وليلة. وأمّا إذا لم يكن لإفاقته وقت معلوم، لكنه يفيق بغتة، فيتكلم بكلام الأصحاء، [ثم يغمى عليه بغتة، فهذه الإفاقة غير معتبرة، ألا ترى أن المجنون قد يتكلم في جنونه بكلام الأصحاء] (٣)، ولا يُعدّ [منه ذلك] (٤) [إفاقة] (٥). كذا ذكره شمس الأئمة الحلواني (٦). كذا في «المحيط» (٧).
следующие страницы →