← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالْمُنَافِي لِعُمُومِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَيَكُونُ عَامًّا، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ. ش - الشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سِيقَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ إِذَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ إِذَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ. أَجَابَ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ أَبْلَغُ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ مِنْ عَدَمِهِ، فَالْحَمْلُ عَلَى التَّعْمِيمِ أَوْلَى ; لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْمَقْصُودِ. وَأَيْضًا: التَّعْمِيمُ لَا يُنَافِي الْمُبَالَغَةَ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، فَلَا تَكُونُ الْمُبَالَغَةُ مَانِعَةً مِنْهُ. [التَّخْصِيصُ] [حد التَّخْصِيصُ] ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الْعَامِّ وَأَحْكَامِهِ - شَرَعَ فِي التَّخْصِيصِ وَعَرَّفَهُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ. وَأَرَادَ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ: بَعْضَ أَجْزَائِهِ ; فَإِنَّ مُسَمَّى الْعَامِّ:

стр. 982

التَّخْصِيصُ ص - التَّخْصِيصُ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ. أَبُو الْحُسَيْنِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ عَنْهُ. وَأَرَادَ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ، كَقَوْلِهِمْ خَصَّصَ الْعَامَّ. وَقِيلَ: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ. وَأَوْرَدَ الدَّوْرَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِّ التَّخْصِيصُ اللُّغَوِيُّ. وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَامٌّ لِتَعَدُّدِهِ، كَـ (عَشَرَةٍ) ، وَ (الْمُسْلِمِينَ) الْمَعْهُودَيْنِ، وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ. وَلَا يَسْتَقِيمُ (تَخْصِيصٌ) إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدُهُ بِـ (كُلِّ) . ص - (مَسْأَلَةٌ) التَّخْصِيصُ جَائِزٌ، إِلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَكْثَرُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ يُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِهِ. وَقِيلَ: يَكْفِي ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: وَاحِدٌ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْبَدَلِ يَجُوزُ إِلَى وَاحِدٍ. وَبِالْمُتَّصِلِ - كَالصِّفَةِ - يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ. وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ، مِثْلَ قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ، وَقَدْ قَتَلَ اثْنَيْنِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ. وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ أَوِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] جَمِيعُ مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، لَا بَعْضُهُ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: التَّخْصِيصُ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ، عَنْهُ؛ أَيْ عَنِ الْخِطَابِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمِ التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِذَلِكَ الْبَعْضِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ. كَقَوْلِهِمْ خَصَّصَ الْعَامَّ، (فَإِنَّهُ يَكُونُ مَعْنَاهُ إِخْرَاجَ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي نَفْسِهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ الْبَعْضِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمُخَصِّصِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُ. فَالْعَامُّ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُخَصِّصُ أَخْرَجَ بَعْضَهَا عَنْهُ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْقَيْدِ) . وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: التَّخْصِيصُ هُوَ: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ، أَيِ التَّخْصِيصُ هُوَ: بَيَانُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ أُرِيدَ مِنْهُ بَعْضُهَا.

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَوْرَدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ، الْخُصُوصِ. وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ مُعَبَّرٍ وَاحِدٍ. فَتَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ دَوْرٌ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُصُوصِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدِّ: التَّخْصِيصُ اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ أَخَذَ فِي حَدِّ التَّخْصِيصِ الِاصْطِلَاحِيِّ. فَلَا دَوْرَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ فُسِّرَ تَعْرِيفُ أَبِي الْحُسَيْنِ بِمَا فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ يُرَدُّ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ، لَكِنْ عَلِمْتَ أَنَّ تَعْرِيفَهُ صَحِيحٌ بِدُونِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَتِمَّةً لِتَعْرِيفِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَالتَّخْصِيصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ مُسَمَّاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ عَامًّا بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ، كَمَا يُطْلَقُ الْعَامُّ الَّذِي يَكُونُ لِمُسَمَّاهُ أَجْزَاءٌ ; كَـ (عَشَرَةٍ) ، (الْمُسْلِمِينَ) الْمَعْهُودَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي مِثَالِ الْعَامِّ غَيْرَ الْمُصْطَلَحِ ضَمَائِرَ الْجَمْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمَائِرَ لَيْسَتْ مَنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ; إِذِ الْمُرَادُ بِصِيَغِ الْعُمُومِ مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لِأَنَّ عُمُومَ ضَمِيرِ جَمْعِ الْغَائِبِ تَابِعٌ لِعُمُومِ مُظْهَرِهِ، وَاحْتِيَاجُ دَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنَاهُ إِلَى تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لَا يَنْفِي عُمُومَهُ. وَضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ، لِكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إِلَى قَرِينَةِ التَّكَلُّمِ وَالْخِطَابِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمَعْهُودِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَنِ الْمَوْصُولَةَ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةِ الصِّلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْهُودٍ، بَلْ يَكُونُ عَامًّا بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ. وَالتَّخْصِيصُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدُهُ بِـ (كُلٍّ) . وَهُوَ مَا يَصِحُّ افْتِرَاقُهُ حِسًّا، كَقَوْلِهِمْ: جَاءَنِيَ الرِّجَالُ، أَوْ حُكْمًا، كَقَوْلِهِمُ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ. لِأَنَّ مَا لَا يُؤَكَّدُ بِـ (كُلٍّ) ، لَا شُمُولَ لَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ فِيمَا لَا شُمُولَ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ: التَّخْصِيصُ جَائِزٌ] ش - الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ، وَالْأَقَلُّونَ إِلَى عَدَمِهِ. حُجَّةُ الْأَكْثَرِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ وَاقِعٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] .

стр. 986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. حُجَّةُ الْأَقَلِّينَ: أَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْخَبَرِ يُوجِبُ الْكَذِبَ، وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يُوجِبُ الْبَدَاءَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَعَ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَوُجُودِ الْمُخَصِّصِ لَا يُوجِبُ. [مَسْأَلَةٌ: الْأَكْثَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ يُقَرِّبُ مِنْ مَدْلُولِهِ] ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ اخْتَلَفُوا فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا التَّخْصِيصُ ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ قَرِيبًا مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ. وَأَرَادَ بِالْقَرِيبِ: مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ. وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا. وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَى الْوَاحِدِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ (إِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ) أَوِ الْبَدَلُ،

стр. 987

لَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةً، عُدَّ لَاغِيًا (وَخُطِّئَ) . وَكَذَلِكَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ أَوْ أَكَلَ. وَفَسَّرَهُ بِثَلَاثَةٍ. ص - الْقَائِلُ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، مَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ. (وَرَدَّ بِأَنَّ الْجَمْعَ) لَيْسَ بِعَامٍّ. ص - الْقَائِلُونَ بِالْوَاحِدِ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ. قَالُوا: " وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ". وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ. قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ لَكَانَ لِتَخْصِيصِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الِجَمِيعَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ تَخْصِيصُ خَاصٍّ، بِمَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . وَأُرِيدَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَعُدْ مُسْتَهْجِنًا لِلْقَرِينَةِ. قُلْنَا: النَّاسُ لِلْمَعْهُودِ، فَلَا عُمُومَ. قَالُوا: صَحَّ أَكَلْتُ الْخُبْزَ، وَشَرِبْتُ الْمَاءَ لِأَقَلَّ. قُلْنَا: ذَلِكَ لِلْبَعْضِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ مِثْلُهُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، فَلَيْسَ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ. ص - الْمُخَصِّصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ. فَالْمُتَّصِلُ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ وَبَدَلُ الْبَعْضِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمُنْقَطِعِ، قِيلَ: حَقِيقَةٌ، وَقِيلَ: مَجَازٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ الْعَالِمَ - يَجُوزُ إِلَى الْوَاحِدِ. وَإِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ - نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ الْعُلَمَاءَ، أَوِ الشَّرْطُ، نَحْوَ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِنْ كَانُوا عَالِمِينَ - يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ. وَإِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ إِنْ كَانَ فِي الْعَامِّ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، كَمَا تَقُولُ: قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، وَقَدْ قَتَلْتَ اثْنَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَامِّ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، بَلْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ - مِثْلَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، أَوْ فِي الْمَحْصُورِ الْكَثِيرِ، مِثْلَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَقَدْ كَانَ أَلْفًا - يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْبَاقِي قَرِيبًا مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَاحْتَجَّ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَامِّ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ مِنْ بَقَاءِ عَدَدٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ، نَحْوَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ، (نَحْوَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ) أَوْ مَحْصُورًا

стр. 989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَثِيرًا، (نَحْوَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَلْفًا. وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةً، عُدَّ لَاغِيًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ، وَقَدْ أَكَلَ ثَلَاثَةً. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَوْ أَكَلَ، فَأَكْرِمْهُ، وَفُسِّرَ بِثَلَاثَةٍ. فَلَوْ جَازَ التَّخْصِيصُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِلَى ثَلَاثَةٍ لَمَا عُدَّ لَاغِيًا. ش - الْقَائِلُ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ إِلَى اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ احْتَجَّ بِمَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ: الِاثْنَانِ. وَبِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ أَقَلَّهُ: ثَلَاثَةٌ. أَجَابَ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ، لَا تَقْتَضِي إِلَّا أَنَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَمْعٌ. وَلَيْسَ كُلُّ جَمْعٍ بِعَامٍّ، حَتَّى يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى مَا صَحَّ

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَيْهِ. ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ إِلَى الْوَاحِدِ، احْتَجُّوا

стр. 991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ فِي اللُّغَةِ ; فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إِلَّا عَالِمٌ وَاحِدٌ - صَحَّ، وَلَمْ يُسْتَقْبَحْ. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّخْصِيصُ إِلَى الْوَاحِدِ لَكَانَ مُسْتَقْبَحًا. أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُخَصَّصٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوُهُ جَائِزٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّتُهُ فِي غَيْرِهِ. الثَّانِي - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] . فَإِنَّهُ أَطْلَقَ " إِنَّا " وَأَرَادَ نَفْسَهُ، وَهُوَ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ. أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ ; فَإِنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ لَيْسَ بِعَامٍّ. وَفِيهِ مَا قَدْ عَرَفْتَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَى الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَنَازَعٍ فِيهِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي جَوَازِ إِخْرَاجِ الْبَعْضِ إِلَى الْوَاحِدِ، لَا فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ بِالْمَجَازِ.

стр. 992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّالِثُ - أَنَّ التَّخْصِيصَ إِلَى الْوَاحِدِ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِأَجْلِ التَّخْصِيصِ إِذْ لَا مَانِعَ غَيْرُهُ. وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ كُلُّ تَخْصِيصٍ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ تَخْصِيصُ (خَاصٍّ، لَا كُلُّ تَخْصِيصٍ ; إِذْ كُلُّ تَخْصِيصٍ لَا يَكُونُ مُسْتَقْبَحًا، بَلِ التَّخْصِيصُ) إِلَى الْوَاحِدِ (يَكُونُ) مُسْتَقْبَحًا. فَيَكُونُ هُوَ لَا غَيْرَ. الرَّابِعُ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . فَإِنَّهُ أَطْلَقَ " النَّاسَ " الَّذِي هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَأَرَادَ وَاحِدًا وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ. فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى الْوَاحِدِ جَائِزًا.

стр. 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّاسَ عَامٌّ. بَلِ الْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ: الْمَعْهُودُ. وَالْمَعْهُودُ لَا عُمُومَ فِيهِ. الْخَامِسُ - أَنَّهُ صَحَّ إِطْلَاقُ أَكَلْتُ الْخُبْزَ وَشَرِبْتُ الْمَاءَ لِأَقَلِّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَالْخُبْزُ وَالْمَاءُ عَامٌّ ; لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ; إِذْ لَا مَعْهُودَ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ، فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَامِّ عَلَى الْوَاحِدِ. أَجَابَ بِأَنَّ اللَّامَ فِيهِمَا لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ مَاهِيَّةُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ تَحَقُّقُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ - حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْدِ، لِضَرُورَةِ الْوُجُودِ. فَالْمُرَادُ: الْبَعْضُ الْمُطَابِقُ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، مِثْلَ مَا يَكُونُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَعْهُودَ الذِّهْنِيَّ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ، بِخِلَافِ الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ. وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْمَعْهُودَ الذِّهْنِيَّ لَا يَكُونُ مِنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ -. [الْمُخَصِّصُ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ] [المخصصات المتصلة] [التخصيص بالِاسْتِثْنَاءُ] [أقسام الاستثناء] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ الْمُخْرِجُ وَهُوَ: إِرَادَةُ اللَّافِظِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُخَصِّصُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَى إِرَادَةِ اللَّافِظِ بِالْمَجَازِ وَالْمُخَصِّصُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي إِمَّا مُتَّصِلٌ، أَوْ مُنْفَصِلٌ.

стр. 994

وَعَلَى الْحَقِيقَةِ، قِيلَ: مُتَوَاطِئٌ، وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ. وَلَا بُدَّ لِصِحَّتِهِ مِنْ مُخَالَفَةٍ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى حُكْمٌ آخَرُ، لَهُ مُخَالَفَةٌ بِوَجْهٍ، مِثْلَ: مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ. وَلِأَنَّ الْمُتَّصِلَ أَظْهَرُ، لَمْ يَحْمِلْهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ، إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ. وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا فِي: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، وَشِبْهُهُ: إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ. ص - وَأَمَّا حَدُّهُ ; فَعَلَى التَّوَاطُؤِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا، غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا وَعَلَى الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَدٍّ. فَيُقَالُ فِي الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ. وَأَمَّا الْمُتَّصِلُ - فَقَالَ الْغَزَّالِيُّ ﵀: قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِهِ التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفِ بِـ " الَّذِي "، وَالْغَايَةِ، وَمِثْلَ قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ. وَلَا يُرَدُّ الْأَوَّلَانِ. وَعَلَى عَكْسِهِ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا ; فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْمُتَّصِلُ أَرْبَعَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَدْ زَادَ الْمُصَنِّفُ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ بَدَلُ الْبَعْضِ عَنِ الْكُلِّ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ الْمُبْدَلَ فِي حُكْمِ الطَّرْحِ، وَالْبَدَلُ قَدْ أُقِيمَ مَقَامَهُ، فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ. وَخَصَّ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ الْبَعْضِ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا دُونَ الْأَبْدَالِ الْبَاقِيَةِ ; لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُتَنَاوَلَةٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُنْقَطِعِ، مِثْلَ: جَاءَنِيَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا. فَقِيلَ: إِنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْحَقِيقَةِ اخْتَلَفُوا: فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ مُتَوَاطِئٌ، أَيْ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.

стр. 996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالْمَجَازِ: أَنَّ الْمُتَّصِلَ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمُتَّصِلِ، مَجَازًا فِي الْمُنْقَطِعِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْبِقِ الْمُتَّصِلُ إِلَى الْفَهْمِ. حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالتَّوَاطُؤِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْقَسِمُ إِلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ. وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ مُتَوَاطِئًا. حُجَّةُ الْقَائِلِ بِالِاشْتِرَاكِ: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ، وَفِي الْمُتَّصِلِ الْإِخْرَاجُ، وَفِي الْمُنْقَطِعِ الْمُخَالَفَةُ، فَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيُجْعَلُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِ الْمَفْهُومَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَهُ دُونَ الْآخَرِ. وَالْحَقُّ: الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُتَّصِلَ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ يُعْرَفُ ضَعْفُ الْمَذْهَبَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَلَا بُدَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى حُكْمٌ آخَرُ، لَهُ مُخَالَفَةٌ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: مَا جَاءَنِيَ الْقَوْمُ إِلَّا حِمَارًا. مِثَالُ الثَّانِي: مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ، وَمَا نَفَعَ إِلَّا مَا ضَرَّ.

стр. 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَالَ سِيبَوَيْهِ: " مَا " الْأُولَى نَافِيَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، وَفَاعِلُ زَادَ وَنَفَعَ مُضْمَرٌ، وَمَفْعُولُهُمَا مَحْذُوفٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: مَا زَادَ فُلَانٌ شَيْئًا إِلَّا نُقْصَانًا، وَمَا نَفَعَ فُلَانٌ إِلَّا مَضَرَّةً. فَالْمُسْتَثْنَى - وَهُوَ النُّقْصَانُ وَالْمَضَرَّةُ - حُكْمٌ مُخَالِفٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنَّفْعُ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ; لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَلَمَّا كَانَ إِطْلَاقُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُتَّصِلِ أَظْهَرَ وَأَقْوَى، لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً - لَمْ يَحْمِلْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُنْقَطِعِ، مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَّصِلِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَهُ عِنْدِي

стр. 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، وَشِبْهَهُ - يُقَدَّرُ قِيمَةَ ثَوْبٍ، لِيَكُونَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ. [حد الاستثناء] ش - حَدُّ الِاسْتِثْنَاءِ - بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئًا -: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا. نَحْوَ: لَيْسَ، وَلَا يَكُونُ، وَعَدَا، وَخَلَا، وَمَا خَلَا، وَمَا عَدَا، وَحَاشَا، وَسِوَى، وَغَيْرَ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا وَأَخَوَاتِهَا عَمَّا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ لَا بِهَا نَحْوَ: جَاءَنِيَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَجِئْ زَيْدٌ، وَقَامَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو. وَإِنَّمَا قَيَّدَ إِلَّا بِكَوْنِهَا غَيْرَ الصِّفَةِ احْتِرَازًا عَنْ إِلَّا الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَهِيَ مَا كَانَتْ تَابِعَةً لِجَمْعٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى، نَحْوَ قَوْلِهِ

стр. 999

وَقِيلَ: لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌّ عَلَى (أَنَّ) مَدْلُولَهُ غَيْرَ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ. وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِهِ: قَامَ الْقَوْمُ، لَا زَيْدٌ. وَعَلَى عَكْسِهِ مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ (بِجُمْلَةٍ وَأَنَّ مَدْلُولَ كُلِّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ) مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ. وَالِاحْتِرَازُ مِنَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَهْمٌ. وَالْأَوْلَى: إِخْرَاجٌ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا. ص - وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. فَالْأَكْثَرُ: الْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) فِي قَوْلِكَ: " عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً " سَبْعَةٌ وَ " إِلَّا " قَرِينَةٌ لِذَلِكَ، كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً بِإِزَاءِ سَبْعَةٍ، كَاسْمَيْنِ مُرَكَّبٍ وَمُفْرَدٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) : عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ ثَلَاثَةٌ. وَالْإِسْنَادُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، فَلَمْ يُسْنَدْ إِلَّا إِلَى سَبْعَةٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. لَنَا: أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِالِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْحَقِيقَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَدٍّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، بِأَنْ يُقَالَ: الْمَذْكُورُ بَعْدَ إِلَّا وَأَخَوَاتِهَا -. وَإِذَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ الْمَعْنَى احْتَاجَ كُلٌّ إِلَى حَدٍّ. فَيُقَالُ فِي حَدِّ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرَ الصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ. وَالْقُيُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ قَدْ مَرَّ فَائِدَتُهَا. وَقَوْلُهُ: " مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ " إِحْتِرَازٌ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ فَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ فِي حَدِّهِ: إِنَّهُ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. فَقَوْلُهُ: " قَوْلٌ " أَيْ كَلِمَاتٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 1001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَوْلُهُ: " ذُو صِيَغٍ " فَإِنَّ الصِّيَغَ لَا تَكُونُ لِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْفِعْلِ وَالْعَقْلِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ. وَقَوْلُهُ: " مَخْصُوصَةٌ " احْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَلِمَاتٍ لَا تَكُونُ لَهَا تِلْكَ الصِّيَغُ. وَالْمُرَادُ بِالصِّيَغِ الْمَخْصُوصَةِ: أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " مَحْصُورَةٌ " مَعْدُودَةٌ، قَلِيلَةٌ. وَقَوْلُهُ: " دَالٌّ " إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى غَايَةِ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ هَكَذَا: أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ، كَلِمَاتٌ ذَوَاتُ صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَعْدُودَةٍ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ بَعْدَهَا بِوَاسِطَتِهَا لَا يَكُونُ مُرَادًا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ: التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: أَكْرِمِ النَّاسَ إِنْ كَانُوا عَالِمِينَ. وَبِالْوَصْفِ بِـ الَّذِي، وَالَّتِي، وَاللَّذَيْنِ، وَاللَّتَيْنِ، وَالَّذِينَ، وَاللَّاتِي، وَالْغَايَةِ. وَمِثْلَ: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ.

стр. 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَحْصُورَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْوَصْفَ بِـ " الَّذِي " ; لِأَنَّ الْوَصْفَ بِغَيْرِهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ شَيْءٌ. بِخِلَافِ الْوَصْفِ بِـ " الَّذِي " فَإِنَّهُ يُذْكَرُ بَعْدَهُ الصِّلَةُ. وَالْمُصَنِّفُ مَنَعَ وُرُودَ الْأَوَّلَيْنِ، أَعْنِي التَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِمَا لَمْ يُرَدَّ بِالْقَوْلِ السَّابِقِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا كَلَامُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يُرَدُّ الْأَخِيرُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّيَغِ الْمَخْصُوصَةِ أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ. وَالْغَايَةُ وَمِثْلُ: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ لَا يَكُونُ مَذْكُورًا بِأَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ. ، وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِ هَذَا الْحَدِّ مِثْلَ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِثْنَاءً. وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا يَنْدَفِعُ هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَعْرِيفَ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ، لَا تَعْرِيفَ وَاحِدٍ مِنْهَا. فَلَا يَلْزَمُ صِدْقُ التَّعْرِيفِ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا.

стр. 1003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ: إِنَّهُ لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرَ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ. فَقَوْلُهُ: " لَفْظٌ " احْتِرَازٌ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْفِعْلِ وَالْعَقْلِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ. وَقَوْلُهُ: " مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ. وَقَوْلُهُ: " لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ " احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: قَامَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ ; فَإِنَّ قَوْلَنَا: لَمْ يَقُمْ، لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، وَلَكِنْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ: " دَالٌّ " احْتِرَازٌ عَنِ الْمُهْمَلَاتِ. وَقَوْلُهُ: " عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ " أَيْ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ. وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ، نَحْوَ جَاءَنِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ. وَقَوْلُهُ: " لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ " احْتِرَازٌ عَنْهَا. وَأَوْرَدَ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ: جَاءَ الْقَوْمُ لَا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ.

стр. 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَوْرَدَ عَلَى عَكْسِهِ مِثْلَ: مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ ; فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِجُمْلَةٍ. وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى عَكْسِهِ أَنَّ مَدْلُولَ كُلِّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. وَأَيْضًا: الِاحْتِرَازُ عَنِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَهْمٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَا بِقَوْلِهِ: " غَيْرُ مُرَادٍ " فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهِمَا. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ: إِنَّهُ إِخْرَاجٌ بِإِلَّا أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. [اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ] ش - اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ لَهَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَّنَ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُسْتَثْنَى

стр. 1005

الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا، أَوْ نَحْوَهُ، لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا (مِنْ نِصْفِهَا) . وَلِأَنَّهُ (كَانَ) يَتَسَلْسَلُ. وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا. وَلِإِجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ. وَلِإِبْطَالِ النُّصُوصِ. وَلِلْعِلْمِ بِأَنَّا نُسْقِطُ الْخَارِجَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ. وَالثَّانِي كَذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ ; إِذْ لَا تَرْكِيبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَا يُعْرَبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ. وَلِامْتِنَاعِ إِعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى جُزْءِ الِاسْمِ فِي " إِلَّا نَصِفَهَا ". وَلِإِجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى آخِرِهِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِنْهُ مَا بَقِيَ، فَالْمُرَادُ بِـ (عَشَرَةٍ) فِي قَوْلِكِ: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً،: سَبْعَةٌ، وَ " إِلَّا " قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِذَلِكَ، كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعَامِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَآلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيعًا مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ: مَا يُفْهَمُ آخِرًا. حَتَّى كَأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعُوا بِإِزَاءِ مَعْنَى السَّبْعَةِ اسْمَيْنِ: مُرَكَّبًا وَمُفْرَدًا. فَالْمُرَكَّبُ هُوَ: عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً، وَالْمُفْرَدُ هُوَ: سَبْعَةٌ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: الْجَمِيعُ؛ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِالْإِسْنَادِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهُ الْمُسْتَثْنَى، وَحُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. فَلَمْ يُسْنَدْ إِلَّا إِلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ. (مَثَلًا قَوْلُنَا: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً؛ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَشَرَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَفْرَادُ: مَجْمُوعُ آحَادِهَا، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَأُسْنِدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ) فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ سَبْعَةٌ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَاحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ

стр. 1007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الِاسْتِثْنَاءِ - لَزِمَ أَنْ يُرَادَ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِ الْجَارِيَةِ مِنْ نِصْفِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ نِصْفَهَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَقَدِ اسْتَثْنَى عَنْهُ نِصْفَهَا، فَيَلْزَمُ اسْتِثْنَاءُ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاشْتِرَاءُ وَقَعَ عَلَى الْجَارِيَةِ كُلِّهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَاسْتَثْنَى مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاشْتِرَاءُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِتَبَيُّنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ نِصْفُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ مِنَ النِّصْفِ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ مَثَلًا، إِذَا كَانَ نِصْفَهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نِصْفَهُ، فَيَكُونُ نِصْفُ النِّصْفِ مُخْرَجًا بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ - نِصْفُ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ الْبَاقِي بِحَدِّ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ عَنْهُ، وَقَدْ أُخْرِجَ

стр. 1008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الَّذِي هُوَ نِصْفُ النِّصْفِ، وَهَلُمَّ جَرَّا، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الَّذِي هُوَ الْكُلُّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ النِّصْفُ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَثْنَى النِّصْفَ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ النِّصْفُ رَاجِعًا إِلَى النِّصْفِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ النِّصْفُ حِينَئِذٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْجَارِيَةِ بِكَمَالِهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إِلَى النِّصْفِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ هُوَ اللَّفْظُ. كَمَا إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ (شَخْصٍ) فِي (جَاءَ شَخْصٌ) وَأُرِيدَ بِهِ امْرَأَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى اللَّفْظِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نِصْفَ اللَّفْظِ. الرَّابِعُ - لَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِنَا: اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إِلَّا نِصْفَهَا إِخْرَاجَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.

стр. 1009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْمُلَازَمَةَ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ النِّصْفَ، وَيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجَ النِّصْفِ مِنَ الْكُلِّ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. الْخَامِسُ - لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ النُّصُوصِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ " الْعَشَرَةَ " نَصٌّ فِي مَدْلُولِهَا، فَلَوْ أُرِيدَ بِهَا سَبْعَةٌ لَزِمَ بُطْلَانُ النَّصِّ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النَّصُّ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَالْعَشَرَةُ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهَا قَرِينَةُ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ كَذَلِكَ. السَّادِسُ - إِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّا نُسْقِطُ الْخَارِجَ؛ أَيِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَيُعْلَمُ بَعْدَ إِسْقَاطِهِ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ. فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: هُوَ الْبَاقِي لَمْ يَكُنِ الْإِسْقَاطُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الْبَاقِي مُسْنَدًا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْخَارِجِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى حُصُولِ خَارِجٍ.

стр. 1010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَعَلَى تَقْدِيرِ مَنْ يَرَى أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْبَاقِيَ، لَمْ يَحْصُلْ خَارِجٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَاقِي، لَمْ يَحْصُلْ خَارِجٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِسْقَاطُ الْخَارِجِ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لَا بِحَسَبِ مَا هُوَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ ; إِذْ لَمْ يَتَرَكَّبْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ (فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ يُفْضِي إِلَى تَرْكِيبِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ وَضْعُ مُرَكَّبٍ مِنْ كَلِمَاتٍ) أَوَّلُهَا مُعْرَبٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ. الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الضَّمِيرُ فِي " إِلَّا نِصْفَهَا " عَائِدًا إِلَى جُزْءِ الِاسْمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِامْتِنَاعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى جُزْءِ الِاسْمِ. الرَّابِعُ - أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ إِخْرَاجًا. وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ. ش - الْقَائِلُونَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُرَادَ بِعَشَرَةٍ: عَشَرَةٌ بِكَمَالِهَا ; لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إِلَّا بِسَبْعَةٍ. فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: سَبْعَةً. وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. أَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْعَشَرَةِ. فَحِينَئِذٍ قَدْ أُرِيدَ بِالْعَشَرَةِ: الْعَشَرَةُ بِكَمَالِهَا، وَأُخْرِجَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ قَبْلَ الْإِسْنَادِ، ثُمَّ أُسْنِدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ الْحُكْمُ إِلَى الْبَاقِي، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبْعَةٍ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَشَرَةِ مَثَلًا عَشَرَةً بِكَمَالِهَا امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ - وَهُوَ اللَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] .

стр. 1011

ص - قَالَ الْأَوَّلُونَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُرَادَ عَشَرَةٌ بِكَمَالِهَا ; لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إِلَّا بِسَبْعَةٍ. فَيَتَعَيَّنُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ. قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشَرَةً امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] . وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ. ص - الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةً، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةً - تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ. وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ. فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ. وَعَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصٌ. وَعَلَى الْمُخْتَارِ مُحْتَمَلٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ. الِاتِّصَالُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ، كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ، وَنَحْوِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَصِحُّ، وَإِنْ طَالَ شَهْرًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالنِّيَّةِ كَغَيْرِهِ. وَحُمِلَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِقُرْبِهِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً. لَنَا: لَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلْ ﵇: " «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» " مُعَيَّنًا: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَسْهَلُ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْإِقْرَارَاتِ، وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاللَّازِمُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَلْفِ تَمَامَ آحَادِهِ. فَإِذَا أُخْرِجَ مِنْهُ خَمْسُونَ لَزِمَ كَذِبُ أَحَدِهِمَا. أَجَابَ بِأَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَادِ، وَالْإِسْنَادُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَذِبٌ. ش - قَالَ الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: عَشَرَةً بِكَمَالِهَا بِدَلِيلِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَشَرَةٍ: سَبْعَةً تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إِبْطَالَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ.

стр. 1013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ ; إِذْ لَا إِخْرَاجَ وَلَا قَصْرَ. وَعَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ تَخْصِيصٌ ; لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَقَصْرُ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ قُصِرَ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ تَخْصِيصًا نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ تَمَامُ مُسَمَّاهُ. [مَسْأَلَةٌ: شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ] ش - ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ اتِّصَالُهُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِ الِاتِّصَالِ لَفْظًا كَقَطْعِهِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الِاتِّصَالِ اللَّفْظِيِّ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَصِحُّ انْفِصَالُ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا شَهْرًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ انْفِصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالنِّيَّةِ، أَيْ مَعَ إِضْمَارِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ التَّخْصِيصُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ.

стр. 1014

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يُعْلَمَ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ. ص - قَالُوا: قَالَ ﵇: " «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا " ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى (السُّكُوتِ الْعَارِضِ لِمَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: «سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ. فَقَالَ ﵇ غَدًا أُجِيبُكُمْ. فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. ثُمَّ نَزَلَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] . فَقَالَ ﵊: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . قُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى) أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مُتَأَوَّلٌ بِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ. وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي بِمَنْعِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالْقَاضِي (أَيْضًا) بِمَنْعِهِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَحُمِلَ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوَابِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ انْفِصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ فَقَطْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ أَزَلِيٌّ. وَالِانْفِصَالُ حَالَ الْخِطَابِ لَا يُخِلُّ بِالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ. وَهَذَا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; إِذِ الْكَلَامُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، بَلْ فِي الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ ﵇ عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ فِي تَخَلُّصِ الْحَالِفِ إِذَا رَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ. فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ جَائِزًا - لَمَا عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ لِأَجْلِ التَّخَلُّصِ، بَلْ أَرْشَدَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ إِرْشَادَ طَرِيقِ الْأَسْهَلِ أَوْلَى. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَهَا ثَبَتَ الْإِقْرَارَاتُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ ; لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِثُبُوتِ شَيْءٍ مِنْهَا ; لِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُنْفَصِلِ. الثَّالِثُ - لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُ خَبَرٍ وَلَا كَذِبُهُ أَصْلًا ; لِإِمْكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ حِينٍ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ. ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:

стр. 1017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْأَوَّلُ - أَنَّهُ قَالَ ﵇: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا " ثُمَّ سَكَتَ، وَقَالَ بَعْدَ زَمَانٍ: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . أَجَابَ بِأَنَّ السُّكُوتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَارِضٍ لَا يُخِلُّ بِالِاتِّصَالِ، كَمَا ذُكِرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. الثَّانِي - «أَنَّ الَيْهُودَ سَأَلُوهُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ فَقَالَ ﵇: " غَدًا أُجِيبُكُمْ " وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] فَقَالَ ﵇ ; " إِنْ شَاءَ اللَّهُ» إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " غَدًا أُجِيبُ ". أَجَابَ (بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلْحَاقًا بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَيُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. الثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصِحَّتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ. أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَّا مُتَأَوَّلٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ جَوَازُ الِانْفِصَالِ بِالنِّيَّةِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْفِصَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ] ش - الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا (لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ) أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، أَوْ أَقَلَّ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً. وَالرَّابِعُ (جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ (عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً

стр. 1019

وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا. لَنَا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ، بِدَلِيلِ: " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ ". فَالْمُسَاوِي أَوْلَى. وَأَيْضًا: " «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» ". وَأَيْضًا: فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (عَلَيَّ) عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً - لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ. وَلَوْلَا ظُهُورُهُ لَمَا اتَّفَقُوا (عَلَيْهِ) عَادَةً. ص - الْأَقَلُّ: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ إِلَى آخِرِهِ. وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ. وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلِيلُ مُتَّبَعٌ. قَالُوا: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفَ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ، مُسْتَقْبَحٌ دَكِيكٌ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، كَعَشَرَةٍ إِلَّا دَانِقًا، وَدَانِقًا إِلَى عِشْرِينَ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ، قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَمِيعِ. وَالْحَنَفِيَّةُ: لِلْأَخِيرَةِ. وَالْقَاضِي وَالْغَزَّالِيُّ: بِالْوَقْفِ. وَالشَّرِيفُ: بِالِاشْتِرَاكِ. أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تَبَيَّنَ الْإِضْرَابُ عَنِ الْأُولَى فَلِلْأَخِيرَةِ؛ مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا أَوِ اسْمًا، وَلَيْسَ الثَّانِي ضَمِيرَهُ. أَوْ حُكْمًا غَيْرَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غَرَضٍ. وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ الِانْقِطَاعُ فَلِلْأَخِيرَةِ، وَالِاتِّصَالُ لِلْجَمِيعِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ. ص - الشَّافِعِيَّةُ: الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ. قَالُوا: لَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ وَلَا شَرِبْتُ وَلَا ضَرَبْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى جَوَازِهِمَا، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً. وَذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي أَوَّلًا إِلَى مَنْعِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْقَاضِي آخِرًا بِمَنْعِ الْجَوَازِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسَاوِي. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ خَاصَّةً؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَدَدُ صَرِيحًا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ أَيْضًا، مِثْلَ خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ إِلَّا مَا فِي الْكِيسِ (الْفُلَانِيِّ) وَكَانَ مَا فِي الْكِيسِ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ لَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
следующие страницы →