Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْخُلُوِّ، كَالْأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ عَدَمًا لَا وُجُودًا، جَرَى فِيهِمَا الرَّابِعُ، أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَمْثِلَةَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ التَّلَازُمِ فِي الْأَحْكَامِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَيِ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ ظِهَارُهُ. وَتَثْبُتُ الْمُلَازَمَةُ بَيْنَهُمَا بِالطَّرْدِ، أَيْ بِأَنْ يَسْتَلْزِمَ صِحَّةُ الطَّلَاقِ صِحَّةَ الظِّهَارِ، وَيَقْوَى التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْعَكْسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، لَكِنْ يَكُونُ مُقَوِّيًا لِلدَّلِيلِ، وَيُقَرَّرُ التَّلَازُمُ بِأَنَّ الصِّحَّتَيْنِ أَثَرَانِ لِمُؤَثِّرٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ ثُبُوتُ الْآخَرِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُؤَثِّرِ لَازِمٌ لِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا، وَثُبُوتَ الْآخَرِ لَازِمٌ مِنْ ثُبُوتِ مُؤَثِّرِهِ.
وَيُقَرَّرُ أَيْضًا بِثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الطَّلَاقِ ثَابِتٌ، فَيُثْبِتُ صِحَّةَ الظِّهَارِ ; لِأَنَّهُمَا أَثَرَاهُ. وَلَا يُعَيَّنُ الْمُؤَثِّرُ، وَإِلَّا يَكُونُ انْتِقَالًا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ إِلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ نَفْيَيْنِ: لَوْ صَحَّ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَصَحَّ التَّيَمُّمُ.
стр. 1577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَيَثْبُتُ هَذَا التَّلَازُمُ بِالطَّرْدِ، وَيَتَقَوَّى بِالْعَكْسِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُقَرَّرُ أَيْضًا بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَيَنْتَفِي الْآخَرُ لِلُزُومِ انْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ انْتِفَاءُ الْمُؤَثِّرِ، وَيَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ انْتِفَاءُ الْأَثَرِ الْآخَرِ.
مِثَالُ الثَّالِثِ، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ ثُبُوتٍ وَنَفْيٍ: مَا يَكُونُ مُبَاحًا لَا يَكُونُ حَرَامًا.
مِثَالُ الرَّابِعِ، أَيِ التَّلَازِمِ بَيْنَ نَفْيٍ وَثُبُوتٍ: مَا لَا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا.
وَيُقَرَّرُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْمُبَاحِ، أَوْ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ لَوَازِمِهِمَا، فَإِنَّ التَّنَافِيَ بَيْنَ اللَّوَازِمِ يَسْتَلْزِمُ التَّنَافِيَ بَيْنَ الْمَلْزُومَاتِ.
ش - وَيَرِدُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ مَنْعُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الشَّرْطِيَّةِ وَالِاسْتِثْنَائِيَّةِ، أَوْ مَنْعُ إِحْدَى الْمُقَدَّمَتَيْنِ، إِمَّا الشَّرْطِيَّةِ أَوِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ، وَيَرِدُ أَيْضًا عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقِيَاسِ، إِلَّا الْأَسْئِلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ، فَإِنَّهَا لَا تَرِدُ فِي التَّلَازُمِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لَا يُعَيَّنُ فِي التَّلَازُمِ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَيَخْتَصُّ التَّلَازُمُ بِسُؤَالٍ آخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَحَدَ مُوجِبَيِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ فِي قِصَاصِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ: إِنَّ قِصَاصَ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ أَحَدُ مُوجِبَيِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَهِيَ تَفْوِيتُ النَّفْسِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِدَلِيلِ وُجُودِ الْمُوجَبِ الثَّانِي،
стр. 1578
وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً، فَتَلَازُمُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيلُ تَلَازُمِ الْعِلَّتَيْنِ. فَيُعْتَرَضُ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ بِأُخْرَى لَا تَقْتَضِي الْآخَرَ، وَيُرَجِّحُهُ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ، فَلَا يَلْزَمُ الْآخَرُ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ أُخْرَى وَيُرَجِّحُهُ بِأَوَّلِيَّةِ الِاتِّحَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَكْسِ.
فَإِنْ قَالَ: فَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، قَالَ: فَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ.
وَتَقْرِيرُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْجَمِيعِ أَحَدُ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ، فَيَسْتَلْزِمُ الْمُوجِبَ الْآخَرَ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ عِلَّةَ الْمُوجِبَيْنِ فِي الْأَصْلِ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَوَاضِحٌ وُجُودُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ ; إِذْ يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَمِيعِ - وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ. وَمِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْمُوجِبِ الْآخَرِ فِيهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مُتَعَدِّدَةً، فَتَلَازُمُ الْحُكْمَيْنِ، أَعْنِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَصْلِ دَلِيلُ تُلَازِمِ عِلَّتَيْهِمَا.
وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّتِهِ فِيهِ، وَمِنْ وُجُودِ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ عِلَّةِ الْآخَرِ فِيهِ ; لِتُلَازِمِ الْعِلَّتَيْنِ، وَمِنْ وُجُودِ عِلَّةِ الْآخَرِ فِيهِ وُجُودُ الْآخَرِ، أَعْنِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ.
فَيُعْرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَتِلْكَ الْعِلَّةُ لَا تَقْتَضِي الْآخَرَ، أَعْنِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ
стр. 1580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يَكُونُ عِلَّةُ الْأَصْلِ تَقْتَضِي تَلَازُمَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَوُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، وَعِلَّةُ الْفَرْعِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ عِلَّةِ الْأَصْلِ لَا تَقْتَضِي تَلَازُمَهَا.
وَيُرَجِّحُ الْمُعْتَرِضُ هَذَا السُّؤَالَ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ ; فَإِنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ التَّعَدُّدَ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ وُجُودُ الْآخَرِ، أَعْنِي وُجُودَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ.
وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ هُوَ عِلَّةُ وُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ، لَا عِلَّةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى.
وَيُرَجِّحُ الْمُسْتَدِلُّ هَذَا الْجَوَابَ بِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعَدُّدِهَا، لِمَا فِي اتِّحَادِ الْعِلَّةِ مِنَ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، بِخِلَافِ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعَكْسَ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْمُطَّرِدَةِ الْمُنْعَكِسَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْعَكِسَةِ، فَكَانَ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ أَوْلَى.
فَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: فَكَمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى فِي الْفَرْعِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
стр. 1581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي ذَكَرْنَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ مُتَعَدِّيَةً، وَالْأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ قَاصِرَةً. وَالْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى مِنَ الْقَاصِرِ ; لِأَنَّ الْقَاصِرَةَ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا.
[الْقِسْمُ الثَّاني مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: الِاسْتِصْحَابُ]
ش - الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: الِاسْتِصْحَابُ وَهُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ. وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ
стр. 1582
الِاسْتِصْحَابُ.
ص - الِاسْتِصْحَابُ.
الْأَكْثَرُ كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِهِ، كَانَ بَقَاءً أَصْلِيًّا أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارِجِ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ مُتَطَهِّرٌ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
لَنَا: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ، وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ، يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ الْبَقَاءِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَائِهَا فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْجَوَازِ ; وَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الْأَصْلُ فِيهِمَا.
ص - قَالُوا: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ: الْبَقَاءُ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ.
وَلَوْ سَلَّمَ، فَالدَّلِيلُ: الِاسْتِصْحَابُ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ الْأَصْلُ الْبَقَاءَ، لَكَانَتْ بِيِّنَةُ النَّفْيِ أَوْلَى، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُثْبَتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ، فَيَحْصُلُ الظَّنُّ.
قَالُوا: لَا ظَنَّ مَعَ جَوَازِ الْأَقْيِسَةِ.
قُلْنَا: الْفَرْضُ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِمِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
وَاتَّفَقَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِصْحَابُ بَقَاءً أَصْلِيًّا، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ بَقَاءِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا،
стр. 1584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مُتَطَهِّرٌ.
وَالْأَصْلُ: الْبَقَاءُ عَلَى الطِّهَارَةِ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةً بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ لَهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ مُفِيدًا لِظَنِّ بَقَاءِ الشَّيْءِ، وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا بِبَقَاءِ مَا تَحَقَّقَ، وَلَمْ يُظَنَّ لَهُ مُعَارِضٌ، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَوَازِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ فِيهِمَا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَوَازِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّ مَدَّ الْيَدِ إِلَيْهَا حَرَامٌ فِي الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِالتَّحْرِيمِ فِي الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ قَبْلَ الشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَبِالْجَوَازِ فِي الثَّانِي ; لِأَنَّ الْجَوَازَ ثَابِتٌ قَبْلَ الشَّكِّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
стр. 1585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الْأَصْلُ فِيهِمَا، أَيْ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً وَفِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً: التَّحْرِيمُ، وَفِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ: بَقَاءُ الْجَوَازِ.
ش - احْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَدَلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ. فَمَا لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنْهَا، لَا يَكُونُ دَلِيلًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. وَالِاسْتِصْحَابُ لَيْسَ
стр. 1586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِوَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاسْتِصْحَابِ الْبَقَاءُ، وَالْبَقَاءُ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْبَقَاءَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَالِاسْتِصْحَابُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ إِفَادَتِهِ الظَّنَّ، وَمَا يُفِيدُ الظَّنَّ يَكُونُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، لَكَانَتْ بَيِّنَةُ النَّفْيِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْإِثْبَاتِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ بَيِّنَةَ النَّفْيِ مُؤَيَّدَةٌ بِهَذَا الْأَصْلِ.
أَجَابَ بِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِثْبَاتِ إِنَّمَا كَانَتْ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ النَّفْيِ ; لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبِ الثُّبُوتِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الظَّنُّ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الْغَلَطُ لِإِمْكَانِ حُدُوثِ أَمْرٍ رَافِعٍ لِلنَّفْيِ فِي غَيْبَةِ النَّافِي.
وَالثَّالِثُ: لَا ظَنَّ فِي بَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ مَعَ جَوَازِ الْأَقْيِسَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ قِيَاسٌ بِنَفْيِ حُكْمِ مَا كَانَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِمِ عَنِ الْأَقْيِسَةِ، وَعَدَمِ وُجْدَانِ مَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: شَرْعُ مِنْ قَبْلَنَا]
ش - الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ: شَرْعُ مِنْ قَبْلَنَا.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ أَمْ لَا؟
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ.
وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ مَنَعَ تَعَبُّدَهُ بِشَرْعٍ.
стр. 1587
شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
ص - شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا.
الْمُخْتَارُ أَنَّهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ، قِيلَ: نُوحٌ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: مُوسَى، وَقِيلَ: عِيسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.
وَوَقَفَ الْغَزَالِيُّ.
لَنَا: الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ: كَانَ يَتَعَبَّدُ، كَانَ يَتَحَنَّثُ، كَانَ يُصَلِّي، كَانَ يَطُوفُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ لَزِمَتْهُ.
قُلْنَا: التَّوَاتُرُ لَا يَحْتَاجُ، وَغَيْرُهُ لَا يُفِيدُ.
وَقَدْ تَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَوَقَفَ الْغَزَالِيُّ فِي وُقُوعِ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ ﵇ بِشَرْعٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الشَّرْعُ شَرْعُ نُوحٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ مُوسَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْعُ عِيسَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَضَافِرَةٌ، أَيْ مُتَعَاوِنَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَتَعَبَّدُ وَكَانَ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، أَيْ يَتَعَبَّدُ. وَكَانَ يُصَلِّي، وَكَانَ يَطُوفُ بِبَيْتِ اللَّهِ.
стр. 1589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَهَذِهِ أُمُورٌ لَا يُرْشِدُ إِلَيْهَا الْعَقْلُ، فَلَا مَصِيرَ إِلَيْهَا إِلَّا مِنَ الشَّرْعِ.
ش - وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ، بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَ الرَّسُولِ ﵇ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَانَ شَرْعًا لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالرَّسُولُ ﵇ وَاحِدٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيَكُونُ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ دَعْوَةَ مَنْ قَبْلَهُ تَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَجُوزُ انْدِرَاسُ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِوُجُودِ النَّبِيِّ، ﵇.
ش - الْمَانِعُونَ قَالُوا: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِمُخَالَطَةِ الرَّسُولِ ﵇ مَعَ أَهْلِ ذَلِكَ الشَّرْعِ، أَوْ لَزِمَتْهُ الْمُخَالَطَةُ ; لِيَبْحَثَ عَنْ أَوْضَاعِ ذَلِكَ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِأَنَّ مَا تَوَاتَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْعِ اسْتَغْنَى عَنِ الْمُخَالَطَةِ، وَغَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَيْضًا قَدْ يَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ، فَيُحْمَلُ عَدَمُ الْمُخَالَطَةِ عَلَى الْمَوَانِعِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِشَرْعٍ، وَالْعَادَةَ الْقَاضِيَةَ بِالْمُخَالَطَةِ.
ش - اخْتَلَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ بَعْدَ الْبِعْثَةِ، هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَمْ لَا؟
стр. 1590
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ بَعْدَ الْبَعْثِ مُتَعَبِّدٌ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ.
لَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
وَأَيْضًا: الِاتِّفَاقُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) .
وَأَيْضًا: ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» "، وَتَلَا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . وَهِيَ لِمُوسَى، ﵇. وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
ص - قَالُوا: لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ وَصَوَّبَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَكَهُ، إِمَّا لِأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُهُ، أَوْ لِقِلَّتِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَوَجَبَ تَعَلُّمُهَا، وَالْبَحْثُ عَنْهَا.
قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، فَلَا يَحْتَاجُ.
قَالُوا: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ ﵇ نَاسِخَةٌ.
قُلْنَا: لِمَا خَالَفَهَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ ﵇ بَعْدَ الْبِعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ فِيمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْبَاقِيَةِ فِي شَرِيعَتِهِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ تَعَبُّدِهِ عَلَى مَا كَانَ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مُعَارِضٌ لَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ.
وَلَوْلَا التَّعَبُّدُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، لَمَا صَحَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» "، وَتَلَا قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] .
стр. 1592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِمُوسَى، ﵇.
وَسِيَاقُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ تِلَاوَةِ مَا أُوجِبَ عَلَى مُوسَى، بَعْدَ إِيجَابِهِ مِثْلَهُ عَلَى الْأُمَّةِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ. وَلَوْلَا التَّعَبُّدُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، لَمَا قَرَأَهَا الرَّسُولُ ﵇ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ ﵇ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ وَسُنَنِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ، وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ، ﵇. فَلَوْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مُدْرِكًا لِلْأَحْكَامِ، لَوَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ ﵇ إِظْهَارُهُ لِمُعَاذٍ حِينَ تَرَكَهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ مُعَاذًا إِنَّمَا تَرَكَهُ لِأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُهُ ; لِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ، يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ لِأَنَّ مُدْرِكَ الْأَحْكَامِ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَلِيلٌ.
وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، أَيْ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَأَدِلَّةِ التَّعَبُّدِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ ﵇ لَوْ كَانَ بَعْدَ الْبِعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، لَوَجَبَ عَلَيْنَا تَعَلُّمُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا، كَمَا وَجَبَ تَعَلُّمُ الْقُرْآنَ وَالْأَخْبَارِ وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْهَا الْمُتَوَاتِرُ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمٍ وَبَحْثٍ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلرَّسُولِ ﵇ وَلِلصَّحَابَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ نَبِيِّنَا
стр. 1593
ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى صَحَابِيٍّ اتِّفَاقًا، وَالْمُخْتَارُ: وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَلِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَوْلَانِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵄.
لَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، إِذْ لَا يُقَدَّرُ فِيهِمْ أَكْثَرُ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ أَوِ الْوَقْفَ أَوِ التَّخْيِيرَ يَدْفَعُهُ كَغَيْرِهِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّرَائِعِ، فَلَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا بِهَا ; لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يُتَعَبَّدُ بِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةٌ لِمَا خَالَفَهَا، لَا لِجَمِيعِهَا ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَاسِخَةً لِجَمِيعِهَا، لَوَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ ; لِكَوْنِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ.
[الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا]
[مذهب الصحابي]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الِاسْتِصْحَابِ، شَرَعَ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
стр. 1595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الَّتِي لَا تَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
فَمِنْهَا: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ اتِّفَاقًا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَلِلشَّافِعِيِّ وَلِأَحْمَدَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ يَكُونُ حُجَّةً، وَإِلَّا فَلَا.
وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵄.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً، فَوَجَبَ تَرْكُهُ ; لِأَنَّ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ يُتْرَكُ فِي الدِّينِ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِ الصَّحَابَةِ
стр. 1596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَكَانَ قَوْلُ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازِمَةُ ; فَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ لِكَوْنِ الصَّحَابِيِّ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ لِمُشَاهَدَتِهِ التَّنْزِيلَ، وَسَمَاعِهِ التَّأْوِيلَ، وَوُقُوفِهِ عَلَى أَحْوَالِ الرَّسُولِ، لَا لِكَوْنِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، إِذْ لَا يُقَدَّرُ فِيهِمْ أَكْثَرُ.
وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ، يَكُونُ قَوْلُ الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - وَأَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ تُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، حَتَّى يَكُونَ أَحَدُهُمَا حُجَّةً، وَالْآخِرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازِمَةِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إِذَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ فَالْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا: لَوْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلُ بِهِ، فَيَلْزَمُ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ
стр. 1597
وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الِاجْتِهَادِ.
وَأُجِيبَ: إِذَا كَانَ حُجَّةً فَلَا تَقْلِيدَ.
ص - قَالُوا: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» "، «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» ".
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الْمُقَلِّدُونَ ; لِأَنَّ خِطَابَهُ لِلصَّحَابَةِ.
قَالُوا: وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا ﵄ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَوَلَّى عُثْمَانُ، فَقَبِلَ وَلَمْ يُنْكِرْ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
قُلْنَا: الْمُرَادُ مُتَابَعَتُهُمْ فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ التَّقْلِيدُ.
قَالُوا: إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّحَابِيُّ، وَيَجْرِي فِي التَّابِعَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمْ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الِاجْتِهَادِ.
أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ حُجَّةً، لَا يَكُونُ عَمَلُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ تَقْلِيدًا ; لِأَنَّ التَّقْلِيدَ هُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً، لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا دَلِيلٍ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ» ".
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ
стр. 1599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَنْهُمَا - حُجَّةٌ، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﵇: «اقْتَدَوْا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ حُجَّةً، لَمْ يَكُنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِمِ اقْتِدَاءً.
أَجَابَ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْمُورِينَ الْمُقَلِّدُونَ ; لِأَنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ ﵇ لِلصَّحَابَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ مُتَابَعَةُ غَيْرِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
حُجَّةٌ أُخْرَى عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حُجَّةٌ: أَنَّهُ وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا ﵄ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يَقْبَلْ عَلِيٌّ ﵁. وَوَلَّى عُثْمَانَ فَقَبِلَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَذْهَبِهِمَا.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاقْتِدَاءِ مُتَابَعَتُهُمَا فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ،
стр. 1600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَا مُتَابَعَتُهُمَا فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ مُتَابَعَةُ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَتَقْلِيدُ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الْقَائِلُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ يَكُونُ حُجَّةً، قَالُوا: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ، وَإِلَّا لَكَانَ الصَّحَابِيُّ قَائِلًا بِالْقَوْلِ بِلَا دَلِيلٍ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَالصَّحَابِيُّ مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَنْ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، يَكُونُ حُجَّةً.
أَجَابَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى الصَّحَابِيِّ أَيْضًا.
وَيُجْرَى أَيْضًا هَذَا الدَّلِيلُ فِي التَّابِعِيِّ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ أَيْضًا حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
[الاستحسان]
ش - الِاسْتِحْسَانُ مِمَّا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الِاسْتِحْسَانُ حُجَّةٌ.
وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمْ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: " مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ". أَيْ فَقَدْ وَضَعَ شَرْعًا جَدِيدًا.
стр. 1601
الِاسْتِحْسَانُ.
ص - الِاسْتِحْسَانُ.
قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمْ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ".
وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَقِيلَ: دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعَسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.
قُلْنَا: إِنْ شَكَّ فِيهِ فَمَرْدُودٌ، وَإِنْ تَحَقَّقَ فَمَعْمُولٌ اتِّفَاقًا.
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأَقْوَى مِنْهُ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقِيلَ: الْعُدُولُ إِلَى خِلَافِ النَّظِيرِ لِدَلِيلٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1602
وَقِيلَ: الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ.
قُلْنَا: مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ.
فَإِنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قُلْنَا: لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
قَالُوا: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ) .
قُلْنَا: أَيِ الْأَظْهَرَ وَالْأَوْلَى.
" «وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» " يَعْنِي الْإِجْمَاعَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْعَوَامَّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلِفٌ فِيهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْوَاقِعَ فِي الْكَلَامِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ; لِقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] .
وَعَلَى الْمَنْدُوبِ فِي بَعْضِهَا، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " أَسْتَحْسِنُ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ ".
وَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ الْغَيْرُ الْوَاقِعِ فِي الْكَلَامِ، فَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعْسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.
قُلْنَا: إِنْ شَكَّ الْمُجْتَهِدُ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَمَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنَهُ دَلِيلًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ اتِّفَاقًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ مَنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ حُجَّةً.
وَقِيلَ: هُوَ تَخْصِيصُ قِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ.
стр. 1604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: الْعُدُولُ إِلَى خِلَافِ النَّظِيرِ لِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، أَيْ هُوَ الْعُدُولُ فِي مَسْأَلَةٍ عَنْ مِثْلِ مَا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ لِلْحَمَّامِ، وَمِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةِ السُّكُونِ، وَكَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أَجْرٍ لَهُ.
قُلْنَا: مُسْتَنَدُ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْعُدُولَ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةٍ، بَلْ مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﵇، أَوْ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ، أَوْ جَرَى وَلَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ، أَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ.
فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
стр. 1605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّوَرِ، قُلْنَا: لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، فَوَجَبَ تَرْكُهُ، وَالْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الِاسْتِحْسَانِ حُجَّةً، احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] . فَإِنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْسَنِ: الْأَظْهَرُ وَالْأَوْلَى.
стр. 1606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» ". الْمُرَادُ مِنْهُ: مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا رَآهُ الْعَوَامُّ حَسَنًا، فَهُوَ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ.
[المصالح المرسلة]
ش - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ مِمَّا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ هِيَ: حُكْمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ اعْتِبَارًا وَإِلْغَاءً.
وَاحْتُجَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حُجَّةٌ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ، لَأَدَّى إِلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ عَنِ الْأَحْكَامِ.
أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ جَوَازِ خُلُوِّ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ.
وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَالْعُمُومَاتُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَقْيِسَةُ تَفِي بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْوَقَائِعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَخْلُو الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.
[الاجتهاد]
[تعربف الاجتهاد]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، شَرَعَ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِيمَا فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ حَجَرِ الرَّحَى، وَلَا يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الْخَرْدَلَةِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وَالْفَقِيهُ، قَدْ عُرِّفَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ، كَمَا يُعَرَّفُ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ هَاهُنَا مِنْ تَعْرِيفِ الِاجْتِهَادِ.
وَالِاسْتِفْرَاغُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْفَقِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ.
فَقَيْدُ الْفَقِيهِ يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ غَيْرِ الْفَقِيهِ.
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْوُسْعِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْوُسْعِ مِنْ أَحْوَالِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا، فَقَيْدُ الْوُسْعِ يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ الْفَقِيهِ غَيْرَ الْوُسْعِ.
стр. 1607
الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ.
ص - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ، تَقَدَّمَتْ.
لَنَا: لَا دَلِيلَ، فَوَجَبَ الرَّدُّ.
قَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لَأَدَّى إِلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ.
قُلْنَا: بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1608
الِاجْتِهَادُ.
ص - الِاجْتِهَادُ فِي الِاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وَالْفَقِيهُ، تَقَدَّمَ.
وَقَدْ عُلِمَ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : اخْتَلَفُوا فِي تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
الْمُثْبِتُ: لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ، لَعُلِمَ الْجَمِيعُ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
وَأُجِيبَ بِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَبِالْعَجْزِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَالِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ قَدْ يَكُونُ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ وَغَيْرِهِ.
فَقَوْلُهُ: لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ، يُخْرِجُ اسْتِفْرَاغَ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ، كَمَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، احْتِرَازٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ.
قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ اسْتِفْرَاغُ الْمُتَكَلِّمِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِتَوْحِيدِهِ، إِذَا كَانَ فَقِيهًا.
وَكَذَلِكَ اسْتِفْرَاغُ الْأُصُولِيِّ فِي كَوْنِ الْكِتَابِ مَثَلًا، حُجَّةً، إِذَا كَانَ فَقِيهًا.
وَاسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ.
قُلْنَا: الِاجْتِهَادُ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَيَرُدُّ أَيْضًا عَلَى عَكْسِهِ اجْتِهَادُ الرَّسُولِ ﵇، فَإِنَّهُ غَيْرُ فَقِيهٍ، لِمَا عَرَفْتَ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ.
وَخُرُوجُ اجْتِهَادِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي الْجَمِيعِ إِنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الطَّرْدِ بِأَنَّ اسْتِفْرَاغَ الْمُتَكَلِّمِ فِي تَوْحِيدِهِ، وَالْأُصُولِيِّ فِي كَوْنِ الْكِتَابِ حُجَّةً، لَيْسَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ
стр. 1610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
شَرْعِيٍّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ: خِطَابُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَالتَّوْحِيدُ وَكَوْنُ الْكِتَابِ حُجَّةً لَيْسَا كَذَلِكَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ اجْتِهَادًا ; لِأَنَّ عَدَمَ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ وَشَرْطَ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ لَا دَاخِلَ فِي مَاهِيَّتِهِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ لِمَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ.
وَعَنِ الْعَكْسِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ خُرُوجَ اجْتِهَادِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي الْجَمِيعِ إِنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَقِيهًا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ الْعَارِفَ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ فَقِيهٌ.
وَأَمَّا عَدَمُ الِانْعِكَاسِ بِخُرُوجِ اجْتِهَادِ الرَّسُولِ فَوَارِدٌ.
[مَسْأَلَةٌ الاختلاف فِي تَجَزُّؤ الِاجْتِهَادِ]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَجَزَّأُ الِاجْتِهَادُ أَمْ لَا؟ وَالْمُرَادُ بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ التَّمَكُّنُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ، كَالْفَرْضِيِّ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَجَزَّأُ الِاجْتِهَادُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.
وَمُثْبِتُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأِ الِاجْتِهَادُ، لَعَلِمَ الْمُجْتَهِدُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ ; لِوُجُوبِ تَمَكُّنِهِ حِينَئِذٍ مِنَ اسْتِخْرَاجِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَإِنَّ مَالِكًا - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ - لَمْ يَعْلَمِ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
أَجَابَ بِأَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا لَمْ يُجِبْ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِتُعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ، لَا لِعَدَمِ تَمَهُّرِهِ فِي الْجَمِيعِ.
وَبِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُجِبْ عَنْهَا بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الْحَالِ بِسَبَبِ مَانِعٍ، وَلَكِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ اسْتِخْرَاجِ مَا سُئِلَ عَنْهُ.
стр. 1611
قَالُوا: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا.
ص - النَّافِي: كُلُّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.
وَأُجِيبَ: الْفَرْضُ حُصُولُ الْجَمِيعِ فِي ظَنِّهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، أَوْ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ لِلْأَمَارَاتِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ.
لَنَا: مِثْلَ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وَ " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ".
وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِالْوَحْيِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
وَقَرَّرَهُ الْفَارِسِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ سُقُوطَهُ لِدَرَجَةٍ أَعْلَى.
ص - قَالُوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَلْزِمُ تَهَيُّؤَ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: لَا أَدْرِي، لَا يُوجِبُ عَدَمَ تَهَيُّؤِ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ.
الثَّانِي: إِذَا اطَّلَعَ الْمُسْتَفْرِغُ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ - أَيِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ - سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. فَكَمَا تَمَكَّنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَمَكَّنَ الْمُسْتَفْرِغُ أَيْضًا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِتَعَلُّقِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ لِعِلْمِهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ لِمَا لَمْ يُعْلَمْ تَعَلُّقٌ بِالْمَسْأَلَةِ، لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِجَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
ش - النَّافِي لِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَجَّ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ،
стр. 1613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْغَرَضَ حُصُولُ جَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي ظَنِّ الْفَقِيهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَبِأَنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ الْأَمَارَاتِ وَتَخْصِيصِ كُلِّ بَعْضٍ مِنَ الْأَمَارَاتِ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ، عَرَفَ الْفَقِيهُ أَنَّ مَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تُعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟
стр. 1614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] ، وَبِقَوْلِهِ ﵇: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ".
أَمَّا وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ فَإِنَّهُ عَاتَبَ الرَّسُولَ ﵇ فِي الْآيَةِ عَلَى الْإِذْنِ. فَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ بِالْوَحْيِ، لَمَا عَاتَبَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهَادٍ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَا يَحْكُمُ عَنْ تَشَهِّي النَّفْسِ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يَجُزِ ارْتِكَابُهُ.
وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ ; فَلِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ الصَّادِرَ مِنَ
стр. 1615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الرَّسُولِ ﵇ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْوَحْيِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﵇ أَنْ يُبَدِّلَ الْوَحْيَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ. كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْآيَةِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا - كَمَا قَرَّرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ - أَنَّ الْإِرَاءَةَ إِمَّا مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي هُوَ الِاجْتِهَادُ، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، أَوْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ.
لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ " مَا " فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: " ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] " هُوَ الْأَحْكَامُ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مُبْصَرَةً.
وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ ذِكْرُ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ ; لِوُجُودِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَهُوَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الرَّأْيِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ، وَقَدْ حُذِفَ الْمَفْعُولَانِ وَهُوَ جَائِزٌ.
следующие страницы →