← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الإقامة، وموضع الإقامة العمران، والبيوت المتخذة من الحجر، والمدر، والخشب لا الخيام، والأخبئة، والوبر. كذا في «فتاوى قاضي خان» (١). [١٣٧/ ب] قلت: هذا الذي ذكره من اشتراط موضع الإقامة من البلدة، والقرية إنّما كان فيما إذا سار ثلاثة أيام بنية السفر، وهو نوى مكانًا هو مدة السفر، فأمّا قبل ذلك، فيصح نية الإقامة في المفازة أيضًا. ذكره فخر الإسلام في «أصول الفقه» (٢) في العوارض المكتسبة، فقال: (ألا ترى أنّه إذا نوى رفضه)، أي: رفض السّفر فيما إذا لم يتم ثلاثة أيام صار مقيمًا، وإن كان في غير موضع الإقامة؛ لأن/ السّفر لما (٣) لم يتم علة كانت نية الإقامة نقضًا (٤) للعارض لا ابتداء علّة، وإذا سار ثلاثة أيّام، ثم نوى المقام في غير موضع الإقامة لم يصحّ؛ لأنّ هذا ابتداء إيجاب، فلا يصحّ في غير محلّه، وكذلك ذكر في «فتاوى قاضي خان» ما يوافق هذا، فقال: المسافر إذا جاوز عمران مصره، فلما سار بعض الطريق تذكّر شيئًا في وطنه، فعزم الرجوع إلى [أن] (٥) الوطن لأجل ذلك يصير مقيمًا بمجرّد العزم إلى الوطن؛ لأنه رفض سفره قبل الاستحكام حيث لم يسر ثلاثة أيام، فيعود مقيمًا، ويتم صلاته (٦)، وسيأتي مما يؤنس هذا الأصل من مسائل «المحيط» (٧). (ولو دخل مصرًا على عزم أن يخرج غدًا … إلى آخره) (٨) هذا هو المسألة الثانية، وقد ذكرنا أنّ عند الشافعي يصير مقيمًا إذا أقام أكثر من أربعة أيّام، وإن لم ينو الإقامة (٩). وفي «المبسوط» (١٠): وقال الشافعي (١١): إذا زاد على ثماني عشرة ليلة أتمّ الصلاة، واحتج هو فيه بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) على ما ذكرنا، ولأنّ القياس أن يصير مقيمًا بنفس الإقامة؛ لأنّ الإقامة ضدّ السّفر، فإذا صار مسافرًا بالسير يصير مقيمًا بالإقامة إلا أنّا تركنا القياس مدة تسعة عشر أو عشرين بالأثر، وهو: «أنّه ﷺ أقام بتبوك تسعة [عشر] (١٣) وكان يقصر [وكان ذلك] (١٤) من غير نيّة الإقامة» (١٥)، فبقي ما وراه على أصل القياس.

стр. 947

ولنا في ذلك إجماع الصحابة، فإنّه روي عن سعد بن أبي وقاص (١): «أنّه أقام بقرية من قرى نيسابور (٢) شهرين وكان يقصر» (٣)، وكذلك علقمة بن قيس (٤) «أقام بخوارزم (٥) سنتين يقصر الصلاة» (٦)، وكذلك عن ابن عباس (٧) وابن عمر ﵄ (٨)، ولأنّه لو خرج خلف غريم له لم يصر مسافرًا ما لم ينو مدّة السفر وإن طاف جميع الدنيا، فكذا لا يصير مقيمًا ما لم ينو المكث أدنى مدة الإقامة، وإن طال مقامه اتفاقًا (٩)، وذلك لأنّ الإقامة ضدّ السّفر، فلما لم يثبت السّفر إلا بنيّة أدنى مدّة السفر، وإن وُجد منه حقيقة السّير وجب أن يكون في الإقامة كذلك، وما تعلّق بالمعنى، فهو دليلنا؛ لأنّه كان ﷺ كان يقصر عند عدم نيّة الإقامة، ولأنّا نقول: إن وجد ترك القياس في هذا القدر بالحديث وجب ترك القياس فيما وراه بإجماع الصّحابة على ما ذكرنا. كذا في «المبسوطين» (١٠).

стр. 948

أَذْرَبيجان (١): بفتح الهمزة والراء وسكون الذال المعجمة موضع، ثم ذكر المسألة التي يشكل على ما ذكر قبله صورة، وهو وقوله: (ولا يزال على [حكم] (٢) السّفر حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية)، فإنّه يُعلم منه أنّه إذا نوى الإقامة في موضع الإقامة، وهو العمران إلى آخره يتم صلاته، ثم ذكر أنّ العسكر لم يتموا (٣) وإن صادفت نيّتهم موضعها وهو دار الحرب، فقال: (وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة بها قصروا) (٤). ذكر في «المبسوط» (٥): فيه حديث ابن عباس ﵄: «أن رجلًا سأله، فقال: إنا نطيل الثواء (٦) في دار الحرب، فقال: صل ركعتين حتّى ترجع إلى أهلك» (٧)، ولأنّ نية الإقامة لا تصحّ إلا في موضع الإقامة، ودار الحرب ليست بموضع إقامة المحاربين من المسلمين، كما ذكر في الكتاب، ولأنّ فناء البلدة تبع لجوفها، والبلدة في يد أهل الحرب، فالموضع الذي فيه العسكر كان في أيديهم أيضًا حكمًا، فكأن نيّة الإقامة في غير موضعها، فلا يصحّ فيه نيّة الإقامة، كما لو كانت نيّة الإقامة في المفازة. ولا يلزم على هذا من دخل دار الحرب بأمان، فهو كأنّه في دار الإسلام حتّى لو نوى فيها أن يقيم خمسة عشر يومًا أتمّ الصلاة؛ لأنّ أهل الحرب لا يتعرّضون له، فصار دار الحرب بعد الأمان، ودار الإسلام سواء. كذا في «المحيط» (٨). (كذا إذا حاصروا أهل البغي في دار الإسلام) (٩) أي: لا يصحّ الإقامة، وإنما ذكر هذه المسألة مع أن حكمها يُعلم بمسألة دار الحرب؛ لدفع شبهة، وهي: أن يقال: إنما لا تجوز نيّة الإقامة في دار الحرب؛ لأنّها منقطعة عن دار الإسلام، فصارت كالمفازة بخلاف مدينة أهل البغي [التي] (١٠) في دار الإسلام، فإنّ فيها أبنية، وهي في يد أهل الإسلام يجب أن تصح نيّة الإقامة، فقال: (لا يصحّ لأنّ حالهم مبطل عزيمتهم)؛ لأنّهم إنما يقيمون لغرض، فإذا حصل غرضهم انزعجوا فلا [لا] (١١) يكون نيّتهم مستقرّة، وهذا الفصل حجّة على من يقول: من أراد الخروج إلى مكان قريب، ويريد أن يترخّص برخصة السّفر/ ينوي مكانًا أبعد منه، وهذا غلط. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٢).

стр. 949

[١٣٨/ أ] (وعند زفر يصح في الوجهين) (١) أي: في محاصرة أهل الحرب، وفي محاصرة أهل البغي (٢). (وعند أبي يوسف يصحّ إذا كان (٣) في بيوت المدر (٤)، وفرق أبو يوسف ﵀ بين الأبنية والأخبئة، والفرق: أن البناء موضع الإقامة، والقرار دون الصحراء، وإن حاصروا أهل أخبئة، وفساطيط لم يصيروا مقيمين سواء نزلوا بساحتهم، أو في أخبئتهم وخيامهم، ونووا الإقامة فيها بالإجماع؛ لأنّ هذا لا يُعدّ للإقامة، ألا ترى أنهم يحملونها على الدّواب حيث ما قصدوا، ويستخفونها يوم ظعنهم، ويوم إقامتهم، فإذا هي حمولة وليست بمنازل (٥). قال شمس الأئمة الحلواني: وهكذا عسكر المسلمين إذا قصدوا موضعًا، ومعم أخبئتهم، وخيامهم، وفساطيطهم، فنزلوا مفازة، ونصبوا الأخبئة والفساطيط، وعزموا فيها على إقامة خمسة عشر يومًا لم يصيروا مقيمين لما بيّنا أنّها حمولة، وليست بمساكن (٦). كذا في «المحيط» (٧). قوله ﵀: (قيل: لا يصحّ) (٨)، ذكر في «المبسوط» (٩): اختلف المتأخرون في الذين يسكنون الأخبية في دار الإسلام كالأعراب والأتراك، فمنهم من يقول: لا يكونون مقيمين أبدًا؛ لأنهم ليسوا في موضع الإقامة، والأصح أنّهم مقيمون، وعلّل فيه بوجهين: أحدهما: أنّ الإقامة للمرء أصل، والسّفر عارض، فحمل حالهم على الأصل أولى. والثاني: أنّ السّفر إنما يكون عند النيّة إلى مكان إليه مدّة السّفر، وهم لا ينوون السّفر قط، وإنّما ينتقلون من ماء إلى ماء، ومن مَرْعى إلى مرعى، فكانوا مقيمين باعتبار الأصل. (وإن اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت [أتم] (١٠) أربعًا) (١١) وحاصله: أنّه ليس للمسافر أن يقتدي بالمقيم بعد فوات الوقت، وللمقيم أن يقتدي بالمسافر في الوقت، وبعد فواته (١٢)، أمّا [في] (١٣) الوقت، فلأنّ النبي ﷺ جوّز اقتداء أهل مكة بعرفات حتى (١٤) قال: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» (١٥)، وكذلك بعد فوات الوقت؛ لأنّ فرض المقيم لا يتغيّر بالاقتداء، وأمّا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت، فيجوز، ويتغيّر فرضه، هكذا روي عن عمر وابن عباس ﵃، وبعد فوات الوقت لا يصح اقتداءه؛ لأنّ فرضه لا يتغير بالاقتداء، فإنّ المغيّر للفرض، أمّا نيّة الإقامة والاقتداء بالمقيم، ثم الفرض بعد خروج الوقت لا يتغيّر بنيّة الإقامة، فكذا بالاقتداء بالمقيم، وإذا لم يتغيّر فرضه كان هذا عقدًا لا يفيد موجبه، فلو صلّى ركعتين [وسلم] (١٦) كان قد فرغ قبل إمامه، وإن أتمّ أربعًا كان خالطًا النفل بالمكتوبة قصدًا، وذلك لا يجوز، ثم القعدة الأولى نفل في حق الإمام فرض في حقه، واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز. كذا في «المبسوط» (١٧).

стр. 950

(أتمّ أربعًا) (١)؛ لأنّه التزم متابعة الإمام بالاقتداء، لكن لو أفسد صلاته بعد الاقتداء صلّى ركعتين؛ لأنّه مسافر على حاله، وإنّما كان يلزمه الإتمام؛ لأجل المتابعة، وقد زال ذلك حتّى أفسد، وهذا بخلاف ما لو اقتدى بنيّة النّفل، ثم أفسد، فإنّه يلزمه قضاء أربع ركعات؛ لأنّ هناك بالشروع يكون ملتزمًا صلاة الإمام، وصلاة الإمام أربع ركعات، وهاهنا بالشروع ما قصد التزام شيء، وإنما قصد إسقاط الفرض عن ذمته، وبغير فرضه حكمًا للمتابعة، فإذا انعدمت صار كأنّه لم يشرع في صلاته أصلًا، كذا في نوادر صلاة «المبسوط» (٢). فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا اقتدى المقيم بالمسافر، ثم أحدث الإمام واستحلف المقيم، فإنّه لا يتغيّر فرضه إلى الأربع، مع أنّ الإمام الأوّل صار بمنزلة المقتدي للخليفة المقيم. قلت: لما كان المقيم خليفة عن المسافر صار كأنّ المسافر هو الإمام، فيأخذ الخليفة صفة الإمام الأول، والدليل عليه: ما ذكره في «المبسوط» (٣)، فقال: يجب على الخليفة أن يأتي بما كان على الأول حتّى لو ترك القعدة الأولى تفسد صلاة الكل من المقيمين والمسافرين، وكذلك بعد التشهد يجب على المقيمين أن يصلّوا صلاتهم منفردين من غير اقتداء لهذا الخليفة، كما كان حالهم مع الإمام الأوّل هكذا حتّى لو اقتدوا به فيما يقضون فسدت صلاتهم؛ لأنّ الاقتداء في موضع بحق كالانفراد في موضع يحق فيه الاقتداء لما بينهما من المخالفة في الحكم، فإذا كان الخليفة مكان الأوّل من كل وجه صار هو في التقدير اقتداء المسافر بالمسافر، فلا يتغيّر صلاته، وإن/ كان في الوقت، وإن أدخل (٤) معه في فائته لم يُجز هذا إذا دخل في صلاة المقيم بعد خروج الوقت، وأمّا إذا دخل مسافر في صلاة المقيم في الوقت، ثم ذهب الوقت لم تفسد صلاته؛ لأنّ الإتمام لزمه بالشروع مع الإمام في الوقت، فالتحق بغيره من المقيمين بخلاف ما لو اقتدى به بعد خروج الوقت، فإنّ الإتمام لم يلزمه بهذا الاقتداء، [كما لو نوى الإقامة بعد خروج الوقت، لا يؤثر نية الإقامة في الفريضة التي فات وقتها] (٥). كذا في «المبسوط» (٦). [١٣٨/ ب] وكذا لو صلّى مقيم ركعة من العصر، ثم غربت الشمس، فجاء مسافر، واقتدى في العصر به لم يكن داخلًا في صلاته، وهي مسألة «الجامع الكبير» (٧).

стр. 951

(فيكون اقتداء المفترض بالمتنفّل في حق القعدة) (١) أي: القعدة الأولى إذا كان اقتداء المسافر بالمقيم في أوّل الصلاة (٢). (أو القراءة) (٣) أي: إذا كان اقتداء المسافر بالمقيم في الركعتين الأخريين، فإنّ القراءة فيهما نفل على الإمام فرض على المقتدي. فإن قلت: لو كان نسي الإمام القراءة في الشفع الأول، وقضاها في الشفع الثاني كان ينبغي أن يجوز اقتداء المسافر بالمقيم، وإن كان بعد خروج الوقت؛ لكون القراءة والقعدة فرضين على الإمام أيضًا كما على المقتدي؟ قلت: لا يجوز أيضًا؛ لأنّ القضاء يلتحق بمحل الأداء، فيبقى الشفع الثاني حينئذٍ خلوا عن القراءة، فكان فيه بناء الموجود على المعدوم. فإن قلت: يشكل على هذا اقتداء المتنفّل بالمفترض في الشّفع الثاني، فإنّه جائز مع أنّ القراءة على المفترض فيه ليست بفرض، وعلى المتنفّل فرض، فكان فيه اقتداء المفترض بالمتنفّل؟ قلت: ليس كذلك؛ لأنّ صلاة المتنفّل أخذت حكم الفرض تبعًا لصلاة الإمام، ولهذا لو أفسد المتنفّل صلاته بعد الاقتداء يجب قضاؤها أربعًا. كذا ذكره الصدر الشهيد ﵀ في «الجامع الكبير» (٤). (وإن صلى المسافر بالمقيمين) (٥) أي: أمّ المسافر فاقتدى به المقيمون إلا أنّه لا يقرأ في الأصح هذا احتراز عن قول بعض المشايخ حيث قالوا: بأنهم يقرؤون فيما يتمون صلاتهم؛ لأنّهم منفردون فيه، ولهذا يلزمهم سجود السّهو إذا سهوا فيه، فأشبهوا المسبوق، ولكن الأصح أنّهم لا يقرؤون، وإليه مال الكرخي (٦)؛ لأنّهم لاحقون أدركوا أوّل الصلاة، وقد تمّ فرض القراءة. كذا في «المحيط» (٧). واستدلّ في «الإيضاح» (٨) لوجوب سجدة السّهو عليهم إذا سهوا على أنّه لا قراءة عليهم؛ لأنّهم لما صاروا بمنزلة المنفردين في الباقي حيث وجبت عليهم سجدة السهو إذا سهوا لم يجب القراءة عليهم في الباقي؛ لأنّ حكم المنفرد كذلك، فإنّه إذا [نوى] (٩) أدّى الفرض من ذوات الأربع يقرأ في الأولين دون الأخريين، فهذا كذلك؛ لأنّه قرأ إمامهم في الأوليين.

стр. 952

قوله ﵀ (لأنه مقتد تحريمه لا فعلًا والفرض صار مؤدًّى فيتركها احتياطًا ومعنى هذا الكلام) (١) أي: أنّه مقتد من وجه دون وجه؛ لأنّه مقتد من حيث التحريمة، وليس بمقتد من حيث الفعل، ثم بالنظر إلى كونه مقتديًا يحرم القراءة عليه، وبالنظر إلى كونه منفردًا يستحب القراءة عليه؛ لأن الكلام في الركعتين الأخريين بعد أداء [فرض] (٢) القراءة في الأوليين، وحينئذٍ دار حكم القراءة بين كونه حرامًا، وبين كونه مستحبًّا، فكان الاحتياط في الترك بخلاف المسبوق، فإن حكم قراءته دار بين الفرض والبدعة، فكان الواجب عليه الإتيان بها؛ لأنّ فرض القراءة لم يصر مؤدّي في حقه، وترك الفرض مفسد للصلاة، ثم ذكر لفظ الأولى في قوله: فكان الإتيان أولى مع أنّ القراءة فرض عليه بمقابلة ما ذكر أولًا من قراءة المقيمين بعد فراغ إمامهم المسافر لا بالنظر إلى نفسه (٣). (ويستحب للإمام إذا سلّم أن يقول لهم: أتمّوا صلاتكم، فإنا قوم سفر) (٤) أي: مسافرون جمع سافر كركب، وصحب في راكب وصاحب. [١٣٩/ أ] فإن قلت: هذه الرواية مخالفة لما ذكر في «فتاوى قاضي خان»، وغيره حيث قال: إذا اقتدى بإمام لا يدري أنه مقيم أو مسافر قالوا: لا يصح اقتداؤه؛ لأنّ العلم بحال الإمام شرط أداء الصلاة بالجماعة ذكره في فصل فيمن يصح الاقتداء به، وفيمن لا يصحّ، ورواية الكتاب تدلّ (٥) على أنه يصح الاقتداء بإمام، وإن لم يُعرف بحاله أنه مسافر، أو مقيم؛ لأنّهم إذا كانوا عالمين بأنه مسافر كان قول الإمام: أتمّوا صلاتكم، فإنّا قوم سفر عبثًا؛ لاشتغاله بما لا يفيد، وإن كانوا عالمين بأنّه مقيم كان هذا القول منه كذبًا عندهم، فتعين/ بهذا أنه إنما يقول فيما إذا لم يعلموا بحاله، فما وجه التوفيق بين الروايتين؟ قلت: تلك الرواية محمولة على ما إذا بنوا أمر الإمام على ظاهر حال الإقامة، والحال أنّه ليس بمقيم وسلّم على رأس الركعتين، وتفرّقوا على ذلك؛ [لاعتقادهم فساد صلاة الإمام] (٦)، وأمّا إذا علموا بعد الصلاة بحال الإمام كان اقتداؤهم به جائزًا، وإن يعلموا بحاله وقت الاقتداء به (٧)، والدليل عليه ما ذكر في آخر باب صلاة المسافرين من نوادر صلاة «المبسوط» (٨)، فقال: رجل صلى بالقوم الظهر ركعتين في مصر أو قرية، وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم؟ فصلاة القوم فاسدة سواء كانوا مقيمين أو مسافرين؛ لأنّ الظاهر من حال من كان في موضع الإقامة أنّه مقيم، والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، ألا ترى أن من كان في دار الحرب إذا لم يعرف حاله [يجعل من أهل دار الحرب، بخلاف من كان في دار الإسلام فإنّه يجعل من المسلمين إذا لم يعرف حاله] (٩)، وإذا كان هذا الإمام مقيمًا باعتبار الظاهر فسدت صلاته، وصلاة جميع القوم حين سلّم على رأس الركعتين وذهب، فإن سألوه فأخبرهم أنّه مسافر جازت صلاة القوم إن كانوا مسافرين أو مقيمين، فأتّموا صلاتهم بعد فراغه؛ لأنّه أخبر بما هو من أمور الدين فيما لو يُعرف إلا من جهته، فيجب قبول خبره في ذلك. كذا في «المبسوط» (١٠).

стр. 953

فإن قلت: فعلى هذا التقدير يجب أن [قول] (١) هذا القول، وهو أتموا صلاتكم، فإنا قوم المتقدم (٢) أن يكون واجبًا على الإمام لما أنّ إصلاح صلاة المقتدي من جانب الإمام يجب على الإمام رعايته، فلم قال مع ذلك ويستحب للإمام هذا القول؟ قلت: إصلاح صلاة القوم غير متوقف إلى قول الإمام هذا لما أنّ القوم لو كانوا مسافرين سلّموا بسلامه، وإن كانوا مقيمين قاموا وأتّموا صلاتهم، ثم سألوه، فإن أخبر أنّه مسافر جاز صلاة الكل، ففساد صلاة القوم إنما يلزم على تقدير سلام الإمام على رأس الركعتين، وهو مقيم، وفيما لا يدرون بحاله، وهو سلم على رأس الركعتين، فالظاهر: أنّه مسافر [حملًا لأمره على الصلاح، فكان قوله هذا بعد ذلك زيادة إعلام بأنّه مسافر] (٣)، وإزاحة للشبهة عن نفسه، واقتداء بالنبي ﷺ في هذا القول لا أمرًا واجبًا عليه، فلذلك كان هذا القول منه مستحبًّا، وإذا دخل المسافر [في] (٤) مصره أتمّ الصلاة، وهذا الذي ذكر في حق مسافر استكمل بسيره ثلاثة أيام، وأراد بالمصر الوطن الأصلي، وأمّا إذا لم يُتم (٥) ثلاثة أيام، فهو بمجرّد العزم إلى دخول مصره يصير مقيمًا، ويتم صلاته، وإن لم يدخل مصره، وقد ذكرناه (٦). وذكر في «المبسوط» (٧) و «المحيط» (٨): وإن [كان] (٩) خرج من مصره مسافرًا، ثم بدا له أن يرجع إلى مصره؛ لحاجة له قبل أن يسير مسيرة ثلاثة أيام صلّى صلاة المقيم في انصرافه؛ لأنّه فسخ عزيمة السّفر بعزمه على الرجوع إلى وطنه، وبينه وبين وطنه دون مسيرة السّفر، فصار مقيمًا من ساعته، بخلاف ما إذا استكمل بثلاثة أيام بسيره، ثم قرّب من مصره، وعزم الدخول، فهو على سفره ما لم يدخل، فكذلك رجل خرج من مصره مسافرًا فحضرت الصلاة فافتتحها ثم أحدث (١٠) فانتقل ليأتي مصره فيتوضأ ثم علم أن أمامه ماء، فإنه يتوضأ ويصلي صلاة المقيم، فإن تكلم صلى صلاة المسافر؛ لأنّه حين عزم على الانصراف إلى أهله، فقد صار مقيمًا؛ إذ (١١) الإقامة تلائم فعل الصلاة؛ لأنّ الإقامة ترك العمل، وذلك يلائم الصلاة، ولا ينافيها، ألا ترى أنّ المسافر إذا كان راكب سفينة، وهو يصلّي الظهر فجرت به السفينة حتّى دخل مصره أنه يتم صلاته أربعًا، ولو افتتحها في مصره في سفينة فجرت به حتّى خرجت إلى المفازة، وهو على عزيمة السّفر أنه لا يصير مسافرًا، فإذا تكلّم مقدار … حرمة الصلاة، وهو متوجه أمامه على عزم السفر، فصار مسافرًا.

стр. 954

[١٣٩/ ب] ثم إذا دخل مصره أتمّ الصلاة، وإن لم ينو المقام فيه؛ لأنّ نيّة الإقامة إنّما تعتبر لصيرورته مقيمًا في مصر غيره لا في مصر نفسه؛ لأنّ مكثه ومقامه في مصر غيره متردّد بين أن يكون لمكان السَّير وبين أن يكون للمقام فيه، فاحتيج إلى النيّة؛ ليتعيّن المكث لإقامة، فأمّا مكثه في مصره متعيّن (١) للإقامة؛ لأنّ قبل السّير كان يمكث للإقامة لا للسير، فكذا بعده، وهذا إذا/ كان المصر وطنه الأصلي، وأمّا إذا كان وطن إقامة، فلا يتمّ الصلاة بمجرد الدخول فيه بعد إنشاء السّفر، وإن لم يستكمل ثلاثة أيام بالسير على ما يجيء بيانه. قوله: ﵀ (عدّ نفسه بمكة من المسافرين) (٢) أي: قال بعد فراغه من الصلاة فإنّا قوم سفر؛ وهذا لأن الأصل أن الوطن الأصلي يبطل بمثله دون السّفر، أي: الوطن الأصلي يبطل بالوطن الأصلي، ولا يبطل بالسّفر، فيحتاج هاهنا إلى بيان الأوطان، فعبارة عامة المشايخ في ذلك: أنّ الأوطان ثلاثة: وطن أصلي وهو: مولد الرجل، أوالبلد الذي تأهّل به، ووطن سفر وقد يسمّى وطن إقامة، وهو: البلد الذي ينوي المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يومًا، أو أكثر، ووطن سكنى وهو: البلد الذي ينوي المسافر الإقامة فيه أقلّ من خمسة عشر يومًا، ثم من حكى الوطن الأصلي أن ينتقض بالوطن الأصلي؛ لأنه مثله حتّى لو انتقل من البلد الذي تأهّل به بأهله، وتوطّن ببلدة أخرى لا تبقى البلدة المنتقل عنها وطنًا له، ألا ترى أن مكة كانت وطنًا أصليًّا لرسول الله ﷺ ، ثم لمّا هاجر منها إلى المدينة بأهله وتوطّن، ثم انتقض وطنه بمكة حتّى قال عام حجة الوداع: «أتّموا صلاتكم يا أهل مكة فإنَّا قوم سفر» (٣)، ولا ينتقض هذا الوطن بوطن السّفر، ولا يوطن السّكنى؛ لأنّ كل واحد منها دونه، وكذلك لا ينتقض بإنشاء السّفر، فإنّ النبي ﷺ كان يخرج من المدينة إلى الغزوات مرارًا، ولم ينتقض وطنه بالمدينة حتّى لم يجدّد نية الإقامة بعد رجوعه، ولو كان له أهل ببلدة، فاستحدث في بلدة أخرى عن أهل [آخر] (٤) كان كلّ واحد منهما وطنًا أصليًّا له، روي: «أنّه كان لعثمان ﵁ أهل بمكة، وأهل بمدينة، وكان يُتم الصلاة بهما جميعًا» (٥)، ومن حكم وطن السّفر أنّه ينتقض بالوطن الأصلي؛ لأنّه فوقه، وينتقض بوطن السّفر؛ لأنّه مثله، وينتقض بإنشاء السّفر؛ لأنّه ضدّه، ولا ينتقض بوطن السّكنى؛ لأنّه دونه، ومن حكم وطن السّكنى أنّه ينتقض بكل شيء بالوطن الأصلي، وبوطن السّفر، وبوطن السكنى، وبإنشاء السّفر، وعبارة المحققين من مشايخنا: أن الوطن وطنان: وطن أصلي، ووطن سفر، وهو وطن الإقامة، ولم يعتبروا وطن السّكنى وطنًا، وهو الصحيح؛ لأنّه لم يثبت فيه حكم الإقامة، بل حكم السفر فيه باقٍ (٦)، فلذلك لم يذكر وطن السكنى في الكتاب بيان هذا الأصل من المسائل:

стр. 955

خراساني قدم بغداد (١) وعزم على الإقامة بها خمسة عشر يومًا، ومكيّ قدم كوفة (٢) وعزم على الإقامة بكوفة خمسة عشر يومًا، ثم خرج كلّ واحد منهما من وطنه يريد قصر ابن هبيرة (٣) فإنّهما يصليان أربعًا في الطريق وبالقصر؛ لأنها كانا متوطنين أحدهما ببغداد والآخر بالكوفة؛ ولم يقصدا مسيرة مدة السّفر؛ لأنّ من بغداد إلى كوفة مسيرة أربع ليال؛ والقصر وهو النصف؛ فكان كلّ واحد منهما قاصدًا مسيرة ليلتين؛ وبهذا لا يصير مسافرًا، فإن عزما على الإقامة بالقصر خمسة عشر يومًا صار القصر وطن سفر، أي: وطن إقامة لهما وانتقض وطنهما بكوفة وبغداد بوطن مثله، فإن خرجا بعد ذلك يريدان الكوفة صليّا أربعًا في الطريق وبالكوفة؛ لأنّهما قصدا مسيرة ليلتين من في وطنهما، فإن دخلا كوفة، وعزما على الإقامة أقلّ من خمسة عشر يومًا، ثم خرجا من الكوفة يريدان بغداد، ويمران بالقصر صلّى كل واحد منهما أربعًا إلى القصر وبالقصر، ومن القصر إلى بغداد؛ لأنّ القصر صار وطن سفر لهما، ولم يوجد ما ينقضه من الوطن الأصلي، ووطن السّفر، ولو لم ينويا المرور على القصر يقصران كما خرجا من الكوفة؛ لأنهما نويا (٤) مسيرة سفر، فلو كانا حين قدما القصر في الابتداء عزما على الإقامة بالقصر أقلّ من خمسة عشر يومًا، ثم ذهبا إلى الكوفة ليقيما بها ليلة يصليان أربعًا إلى الكوفة، فلو خرجا من الكوفة يريدان بغداد يصليّان ركعتين، وإن مرا على القصر؛ لأنّ القصر كان وطن سكنى لهما، وقد انتقض ذلك بوطن سكنى مثله بالكوفة فهما رجلان خرجا من الكوفة يريدان بغداد، وليس لهما فيما بين ذلك وطن، ولو كان كلّ واحد منهما في الابتداء حين خرج من وطنه لم ينو القصر إنما نوى وطن صاحبه؛ ليلقى (٥) به صاحبه الخراساني نوى الكوفة والمكي نوى بغداد/ فالتقيا بالقصر يصليّان ركعتين؛ لأنّ كل واحد منهما قصد مسيرة [ثلاثة أيام] (٦)، فلو ذهبا إلى الكوفة يصليّان في الطريق ركعتين، وكذلك بالكوفة، أمّا الخراساني فلأنه ماض على سفره، وأمّا المكي فلأن الكوفة كان وطن سفر له، وقد انتقض ذلك بإنشاء السّفر، فعاد (٧) مسافرًا بسفره الأصلي، وكذلك لو خرجا من الكوفة يريدان بغداد يصليان ركعتين في الطريق، وببغداد لما ذكرنا، ثم تقدّم السفر ليس بشرط الثبوت الوطن الأصلي بالإجماع، وهل يشترط لثبوت وطن السّفر، لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة في الأصل (٨).

стр. 956

[١٤٠/ أ] وذكر أبو الحسن الكرخي ﵀ في «جامعه»: أنّ فيه روايتين عن محمّد في رواية يشترط، وفي رواية لا، ومثاله بخارى: خرج من بخارى إلى بيكند (١) ونوى الإقامة بها خمسة عشر يومًا ثم خرج من بيكند يريد فربر فلما دخل فربر، بدا له أن يرجع إلى بخارى، فعلى الرواية التي يشترط تقدم السّفر؛ لثبوت وطن السّفر يصلي ركعتين في الطريق إلى بخارى؛ إذ ليس من بخارى إلى بيكند مسيرة سفر، فلم يكن (٢) بيكند وطنًا له، فهذا رجل خرج من فربر يريد بخارى، وهو مدّة سفر على أصح الأقاويل، فيصلي ركعتين، وعلى الرواية التي لم يشترط تقدّم السّفر يصلي أربعًا في الطريق؛ لأن بيكند صار وطنًا له، ولم يوجد ما ينقضه فما لم يجاوز بيكند لا يصير مسافرًا، ومن بيكند إلى بخارى أقلّ من مدّة السّفر، فلذلك يصلي أربعًا. كذا في «المحيط» (٣). وعبارة أقصر من هذا وأظهر، ما ذكر في «الإيضاح» (٤): خراساني قدم الكوفة، ونوى الإقامة بها شهرًا، ثم خرج إلى الحيرة (٥)، ونوى المقام (٦) بها خمسة عشر يومًا، ثم خرج من الحيرة يريد خراسان، ومرّ بالكوفة قال: يصلّي ركعتين؛ لأنّ وطنه بالكوفة قد بطل توطنه بالحيرة؛ لأنّه مثله، فإذا مرّ بالكوفة، وليس له بها وطن صلّى ركعتين، ولو لم يكن نوى المقام بالحيرة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة بالكوفة؛ لأنّ وطنه بالكوفة لم يبطل بالخروج إلى الحيرة؛ لأنه ليس بسفر، ولا هو مثله، فبقي كما كان، ولو أنّ خراسانيًّا قدم الكوفة ونوى المقام بها خمسة عشر يومًا، ثم ارتحل منها يريد مكة، فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة، [فعاد] (٧) قال: يقصر، ولأن وطنه بالكوفة قد بطل بإنشاء السّفر كما يبطل بوطن مثله (٨).

стр. 957

قوله ﵀: (لأن السّفر لا يُعرَّى عنه) (١) أي: عن قليل اللبث، وهذا مدلول معنى، وليس بمذكور لفظًا (٢)، فوجه هذا ما ذكره في «المبسوط» (٣)، وقال: لأن نية الإقامة ما يكون في موضع واحد فإن الإقامة ضدّ السفر، والانتقال من الأرض إلى الأرض يكون ضربًا في الأرض، ولا يكون إقامة، فلو جوّزنا نيّة الإقامة في موضعين جوّزنا فيما زاد على ذلك، فيؤدي إلى القول بأنّ السّفر لا يتحقق؛ لأنك إذا جمعت إقامة المسافر في المراحل ربّما يزيد ذلك على خمسة عشر يومًا؛ لأن إقامة المرء تضاف إلى مبيته، ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: أين تسكن؟ يقول: في محلة كذا، وهو بالنهار يكون في السوق، وكان سبب تفقه عيسى بن أبان (٤) هذه المسألة، فإنّه كان مشغولًا بطلب الحديث، قال: فدخلت مكة في أوّل العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الإقامة [شهرًا] (٥) فجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀ فقال: أخطأت، فإنّك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج، وعزمت على أنّ أصاحبه، فجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت، فإنك مقيم (٦) بمكة، فما لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، ولم ينفعني ما جمعت (٧) من الأخبار، فدخلت مجلس محمد، واشتغلت بالفقه. كذا في «المبسوط» (٨). (والمعتبر في ذلك آخر الوقت؛ لأنّه المعتبر في السببية عند عدم الأداء) (٩)، أي: لأنّ آخر [الوقت] (١٠) هو المعتبر في السببية.

стр. 958

فإن قلت: هذا عند بقاء الوقت، وأمّا إذا فات الوقت، فالوجوب يضاف إلى كل الوقت، وكلامنا فيما إذا فات الوقت (١)، وعند ذلك كان السبب، فهو كل الوقت لا آخره لزوال الضرورة الدّاعية للانتقال عن الكل إلى الجزء، فلذلك لا يجوز عصر الأمس وقت احمرار الشمس في اليوم الثاني، ولو كان الاعتبار للجزء الأخير في السببية لجاز لوجوبه ناقصًا؟. [١٤٠/ ب] قلت: ما ذكرته اعتبار لصفة الوقت في حق نفسه، وما قلناه اعتبار لصفة الوقت في حق المكلّف، وكون الوقت/ سببًا في حق المكلف على وجه التعين إنما هو آخر لا كله؛ لأنّ ذلك أوان التقرّر في ذمته دينًا وصفة الدّين إنما تعتبر حال تقرره في الذمة، كما في حقوق العباد، فإنّه إذا غصب شيئًا من ذوات القيم يجب عليه قيمته يوم غصب لا ما كان قبله؛ لأنّه دخل في ضمانه وقت الغصب، والفقه فيه أنّه لو اعتبر كل الوقت في السببية في حق المكلّف يلزم أن تجب عليه الصلاة بصفة الإقامة أربعًا، وبصفة السفر ركعتين [فيما إذا] (٢) سافر في خلال الوقت، وكذلك إذا طهرت المرأة في خلال الوقت، أو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي في خلاله كانت الصلاة دائراة بين أن يجب وبين أن لا يجب؛ لأنّ كل الوقت موصوف بذلك، وهو محال فلا يصحّ، فلذلك وجب أن يعتبر الجزء الأخير في حق المكلّف؛ لأنّ في ذلك الجزء وهو ساعة لطيفة؛ لأنّه مقدار مدة التحريمة لابدّ أن يكون متصفًا بأحد الأوصاف، وأمّا اعتبار صفة الوقت في حق نفسه بعد الفوات حتى أضيفت السببية إلى كلّ الوقت؛ ليثبت الواجب على المكلّف بصفة الكمال؛ إذ الأصل في أسباب المشروعات [الكمال] (٣) مع أنّ الضرورة قد انعدمت في حق تعيين السببية لآخر الوقت بعد الفوات فافترقا، فإن قيل (٤): يشكل على هذا ما إذا دخل المسافر في صلاة المقيم، ثم ذهب الوقت، ثم أفسد الإمام أو المقتدي صلاته على نفسه، فعلى المسافر أن يصلي صلاة السّفر ركعتين مع أنّه وجب عليه الصلاة أربعًا عند آخر الوقت بسبب الاقتداء، وعلى قياس ما ذكر في الكتاب من اعتبار وجوب الأربع حال فوات الوقت ينبغي أن لا [يجوز] (٥) بغير فرضه إلى الركعتين، كما إذا فات عن المقيم، قلنا: لم يكن مقيمًا فيها، وإنما لزمه الإتمام لمتابعة الإمام، وقد زال ذلك بالإفساد، فعاد إلى أصله، ألا ترى أنّه لو افسد الاقتداء [في الوقت] (٦) كان عليه أن يُصلي صلاة السّفر، فكذا هنا. هكذا ذكر السؤال والجواب في «المبسوط» (٧).

стр. 959

وفيه أيضًا: ثم وجوب صلاة السّفر على من سافر في آخر الوقت مذهبنا، وقال ابن شجاع (١): يصلي صلاة المقيم، وقال الشافعي (٢) ﵀: إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات، ثم خرج مسافرًا صلّى أربعًا، وهو بناء على أنّ وجوب الصلاة عندهما بأوّل الوقت، فإذا كان مقيمًا في أوّل الوقت وجبت عليه صلاة المقيمين، فلا يسقط ذلك بالسّفر، وعندنا الوجوب متعلّق بآخر الوقت؛ لأنّه مخيّر (٣) في أوّل الوقت بين الأداء، والتأخير، والوجوب ينفي التخيير، والتخيير ينفي الوجوب، ولو مات في الوقت لقي الله تعالى ولا شيء عليه، فدلّ أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت، فإذا كان مسافرًا في آخر الوقت كان عليه صلاة السّفر (٤). وقال زفر (٥): إذا خرج مسافرًا، وقد بقي من الوقت مقدار ما يمكنه أن يصلى فيه صلاة السفر يصلي صلاة السّفر، وإن كان الباقي من الوقت دون ذلك صلى صلاة المقيم؛ لأنّ التأخير لا يسعه إلى وقت لا يتمكن [من] (٦) أداء الصلاة فيه في الوقت، ولكنّا نقول: جزء من الوقت بمنزلة جميعه. ألا ترى أن إدراك جزء من الوقت، وإن قلّ سبب لوجوب الصلاة، فوجود السّفر في ذلك الجزء كوجوده في جميع الوقت، والدليل عليه: أن الصلاة لا تصير دينًا في ذمّته إلا بخروج الوقت، فإذا صار مسافرًا قبل أن يصير [دينًا في ذمته صلّى صلاة المسافر، وإذا صارت دينًا في ذمّته بخروج الوقت قبل أن يصير] (٧) مسافرًا لا يتغيّر ذلك بالسّفر، ويعتبر جانب السّفر بجانب الإقامة، فإنّه لو دخل مصره قبل فوت الوقت صلّى صلاة المقيمين، وإن كان الباقي من الوقت شيئًا يسيرًا، فكذلك في جانب السّفر (٨).

стр. 960

وذكر شيخ الإسلام: قول الشافعي مثل قول زفر ﵀، فقال: وقال الشافعي (١): إن سافر في آخر الوقت نظر إن بقي من الوقت مقدار ما لا يسع لأداء أربع [ركعات] (٢)، فإنّه يصلي صلاة المقيم (٣). [١٤١/ أ] وذكر في «الخلاصة الغزالية» ما يوافق ما ذكره شيخ الإسلام، وعلى قولنا: إذا بقي من الوقت مقدار ما يسع للتحريمة فسافر، فإنّه يصلي صلاة المسافر، وحاصل الخلاف يرجع إلى أن سبب الوجوب عنده جزء من الوقت القائم/ مقدار ما يسع لأداء الصلاة كلها، وعندنا سبب الوجوب جزء قائم يسع للتحريمة، وعلى هذا الأصل هذا الخلف (٤)، والثاني: أنّ الكافر إذا أسلم في آخر الوقت، وقد بقي من الوقت ما يسع للتحريمة، فإنه يلزمه الصلاة عندنا، وعند الشافعي لا يلزمه إلا أن يكون الباقي ما يسع لأداء الصلاة كلها، وعلى هذا بلوغ الصبي، وطهارة الحائض، واحتج علماؤنا بأنّه أدرك من الوقت ما يصلح سببًا لوجوب الأداء، فيلزمه الصلاة، أو يتغيّر فرضه متى سافر قياسًا على ما لو أدرك من الوقت مقدار ما يسع للأداء؛ وذلك لأنّه لما كان قادرًا على أداء التكبير في الوقت لزمه أداء التكبيرة، وإذا لزمه ذلك يلزمه الباقي؛ لأنه لا صحّة للتكبيرة إلا بالباقي، فيلزمه الباقي ضرورة كمن نذر بالصلاة لزمه الطهارة، وجميع الشرائط ضرورة، وهذا بخلاف ما لو أسلم في رمضان بعد طلوع الفجر، فإنه لا يلزمه القضاء لما أن القضاء يبتني على الأداء، فمتى وجب عليه الأداء لزمه القضاء، وفي باب الصوم لم يجب عليه الأداء لا كله ولا بعضه؛ لأنّ ما قدر عليه لا يتصوّر قربة بدون ما مضى، وإذا لم يتصوّر قربة بدون ما مضى لم (٥) يجب عليه، وإذا لم يجب عليه شيء من الأداء لم يلزمه القضاء، فأمّا هاهنا ما قدر عليه من التحريمة قربة في نفسها، وقد أمكنه إتمامها بالباقي فيلزمه، فالشافعي ﵀ نظر إلى ما عجز عن أدائه في الوقت، فقال: ما عجز عن أدائه في الوقت ساقط عنه، وإذا سقط ما عجز عن أدائه في الوقت سقط ما قدر عليه؛ لأنّه بدون ذلك لا يكون قربة كما قال فيمن شرع في التطوّع لا يلزمه المضيّ؛ لأن ما لم يشرع لم يجب عليه، وما شرع فيه لا يكون قربة بدونه، فلا يلزمه الإيفاء بالمضي، وعلماؤنا نظروا إلى ما قدر عليه، فقالوا: ما قدر عليه من الأداء في الوقت يجب عليه؛ لقدرته (٦) على الأداء في الوقت، وإذا لزمه ذلك، ولا صحة له إلا بالباقي لزمه، كما قالوا فيمن شرع في التطوّع لزمه المضي؛ لأنّه لزمه ما شرع فيه؛ لوجود سبب الوجوب، وهو المباشر له، فلزمه الباقي؛ لأنه لا يبقى صحيحًا إلا بالباقي، فكان فيما قلنا عمل بالاحتياط، لإيجاب العبادة (٧).

стр. 961

قوله: (وقال الشافعي ﵀ سفر المعصية لا يفيد الرخصة) (١)، وذلك كمن سافر بنيّة قطع الطريق، أو البغي على الإمام العدل، وكذلك المرأة إذا حجت من غير محرم، والعبد إذا أبق من مولاه، وعندنا يترخّص هؤلاء بُرخص المسافرين، وغيرها من قصر الصلاة، وإباحة الإفطار، وجواز الصلاة المكتوبة على الراحلة إذا أفاق، وجواز استكمال مدّة المسح على الخفين، وجواز أكل الميتة عند الضرورة. احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٢)، (٣) ولأنه لما سافر للبغي، أو القطع صار ابتداء خروجه معصية؛ لأنه نوى معصية، وهي التي أخرجته، فصارت المعصية مضافة إلى السّفر كحكمه، والمعاصي لا تصير اعتذار لإثبات الرخص، ألا ترى أن زوال العقل عذرًا لإسقاط ضرورة الخطاب، ومتى كان بسبب السكر لم يسقط به خطاب، وكذلك خوف العدو عذر لإقامة صلاة الخوف، وقطاع الطريق متى خافوا إمام العدل لم يُحل لهم صلاة الخوف؛ لأنّهم خافوا بسبب هو معصية، ويعتبر هذا الخروج بضدّه، فإن من خرج للحج صار ابتداء خروجه طاعةً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤)، ففي ضدّه إذا خرج إلى معصية يصير الخروج معصية، وللمعاصي لا تثبت الرخص كما ذكرنا، ولنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، (٦) علق رخصة الإفطار بنفس السّفر، فزيادة قيدان لا يكون باغيًا، أو قاطع طريق يجري مجرى النسخ على ما عرف، وكذلك قوله تعالى في إباحة الميتة: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٧).

стр. 962

[١٤١/ ب] وقوله ﷺ في قصر الصلاة: «فرض لمسافر ركعتان من غير فصل» (١)، وقال في استكمال مدة المسح: «يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام» (٢)، وأمّا الجواب عن تأويل الآية، فإن تأويلها فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد، أي: زائد على ما يُسدّ به رمقه، ويدفع ضرورته، فإنّ الله تعالى لا يؤاخذه بذلك، فيكون غير باغ صفة للأكل لا للمضطر، والدليل عليه: أن الغفران لا يليق/ بالاضطرار فإنّه في نفسه عذر لا ارتكاب محظور، والغفران في مقابلة ارتكاب محظور بعُذر، وذلك في الأكل عند الضرورة لا بمقابلة الاضطرار نفسه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (٣) أي: فحلق ففدية (٤)؛ لأن الكفارة لا تجب بالعذر، بل بالحلق بسبب العُذر (٥). وأمّا الجواب عن المعنى: أن هذه رخصة علّقت (٦) بصيرورة الخُطى سفرًا لا بنفس الخُطى، فإن من طاف جميع الدنيا لا يقصد مكانًا يصلح للسّفر لا يصير مسافرًا، ثم علينا أن يتأمّل أن خُطاه صارت سفرًا بأيّ نيّة نيته الإغارة والبغي أم بنيته مكانًا عند الإغارة، فتأمّلنا فوجدنا أنّه صار مسافرًا عند نقل الخطى بقصده مكانًا عيّنه بعيدًا عنه؛ لأنه لو قصد ذلك [المكان] (٧) بلا قصد الإغارة صار مسافرًا، ولو قصد الإغارة بدون قصد مكان بعيد لم يصر مسافرًا، وإن طاف الدنيا بهذا القصد، فكانت خطاه معصيته، فلما وجد القصد أن في مسألتنا هذه جعلنا الخطى سفرًا بقصده المكان البعيد، وألغينا قصد الإغارة في جعل الخطى [سفرًا؛ لأنه لا تأثير فيه على ما بيّنا، فاعتبرنا قصد الإغارة في جعل الخطى] (٨) معصية لا في جعلها سفرًا لما بيّنا أن الخطى، وإن كثرت تحتمل الانفصال عن صفة السّفر، وكذلك إذا خرج للحج ينقلب الخُطى طاعة، ولا يصير سفرًا بالطّاعة، بل لقصده مكة لا غير، وكذلك في طرف المعصية، ولا يتغيّر أحكام السّفر بنية الطّاعة، وكان بمنزلة من غصب خفًّا، ولبس ترخص بالمسح؛ لأن المعصية في الغصب دون ما يسقط به غسل الرجل من استتارها بالخف، وكذلك يجوز الصّلاة في أرض مغصوبة؛ لأنّ الغصب ليس بالصلاة، وإن وجد مع الصلاة، بخلاف زوال العقل بالسُّكر؛ لأن السكر حدث من شربه، وشرب ما يسكره حرام، فلو قلنا: بعذره لسقوط الخطاب عنه يلزم إضافة العذر إلى الحرام؛ لأنّه هو العلة فيه بخلاف نيّة الإغارة، فإنّها لسيت بعلة للرخصة على ما بيّنا، وكذلك الخوف لحقه بسبب معصية في سفره لا بسفره، فلو قلنا بجواز صلاة الخوف في حقّه كانت المعصية هي المجوّزة لصلاة الخوف، وذلك لا يجوز، وكذلك ضرورة الجوع قط لا يقع بسبب بغيه، بل بالمكان القفر الخالي عن الطعام، ولا تأثير للبغي في جعل المكان قفرًا، ولا [في] (٩) إثارة الجوع. كذا في «الأسرار» (١٠).

стр. 963

وذكر في «الإيضاح» (١): ولنا أن السّفر إنما صار مبيحًا لمشقة تلحقه من نقل الأقدام، والغيبة عن الوطن، وهذا لا خطر فيه، وإنما الخطر فيما يكون بعد انقطاع السّفر، فجرى ذلك مجرى المقصود لا مجرى معنى الفعل؛ لأن معنى الشيء ما يأتي مع الصورة، وثمرة الشيء تكون بعد تمام الصورة، فيثبت أن الفساد هنا لمعنى راجع إلى المقصود، وذلك مما يقبل الفصل عنه، فبقي السّفر من حيث إنه يفيد الرخصة مباحًا (٢) لا خطر فيه (٣). قوله ﵀ (ولنا إطلاق النصوص) (٤)، وهي النصوص التي ذكرناها، وإنّما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة، أو يجاوزه، كما في الإباق (٥)، فصلح متعلّق الرخصة بفتح لام متعلّق، أي: موضع تعلّق الرخصة؛ [لأنه] (٦) لما لم يكن معصية في ذاته، وهو نقل الخطوات إلى مكان بعيد صلح أن يكون مثبت الرخصة؛ لأنه ليس بمعصية في نفسه بهذا الاعتبار، [والله أعلم] (٧)، (٨). باب صلاة الجمعة تناسب مضموني البابين من حيث إن كلًّا منهما يتصّف بواسطة، فالأوّل بواسطة السّفر، والثاني بواسطة الخطبة إلا أن الأوّل شامل في كل ذوات الأربع، والثاني خاص في الظهر، والخاص بعد العام، وجودًا؛ لأن التخصيص لا يكون إلا بعد التعميم، ذكر في «المغرب» (٩): الجمعة من الاجتماع، كالفرقة من الافتراق أضيف إليها اليوم والصلاة، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف، وجمعت، فقيل: جمعات، وجمع. اعلم: أن الجمعة فريضة محكمة لا يسع (١٠) تركها، ويُكفر جاحدها تثبت فرضيتها بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى (١١). [١٤٢/ أ] أمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١٢)، والمراد من ذكر الله: الخطبة، والأمر للوجوب (١٣)، وإذا افترض السعي إلى الخطبة التي هي شرط/ جواز الجمعة، فإلى أصل الجمعة كان أوجب، ثم أكدّ الوجوب بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١٤)، فحرّم البيع بعد النداء، وتحريم المباح من الله تعالى لا يكون إلا لأمر واجب.

стр. 964

والسُنّة: حديث جابر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وتقربوا إلى الله بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا، وتحببوا إليه بالصدقة في السر والعلانية تجبروا، وتنصروا، وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى كتب عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها تهاونًا، واستحفافًا بحقها، وله إمام جائر أو عادل ألا فلا جمع الله شمله، ألا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صوم له إلا أن يتوب، فمن تاب تاب الله عليه» (١)، وفي حديث ابن عباس، وابن عمر ﵄ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ على أعواد منبره يقول: «لينتهين أقوام عن ترك الجمعة أو ليختمن على قلوبهم، وليكونن من الغافلين» (٢). وأجمعت الأمة على فرضيتها (٣)، وإنما اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت على ما يجيء، وأمّا المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة، ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض هو آكد، وأولى منه فدلّ هذا على أنّ الجمعة آكد من الظهر في الفرضية. كذا في «المبسوطين» (٤). ثم شرائط لزوم الجمعة اثنا عشر؛ ستة في نفس المصلى، وستة في غير نفس المصلى أما التي في نفسه الحرية، والذكورة، والإقامة، والصحة، وسلامة الرجلين، والبصر، وقالا: إذا وجد الأعمى قائدًا يلزمه؟ قلنا: هو غير قادر بنفسه كالزمن (٥) إذا وجد من يحمله.

стр. 965

وأمّا الستة التي هي في غير نفسه، فالمصر: الجامع، والسلطان، والجماعة، والخطبة، والوقت، والإظهار حتّى إنّ الوالي لو أغلق باب المصر، وجمّع فيه بحشمة، ولم يأذن للناس بالدخول لم يجز. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (١). (وقاضٍ ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود، وذكر إقامة الحدود) (٢) مع أنها تستفاد هي عن قوله: (يُنفذ الأحكام) لزيادة خطرها، وعُلو شأنها؛ إذ لا تقام هي بدليل فيه شبهة حتى لم يثبت الحدود، والقصاص بالشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي، وشهادة النساء، ولأنّه لا يلزم من جواز تنفيذ الأحكام جواز إقامة الحدود، فإنّ المرأة إذا كانت قاضية يجوز قضاءها في كل شيء من الأحكام، ولا يجوز في الحدود، والقصاص، وكذلك حكم المحكم لا يصح في الحدود (٣)، والقصاص (٤)، ويصحّ في غيرهما إلا أنّه اكتفى هنا بذكر الحدود عن [ذكر] (٥) القصاص؛ لأنهما يقربان في عامّة الأحكام، فكان ذكر أحدهما مغنيًا عن ذكر الآخر (٦). (وعنه أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم) (٧) أي: إذا اجتمع من يجب عليهم الجمعة لا كل من يسكن في ذلك الموضع من الصبيان، والنسوان، والعبيد (٨)؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (٩) هذا القول منسوبًا إلى ابن شجاع (١٠)، [وقال: قال ابن شجاع ﵀] (١١) أحسن ما قيل فيه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم ذلك، حتّى احتاجوا إلى بناء مسجد آخر للجمعة، فهذا مصر جامع يقام فيه الجمعة، وإنما يكون هذا [لاحتياج أهل المصر غالبًا] (١٢) الاحتياج غالبًا عند اجتماع من عليه الجمعة؛ لأنّهم هم الذين يجتمعون عادة لا كل من يسكن في ذلك الموضع، وعن أبي يوسف ﵀ رواية أخرى غيرها بين الروايتين، وهي كل موضع يسكن فيه عشرة آلاف، [ولا يكون الموضع مصرًا في ظاهر الرواية إلا أن يكون فيه مفتي، وقاض يقيم الحدود، وينفذ الأحكام، وبلغت أبنيته أبنية «فتاوى قاضي خان»] (١٣) نفر، فكان عنه (١٤) ثلاث روايات (١٥).

стр. 966

وقال سفيان الثوري (١): المصر الجامع ما يعده الناس مصرًا عن ذكر الأمصار [المطلقة] (٢) كبخارى أو سمرقند (٣)، فعلى هذا القول لا يجوز إقامة الجمعة بكرمنية، وكشانية (٤) (٥). وقال بعض مشايخنا: أن يتمكن كل صانع أن يعيش بصنعته فيه، ولا يحتاج فيه إلى التحول إلى صنعة أخرى، ولكن ظاهر المذهب في بيان حدة ما ذكر في الكتاب أولًا، ثم في كل موضع وقع الشك في كونه مصرًا، وأقام ذلك الموضع ينبغي لأهل ذلك الموضع أن يصلّوا بعد الجمعة أربع ركعات، وينوون بها الظهر احتياطًا حتّى إنه لو لم تقع الجمعة موقعها يخرجون عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر بيقين، وهذا الذي ذكرنا من أن المصر من شرائط صلاة الجمعة مذهبنا، وقال الشافعي: المصر ليس بشرط، بل كلّ قرية يسكنها أربعون من الرجال الأحرار لا يظعنون عنها شتاء، ولا صيفًا يقام بهم الجمعة فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦)، [وأحسن ما قيل فيه: إنه إذا كان يوجد فيه حوائج الدين، وهو القاضي المفتي، والسلطان، ويوجد فيه عامة حوائج الدنيا، فهو مصر جامع، وإلا فلا. [١٤٢/ ب] كذا قاله فخر الإسلام ﵀] (٧)، (٨) / من غير فصل، ولما رُوي أنّ أوّل جمعة جُمعت في الإسلام بعد المدينة [جُمعت] (٩) بجوثاء (١٠)، وهي قرية من قرى عامر بن عبد القيس بالبحرين (١١)، وكتب أبو هريرة إلى عمر ﵄ يسأله عن الجمعة بجوثاء، فكتب [إليه] (١٢) «أن جمّع بها، وحيث ما كنت» (١٣)، ولنا قوله ﷺ : «لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع» (١٤)؛ ولأن الصحابة ﵃ حين فتحوا الأمصار والقُرى ما اشتغلوا بنصب المنابر، وبناء الجمع إلا في الأمصار والمدن، وذلك اتفاق منهم على أنّ المصر من شرائط الجمعة، والآية ليست بحجة؛ لأن المكان مضمر فيها بالإجماع حتى لا يجوز إقامة الجمعة في البوادي بالإجماع، فنحن نضمر المصر (١٥)، وهو يُضمر القرية، وتسميته جمعة يُرجح قولنا؛ لأنها جامعة للجماعات حتى [وجب] (١٦) نبذ الجماعات يوم الجمعة، وفي قرية يسكنها أربعون رجلًا لا يتصوّر جمع الجماعات، فإنّ جماعتهم واحدة (١٧).

стр. 967

وأمّا جوثاء فهي مصر بالبحرين، وتسمية الراوي إياها بالقرية لا ينفي ما ذكرنا؛ لأن اسم القرية ينطلق على البلدة قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ (١)، والمراد به: مكة (٢)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٣)، (٤) ومعنى قول عمر: «حيث ما كنت» (٥) أي: ممّا هو مثل جوثاء من الأمصار، والحكم غير مقصور على المصلَّى، بل يجوز في جميع أفنية المصر (٦). وفي «المحيط» (٧): اختلف الناس في تقدير فناء المصر فقدّره محمد في «النوادر» بالغلوة، وفارسيّته لك تقديرها. وفي «المغرب» (٨): الغلوة قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقدّر أبو يوسف الفناء بميل أو ميلين، فإنّه روي عنه لو أنّ إمامًا خرج من المصر مع أهل المصر لحاجة له قدر ميل أو ميلين، فحضرته الجمعة، فصلّى بهم الجمعة أجزأه. وهذا بخلاف المسافر، فإنّه إذا خرج عن عمران المصر يقصر الصلاة، ولم يلحق بناء المصر بالمصر في حقّه، وقد ذكرناه في باب المسافر، وقدّر بعضهم الفناء بمنتهى حدّ الصوت إذا صاح في المصر، أو أذّن مؤذّنهم، فمنتهى صوته فناء المصر (٩). وقدّر شيخ الإسلام، وشمس الأئمة السرخسي -رحمهما الله- الفناء بالغلوة اتباعًا لما ذكره محمد ﵀ في «النوادر»، ويجوز بمنًى إلى أن قال: أو كان الخليفة مسافرًا قيّد بكونه مسافرًا إمّا (١٠) للتنبيه على أنّه لو كان مقيمًا كان الجواز بالطريق الأولى، كما أن المسافر لا جمعة عليه، وإمّا لنفي الشبهة، وهي أنّ الخليفة إذا كان مسافرًا لا يقيم الجمعة كما [إذا] (١١) كان أمير الموسم مسافرًا، فذكره ليُعلم أن حكم الخليفة على خلاف أمير الموسم (١٢). وفي «المحيط» (١٣): وإنما تجوز الجمعة بمنًى عندهما إذا كان ثمة أمير مكة، أو أمير الحجاز (١٤)، أو الخليفة أمّا أمير الموسم فإن استعمل على مكة يقيم الجمعة بمنًى عندهما أيضًا، وإن لم يستعمل على مكة إنما استعمل على الموسم لا غير، فإن كان من أهل مكة يقيم الجمعة بمنًى عندهما أيضًا، وإن لم يكن من أهل مكة لا يقيم الجمعة عندهما أيضًا، ولهما في ذلك طريقان:

стр. 968

أحدهما: أن منًى من فناء مكة، فإنّه من الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) سماه باسم الكعبة؛ [لكونه] (٢) تبعًا لها لما أنّ الهدايا، والضحايا لا تنحر بمكة، بل بمنًى دل ذلك على أنه في حكمها (٣)، وفي فنائها [يجوز] (٤)، وإقامة الجمعة كما تجوز في المصر تجوز في فنائه، أما عرفات فليست من فناء مكة، بل هي من الحل، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ (٥). والثاني: [أن] (٦) منًى يتمصّر في أيام الموسم لاجتماع شرائط المصر من السلطان، والقاضي، والأبنية، والأسواق، قيل: إن فيها ثلاث سكك إلا أنها لا تبقى مصرًا بعد انقضاء الموسم، وبقاؤها مصرًا بعد ذلك ليس بشرط؛ لأن الناس باشرهم على شرف الرحيل من دار الفناء إلى دار البقاء، أمّا عرفات فمفازة ليس فيها بناء فلا يأخذ حكم المصر، لكن يشترط أن يكون الإمام مقيمًا [مكيًّا] (٧) له ولاية على مكة نحو الخليفة، وهذا اللفظ دليل على أنّ الخليفة -أو السلطان- إذا كان يطوف في ولايته كان عليه الجمعة في كل مصر يكون في يوم الجمعة؛ لأن إقامة غيره بأمره تجوز فإقامته أولى، وإن كان مسافرًا كذا في «الفوائد» (٨)، و «الجامع الصغير»» لقاضي خان (٩). وذكر في «المحيط» (١٠): ومن المشايخ من قال: إنّ عندهما إنما يجوز أداء الجمعة بها؛ لأنها من أفنية مكة، وهذا فاسد إلا على قول من يقدّر فناء المصر بفرسخين؛ لأن بين مكة ومنى فرسخين. وقال محمد في الأصل: إذا نوى الإقامة بمكة ومنى خمسة عشر يومًا لا يصير مقيمًا، فعلم بهذا أنهما موضعان، إنما الصحيح ما قلنا: بأن منى يتمصّر في أيام الموسم (١١). [١٤٣/ أ] قوله: (وعدم التعييد للتخفيف) (١٢) أي: لا/ يصلي فيه صلاة العيد بالاتفاق لا لعدم المصرية، بل لاشتغال الحاج بأعمال المناسك من الرمي، والذبح، والحلق في ذلك اليوم، فوضع عنهم صلاة العيد، بخلاف الجمعة؛ لأنه لا يتفق كل سنة يوم الجمعة في أيام الرمي بمنى بخلاف صلاة العيد؛ لأنها لو شرعت كانت في كل سنة، ولا يجوز إقامتها إلا للسلطان أو لمن أمره السلطان، وهو الأمير أو القاضي، والمراد من السلطان الخليفة؛ لأنه أراد به الوالي الذي ليس فوقه والٍ، وهو الخليفة، وبدليل موضع النزاع (١٣)، فإنّه ذكر في «المحيط» (١٤)، وغيره: وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: السلطان ليس بشرط حجته في ذلك ما روي: «أن عثمان ﵁ حين كان محصورًا صلّى عليّ ﵁ الجمعة بالناس» (١٥)، ولم يُرو أنه صلّى بأمر عثمان، ولأنّها مكتوبة كسائر الصلوات [المكتوبات] (١٦)، فلا يشترط لإقامتها السلطان كسائر الصلوات، ولنا قوله ﷺ : «أربع إلى الولاة» (١٧) ذكر من جملتها الجمعة، والعيدين.

стр. 969

وفي حديث جابر ﵁ قال: «من تركها استخفافًا بها، وله إمام عادل أو جائر» (١) إلى آخره، وقد ذكرناه ألحق الوعيد الشديد بترك الجمعة بشرط أن يكون له إمام، والمراد به: السلطان؛ لأنه وصفه بالعدل، والجور؛ وذلك إنما يتحقق من السلطان، ولأنّ النّاس يتركون الجماعات لإقامة الجمعة، فلو لم يشترط فيها السلطان أدّى إلى الفتنة؛ لأنه يسبق بعض الناس إلى الجامع، فيقيمونها لعرض (٢) لهم، ويفوت على غيرهم، وفيه من الفتنة ما لا يخفى فيُجعل مفوّضًا إلى الإمام الذي، فُوّض إليه أحوال الناس، والعدل بينهم؛ لأنه أقرب إلى تسكين الفتنة، والاحتجاج بحديث علي ﵁ لا يصح؛ لأنه يحتمل أنّه فعل ذلك بإذن عثمان ﵁، والمحتمل لا يصلح حجة، ولو فعل بغير إذنه إنّما فعل؛ لأن الناس اجتمعوا عليه، وعند ذلك يجوز؛ لأن الناس احتاجوا إلى إقامة الفرض فاعتبر إجماعهم. (وقد يقع في غيره) (٣) أي: في غير أمر التقدّم، والتقديم من أداء من (٤) سبق إلى الجامع كما ذكرنا، ومن الأداء في أوّل الوقت، وآخره، ومن (٥) نصب الخطيب (٦). قوله: (ومن شرائطها الوقت) (٧)، وهو وقت الظهر لما رُوي أن النبي ﷺ ما بعث (٨) مصعب بن عمير ﵁ (٩) إلى المدينة قبل هجرته قال له: «إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» (١٠)، والذي روى: «أن ابن مسعود ﵁ أقام الجمعة ضُحًى» (١١) معناه: بالقرب منه، ومقصود الراوي: أنّه ما أخّرها بعد الزّوال، وكان مالك ﵀ (١٢) - يقول: بجواز (١٣) إقامتها في وقت العصر بناء على مذهبه في تداخل الوقتين. كذا في «المبسوط» (١٤).

стр. 970

قوله: (ولا يبنيه عليها) (١)، أي: ولا يبني الظهر على الجمعة؛ لأنهما مختلفان بدليل تخيّر العبد إذا أذن له مولاه بأن يُصلي الجمعة بين أن يصلي الظهر، أو الجمعة مع تعيّن يُسر العلة في الجمعة، ولو لم يكونا مختلفين لما خيّر العبد كما في جناية المدبّر (٢) حيث يجب الأقل على مولاه من الأرش، ومن القيمة من غير اختيار لاتحادهما في المالية، وقد ذكرنا في باب صفة الصلاة أنّ الفرض لا يبنى على تحريمة فرض آخر على أصحّ الروايات (٣). (ومنها الخطبة) (٤) أي: من الشرائط الخطبة، فإن قيل الخطبة ركن ليست بشرط؛ لأنها أقيمت مقام ركعتين، والركعتان من الظهر ركن لا شرط، فكذا ما قام مقامه، وفائدة هذا: أنها هل تتأدى بدون الطهارة أم لا؟ ولأنه لو كان شرطًا؛ لشرط قيامه [حال الأداء] (٥) كالطهارة، وستر العورة (٦). ولا يشترط قراءة الخطبة حالة الأداء، قلنا: إن الخطبة شرط، وليست بركن؛ لأن صلاة الجمعة لا توجد بالخطبة، وإنما توجد بأركانها، والدليل على أنها ليست بركن أنّه لم يشترط لإقامتها سائر الشرائط، فإنّها تتأدى مستدبر القبلة، فدلّ أنها شرط كالطهارة، وستر العورة (٧). وأمّا قوله: (لو كانت شرطًا؛ لكان يراعي قراءة الخطبة حالة الأداء) قلنا: الشرط كون الخطبة مؤدّاة بالقراءة لا القراءة حالة الأداء كما في الطّهارة الشرط حصول الطهارة لا فعل يحصل به الطهارة حالة الأداء، فكذا هذا هكذا (٨) السؤال والجواب، شيخ الإسلام ﵀ (٩). وفي «المبسوط» (١٠): وقال بعض مشايخنا: الخطبة تقوم مقام ركعتين، ولهذا لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، والأصح: أنّها لا تقوم مقام شطر الصلاة، فإنّ الخطيب لا يستقبل القبلة عند أدائها، ولا يقطعها الكلام، ويعتدّ بها إن أدّاها، وهو محدث أو جنب، وبه (١١) يتبيّن ضعف قول من يقول: إنّها بمنزلة شطر الصلاة؛ لأن النبي ﷺ ما صلاها بدون الخطبة في عمره.

стр. 971

[١٤٣/ ب] فإن قلت:/ هذا لا يدل على أنها شرط الجواز، فإن النبي ﷺ كما لم يُصل الجمعة بدون الخطبة كذلك لم يُصل صلاة أيضًا بدون رعاية سننها كرفع اليد عند التحريمة، والتكبير عند كل خفض، ورفع، وغيرهما حيث لم ينقل أحدًا أنه ﷺ ما رفع اليد عند التحريمة، ولا ترك التكبير عند الخفض، والرفع، ولم يدل ذلك على أنّها شرط الجواز فكذا هنا؛ لأنه ﷺ كما كان يواظب على الفرائض، فكذلك يواظب على الواجبات، والسنن. قلت: بينهما فرق؛ وذلك لأن سقوط الظهر بالجمعة مع أنّ الظهر أربع ركعات، والجمعة ركعتان عرف، بخلاف القياس شرعًا، وفي مثله يراعي ما ورد به النصّ، والشرع ما أقام الجمعة مُقام الظهر إلا بهذه الشرائط، فلا تصير مثلًا لها إلا بهذه الشرائط، ولو جاز لفعلها مرّةً بغير الخطبة تعليمًا للجواز لإزالة الشبهة، وأمّا الرّفع عند التحريمة، فلإعلام الأصم بالشروع، فإنّ غالب أحواله ﷺ كان على الإمامة، وكذلك التكبير عند كل خفض، ورفع لإعلام الانتقال من ركن إلى ركن، وما كانت شرعيته لإعلام غيره لا يكون شرط الجواز في نفسه كالأذان، وجهر التكبيرات، ولأن المراد من الذكر في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) إنما هو الخطبة، وقد فرض السعي إلى الجمعة، والذكر (٢)، فدلّ على أنه لابدّ منها. كذا ذكره شيخ الإسلام (٣). (ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة) (٤) هذه القعدة عندنا للاستراحة، وليست بشرط، وقال الشافعي ﵀: إنها شرط حتى لا يكتفي عنده بالخطبة الواحدة، وإن طالت، ولنا حديث جابر بن سمرة ﵁ (٥): «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا خطبة واحدة، فلما أسن جعلها خطبتين يجلس بينهما جلسة» (٦)، ففي هذا دليل على أنّه يجوز الاكتفاء بالخطبة الواحدة، وعلى أنّ الجلسة بينهما للاستراحة لا للشرط خلافًا للشافعي ﵀. كذا في «المبسوط» (٧).

стр. 972

ولفظ "التوارث" إنما يستعمل في أمر له خطر، وشرف، يقال: توارثوا المجد كابرًا عن كابر، أي: كبيرًا في العزّ، والشرف، وقيل: هو حكاية العدل عن العدل؛ لأن القيام فيهما متوارث؛ لما روي أنّ ابن مسعود لما سئل عن هذا؟ فقال: «ألست تتلو قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١) كان رسول الله ﷺ يخطب قائمًا حين انفض عنه الناس بدخول العير المدينة» (٢)، وهكذا جرى التوارث، والذي رُوي عن عثمان: ﵁ «أنّه كان يخطب قاعدًا» (٣) إنّما فعل ذلك لمرض أو كبر في آخر عمره. كذا في «المبسوط» (٤). (فيستحبّ فيها الطّهارة كالأذان) (٥) أي: الطهارة عن الجنابة، والحدث، ثم وجه التشبيه بالأذان هو أنّ الخطبة ذكر لها شبه بالصلاة من حيث إنها أقيمت مقام شطر الصلاة، ويُقام بعد دخول الوقت، والأذان أيضًا ذكر له شبه بالصلاة من حيث إنه دعا لها، ويقام بعد دخول الوقت، ولا يقال: ليس بينهما مشابهة، بل بينهما مخالفة، فإن أذان الجنب يستحبّ فيه الإعادة ظاهرًا، ولم يذكر إعادة خطبة الجنب هاهنا؛ لأنّا نقول لا فرق بينهما في الحقيقة غير أنّ الأذان لا يتعلق به حكم الجواز، فذكر استحباب الإعادة، والخطبة يتعلّق بها حكم الجواز، فذكر الجواز هاهنا، واستحباب الإعادة هاهنا، كهو في الأذان (٦). كذا في «المبسوط» (٧). وذكر شيخ الإسلام في «المبسوط» فقال: ثم لم يذكر في الكتاب أنّه هل يعيد الخطبة أو (٨) لا؟. وذكر في «نوادر أبي يوسف»: أنه يعيدها، وإن لم يعدها جاز؛ لأنه ليس من شرط استقبال القبلة، بخلاف الأذان فإنّه يعيد؛ لأن الأذان أشبه بالصلاة من الخطبة (٩). ألا ترى أنّ الأذان شرع مستقبل القبلة بخلاف الخطبة، ولكنه يكون مسيئًا إذا تعمّد ذلك؛ لأنها بشبه الصلاة، ولأنّ فيه دخول المسجد جنبًا، وهو مكروه، ولو خطب قاعدًا، وعلى غير طهارة جاز لحصول المقصود، وهو الذكر، والوعظ.

стр. 973

[١٤٤/ أ] وعند أبي يوسف ﵀ لا يجوز بدون الطهارة، وهو قول الشافعي؛ لأن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة حتى لا يجوز أداؤها إلا في وقت الصلاة، وفي الأثر: «إنما قصرت الجمعة (١) لمكان الخطبة» (٢)، فكما يشترط الطهارة في الصلاة فكذلك في الخطبة، ولنا أن الخطبة ذِكر، والمحدث والجنب لا يمنعان عن ذكر الله/ تعالى ما خلا قراءة القرآن في حق الجنب، وليست الخطبة نظيرة الصلاة، ولا بمنزلة شطرها بدليل: أنها يؤدّي غير مستقبل القبلة، ولا يفسدها الكلام، وتأويل الأثر أنّها في حكم الفوات كشطر الصلاة، لا في اشتراط شرائط الصلاة فيها. كذا في «المبسوط» (٣). وفي جواز الخطبة قاعدًا يخالفنا الشافعي، وحاصله: أنّ الشافعي يشترط الخطبتين، ويقول: [القيام] (٤) فيهما فريضة عند القدرة، والجلسة بينهما فريضة، وفي الأولى أربع فرائض: التحميد، والصلاة على الرسول ﷺ ، والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، وكذلك في الثانية إلا أنّ الدعاء في الثانية بدل قراءة الآية في الأولى. كذا في «الخلاصة الغزالية» (٥). (فإن اقتصر على ذكر الله جاز عند أبي حنيفة ﵀) (٦)، وهذا الإطلاق يقتضي أن يجوز بمجرد قول الله من غير قرآن ذكر شيء به كالحمد، وسبحان الله؛ لأنه ذكر الله (٧)، ولكن الرواية في «المبسوط» (٨)، وغيره: أنّه إذا خطب بتسبيحة واحدة، أو بتهليل، أو بتحميد أجزاه في قوله. وذكر في «المحيط» (٩): يجزئ في الخطبة قليل الذكر نحو قوله: الحمد لله، و [نحو قوله] (١٠): سبحان الله. وفي «المبسوط» (١١): إلا أن الشرط عند أبي حنيفة ﵀ أن يكون قوله: الحمد لله على قصد الخطبة حتى إذا عطس، فقال: الحمد لله يريد الحمد على عطاسه لا ينوب عن الخطبة، وقالا: لابدّ من ذكر طويل يسمّى خطبة، قال القاضي الإمام أبو بكر الزرنجري (١٢): [أقلّ] (١٣) ما يسمّى خطبة عندهما مقدار التشهّد من قوله: التحيات لله … إلى قوله: عبده ورسوله (١٤).

стр. 974

وفي «التجنيس» (١): مقدار الجلوس بين الخطبتين عند الطحاوي (٢) مقدار ما يمسّ موضع جلوسه المنبر، وفي الظاهر مقدار ثلاث آيات، وجه قولهما ما روي عن عمر، وعائشة ﵂ (٣) أنهما قالا: «إنما قصرت الصلاة لأجل (٤) الخطبة» (٥)، ومعلوم أن قصر الصلاة لا يكون بالتسبيحة الفردة، ولا بالتحميدة الفذّة، فوجب (٦) إيجاب ما يسمّى خطبة. كذا في «الفوائد الظهيرية» (٧). وأبو حنيفة ﵀ استدلّ بما روي أن عثمان ﵁ لما صعد المنبر في أوّل جمعة ولي قال: «الحمد لله فارتج عليه، فقال: إن أبا بكر (٨)، وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالًا، وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وسيأتي الخطبة من بعد الله أكبر ما شاء الله فعل» (٩)، ونزل، وصلى الجمعة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵄، فدلّ أنّه يكتفى بهذا القدر (١٠).

стр. 975

ومراده من قوله: (وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال)؛ أن الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين يكونون على كثرة المقال مع قبح الفعال، وأنا إن لم أكن قوّالًا مثلهم فأنا على الخير دون الشرّ، فأما أن يريد بهذه المقالة تفضيل نفسه على الشيخين ﵄ فلا، كذا في «المحيط» (١). يقال: ارتج الباب أغلقه إغلاقًا، والرتاج الباب المغلق، ومنه قولهم ارتج على الخطيب، أو على القارئ مبنيًا للمفعول إذا استغلق عليه القراءة، فلم يقدر على إتمامها. ألا ترى أنهم قالوا للمرشد: فتح على القارئ، والعامة تقول: اُرتجّ بالتشديد، ولكن الكلام العربي بالتخفيف. كذا في «المغرب» (٢). قيل: هذه المسألة بناء على أنّ الحقيقة المستعملة [عنده] (٣) أقوى من المجاز المتعارف، وعندهما على العكس. وفي «المبسوط» (٤): والذكر يحصل بقوله: الحمد لله، فما زاد عليه شرط الكمال لا شرط الجواز، وهو نظير ما قال أبو حنيفة ﵀ أن فرض القراءة يتأدّى بآية واحدة، ثم قوله: الحمد لله كلمة وجيزة تحتها معان خمسة يشتمل على قدر الخطبة، وزيادة، فالمتكلم بقوله: الحمد لله كالذاكر لذلك كله، فيكون ذلك خطبة لكنها وجيزة، وقصر الخطبة مندوب إليه، وقال ابن مسعود ﵁: «طول الصلاة وقصر الخطبة مئنة من فقه الرجل» (٥). ومثل هذا الكلام في مثل هذه الحالة يُعدّ كلامًا طويلًا؛ لأن المكان أعدّ للخطبة، والوقت وقت الخطبة، والخطيب هيّأ نفسه، فإذا جاء بالذكر، وإن قلّ يكون خطبة، ولا يبعد أن يختلف الكلام باختلاف المحل، ألا ترى أنّ من اعتاد التكلم بنعم في خلال [كلامه] (٦) كان نعم في خلال كلامه لغوًا، وإذا (٧) قال له غيره (٨): لي عليك كذا، وكذا فقال: نعم، كان ذلك منه إقرارًا، ولزمه المال. كذا في «المحيط» (٩). (لأنّ الجمعة مشتقة منها) (١٠) [لما كانت مشتقة] (١١) من الجماعة، فلا يتحقق بدون الجماعة، كالضارب لما كان مشتقًّا من الضرب لم يتحقق بدونه، وكذا في سائر المشتقات (١٢).

стр. 976

[١٤٤/ ب] قوله: (والأصح: أن هذا قول أبي يوسف) (١) احتراز عما وقع في عامة نسخ المختصر هو ما ذكر قبله، وهو قوله: وأقلّهم عند أبي حنيفة ثلاثة سوى الإمام، وقالا:/ اثنان لأبي يوسف أن للمثنى حكم الجماعة حتّى يتقدم الإمام عليهما، وفي الجماعة معنى الاجتماع، وذلك يتحقّق بالمثنى وجه قولهما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢)، وهذا يقتضي مناديًا وذاكرًا، وهو المؤذن والإمام، ثم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ خطاب جمع، وأقلّ الجمع المتفق عليه الثلاثة (٣)، فإنّ أهل اللغة فصّلوا بين التثنية، والجمع فالمثنى، وإن كان [فيه] (٤) معنى الجمع من وجه، فليس بجمع مطلق، واشتراط الجماعة هاهنا [ثابت] (٥) مطلقًا. كذا في «المبسوط» (٦). (فلا يعتبر منهم) (٧) أي: لا يعتبر الإمام في تحصيل الجماعة من القوم (٨). (وإن نفر الناس قبل أن يركع … إلى آخره) (٩). وجه قول زفر ﵀: أن يشاركه القوم الإمام شرط الأداء لا شرط الانعقاد بدليل أن القوم إذا تحرّموا بعد تحرّم الإمام جاز، ولو كانت المشاركة شرطًا للانعقاد دون الأداء؛ لكان يشترط التحرّم منهم بصفة القران؛ فكان اشتراط الجماعة للجمعة كاشتراط الوقت لها، ولكنّا نقول: الجماعة شرط افتتاح الجمعة، وقد وجد ذلك حين صلّى بهم ركعة، فكان له أن يتمّها جمعة، بخلاف الوقت فإنّه شرط الأداء لا شرط الافتتاح حتّى يشترط لصحتها بقاء الوقت من أوّلها إلى آخرها بخلاف الجماعة، فإنّ الرجل إذا كان مسبوقًا بركعة في صلاة الجمعة، فإنه يقوم، ويتمها جمعة منفردًا بالاتفاق، فلو كان اشتراط الجماعة كالوقت لما جاز ذلك، فإنّه لا يجوز أداء الجمعة إذا خرج الوقت في جزء منها، ولهما أنّ مشاركة الإمام المقتدي شرط لصحة جمعة المقتدي كمشاركة القوم الإمام شرط لصحة جمعة الإمام، ثم مشاركة الإمام المقتدي لا يشترط لصحة جمعة المقتدي من أوّل الصلاة إلى آخرها حتى صحّ صلاة اللاحق، والمسبوق منها، فكذا مشاركة القوم الإمام لصحة جمعته لا يشترط من أوّل الصلاة إلى آخرها؛ وهذا لأن الجماعة شرط وقت الشروع في صلاة الجمعة، وقد وجدت، بخلاف ما إذا نفروا قبل الشروع؛ لأن هناك تحريمته لم ينعقد للجمعة، فكيف يتمها جمعة؟! (١٠).

стр. 977

ولأبي حنيفة ﵀: أنّ الجماعة [شرط] (١) في ركعة؛ لأن ما دون الركعة معتبرة من وجه حتّى إذا تحرّم، ثم قطع يلزمه القضاء، وغير معتبرة من وجه، فإنّه إذا أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركًا للركعة، وصلاة الجمعة تغيّرت من الظهر إلى الجمعة، فلا يتغيّر إلا بيقين، ولا يقين إلا وأن يوجد ركعة؛ وذلك لأن الجماعة شرط صلاة الجمعة، ولا يصير مصليًا ما لم يقيّد الركعة بالسجدة؛ لأنه إذا لم يقيّد الرّكعة بالسجدة، فهو مفتتح لكل ركن، فكان ذهاب الجماعة قبل تقييدها كذهابهم قبل التكبير [حينئذٍ] (٢) بخلاف ما بعد تقييد الركعة بالسجدة، فإنه مُعيد للأركان لا مفتتح، وليس المقتدي كالإمام في حق اشتراط الجماعة [لما أن] (٣) الإمام أصل في افتتاح الأركان، فلابدّ من وجود شرط الجماعة عند افتتاح كل ركن في حقه. كذا في «المبسوط (٤)» (٥)، وغيرهما (٦). (ولا معتبر ببقاء النسوان) (٧)، بخلاف بقاء المسافرين، وأصحاب الأعذار، ومن لم يشهد الخطبة (٨). وفي «التجنيس»: الإمام إذا خطب يوم الجمعة، وفرغ منها فذهب القوم كلّهم، وجاء قوم آخرون لم يشهدوا الخطبة فصلّى بهم الجمعة أجزاه؛ لأنه خطب والقوم حضور، وصلّى والقوم حضور، فتحقق شرط جواز الجمعة، فإن حضروا وصلّوا مع النّاس أجزاهم عن فرض الوقت (٩). هاهنا مسائل: إحديها: هذه، ولم يذكر هاهنا خلاف أحد. والثانية: إذا صلّى غير المعذور الظهر في منزله قبل الجمعة هل يعتد به عن الفرض أم لا؟ والثالثة: إذا صلّى المعذور الظهر في منزله، ثم حضر الجمعة هل ينتقض ظهره أم لا؟ والرابعة: [إذا صلى غير المعذور، والظهر في منزلة] (١٠) إمامة المعذور الجمعة هل تصحّ أم لا؟. ففي هذه الثلاث خلاف بيننا وبين زفر والشافعي. أمّا المسألة الأولى: فهي ما إذا صلّى المعذورون الجمعة هل تسقط عنهم فرض الوقت؟ ذكر في «المبسوط» (١١): مطلقًا أنّهم إذا شهدوا الجمعة فأدوها جازت؛ لحديث الحسن ﵀ (١٢): كنّ –النساء- يجمعن مع رسول الله ﷺ ، ويقال لهن: «لا تخرجن إلا تفلات» (١٣)، أي: غير مطيبات، ولأن سقوط [فرض] (١٤) السعي عنهم لا بمعنى في الصلاة، بل للحرج، والضرر، فإذا تحمّلوا التحقوا في الأداء بغيرهم.

стр. 978

[١٤٥/ أ] وكذلك فيما ذكر في «الإيضاح» (١) في تعليل زفر في حق عدم جواز إمامة المعذور في الجمعة إشارة إلى أنّهم لو اكتفوا بصلاة الجمعة يسقط عنهم فرض الوقت، فقال: وقال زفر: لا يجوز/ إمامة العبد أو المسافر في صلاة الجمعة؛ لأنه لا يفترض عليه الأداء، وإنما يصح منه على سبيل التبع، فلا يجوز أن يكون أصلًا بالإمامة، فقد صحّ منه الجمعة على سبيل التبعيّة علم أنّ فرض الوقت يسقط عنهم إذا صلّوا الجمعة وحدها (٢). وفي «المحيط» (٣): أنّ الجمعة فرض على المعذورين كالظهر. وقال شيخ الإسلام ﵀ في جواب قولهم: لا يجتمع فرضان مشروعان فقال: يُشكل بالمسافر، والمريض، والعبد، فإن المشروع في حقهم فرضان الظهر، والجمعة، فلما جاز في حق هؤلاء أن يكون الصلاتان مشروعتين، فكذلك في حق الحرّ المقيم أيضًا، فعلم بهذه الروايات أن ما وقع في بعض حواشي أصول الفقه أنّهم إذا أدّوا الجمعة وحدها لا يسقط عنهم فرض الوقت عند زفر، والشافعي لا يثبت صحته، [ثم] (٤) وجه التشبيه بالصبي في الكتاب في قوله: (لا فرض عليه)، فأشبه الصبي هو [أن] (٥) يقول: إنا أجمعنا على أنّ الفرض في هذا الوقت أحدهما لا كلاهما؛ لأنه لم يشرع في وقت واحد فرضان، فلما لم يخاطبوا بالجمعة صاروا بمنزلة الصبي في حقها، ولنا أنّ هذه رخصة؛ لأن الخطاب عام، فيتناولهم إلا أنّهم عذروا دفعًا للحرج، [فلو لم يسقط عنهم فرض الوقت بأدائهم الجمعة كان فيه فساد الوضع؛ لأن الإسقاط عنهم لدفع الحرج] (٦)، والقول بعدم الجواز يؤدّي إلى الحرج، فكان القول بعدم الجواز ينقض ما هو موجب السقوط، وهو الجرح، فأي وضع أفسد (٧) من هذا، وأمّا الفعل من الصبي فلا يقع فرضًا، وكان في الاقتداء به بناء الفرض على النّفل فلذلك لا يجوز (٨). وأمّا المسألة الثانية: وهي قوله: (ومن صلى الظهر في منزلة يوم الجمعة قبل صلاة الإمام، ولا عذر له … له ذلك، وجازت صلاته). وقال زفر ﵀: لا يجزئه الظهر إلا بعد فراغ الإمام من الجمعة، فلذلك قيد (٩) في الكتاب في صورة المسألة بقوله: قبل صلاة الإمام.

стр. 979

وقال الشافعي: لا يجزئه الظهر إلا بعد خروج الوقت؛ لأن من أصل زفر، والشافعي أنّ الفرض في حقّه الجمعة، والظهر بدل، فإنّه مأمور بالسّعي إلى الجمعة، وترك الاشتغال بالظهر ما لم يتحقّق فوت الجمعة، وهذا صورة الأصل، والبدل إلا أنّ عند زفر فوات الأصل بفراغ الإمام؛ لأنه يشترط السلطان لإقامة الجمعة، وعند الشافعي فوات الأصل بخروج الوقت؛ لأن السلطان عنده ليس بشرط لإقامة الجمعة، فأمّا عندنا فأصل فرض الوقت الظهر قال ﷺ : «وأوّل وقت الظهر حين تزول الشمس» (١)، ولم يفصل بين هذا اليوم وغيره، ولأنّه ينوي القضاء في الظهر إذا أدّاه بعد خروج الوقت، فلو لم يكن أصل فرض الوقت في حقه الظهر لما احتاج إلى نية القضاء بعد فوات الوقت، فإذا ثبت أنّ أصل الفرض هو الظهر، وقد أدّاه في وقته، فيجزئ عنه. وقد روي عن محمد قال: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم، ولكن يسقط الفرض عنه بأداء الظهر، أو الجمعة يريد به أنّ أصل الفرض أحدهما لا بعينه، ويتعيّن بفعله (٢). وأمّا المسألة الثالثة: وهي أنّ المعذور كالمريض، والمسافر، والعبد إذا صلّى الظهر في منزله، ثم صلّى الجمعة مع الإمام فالجمعة هي الفريضة عندنا، وانقلب ظهره نفلًا، وقال زفر، والشافعي رحمهما الله: ففرضه الظهر، وانقلب ما أدّى من الجمعة نفلًا، وفائدة هذا إنّما يظهر فيما إذا شرع مع الإمام، فقبل أن يتم الإمام الجمعة خرج وقت الظهر، ولم يُصلّ مع الإمام فعلى قولنا: يلزمه إعادة الظهر، وعلى قول زفر، والشافعي -رحمهما الله-: لا ينتقض ظهره. وما قالاه قياسًا، وما قلناه استحسانًا، فقالا: إن هذا اليوم في حقه كسائر الأيام لو صلى الظهر في بيته، ثم أدرك الجماعة كان فرضه ما أدّى في بيته فكذلك هاهنا، ولكنّا نقول: الجمعة أقوى من الظهر، ولا يظهر الضعيف في مقابلة القوي، وإنما فارق المريض الصحيح في الترخص بترك السعي إلى الجمعة، فإذا شهدها فهو، والصحيح سواء فيكون فرضه الجمعة. كذا في «المبسوطين» (٣). (بطل ظهره عند أبي حنيفة ﵀ بالسّعي، وقالا: لا يبطل حتى يدخل مع الإمام) (٤)، وذكر الإمام التمرتاشي، وكذا الخلاف في المعذور لو صلى، ثم توجّه إليها، وكذا أيضًا في «المحيط» (٥).

стр. 980

[١٤٥/ ب] ولو صلّى الظهر في منزله، ثم/ توجه إليها، ولم يؤدّها الإمام بعد إلا أنّه لا يرجوا إدراكها لبعد المسافة لم يبطل ظهره في قول أبي حنيفة ﵀ عند العراقيين، وبطل في قول البلخيين، وهو الصحيح؛ لأنه توجّه إليها، وهي لم تفت بعد، فإن توجّه إليها فلم يُصل الإمام بعذر أو لغير عذر اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح: أنه لا يبطل، واختلفوا فيما إذا توجّه إليها، والإمام والناس فيها إلا أنّهم خرجوا قبل إتمامها لبناء نية الصحيح أنّه لا يبطل ظهره، وعن الحلواني (١): لو لم يخرج من البيت، ولكن أرادها قبل إذا كان البيت واسعًا فما لم يجاوز العتبة لا تبطل، وقيل: إذا خطى خطوتين تبطل. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢). وفي «مبسوط شيخ الإسلام» بعدما ذكر مسألة المريض إذا وجد حقه بعدما صلّى الظهر في بيته، ثم راح إلى الجمعة فصلّى الجمعة انتقض ظهره، وانقلب نفلًا خلافًا لزفر، والشافعي، فقال: (هذا الذي ذكرنا إذ أدرك مع الإمام)، فأمّا إذا لم يدرك الجمعة، فهذا على وجهين: إما أن يكون الإمام في الصلاة حين خرج من منزله، أو لم يكن في الصلاة حين خرج، فإن لم يكن فلا ينتقض ظهره عندهم (٣) جميعًا، وأمّا إذاكان الإمام في الصلاة حين خرج من منزله فراح إلى الجمعة، فوجد الإمام فرغ منها، فعلى قول أبي حينفة يرتفض ظهره، وعلى قولهما لا يرتفض (٤). قوله: (وقالا: لا يبطل حتى يدخل مع الإمام) (٥)، وفي هذا اللفظ إشارة إلى أنّ الإتمام مع الإمام ليس بشرط لارتفاض الظهر عندهما حيث ذكر الدخول في صلاة الإمام، وهو شروعه فيها، فكان هذا مخالفًا لما ذكره شيخ الإسلام ﵀ في مبسوطه، فإنه يشترط الإتمام في حق الارتفاض، فقال: وعلى قولهما لا يرتفض ما لم يؤدّ الجمعة كلّها حتى إنّه إذا شرع في الجمعة مع الإمام، ثم أنّه إن تكلّم قبل أن يتم الجمعة مع الإمام، فإنّ الظهر يرتفض عند أبي حنيفة، وعندهما لا يرتفض، هكذا ذكره الحسن في كتاب صلاته (٦). (وله أنّ السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة) (٧) فوجه كونه من خصائص الجمعة ما ذكر في «الأسرار» (٨)، وهو: أنّ صلاة الجمعة صلاة خصّت بمكان، ولا يمكن الإقامة إلا بالسّعي [إليها، فصار السّعي] (٩) مخصوصًا به دون سائر الصلوات، فإنّه يصح أداؤها في كلّ مكان كالسّفر في باب الحج شرط مخصوص؛ لتعلّقه بمكان خاص، فصارت الاستطاعة من حيث الزاد، والرّاحلة أمرًا مراعي (١٠) لوجوب الحج، وإن أمكن الأداء في الجملة بلا سفر، وكذا السّعي مع الجمعة، وإذا صار من خصائص الجمعة [شرعًا] (١١) أشبه الاشتغال بها الاشتغال بركن منها، فإن أركان العبادة لا تقع إلا مختصّة بها، هذا هو الصحيح في بيان الاختصاص المأمور به في قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ (١٢) إلا أن يكون المراد به الإسراع، والعدو فأنهى الإسراع في قوله ﷺ : «إذا أتيتم إلى الصلاة، فأتوها وأنتم [تمشون، ولا تأتوها وأنتم] (١٣) تسعون، ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (١٤) عام في كل الصلاة (١٥).

стр. 981

وذكر في «الفوائد»: أنّ المراد بالسّعي المذكور عند بعضهم نفس الفعل لا الفعل بوصف الإسراع، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (١)، والفعل بوصف الإسراع غير مراد به (٢)، ولا يلزم أبا حنيفة ﵀ ما قالا، وهو أن نقض الظهر إنما ثبت في ضمن أداء الجمعة؛ لأن نقض العبادات قصدًا حرام، أمّا إذا لم يؤدّ لا ينتقض، كما لو كان جالسًا في المسجد الجامع يسمع الخطبة فقام، وصلّى الظهر قبل فراغ الإمام من الخطبة، ولم يتابع الإمام في الجمعة جاز ظهره، ولا ينتقض؛ لأنا نقول: إنّما لم ينتقض؛ لأنه لم يوجد السّعي. كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان (٣). ولا يرد على أصل أبي حنيفة مسألة القارن، وهي أنّ القارن إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف لعمرته يصير رافضًا لها، ولو سعى إلى عرفات لا يصير به رافضًا لعمرته؛ لأن في ذلك قياسًا، واستحسانًا، والقياس: أن يرتفض عمرته بمجرّد السعي إلى عرفات كالسّعي إلى الجمعة على أصله، وفي الاستحسان: لا يرتفض؛ لأن السعي هناك منهيّ عنه قبل طواف العمرة، وضعُف في نفسه، وهاهنا السعي مأمور فكان قويًا في نفسه. كذا في «المبسوط» (٤). [١٤٦/ أ] فيؤثر في إبطال ما صلّى من الظهر؛ لقيامه مقام الجمعة بسبب أنّه من خصائصها كالعدّة لما كانت من خصائص النكاح اعتبرت بالنكاح في منع التزوج، فلما قام السّعي مقام الجمعة اعتبر فيه صفة/ الجمعة لا صفة نفسه كالتراب لما قام مقام الماء اعتبر فيه صفة الماء لا صفة نفسه، فبهذا خرج الجواب عن قول من قال: الظهر قوي، والسعي ضعيف لما أنّ الظهر حسن لمعنًى في عينه، والسّعي حسن لمعنى في غيره، فلا ينقض الضعيف القوي، ولكن لما قام مقام القوي صار هو قويًّا في نفسه، ولا يقال: السعي الموصل إلى الجمعة مأمور به، والسّعي الذي لا يدرك به الجمعة عن فضل، فيجب أن لا يبطل به الظهر؛ لأنا نقول: الحكم دار مع الإمكان؛ لكون الإمام في الجمعة، والإدراك ممكن في الجملة بإقدار الله تعالى إياه بالإدراك (٥). (ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة [يوم الجمعة] (٦) (٧) وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا يكره لهم ذلك، بل هو أفضل كما في سائر الأيّام، ولكنّهم يحفونها حتّى إن من رآهم لا يظن أنهم رغبوا عن الإمام، وعلى هذا الاختلاف المسافرون في المصر، وأهل السجن، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨).

стр. 982

والمريض إذا كان لا يستطيع أن يشهد الجمعة، فصلّى الظهر في بيته بأذان، وإقامة فهو حسن؛ لأن هذا اليوم في حقه كسائر الأيام؛ إذ ليس عليه شهود الجمعة. كذا في «المبسوطين» (١). وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: مريض صلّى الظهر في منزله يوم الجمعة بأذان، وإقامة قال محمد: هو حسن، وكذا جماعة المرضى بخلاف المسجونين، فإنّه لا يباح لهم ذلك؛ لأن المرضى عاجزون بخلاف المسجونين؛ لأنّهم إن كانوا ظلَمة قدروا على إرضاء الخصم، وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستغاثة، فكان عليهم حضور الجمعة، وأن لا يعارضوا بها بجماعة (٢). وفي «التفاريق»: يصلي المعذور الظهر بأذان وإقامة، وإن كان لا يستحب الجماعة (٣). وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: إذا أدرك الإمام يوم الجمعة إن أدركه في الركوع من الركعة الثانية، فإنّه يصير مدركًا للجمعة عندهم جميعًا، وإن أدركه بعدما رفع رأسه من الركوع من الركعة الثانية اختلفوا فيه (٤). قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: بأنه يصير مدركًا للجمعة فيصلّي ركعتين، وقال محمد، وزفر، والشافعي: بأنه يصلي أربعًا إلا أن الأربع ظهر محض على قول الشافعي حتى [قال] (٥): لو ترك القعدة على رأس الثانية لا يضرّه، وعلى قول محمد: جمعة من وجه [وظهر من وجه] (٦) على ما ذكر في الكتاب، واحتج من خالف بما روى الزهري (٧) بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، وليضف إليها ركعة أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلّى أربعًا» (٨)، (٩).

стр. 983

قلنا (١): لا يصح التعلق بهذا الحديث؛ لأن لفظة (٢) الجمعة مع قوله: وإن أدركتهم جلوسًا صلى أربعًا إنما نقله ضعفاء أصحاب الزهري، هكذا قاله الحاكم الشهيد (٣)، (٤). وأمّا الثقات من أصحابه كـ: معمّر (٥)، والأوزاعي (٦)، ومالك رووا عن الزهري: «من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها» (٧)، وأمّا إذا أدرك ما دونها فما حكمه فهو مسكوت عنه، فكان موقوفًا على قيام الدليل، وقد قام، وهو ما روي من قوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا» (٨) الحديث، وكل واحد من الفريقين ترك القياس فأبو حنيفة ترك القياس حيث قال: بجواز الجمعة، وإن كان عارفًا للشرائط فيما يقضي، ومحمّد ترك القياس حيث جمع بين الجمع، وبين (٩) الظهر بتحريمة واحدة، وأنّهما صلاتان مختلفتان، إلا أن ما قاله أبو حنيفة ﵀ مما يوجد له نظير، فإن جواز الشيء بدون شرائطه جائز حالة العذر كما جاز إذا أدرك ركعة، أو وجود الشرائط في حق الإمام يجعل وجودًا في حق المسبوق كما يجعل [وجودًا] (١٠) في القراءة، وهي ركن فهاهنا أولى، فأمّا الجمع بين صلاتين مختلفتين بتحريمة واحدة، فمما لا توجد بحال، فكان القول بما يوجد بحال أولى من العمل بما لا يوجد بحال (١١).

стр. 984

وفي «المبسوط» (١): ثم هو بإدراك التشهد مدرك للجمعة بدليل أنه ينويها دون الظهر حتى لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه به، ثم الفرض بالاقتداء تارة يتغيّر إلى الزيادة، كما في حق المسافر يقتدي بالمقيم، وتارة إلى النقصان كما في الجمعة، ثم في اقتداء المسافر بالمقيم لا فرق بين الركعة، وما دونها في تغير الفرض، فكذلك هاهنا، وتأويل الحديث: "وإن أدركهم جلوسًا قد سلّموا"، والقياس ما قالا إلا أنّ محمدًا احتاط، وقال: (يصلي أربعًا احتياطًا)، وذلك [جمعة] (٢)، ولهذا لزمه القراءة في كلّ ركعة، وألزم القعدة الأولى في رواية الطحاوي بخلاف رواية المعلَّى، وهذا للاحتياط لا معنى له، فإنه إن كان ظهرًا، فلا يمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وإن كان جمعة فلا تكون الجمعة أربع ركعات. [١٤٦/ ب] وفي «المحيط» (٣): قال الشيخ الإمام أبو حفص (٤): قلت لمحمد يصير مؤديًّا للظهر بتحريمة الجمعة قال: ما نصنع، وقد/ جاءت به الآثار. (وإذا خرج الإمام [قبل أن يخطب] (٥) يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام إلى أن قال: وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب، وإذا ترك قبل أن يكبّر) (٦)، إنّما قيّد بالكلام لما أنّ الصلاة في هذين الوقتين يكره عندهما أيضًا. والمراد من الصّلاة: صلاة التطوّع، وأمّا صلاة الفائتة، فيجوز وقت الخطبة (٧) من غير كراهة، وقد ذكرناه في باب الأوقات التي يكره فيها الصلاة، ثم اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة، قال بعضهم: إنما يكره الكلام الذي هو من كلام الناس. أمّا التسبيح وأشباهه فلا، وقال بعضهم: كل ذلك، والأوّل أصحّ. كذا في «مبسوط فخر الإسلام» (٨).

стр. 985

وقيل: المراد من الكلام الذي اختلفوا فيه وقت خروج الإمام (١)، ووقت فراغه من الخطبة هو كلام يتعلّق بأمور الآخرة، وأمّا كلام الدنيا فبالاتفاق أنّه لا يجوز. قلت: هذا القول ليس بصحيح، بل الاختلاف في كل كلام سوى التسبيح، ونحوه لما أنّ شيخ الإسلام ذكر في تمسّك أبي يوسف، ومحمد بأثر فيه كلام الدنيا، فعلم أنّهما يجوّزان كلام الدنيا أيضًا، فقال: واحتجا بما روي عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عن المنبر يسأل الناس عن حوائجهم، وعن أسعار السوق، ثم صلّى» (٢)، ورُوي عن عمر، وعثمان ﵄: «أنهما كانا إذا صعدا المنبر يسألان الناس عن أسعار السوق» (٣)، ومن حجتهما أيضًا حديث عمر ﵁ أنه قال: «خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام» (٤)، ولأنّ حرمة الكلام باعتبار الإخلال بفرض الاستماع؛ لأن الكلام في نفسه مباح فلا إثم فيه، والجواب لأبي حنيفة ﵀ عن هذا هو: أن كلام النبي ﷺ [كان] (٥) في الابتداء حين كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان مباح في الخطبة أيضًا، ثم نهى بعد ذلك عن الكلام فيهما، ولأن رسول الله ﷺ كان إمامًا، وخطيبًا، ولا بأس له أن يتكلم؛ لأنه يخطب، والخطبة من أوّلها إلى آخره كلام (٦)، وأمّا أثر عمر فمعارض بحديث ابن عمر، وابن عباس، فإنهما رويا أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الإمام فلا صلاة، ولا كلام» (٧)، فكان المصير إلى الحديث أولى، وأمّا قولهما: إنّما حرم الكلام لأجل الاستماع، قلنا: بلى إلا أنه الحق هذه الحالة بحالة الخطبة تعظيمًا لأمر الخطبة. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨).
следующие страницы →