← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ثم قوله: (بالاتفاق) (١) مخالف لما ذكره فخر الإسلام ﵀ في «مبسوطه» فقال: لو قعد في النفل [من غير] (٢) عذر لا يكره في الصحيح عنده؛ لأن الابتداء على هذا الوجه مشروع من غير كراهة، فالبقاء (٣) أولى؛ لأنّ حكم الانتهاء أسهل من حكم الابتداء (٤)، ألا ترى أن الحدث يمنع ابتداء الصلاة، ولا يمنع البقاء، وإذا استطاع الرجل الخروج من السفينة للصلاة، فالمستحب له أن يخرج ويصلي على الأرض؛ لأنّ الصلاة على الأرض أكمل، والصلاة في (٥) السفينة أنقص؛ لأنّ الغالب من حال راكب السفينة دوران الرأس، واسوداد العين، ولكن مع ذلك لو صلّى فيها جاز؛ لحديث ابن سيرين (٦) ﵀ قال: «صلينا مع أنس بن مالك ﵁ (٧) في السفينة قعودًا ولو شئنا لخرجنا إلى الجُدّ» (٨). وقال مجاهد (٩): «صلينا مع جنادة بن أبي أمية (١٠) قعودًا في السفينة ولو شئنا لقمنا» (١١)، كذا في «المحيط» (١٢).

стр. 912

(ومن صلى في السفينة) (١) قيّد بها؛ لأنّه لو صلى على العجلة، وهي على الدابة لا يجوز، [أي: عند عدم العذر] (٢)، وقيّد بقوله: (قاعدًا)؛ لأنه لو صلى المسافر فيها بالإيماء لا يجوز سواء كانت الصلاة مكتوبة، أو نافلة لا يمكنه أن يسجد فيها، فلا يعذر في تركه، والإيماء إنما شرع عند العجز، وهذا قادر. وقيّد بقوله: (من غير عذر)؛ لأنّ عند العذر يجوز الصلاة قاعدًا بالاتفاق، ثم أطلق عدم العذر، ولم يقيد بأنّ المراد به عدم دوران الرأس؛ إذ وجود قدرة الخروج إلى الشط ليبقى مطلقًا، فإنّ الصلاة فيها قاعدًا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان قادرًا على القيام، أو قادرًا على الخروج إلى الشَّطّ، ثم ينبغي للمصلي فيها أن يتوجّه [إلى] (٣) القبلة كيف ما دارت السفينة، سواء كان عند افتتاح الصلاة، أو في خلال الصلاة؛ لأنّ التوجّه فيها فرض عند القدرة، وهذا قادر فيتوجّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) بخلاف راكب الدابة؛ لأنّه عاجز عن استقبال القبلة حتّى [أنّ] (٥) راكب الدابة إن كان يسير نحو القبلة، فأعرض عن القبلة لم تجز صلاته (٦). كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي (٧) ﵀ (٨). ثم ما قاله أبو حنيفة ﵀ استحسانًا، وما قالاه قياسًا؛ فوجه القياس: أن السفينة كالبيت في حق راكب السفينة، بدليل: أنّه يلزمه استقبال القبلة، ولا تجوز صلاة التطوع فيها بالإيماء مع القدرة على الركوع والسجود، كما في البيت؛ لأنّ سقوط القيام في المكتوبة للعجز والمشقة، وقد زال ذلك؛ لقدرته على القيام، أو الخروج.

стр. 913

وجه الاستحسان: هو أنّ الغالب من حال راكب السفينة دوران الرأس إذا قام، والحكم يُبنى على الغالب دون النادر، ألا ترى أن نوم المضطجع جعل حدثًا بناء على الغالب من [حاله أنه يخرج منه شيء لزوال الاستمساك، وسكوت البكر جعل رضاء لأجل الحياء بناء على الغالب من] (١) حال البكر، وكذلك المترفه في السفر له أن يفطر كصاحب المشقة؛ لأن مبنى أمر السفر على المشقة، فلم يعتبر ذلك الترفه في حق الترخص بالإفطار، وهذا مثله. كذا في «المحيط» (٢). وذكر شيخ الإسلام ﵀: وما رُوي عن ابن سيرين وحجة لأبي حنيفة ﵀ وليست السفينة كالأرض، لأنّ كونه على الأرض لا يكون سببًا لدوران الرأس، والعجز عن القيام حتى يُقام مقام العجز. وطريقة أخرى لأبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة: أنّ السفينة تشبه الأرض من وجه، فإنّه يباح الجلوس عليها للقرار، ولهذا لم يجز أن يترك الركوع والسجود في التطوع، وإذا تلا آية السجدة مرتين يكفيه سجدة واحدة، وتشبه الدابة من وجه؛ لأنها تسير كالدابة فوفرنا على الشبهين حظهما، فلشبهها بالأرض لا يسقط الركوع والسجود، ولا استقبال القبلة، ولشبهها بالدابة يسقط القيام عملًا بالشبهين بقدر الإمكان (٣). [١٣٠/ ب] [قوله] (٤): (والمربوطة كالشط هو/ الصحيح) (٥) احتراز عن قول بعضهم: بأنه أيضًا على الخلاف، ولكن الأصح: أنه لا يجوز فيه إلا قائمًا في قولهم، وكذا إذا كانت على الأرض هذا فيما إذا كانت مربوطة بالشط، وإن كانت موثقة باللنجر (٦)، (٧) في لجة البحر (٨) وهي تلعب، أي: تضطرب، قيل: يحتمل وجهين، والأصح: [أنّه] (٩) إن كان الريح تحركها تحريكًا شديدًا فهي كالسائرة، وإن حركتها قليلًا فهي كالواقفة. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١٠).

стр. 914

قضاء المريض (ومن أغمى عليه خمس صلوات أو دونها قضى) (١)، وقال الشافعي (٢) ﵀: (إذا كان في وقت صلاة كامل مغمًى عليه فلا قضاء عليه)؛ لأن وجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء، وفرّق بين النوم والإغماء، وقال: لأنّ النوم عن اختيار منه -بخلاف الإغماء-، وإن كان أكثر من ذلك لم يقض. وقال بشر (٣): عليه القضاء، وإن طالت مدة الإغماء؛ لأنّه مرض، فلا بأس للمرض في إسقاط أصل الصلاة، وقاس الإغماء بالنوم، ولكن استحسانًا لحديث علي ﵁ (٤): «أنه أغمى عليه في أربع صلوات فقضاهنّ» (٥)، وعبد الله بن عمر ﵁: «أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات» (٦)، ولأن الإغماء إذا قصر فهو معتبر بما يقصر عادة، وهو النوم، فلا يسقط القضاء، وإذا طال كان معتبرًا بما يطول عادة، وهو الجنون والصغر، وفرق ما بين الطويل والقصير بالزيادة على يوم وليلة؛ ليدخل بها الصلوات في حدّ التكرار. كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 915

ثم الزيادة تعتبر من حيث الأوقات، اختلفوا في أنّ الزيادة على اليوم والليلة تُعتبر بالساعات أم بالصلوات، وذكر الكرخي ﵀ (١) أن المعتبر الزيادة على يوم وليلة بالصلوات، وذكر الفقيه أبو جعفر ﵀ (٢) اختلافًا بين أبي يوسف ومحمد؛ عند أبي يوسف: من حيث الساعات، وهو رواية عن أبي حنيفة. وعند محمد ﵀: تُعتبر من حيث الصلوات ما لم يصير الصلوات شيئًا لا يسقط عنه القضاء، وإن كان من حيث الساعات أكثر من يوم وليلة، وهو الأصح، وإنما يظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمى عليه عند الضحوة، ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة، فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات، فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وعلى قول محمد يجب عليه القضاء؛ لأنّ الصلوات لم تزد على خمس، هذا الذي ذكرنا إذا دام الإغماء، فلم يُفق إلى تمام يوم وليلة، وزيادة فإن كان يفيق ساعة، ثم يعاوده الإغماء لم يذكره محمّد في الكتاب، وأنّه على وجهين: إن كان لإفاقته وقت معلوم نحو أن يخف مرضه عند الصبح، فيفيق قليلًا، ثم يعاوده الإغماء، فهو إفاقة معتبرة تبطل حكم ما قبلها من الإغماء إن كان أقل من يوم وليلة. وأمّا إذا لم يكن لإفاقته وقت معلوم، لكنه يفيق بغتة، فيتكلم بكلام الأصحاء، [ثم يغمى عليه بغتة، فهذه الإفاقة غير معتبرة، ألا ترى أن المجنون قد يتكلم في جنونه بكلام الأصحاء] (٣)، ولا يُعدّ [منه ذلك] (٤) [إفاقة] (٥). كذا ذكره شمس الأئمة الحلواني (٦). كذا في «المحيط» (٧).

стр. 916

وذكر شيخ الإسلام ﵀ فـ: محمد اعتبر الكثرة بحقيقة التكرار، وحقيقة التكرار بفوات الست، وهما إفاقة اعتبرا الأثر في ذلك، فإنّه رُوي عن عبد الله بن عمر ﵁: «أنه أغمى عليه أكثر من يوم وليلة، فلم يقض الصلوات» (١)، والعبرة في المنصوص عليه لعين [النص] (٢) لا للمعنى، والله أعلم (٣). باب سجود التلاوة كان من حق هذا الباب أن يقترن بسجود السهو، كما هو وضع شروح «الجامع الصغير» للرتبة (٤)، والتتمة في «شرح الطحاوي»، وغيرها؛ لمناسبته أنّ في كل منهما بيان السجدة إلا أنّه لما ذكر بيان (٥) صلاة المريض بعد السهو؛ لما قلنا: إنهما من العوارض السماوية ألحق هذا الباب به؛ لأنه إلحاق في الحقيقة بباب سجود السهو، أو لأنّ في هذا الباب، وفي الباب الذي يتلوه، وهو باب صلاة السفر بيان حكم العوارض المكتسبة، [وفي بابي السهو والمرض بيان حكم العوارض السماوية، والسماوية مقدمة على المكتسبة] (٦)، لكونها (٧) أغرق في العارضية، [أي: أثبت] (٨)، فكانت هي أحوج إلى البيان؛ بسبب عدم إمكان دفعتها (٩) قبلها المكتسبة ضرورة؛ لاشتراكهما في اسم العارضية. [١٣١/ أ] ثم سجود التلاوة من قبيل إضافة الحكم إلى سببه أيضًا، كما في سجود السهو، فيحتاج في هذا الباب إلى معرفة أشياء منها بيان [سبب] (١٠) وجوب سجدة التلاوة، وبيان شرطها، وبيان ركنها، وبيان صفتها، وبيان مواضعها، وبيان من يجب عليه، وبيان كيفية أدائها، وبيان ما يكره/ و [بيان] (١١) ما يستحب فيها (١٢). أما سبب وجوبها: فتلاوة آيات معدودة من القرآن، أو سماعها -وهي أربع عشرة-، وإنما قلنا: إن التلاوة سبب لها؛ لأنها تضاف إلى التلاوة، فيقال: سجدة التلاوة، ويتكرّر بتكرّرها، والسماع كذلك سبب كالتلاوة بالسنة، ويتكرّر بتكرّر السماع. أمّا السنة: فإنّ النبي ﷺ كان يسجد؛ لسماع من غيره (١٣) كما يسجد لتلاوة [من] (١٤) نفسه، ولأنّ ما تعلّق بالتلاوة يتعلق بالسّماع قياسًا على التأمين، فإنّه كما علق بتلاوة الفاتحة عُلّق بسماعها أيضًا؛ وذلك لأنّه إنما وجبت على التالي؛ لأنه طُلب منه بحكم الآية مخالفة الكفرة، وقد فُهم ذلك فلزمه، فكذا السّامع عُلم ما طلب منه بموجب الآية، فلزمه كما لزم التالي.

стр. 917

وأمّا شرطها: فالطهارة عن الحدث، وعن النجاسة الحقيقية، واستقبال القبلة، وستر العورة؛ وهذا لأن السّجدة ركن من أركان الصلاة، والصلاة لا تؤدّى إلا بهذه الشرائط، فكذا ركنها، وأما التحريمة فليست بشرط لها؛ لأنها لو شرطت التحريمة بشرط التحليل، فصارت السجدة صلاة [حينئذٍ] (١)، وأنها دون الصلاة، وسُنَّ التكبير في الابتداء والانتهاء للانتقال، وفي هذا انتقال من حال إلى حال. وأمّا ركنها: فوضع الجبهة على الأرض؛ لأنها به يوجد، وركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء. [وأمّا جواز: أدائها بالركوع في الصلاة على جواب القياس؛ لأدائه معنى السجود، وهو الخضوع] (٢). وأمّا صفتها: فإنّها واجبة عندنا، وقال الشافعي ﵀: إنها سُنّة على ما نبين. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٣). وأمّا بيان مواضعها: فهو ما عدّد في الكتاب، وقال: سجود التلاوة من القرآن أربعة عشر، وكذلك عند الشافعي ﵀ أربعة عشر أيضًا، لكن في الحج سجدتان، وليس في ص سجدة. كذا في «الخلاصة الغزالية» (٤) (٥). وعند الشافعي (٦) السجدة في حم السجدة عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٧)، وعندنا عند آخر الآية [الثانية] (٨) عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٩)، فكان الخلاف بيننا وبينه في حق مواضع السجدة في ثلاثة مواضع احتجّ الشافعي (١٠) بأنّ في صورة الحج سجدتين؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال رسول الله ﷺ : «في الحج سجدتان» (١١) وقال: «فضلت الحج بسجدتين من لم يسجدهما لم يقرأهما» (١٢)، ومذهبنا مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ قالا: «سجدة التلاوة في الحج هي الأولى والثانية سجدة الصلاة» (١٣) وهو الظاهر، فقد قرنها بالركوع، فقال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١٤) والسجدة المقرونة بالركوع سجدة الصلاة، وتأويل الحديث: فضلت الحج بسجدتين إحديهما سجدة التلاوة، والثانية سجدة الصلاة، وكذلك استدل الشافعي (١٥) على أنّ السجدة في "ص" سجدة الشكر بما رُوي عن النبي ﷺ أنه تلا في خطبته سورة "ص" فتشزن (١٦) الناس للسجود فقال: «علام تشزنتم إنها توبة نبي» (١٧)، ولنا ما روي أن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم كأني اكتب سورة "ص"، فلما انتهيت إلى موضع السجدة سجد الدواة والقلم، فقال ﷺ : «نحن أحق بها من الدواة والقلم» (١٨)، فأمر بها حتى تليت في [مسجد] (١٩) مجلسه وسجدها (٢٠) مع أصحابه، فإن قيل: في الحديث زيادة، وهي أنّه قال: «سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» (٢١)، قلنا: هذا لا ينفي كونها سجدة تلاوة، فما من عبادة يأتي بها العبد إلا وفيها معنى الشكر، ومراده من هذا بيان سبب الوجوب أنه كان توبة داود ﷺ ، وإنما لم يسجدها في خطبته؛ ليتبين أنه يجوز تأخيرها، وقد روي أنه سجدها في خطبته، وذلك دليل على الوجوب، وعلى أنّها سجدة تلاوة، فقد قطع الخطبة لها. كذا في «المبسوط» (٢٢).

стр. 918

(وهو المأخوذ وللاحتياط) (١) فإنّها إن كانت عند الآية الثانية لم يجز (٢) تقديمها (٣)، وإن كانت عند الأولى جاز تأخيرها إلى الآية الثانية، فكان فيما قلنا: خروج عن العهدة بيقين (٤). قوله: (والسجدة [واجبة] (٥) في هذه المواضع) (٦)، وقال الشافعي (٧): ليست بواجبة، بل هي سُنة، وهذا هو بيان الصفة احتج الشافعي ﵀ بأن رجلًا تلا عند النبي ﷺ ، فلم يسجد لها الرجل، فلم يسجدها رسول الله ﷺ [وقال: «كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا» (٨)، وروي أن عمر ﵁ (٩) قال في خطبته، وقد تلا سجدة] (١٠) فاشرأب (١١) الناس للسجود فقال: «على رسلكم، فإن هذا شيء لم يُكتب عليكم» (١٢)، [١٣١/ ب] ولأصحابنا حديث أبي/ هريرة (١٣) أنَّ ﷺ قال: «إذا تلا ابن آدم آية السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار» (١٤).

стр. 919

والأصل: أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم ولم يُعقبه بالنكير كان دليلًا على أنه صواب، ففيه دليل على أنّ [ابن] (١) آدم مأمور بالسجود، والأمر للوجوب، ولأنّ الله تعالى وبّخ من ترك السجود بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ (٢)، والتوبيخ لا يكون إلا بترك الواجب، ولأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب؛ لأنّها ثلاثة أقسام: قسم [هو] (٣) أمر صريحًا مثل التي في العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٤)، والأمر للوجوب. ومنها: ما فيه ذكر طاعة الأنبياء، والمرسلين، والأولياء، وذلك يوجب الاقتداء؛ لقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٥). والثالث: ذكر ما فيه استنكاف الكفار، ومخالفتهم في ذلك واجبة، والمعنى: أنها سجدة يؤتى بها في الصلاة، فكانت واجبة قياسًا على الصلبية؛ وهذا لأنها ليست من نفس الصلاة، ولكنها زائدة، ولم يجب في الصلاة زيادة سجدة نفلًا، فكانت واجبة، ولأنّ صيانة الصلاة عن خلط ما ليس منها واجبة، ولو كانت نفلًا؛ لكانت الصيانة الواجبة أولى من فعل ما هو سنّة، فدلّ الفعل على أنّها أوجب من الصيانة. والجواب عن الحديث الأوّل: أنه لم يسجد في فوره ذلك، وهو جائز عندنا، أو كانت القراءة مكررة، والراوي لم يشعر بالمرة الأولى؛ لأنّ السامع إنما يلزمه السجود على الفور إذا سجد التالي، ألا ترى أنه قال: لو سجدت لسجدنا، وهذا يدلّ على سجدته لو سجد لا محالة، وعندكم لو سجدها التالي يخيّر السّامع أيضًا، فكان حجة عليكم. والجواب عن قول عمر ﵁: «لم يُكتب علينا التعجيل بها» (٦)، فأراد أن يُبيّن للقوم جواز التأخير في حالة الوجوب، فكان فيه بيان جواز التأخير. فإن قلت: التعلق بصيغة الأمر في حق وجوب سجدة التلاوة مما لا يكاد يصح؛ لأنه حينئذ يكون الشيء الواحد سببًا للشغل؛ والتفريغ؛ وبينهما مضادة ما عهدت أسباب المشروعات، كذلك إذ بالأسباب يثبت شغل الذمة بالوجوب؛ وبالأوامر يثبت وجوب الأداء الذي هو عبارة عن طلب تفريغ عمّا وجب عليها بسبب قبلها، كما في قولك: أداء الثمن للشراء، أي: الثمن الذي وجب عليك بسبب قبل هذا، وهو الشراء، فكيف يكون الشيء الواحد طالبًا حال كونه شاغلًا في حالة واحدة؟

стр. 920

قلت: لا تنافي بينهما من حيث المعنى فيما نحن فيه، فإن هذا أمر موجب في نفسه، ولكن يتوقّف أثر إيجابه إلى شيء آخر، وهو التلاوة كالأمر بالصلاة موجب في نفسه، ولكن يتوقف إيجابه في الظاهر إلى دلوك الوقت (١)، وما قالوا: إن الأمر طلب؛ لتفريغ الذمة عن الواجب، أي: يظهر أثر إيجابه في حق طلب تفريغ الذمة عن الواجب فيما إذا ثبت ذلك الشيء بسبب آخر كـ: دلوك الشمس، وكذلك الأمر هاهنا موجب للسجدة قبل التلاوة، ولكن يتوقف أثر إيجابه إلى شيء آخر وهو التلاوة أو السّماع شرعًا. فإن قلت: لو كانت هي واجبة لما أديّت [في سجدة الصلاة وركوعها، ولما تداخلت كالسجدة الصَّلبية، وسجدتي السهو، ولما أُدّيت] (٢) بالإيماء حين قرأها راكبًا على الدابة مع قدرته على النزول، كما إذا أدركه وقت الصلاة، وهو راكب حيث لا يجوز الصلاة راكبًا بدون العذر، وكما إذا نذر أن يصلي ركعتين وهو راكب لم يجز أن يؤديهما على الدابة من غير عذر. قلت: أداؤها في ضمن شيء آخر لا ينافي وجوبها في نفسها كالوضوء، وهو فرض في نفسه يتأدّى بالغسل للتبرد، وكالسعي إلى الجمعة يتأدّى بالسَّعي إلى التجارة، أو إلى أمر هو معصية، والمعنى فيه ما عُرف أنّ سجدة التلاوة ليست بمقصودة في نفسها، بل المقصود منها إظهار الخشوع لله تعالى، وذلك يحصل في ضمن الركوع، والسجود للصلاة؛ لأنهما لإظهار الخشوع والخضوع، فصارت كالسَّعي إلى الجمعة. وأمَّا [السجدة] (٣) الصلبية فمقصودة، فلا يتأدّى في ضمن شيء آخر مثلها، وكذلك سجدتا السهو؛ لأنهما لجبر النقصان، فلو قلنا: بالتداخل فيها؛ لكان الجابر والمجبور واحدًا، وهو لا يصحّ، ولأنّ محلّ سجدتي السهو آخر الصلاة، فلا يؤديان في ضمن شيء قبل آخرها (٤). [١٣٢/ أ] وأمّا جواز أدائها بالإيماء حين قرأها راكبًا؛ لأنه أدّاها كما التزمها،/ فتلاوته على الدابة شروع فيما يجب [به] (٥) السجدة، فكان نظير من شرَع على الدّابة في التطوّع وأداه، فكما يجوز هناك يجوز هاهنا (٦)، بخلاف النذر، فإنّه ليس بشروع في أداء الواجب، فكان الوجوب بالنذر مطلقًا، فيعتبر بما وجب بإيجاب الله تعالى، وكذلك إدراك وقت الصلاة، وهو راكب لما أنّ ذلك ليس بشروع في أداء الواجب، والوجوب فيها مطلق، فكان محمولًا على الكمال، وبشر (٧) وإن كان لا يجُيز أداء سجدة التلاوة راكبًا مع أنَّ التلاوة وقعت في تلك الحال، فهو محجوج بما ذكرنا هذه فوائد مقتبسة من «المبسوط» (٨)، و «جامع الصغير» لفخر الإسلام (٩)، و «الأسرار» (١٠).

стр. 921

(قصد سماع القرآن أو لم يقصد) (١) إنما قيّد بهذا؛ لأنّ في بعض لفظ الآثار السجدة على من جلس لها، فهذا اللفظ يوهم لما أنَّ السجدة إنما يجب على من هو قاصد بالجلوس لها تلاوةً، أو سماعًا، ولا يجب على من لم يجلس لها، وليس كذلك، بل هما سواء (٢). قوله: (لقوله ﷺ : «السجدة على من سمعها السجدة على من تلاها» (٣) (٤) جعل هذا اللفظ في سائر النسخ من «المبسوطين» (٥)، و «الأسرار»، و «المحيط»، وشروح «الجامع الصغير» من ألفاظ الصحابة ﵄ لا من الحديث (٦)، فقال في «المبسوط» (٧): وعن عثمان (٨)، (٩)، وعليّ، وابن عباس (١٠)، (١١) وابن (١٢) عمر (١٣) ﵃ أنّهم قالوا: «السجدة على من تلاها، على من سمعها، على من جلس لها» اختلفت ألفاظهم بهذه الصفة (١٤)، وكذا في غيره.

стр. 922

(وإذا تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم) (١)، وحاصل هذا أنّهم [أجمعوا على] (٢) أنّهم لا يسجدون في الصّلاة في هذه الصورة وأجمعوا أيضًا على أنّهم إذا سمعوا السجدة ممن (٣) ليس في صلاتهم أنّهم يسجدون بعد الفراغ من الصلاة، ولا يسجدون في الصلاة احتج محمد ﵀ بأنه وجد سبب وجوبها، وقد عجز عن أدائها في الصلاة، وأمكنه الإقامة خارج الصلاة، فيسجدها بعد الفراغ قياسًا على ما لو سمع من غيره، وهو في الصلاة (٤). قوله: ([و] (٥) يؤدي إلى خلاف موضوع الإمامة) (٦)؛ أي: على تقدير أن يسجد التالي أولًا، ويتابعه الإمام انقلب المتبوع تبعًا والتبع متبوعًا، وإن لم يتابعه الإمام كان هو مخالفًا لإمامه (٧). قوله: (أو التلاوة) (٨) أي: على تقدير أن يسجد الإمام أولًا، ويتابعه التالي؛ كان هذا خلاف موضوع سجدة التلاوة، فإنَّ التالي أمام السامعين، فيجب أن يتقدم سجود التالي قال ﷺ للتالي: «كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا» (٩)، ولهذا كانت السُّنة [أن] (١٠) يتقدّم التالي للسجدة، ويصطفون خلفه، ولهما حرفان: أحدهما: أنّ الإمام يحمل عن المقتدي فرض القراءة، كما تحمّل عنه موجب السهو، ثم سهو المقتدي يتعطّل، فكذلك تلاوته. والثاني: أن هذه السجدة صلاتية؛ لأن سببها تلاوة من شاركهم في الصلاة، والصلاتية إذا لم تؤدّ في الصلاة لا تؤدي بعد الفراغ منها، كما لو تلاها الإمام ولم يسجد في الصلاة بخلاف ما إذا سمعوا ممن ليس معهم في الصلاة؛ لأنها ليست بصلاتية. ألا ترى أن المقتدي إذا فتح على إمامه لم تفسد به الصلاة، ومن ليس معه في الصلاة إذا فتح له المصلي فسدت صلاته، وبه ظهر الفرق، بخلاف الجنب، فإنه ممنوع عن القراءة غير مولّى عليه في القراءة لو المولّى عليه في التصرف لا يتعلّق بتصرفه حكم، وطرديتهما فيه أن سبب وجوب التلاوة قد وجد إلا أنه عاجز عن أدائها في الصلاة، وخارج الصلاة فلا تجب عليه قياسًا على المريض، وإذا سمع آية التلاوة، وهو عجز عن أدائها بالإيماء، فلا يجب أصلًا، فكذا هنا أما عجزه عن أدائها في الصلاة فظاهر.

стр. 923

وأما خارج الصلاة، فلأنها وجبت صلاتية، فلا تؤدّى خارج الصلاة، فصح أنه عاجز عن أدائها في الصلاة، وخارج الصلاة، وهذا بخلاف ما لو سمع من رجل ليس في صلاته؛ لأنها لم تجب لما هو من أفعال الصلاة؛ لأنها وجبت لسماعه تلاوة ذلك الرجل، وسماعه ذلك ليس من أفعال صلاته؛ [لأنها وجبت] (١)، فلا تكون صلاتية. كذا في «المبسوطين» (٢)، و «المحيط» (٣). [١٣٢/ ب] وتصرف المحجور لا حكم له بخلاف الجنب، وإنّما قلنا: إن المقتدي محجور عن القراءة بدليل أنه نفذ (٤) قراءة الإمام عليه، قال: من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة، وذلك دليل الولاية عليه، والولاية دليل حجر (٥) المولى عليه، وتصرف المحجور عليه لا ينعقد لحكمه كسائر تصرفاته، بخلاف قراءة الجنب والحائض؛ لأنهما ليسا بموليين، فلا يكونان محجورين، بل هما منهيان والتصرفات المنهي عنها ينعقد؛ لحكمها لما عرف من أصلنا أن المنهي في الأفعال الشرعية لا يُعدم المشروعية/ وذلك لأنّ أثر الحجر في منع الاعتبار، وأثر النهي في تحريم الفعل دون ترك الاعتبار على أنّا نقول: الجنب والحائض ليسا ممنوعين عن قراءة ما دون الآية على ما ذكره الطحاوي، وذلك القدر كافٍ لتعلق الوجوب، وأما المقتدي فممنوع عن قراءة ما دون الآية، ومحجور عليه على ما مرّ، فوضح الفرق بهذا بين المقتدي والجنب. إلى هذا أشار في «المحيط» (٦). إلا أنّه لا يجب على الحائض بتلاوتها، كما لا يجب بسماعها؛ لانعدام أهلية الصلاة بخلاف الجنب؛ وذلك لأنّ السّجدة ركن من الصلاة، والحائض لا يلزمها الصلاة مع تقررّ السبب، وهو شهود الوقت، فلا يلزمها السجدة أيضًا بخلاف الجنب، فإنّه يلزمه الصلاة بسبب الوقت، فيلزمه السجدة بالتلاوة أو (٧) بالسّماع، كذا في «المبسوط» (٨). وذكر في «الإيضاح» (٩) و «المحيط» (١٠): وكل من لا تجب عليه الصلاة، ولا قضاء الصلاة كالحائض، والنفساء، والكافر، والصبي، والمجنون، فلا سجود عليهم؛ لأنّ السجدة من أركان الصلاة، فلا تجب على من لا يجب عليه سائر الأركان، وأمّا السامع من هؤلاء يجب عليه إذا كان أهلًا لوجوب الصلاة عليه لتحقق السماع؛ إذ ليس فيه أكثر من كون التالي منهيًّا عن القراءة إلا أن النهي عن التصرف لا يمنع اعتباره في منع الحكم في حق الأهل، والتالي ليس بأهل لما ذكرنا، والسامع أهل، فيجب عليه السجدة.

стр. 924

وذكر شيخ الإسلام: لو سمع أنه سجد التلاوة من مجنون، أو نائم، أو طير لا يلزمه السجدة؛ لأنّ سبب الوجوب سماع تلاوة صحيحة، وصحة التلاوة بالتفرقة والتمييز، ولم يوجد، وإذا لم يوجد شرط صحة التلاوة لم يوجد السماع لتلاوة صحيحة (١). قوله: (سجدها هو الصحيح) (٢) احتراز عن قول بعضهم حيث قالوا: لا يسجدها على قولهما خلافًا لمحمد (٣). وفي «المحيط» (٤): أنه يلزمه، فقيل: هو قول محمد، ولئن كان قول الكل، فالحجر ثبت في حق المقتدي فلا يعدوهم، وإن سمعوا وهم في الصلاة من رجل ليس في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة؛ لأنها ليست بصلاتية؛ لأن تلك التلاوة ليست من أفعال الصلاة حتى يكون السجدة صلاتية، فيكون إدخالها في الصلاة منهيًّا، وهي وجبت كاملة، فلا يتأدّى بالمنهي، ويجب عليهم السجود لهذه التلاوة [لصحة التلاوة] (٥) من غير حجر (٦). كذا في «المحيط» (٧). لكن مع هذا لو سجدوا في الصلاة لا تفسد صلاتهم؛ لأنّ السّجدة من أفعال الصلاة في ذاتها فلا يكون مفسدة، وذكر في «النوادر»: أنها تفسد، قيل: ما ذكر في «النوادر» جواب القياس (٨). (وهو قول محمد) (٩)، وما ذكر هنا جواب الاستحسان، وهو قولهما بناء على أنّ زيادة ما دون الركعة عندهما لا يوجب فساد الصلاة، وعلى قول محمّد زيادة السجدة تفسد الصلاة وهذا بناء على اختلافهم في سجدة الشكر عند محمد مسنونة، وعند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف غير مسنونة؛ لأنها ليست بعبارة مقصودة، وإنما هي بمنزلة [الركوع و] (١٠) القيام، والصحيح: أنه لا تفسد به الصلاة؛ لأنهم ما تركوا الصلاة، ولا آتوا بما ينقصها. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (١١). (فدخل معه بعدما سجدها الإمام لم يكن عليه أن يسجدها) (١٢) في الصلاة؛ كيلا يصير مخالفًا للإمام، وليس عليه أن يسجدها بعد الفراغ من الصلاة أيضًا قالوا: تأويل هذه المسائل إذا أدرك الإمام في آخر تلك الركعة؛ لأنّه متى أدرك الإمام في آخر تلك الركعة يصير مدركًا الركعة من أوّلها، فيصير مدركًا للقراءة، وما تعلّق بالقراءة من السجدة.

стр. 925

فأمّا إذا أدرك الإمام في الركعة الأخرى لم يصر مدركًا للركعة التي قرأ فيها، فلم يصير مدركًا [لتلك] (١) القراءة، ولا لما تعلق بتلك القراءة من السجدة. كذا في «المحيط» (٢). وأشار إلى هذا في الكتاب بقوله: (لأنّه صار مدركًا لها بإدراك تلك الركعة)، ونظير هذا ما لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الثالثة من الوتر في شهر رمضان يصير مدركًا للقنوت حتى لا يأتي بالقنوت في الركعة الأخيرة. فإن قلت: يشكل على هذا ما لو أدرك الإمام في الركوع في صلاتي العيدين كان عليه أن يأتي بالتكبيرات، فلم يصير مدركًا لها بإدراك الركعة في الركوع، فما الفرق بينهما (٣)؟ [١٣٣/ أ] قلت: فإنه يمكنه أن يأتي بتكبيرات العيد في الركوع لما أنّ جنس تلك التكبيرات، وهي تكبيرة الركوع لمّا كان يؤتى بها في الركوع ألحق بها سائرها من التكبيرات فأتى بها، بخلاف سجدة التلاوة والقنوت، فصار الأصل/ في جنس هذه المسائل أنّ كل ما لا يمكنه أن يأتي به من فعل الركعة في الركوع كالتلاوة، وقنوت الوتر، فبإدراك الإمام في الركوع كان مدركًا لتلك الركعة، وما يتعلّق بها، وكلّ ما يمكنه أن يأتي به من فعل الركعة في الركوع كتكبيرات العيد، فبإدراك الإمام في الركوع من تلك الركعة لا يصير مدركًا له. إلى هذا أشار في «المحيط» (٤). (وكل سجدة وجبت في الصلاة فلم يسجدها فيها ولم يقضها خارج الصلاة) (٥). فإن قلت: ينتقض هذا الكل بما ذكر قبله، وهو: (وإن سمعوا وهم في الصلاة من رجل ليس [معهم] (٦) في الصلاة … إلى أن قال: وسجدوها بعدها)، فقد وجبت تلك السجدة [في الصلاة] (٧)، فلم يسجدوا فيها ويسجدون بعدها؟ قلت: نعم كذلك، ولكن يجب تقييد هذا الكل بقيد بأن يقال: وكل سجدة صلاتية واجبة في الصلاة لم يقض خارج الصلاة بدليل تعليل تلك المسألة بقولها؛ لأنها ليست بصلاتية، وإنما قلنا: إنها ليست بصلاتية؛ لأنّ المعنى من الصّلاتية هو أن يكون التلاوة من أفعال الصلاة على ما ذكرنا من «المحيط» (٨)، وقراءة من هو خارج الصلاة كيف يكون من أفعال الصلاة! ولكن ترك ذلك القيد لظهوره، وللاعتماد على درك الفهم تخفيّات الكلم، وإن دخل معه قبل أن يسجدها سجدها معه، ولا يُقال: ينبغي أن لا يتابعه؛ لأنّ ما وجب عليه من السجدة ليست بصلاتية، والسجدة متى لم تكن صلاتية لا يجوز أداؤها في الصلاة خصوصًا على رواية «النوادر» حيث تفسد الصلاة بها على ما ذكرنا؛ لأنّا نقول: تلك السجدة وإن لم تكن صلاتية، لكنّها صارت صلاتية بالاقتداء؛ لأن للاقتداء تأثيرًا في تصيير غير الواجب واجبًا، وتصيير الواجب غير واجب، ألا ترى أن القعدة على رأس الركعتين فريضة على المسافر، وبالاقتداء بالمقيم لم يبق فرضًا، وكذلك الرجل إذا تحرّم للأربع تطوّعًا يلزمه ركعتان لا غير، وهو (٩) إذا اقتدى بمن يصلي الظهر يلزمه الأربع حتى لو أفسدها يلزمه قضاء الأربع، وكذلك الآخر بأن يجبان (١٠) على المسافر بالاقتداء بالمقيم في الوقت. كذا في «الفوائد الظهيرية» (١١).

стр. 926

(ولها مزية الصلاة فلا يتأدّى بالناقص) (١). وقال في «الجامع الكبير» لقاضي خان: إن الصلاتية أقوى؛ لأنّها وجبت بتلاوة تعلّق بها جواز الصلاة، ألا ترى أنّه لو ضحك في سجدة التلاوة في الصلاة ينتقض طهارته، ولو ضحك فيها خارج الصلاة لا ينتقض طهارته (٢). (ومن تلا سجدة) (٣) أي: آية سجدة ولم يسجدها حتى دخل في صلاة، فأعادها وسجدها أجزأته السجدة عن التلاوة هذا إذا لم يتبدّل مجلس الصلاة عن مجلس التلاوة، فأمّا إذا تبدّل، فعليه لكل تلاوة سجدة، كما لو لم يدخل في الصلاة. وفي «النوادر»: يسجد أخرى بعد الفراغ سواء سجد في الصلاة، أو لم يسجد، فوجهه أنه حين اشتغل بالصلاة تبدّل الحبس، كما لو اشتغل بالأكل، أو عمل آخر؛ لأنه لا يمكن جعل [الأولى تبعًا للثانية] (٤)؛ لأنّ السّابق لا يكون تبعًا للاحق، فإن إلحاق الأولى بالثانية أمر تروه القياس؛ لأنّ التكرار بالثانية يقع [لا] (٥) بالأولى، فكان القول به خلاف موضوع التداخل، ولا يمكن جعل الثانية تبعًا للأولى؛ لأنّه أقوى فكان فيه إبطال وصف زائد، فلذلك وجب اعتبار كل واحد سببًا كما لو تلاها في مجلسين (٦)، فالصلاتية تؤدّى في الصلاة، وغير الصلاتية -وهي الأولى- تؤدّى بعد الفراغ من الصلاة. وجه ظاهر الرواية: هو أن السبب واحد، فإن المتلوّ آية واحدة، والمكان واحد؛ وذلك لأنّ المجلس في الأول مجلس التلاوة، وفي الصلاة تلاوة، فما دام في الصلاة كان مشتغلًا بالتلاوة، والثانية أكمل من الأولى؛ لأن لها حرمتين، ولو كانت مثل الأولى نابت عنهما، فإذا كانت أكمل أولى أن ينوب عنهما، والسّابق قد يكون تبعًا للاحق إذا كان اللاحق أقوى كالسُّنة قبل الفريضة، ولأن التكرار قام بهما، فكان إلحاق الأولى بالثانية ممكنًا. كذا في شروح «الجوامع» (٧)، (٨) و «المحيط» (٩). (للثانية قوّة اتصال المقصود) (١٠)، وهو اتصال السجدة بالتلاوة، يعني: لمّا اقترنت التلاوة الثانية بالسجدة صارت راجحة على الأولى بعد مساواتهما فيما ذكر، وهو الصلاتية للثانية، والسبق للأولى؛ إذ كل منهما جهة في الترجيح فتعارضتا، ثم اتصّل بالثانية وصف اتصال المقصود، فترجحت على الأولى، فلذلك استتبعت/ الثانية الأولى؛ لأن الثانية عند اتصال المقصود صارت كفصل مجتهد اتصل القضاء به، فحينئذ يصير هو بمنزلة المجمع عليه في القوة، ثم دخل في الصلاة، فتلاها سجد لها؛ لأن التي وجبت للتلاوة في الصلاة صلاتية، فلا ينوب عنها المؤداة قبل الشروع في الصلاة؛ لأنّها أضعف. كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 927

[١٣٣/ ب] (لأن الثانية هي المستتبعة) (١) أي: الصلاتية يستتبع غير الصلاتية على كل حال، ثم هاهنا لا يمكن استتباعها؛ لأنه حينئذ يلزم أن يتقدم الحكم على السّبب، وذلك لأنّ معنى الاستتباع أن يجعل التلاوتان بمنزلة تلاوة واحدة، فلو جعلنا كذلك كان التلاوة (٢) الأولى تبعًا للثانية؛ لكونها أقوى لأنها صلاتية، فيلزم حينئذ أن يكون السجدة التي سجدها عند التلاوة الأولى كانت سجدة قبل التلاوة تقديرًا؛ لأن التلاوة الأولى التحقت بالتلاوة الثانية، فكان الحكم، وهو السجدة سابقًا على السبب، وهو التلاوة الثانية الصلاتية، ثم لما لم يكن هاهنا استتباع التلاوة الأولى للثانية، ولا استتباع الثانية الأولى أفردت بكل واحدة منهما سجدة على حدة في جميع الروايات، بخلاف المسألة الأولى حيث اكتفى بسجدة واحدة في ظاهر الرواية (٣). وذكر في «المحيط» (٤): ولو قرأ آية السجدة في الركعة الأولى فسجد، ثم أعادها في الثانية، فلا سجود عليه في قول، [وهو القياس] (٥) أبي يوسف، وقال محمد: يسجد استحسانًا، وهذا من المسائل التي رجع أبو يوسف فيها من الاستحسان إلى القياس. وجه الاستحسان: أن القول باتحاد التلاوتين غير ممكن هاهنا؛ لأنّا لو قلنا: بالاتحاد يفوت القراءة في إحدى الركعتين حكمًا، والقراءة في كل ركعة ركن، فاعتبرنا كل قراءة تلاوة على حدة. ووجه القياس: أن الاتحاد في حق السجدة لا في حق الصلاة، أي: ثبوت الاتحاد في حق سببية السجدة لا في حق القراءة، وتفسيره أن يجعل كلا التلاوتين سببًا واحدًا لا أن يجعل كلاهما تلاوة واحدة، كما إذا كان خارج الصلاة، وإذا سجد التلاوة، وتلا في السجدة آية أخرى لا يلزمه سجدة التلاوة، وكذا لو تلا في الركوع؛ لأنّ هذه التلاوة محجور عنها. قوله: (والأصل أن مبنى السجدة على التداخل) (٦) هاهنا أسؤلة، وهي: أنها لِمَ تداخلت؟ ولِمَ تداخلت في السبب دون الحكم؟ ولِمَ صار أليق بالعبادات دون عكسه؟ والرابع: أين تظهر ثمرة [الاختلاف] (٧) أنها تداخلت في السبب دون الحكم؟ أما جواب الأولين: فقد ذكر في الكتاب، ولكن يحتاج هو إلى زيادة كشف وبيان؛ وذلك لأنّ بالتمسّك بمطلق الجرح لا يتم الكلام لما أن مبنى العبادات على الكُلفة والمشقة، ولا نعني بالجرح سواهما، وكذلك ذكره الأليق بالعبادات يحتاج إلى التفسير.

стр. 928

قلت: أمّا القول بالتداخل فهو جواب الاستحسان، وأمّا جواب القياس فهو أن يجب بكل تلاوة سجدة في أي موضع كانت؛ لأنّ السجدة حكم التلاوة، والحكم يتكرر [بتكرر] (١) السبب؛ لأنه نتيجة السبب، ولا معنى للتداخل؛ لأنّ السجدة عبادة والعبادات محتاط في الإتيان بها، ولا يحتال لدرئها، بخلاف الحدود؛ لأنها عقوبات، والأصل في العقوبات إسقاطها لا استيفاءها. فأمّا وجه الاستحسان: فما رُوي: «أن جبرئيل ﷺ كان يتنزل ويقرأ بآية السجدة على رسول الله ﷺ ، وكان يكرّر عليه مرارًا وكان رسول الله ﷺ يسجد لها سجدة واحدة» (٢). ورُوي عن أبي موسى الأشعري ﵁ (٣): «أنه كان يعلّم الناس القرآن في مسجد الكوفة، وكان يكرّر آية السجدة في مكان واحد [ربما كان واحد، وربما كان يخطو خطوة أو خطوتين، وكان يسجد لذلك مرة واحدة» (٤)، والنص إنما ورد في مكان واحد] (٥) في آية واحدة، وفيما عدا ذلك يبقى على أصل القياس، والمعنى فيه: أن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة من جنس واحد، ويجعلها ككلمة واحدة، ألا ترى أنّ من أقرّ بالزنا أربع مرات في مجلس واحد يجعل مقرًّا مرة واحدة في المجالس المختلفة، يجعل الإقرار على حقيقته أربع مرات، هكذا هاهنا يفرق بين المجلسين بالاتحاد [والاختلاف] (٦). [١٣٤/ أ] ولأن الحاجة إلى تكرر كلام الله تعالى للتعليم، والتعلّم، والتحفظ حاجة ماسة، فلو أوجبنا لكل مرة سجدة على حدة يقع في الحرج، بخلاف ما إذا اختلفت الآية في مجلس واحد؛ لأنه لا حرج ثمة؛ لأن آيات السجدة في القرآن محصورة، أمّا التكرار للتعليم، [والتعلم] (٧)، والتحفظ غير محصور، ولأن الإنسان لا يقرأ/ جميع آيات السجدة في مجلس واحد غالبًا، وأمّا تكرار آية واحدة للتعليم والتحفظ في مجلس واحد غالب، فلذلك ظهرت التفرقة بينهما، ولم يذكر في الأصل حكم الصلاة على النبي ﷺ إذا ذكر في مجلس [واحد] (٨) مرارًا، فعلى قول الكرخي: لا يصلى عليه إلا مرة واحدة، وعلى قول الطحاوي (٩): يجب عليه الصلاة بكل مرة، وإن كان التكرار في مجلس واحد؛ لأنّ هذا حق الرسول (١٠)، كما قال ﷺ : «لا تجفوني بعد موتي، قيل: وكيف تجفى يا رسول الله؟ قال: أن أُذكر في موضع ولا يُصلى عليّ» (١١)، وحقوق العباد لا تتداخل، وعلى هذا قالوا: من عطس وحمد الله في مجلس مرارًا ينبغي للسامع أن يشمته في كل مرّة؛ ولأنه حق العاطس. والأصح: أنه إذا زاد على الثلاث لا يُشمته. كذا في «المبسوط» (١٢) و «المحيط» (١٣).

стр. 929

وذكر فخر الإسلام ﵀ في «الجامع الكبير»: إلا أن بين سجدتي التلاوة والصلاة على النبي ﷺ فرق؛ وهو أنه يستحب تكرار الصلاة على النبي ﷺ بخلاف السجود؛ لأن العبد وإن عظمت منزلته في الرأفة والشفقة، فلا يوازي [حقه] (١) حق الله تعالى في وضع الحرج، فلذلك افترقا (٢). وذكر هو أيضًا في «الجامع الصغير» (٣): أن التلاوة لما كان سبيلها التكرار لإقامة الشرائع بحفظها جعل المكرّر منها عند اتحاد المجلس كالواحدة للحرج، كذلك روي في حديث أبي [موسى عبد] (٤) الرحمن السلمي (٥) معلّم الحسن (٦) والحسين ﵄ (٧) (٨) وكذلك يروي في حديث أبي موسى الأشعري: «حيث بعثه عمر ﵁ عنه إلى البصرة (٩) يعلم الناس فاتخذ له دكانان وهو يسير بينهما على نعله ويلقّن الناس عن يمينه وعن يساره، والناس قريب من ستة آلاف نفر، وكان لا يكرّر السجود» (١٠).

стр. 930

[وإنما اتحد المجلس هنا، وإن خطأ، بسير البغلة أكثر من ثلاث خطوات؛ لأنهم لما اتخذوا الدكانين قصدًا لأجل تعليم القرآن، كان كله مجلس التلاوة، ولم يختلف مجلس التلاوة كالملجلس الذي يسع مقدار … الناس لا يكون مختلفًا في حق التلاوة، وإن بَعُدت أطرافه] (١)، وحاصله: أن أصل اتحاد السجدة لما ثبت بالحديث، والأثر، وشيء من المعنى، قلنا به لا بمجرّد نفس الحرج. وأمّا الجواب عن الثاني: وهو أنّا جعلنا التداخل في السبب دون الحكم؛ لأنا لو جعلنا التداخل في الحكم دون السّبب كانت الأسباب باقية على حقيقتها متعدّدة يلزم الشفاعة، وثبوت الحكم على خلاف وضع الشرع، وترك العمل بالاحتياط؛ وذلك لأنه حينئذ يلزم وجود موجب العبادة [ولا عبادة] (٢)، والعبادة يحتاط في الإتيان بها، فكيف لا يثبت العبادة عند وجود موجب العبادة! بل هذا أليق بموضع العقوبات؛ ليضاف تخلّف الموجب عند وجود الموجب إلى العفو والكرم، والله موصوف بسبوغ العفو وكمال الكرم، ولذلك قال رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (٣)، ثم لما [ثبت] (٤) أصل التداخل بالحديث بحيث لا مجال لردّه. قلنا: بتداخل الأسباب في العبادات [لا في الأحكام، وعكسنا في العقوبات؛ ليكون الأسباب كلها في العبادات] (٥) عند دليل الجمع، وهو اتحاد المجلس بمنزلة سبب؛ إذ لو قلنا بعكسه يلزم الشفاعة على ما ذكرنا، فاندرج جواب الثالث في هذا. وأمّا الجواب عن الرابع: فإنّما يظهر ثمرته فيما إذا تلا آية السجدة فسجد، ثم قرأ تلك الآية في ذلك المجلس مرات يكفيه تلك السجدة [عن التلاوات التي وجدت بعد السجدة، فلو كان التداخل في الحكم لما كفت تلك السجدة] (٦) المتقدمة عن (٧) التلاوات التي يوجد بعدها، كما لا يكفي في الحدود؛ لأنه حينئذ يلزم تقدم الحكم على العلة، وذلك مستحيل، بل يجعل التلاوات التي وجدت بعد السجدة ملحقة بالتلاوة [الأولى] (٨)، فكانت السجدة بعد التلاوات كلها تقديرًا للتداخل في الأسباب، ولما كان التداخل في الأحكام في العقوبات.

стр. 931

قلنا: إن من زنى فجلد، ثم لو زنى ثانيًا يجلد ثانيًا، وكذلك ثالثًا ورابعًا؛ لعدم التداخل في الأسباب، هذا كله ممّا أفاد الأستاذ المدقق (١)، والخبير المحقق (٢)، مولانا فخر الدين المايمرغي ﵀ (٣) (٤). (فإذا اختلف عاد الحكم إلى الأصل) (٥) أي: وإذا اختلف المجلس عاد وجوب السجدة إلى الأصل الذي هو التكرر؛ لأنّ كل واحدة من القراءتين سبب على حدة، والأصل: أن لا يتحد المفترقان إلا بجامع، والجامع اتحاد المجلس، ولما اختلف لم يبق الجامع، فعاد الحكم إلى الأصل الذي هو حقيقة التفرق، ثم إنّما يختلف المجلس؛ إذ ذهب عن ذلك المجلس بعيدًا، فأمّا إذا ذهب قريبًا، فاتحاد المجلس باقٍ (٦)، والفاصل بين القريب والبعيد ما قيل في «المحيط» (٧): إنّه إذا مشى خطوتين أو ثلاثًا، فذلك قريب، وإن كان أكثر من ذلك، فذلك بعيد. قال محمد: [فإن] (٨) كان نحوًا من عرض المسجد وطوله، فهو قريب. [١٣٤/ ب] وفي «المبسوط» (٩): فإن نام قاعدًا، أو أكل لقمة، أو شرب شربة، أو/ عمل عملًا يسيرًا، ثم قرأها فليس عليه أخرى؛ لأنّ بهذا القدر لا يتبدّل المجلس، وذكر الإمام التمرتاشي (١٠): بالأكل لا يختلف المجلس حتى يشبع، وبالشرب حتى يروى، وبالكلام والعمل حتَّى يكثر استحسانًا (١١). (ولا يختلف بمجرّد القيام بخلاف المخيرة) (١٢) فإنّها إذا قامت من مجلسها يبطل خيارها، لا أنّ ذلك [لا] (١٣) بسبب اختلاف المجلس، بل لوجود دلالة الإعراض؛ لأن من حَزَبَهُ أمر، وهو قائم يقعد؛ إذ القعود أجمع للرأي، فكان قيامها دليل الإعراض، والخيار يبطل بالإعراض صريحًا، أو (١٤) دلالة، وفي تسدية الثوب يتكرّر الوجوب، وفي المتنقل من غصن إلى غصن، كذلك في الأصح، وكذا في الرئاسة، وهذا اللفظ كما ترى يدلّ على أن اختلاف المشايخ في المتنقل من غصن إلى غصن، وفي الدياسة لا في تسدية الثوب؛ لأنّه قطعها بالجواب من غير تردّد، ثم شبّه جواب الثاني بذكر الأصح به، ولكن ذكر الاختلاف في شروح «الجامع الصغير» في المسائل الثلاث كلها، وفي أمثالها (١٥).

стр. 932

وقال الإمام التمرتاشي: واختلف في تسدية الثوب والدياسة، والذي يدور حول الرحى، والذي يسبح في الحوض أو النهر، والذي تلا على غصن، ثم انتقل إلى غصن، والأصح هو الإيجاب؛ لأنّ المجلس ليس مجلس التلاوة، ولهذا يعتبر مختلفًا في الغصنين في الحل والحرم حتى أنّ الحلال إذا رمى صيدًا، والصيد على غصن شجرة أصلها في الحلّ، وذلك الغصن في الحرم يجب الجزاء، ولم يعتبروا الأصل، فكذلك هاهنا (١). قوله: (للاحتياط) (٢) أي: بالنظر إلى اتحاد العمل، واتحاد اسم المجلس لا يتبدّل المجلس، فلا يتكرّر الوجوب، وبالنظر إلى حقيقة اختلاف المكان بتكرّر الوجوب، فقلنا: بالتكرار احتياطًا، وكذا إذا تبدّل مجلس الثاني (٣) دون التسامع (٤)، (٥). (على ما قيل) (٦) أي: يتكرر الوجوب على السامع، وإن اتحد مجلسه لما أن سماعه مبني على التلاوة، ومجلس التالي متبدّل، فيعتبر به. وذكر الصدر الشهيد ﵀ (٧) في «الجامع الصغير»: ولو تبدّل مجلس التالي دون السامع يتكرر الوجوب على السامع؛ لأن الحكم يضاف إلى السبب، وهو قول الإمام علي البزدوي ﵀ كأنه جعل التلاوة سببًا، وكذا ذكر بعض المتأخرين من مشايخنا في شرح هذا الكتاب (٨). وقال القاضي الإمام (٩) المنتسب إلى إسبيجاب (١٠): إنّه لا يتكرر الوجوب على السّامع؛ لأن سبب الوجوب في حقه السماع، ومكان السّامع متحد هذا هو الأصح، وعليه الفتوى، ومن أراد السجود كبّر، ولم يرفع يديه، وسجد (١١) اعتبارًا لسجدة الصلاة (١٢).

стр. 933

قلت: في هذا إشارة إلى أن التكبير ليس بواجب؛ بل هو سُنة لما أنّه اعتبر فيه بسجدة الصلاة، والتكبير فيها سُنة وليس بواجب؛ فكذا في هذا؛ وأيّده ما ذكره فيه في «المحيط» (١)، فقال: وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يكبّر عند الانحطاط؛ لأن تكبير الانتقال من الركن، وعند الانحطاط هاهنا لا ينتقل من الركن. قوله: (ولم يرفع يديه) احتراز عن قول الشافعي ﵀ (٢)، فإن صفتها عنده أن يسجد سجدة واحدة، فيكبّر رافعًا يديه ناويًا، ثم يكبّر للسجود ولا يرفع يديه، ثم يكبّر للرفع ويسلّم، وأقلّها وضع الجبهة على الأرض بلا شروع ولا سلام. كذا في «الخلاصة الغزالية» (٣). وذكر في «المبسوط» (٤): ولم يذكر ماذا يقول في سجوده، ثم قال: والأصح أن يقول من التسبيح ما يقول في سجدة الصلاة، وبعض المتأخرين استحسنوا أن يقول فيها: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٥)، واستحسنوا أيضًا أن يقوم فيسجد؛ لأن الخرور سقوط من القيام، والقرآن ورد به، وإن لم يفعل لم يضره. وفي «المحيط» (٦): وإن لم يذكر فيها شيئًا أجزأه؛ لأنها (٧) لا يكون أقوى من السجدة الصلاتية، وهناك جائز بدونه فهنا أولى. قوله: (ولا تشهُّد عليه ولا سلام) (٨) نفي لقول بعض أصحاب الشافعي، [فإنّهم يقولون بهما، فقال شيخ الإسلام في «المبسوط»: ومن أصحاب الشافعي] (٩) من لم يأخذ بما قاله الشافعي، لكن قال فيها: تشهد وتسليم؛ لأنه شرط التحريمة، وهو يستدعي سبق التحريمة، وهي معدومة (١٠). فإن قلت: كيف يكون التحريمة معدومة وقد ذكر في أول هذه المسألة ومن أراد السجود كبّر والتكبير للتحريمة كما في الشروع في الصلاة؟ [١٣٥/ أ] قلت: ذكرت آنفًا أن ذلك التكبير لا للتحريمة، بل لمشابهة هذه السجدة بسجدة الصلاة، والتكبير فيها ليس للتحريمة، بل للانتقال إلى السجود، فكذا هنا؛ لأنه يشبه الاستنكاف عن آية السجدة والاستنكاف/ عنها كفر، وما يشبه (١١) صورة كان مكروهًا لا محالة؛ ولأن فيه ترك سنة القراءة، فإن السُّنة فيها أن يقرأ السورة على نحوها، قال ﷺ لبلال ﵁ (١٢): «إذا قرأت سورة فاقرأها على نحوها» (١٣)، وخلاف السنة مكروه. كذا في «المحيط» (١٤).

стр. 934

(ولا بأس أن يقرأ آية السجدة ويدع ما سواها) (١)؛ لأن له أن يقرأ ما شاء من القرآن، هكذا (٢) ذكره صدر الإسلام. قلت: لا معارضة بين تعليلي هاتين المسألتين؛ كما أنّ الأول في حق قراءة السورة [وهذا في حق السورة] (٣)، وهذا في حق قراءة الآية، وقال فخر الإسلام: لا بأس به لنا أن النبي ﷺ كان يقرأ في خطبته أحيانًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤)، وتارة لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٥)، وتارة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ (٦)، (٧)، (٨). (واستحسنوا إخفاءها شفقة على السامعين) (٩)، وفي «المحيط» (١٠): فإن كان التالي وحده يقرأ كيف شاء، يعني: هذا آية السجدة جهرًا أو إخفاء، وإن كان معه جماعة قال مشايخنا: إن كان القوم متهيئين للسجود، ويقع في قلبه أنه لا يشق عليهم أداء السجدة ينبغي أن يقرأ جهرًا حتّى يسجد القوم معه؛ لأن في هذا حثًّا لهم على الطاعة، وإن كانوا محدثين، ويظن أنهم يسمعون ولا يسجدون، أو وقع في قلبه أنه يشق عليهم أداء السجدة ينبغي أن يقرأها في نفسه، ولا يجهر تحرزًا عن تأثيم المسلم، وذلك مندوب إليه. وفيه أيضًا ذكر: فيمن قرأ آية السجدة كلها إلا الحرف الذي في آخرها قال: لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لم يسجد إلا أن يقرأ أكثر من آي السجدة (١١). وفي «فوائد الشيخ الإمام السفكردري (١٢)»: أن من تلا من أوّل السجدة أكثر من نصف الآية، وترك الحرف الذي فيه السجدة لم يسجد، وإن قرأ الحرف الذي فيه السجدة إن قرأ ما قبله أو بعده أكثر من نصف الآية يجب السجدة، وما (١٣) لا فلا (١٤).

стр. 935

وعن أبي علي الدقاق ﵀ (١): فيمن سمع سجدة من قوم قرأ كل واحد منهم حرفًا ليس عليه أن يسجد؛ لأنه لم يسمعها من تالي، والله أعلم (٢). باب صلاة المسافر لما تناسب باب سجدة التلاوة بباب صلاة المسافر من حيث إن لكل منهما تأثيرًا في العبادة إلا أن تأثير التلاوة في أصلها، وتأثير السّفر في صفتها قدم الأصل على الوصف كما هو حقه، أو لأن سبب سجدة التلاوة، وهو التلاوة بطريق الأصالة عبادة محضة، ومن أصول الدين، وسبب صلاة السفر، وهو السفر معاملة، ومن الأفعال المباحة قدّم العبادة على المعاملة لما مرّ في صدر الكتاب (٣). قوله ﵀: (السفر الذي يتغيّر به الأحكام) (٤) إنما قيّد به؛ لأنّ السفر لغةً: هو قطع المسافة، والجمع الأسفار. كذا في «الصحاح» (٥). وهو غير متعرّض كما ترى للقطع المقيّد بثلاثة أيّام، أو أكثر، وكلامنا في القطع المقيّد، فوجب التقييد به، ثم ذكر القصد، وهو الإرادة الحادثة لما عزم؛ لأنّه لو طاف جميع العالم بلا قصد سيّر ثلاثة أيام لا يصير مسافرًا، فعُلم بهذا؛ لأنه لا معتبر للقصد المجرّد عن السير، ولا للسير المجرّد عن القصد، بل المعتبر في حقّ تغيير الأحكام اجتماعهما. فإن قلت: الإقامة ضدّ السفر، وهي تثبت بمجرّد النية، فلم لا يثبت السّفر بمجرد النية كضدّه، فمن أي جهة وقع الفرق بينها؟ قلت: لأنّ في السفر الحاجة إلى الفعل، والفعل لا يكفيه مجرّد النية، وأمّا في الإقامة الحاجة إلى ترك الفعل، وفي الترك يكفيه مجرّد النية، ونظير هذا ما قال في [كتاب] (٦) الزَّكاة: من كان له عبد للخدمة فنوى أن يكون للتجارة لم يكن للتجارة حتى يبيعه، وإن كان للتجارة فنوى أن يكون للخدمة خرج من التجارة بالنية، وما افترقا إلا من حيث إن في الفصل الأوّل الحاجة إلى الفعل، وفي الفصل الثاني الحاجة إلى ترك الفعل. كذا في «المبسوط» (٧). ثم الأحكام التي تتغير بالسّفر هي: قصر الصلاة، وإباحة الفطر، وامتداد مدة المسح إلى ثلاثة أيام، وسقوط وجوب [ثلاثة أيام ولياليها] (٨) الجمعة، والعيدين، والأضحية، وحرمة الخروج على الحرة بغير محرم (٩).

стр. 936

[١٣٥/ ب] قوله: (مسيرة ثلاثة أيام ولياليها؛ بسير الإبل، ومشي الأقدام) (١) بالنصب في سير الإبل، ومشي الأقدام، هكذا سمعت من الشيخ (٢) ﵀ ووجدته بخطه مقيَّدًا، وهو على البدل من مسيرة، أو على عطف بالبيان منها؛ لأنّ هذا تفسيرها، ولا يشترط في عطف البيان الأعلام؛ لأنّه عبارة عن تابع غير صفة/ [توضيح متبوعه] (٣)، وهذا كذلك، ثم المعنى في تعيين ثلاثة أيام هو أنّ الترخص بالرخص في السفر لمكان الحرج، والمشقة، والحرج في أن تحمل رحلة من غير أهله، ويخطه في غير أهله، وذلك لا يتحقق فيما دون الثالث، ولأن في اليوم الأوّل يحمله من أهله، وفي اليوم الثاني إذا كان مقصده يحطه في أهله، وأمّا إذا كان التقدير بثلاثة أيام [ولياليهما] (٤)، ففي اليوم الثاني يحمل رحله من غير أهله، ويحطه في غير أهله، فيتحقق معنى الحرج (٥)، فلذلك قدَّرنا بثلاثة أيام ولياليها. كذا في «المبسوط» (٦). وذكر في «المحيط» (٧): ومعنى قول علمائنا: أدنى مدّة السفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، مع السير الذي لا يكون في ثلاث أيام ولياليها، مع الاستراحات التي تكون في خلال ذلك؛ وهذا لأنّ المسافر لا يمكنه أن يمشي دائما بها، يمشي في بعض الأوقات، وفي بعض الأوقات يستريح، ويأكل، ويشرب. (عم بالرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير) (٨) أي: النص يقتضي تمكن كل مسافر من استيفاء مدة الرخصة، ولو كان مدة السفر أقل من ثلاثة [أيام] (٩) لا يتمكّن فيتطرق الخلف إلى النصّ، هكذا وجدت بخط الشيخ ﵀، أي: أثبتت الرخصة حكم مسح ثلاثة أيام لجنس المسافرين، وذلك لا يحصل إذا كان أدنى مدة السفر أقلّ من ثلاثة أيام، فلتلك (١٠) الضرورة أثبت تقدير أدنى مدة السفر بثلاثة أيام (١١).

стр. 937

فإن قلت: يشكل هذا بمسألة (١) ذكرها في «المحيط» (٢)، وهي: أن المسافر إذا بكّر في اليوم الأوّل؛ ومشى إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة، فنزل فيها للاستراحة وبات فيها، ثم بكّر في اليوم الثاني ومشى إلى ما بعد الزوال ونزل، ثم بكّر في اليوم الثالث ومشى إلى وقت الزوال فبلغ في ذلك الوقت إلى المقصد، قال شمس الأئمة السرخسي (٣) ﵀: الصحيح أنه يصير مسافرًا عند النية، ومعلوم أنّه لا يتمكن من [استيفاء] (٤) مسح ثلاثة أيام في هذه المدة؛ لأنها ليست بثلاثة أيام كاملة، ومع ذلك أنّه مسافر. قلت: إن لم يتمكن منه تحقيقًا فقد تمكّن تقديرًا؛ لأن النزول للاستراحة ملحق بالسير في حق تكميل مدة السّفر، وذلك لأنّ المسافر لا بدّ له من النزول لاستراحة نفسه، أو لاستراحة دابته، فليس الشرط أن يذهب من الفجر إلى الفجر؛ لأنّ الآدمي لا يطيق ذلك، وكذلك الدابة، فلذلك كان المشي في بعض النهار كافيًا. كذا في «المحيط» (٥). فإذا كان كذلك فلو لم يبلغ إلى المقصد في اليوم الثالث كأن ينزل أيضًا للاستراحة كما في اليومين الأولين، ومدّة الاستراحة فيهما ملحقة بمدة السفر، فكذلك في اليوم الثالث (٦). قوله: (والشافعي ﵀ بيوم وليلة) (٧) في قول، فإن له أقوالًا، [في قول] (٨): قدّره بخمسة عشر فرسخًا (٩) وفي قول بمسيرة يوم، وفي قول بمسيرة يومين. وفي قول: لستة وأربعين ميلًا (١٠). كذا في مبسوطي (١١) [الإمام الإسبيجابي (١٢) (١٣)، والإمام السرخسي (١٤) رحمهما الله] (١٥).

стр. 938

قوله: (وهو قريب من الأول) (١) إلى التقدير [بثلاث مراحل قريب إلى التقدير] (٢) بثلاثة أيام؛ لأن المعتاد من السير في كل يوم مرحلة واحدة خصوصًا في أقصر أيام [السنة. كذا في «المبسوط» (٣). قوله] (٤): (ولا معتبر بالفراسخ هو الصحيح) (٥) احتراز عن قول عامّة المشايخ، [فإن عامّة المشايخ] (٦) قدروها بالفراسخ أيضًا، ثم اختلفوا فيما بينهم [بعضهم] (٧) قالوا: أحد وعشرون فرسخًا، وبعضهم قالوا: ثمانية عشر، وبعضهم قالوا: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية عشر؛ لأنها أوسط الأعداد. كذا في «المحيط» (٨). وذكر فيه قبل هذا، وعن أبي حنيفة ﵀: أنه اعتبر ثلاث مراحل، فعلى قياس هذه الرواية من بخارى (٩) إلى كرمينية (١٠) مدة سفر، وكذلك إلى فربر (١١)، وبه أخذ بعض مشايخ بخارى (١٢). وذكر في «الأنساب (١٣) السمعانية» (١٤): أن كرمينية من بخارى ثمانية عشر فرسخًا. (ولا يعتبر السير في الماء معنا، ولا يعتبر به السير في البرّ) (١٥) أي: لا يعتبر بالسير في الماء السير في البر بأن كان لموضع طريقان: أحدهما: في الماء، وهو يقطع بثلاثة أيام ولياليها فيما إذا كانت الرياح مستوية لا عالية ولا ساكنة.

стр. 939

والثاني: في البرّ، وهو يقطع بيوم أو بيومين، فإنّه إذا ذهب في طريق الماء ترخّص، وفي البرّ لا، ولو انعكس التقدير ينعكس الحكم أيضًا، وكذلك لو اختلف الطريقان في البرّ يثبت الحكم بحسب ذلك أيضًا (١). وقال في «المحيط» (٢): في مصر له طريقان: [١٣٦/ أ] أحدهما: مسيرة يوم، والآخر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها إن أخذ في الطريق الذي هو مسيرة يوم لا يقصر/ الصلاة، ولو (٣) أخذ في الطريق الذي هو مسيرة ثلاثة أيام ولياليها قصر الصلاة. (فأمّا المعتبر في البحر ما يليق بحاله) (٤)، أي: يعتبر ثلاثة أيام ولياليها في السيّر في البحر بعد أن كانت الرياح مستوية لا عالية، ولا ساكنة كما في الجبل، فإنه يعتبر ثلاثة أيام ولياليها في السّير في الجبل، وإن كانت تلك المسافة في السّهل يقطع بما دونها. كذا في «الخلاصة» (٥). (وفرض المسافر في [الصلاة] (٦) الرباعية ركعتان لا يزيد عليهما) (٧). وفي «المبسوط» (٨): القصر عزيمة في حق المسافر عندنا، وقال الشافعي (٩) ﵀ رخصة، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١٠)، فهو تنصيص على أنّ أصل الفريضة أربع، والقصر رخصة. وفي «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀: شرع القصر بلفظ (١١) لا جناح، وهو يذكر للإباحة لا للوجوب، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١٢)، فدلّ أنّ القصر مباح وليس بواجب، ولما كان مباحًا كان المسافر فيه بالخيار. وعن عمر ﵁: أشكلت عليّ هذه الآية، فسألت رسول الله ﷺ فقلت: ما بالنا نقصر وقد آمنا ولا نخاف شيئًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١٣)، فقال النبي ﷺ : «إنها صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (١٤)، (١٥)، فقد علّق القصر بالقبول، وسمّاه صدقة، والمتصدق عليه يتخيّر في قبول الصدقة، فلا يلزمه القبول حتمًا فيما هو من الأركان الخمس فكذا هذا، ولأن هذه رخصة شرعت للمسافر، فيتخيّر فيها كما في الصّوم، وكما في الجمعة مع الظهر، ولأنّه لو اقتدى بالمقيم صار فرضه أربعًا، ولو كان ركعتين كان لا يتغيّر [فرضه] (١٦) لأجل المقيم (١٧).

стр. 940

ولنا ما روي عن عمر ﵁ أنّه قال: «صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيّكم» (١)، وفي رواية: «تمام» (٢)، وعن ابن عمر ﵄: «صلاة المسافر ركعتان من خالف السُّنة كفر» (٣). والمعنى في المسألة: أنه ترك الركعتين الآخريين بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه، وكان تطوّعًا كسائر التطوعات. وأمّا الجواب عن تعلّقه بالآية، قلنا: المراد من القصر المذكور فيها هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء؛ لخوف العدوّ، بدليل أنّه علّق ذلك بالخوف، فقصر الأصل غير متعلّق بالخوف بالإجماع، وإنّما هو متعلّق بالسّفر، وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب. وأمّا تعلّقه بحديث الصدقة، قلنا: هو دليلنا؛ لأنّه أمر [بالقبول] (٤)، والأمر للوجوب، ولأنّ هذه صدقة لواجب في الذّمة، وليس له حكم المال، فيكون إسقاطًا محضًا لا يرتد بالردّ، كالصدقة بالقصاص، والطلاق، والعتاق يكون إسقاطًا لا يرتدّ بالردّ، فكذا هذا. فإن قيل: إنما (٥) خياره في قبول الصدقة بمنزلة رجل له قبل آخر أربعة دراهم، فتصدّق عليه بدرهمين، فإنّ المتصدق عليه إن شاء قبل الصدقة، فنفى عليه درهمان، وإن شاء ردّ الصدقة، فيكون عليه [إلا] (٦) الربع (٧)، فكذا هذا، قلنا: لا يستقيم هذا؛ لأنّه يكون نصب شريعة مفوّضًا إلى رأي العبد، كأن الله تعالى قال: اقصروا إن شئتم، وهكذا لا نظير له، وهذا لأنّ أوامر الله تعالى من ندب، أو وجوب، أو إباحة نافذة بنفسها غير متعلّقة برأي العبد؛ لأنّه لو كان معلّقًا لم يكن شرعًا للحال كالطلاق المعلّق بالمشيئة، فإنّ التعليق بالمشيئة تمليك، وليس بتعليق بخلاف [التعليق] (٨) سائر (٩) الشروط، فكان كلّ واحد من المسافرين صاحب شريعة بخلاف صدقة واحد منا، فإن ولاية الواهب على الآخر غير نافذة، فلذلك لم يثبت إلا بقبوله. كذا في «الأسرار» (١٠).

стр. 941

و [أما] (١) الجواب عن اعتباره بالصّوم، فقد ذكرنا أن ترك الشيء بلا بدل يلزمه دليل النقلية، وفيه بدل وهو القضاء فلا يلزمنا، ولأن جهة … فيه في إباحة الفطر متردّد غير متعيّنة لما عرف، وأمّا قوله: لو كان فرضه ركعتين؛ [لكان] (٢) لا يتغيّر لأجل الغير، فيشكل بالجمعة، فإن فرض الإمام يتغيّر لأجل القوم، فإنّ فرضه بدون القوم أربع ركعات، وبسبب القوم يصير ركعتين. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀ (٣). (ولنا أنّ الشفع الثاني لا يقضي، ولا يؤثم على تركه، وهذا آية النافلة) (٤). فإن قلت: يشكل على هذا الفقير [الذي] (٥) يحج حجة الإسلام، فإنّها تقع فرضًا، ومع ذلك أنّه لو لم يأت بها لم يكن عليه قضاء ولا إثم لعدم الاستطاعة؟ [١٣٦/ ب] قلت: لما أتى مكة/ [باعتبار دخولها تحت قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) حيث لم يقدّر الله كم كان، ثم ورود البيان بتقدير ثلاث آيات، أو ما دونها بمقدار على حسب ما ختلفوا فيه بطريق الاجتهاد بمنع النقصان دون الزيادة، فكان انتفاء العقاب في الزائد عند الترك لا يوجب نفي الفرضية؛ لأنه وجد أصله وهي ثلاث آيات، ثم لما واجد الزائد عليها ألحق بها إلحاقًا لمزيد عليه، وإدخالًا له تحت قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٧)، (٨)؛ لأنه لا تقدير فيه، فكان هذا كتطويل القيام، والركوع، والسجود، فلا يفرد للمزيد حكم على حدة بعد تناول دليل الفرضية للمزيد، والمزيد عليه كفاية] (٩) صار مستطيعًا، فيفترض عليه حتّى أنّه لو تركها يأثم، كما يفترض على الأغنياء المستطيعين في الآفاق، وأمّا الركعتان الأخريان لا يصيران فرضًا على المسافر ما لم ينو الإقامة، أو يدخل حصره (١٠). كذا ذكره شيخ الإسلام. وأمّا الجواب عن القراءة الزائدة على قدر المسنون في الصلاة يقع فرضًا، ومع ذلك لا يؤثم على تركها، فقد ذكر في «الوافي» في باب العزيمة والرخصة (١١).

стр. 942

قوله: (وإن لم يقعد في الثانية قدرها) (١) أي: [في الركعة الثانية] (٢) قدر التشهد على تأويل قدر قعدة التشهد بطلت كما في صلاة الفجر، وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀ صلاته تامة، فكان الأربع فرضًا له، وهذا بناء على ما تقدّم من أنّ القصر عزيمة في حق المسافر عندنا، وقال الشافعي (٣) رخصة. كذا في «المبسوط» (٤). فإن قلت: يشكل على قولنا هذا القراءة، فإن المسافر إذا لم يقرأ في الرّكعتين، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة، وقرأ في الأخريين يجوز صلاته عندهما خلافًا لمحمد، والمسألة في نوادر «المبسوط»، وركعتا المسافر كما يحتاجان إلى القعدة، فكذلك يحتاجان إلى القراءة. ثم فسدت في حق القعدة هاهنا، ولم تفسد في حق القراءة. قلت: هذا مطّرد، وليس بمنتقض لما أنّه لو ترك القعدة هنا، وقام إلى الثالثة، ونوى الإقامة فأتّمها أربعًا تجوز صلاته أيضًا. كذا في نوادر صلاة «المبسوط» (٥). وكلامنا فيما إذا لم يقعد في الأولى، وأتمّ أربعًا من غير نية الإقامة، فكان فيه اختلاط الناقلة بالفرض قبل إكمال الفرض، وذلك مبطل للصلاة، وإذا فارق بيوت المصر صلى ركعتين، ويعتبر في مفارقة المصر الجانب الذي يخرج منه المسافر من البلدة لا الجوانب التي تحد (٦) البلدة، حتّى إنّه إذا خلّف البنيان الذي خرج منه قصر الصلاة، وإن كان بحذائه بنيان آخر من جانب آخر من المصر (٧)، وذكر الصدر الشهيد (٨) ﵀: أن رجلًا خرج مسافرًا من بخارى، [فلما] (٩) بلغ [إلى] (١٠) ديكستان قوط (١١) أو إلى رباط وليان اختلف المشايخ فيه، والمختار أنّه يقصر الصلاة؛ لأنّه جاوز الرّبض، [ومتى جاوز الرّبض] (١٢)، فقد جاوز عمران البلدة، والصحيح: أنه يعتبر مجاوزة عمران المصر إلا إذا كان ثمة قرية، أو قرى متصلة تربض المصر، فحينئذ يعتبر مجاوزة القرى. كذا في «المحيط» (١٣).

стр. 943

وذكر الإمام التمرتاشي: والأشبه أن يكون الانفصال من المصر قدر غلوة (١)، فحينئذ يقصر (٢). فإن قلت: يشكل على هذا كلّه جواز صلاة الجمعة والعيدين في هذه المواضع، وفي أبعد من هذه المواضع من المصر، فإنّها يجوز في فناء المصر، قال الإمام خواهر زاده (٣) وشمس الأئمة السرخسي: الصحيح أن الفناء مقدَّر بالغلوة، وقدّر بعضهم الفناء بفرسخين، وبعضهم بثلاثة فراسخ. ذكره في «المحيط» (٤). ولا شك أنّ المصر شرط لجواز هذه الصلوات حتّى لا يجوز في القرى، فلما أعطيت هذه المواضع حكم المصر في حق صلاة الجمعة والعيدين، فكيف أُعطيت حكم غير المصر في حق القصر للمسافر؟ قلت: لأنّ فناء المصر إنما يلحق بالمصر فيما كان من حوائج أهل المصر، وصلاة الجمعة، والعيدين من حوائج أهل المصر، فأمّا قصر الصلاة، فليس من حوائج أهل المصر فلا يلحق الفناء بالمصر في حق هذا الحكم مع أنّ على قول بعض المشايخ لا يجوز الجمعة خارج المصر إذا كان ذلك الموضع منقطعًا عن العمران، وكان الفقيه أبو الليث ﵀ (٥) يقول: بالجواز في فناء المصر، ذكره في فصل الجمعة، من «المحيط»، وفيه الأثر، وهو مأثور عن علي ﵁ عنه، فإنّه خرج من البصرة يريد السفر فحان وقت العصر فأتّمها، ثم نظر إلى خصِّ أمامه، فقال: «أمّا [إنا] (٦) لو كنّا جاوزنا هذا الخصّ قصرنا» (٧). ذكره في «المحيط» (٨).

стр. 944

الخصّ: بيت من قصب، ذكره في «المغرب» (١) (٢)، وفيه السُّنة عن النبي ﷺ ، قال أنس ﵁: «إنّ النبي ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلّى بذي الحليفة ركعتين» (٣). كذا في «المصابيح» (٤). [١٣٧/ أ] (ولا يزال على [حكم] (٥) السّفر حتّى ينوي الإقامة في بلده، أو قرية خمسة عشر يومًا) (٦)، وهذا عندنا، وقال الشافعي (٧) ﵀: إذا نوى إقامة أربعة أيام صار مقيمًا لا يباح له القصر، وقال أيضًا في قول: إذا أقام أكثر من أربعة أيام صار (٨) مقيمًا، وإن لم ينو الإقامة، فكان الخلاف بيننا وبينه في موضعين: أحدهما: في قدر نية الإقامة./ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٩) الله تعالى أباح القصر بالضرب في الأرض (١٠)، فمفهومه يقتضي أنه متى ترك الضرب والسير لا يباح له القصر إلا أنا تركنا مفهوم الآية في أقلّ من مدة أربعة أيام بدليل الإجماع، فبقي الباقي على ظاهره، واستدلّ أيضًا بما رُوي: «أنّ النبي ﷺ رخّص للمهاجرين في المُقام بمكة بعد قضاء المناسك ثلاثة أيام» (١١)، فهو دليله على أن بالزيادة على ذلك يثبت حكم الإقامة، وروي عن عثمان ﵁ مثل مذهبه، ولما اختلفت الصحابة كان الأخذ بقول عثمان أولى للاحتياط، واحتج أصحابنا بما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر ﵄، أنهما قالا: «إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يومًا فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر» (١٢)، وروى جابر (١٣): «أن النبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجّة وخرج إلى منى يوم التروية» (١٤)، وقد كان يقصر الصلاة، وقد أقام أكثر من أربعة أيام، فإن قيل: الحديث محمول على ما إذا لم ينو الإقامة، وعندنا بدون [نية] (١٥) الإقامة لا يصير مقيمًا بأربعة أيام (١٦).

стр. 945

قلنا: لا يصحّ هذا؛ لأنّه دخل مكة للحج، ومن دخل مكة للحج لابدّ أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه، وقضاء حجه فيما ذكرنا كان أكثر من أربعة أيام، ومع ذلك كان يقصر، فأمّا تعلّقه بالآية، قلنا: هو متروك الظاهر بالإجماع لما أنّ السّفر يزول بنفس الإقامة، ثم يباح القصر. وأمّا الحديث: قلنا: إن النبي ﷺ إنّما قدّر [بهذا؛ لأنه] (١) علم أن حوائجهم كانت ترتفع في هذه المدة، لا لتقدير أدنى مدّة الإقامة، وأما دعوى الاحتياط قلنا: هذا مشكل بما لو نوى الإقامة ثلاثة أيام، أو أقل لا يصير مقيمًا، وإن كان الاحتياط فيه، ولأنّ في التمليك ترك الاحتياط من وجه، فإنّه متى ترك القعدة الأولى يجزئه صلاته، فالاحتياط أن يؤخذ فيه بالفساد، فكان معنى الاحتياط مما يتعارض هاهنا، ثم ما قلناه (٢) أوفق للقياس؛ لأنّ الإقامة أصل كالطهر والسّفر عارض كالحيض، ثم يثبت أن أقلّ الطهر خمسة عشر يومًا، فكذا الإقامة مع أنّ ما قاله الشافعي (٣) ﵀ خلاف الإجماع. هكذا قاله الطحاوي (٤)، فإنّه لم يُنقل عن أحدٍ قبله بأن يصير مقيمًا بنيّة أربعة أيام. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٥). (لأنّهما مدّتان موجبتان إلا أنّ الطهر إيجابه في الأصل، والإقامة في القدر بالتكميل، والأثر في مثله كالخبر) (٦) أي: قول الصحابي في المقدرات التي لا يهتدي إليها العقل، كالمروي من رسول الله ﷺ ؛ لأنّه لما لم يهتد إليه العقل لا يمكن القول فيه بالرأي، فكان قولهم ضرورة معتمدًا على ما سمعوا من النبي ﷺ ، ولا يقال: كيف؟ قال: هذا مع أنه قال فيه معنًى معقول، وهو إلحاقها بالطهر بجامع الموجبية؛ لأنّا نقول ذلك إظهار معنًى بعد ثبوت أصله بالأثر لا أن يثبت أصله بالدليل المعقول؛ لأنه لا يهتدي إليه العقل، فكان هذا من قبيل ترجيح أحد الأمرين لموافقته القياس (٧). (والتقييد بالبلدة والقرية يشير إلى أنه لا يصحّ منه الإقامة في المفازة، وهو الظاهر) (٨) أي: الظاهر من الرواية، وهذا احتراز عما روي عن أبي يوسف ﵀ أن الرعاة إذا نزلوا موضعًا كثير الكلأ والماء، ونووا الإقامة خمسة عشر يومًا والماء والكلأ يكفيهم لتلك المدة صاروا مقيمين، وكذا التراكة والإعراب، ولكن ظاهر الرواية هو أنّ نية الإقامة لا تصح إلا في موضع

стр. 946

الإقامة، وموضع الإقامة العمران، والبيوت المتخذة من الحجر، والمدر، والخشب لا الخيام، والأخبئة، والوبر. كذا في «فتاوى قاضي خان» (١). [١٣٧/ ب] قلت: هذا الذي ذكره من اشتراط موضع الإقامة من البلدة، والقرية إنّما كان فيما إذا سار ثلاثة أيام بنية السفر، وهو نوى مكانًا هو مدة السفر، فأمّا قبل ذلك، فيصح نية الإقامة في المفازة أيضًا. ذكره فخر الإسلام في «أصول الفقه» (٢) في العوارض المكتسبة، فقال: (ألا ترى أنّه إذا نوى رفضه)، أي: رفض السّفر فيما إذا لم يتم ثلاثة أيام صار مقيمًا، وإن كان في غير موضع الإقامة؛ لأن/ السّفر لما (٣) لم يتم علة كانت نية الإقامة نقضًا (٤) للعارض لا ابتداء علّة، وإذا سار ثلاثة أيّام، ثم نوى المقام في غير موضع الإقامة لم يصحّ؛ لأنّ هذا ابتداء إيجاب، فلا يصحّ في غير محلّه، وكذلك ذكر في «فتاوى قاضي خان» ما يوافق هذا، فقال: المسافر إذا جاوز عمران مصره، فلما سار بعض الطريق تذكّر شيئًا في وطنه، فعزم الرجوع إلى [أن] (٥) الوطن لأجل ذلك يصير مقيمًا بمجرّد العزم إلى الوطن؛ لأنه رفض سفره قبل الاستحكام حيث لم يسر ثلاثة أيام، فيعود مقيمًا، ويتم صلاته (٦)، وسيأتي مما يؤنس هذا الأصل من مسائل «المحيط» (٧). (ولو دخل مصرًا على عزم أن يخرج غدًا … إلى آخره) (٨) هذا هو المسألة الثانية، وقد ذكرنا أنّ عند الشافعي يصير مقيمًا إذا أقام أكثر من أربعة أيّام، وإن لم ينو الإقامة (٩). وفي «المبسوط» (١٠): وقال الشافعي (١١): إذا زاد على ثماني عشرة ليلة أتمّ الصلاة، واحتج هو فيه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) على ما ذكرنا، ولأنّ القياس أن يصير مقيمًا بنفس الإقامة؛ لأنّ الإقامة ضدّ السّفر، فإذا صار مسافرًا بالسير يصير مقيمًا بالإقامة إلا أنّا تركنا القياس مدة تسعة عشر أو عشرين بالأثر، وهو: «أنّه ﷺ أقام بتبوك تسعة [عشر] (١٣) وكان يقصر [وكان ذلك] (١٤) من غير نيّة الإقامة» (١٥)، فبقي ما وراه على أصل القياس.

стр. 947

ولنا في ذلك إجماع الصحابة، فإنّه روي عن سعد بن أبي وقاص (١): «أنّه أقام بقرية من قرى نيسابور (٢) شهرين وكان يقصر» (٣)، وكذلك علقمة بن قيس (٤) «أقام بخوارزم (٥) سنتين يقصر الصلاة» (٦)، وكذلك عن ابن عباس (٧) وابن عمر ﵄ (٨)، ولأنّه لو خرج خلف غريم له لم يصر مسافرًا ما لم ينو مدّة السفر وإن طاف جميع الدنيا، فكذا لا يصير مقيمًا ما لم ينو المكث أدنى مدة الإقامة، وإن طال مقامه اتفاقًا (٩)، وذلك لأنّ الإقامة ضدّ السّفر، فلما لم يثبت السّفر إلا بنيّة أدنى مدّة السفر، وإن وُجد منه حقيقة السّير وجب أن يكون في الإقامة كذلك، وما تعلّق بالمعنى، فهو دليلنا؛ لأنّه كان ﷺ كان يقصر عند عدم نيّة الإقامة، ولأنّا نقول: إن وجد ترك القياس في هذا القدر بالحديث وجب ترك القياس فيما وراه بإجماع الصّحابة على ما ذكرنا. كذا في «المبسوطين» (١٠).

стр. 948

أَذْرَبيجان (١): بفتح الهمزة والراء وسكون الذال المعجمة موضع، ثم ذكر المسألة التي يشكل على ما ذكر قبله صورة، وهو وقوله: (ولا يزال على [حكم] (٢) السّفر حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية)، فإنّه يُعلم منه أنّه إذا نوى الإقامة في موضع الإقامة، وهو العمران إلى آخره يتم صلاته، ثم ذكر أنّ العسكر لم يتموا (٣) وإن صادفت نيّتهم موضعها وهو دار الحرب، فقال: (وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة بها قصروا) (٤). ذكر في «المبسوط» (٥): فيه حديث ابن عباس ﵄: «أن رجلًا سأله، فقال: إنا نطيل الثواء (٦) في دار الحرب، فقال: صل ركعتين حتّى ترجع إلى أهلك» (٧)، ولأنّ نية الإقامة لا تصحّ إلا في موضع الإقامة، ودار الحرب ليست بموضع إقامة المحاربين من المسلمين، كما ذكر في الكتاب، ولأنّ فناء البلدة تبع لجوفها، والبلدة في يد أهل الحرب، فالموضع الذي فيه العسكر كان في أيديهم أيضًا حكمًا، فكأن نيّة الإقامة في غير موضعها، فلا يصحّ فيه نيّة الإقامة، كما لو كانت نيّة الإقامة في المفازة. ولا يلزم على هذا من دخل دار الحرب بأمان، فهو كأنّه في دار الإسلام حتّى لو نوى فيها أن يقيم خمسة عشر يومًا أتمّ الصلاة؛ لأنّ أهل الحرب لا يتعرّضون له، فصار دار الحرب بعد الأمان، ودار الإسلام سواء. كذا في «المحيط» (٨). (كذا إذا حاصروا أهل البغي في دار الإسلام) (٩) أي: لا يصحّ الإقامة، وإنما ذكر هذه المسألة مع أن حكمها يُعلم بمسألة دار الحرب؛ لدفع شبهة، وهي: أن يقال: إنما لا تجوز نيّة الإقامة في دار الحرب؛ لأنّها منقطعة عن دار الإسلام، فصارت كالمفازة بخلاف مدينة أهل البغي [التي] (١٠) في دار الإسلام، فإنّ فيها أبنية، وهي في يد أهل الإسلام يجب أن تصح نيّة الإقامة، فقال: (لا يصحّ لأنّ حالهم مبطل عزيمتهم)؛ لأنّهم إنما يقيمون لغرض، فإذا حصل غرضهم انزعجوا فلا [لا] (١١) يكون نيّتهم مستقرّة، وهذا الفصل حجّة على من يقول: من أراد الخروج إلى مكان قريب، ويريد أن يترخّص برخصة السّفر/ ينوي مكانًا أبعد منه، وهذا غلط. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٢).

стр. 949

[١٣٨/ أ] (وعند زفر يصح في الوجهين) (١) أي: في محاصرة أهل الحرب، وفي محاصرة أهل البغي (٢). (وعند أبي يوسف يصحّ إذا كان (٣) في بيوت المدر (٤)، وفرق أبو يوسف ﵀ بين الأبنية والأخبئة، والفرق: أن البناء موضع الإقامة، والقرار دون الصحراء، وإن حاصروا أهل أخبئة، وفساطيط لم يصيروا مقيمين سواء نزلوا بساحتهم، أو في أخبئتهم وخيامهم، ونووا الإقامة فيها بالإجماع؛ لأنّ هذا لا يُعدّ للإقامة، ألا ترى أنهم يحملونها على الدّواب حيث ما قصدوا، ويستخفونها يوم ظعنهم، ويوم إقامتهم، فإذا هي حمولة وليست بمنازل (٥). قال شمس الأئمة الحلواني: وهكذا عسكر المسلمين إذا قصدوا موضعًا، ومعم أخبئتهم، وخيامهم، وفساطيطهم، فنزلوا مفازة، ونصبوا الأخبئة والفساطيط، وعزموا فيها على إقامة خمسة عشر يومًا لم يصيروا مقيمين لما بيّنا أنّها حمولة، وليست بمساكن (٦). كذا في «المحيط» (٧). قوله ﵀: (قيل: لا يصحّ) (٨)، ذكر في «المبسوط» (٩): اختلف المتأخرون في الذين يسكنون الأخبية في دار الإسلام كالأعراب والأتراك، فمنهم من يقول: لا يكونون مقيمين أبدًا؛ لأنهم ليسوا في موضع الإقامة، والأصح أنّهم مقيمون، وعلّل فيه بوجهين: أحدهما: أنّ الإقامة للمرء أصل، والسّفر عارض، فحمل حالهم على الأصل أولى. والثاني: أنّ السّفر إنما يكون عند النيّة إلى مكان إليه مدّة السّفر، وهم لا ينوون السّفر قط، وإنّما ينتقلون من ماء إلى ماء، ومن مَرْعى إلى مرعى، فكانوا مقيمين باعتبار الأصل. (وإن اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت [أتم] (١٠) أربعًا) (١١) وحاصله: أنّه ليس للمسافر أن يقتدي بالمقيم بعد فوات الوقت، وللمقيم أن يقتدي بالمسافر في الوقت، وبعد فواته (١٢)، أمّا [في] (١٣) الوقت، فلأنّ النبي ﷺ جوّز اقتداء أهل مكة بعرفات حتى (١٤) قال: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» (١٥)، وكذلك بعد فوات الوقت؛ لأنّ فرض المقيم لا يتغيّر بالاقتداء، وأمّا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت، فيجوز، ويتغيّر فرضه، هكذا روي عن عمر وابن عباس ﵃، وبعد فوات الوقت لا يصح اقتداءه؛ لأنّ فرضه لا يتغير بالاقتداء، فإنّ المغيّر للفرض، أمّا نيّة الإقامة والاقتداء بالمقيم، ثم الفرض بعد خروج الوقت لا يتغيّر بنيّة الإقامة، فكذا بالاقتداء بالمقيم، وإذا لم يتغيّر فرضه كان هذا عقدًا لا يفيد موجبه، فلو صلّى ركعتين [وسلم] (١٦) كان قد فرغ قبل إمامه، وإن أتمّ أربعًا كان خالطًا النفل بالمكتوبة قصدًا، وذلك لا يجوز، ثم القعدة الأولى نفل في حق الإمام فرض في حقه، واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز. كذا في «المبسوط» (١٧).

стр. 950

(أتمّ أربعًا) (١)؛ لأنّه التزم متابعة الإمام بالاقتداء، لكن لو أفسد صلاته بعد الاقتداء صلّى ركعتين؛ لأنّه مسافر على حاله، وإنّما كان يلزمه الإتمام؛ لأجل المتابعة، وقد زال ذلك حتّى أفسد، وهذا بخلاف ما لو اقتدى بنيّة النّفل، ثم أفسد، فإنّه يلزمه قضاء أربع ركعات؛ لأنّ هناك بالشروع يكون ملتزمًا صلاة الإمام، وصلاة الإمام أربع ركعات، وهاهنا بالشروع ما قصد التزام شيء، وإنما قصد إسقاط الفرض عن ذمته، وبغير فرضه حكمًا للمتابعة، فإذا انعدمت صار كأنّه لم يشرع في صلاته أصلًا، كذا في نوادر صلاة «المبسوط» (٢). فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا اقتدى المقيم بالمسافر، ثم أحدث الإمام واستحلف المقيم، فإنّه لا يتغيّر فرضه إلى الأربع، مع أنّ الإمام الأوّل صار بمنزلة المقتدي للخليفة المقيم. قلت: لما كان المقيم خليفة عن المسافر صار كأنّ المسافر هو الإمام، فيأخذ الخليفة صفة الإمام الأول، والدليل عليه: ما ذكره في «المبسوط» (٣)، فقال: يجب على الخليفة أن يأتي بما كان على الأول حتّى لو ترك القعدة الأولى تفسد صلاة الكل من المقيمين والمسافرين، وكذلك بعد التشهد يجب على المقيمين أن يصلّوا صلاتهم منفردين من غير اقتداء لهذا الخليفة، كما كان حالهم مع الإمام الأوّل هكذا حتّى لو اقتدوا به فيما يقضون فسدت صلاتهم؛ لأنّ الاقتداء في موضع بحق كالانفراد في موضع يحق فيه الاقتداء لما بينهما من المخالفة في الحكم، فإذا كان الخليفة مكان الأوّل من كل وجه صار هو في التقدير اقتداء المسافر بالمسافر، فلا يتغيّر صلاته، وإن/ كان في الوقت، وإن أدخل (٤) معه في فائته لم يُجز هذا إذا دخل في صلاة المقيم بعد خروج الوقت، وأمّا إذا دخل مسافر في صلاة المقيم في الوقت، ثم ذهب الوقت لم تفسد صلاته؛ لأنّ الإتمام لزمه بالشروع مع الإمام في الوقت، فالتحق بغيره من المقيمين بخلاف ما لو اقتدى به بعد خروج الوقت، فإنّ الإتمام لم يلزمه بهذا الاقتداء، [كما لو نوى الإقامة بعد خروج الوقت، لا يؤثر نية الإقامة في الفريضة التي فات وقتها] (٥). كذا في «المبسوط» (٦). [١٣٨/ ب] وكذا لو صلّى مقيم ركعة من العصر، ثم غربت الشمس، فجاء مسافر، واقتدى في العصر به لم يكن داخلًا في صلاته، وهي مسألة «الجامع الكبير» (٧).
следующие страницы →