Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُنْفَصِلِ.
الثَّالِثُ - لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُ خَبَرٍ وَلَا كَذِبُهُ أَصْلًا ; لِإِمْكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ حِينٍ.
وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ قَالَ ﵇: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا " ثُمَّ سَكَتَ، وَقَالَ بَعْدَ زَمَانٍ: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
أَجَابَ بِأَنَّ السُّكُوتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَارِضٍ لَا يُخِلُّ بِالِاتِّصَالِ، كَمَا ذُكِرَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
الثَّانِي - «أَنَّ الَيْهُودَ سَأَلُوهُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ فَقَالَ ﵇: " غَدًا أُجِيبُكُمْ " وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] فَقَالَ ﵇ ; " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " غَدًا أُجِيبُ ".
أَجَابَ (بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
стр. 1018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَيُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَّا مُتَأَوَّلٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ جَوَازُ الِانْفِصَالِ بِالنِّيَّةِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْفِصَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ]
ش - الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا (لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، أَوْ أَقَلَّ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً.
وَالرَّابِعُ (جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ (عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً
стр. 1019
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا.
لَنَا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ، بِدَلِيلِ: " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ".
فَالْمُسَاوِي أَوْلَى.
وَأَيْضًا: " «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» ".
وَأَيْضًا: فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (عَلَيَّ) عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً - لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ.
وَلَوْلَا ظُهُورُهُ لَمَا اتَّفَقُوا (عَلَيْهِ) عَادَةً.
ص - الْأَقَلُّ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلِيلُ مُتَّبَعٌ.
قَالُوا: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفَ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ، مُسْتَقْبَحٌ دَكِيكٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، كَعَشَرَةٍ إِلَّا دَانِقًا، وَدَانِقًا إِلَى عِشْرِينَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ، قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَمِيعِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ: لِلْأَخِيرَةِ.
وَالْقَاضِي وَالْغَزَّالِيُّ: بِالْوَقْفِ.
وَالشَّرِيفُ: بِالِاشْتِرَاكِ.
أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تَبَيَّنَ الْإِضْرَابُ عَنِ الْأُولَى فَلِلْأَخِيرَةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا أَوِ اسْمًا، وَلَيْسَ الثَّانِي ضَمِيرَهُ.
أَوْ حُكْمًا غَيْرَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غَرَضٍ.
وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ.
وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ الِانْقِطَاعُ فَلِلْأَخِيرَةِ، وَالِاتِّصَالُ لِلْجَمِيعِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ.
ص - الشَّافِعِيَّةُ: الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
قَالُوا: لَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا ضَرَبْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى جَوَازِهِمَا، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً.
وَذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي أَوَّلًا إِلَى مَنْعِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْقَاضِي آخِرًا بِمَنْعِ الْجَوَازِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسَاوِي.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ خَاصَّةً؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَدَدُ صَرِيحًا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ أَيْضًا، مِثْلَ خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ إِلَّا مَا فِي الْكِيسِ (الْفُلَانِيِّ) وَكَانَ مَا فِي الْكِيسِ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
стр. 1021
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ قَدِ اسْتُثْنِيَ الْغَاوُونَ مِنَ الْعِبَادِ، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
وَإِذَا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَالْمُسَاوِي أَوْلَى ; لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمُسَاوِي وَالزِّيَادَةَ.
(وَهَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْعِ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ.
قِيلَ) لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً أَنْ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَاوِينَ لَيْسُوا دَاخِلِينَ تَحْتَ الْعِبَادِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُخْلِصُونَ.
أُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْغَاوِينَ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ الْعِبَادِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ غَيْرُ مُخْتَصِّينَ بِالْمُخْلِصِينَ بِدَلِيلِ اتِّصَافِ الْعِبَادِ بِالْمُخْلِصِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: انْضَافَ الْعِبَادُ بِالْمُخْلِصِينَ لِلْمَدْحِ لَا لِلتَّخْصِيصِ،
стр. 1022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أُجِيبُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوَصْفِ، التَّخْصِيصُ، فَلَوْ حُمِلَ الْوَصْفُ عَلَى الْمَدْحِ يَلْزَمُ خِلَافُ الْأَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ، وَالثَّانِي الْوَصْفُ لِلْمَدْحِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَمَا وَقَعَ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ " «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» " مَعَ كَوْنِ مَنْ أَطْعَمَهُ أَكْثَرَ، وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْقَائِلِ بِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ.
стр. 1023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
وَلَوْلَا ظُهُورُ جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ لَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عَادَتَهُمْ أَنْ لَا يَتَّفِقُوا عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ دُونَ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ
стр. 1024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لِمَا أَقَرَّ بِهِ.
خَالَفْنَا الدَّلِيلَ فِي الْأَقَلِّ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي، وَهُوَ كَوْنُ الْأَقَلِّ فِي مَعْرِضِ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ، فَيَبْقَى الدَّلِيلُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، (لِأَنَّ الْإِقْرَارَ) إِنَّمَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الْإِسْنَادِ وَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْإِسْنَادِ.
(وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّبَعَ الدَّلِيلُ فِي الْكُلِّ - حَتَّى لَا يَجُوزَ الِاسْتِثْنَاءُ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ، أَوْ مُسَاوِيًا، أَوْ أَكْثَرَ) .
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ - لَمْ يُسْتَقْبَحْ " عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفًا وَثُلُثَ دِرْهَمٍ ".
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا دَانِقًا، وَدَانِقًا وَدَانِقًا إِلَى عِشْرِينَ دَانِقًا ; فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَايَةِ الِاسْتِقْبَاحِ، مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ.
стр. 1025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَاقِعَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ
стр. 1026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِالْوَاوِ، هَلْ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ مِنْهَا.
فَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ.
(وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ) .
стр. 1027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ وَالْقَاضِي بِالْوَقْفِ.
وَقَالَ الشَّرِيفُ مِنَ الشِّيعَةِ بِالِاشْتِرَاكِ؛ أَيْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كَوْنِهِ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَائِدًا إِلَى الْأَخِيرَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تَبَيَّنَ الْإِضْرَابُ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَلِلْأَخِيرَةِ، وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ.
وَالْإِضْرَابُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاخْتِلَافِ الْجُمْلَتَيْنِ:
بِالنَّوْعِ، بِأَنْ يَكُونَ إِحْدَاهُمَا طَلَبًا وَالْأُخْرَى خَبَرًا؛ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: جَاءَ الْقَوْمُ وَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الطِّوَالَ.
أَوْ بِاخْتِلَافِهِمَا اسْمًا، وَلَا يَكُونُ الِاسْمُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ضَمِيرًا لِلِاسْمِ فِي الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى.
стр. 1028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِثْلَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَهِنْ بَنِي خَالِدٍ إِلَّا الطِّوَالَ.
مِثَالُ مَا يَكُونُ الِاسْمُ الثَّانِي ضَمِيرَ الْأَوَّلِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاسْتَأْجِرْهُمْ إِلَّا الضُّعَفَاءَ.
أَوْ بِاخْتِلَافِهِمَا حُكْمًا، وَلَا يَكُونُ الْجُمْلَتَانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي غَرَضٍ.
نَحْوَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاسْتَأْجِرْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الضُّعَفَاءَ.
مِثَالُ مَا يَكُونُ الْجُمْلَتَانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ فِي غَرَضٍ: أَكْرِمِ الضَّيْفَ وَتَصَدَّقْ عَلَى الْفُقَرَاءِ إِلَّا الْفَاسِقَ، فَإِنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي غَرَضٍ وَهُوَ الْحَمْدُ.
وَالْمُخْتَارُ عَنِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا فَلِلْأَخِيرَةِ.
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا فَلِلْجَمِيعِ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَالْوَقْفُ.
ش - احْتَجَّتِ الشَّافِعِيَّةُ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْعَطْفَ يُصَيِّرُ الْأُمُورَ الْمُتَعَدِّدَةَ كَالْأَمْرِ الْوَاحِدِ. وَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ يُوجِبُ عَدَمَ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ
стр. 1029
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فَقِيَاسٌ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُهُ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَلِقَرِينَةِ الِاتِّصَالِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمِيعِ، قَالُوا: لَوْ كُرِّرَ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا.
قُلْنَا عِنْدَ قَرِينَةِ الِاتِّصَالِ.
وَإِنْ سُلِّمَ فَلِلطُّولِ مَعَ إِمْكَانِ إِلَّا كَذَا فِي الْجَمِيعِ. قَالُوا: صَالِحٌ. فَالْبَعْضُ تَحَكَّمَ، كَالْعَامِّ.
قُلْنَا: صَلَاحِيَتُهُ لَا تُوجِبُ ظُهُورَهُ فِيهِ، كَالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ. قَالُوا: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً - كَانَ لِلْجَمِيعِ. قُلْنَا مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا لِلِاسْتِقَامَةِ.
ص - الْمُخَصِّصُ: آيَةُ الْقَذْفِ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا. قُلْنَا: لِدَلِيلٍ، وَهُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَلِذَلِكَ عَادَ إِلَى غَيْرِهِ. قَالُوا: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، (لِلْأَخِيرِ. قُلْنَا: أَيْنَ الْعَطْفُ؟
وَأَيْضًا: مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا لِلتَّعَذُّرِ، فَكَانَ الْأَقْرَبُ أَوْلَى.
وَلَوْ تَعَذَّرَ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ: مِثْلَ: (عَلَيَّ) عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ) .
قَالُوا: الثَّانِيَةُ حَائِلَةٌ، كَالسُّكُوتِ.
قُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَثَابَةِ الْجُمْلَةِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْعَطْفَ فِي الْمُفْرَدَاتِ يُوجِبُ الِاتِّحَادَ، وَأَمَّا الْعَطْفُ فِي الْجُمَلِ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ.
الثَّانِي - لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا ضَرَبْتُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْجَمِيعِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ - يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَرْطٌ لَا اسْتِثْنَاءٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِ.
وَإِنْ أُلْحِقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالشَّرْطِ لِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا كَانَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَإِنْ سُلِّمَ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ ; فَإِنَّ الشَّرْطَ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا لَفْظًا، فَهُوَ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ عَوْدُ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ لِتَقَدُّمِهِ وَلَا يَجُوزَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجَمِيعِ لِتَأَخُّرِهِ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَنْتَهِضُ نَقْضًا ; لِأَنَّهُ هَا هُنَا إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى اتِّصَالِ الْأَخِيرَةِ بِمَا قَبْلَهَا، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ هِيَ الْيَمْيِنُ.
الثَّالِثُ - أَنَّ الْجُمَلَ الْمُتَعَاطِفَةَ بِالْوَاوِ، قَدْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ
стр. 1031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِنْهَا إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ لَمَا كَانَ تَكَرُّرُ الِاسْتِثْنَاءِ مُسْتَهْجَنًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُرِّرَ الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنْ سَرَقَ زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ ; أَوْ شَرِبَ فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، أَوْ زَنَى فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ - لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ تَكَرُّرَ الِاسْتِثْنَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ وُجُودِ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى اتِّصَالِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا بِالْبَعْضِ.
أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ اتِّصَالِهَا - فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكَرُّرَ مُسْتَهْجَنٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ تَكَرُّرَ الِاسْتِثْنَاءِ مُسْتَهْجَنٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَ قَرِينَةُ الِاتِّصَالِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، لَكِنَّ الِاسْتِهْجَانَ إِنَّمَا يَكُونُ لِطُولِ الْكَلَامِ مَعَ إِمْكَانِ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ، بِأَنْ نَقُولَ بَعْدَ الْجُمَلِ: إِلَّا كَذَا فِي الْجَمِيعِ.
الرَّابِعُ - الِاسْتِثْنَاءُ الْوَاقِعُ عُقَيْبَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ يَصْلُحُ عَوْدُهُ إِلَى الْكُلِّ، كَمَا يَصْلُحُ عَوْدُهُ إِلَى الْبَعْضِ، وَالْعَوْدُ إِلَى الْبَعْضِ تَحَكُّمٌ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَالْعَامِّ.
стр. 1032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ صَلَاحِيَةَ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ لَا تُوجِبُ ظُهُورَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْكُلِّ، كَالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ الْأَفْرَادِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيهِ.
قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ الصُّلُوحِ لِلْكُلِّ، بَلْ بِهِ وَبِتَعَذُّرِ الْحَمْلِ عَلَى الْبَعْضِ. فَإِنَّهُ لَمَّا صَلَحَ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ، وَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْبَعْضِ، تَعيَّنَ الْكُلُّ صِيَانَةً لِلدَّلِيلِ عَنِ الْإِلْغَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّهُ لَا تَعَذُّرَ ثَمَّةَ.
بَلِ الْجَوَابُ: مَنْعُ التَّحَكُّمِ عِنْدَ الْحَمْلِ عَلَى الْبَعْضِ؛ إِذِ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ رَاجِحٌ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ. وَالْمُتَقَدِّمُ وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا بِالسَّبْقِ، لَكِنَّ الْأَقْرَبَ أَرْجَحُ.
الْخَامِسُ - لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً، يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْكُلِّ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ. وَهَا هُنَا قَدْ وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ الْمُفْرَدَاتِ.
وَثَانِيًا - بِأَنَّهُ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَى الْكُلِّ لِلتَّعَذُّرِ ;
стр. 1033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَخِيرَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْرَاقَ، بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرِ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
ش - احْتَجَّ مُخَصِّصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ آيَةَ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤ - ٥] .
فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْكُلُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكُلِّ كَذَلِكَ وَإِلَّا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَوِ الْمَجَازُ.
стр. 1034
قَالُوا: حُكْمُ الْأُولَى يَقِينٌ، وَالرَّفْعُ مَشْكُوكٌ.
قُلْنَا: لَا يَقِينَ مَعَ الْجَوَازِ لِلْجَمِيعِ.
وَأَيْضًا فَالْأَخِيرَةُ كَذَلِكَ لِلْجَوَازِ بِدَلِيلٍ.
قَالُوا: إِنَّمَا يَرْجِعُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ. فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَقَلِّ، وَمَا يَلِيهِ هُوَ الْمُتَحَقِّقُ.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ قَامَ دَلِيلٌ.
ص - الْقَائِلُ بِالِاشْتِرَاكِ: حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ.
قُلْنَا: لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ أَوْ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ.
قَالُوا: صَحَّ الْإِطْلَاقُ، وَالْأَصْلُ: الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: وَالْأَصْلُ: عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَبِالْعَكْسِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجَلْدَ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَالتَّوْبَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْعَوْدِ إِلَى الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ، لَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ - أَنَّهُ عَادَ إِلَى غَيْرِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى الْمُتَضَمِّنَةِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .
الثَّانِي - لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، فَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُلِّ إِلَى الْأَخِيرَةِ؛ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ.
أَجَابَ بِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ، وَلَا عَطْفَ هَا هُنَا، وَلَا جُمْلَةَ لِأَنَّهَا مُفْرَدَاتٌ.
وَأَيْضًا: إِنَّمَا اخْتُصَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْأَخِيرَةِ لِتَعَذُّرِ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عَادَ إِلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا يَلْزَمُ وُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي وَعَدَمُهُ عَلَى السَّوَاءِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يُخْرِجَ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى ". فَالْمُخْرَجُ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى حِينَئِذٍ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ الْأَرْبَعَةَ، فَوُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي حِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَلَمَّا تَعَذَّرَ الْعَوْدُ إِلَى الْجَمِيعِ وَكَانَ الْأَخِيرُ أَقْرَبَ حُمِلَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْأَقْرَبِ أَوْلَى.
стр. 1036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
(وَلَوْ تَعَذَّرَ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرِ تَعَيَّنَ الْعَوْدُ إِلَى الْأَوَّلِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ، عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ؛ فَإِنَّهُ تَعَذَّرَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إِلَى الْأَخِيرِ، أَعَنِي الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْأَوَّلِ؛ أَعْنِي الْعَشَرَةَ) .
الثَّالِثُ - أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ حَائِلَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَالِاسْتِثْنَاءِ. فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مَانِعَةً لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، كَالسُّكُوتِ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
الرَّابِعُ - حُكْمُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مُتَيَقَّنٌ، وَمَا أَوْجَبَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الرَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى مَشْكُوكٌ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مُتَيَقَّنٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رَفْعَ حُكْمِ الْجَمِيعِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَقِينَ مَعَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ.
وَأَيْضًا: إِنْ كَانَ هَذَا مَانِعًا مِنْ عَوْدِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، فَهُوَ مَانِعٌ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْأَخِيرَةِ، لِجَوَازِ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَخِيرَةِ بِدَلِيلٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ رَفْعُ حُكْمِ الْأَخِيرَةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوكًا، وَثُبُوتُ حُكْمِهَا مُتَيَقَّنًا، وَالْمُتَيَقَّنُ لَا يُرْفَعُ بِالْمَشْكُوكِ.
قِيلَ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ: مُرَادُ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِحُكْمِهَا ثَابِتَةٌ بِيَقِينِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْفَعُهُ بِيَقِينٍ. فَثَبَتَ
стр. 1037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْحُكْمُ لِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ.
وَعَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي أَنَّ الْمَانِعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَخِيرَةِ مُحَقَّقٌ ; إِذِ الِاسْتِثْنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُمْلَةٍ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَالْأَخِيرَةُ مُتَعَيِّنَةٌ لِقُرْبِهَا إِلَيْهِ.
الْخَامِسُ - أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ، فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى أَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِعَوْدِهِ إِلَى إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَقَلِّ الَّذِي هُوَ الْعَوْدُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَمَا يَلِيهِ، أَيِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلْعَوْدِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَالْأَقْرَبُ أَرْجَحُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ الْوَاضِعُ فِي صُورَةِ تَعَدُّدِ الْجُمَلِ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَاقِعَ بَعْدَهَا لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، كَمَا إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَعُودُ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَضْعُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْجَمِيعِ مُحْتَمَلٌ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى ظَاهِرٌ، وَالِاحْتِمَالُ لَا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ.
стр. 1038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ عَوْدِهِ إِلَى الْأَخِيرَةِ وَإِلَى الْجَمِيعِ، احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَنْ إِرَادَةِ الْعَوْدِ إِلَى الْأَخِيرَةِ أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ.
أَجَابَ بِأَنَّ حُسْنَ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ، أَيْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَيَسْتَفْهِمُ لِيَعْلَمَ.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُرَادًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ إِرَادَةِ الْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ وَإِلَى الْأَخِيرَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا.
أَجَابَ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الْآخَرِ. وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ.
[مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ]
ش - اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ.
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِثْبَاتٌ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
стр. 1039
لَنَا: النَّقْلُ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَكُنْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " تَوْحِيدًا.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ لَلَزِمَ مِنْ " «لَا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاةٍ» "، " «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» "، ثُبُوتُ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا.
قُلْنَا: لَيْسَ مُخْرِجًا مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ ; فَإِنِ اخْتَارَ تَقْدِيرَ (لَا صَلَاةَ) إِلَّا صَلَاةً بِطَهُورٍ، اطَّرَدَ. وَإِنِ اخْتَارَ لَا صَلَاةَ تَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ الْمَشْرُوطُ.
وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الْمَنْفِيِّ الْأَعَمِّ فِي مِثْلِهِ، وَفِي مِثْلِ مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ ; إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ الْفَرْضَ الْمُبَالَغَةُ بِذَلِكَ.
الثَّانِي - أَنَّهُ أَكَّدَهَا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ - النَّقْلُ.
فَإِنَّ أَئِمَّةَ النَّقْلِ وَاللُّغَةِ نَقَلُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا لَمْ يَكُنْ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " تَوْحِيدًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ النَّفْيَ الدَّاخِلَ عَلَى الْإِلَهِ نَفْيُ جَمِيعِ الْآلِهَةِ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُثْبِتِ الِاسْتِثْنَاءُ وَاحِدًا مِنْهَا، فَلَمْ يُشْعِرْ هَذَا اللَّفْظُ حِينَئِذٍ بِثُبُوتِ إِلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا لَزِمَ مِنْ قَوْلِنَا: «لَا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاةٍ» ، «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» ، ثُبُوتُ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا؛ أَيْ بِمُجَرَّدِ الْحَيَاةِ وَالطَّهُورِ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النَّفْيِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْحَيَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْحَيَوَانَاتِ بِدُونِ الْعِلْمِ.
وَكَذَا الصَّلَاةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِالطَّهُورِ وَحْدَهُ، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ أُجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ شَيْءٍ لَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ، وَالْحَيَاةُ وَالطَّهُورُ لَيْسَا بِمُخْرَجَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ.
وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ قُدِّرَ أَمْرٌ آخَرُ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ إِلَّا عِلْمٌ بِحَيَاةٍ ; وَلَا صَلَاةَ إِلَّا صَلَاةٌ بِطَهُورٍ، أَوْ يُقَدَّرَ عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ يَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِحَيَاةٍ، وَلَا صَلَاةَ تَصِحُّ إِلَّا بِطَهُورٍ.
فَإِنِ اخْتَارَ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَوَجَّهِ النَّقْضُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَطَّرِدُ
стр. 1041
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَكُلُّ مُفَرَّغٍ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ.
الْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
وَإِنِ اخْتَارَ التَّقْدِيرَ الثَّانِيَ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ مَشْرُوطٌ بِالْحَيَاةِ، وَالصَّلَاةَ مَشْرُوطَةٌ بِالطَّهَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ الِاطِّرَادُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ ; لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ.
وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَكُونُ الْجَوَابُ مُقَرِّرًا لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ ; فَإِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ لَمْ يَقْتَضِ إِلَّا عَدَمَ ثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْجَوَابِ عَنْ إِشْكَالِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي الْمَنْفِيِّ الْأَعَمِّ فِي مِثْلِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ، وَفِي مِثْلِ مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَنْفِيَّ الْأَعَمَّ، أَعْنِي الَّذِي يَنْفِي جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ - يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: لَا صِفَةَ لِلصَّلَاةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي وُجُودِهَا مِنَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا صِفَةُ الطَّهَارَةِ.
وَفِي الثَّانِي: لَا صِفَةَ لِزَيْدٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ زَيْدًا إِلَّا الْقِيَامُ.
стр. 1043
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى الْأَوَّلِ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلصَّلَاةِ وَإِثْبَاتُ الطَّهُورِيَّةِ مِنْ بَيْنِهَا.
وَمَعْنَى الثَّانِي نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي زَيْدِيَّةٍ زَيْدٍ، وَإِثْبَاتُ الْقِيَامِ مِنْ بَيْنِهَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
أَجَابَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعْمِيمِ النَّفْيِ هَا هُنَا: الْمُبَالَغَةُ فِي تَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لَا يُعْتَبَرُ صِفَةُ الطَّهُورِيَّةِ لِلصَّلَاةِ فَقِيلَ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ، أَيِ الصِّفَةُ الْمُعْتَبَرَةُ لِلصَّلَاةِ هِيَ الطَّهُورِيَّةُ فَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُبَالَغَةَ فِي إِثْبَاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَا نَفْيَ الْكُلِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَالثَّانِي - أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ آكَدُ الْأَوْصَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا.
أُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مُفَرَّغٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُفَرَّغَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَاشَيْءَ مِنَ الْمُنْقَطِعِ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ; إِذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُنْقَطِعِ بِالْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ.
[التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ]
[تَعْرِيفُ الشَّرْطِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالِاسْتِثْنَاءِ شَرَعَ فِي التَّخْصِيصِ بِالشَّرْطِ.
قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمَشْرُوطُ عِنْدَهُ، أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ دَوْرٌ، إِذْ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ الْمَشْرُوطِ عَلَى مَعْرِفَةِ الشَّرْطِ، وَقَدْ أَخَذَ الْمَشْرُوطُ فِي تَعْرِيفِ الشَّرْطِ. فَيَكُونُ دَوْرًا.
وَأَيْضًا: هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; لِأَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ لَا يُوجَدُ الْمُسَبِّبُ دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمُسَبِّبُ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الشَّرْطِ هُوَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.
стр. 1044
وَأَوْرَدَ أَنَّهُ دَوْرٌ.
وَعَلَى طَرْدِهِ: جُزْءُ السَّبَبِ.
وَقِيلَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِهِ الْحَيَاةَ فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ.
وَالْأَوْلَى: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْقَدِيمَةَ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ، وَالْعِلْمُ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ.
قِيلَ: هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الْحَدِّ ; فَإِنَّ الْحَيَاةَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَتَأْثِيرُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَيَاةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْحَيَاةَ شَرْطٌ لِلْعِلْمِ وَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْحَدِّ بِهَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقُدْرَةَ تَوَقَّفَ تَأْثِيرُهَا عَلَى الْحَيَاةِ ; فَإِنَّ ذَاتَ الصَّانِعِ تَعَالَى كَافِيَةٌ فِي تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْحَيَاةِ.
وَإِبْطَالُ الطَّرْدِ بِالْمُؤَثِّرِ وَمُؤَثِّرِ الْمُؤَثِّرِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ ذِكْرَ تَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ يُشْعِرُ بِخُرُوجِ الْمُؤَثِّرِ وَمُؤَثِّرِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ لَا يَتَوَقَّفُ فِي تَأْثِيرِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى مُؤَثِّرِهِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى مُؤَثِّرِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الشَّرْطِ: مَا اسْتَلْزَمَ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ آخَرَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبِيبَةِ، أَيْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِهِ، وَلَا دَاخِلًا فِيهِ.
فَقَوْلُهُ: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ كَالْجِنْسِ ; لِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَجُزْءِ السَّبَبِ.
وَالْبَاقِي كَالْفَصْلِ ; وَبِهِ يَخْرُجُ عَنْهُ السَّبَبُ وَجُزْؤُهُ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ شَرْطُ الْحُكْمِ وَشَرْطُ السَّبَبِ.
[الشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَلُغَوِيٍّ]
ش - الشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَلُغَوِيٍّ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِشَرْطِيَّتِهِ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ، كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ ; فَإِنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَيَاةِ، وَلَا يَحْكُمُ بِوُجُودِ الْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ قَدْ حَكَمَ بِشَرْطِيَّتِهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: اللُّغَوِيُّ؛ مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ; فَإِنَّ دُخُولَ الدَّارِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا، بَلْ مِنَ الشُّرَطِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ.
وَصِيغَةُ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ: (إِنِ) الْمُخَفَّفَةُ، وَ (إِذَا) وَ (مَنْ) وَ (مَا)
стр. 1046
ص - وَهُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ، وَلُغَوِيٌّ، مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ (الدَّارَ) وَهُوَ فِي السَّبَبِيَّةِ أَغْلَبُ وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ سِوَاهُ. فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ لُغَةً.
مِثْلَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا، فَيَقْصُرُهُ الشَّرْطُ عَلَى الدَّاخِلِينَ.
ص - وَقَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى الْبَدَلِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا مَعَ الْجَزَاءِ كَذَلِكَ، فَتَكُونُ تِسْعَةً، وَالشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الِاتِّصَالِ وَفِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁: لِلْجَمِيعِ. فَفَرَّقَ.
وَقَوْلُهُمْ فِي مِثْلِ: أُكْرِمْكَ إِنْ دَخَلْتَ (الدَّارَ) مَا تَقَدَّمَ خَبَرٌ، وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ - مُرَاعَاةٌ لِتَقَدُّمِهِ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ.
فَإِنْ عَنَوْا لَيْسَ بِجَزَاءٍ فِي اللَّفْظِ - فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا وَلَا فِي الْمَعْنَى - فَعِنَادٌ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جُمْلَةُ رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ.
وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا. فَتَقْصُرُهُ عَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ كَالصِّفَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ هِيَ وَالْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ وَمُتَعَدِّدَيْنِ كَالشَّرْطِ.
وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.
ص - التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ.
يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ.
لَنَا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] .
وَأَيْضًا: " ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] " فِي خُرُوجِ الْأَطْفَالِ بِالْعَقْلِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ تَخْصِيصًا لَصَحَّتِ الْإِرَادَةُ لُغَةً.
قُلْنَا: التَّخْصِيصُ لِلْمُفْرَدِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ مَانِعٌ (هُنَا) وَهُوَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُخَصِّصًا لَكَانَ مُتَأَخِّرًا ; لِأَنَّهُ بَيَانٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَ (مَهْمَا) وَ (حَيْثُمَا) وَ (إِذْ مَا) وَ (أَيْنَمَا) .
وَالشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ أَغْلَبُ اسْتِعْمَالِهِ فِي السَّبَبِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، نَحْوَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَالْعَالَمُ مُضِيءٌ.
وَالشَّرْعِيَّةِ نَحْوَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] .
فَإِنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ سَبَبٌ لِضَوْءِ الْعَالَمِ عَقْلًا، وَالْجَنَابَةَ سَبَبٌ لِوُجُودِ التَّطْهِيرِ شَرْعًا.
وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ شَرْطٌ آخَرُ سِوَاهُ، أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ الْأَخِيرِ نَحْوَ: إِنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ. فَإِنَّ الْإِتْيَانَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلْإِكْرَامِ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا أُدْخِلَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ أَسْبَابَ الْإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، وَلَكِنْ تَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِ الْإِتْيَانِ.
قَوْلُهُ: " وَلِذَلِكَ " أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ مُخَصِّصٌ يَخْرُجُ بِهِ، أَيْ بِالشَّرْطِ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ، أَيِ الشَّرْطُ - لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً، وَذَلِكَ نَحْوَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ يَقْصُرُ الْإِكْرَامَ عَلَى الدَّاخِلِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ الدَّاخِلِينَ، وَلَوْلَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: " لُغَةً " لِيَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُنَا: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنْ قَدَرْتَ ; لِأَنَّ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ مَعْلُومَةُ الْخُرُوجِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَكِنَّ خُرُوجَهَا عَنْهُ عَقْلًا، لَا يُنَافِي دُخُولَهَا فِيهِ لُغَةً، فَيَصْدُقُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ: لَوْلَا الشَّرْطُ لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً.
стр. 1048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قِيلَ: قَوْلُهُ: " لِذَلِكَ " أَيْ فَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ، يَخْرُجُ بِهِ لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ لُغَةً.
وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنِ الصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا شَرْطُ الدُّخُولِ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ. لَكِنْ لَمَّا تَحَقَّقَ شَرْطُ الدُّخُولِ خَرَجَ غَيْرُ الدَّاخِلِينَ مِنَ الْمَأْمُورِينَ بِإِكْرَامِهِمْ.
وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: " وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَيْسَ بِسَبَبٍ فِي الْوَاقِعِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ السَّبَبُ عِنْدَ حُصُولِهِ لِوُجُودِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سِوَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، نَحْوَ: إِنْ تَأْتِينِي أُكْرِمْكَ. فَإِنَّ الْإِتْيَانَ لَيْسَ سَبَبَ الْإِكْرَامِ لَا شَرْعًا وَلَا عَقْلًا، وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلْإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، لَكِنْ تَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِ الْإِتْيَانِ.
ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ يَخْرُجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ " أَيْ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ عَلَيْهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ مِمَّا لَيْسَ بِسَبَبٍ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ سِوَاهُ، خَرَجَ مَا لَوْلَاهُ - لَدَخَلَ لِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ - لَكَانَ غَيْرُ الدَّاخِلِ أَيْضًا مَأْمُورًا بِإِكْرَامِهِ.
قَوْلُهُ: " لَدَخَلَ لُغَةً " أَيِ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ اقْتَضَى الدُّخُولَ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُمَانِعٌ كَانَ مِنْ خَارِجِ اللُّغَةِ.
стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
هَذَا مَا قَالَهُ.
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
[قَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى الْبَدَلِ]
ش - الشَّرْطُ قَدْ يَتَّحِدُ، مِثْلَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ، وَقَدْ يَتَعَدَّدُ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ وَالسُّوقَ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ; مِثْلَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ
стр. 1050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَيَكُونُ ثَلَاثَةً.
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ مُتَّحِدًا مِثْلَ: فَأَكْرِمْهُ، أَوْ مُتَعَدِّدًا، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ مِثْلَ أَكْرِمْهُ وَأَعْطِهِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ نَحْوَ: أَكْرِمْهُ أَوْ أَعْطِهِ، فَتَكُونُ الْأَقْسَامُ تِسْعَةً، وَالشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الِاتِّصَالِ لَفْظًا أَوْ فِي حُكْمِهِ.
وَأَيْضًا: الشَّرْطُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ، أَيْ إِذَا وَقَعَ الشَّرْطُ عُقَيْبَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ - يَعُودُ إِلَى الْكُلِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَارَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ الْوَاقِعَ عُقَيْبَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْوَاوِ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ.
فَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِعَوْدِ الشَّرْطِ إِلَى الْجَمِيعِ وَعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَأَخِّرٌ، وَالشَّرْطُ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا فَهُوَ مُقَدَّمُ مَعْنًى.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ النُّحَاةِ: أُكْرِمْكَ، فِي مِثْلِ: أُكْرِمْكَ إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ خَبَرٌ، وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ - مُرَاعَاةً لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ،
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
كَتَقَدُّمِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ.
فَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ: مُرَاعَاةٌ خَبَرُهُ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إِنْ عَنَوْا أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ لَيْسَ بِجَزَاءٍ لِلشَّرْطِ فِي اللَّفْظِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ لِلشَّرْطِ، لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، فَهُوَ عِنَادٌ ; لِأَنَّ الْإِكْرَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَأَخَّرُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَيَكُونُ جَزَاءً لَهُ مَعْنًى.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ - أَيْ أُكْرِمْكَ - جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ دُونَ الْمَعْنَى رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ فِيهِ؛ أَيْ شَائِبَةُ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَحُكِمَ بِكَوْنِهِ خَبَرًا، وَشَائِبَةُ عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَحُكِمَ بِأَنَّ الْجَزَاءَ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
[التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ]
ش - مِنْ أَقْسَامِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ: التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ.
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ إِذْ وَقَعَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوٍ فِي عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ.
[التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ]
ش - مِنْ أَقْسَامِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ: التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ. وَصِيغَتُهَا: إِلَى وَحَتَّى.
وَحُكْمُ مَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا، فَيَقْتَصِرُ الْإِكْرَامُ عَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ، كَالصِّفَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ الْغَايَةُ وَالْمُغَيَّا، أَيِ الْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا، وَقَدْ يَكُونَانِ مُتَعَدِّدَيْنِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَعْطِهِمْ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا وَيَقُومُوا. أَوْ
стр. 1053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، مِثْلَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ أَعْطِهِمْ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا أَوْ يَقُومُوا.
وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُتَّحِدًا وَالْآخَرُ مُتَعَدِّدًا.
فَتَكُونُ الْأَقْسَامُ تِسْعَةً كَالشَّرْطِ.
وَتُعْرَفُ أَمْثِلَةُ بَاقِي الْأَقْسَامِ مِمَّا مَرَّ.
وَالْغَايَةُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ بِالْوَاوِ.
وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِيهِ.
[التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ]
[التَّخْصِيصُ بِالْعَقْلِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ، شَرَعَ فِي أَقْسَامِ الْمُنْفَصِلِ.
وَهُوَ: الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ، وَالْحِسِّيُّ، وَالنَّقْلِيُّ الْقَطْعِيُّ، وَالنَّقْلِيُّ الظَّنِّيُّ.
стр. 1054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَابْتَدَأَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ.
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ مُخَصِّصٌ، وَخَالَفَهُمْ شُذُوذٌ مِنَ النَّاسِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] يُفِيدُ الْعُمُومَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ وَالْمُمْتَنِعَ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَالْمُمْتَنِعُ مَخْلُوقَيْنِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ.
الثَّانِي - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإِنَّ قَوْلَهُ: " عَلَى النَّاسِ " يُفِيدُ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى كُلِّ مَنْ هُوَ إِنْسَانٌ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالْعَقْلُ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ.
ش - احْتَجَّ الشُّذُوذُ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ مَنْعُ الْعَقْلِ مَخْلُوقِيَّةَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَتَعَلَّقَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ تَخْصِيصًا لِلْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَصَحَّتْ إِرَادَةُ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَإِرَادَةُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى النَّاسِ، لُغَةً.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ إِخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ يَصِحُّ إِرَادَتُهُ مِنْهُ.
أَجَابَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ لِلْمُفْرَدِ، وَصِحَّةُ الْإِرَادَةِ مُتَحَقِّقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُفْرَدِ وَهُوَ " كُلِّ شَيْءٍ " فِي الْآيَةِ الْأُولَى،
стр. 1055
قُلْنَا: لَكَانَ مُتَأَخِّرًا بَيَانُهُ، لَا ذَاتُهُ.
قَالُوا: لَوْ جَازَ (بِهِ لَجَازَ) النَّسْخُ.
قُلْنَا: النَّسْخُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ، قَالُوا: تَعَارَضَا.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ ﵏: إِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، وَإِلَّا فَالْعَامُّ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ تَسَاقَطَا.
لَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
وَكَذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
وَأَيْضًا: لَا يَبْطُلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - قَالُوا: إِذَا قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا ثُمَّ قَالَ: لَا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَقْتُلُ زَيْدًا؛ فَالثَّانِي نَاسِخٌ.
قُلْنَا: التَّخْصِيصُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَغْلَبُ، وَلَا رَفْعَ فِيهِ لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ.
قَالُوا: عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ: (لِتُبَيِّنَ)
قُلْنَا: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ الْمُبَيَّنُ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ.
قَالُوا: الْبَيَانُ يَسْتَدْعِي التَّأَخُّرَ.
قُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ.
قَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →