← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِمَا بِأَنَّ احْتِمَالَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَكْفِي فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُهُ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَاوُضِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ شَرْعُ الرُّخَصِ فِي السَّفَرِ، وَإِنِ انْتَفَى ظَنُّ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ. وَالصُّورَةُ الْأُولَى مِثَالٌ لِلْمُنَاسِبِ، وَالثَّانِيَةُ لِمَظِنَّةِ الْمُنَاسِبِ. قِيلَ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: جَوَازُهُ حَيْثُ كَانَ لِأَجْلِ تَرَتُّبِ الْمَقْصُودِ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَمَلُ التَّرَتُّبُ، يُحْتَمَلُ عَدَمُ التَّرَتُّبِ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ عَدَمُ التَّرَتُّبِ رَاجِحٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَارِدٌ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُحْتَمَلْ حُصُولُ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، بَلْ كَانَ حُصُولُهُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَا يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ رِعَايَةُ الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ. فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فَائِتًا بِالْكُلِّيَّةِ، لَمْ يَجُزْ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ، كَيْلَا يَلْزَمَ خِلَافُ عَادَةِ الشَّارِعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: لُحُوقُ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِتَزْوِيجِ مَغْرِبِيَّةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءِ فِي شِرَى جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا الْبَائِعُ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ، لَا يَحْصُلُ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَشْرِقِيِّ الْمَغْرِبِيَّةَ. وَكَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، لَا يَحْصُلُ ; لِأَنَّ فَرَاغَ الرَّحِمِ قَدْ حَصَلَ بِاسْتِبْرَاءِ الْبَائِعِ. [الْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمَقَاصِدَ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ، وَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ. وَالضَّرُورِيُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا فِي أَصْلِهِ، أَوْ مُكَمِّلًا لِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ. وَالْمَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ فِي أَصْلِهَا هِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، كَالْخَمْسَةِ الَّتِي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ. أَمَّا الدِّينُ فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ

стр. 1438

وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَشِرَاءِ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَمُكَمِّلٌ لَهُ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ. وَغَيْرُ حَاجِيٍّ، وَلَكِنَّهُ تَحْسِينِيٌّ، كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ جَرْيًا عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ، رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ. لَنَا: إِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا. قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُلْزِمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةً تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيدُ، وَقَدْ صَحَّتْ. قُلْنَا: مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالْعَكْسِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَأَمَّا النَّفْسُ فَهِيَ مَحْفُوظَةٌ بِشَرْعِ الْقِصَاصِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدٍّ الشُّرْبِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١] . وَأَمَّا النَّسْلُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ بِشَرْعِ حَدِّ الزِّنَا ; لِأَنَّ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الْأَبْضَاعِ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ التَّعَهُّدِ مِنَ الْأَوْلَادِ. وَأَمَّا حِفْظُ الْمَالِ، فَهُوَ حَاصِلٌ بِشَرْعِ حَدِّ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَالْغَاصِبِ. وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الَّذِي هُوَ مُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ فِي أَصْلِهِ، كَالْمُبَالَغَةِ فِي حِفْظِ الْعَقْلِ، وَيَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ. وَأَمَّا غَيْرُ الضَّرُورِيِّ، إِمَّا حَاجِيًّا أَوْ غَيْرَ حَاجِيٍّ، وَالْحَاجِيُّ إِمَّا فِي أَصْلِهِ أَوْ مُكَمِّلٌ لَهُ. أَمَّا الْحَاجِيُّ فِي أَصْلِهِ، فَكَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَبَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَدْ يَكُونُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، كَالْإِجَارَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وَشِرَى الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لِلطِّفْلِ وَلِغَيْرِهِ، فَإِنَّهَا فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ يَحْصُلُ بِانْتِفَائِهَا. وَأَمَّا مَا هُوَ مُكَمِّلٌ لِلْحَاجِيِّ، كَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِيِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وَيُسَمَّى تَحْسِينِيًّا، كَسَلْبِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَنِ الْعَبْدِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ، جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الْمَأْلُوفُ وَالْمَعْهُودُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ. [مَسْأَلَةٌ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ] ش - لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ، أَوْ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، يَكُونُ مُنَاسِبًا، وَإِذَا اشْتَمَلَ الْوَصْفُ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْخَرِمُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ. وَالدَّلِيلُ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا، لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مَطْلُوبَةً، وَلِهَذَا إِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ هَذَا الْمَصْلَحَةِ، يَنْسُبُهُ أَهْلُ الْعَقْلِ إِلَى السَّفَهِ. وَلَمَّا ثَبَتَ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ، فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ، يَثْبُتُ انْخِرَامُهَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ. الْمَانِعُونَ مِنِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ

стр. 1441

وَلَوْ نَشَأَتَا مَعًا عَنِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ، وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقٍ إِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ، لَزِمَ التَّعَبُّدُ بِالْحُكْمِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] صَحِيحَةٌ، مَعَ أَنَّهَا تَلْزَمُ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ تُسَاوِيهَا، أَوْ تَزِيدَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَامَ إِنْ غَلَبَ عَلَى الْحَلَالِ مُطْلَقًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضٍ، تَزِيدُ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ. أَجَابَ بِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْغَصْبِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الصَّلَاةِ وَبِالْعَكْسِ، أَيْ: مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ نَشَأَتَا مِنَ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ، بَلْ تَكُونُ فَاسِدَةً. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مِنْ تَرْجِيحٍ، فَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُرَجِّحَ الْوَصْفَ. وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ قَدْ يَكُونُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ. وَلِلْمُسْتَدِلِّ تَرْجِيحٌ إِجْمَالِيٌّ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ رَاجِحَةً عَلَى مَا عَارَضَهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ ; لِأَنَّا بَحَثْنَا وَلَمْ نَجِدْ مَصْلَحَةً أُخْرَى تَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ خِلَافُ الْأَصْلِ. [المناسب مؤثر وملائم وغريب ومرسل] ش - اعْلَمْ أَنَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي تَقْدِيرِ مَا فِي الْمَتْنِ، نَذْكُرُ مُقَدِّمَةً نَافِعَةً، فَنَقُولُ: إِنَّ لِلْجِنْسِيَّةِ فِي الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ مَرَاتِبُ بِحَسَبِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَأَعَمُّ أَجْنَاسِهِ كَوْنُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، ثُمَّ الْوُجُوبُ، ثُمَّ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ، ثُمَّ وُجُوبُ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا فِي الْوَصْفِ فَأَعَمُّ أَجْنَاسِهِ كَوْنُهُ وَصْفًا يُنَاطُ بِهِ الْحُكْمُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ وَغَيْرُ الْمُنَاسِبِ، ثُمَّ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، ثُمَّ الْمُنَاسِبُ الضَّرُورِيُّ، ثُمَّ الضَّرُورِيُّ فِي حِفْظِ الدِّينِ. وَالْأَوْصَافُ إِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا إِذَا ظُنَّ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ إِيَّاهَا. وَكُلَّمَا كَانَ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ، كَانَ ظَنُّ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا أَقْوَى.

стр. 1443

ص - وَالْمُنَاسِبُ مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ ; لِأَنَّهُ إِمَّا مُعْتَبَرٌ أَوْ لَا، وَالْمُعْتَبَرُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ هُوَ الْمُؤَثِّرُ. وَالْمُعْتَبَرُ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وِفْقِهِ فَقَطْ، إِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، فَهُوَ الْمُلَائِمُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْغَرِيبُ. وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ، فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِقَبُولِهِ. وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ رَدُّهُ. وَشَرْطُ الْغَزَالِيِّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، فَالْأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ فِي حَمْلِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِي كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي حَمْلِ الْحَضَرِ بِالْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنَّ جِنْسَ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ. وَالثَّالِثُ كَالتَّعْلِيلِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي حَمْلِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْقِصَاصِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1444

كَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا. وَالْغَرِيبُ كَالتَّعْلِيلِ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي حَمْلِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ. وَكَالتَّعْلِيلِ بِالْإِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ. وَالْمُرْسَلُ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ كَإِيجَابِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَكُلَّمَا كَانَ الْوَصْفُ وَالْحُكْمُ أَخَصَّ، كَانَ كَوْنُ الْوَصْفِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ آكَدَ، فَيَكُونُ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْهُ. إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ. وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، أَيِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ. وَالْمُعْتَبَرُ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَيُسَمَّى مُؤَثِّرًا ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ أَوِ النَّصِّ، كَتَعْلِيلِ الْحَدَثِ بِمَسِّ الْمُحْدِثِ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَ مَسِّ الْمُحْدِثِ ذَكَرَهُ فِي عَيْنِ الْحَدَثِ بِالنَّصِّ بِقَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ". وَكَتَعْلِيلِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ بِالصِّغَرِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعِ، بَلْ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ إِنْ ثَبْتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَيِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، يُسَمَّى مُلَائِمًا ; لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا

стр. 1446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَطْ، يُسَمَّى غَرِيبًا، وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ. ثُمَّ الْمُرْسَلُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ إِلَى مُرْسَلٍ مُلَائِمٍ، وَإِلَى مُرْسَلٍ غَرِيبٍ ; لِأَنَّهُ إِنِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْمُلَائِمُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ. مِثَالُ الْمُرْسَلِ الْمُلَائِمِ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهَا، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لَمْ يَعْتَبِرِ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَتَّبِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ، لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمُ. فَإِنَّ الْخَلْوَةَ لَمَّا كَانَتْ دَاعِيَةً إِلَى الزِّنَا، حَرَّمَهَا الشَّارِعُ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا. وَهَذَا مُلَائِمٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لِتَصَرُّفِ الشَّارِعِ، وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ إِلَى مَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ مِنَ الشَّرْعِ، وَإِلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ.

стр. 1447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ، وَالَّذِي عُلِمَ إِلْغَاؤُهُ مَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، أَيْ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الْمُرْسَلُ الْمُلَائِمُ، فَقَدْ صَرَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِقَبُولِهِ. وَنُقِلَ قَبُولُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، ﵄. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ رَدُّهُ مُطْلَقًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَعْتَبِرْ نَوْعَهُ فِي نَوْعِهِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهِ، فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِعِلِّيَّتِهِ. وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِي قَبُولِ الْمُرْسَلِ الْمُلَائِمِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورِيَّةِ: كَوْنُهَا أَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ، وَبِالْقَطْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْجَزْمُ بِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ حَاصِلًا، وَبِالْكُلِّيَّةِ أَنْ لَا تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ بَعْضٍ. وَذَلِكَ كَتَتَرُّسِ الْكُفَّارِ الصَّائِلِينَ بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّا لَوْ كَفَفْنَا عَنِ التُّرْسِ، اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا

стр. 1448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُسْلِمِينَ بِأَجْمَعِهِمْ، حَتَّى التُّرْسُ، فَإِنَّ قَتْلَ التُّرْسِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَصْلَحَةً ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً. وَإِنَّمَا وَجَبَ قَبُولُهُ عِنْدَ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ، يَلْزَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ ضَرُورِيٌّ مِنَ الشَّرْعِ، وَهُوَ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ، فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِهِ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ الدِّينِ وَهَلَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسَارَى وَغَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ الْقَطْعِيُّ; لِيَحْصُلَ الْجَزْمُ بِالْإِخْلَالِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ الْكُلِّيُّ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. فَإِنَّ مُحَافَظَةَ نَفْسِ غَيْرِ الْأُسَارَى، لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ مُحَافَظَةِ نُفُوسِ الْأُسَارَى فِي الدِّينِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَمْثِلَةَ الْمُلَائِمِ، وَالْغَرِيبِ الْمُرْسَلِ، وَالْغَرِيبِ الْغَيْرِ الْمُرْسَلِ، وَالْمُرْسَلِ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ. أَمَّا الْمُلَائِمُ، فَقَدْ ذَكَرَ أَمْثِلَةَ أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ، فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِالصِّغَرِ فِي قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلَايَةِ الْمَالِ بِتَرْتِيبِهَا عَلَى الصِّغَرِ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ.

стр. 1449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِثَالُ الثَّانِي مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي رُخْصَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ عُذْرَ حَرَجِ السَّفَرَ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ بِتَرْتِيبِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ، وَثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْحَرَجِ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ. مِثَالُ الثَّالِثِ مِنْهَا: التَّعْلِيلُ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قِيَاسِ الْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ. فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي عَيْنِ قِصَاصِ النَّفْسِ، وَثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ جِنْسُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ جِنْسُ قِصَاصِ النَّفْسِ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا، كَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللِّسَانِ. مِثَالُ الْغَرِيبِ الْمُرْسَلِ: التَّعْلِيلُ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي قِيَاسِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ، أَيِ الْمُطْلَقِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ. فَإِنَّ إِرْسَالَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ. وَمَقْصُودُهُ حِرْمَانُ الزَّوْجَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ غَرَضٌ فَاسِدٌ، فَيَجِبُ أَنْ يُعَارَضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ بِأَنْ لَا تُحْرَمَ الْمَبْتُوتَةُ، كَمَا أَنَّ قَاتِلَ مُورِثِهِ لِأَجْلِ مَالِهِ عُورِضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ بِحِرْمَانِهِ عَنِ الْإِرْثِ.

стр. 1450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْجَامِعُ كَوْنُ فِعْلِهِمَا مُحَرَّمًا ; لِأَجْلِ غَرَضٍ فَاسِدٍ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا غَرِيبًا مُرْسَلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرِ الشَّارِعُ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي عَيْنِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، وَلَا جِنْسِهِ فِي عَيْنِهَا، وَلَا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهَا، لَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا. مِثَالُ الْغَرِيبِ الْغَيْرِ الْمُرْسَلِ: التَّعْلِيلُ بِالْإِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْإِسْكَارِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَ الْإِسْكَارِ فِي عَيْنِ التَّحْرِيمِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْكَارِ فَقَطْ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ عَدَمُ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّتِهِ. وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْإِسْكَارِ فِي جِنْسِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ. وَمِثَالُ الْمُرْسَلِ الْغَرِيبِ الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ: إِيجَابُ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ شَرْعًا ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْإِعْتَاقَ أَوَّلًا، وَلَمْ يَعْتَبَرْ إِيجَابَ الصَّوْمِ أَوَّلًا عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ. [تَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ] ش - وَمِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ: الشَّبَهُ،

стр. 1451

ص - وَتَثْبُتُ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ نَظَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ. وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ. مِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ يُوهِمُ، وَقَوْلُ الرَّادِّ لَهُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِهِ. وَالثَّانِي طَرْدٌ، فَيُلْغَى. أُجِيبَ: مُنَاسِبٌ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ أَوْ لَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا. ص - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ بِذَاتِهِ. وَتَثْبُتُ عِلِّيَّتُهُ بِجَمِيعِ الْمَسَالِكِ مِنَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ أَيِ الْمُنَاسَبَةِ نَظَرٌ. وَمِنْ ثَمَّ، أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ إِثْبَاتَهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَحَلُّ نَظَرٍ، قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الشَّبَهِ: إِنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ عِلِّيَّةُ الشَّبَهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ لِذَاتِهِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ الشَّبَهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْرِيفِ الشَّبَهِ. فَمَنْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، فَإِنَّ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ يُوجِبُ الْمُنَاسَبَةَ، وَمَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةُ، لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمُنَاسَبَةِ، فَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ. وَمَنْ عَرَّفَهُ بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي لَيْسَ مُنَاسَبَتُهُ لِذَاتِهِ، جَوَّزَ إِثْبَاتَهُ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ. فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الشَّبَهِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا يَتْبَعُ الْمُنَاسِبَ بِالذَّاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ، أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مَسْلَكٍ آخَرَ، عَرَّفَ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.

стр. 1453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُعَرَّفَ بِمَا لَا يَكُونُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ عِلِّيَّتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ ; لِأَنَّ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِثُبُوتِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِذَاتِهِ، فَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ، أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا لِذَاتِهِ، وَقَدْ فَرَضَ بِخِلَافِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، لَا يَكُونُ الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ مُنَاسِبًا بِالذَّاتِ، بَلْ بِالتَّبَعِ، وَمَعَ وُجُودِ الْمُنَاسِبِ بِالذَّاتِ، لَا يُعَلَّلُ بِالْمُنَاسِبِ بِالتَّبَعِ. وَأَيْضًا: تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: " وَمِنْ ثَمَّ " عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ هَذَا الشَّارِحُ، لَا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ. وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ عَرَّفَ الشَّبَهَ بِأَنَّهُ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ الشَّبَهُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَ الطَّرْدِ كَالْعَدَمِ ; إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ أَصْلًا، بِخِلَافِ الشَّبَهِ فَإِنَّ لَهُ مُنَاسَبَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وَيَتَمَيَّزُ الشَّبَهُ عَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ الذَّاتِيِّ مُنَاسَبَتُهُ عَقْلِيَّةٌ تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ، كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ مُنَاسَبَةَ الْإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِ الْإِسْكَارِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ. بِخِلَافِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ مُنَاسَبَتَهُ لَا تُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ

стр. 1454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَإِلَى وُرُودِ الشَّرْعِ، وَاعْتِبَارُ الشَّبَهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. مِثَالُ الشَّبَهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي إِزَالَةِ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ: طَهَارَةُ الْخَبَثِ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ. فَتَعَيَّنَ فِيهَا الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. فَإِنَّ مُنَاسَبَةَ الطَّهَارَةِ لِتَعْيِينِ الْمَاءِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا اعْتَبَرَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ تَوَهَّمَ مُنَاسَبَةَ الطَّهَارَةِ لِتَعْيِينِ الْمَاءِ. وَاحْتَجَّ الرَّادُّ، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ، بِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يُعَلَّلُ بِهِ فِي الشَّبَهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا، فَلَا يَكُونُ شَبَهًا ; لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَهُوَ طَرْدٌ، وَالطَّرْدُ يُلْغَى بِالِاتِّفَاقِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، هُوَ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ، وَالشَّبَهُ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِذَاتِهِ. أَوْ بِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ مِنَ الْمُنَاسِبِ بِالذَّاتِ، وَمِنَ الْمُنَاسِبِ بِالْغَيْرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. [الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ] ش - وَمِنَ الْمَسَالِكِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ: الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ، وَهُوَ الدَّوَرَانُ. وَنَعْنِي بِالدَّوَرَانِ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْوَصْفِ وُجُودُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الطَّرْدُ، وَمِنْ عَدَمِ الْوَصْفِ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْعَكْسُ.

стр. 1455

ثَالِثُهَا: لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا. لَنَا: أَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ، أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ، كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ، فَلَا قَطْعَ وَلَا ظَنَّ. وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ ﵀ بِأَنَّ الِاطِّرَادَ: سَلَامَتُهُ مِنَ النَّقْضِ، وَسَلَامَتُهُ مِنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا تُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ. وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا صِحَّةَ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ. وَأُجِيبَ: قَدْ يَكُونُ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ، كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَلَا عِلَّةَ. وَأُجِيبَ: انْتَفَتْ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ مَانِعٍ. ص - قَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْعِلِّيَّةِ، حَصَلَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ عَادَةً. كَمَا لَوْ دُعِيَ إِنْسَانٌ بَاسِمٍ فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى إِنَّ الْأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. قُلْنَا: لَوْلَا انْتِفَاءُ غَيْرِ ذَلِكَ بِبَحْثٍ، أَوْ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ، لَمْ يُظَنَّ وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ، وَيَقْوَى بِذَلِكَ. ص - وَالْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ. فَالْجَلِيُّ: مَا قُطِعَ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِيهِ، كَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَقِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ. فَالْأَوَّلُ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ. وَالثَّانِي: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بِمَا يُلَازِمُهَا، كَمَا لَوْ جَمَعَ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ لِمُلَازَمَةِ الْآخَرِ، كَقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، عَلَى قَتْلِهَا بِالْوَاحِدِ، بِوَاسِطَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ. وَالثَّالِثُ: الْجَمْعُ يَنْفِي الْفَارِقَ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ عَقْلًا. لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ، لَمْ يَقَعْ، وَسَيَأْتِي. ص - قَالُوا: الْعَقْلُ يَمْنَعُ مَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ، وَرَدَّ بِأَنَّ مَنْعَهُ هُنَا لَيْسَ إِحَالَةً، وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا ظَنَّ الصَّوَابَ، لَا يَمْنَعُ. قَالُوا: قَدْ عُلِمَ الْأَمْرُ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ، كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْعَبِيدِ وَرَضِيعَةٍ فِي عَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ. قُلْنَا: بَلْ قَدْ عُلِمَ خِلَافُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَظَاهِرِ الْكِتَابِ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِثَالُهُ: تَرَتُّبُ وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى الزِّنَا بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُوبُ الرَّجْمِ، وَمِنْ عَدَمِهِ وُجُوبُ الرَّجْمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِلِّيَّتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ قَطْعًا. وَثَانِيهَا: يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ. وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِ الدَّوَرَانِ قَطْعَ الْعِلِّيَّةِ وَلَا ظَنَّهَا، مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَحَدُ الْمَسَالِكِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، كَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً، بَلْ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ، كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ فَإِنَّهَا وَصْفٌ مُتَّصِفٌ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْحُرْمَةِ، وَمِنْ عَدِمَهَا الْحُرْمَةُ، وَمَعَ هَذَا لَا تَكُونُ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ، بَلْ تَكُونُ مُلَازِمَةً لِلسُّكْرِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِه قَطْعُ الْعِلِّيَّةِ وَلَا ظَنُّهَا. وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ عَلَى أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ بِمُجَرَّدِهِمَا لَا يُفِيدَانِ الْعِلِّيَّةَ، بِأَنَّ الِاطِّرَادَ: سَلَامَةُ الْوَصْفِ مِنَ النَّقْضِ ; لِأَنَّ الِاطِّرَادَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْوَصْفِ، فَيَقْضِي أَنْ

стр. 1457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لَا يُوجَدَ الْوَصْفُ بِدُونِ الْحُكْمِ، فَيَتَحَقَّقُ سَلَامَتُهُ عَنِ النَّقْضِ; لِأَنَّ النَّقْضَ تَحَقُّقُ الْوَصْفِ بِدُونِ الْحُكْمِ. وَالنَّقْضُ مُفْسِدٌ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِلِّيَّةِ، وَسَلَامَةُ الْوَصْفِ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، فَلَا يُفِيدُ الِاطِّرَادُ الْعِلِّيَّةَ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ السَّلَامَةَ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ، يُوجِبُ انْتِفَاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، فَلَا يَصِحُّ عِلِّيَّتُهُ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ ; لِأَنَّ صِحَّةَ الشَّيْءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ مُصَحِّحِهِ. وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْعِلَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْوَصْفُ الْمُتَّصِفُ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ فِي الْعِلِّيَّةِ ; لِأَنَّ الِاطِّرَادَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ، وَالْعَكْسُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إِفَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ الْعِلِّيَّةَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ، أَنْ لَا يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مُفِيدًا لِلْعَلِيَّةِ، فَإِنَّ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْعِلِّيَّةِ، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَثِّرًا فِي الْعِلِّيَّةِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَيَكُونُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مُؤَثِّرًا. وَذَلِكَ كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا.

стр. 1458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ الدَّوَرَانَ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ. فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَحَقَّقَ أَحَدُهُمَا، تَحَقَّقَ الْآخَرُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا، انْتَفَى الْآخَرُ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ. أَجَابَ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعٌ يَنْفِي الْعِلِّيَّةَ. وَفِي الْمُتَضَايِفَيْنِ انْتَفَتِ الْعِلِّيَّةُ لِسَبَبٍ مَانِعٍ، وَهُوَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ. ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الدَّوَرَانَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعِلِّيَّةِ أَوِ الظَّنَّ، قَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ وَلَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنْ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، كَمَا فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْعِلِّيَّةِ، أَوِ الظَّنُّ بِهَا بِطَرِيقِ الْعَادَةِ. كَمَا لَوْ دُعِيَ إِنْسَانٌ بَاسِمٍ مُغْضِبٍ، فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ دُعَاؤُهُ

стр. 1459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ، فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِرَارًا، عُلِمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ. حَتَّى إِنَّ الْأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ، فَلِهَذَا يَتَّبِعُونَهُ دَاعِينَ لَهُ بِالِاسْمِ الْمُغْضِبِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ انْتِفَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمُتَّصِفِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ بِبَحْثٍ، أَوْ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَيْرِ، لَمْ يَحْصُلِ الظَّنُّ بِالْعِلِّيَّةِ. وَإِذَا وُجِدَ الْبَحْثُ أَوِ السَّبْرُ، كَفَى فِي إِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالدَّوْرَانُ مُقَوٍّ لَهُ. [الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِيَاسِ، وَأَرْكَانِهِ، وَشَرَائِطِهَا، وَالطُّرُقِ

стр. 1460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الدَّالَّةِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، شَرَعَ فِي أَقْسَامِ الْقِيَاسِ. وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ، فَالْجَلِيُّ: مَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلِّيَّةِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرَايَةِ الْعِتْقِ. فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ - وَهُوَ الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ - لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ. وَالْخَفِيُّ: مَا لَا يُقْطَعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا. وَأَيْضًا: يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَإِلَى قِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَإِلَى قِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ. فَالْأَوَّلُ، أَيْ قِيَاسُ الْعِلَّةِ: هُوَ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ، كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ إِذَا صَرَّحَ بِالْإِسْكَارِ. وَالثَّانِي، أَيْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِجَامِعِ مُلَازِمِ الْعِلَّةِ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ لِمُلَازَمَةِ الْآخَرِ، أَيْ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ مُوجِبُهَا الْآخَرُ، كَقِيَاسِ قَطْعِ أَيْدِي جَمَاعَةٍ بِيَدِ وَاحِدٍ، عَلَى قَتْلِ

стр. 1461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] جَمَاعَةٍ بِقَتْلِ وَاحِدٍ بِوَاسِطَةِ اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِتَقْدِيرِ إِيجَابِهَا. فَإِنَّ الْجَامِعَ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُلَازِمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَمُوجِبُهُ الْآخَرُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ ; لِيَسْتَدِلَّ بِهِ مَعَ مُوجِبِهَا الْآخَرِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ. وَالثَّالِثُ، أَيِ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ: هُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، كَقِيَاسِ سَرَايَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ عَلَى سَرَايَةِ عِتْقِ الْعَبْدِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا. [جواز التعبد بالقياس] ش - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: إِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ فِي صُورَةٍ،

стр. 1462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَوُجِدَ صُورَةٌ أُخْرَى مُشَارِكَةٌ لِلصُّورَةِ الْأُولَى فِي وَصْفٍ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، فَقِيسُوا الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّا نَقْطَعُ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِلْإِسْكَارِ، فَقِيسُوا كُلَّ مُشَارِكٍ لَهَا فِي الْإِسْكَارِ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَجُزْ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِمَا سَيَأْتِي. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ التَّعَبُّدِ عَقْلًا احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَظْنُونًا، وَكُلُّ مَا لَا يُؤَمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ، يَمْنَعُهُ الْعَقْلُ لِكَوْنِ الْخَطَأِ مَحْظُورًا، فَلَا يُجَوِّزُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِمَا يَكُونُ مَحْذُورًا. أَجَابَ بِأَنَّ مَنْعَ الْعَقْلِ فِي مِثْلِ مَا لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ، لَيْسَ مَنْعَ إِحَالَةٍ، بَلْ مَنْعُ احْتِيَاطٍ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَنْعَ الْعَقْلِ مَا لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ مَنْعَ إِحَالَةٍ، لَكِنْ إِذَا ظُنَّ الصَّوَابُ، لَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ ; لِأَنَّ ظَنَّ الصَّوَابِ يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ظَنَّ الصَّوَابِ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَمْنَعُهُ الْعَقْلُ ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الْعَقْلِ مِمَّا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ. الثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَمَرَ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَبِشَهَادَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَفَادَتِ الظَّنَّ، وَمَنَعَ مِنْ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّاتِ إِذَا اشْتَبَهْنَ بِرَضِيعَةٍ، وَإِنْ ظُنَّ بِوَاحِدَةٍ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ.

стр. 1463

وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَ لِمَانِعٍ خَاصٍّ. ص - النَّظَّامُ: إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، كَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، وَغَسْلِ بَوْلِ الصِّبْيَةِ، وَنَضْحِ بَوْلُ الصَّبِيِّ، وَقَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَالْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نِسْبَةِ الْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَيِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا، وَالْقَاتِلِ وَالْوَاطِئِ فِي الصَّوْمِ، وَالْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ، اسْتَحَالَ تَعَبُّدُهُ بِالْقِيَاسِ. وَرَدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَةِ مَا تُوُهِّمَ جَامِعًا، أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، وَلِاشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ، وَلِاخْتِصَاصِ كُلٍّ بِعِلَّةٍ لِحُكْمِ خِلَافِهِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالتَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ هُوَ الْأَمْرُ بِمُتَابَعَةِ الظَّنِّ. وَالْعَقْلُ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَأْمُرَ الشَّارِعُ بِمُوَافَقَةِ الظَّنِّ مَعَ أَمْرِهِ بِمُخَالَفَتِهِ. أَجَابَ بِأَنْ لَا نُسَلِّمَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ، بَلْ عُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمُتَابَعَةِ الظَّنِّ، كَالْأَمْرِ بِمُتَابِعَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَظْنُونَاتِ. وَإِنَّمَا مَنَعَ الشَّارِعُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُمُ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ لِمَانِعٍ خَاصٍّ، لَا لِعَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. [مسلك النظام ورده] ش - احْتَجَّ النَّظَّامُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، اسْتَحَالَ تَعَبُّدُ الشَّرْعِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، وَالْمُقَدَّمُ حَقٌّ، وَالتَّالِي مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِاعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَالشَّرْعُ إِذَا لَمْ يَعْتَبِرِ الْمِثْلِيَّةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، وَاعْتَبَرَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، لَزِمَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَامِعُ مُعْتَبَرًا، لَزِمَ اعْتِبَارُ الْمِثْلِيَّةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ لِلْجَامِعِ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْجَامِعُ مُعْتَبَرًا، امْتَنَعَ الْقِيَاسُ ; وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، امْتَنَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا. أَمَّا بَيَانُ وُقُوعِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، فَكَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ - كَإِبْطَالِ الصَّوْمِ - بِالْمَنِيِّ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ، وَكَإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وَالنَّضْحِ - أَيِ الرَّشِّ - مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ، وَكَإِيجَابِ قَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَكَإِيجَابِ الْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نَسَبِهِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ، وَكَإِيجَابِ الْقَتْلِ بِالشَّاهِدَيْنِ دُونَ إِيجَابِ حَدِّ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَيِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ. وَأَمَّا وُقُوعُ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ،

стр. 1465

ص - قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ، فَيُرَدُّ ; لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] . وَرُدَّ بِالْعَمَلِ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ: التَّنَاقُضُ، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَمَقْطُوعٌ بِالِاخْتِلَافِ فِيهَا. قَالُوا: إِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَيَكُونُ الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ حَقًّا وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ مُحَالٌ، وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ النَّقِيضَيْنِ شَرْطُهُمَا الِاتِّحَادُ، ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَكَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا فِي إِيجَابِ الْقَتْلِ، وَكَالْقَاتِلِ وَالْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَالْمُظَاهِرِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ. أَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ لِانْتِفَاءِ صَلَاحِيَةِ مَا تُوُهِّمَ جَامِعًا لِلْعَلِيَّةِ، أَوْ لِوُجُودِ مُعَارِضٍ فِي الْأَصْلِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ، أَوْ لِوُجُودِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ لَهُ أَثَرٌ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ، وَلِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَلِجَوَازِ اخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنَ الْمُخْتَلِفَاتِ بِعِلَّةٍ لِحُكْمٍ مِثْلِ حُكْمِ خِلَافِهِ. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، احْتَجُّوا بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ ; لِأَنَّ الْأَمَارَاتِ

стр. 1467

وَبِأَنَّ تَصْوِيبَ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ لَا بِعَيْنِهِ جَائِزٌ. قَالُوا: إِنْ كَانَ الْقِيَاسُ كَالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، فَمُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا، فَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ. وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِجَوَازِ مُخَالِفَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ بِالظَّنِّ. قَالُوا: حُكْمُ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ خَبَرَهُ عَنْهُ، وَيَسْتَحِيلُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ. قَالُوا: يَتَنَاقَضُ عِنْدَ تَعَارُضِ عِلَّتَيْنِ. وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا، رُجِّحَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُقِفَ عَلَى قَوْلٍ. وَتَخَيَّرَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَإِنْ تَعَدَّدَ، فَوَاضِحٌ. ص - الْمُوجِبُ: النَّصُّ لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ، فَقَضَى الْعَقْلُ بِالْوُجُوبِ. وَرَدَّ بِأَنَّ الْعُمُومَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ، مِثْلُ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ، قَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ، إِلَّا دَاوُدَ وَابْنَهُ وَالْقَاشَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيَّ، وَالْأَكْثَرُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مُتَعَدِّدَةٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ كُلٌّ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ أَمَارَةً، يُوجِبُ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِأَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الْآخَرِ. وَمَا يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ يَكُونُ مَرْدُودًا ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، فَلَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ. أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ ; فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرْدُودًا. وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِلَافِ التَّنَاقُضُ، أَوِ الِاخْتِلَافُ الَّذِي يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ تَنَاقُضًا كَثِيرًا، أَوْ وَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ. وَإِنَّمَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَحْكَامِ حَاصِلٌ قَطْعًا. الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ أَقْيِسَةُ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ.

стр. 1469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ، دُونَ الْآخَرِ مَعَ اسْتِوَاءِ الظَّنَّيْنِ، مُحَالٌ; لِامْتِنَاعِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. أَجَابَ بِالنَّقْضِ، فَإِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، مَعَ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ. وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا عِنْدَ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا أَفْضَى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مِنَ الْحُكْمِ، لَا يَكُونُ نَقِيضًا لِمَا أَفْضَى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْآخَرِ ; لِأَنَّ شَرْطَ التَّنَاقُضِ الِاتِّحَادُ فِيمَا عَدَا السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ حُكْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ: الْحُرْمَةُ، وَفِي حَقِّ الْآخَرِ الْإِبَاحَةُ، أَوِ الْحُرْمَةُ فِي زَمَانٍ، وَالْإِبَاحَةُ فِي آخَرَ. وَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفًا، فَيَكُونُ الْحُرْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ، أَوْ فِي زَمَانٍ، وَعَدَمُ الْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ أَوْ زَمَانٍ آخَرَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاتِّحَادُ، فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ عِنْدَ تَصْوِيبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّا نَحْكُمُ بِتَصْوِيبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا بِعَيْنِهِ، وَتَصْوِيبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ بِدُونِ مُرَجِّحٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَيِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ.

стр. 1470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَكُونُ الْقِيَاسُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ; لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثَابِتٌ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَكُونُ الْقِيَاسُ بَاطِلًا ; لِأَنَّ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ مُتَيَقَّنٌ، وَالْقِيَاسُ مَظْنُونٌ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ. أَجَابَ بِالنَّقْضِ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ. الرَّابِعُ: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُخْبِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ مُفَسَّرٌ بِخِطَابِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيَسْتَحِيلُ خَبَرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ لَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمَ اللَّهِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ أَوِ الْإِجْمَاعِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ، لَزِمَ التَّنَاقُضُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْعِلَّتَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ الْعِلَّتَانِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَإِنْ عَمِلَ بِهِمَا، يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ. أَجَابَ بِالنَّقْضِ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ وَاحِدًا عِنْدَ تَعَارُضِ الْعِلَّتَيْنِ، تُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَيَعْمَلُ بِالرَّاجِحِ،

стр. 1471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجْحَانُ، تَوَقَّفَ عَلَى قَوْلٍ، وَيُخَيَّرُ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُجْتَهِدُونَ فَكُلٌّ يَعْمَلُ بِمَا هُوَ عِلَّةٌ عِنْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، لِمَا مَرَّ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي. ش - الْمُوجِبُ، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، قَالَ: النَّصُّ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالنُّصُوصُ مُتَنَاهِيَةٌ. فَيَقْضِي الْعَقْلُ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْوَقَائِعِ عَنِ الْحُكْمِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنْ بِعْثَةِ الرُّسُلِ. أَجَابَ بِأَنَّ النُّصُوصَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاهِيَةً، يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ الْعُمُومَاتُ بِالْأَحْكَامِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ، بِأَنْ يَشْمَلَ عَامٌّ وَاحِدٌ جُزْئِيَّاتٍ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، مِثْلَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ. [مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ] ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، قَائِلُونَ

стр. 1472

وَالْأَكْثَرُ قَطْعِيٌّ، خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ. لَنَا: ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتِ التَّفَاصِيلُ آحَادًا، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ. وَأَيْضًا: تَكَرَّرَ وَشَاعَ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مِثْلِهِ وِفَاقٌ. فَمِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الزَّكَاةِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْأَنْصَارِ فِي أُمِّ الْأَبِّ: تُرِكَتِ الَّتِي لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، وَرِثَ الْجَمِيعُ، فَشَرَّكَ بَيْنَهُمَا. وَتَوْرِيثُ عَمَرَ ﵁ الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْيِ. وَقَوْلُ عَلِيٍّ لِعُمَرَ ﵄ لَمَّا شَكَّ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ: أَرَأَيْتَ لَوِ اشْتَرَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ إِلْحَاقُ بَعْضِهِمُ الْجَدَّ بِالْأَخِ، وَبَعْضِهِمْ بِالْأَبِّ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ. ص - فَإِنْ قِيلَ: أَخْبَارُ آحَادٍ فِي قَطْعِيٍّ. سَلَّمْنَا، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بِغَيْرِهَا. سَلَّمْنَا، لَكِنَّهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ. سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ دَلِيلٍ، وَلَا نُسَلِّمُ نَفْيَ الْإِنْكَارِ. سَلَّمْنَا، لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ. سَلَّمْنَا، لَكِنَّهَا أَقْيِسَةٌ مَخْصُوصَةٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ، إِلَّا دَاوُدَ الْأَصْفَهَانِيَّ وَابْنَهُ، وَالْقَاشَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيَّ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ وُقُوعَ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ.

стр. 1474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ اخْتَلَفُوا ; فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ إِلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ الَّذِي هُوَ قَطْعِيٌّ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَطْعِيٍّ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ آحَادًا، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ تَوَاتُرُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّفَاصِيلِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ اجْتِمَاعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا هُوَ أَصْلٌ، لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَكَرَّرَ عَمَلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَشَاعَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ سُكُوتَ الْبَاقِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُوَافَقَةِ، فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ حَاصِلًا عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُعْتَدُّ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَقَائِعَ قَدْ عَمِلَ فِيهَا الصَّحَابَةُ بِالْقِيَاسِ،

стр. 1475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَمِنْ ذَلِكَ: رُجُوعُ الصَّحَابَةِ إِلَى اجْتِهَادِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقِتَالُهُمْ عَلَى الزَّكَاةِ لِقِيَاسِهِمْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ بِوَاسِطَةِ أَخْذِهَا لِلْفُقَرَاءِ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ بَعْضِ الْأَنْصَارِ لِأَبِي بَكْرٍ، لَمَّا وَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ، وَلَمْ يُوَرِّثْ أُمَّ الْأَبِ: لَقَدْ وَرَّثْتَ امْرَأَةً مِنْ مَيِّتٍ، لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرَكْتَ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَّةُ، وَرِثَ جَمِيعُ مَا تَرَكَتْ. فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَشَرَّكَ السُّدُسَ بَيْنَ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِّ. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ وَرَّثَ الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْيِ.
следующие страницы →