← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَلَا نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَإِذَا كَانَتْ وُجُودَ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءَ شَرْطٍ، لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي. لَنَا: إِنَّهُ إِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ مَعَ الْمُقْتَضَى، كَانَ مَعَ عَدَمِهِ أَجْدَرَ. قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ، فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَائِهِ. قُلْنَا: أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الشَّافِعِيَّةُ: حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا الْبَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. وَالْحَنَفِيَّةُ: بِالنَّصِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّصَّ عُرْفُ الْمَعْنَى، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قِيلَ: هَذَا عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَفْيَ الْمُعَارِضِ شَرْطٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ ثَمَّةَ شَرْطٌ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ. وَهَاهُنَا لَمْ يُشْتَرَطْ نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعًا فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ مُطْلَقًا، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ وُجُودِ مَانِعٍ، كَعَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَبِّ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ، كَعَدَمِ وُجُوبِ الرَّجْمِ ; لِعَدَمِ الْإِحْصَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْمُقْتَضِي، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا انْتَفَى مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، كَانَ انْتِفَاؤُهُ مَعَ عَدَمِ الْمُقْتَضِي لِأَحَدِهِمَا أَجْدَرَ. الْقَائِلُونَ بِلُزُومِ وُجُودِ الْمُقْتَضِي قَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي، فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي، لَا لِوُجُودِ الْمَانِعِ أَوِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ. أَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ الْمُقْتَضِي، وَوُجُودَ الْمَانِعِ، وَانْتِفَاءَ الشَّرْطِ أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ لِمَدْلُولٍ وَاحِدٍ أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ. [هل الحكم ثابت بالعلة أو بالنص] ش - ذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ النَّصَّ مُعَرِّفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمَا فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ كَوْنَ الْعِلَّةِ بَاعِثَةً عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لَا يُنَافِي كَوْنَ النَّصِّ مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ. [من أركان القياس الفرع] [شُرُوطُ الْفَرْعِ] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، شَرَعَ فِي شُرُوطِ الْفَرْعِ.

стр. 1403

ص - شُرُوطُ الْفَرْعِ: مِنْهَا: أَنْ يُسَاوِيَ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الْأَصْلِ فِيمَا يَقْصِدُ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ جِنْسٍ كَالشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ، وَكَالْجِنَايَةِ فِي قِصَاصِ الْأَطْرَافِ عَلَى النَّفْسِ. ص - وَأَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِنْسٍ، كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ، وَكَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ فِي الصَّغِيرَةِ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهَا فِي الْمَالِ. ص - وَأَنْ لَا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ ; لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ ; لِتَأَخُّرِ الْأَصْلِ. نَعَمْ، يَكُونُ إِلْزَامًا. وَقِيلَ: وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فِي الْجُمْلَةِ، لَا التَّفْصِيلُ. وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ قَاسُوا (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِنْهَا: أَنْ يُسَاوِيَ الْفَرْعُ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الْأَصْلِ، أَيْ يَكُونُ عِلَّةُ حُكْمِ الْفَرْعِ مُتَسَاوِيَةً لِعِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ فِي الْعِلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْمَقْصُودُ عَيْنَ الْعِلَّةِ، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ الَّتِي هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ مُتَسَاوِيَةٌ لِعِلَّةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الَّتِي هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَعَيْنُ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ مَقْصُودَةٌ. أَوْ جِنْسَهَا، كَالْجِنَايَةِ فِي قِيَاسِ قِصَاصِ الْأَطْرَافِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ، فَإِنَّ عِلَّةَ قِصَاصِ الْأَطْرَافِ مُسَاوِيَةٌ لِعِلَّةِ قِصَاصِ النَّفْسِ فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ، وَالْجِنَايَةُ جِنْسُ عِلَّةِ قِصَاصِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْفَرْعِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِعِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْمَقْصُودِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ مَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْفَرْعِ، فَلَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ. ش - وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَرْعِ أَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً لِلْحِكْمَةِ مِنْ عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ مِنْ جِنْسِهِ.

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْأَوَّلُ: كَقِيَاسِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُحَدَّدِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْمُثْقَلِ بِعَيْنِهِ يُسَاوِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْمُحَدَّدِ. وَالثَّانِي: كَقِيَاسِ الْوِلَايَةِ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْوِلَايَةِ فِي مَالِهَا، فَإِنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ مُسَاوِيَةٌ لِوِلَايَةِ الْمَالِ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ. ش - وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَرْعِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَكَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، لَا بِالْقِيَاسِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُقَدَّمًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُتَقَدَّمٌ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّمْ حُكْمُ الْفَرْعِ عَلَى حُكْمِ

стр. 1406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْأَصْلِ، يَلْزَمُ ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ عِلَّتِهِ ; لِأَنَّ عِلَّتَهُ لِكَوْنِهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، فَيَلْزَمُ تَأَخُّرُ عِلَّةِ الْفَرْعِ عَنْ حُكْمِهِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. نَعَمْ، يَصِحُّ أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ إِلْزَامًا لِلْخَصْمِ. قِيلَ: وَمِنَ الشَّرَائِطِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَاسُوا (أَنْتِ حَرَامٌ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ) ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْفَرْعُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا. [مَسَالِكُ الْعِلَّةِ] [المسلك الأول والثاني الإجماع والنص] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ وَشَرَائِطِهَا، شَرَعَ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ. الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِ

стр. 1407

مَسَالِكُ الْعِلَّةِ ص - مَسَالِكُ الْعِلَّةِ، الْإِجْمَاعُ، النَّصُّ. الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ. الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ مَرَاتِبُ: صَرِيحٌ، مِثْلُ: لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ، أَوْ لِأَجَلِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ، أَوْ كَيْ، أَوْ إِذًا. وَمِثْلُ: لِكَذَا، أَوْ إِنْ كَانَ كَذَا، أَوْ بِكَذَا. أَوْ مِثْلُ: فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّاوِي: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ، سَوَاءٌ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَقُلْهُ. ص - وَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ، وَهُوَ الِاقْتِرَانُ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، أَوْ نَظِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، كَانَ بَعِيدًا، مِثْلُ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً. كَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ. فَإِنْ حَذَفَ بَعْضَ الْأَوْصَافِ، فَتَنْقِيحٌ. ص - وَمِثْلُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذًا.» وَمِثَالُ النَّظِيرِ: لَمَّا سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: «إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ.» فَنَظِيرُهُ فِي الْمَسْئُولِ كَذَلِكَ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﵊ لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ فَقَالَ: لَا» . مِنْ ذَلِكَ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ - سَوَاءٌ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا - يُثْبِتُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى كَوْنِ الصِّغَرِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي قِيَاسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى وِلَايَةِ الْمَالِ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الصَّرِيحُ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ بِالْوَضْعِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهَا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا. وَالْأُولَى: وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِلَفْظٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلُ: " لِعِلَّةِ كَذَا "، " أَوْ لِسَبَبِ كَذَا "، " أَوْ لِأَجْلِ كَذَا "، مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ» .

стр. 1409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَوْ " مِنْ أَجْلِ كَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] . أَوْ " كَيْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾ [الحشر: ٧] . وَالدُّولَةُ فِي الْمَالِ، يُقَالُ: صَارَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَهُمْ يَتَدَاوَلُونَهُ مَرَّةً لِهَذَا، وَمَرَّةً لِهَذَا. أَوْ " إِذًا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥] ، أَيْ ضِعْفَ الْعَذَابِ حَيًّا وَمَيِّتًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، قَدْ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلَ: " لِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . أَوْ " أَنْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ - أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٣ - ١٤] .

стр. 1410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْعُتُلُّ: الْغَلِيظُ الْجَافِي. الزَّنِيمُ: الْمُسْتَلْحَقُ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اللَّئِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِلُؤْمِهِ. أَوْ " بِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ. أَمَّا اللَّامُ، فَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُ جَهَنَّمَ غَرَضًا بِالِاتِّفَاقِ. وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ. فَإِنَّ اللَّامَ هَاهُنَا لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ. وَأَمَّا " أَنْ " فَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ زَيْدًا لِلتَّأْدِيبِ، فَإِنَّ " أَنْ " هَاهُنَا لَا يَكُونُ لِلْغَرَضِ. وَأَمَّا الْبَاءُ ; فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] .

стр. 1411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِمَّا أَنْ تُذْكَرَ الْعِلِّيَّةُ بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُدْخِلَ الْفَاءَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا، كَقَوْلِهِ ﵇ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَالْكُلُومُ: جَمْعُ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجِرَاحَةُ. وَالْوَدَجُ: عِرْقٌ فِي الْعُنُقِ، وَالْجَمْعُ أَوْدَاجٌ. وَقَوْلُهُ: " تَشْخُبُ "، أَيْ تَتَفَجَّرُ. الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ فِي الْحُكْمِ، وَتَكُونُ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي، كَقَوْلِ الرَّاوِي: «سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ» . وَ «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي الْعَدْلُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً، لَمْ يَقُلْهُ. ش - الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ النَّصِّ: أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ لَا بِالْوَضْعِ، بَلْ بِالتَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَصْفُ، أَوْ نَظِيرُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، كَانَ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنَ الشَّارِعِ. وَالْإِيمَاءُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الرَّسُولِ وَاقِعَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَصْفٍ ; لِيُبَيِّنَ

стр. 1413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الرَّسُولُ ﵇ حُكْمَهَا، فَيَذْكُرُ الرَّسُولُ ﵇ حُكْمَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عُقَيْبَ الرَّفْعِ. مِثْلُ وَاقِعَةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا رَفَعَ الْوَاقِعَةَ إِلَى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﵇: أَعْتِقْ رَقَبَةً. فَإِنَّ اقْتِرَانَ إِيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِوَصْفِ الْوَدَاعِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ بَعِيدًا مِنَ الرَّسُولِ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يَسْبِقُ فَهْمُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِأَجْلِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ، فَكَفِّرْ. فَإِنْ حُذِفَ مِنَ الْوَصْفِ الْمُقْتَرِنِ بِالْحُكْمِ بَعْضُ الْأَوْصَافِ الَّذِي لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ، كَوُرُودِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَكَكَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ يُسَمِّي الْإِيمَاءَ: تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ، أَيْ تَنْقِيحَ مَا نَاطَ بِهِ حُكْمُ الشَّارِعِ عَنِ الزَّوَائِدِ. ش - الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَدِّرَ الشَّارِعُ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ مِنَ الشَّارِعِ بَعِيدًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيرُ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ، أَوْ فِي نَظِيرِهِ. مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ ﵇ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ ﵇: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: فَلَا إِذًا» . فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ نُقْصَانِ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ الْجَوَابَ يَتِمُّ بِدُونِهِ. مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي نَظِيرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَتْهُ ﵇ الْخَثْعَمِيَّةُ، وَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ؟ فَقَالَ ﵇: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ:

стр. 1415

وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَخَيَّلُ مَانِعًا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يَفْسُدَ. ص - وَمِثْلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، مِثْلُ: «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» . ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] نَعَمْ. » فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ قَضَاءِ الدِّينِ عَنِ الْمَيِّتِ لِأَجْلِ تَعْلِيلِ النَّفْعِ بِهِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا. وَلَمَّا كَانَ الْوَصْفُ الْمُقَدَّرُ فِي غَيْرِ الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، فَإِنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﵇ تَنْبِيهًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرٌ لِدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَعَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ. وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي قَوْلِهِ ﵇ لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ

стр. 1417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مُفْسِدًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا. » فَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: هُوَ مِنْ مِثَالِ النَّظِيرِ، فَإِنَّهُ ﵇ قَدَّرَ الْوَصْفَ فِي نَظِيرِ الْمَسْئُولِ، وَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، أَيْ تَوَهَّمَ عُمَرُ أَنَّ الْقُبْلَةَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةُ الْوِقَاعِ الْمُفْسِدِ مُفْسِدٌ، فَنَقَضَ الرَّسُولُ ﵇ ذَلِكَ بِالْمَضْمَضَةِ ; فَإِنَّهَا مُقَدِّمَةُ الشُّرْبِ الْمُفْسِدِ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُفْسِدَةٍ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، أَيْ لَمْ يُقَدِّرِ الرَّسُولُ ﵇ تَمَضْمُضَ الْمَاءِ لِتَعْلِيلِ مَنْعِ الْإِفْسَادِ ; إِذْ لَيْسَ فِي تَمَضْمُضِ الْمَاءِ مَا يُتَخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِفْسَادِ، فَإِنَّ مُقَدِّمَةَ الْمُفْسِدِ لَا يُتَخَيَّلُ مِنْهَا مَنْعُ الْإِفْسَادِ، بَلْ غَايَةُ التَّمَضْمُضِ أَنْ لَا يُفْسِدَ ; لِأَنَّ غَايَةَ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ لَا تُقَامَ مَقَامَ مَا تَكُونُ مُقَدِّمَةً لَهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً مِمَّا يَقْتَضِيهِ. ش - الثَّالِثُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُفَرِّقَ الشَّارِعُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، إِمَّا بِصِفَةٍ، وَذَلِكَ عَلَى نَوْعَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﵇: «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» .

стр. 1418

أَوْ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، مِثْلُ: " الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ "، أَوْ بِغَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، مِثْلُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وَ (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) . ص - وَمِثْلُ ذِكْرِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ مَعَ الْحُكْمِ، مِثْلُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . ص - فَإِنْ ذَكَرَ الْوَصْفَ صَرِيحًا وَالْحُكْمَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلُ: " ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] "، أَوْ بِالْعَكْسِ. فَثَالِثُهَا: الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي. فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا. وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا، وَالثَّالِثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ كَذِكْرِهِ، وَالْحِلُّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ عِلَلِ الْإِيمَاءِ، ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ: إِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ اشْتَرَطَتْ. ص - الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا بِدَلِيلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي. وَيَكْفِي: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﵇: " الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ ". وَإِمَّا بِغَايَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَإِمَّا بِاسْتِثْنَاءٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا دَلَّ الْإِيمَاءُ عَلَى عِلِّيَّةِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ. ش - الرَّابِعُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَيِّدَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلْحُكْمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ". »

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ عَنِ الْقَضَاءِ بِالْغَضَبِ الْمُشَوِّشِ لِلْفِكْرِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِهِ بَعِيدًا. ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْإِيمَاءِ، شَرَعَ فِي صُورَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِلْإِيمَاءِ وَلِغَيْرِهِ. فَإِنْ ذَكَرَ الشَّارِعُ الْوَصْفَ صَرِيحًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: " ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] "، فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ حِلُّ الْبَيْعِ مَذْكُورٌ صَرِيحًا، وَالْحُكْمُ - وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ - مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الْحِلِّ.

стр. 1421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَوْ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ يَذْكُرَ الْحُكْمَ صَرِيحًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَصْفَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِثْلَ: لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ. فَإِنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ الرِّبَا صَرِيحٌ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَوَّلُهَا: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي إِيمَاءٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِإِيمَاءٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي. فَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ، وَالِاقْتِرَانُ حَاصِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ صَرِيحًا، أَوْ أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا صَرِيحًا، وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ صَرِيحًا. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزَمِ لِلشَّيْءِ كَذِكْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَوَّلُ إِيمَاءً لَا الثَّانِي ; لِأَنَّ الْحِلَّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. فَذِكْرُ الْحِلِّ كَذِكْرِ الصِّحَّةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ، فَيَكُونُ إِيمَاءً، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِتَعْلِيلِهِ بِالْوَصْفِ

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُسْتَنْبَطِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لِتَعْلِيلِهَا بِالْوَزْنِ أَوِ الطَّعَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَوَّلُهَا: لَا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا. وَثَانِيهَا: يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا. وَثَالِثُهَا: الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْمُنَاسَبَةُ إِنْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، كَمَا فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُفْهَمِ التَّعْلِيلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّهُ لَوْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، امْتَنَعَ فَهْمُ التَّعْلِيلِ بِدُونِ الْمُنَاسَبَةِ فَيَكُونُ الْمُنَاسَبَةُ شَرْطًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَفْهَمِ التَّعْلِيلَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا فِي إِفَادَةِ التَّعْلِيلِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ. [المسلك الثالث السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ] ش - الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعَلِيَّةِ. وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُ حَصْرِ الْأَوْصَافِ بِالتَّرْدِيدِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَلَا بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُقَالَ: بَحَثْتُ عَنِ الْأَوْصَافِ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا. فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ إِبْطَالُ ذَلِكَ الْوَصْفِ حَتَّى يَتِمَّ اسْتِدْلَالُهُ، وَلَا يَلْزَمُ انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ لِأَنَّهُ أَبْطَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَوَّلًا. هَذَا إِذَا كَانَ مُسْتَدِلًّا عَلَى غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا، فَيَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حَصْرُ الْأَوْصَافِ وَبُطْلَانُ الْبَعْضِ كَفَاهُ.

стр. 1423

فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ إِبْطَالُهُ لَا انْقِطَاعُهُ، وَالْمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، وَمَتَى كَانَ الْحَصْرُ وَالْإِبْطَالُ قَطْعِيًّا، فَقَطْعِيٌّ، وَإِلَّا فَظَنِّيٌّ. ص - وَطُرُقُ الْحَذْفِ مِنْهَا: الْإِلْغَاءُ، وَهُوَ بَيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْمُسْتَبْقَى فَقَطْ، وَيُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لَا يُفِيدُ وَلَيْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لَوْ كَانَ الْمَحْذُوفُ عِلَّةً، لَا تَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَبْقَى جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ لِذَلِكَ، فَيُسْتَغْنَى عَنِ الْأَوَّلِ. ص - وَمِنْهَا: طَرْدُهُ مُطْلَقًا، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَالذُّكُورَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ. ص - وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ، وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ: بَحَثْتُ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ، يُرَجَّحُ سَبْرُ الْمُسْتَدِلِّ بِمُوَافَقَتِهِ لِلتَّعْدِيَةِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَكُلَّمَا كَانَ الْحَصْرُ وَالْإِبْطَالُ قَطْعِيَّيْنِ، كَانَ التَّعْلِيلُ قَطْعِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَطْعِيَّيْنِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرُ ظَنِّيًّا، كَانَ التَّعْلِيلُ ظَنِّيًّا. ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْحَصْرِ، شَرَعَ فِي طُرُقِ الْحَذْفِ، أَيْ طُرُقِ إِبْطَالِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ. مِنْهَا: الْإِلْغَاءُ، وَهُوَ بَيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى دُونَ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ فِي صُورَةٍ. كَمَا يُقَالُ: حُرْمَةُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، إِمَّا الطَّعْمُ أَوِ الْقُوتُ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِتُحَقِّقِ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الْمِلْحِ بِدُونِ الْقُوتِ، فَلَوْ كَانَ الْقُوتُ مُعْتَبَرًا فِي الْعِلِّيَّةِ، لَمَا تَحَقَّقَ الْحُكْمُ بِدُونِهِ، فَيَتَحَقَّقُ أَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالطَّعْمِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَحَقُّقُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ بِدُونِ الْوَصْفِ

стр. 1425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمَحْذُوفِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ ; لِجَوَازِ كَوْنِ الْعِلَّةِ أَخَصَّ مِنَ الْمَعْلُولِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الْمَعْلُولِ. وَالْإِلْغَاءُ يُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لَا يُفِيدُ، وَلَيْسَ الْإِلْغَاءُ نَفْيَ الْعَكْسِ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ يُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ ; فَلِأَنَّ الْعَكْسَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ، فَنَفْيُ الْعَكْسِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ، وَفِي الْإِلْغَاءِ أَيْضًا تَحَقَّقُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْإِلْغَاءَ لَيْسَ نَفْيَ الْعَكْسِ ; فَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ فِي نَفْيِ الْعَكْسِ أَنَّ الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً، لَانْتَفَى الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ. وَفِي الْإِلْغَاءِ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً، لَانْتَفَى الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ بِدُونِ الْمَحْذُوفِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَكِنْ بِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى بِدُونِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ فِي صُورَةٍ، لَا يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً ; إِذْ غَايَةُ الْإِلْغَاءِ أَنْ يُفِيدَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ تُحَقِّقُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ كَوْنَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ لَا بُدَّ لِذَلِكَ، أَيْ لِبَيَانِ

стр. 1426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً مِنْ أَصْلٍ آخَرَ، يُفِيدُ اسْتِقْلَالَ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فِي الْعِلِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِلْغَاءِ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وَحُصِرَ الْأَوْصَافُ وَأُلْغِيَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِوُجُودِ الْحُكْمِ دُونَهُ، وَبِعَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً، وَلَا حَاجَةَ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَحْذُوفُ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ، وَأَعَمَّ مِنَ الْمَعْلُولِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ دُونَهُ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْقَى عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. ش - وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ: طَرْدُ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي عُلِمَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا، إِمَّا مُطْلَقًا، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا، كَالذُّكُورَةِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدِ قَوْمٍ، عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ» ،. فَإِنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَسَرَايَةِ الْعِتْقِ،

стр. 1427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا عُهِدَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الذُّكُورَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ، أُلْغِيَ صِفَةُ الذُّكُورَةِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ. ش - وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَيَكْفِي لِلْمُنَاظِرَ الْمُسْتَدِلَّ: بَحَثْتُ عَنِ الْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ، فَمَا وَجَدْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ مُنَاسَبَةً، فَإِنِ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ، أَيْ بَحَثْتُ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْهُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، احْتَاجَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى إِثْبَاتِ مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ بِهِ سَبْرَهُ عَلَى سَبْرِ الْمُعْتَرِضِ، بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ سَبْرَهُ مُوَافِقٌ لِلتَّعْدِيَةِ، وَسَبْرَ الْمُعْتَرِضُ قَاصِرٌ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمُسْتَبْقَى وَالْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ انْتِقَالٌ مِنَ السَّبْرِ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ طَرِيقٍ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرُ جَائِزٍ. ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، ذَكَرَ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِالطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ مِنَ السَّبْرِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَالشَّبَهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - مُقْتَرِنَةٌ بِالْعِلَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اقْتِرَانَهَا بِالْعِلَّةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ أَوْ بِطَرِيقِ اللُّطْفِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَخْلُو مِنْ عِلَّةٍ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّعْمِيمِ، أَيْ كَوْنُ

стр. 1428

ص - وَدَلِيلُ الْعَمَلِ بِالسَّبْرِ، وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلَّةٍ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، وَالظَّاهِرُ التَّعْمِيمُ. وَلَوْ سَلَّمْنَا فَهُوَ الْغَالِبُ ; لِأَنَّ التَّعَقُّلَ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا وَفِي الْمُنَاسَبَةِ. وَلَوْ سَلَّمَ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي الْجَمِيعِ ; لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ. ص - الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَةُ، وَتُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِهِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ. وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ رَحْمَةً لِلنَّاسِ. فَلَوْ كَانَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، أَوْ بَعْضُهَا خَالِيًا عَنِ الْعِلَّةِ، لَمَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ رَحْمَةً ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حِكْمَةٌ وَفَائِدَةٌ لِلْمُكَلَّفِ، يَكُونُ مَشَقَّةً وَعَذَابًا. وَلَوْ سَلَّمْنَا عَدَمَ الْإِجْمَاعِ عَلَى اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، وَعَدَمِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَيْهِ، فَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ هُوَ الْغَالِبُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ثُبُوتِهِ بِدُونِهَا. وَإِنَّمَا غَلَبَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْقَبُولِ مِنَ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَيُحْمَلُ الْحُكْمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْغَالِبِ إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَغْلَبِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ فِي الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ. وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ تُفِيدُ ظَنَّ كَوْنِهِ عِلَّةً.

стр. 1430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِذَا ثَبَتَ ظُهُورُ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَيْضًا، وَجَبَ اعْتِبَارُ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ ظَنُّ عِلِّيَّتِهَا، وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُنَاسَبَةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ظُهُورَ الْعِلَّةِ فِي الْمُنَاسَبَةِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظُهُورَ الْعِلَّةِ فِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهَا ثَابِتٌ. بِخِلَافِ بَاقِي الطُّرُقِ، فَإِنَّ ظُهُورَ الْعِلِّيَّةِ فِيهِ ثَابِتٌ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهَا. [الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَةُ] ش - الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ، وَيُرَادِفُهَا: الْإِخَالَةُ، وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِينِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْوَصْفِ، لَا تَعْيِينِ الْعِلَّةِ بِنَصٍّ وَغَيْرِهِ، كَإِجْمَاعٍ، وَذَلِكَ كَتَعْيِينِ الْإِسْكَارِ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْإِسْكَارِ، وَكَتَعْيِينِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. وَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِلْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ، وَالثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ. وَالْمُنَاسَبَةُ لُغَوِيَّةٌ، فَلَا يَلْزَمُ دَوْرٌ. وَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ - مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا

стр. 1431

فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مَلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ ; لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ، كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عُرْفًا بِالْعَمْدِ فِي الْعَمْدِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. ص - وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا، كَالْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُصُولُ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ أَرْجَحَ، كَنِكَاحِ الْآيِسَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالُدِ، وَقَدْ يُنْكَرُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ. لَنَا: أَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإِنِ انْتَفَى الظَّنُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ. وَقَوْلُهُ: " ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ " احْتِرَازٌ عَنِ الْوَصْفِ الْخَفِيِّ وَالْغَيْرِ الْمُنْضَبِطِ. وَقَوْلُهُ: " مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا " احْتِرَازٌ عَنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فِي السَّبْرِ، وَعَنِ الْوَصْفِ الْمُدَارِ فِي الدَّوَرَانِ وَعَنْ غَيْرِهِمَا. وَقَوْلُهُ: " مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ " بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: مَا يَصْلُحُ. فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ خَفِيًّا، أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مَلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرِ الْخَفِيُّ وَغَيْرُ الْمُنْضَبِطِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْبٌ عَنِ الْعَقْلِ لِلْخَفَاءِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ، وَالْغَيْبُ عَنِ الْعَقْلِ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ عَنْهُ، أَعْنِي الْحُكْمَ. مِثَالُ الْمَظِنَّةِ: السَّفَرُ لِلْمَشَقَّةِ، فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ مَا لَمْ تَكُنْ مُنْضَبِطَةً، اعْتُبِرَ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّتُهَا، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا. وَالْفِعْلُ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ بِالْعَمْدِيَّةِ فِي الْجِنَايَةِ الْعَمْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَمْدَ لَمَّا كَانَ خَفِيًّا، اعْتُبِرَ مَظِنَّتُهُ، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ، وَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِغَيْرِ الْمُنْضَبِطِ، وَالثَّانِي لِلْخَفِيِّ.

стр. 1433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ جَعَلَ الْمَظِنَّةَ قِسْمًا مِنَ الْمُنَاسِبِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا أَنَّهَا قَسِيمٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَقَدْ جَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ قَسِيمًا لِلْمُنَاسِبِ صَرِيحًا حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُنَاسِبُ، مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، أَيْ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْفِ، تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. [قَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا، وَقَدْ يَحْصُلُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ رَاجِحًا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: الْبَيْعُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَحِيحًا، حَصَلَ مِنْهُ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ يَقِينًا.

стр. 1434

وَالسَّفَرُ مَظِنَّةَ الْمَشَقَّةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإِنِ انْتَفَى الظَّنُّ فِي الْمِلْكِ الْمُتَرَفِّهِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا، كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِتَزَوُّجِ مَغْرِبِيَّةٍ، وَكَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا بَائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ، فَلَا يُعْتَبَرُ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ص - وَالْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ، وَهِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، كَالْخَمْسَةِ الَّتِي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ. كَقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ، وَحَدِّ الزِّنَا، وَحَدِّ السَّارِقِ وَالْمُحَارِبِ. وَمُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ. وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ، حَاجِيٌّ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِثَالُ الثَّانِي: الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ إِذَا رُتِّبَ عَلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ صِيَانَةُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ عَنِ الْفَوَاتِ ظَنًّا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ، اقْتُصَّ مِنْهُ، يَنْزَجِرُ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَا يَجْتَرِي عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ يَقِينًا ; لِأَنَّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ قَدْ يُقْدِمُ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ. مِثَالُ الثَّالِثِ: حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ حِفْظُ الْعَقْلِ، وَنَفْيُهُ مِنْ حَدِّ الشُّرْبِ مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنَّ اسْتِيلَاءَ مَيْلِ الطِّبَاعِ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ يُقَاوِمُ خَوْفَ عِقَابِ الْحَدِّ، فَلِهَذَا يُقَاوَمُ كَثْرَةُ الْمُمْتَنِعِينَ عَنْهُ كَثْرَةَ الْمُقْدِمِينَ. مِثَالُ الرَّابِعِ: نِكَاحُ الْآيِسَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ التَّوَالُدُ، قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ نِكَاحِ الْآيِسَةِ، لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَالُدِ أَرْجَحُ. وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ قِسْمًا وَاحِدًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَجَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضٌ جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ، أَيِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَنَفْيِهِ، كَمَا فِي الثَّانِي، وَعَلَى مَرْجُوحِيَّةِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، كَمَا فِي الثَّالِثِ.

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِمَا بِأَنَّ احْتِمَالَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَكْفِي فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُهُ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُ الرُّخَصِ فِي السَّفَرِ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ. وَالصُّورَةُ الْأُولَى مِثَالٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَالثَّانِيَةُ لِمَظِنَّةِ الْمُنَاسِبِ. قِيلَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: جَوَازُهُ حَيْثُ كَانَ لِأَجْلِ تَرَتُّبِ الْمَقْصُودِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَمَلُ التَّرَتُّبُ، يُحْتَمَلُ عَدَمُ التَّرَتُّبِ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ عَدَمُ التَّرَتُّبِ رَاجِحٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَارِدٌ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُحْتَمَلْ حُصُولُ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، بَلْ كَانَ حُصُولُهُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَا يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ رِعَايَةُ الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ. فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَمْ يَجُزْ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، كَيْلَا يَلْزَمَ خِلَافُ عَادَةِ الشَّارِعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: لُحُوقُ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِتَزْوِيجِ مَغْرِبِيَّةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءِ فِي شِرَى جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ، لَا يَحْصُلُ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَشْرِقِيِّ الْمَغْرِبِيَّةَ. وَكَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، لَا يَحْصُلُ ; لِأَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ قَدْ حَصَلَ بِاسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ. [الْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَقَاصِدَ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ، وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ. وَالضَّرُورِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا فِي أَصْلِهِ، أَوْ مُكَمِّلًا لِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ. وَالْمَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ فِي أَصْلِهَا هِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، كَالْخَمْسَةِ الَّتِي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ. أَمَّا الدِّينُ فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ

стр. 1438

وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَشِرَاءِ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَمُكَمِّلٌ لَهُ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ. وَغَيْرُ حَاجِيٍّ، وَلَكِنَّهُ تَحْسِينِيٌّ، كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ جَرْيًا عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ، رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ. لَنَا: إِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا. قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُلْزِمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةً تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيدُ، وَقَدْ صَحَّتْ. قُلْنَا: مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالْعَكْسِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَأَمَّا النَّفْسُ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ بِشَرْعِ الْقِصَاصِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدٍّ الشُّرْبِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١] . وَأَمَّا النَّسْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدِّ الزِّنَا ; لِأَنَّ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الْأَبْضَاعِ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ التَّعَهُّدِ مِنَ الْأَوْلَادِ. وَأَمَّا حِفْظُ الْمَالِ، فَهُوَ حَاصِلٌ بِشَرْعِ حَدِّ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَالْغَاصِبِ. وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الَّذِي هُوَ مُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ فِي أَصْلِهِ، كَالْمُبَالَغَةِ فِي حِفْظِ الْعَقْلِ، وَيَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ. وَأَمَّا غَيْرُ الضَّرُورِيِّ، إِمَّا حَاجِيًّا أَوْ غَيْرَ حَاجِيٍّ، وَالْحَاجِيُّ إِمَّا فِي أَصْلِهِ أَوْ مُكَمِّلٌ لَهُ. أَمَّا الْحَاجِيُّ فِي أَصْلِهِ، فَكَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ يَكُونُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وَشِرَى الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لِلطِّفْلِ وَلِغَيْرِهِ، فَإِنَّهَا فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ يَحْصُلُ بِانْتِفَائِهَا. وَأَمَّا مَا هُوَ مُكَمِّلٌ لِلْحَاجِيِّ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِيِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وَيُسَمَّى تَحْسِينِيًّا، كَسَلْبِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَنِ الْعَبْدِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ، جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الْمَأْلُوفُ وَالْمَعْهُودُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ. [مَسْأَلَةٌ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ] ش - لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ، أَوْ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، يَكُونُ مُنَاسِبًا، وَإِذَا اشْتَمَلَ الْوَصْفُ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْخَرِمُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ. وَالدَّلِيلُ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا، لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مَطْلُوبَةً، وَلِهَذَا إِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ هَذَا الْمَصْلَحَةِ، يَنْسُبُهُ أَهْلُ الْعَقْلِ إِلَى السَّفَهِ. وَلَمَّا ثَبَتَ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ، فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ، يَثْبُتُ انْخِرَامُهَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ. الْمَانِعُونَ مِنِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ
следующие страницы →