← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قَالُوا: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا. ص - النَّافِي: كُلُّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ. وَأُجِيبَ: الْفَرْضُ حُصُولُ الْجَمِيعِ فِي ظَنِّهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، أَوْ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ لِلْأَمَارَاتِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ. لَنَا: مِثْلَ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وَ " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ". وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِالْوَحْيِ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] . وَقَرَّرَهُ الْفَارِسِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ، فَكَانَ أَوْلَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ سُقُوطَهُ لِدَرَجَةٍ أَعْلَى. ص - قَالُوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] . ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ يَسْتَلْزِمُ تَهَيُّؤَ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ: لَا أَدْرِي، لَا يُوجِبُ عَدَمَ تَهَيُّؤِ الْعِلْمِ بِالْجَمِيعِ. الثَّانِي: إِذَا اطَّلَعَ الْمُسْتَفْرِغُ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ - أَيِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ - سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. فَكَمَا تَمَكَّنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَمَكَّنَ الْمُسْتَفْرِغُ أَيْضًا. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ سَوَاءٌ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِتَعَلُّقِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ لِعِلْمِهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَ لِمَا لَمْ يُعْلَمْ تَعَلُّقٌ بِالْمَسْأَلَةِ، لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِجَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ. ش - النَّافِي لِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ احْتَجَّ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ،

стр. 1613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْغَرَضَ حُصُولُ جَمِيعِ أَمَارَاتِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي ظَنِّ الْفَقِيهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَبِأَنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ الْأَمَارَاتِ وَتَخْصِيصِ كُلِّ بَعْضٍ مِنَ الْأَمَارَاتِ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ، عَرَفَ الْفَقِيهُ أَنَّ مَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تُعَلُّقٌ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. [مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ] ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ هَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟

стр. 1614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] ، وَبِقَوْلِهِ ﵇: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ". أَمَّا وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ فَإِنَّهُ عَاتَبَ الرَّسُولَ ﵇ فِي الْآيَةِ عَلَى الْإِذْنِ. فَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ بِالْوَحْيِ، لَمَا عَاتَبَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهَادٍ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَا يَحْكُمُ عَنْ تَشَهِّي النَّفْسِ ; لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يَجُزِ ارْتِكَابُهُ. وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ ; فَلِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ الصَّادِرَ مِنَ

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الرَّسُولِ ﵇ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْوَحْيِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﵇ أَنْ يُبَدِّلَ الْوَحْيَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْوَحْيِ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِالِاجْتِهَادِ. كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْآيَةِ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا - كَمَا قَرَّرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ - أَنَّ الْإِرَاءَةَ إِمَّا مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي هُوَ الِاجْتِهَادُ، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، أَوْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ " مَا " فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: " ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] " هُوَ الْأَحْكَامُ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مُبْصَرَةً. وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ ذِكْرُ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ ; لِوُجُودِ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَهُوَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الرَّأْيِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ، وَقَدْ حُذِفَ الْمَفْعُولَانِ وَهُوَ جَائِزٌ.

стр. 1616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ " مَا " مَوْصُولَةً، جَازَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ الثَّالِثِ عِنْدَ حَذْفِ الثَّانِي. وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَكْثَرُ ثَوَابًا ; لِأَنَّهُ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ، وَمَا هُوَ أَشَقُّ أَكْثَرُ ثَوَابًا ; لِقَوْلِهِ ﵇: " «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَمَزُهَا» " أَيْ أَشَقُّهَا، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ ثَوَابًا كَانَ أَوْلَى. أَجَابَ بِأَنَّ دَرَجَةَ الْوَحْيِ أَعْلَى مِنَ الِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ الْخَطَأُ، فَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ ; لِأَنَّ مَا هُوَ أَعْلَى دَرَجَةً أَوْلَى. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ تَعَبُّدِ الرَّسُولِ ﵇ بِالِاجْتِهَادِ احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] ، فَإِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنِ الرَّسُولِ ﵇ بِالْوَحْيِ، وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ بِوَحْيٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنِ الرَّسُولِ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ. أَجَابَ بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ رَدُّ قَوْلِ الْكُفَّارِ: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٤] ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ قُرْآنًا،

стр. 1617

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ قَوْلِهِمُ (افْتَرَى) وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا تَعَبَّدَ بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ. قَالُوا: لَوْ كَانَ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ، كَالْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ. قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي الْجَوَابِ. قُلْنَا: لِجَوَازِ الْوَحْيِ، أَوْ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ. قَالُوا: الْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ. قُلْنَا: لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَكَانَ كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا. وَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ. وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَهُ. لَنَا: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ عَنْهُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ ﷺ : " «صَدَقَ» ". وَحَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَهُوَ مِنَ الْوَحْيِ، لَا أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْوَحْيِ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِالْوَحْيِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ، لَا يَكُونُ بِالْوَحْيِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَبَّدَ الرَّسُولُ ﵇ بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ. الثَّانِي: أَنَّ الرَّسُولَ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ خَوَاصِّهِ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالِاجْتِهَادِ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ سَنَدُهُ اجْتِهَادًا اجْتِهَادِيٌّ، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ. الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الرَّسُولُ ﵇ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي الْجَوَابِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَوَقَّفَ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ كَثِيرًا وَانْتَظَرَ الْوَحْيَ. أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَوَقَّفَ لِجَوَازِ الْوَحْيِ وَانْتِظَارِ النَّصِّ. فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، أَوْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَوَقَّفَ لِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الِاجْتِهَادِ.

стр. 1619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ بِالْأَحْكَامِ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَايَنَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا. أَجَابَ بِأَنَّهُ حِينَ عَمِلَ بِالظَّنِّ، لَمْ يَحْصُلِ الْيَقِينُ لَهُ، فَجَازَ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، وَالْيَقِينُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اجْتِهَادُهُ كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، فَكَمَا جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلظَّنِّ - وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَهُ الْيَقِينُ بِسَبَبِ الْوَحْيِ - فَكَذَلِكَ جَازَ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ الْحُكْمِ الْيَقِينُ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ. [مَسْأَلَةٌ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا] ش - اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَوَّلُهَا: الْمُخْتَارُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ ظَنًّا، لَا قَطْعًا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا. وَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ مُطْلَقًا. وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَ الرَّسُولُ ﵇ دُونَ مَنْ غَابَ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ عَلَى الْمُخْتَارِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁: فِي حَقِّ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَخَذَ غَيْرُهُ سَلَبَهُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ:

стр. 1620

وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ ﵇: " «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» ". ص - قَالُوا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ. قُلْنَا: ثَبَتَ الْخِيَرَةُ بِالدَّلِيلِ. قَالُوا: كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ. قُلْنَا: صَحِيحٌ، فَأَيْنَ مَنْعُهُمْ؟ ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ. وَأَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ. وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ. لَنَا: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ، لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِالظَّوَاهِرِ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ. ص - قَالُوا: تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَلَّفَهُمُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَتِّي الْمُعْتَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقَطْعُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إِلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ. لَنَا: الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ الْمُتَكَرِّرِ الشَّائِعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَأْثِيمٍ لِمُعَيَّنٍ وَلَا مُبْهَمٍ. وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ. وَاعْتُرِضَ كَالْقِيَاسِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] " «صَدَقَ» ". فَإِنَّهُ ﵁ قَالَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَالرَّسُولُ ﵇ قَرَّرَ.

стр. 1622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يُقَالُ: لَاهَا اللَّهِ مَا فَعَلْتُ، أَيْ لَا وَاللَّهِ، أُبْدِلَتِ الْهَاءُ مِنَ الْوَاوِ. وَأَيْضًا: حَكَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» "، وَهُوَ جَمْعُ الرَّقِيعِ، وَهُوَ السَّمَاءُ.

стр. 1623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَدْ حَكَمَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مُعَاصِرَ الرَّسُولِ ﵇ يَقْدِرُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ بِأَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فِي الْوَاقِعَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ. أَجَابَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الْمُرَاجَعَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﵇ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ بِالدَّلِيلِ، فَلَا تَمْنَعُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ الِاجْتِهَادَ. الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فِي الْوَقَائِعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ.

стр. 1624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ بِأَنَّ رُجُوعَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فِي الْوَقَائِعِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنَ الِاجْتِهَادِ. [مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ] ش - الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَاحِدٌ، إِذِ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا. وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ، إِذْ حَقِّيَّةُ دِينِ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وَأَبْيَنُ مِنَ النَّهَارِ، فَلَا مَجَالَ لِنَفْيِهِ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِغَيْرِهِ.

стр. 1625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَالَ الْجَاحِظُ: الْمُجْتَهِدُ - سَوَاءٌ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي نَفْيِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي غَيْرِهِ - مُخْطِئٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، وَلَكِنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ. وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ عَلَى مَا قَالَ الْجَاحِظُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ نَافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ، آثِمٌ، كَافِرٌ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النَّافِيَ لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، اجْتَهَدَ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّافِي مِلَّةَ الْإِسْلَامِ آثِمًا كَافِرًا، لَمَا سَاغَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَافِيَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مُخْطِئٌ آثِمٌ، كَافِرٌ بِظَوَاهِرِ الْآيَاتِ. مِنْهَا - قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى:

стр. 1626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ - تَعَالَى - ذَمَّهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ وَتَوَاعَدَهُمْ بِالْعِقَابِ. وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. أَجَابَ عَنْهُ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْمُعَانِدُ. ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ فِي نَفْيِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: تَكْلِيفُ الْكُفَّارِ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى نَقِيضِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ

стр. 1627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مُمْتَنِعٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا لَوْ كَانَ نَقِيضُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُحَالًا لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ نَقِيضَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مُنَافٍ لِمَا تَعَوَّدُوهُ. وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُنَافِي الْمُعْتَادِ وَاقِعٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْمُنَافِي الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْكُفْرُ. فَلَيْسَ تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ. [مَسْأَلَةٌ الْقَطْعُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ] ش - الْقَطْعُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ مُخْطِئٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، أَعْنِي الَّذِي لَا قَاطِعَ فِيهِ.

стр. 1628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إِلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ. لَنَا: حَصَلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافًا مُتَكَرِّرًا شَائِعًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَأْثِيمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لَا بِطْرِيقِ التَّعْيِينِ وَلَا بِطْرِيقِ الْإِبْهَامِ. وَالْقَطْعُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ لِمُعَيَّنٍ أَوْ مُبْهَمٍ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِمِثْلِ مَا اعْتُرِضَ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ أَنَّهُمْ أَثَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، فَلَا يَدُلُّ عَدَمُ النَّقْلِ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ هَاهُنَا كَالْجَوَابِ ثَمَّةَ. [الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا] ش - اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا. فَقَالَ الْقَاضِي وَالْجِبَائِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُصِيبٌ،

стр. 1629

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي وَالْجِبَائِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَحُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. وَقِيلَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كَدَفِينٍ يُصَابُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ، فَهُوَ الْمُصِيبُ. وَقَالَ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ. وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَاطِعٌ، فَقَصَّرَ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ ; وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ، فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ. لَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّصْوِيبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَصُوِّبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِلْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُصِيبًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ ; لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ قَطْعُهُ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرَهُ، لَوَجَبَ الرُّجُوعُ، فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ. ص - لَا يُقَالُ: الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَائِهِ ; وَلِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ. فَيَجِبُ الْفِعْلُ أَوْ يَحْرُمُ قَطْعًا، قُلْنَا: الظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ تَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ. قُلْنَا: كَوْنُهُ دَلِيلًا حُكْمٌ أَيْضًا، فَإِذَا ظَنَّهُ عَلِمَهُ، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا. ص - وَأَيْضًا: أَطْلَقَ الصَّحَابَةُ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثِيرًا، وَشَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ. عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا ﵃ أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ، وَخَطَّأَهُمْ وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا. ص - وَاسْتَدَلَّ: إِنْ كَانَا بِدَلِيلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ، وَإِلَّا تَسَاقَطَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَارَاتِ تَتَرَجَّحُ بِالنَّسَبِ، فَكُلٌّ رَاجِحٌ، وَاسْتُدِلَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبْيِينُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ فَائِدَةٌ. وَأُجِيبَ: بِتَبْيِينِ التَّرْجِيحِ أَوِ التَّسَاوِي أَوِ التَّمْرِينِ. وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ، وَلَا مَطْلُوبٌ مُحَالٌ، فَمَنْ أَخْطَأَهُ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا. وَأُجِيبَ: مَطْلُوبُهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَيَحْصُلُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ حُكْمٌ فِيهَا، وَحُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، أَيْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَقِيلَ: الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَدَفِينٍ يُصَابُ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ الْمُخْطِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ، فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ. وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ.

стр. 1631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، فَقَصَّرَ الْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِهِ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: لَا دَلِيلَ عَلَى تَصْوِيبِ الْكُلِّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ. وَصُوِّبَ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا مُصِيبٌ، ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ تَخْطِئَةِ الْكُلِّ. وَتَصْوِيبُ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ. الثَّانِي: لَوْ كَانَ مُصِيبًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْكُلَّ لَوْ كَانَ مُصِيبًا، فَالْمُجْتَهِدُ إِذَا ظَنَّ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، جَزَمَ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْحُكْمَ ذَلِكَ، ضَرُورَةَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَإِذَا قَطَعَ، اسْتَمَرَّ قَطْعُهُ ; إِذِ الْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، وَاسْتِمْرَارُ قَطْعِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرَهُ،

стр. 1632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَجَبَ الرُّجُوعُ، فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ ضَرُورَةَ اقْتِضَاءِ الْقَطْعِ عَدَمَ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَالظَّنُّ احْتِمَالُ النَّقِيضِ. ش - هَذَا إِيرَادٌ عَلَى الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الدَّلِيلِ الثَّانِي. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الْمُلَازَمَةُ إِنَّمَا تَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ اسْتِمْرَارُ الْقَطْعِ مَشْرُوطًا بِبَقَاءِ الظَّنِّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ ضَرُورَةَ

стр. 1633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] انْتِفَاءِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ عِنْدَ عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ. فَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الظَّنِّ مَعَ الْعِلْمِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الشَّيْءِ، لَا يَكُونُ شَرْطًا لَهُ. أَجَابَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَاءِ الظَّنِّ عِنْدَ بَقَاءِ الْإِصَابَةِ الْمُوجِبَةِ لِاسْتِمْرَارِ الْقَطْعِ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ انْتَفَى ظَنُّ الشَّيْءِ بِالْعِلْمِ، لَكَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ نَقِيضِ الشَّيْءِ مَعَ ذِكْرِهِ، أَيْ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ظَنِّ نَقِيضِ الشَّيْءِ يَكُونُ الشَّيْءُ مَوْهُومًا، وَإِذَا كَانَ الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْتَفِيَ الْوَهْمُ اللَّازِمُ لِظَنِّ نَقِيضِ الشَّيْءِ بِالْعِلْمِ. فَيَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ ; لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِ الْحُكْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ظَنُّ نَقِيضِ الْحُكْمِ عِنْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ لُزُومِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّهُ كَمَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ تَصْوِيبِ الْكُلِّ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَصْوِيبِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا ظَنَّ وُجُوبَ الْفِعْلِ أَوْ حُرْمَتَهُ، وَجَبَ اتِّبَاعُ ظَنِّهِ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الْفِعْلِ أَوْ حُرْمَتُهُ قَطْعًا مَعَ كَوْنِهِ ظَانًّا بِالْوُجُوبِ أَوِ الْحُرْمَةِ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ

стр. 1634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْوَاحِدُ مَعْلُومًا مَظْنُونًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ. أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَعْلُومًا مَظْنُونًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ يَتَعَلَّقُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ أَوِ الْحُرْمَةَ هُوَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ، وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ مُخَالِفَةِ ذَلِكَ الظَّنِّ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ. قَوْلُهُ: " فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ الْمُخَالَفَةِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابٍ دَخَلَ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَبَدَّلَ ظَنُّ الْحُكْمِ، زَالَ الْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ مُخَالَفَتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا وَاحِدٌ. أَجَابَ بِأَنَّ الظَّنَّ شَرْطُ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ، زَالَ شَرْطُ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالِفَةِ، فَيَزُولُ الْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ لِزَوَالِ شَرْطِهِ، لَا لِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا وَاحِدٌ. فَإِنْ قِيلَ: عَلَى تَقْدِيرِ تَصْوِيبِ الْكُلِّ لَمْ يَلْزَمِ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ ; فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ مُخْتَلِفٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ.

стр. 1635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَزَوَالُ الْعِلْمِ عِنْدَ تَبَدُّلِ الظَّنِّ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا ; لِأَنَّ الظَّنَّ شَرْطُ الْعِلْمِ، وَتَبَدُّلُ الشَّرْطِ يُوجِبُ زَوَالَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا قَرَّرْتُمْ. أَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَ الدَّلِيلِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلًا، هُوَ أَيْضًا حُكْمٌ، فَإِذَا ظَنَّهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا مَعْلُومًا مَظْنُونًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ. ش - الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ أَطْلَقُوا الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ كَثِيرًا. وَشَاعَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ. مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِ كَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ. وَخَطَّأَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي، أَيْ مَنْ لَاعَنَنِي، لَاعَنْتُهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ

стр. 1636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِّ أَبًّا. ش - هَذِهِ اسْتِدْلَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ بِمُصِيبٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي حُكْمٍ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُمَا بِدَلِيلَيْنِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَلْزَمُ تَخْطِئَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ، وَتَخْطِئَةُ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ، وَالْآخِرُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، تَعَيَّنَ كَوْنُ الْأَرْجَحِ دَلِيلًا، وَالْآخَرِ خَطَأً، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُصِيبًا وَالْآخَرُ مُخْطِئًا.

стр. 1637

وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ لَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ لِمُجْتَهِدَةٍ حَنَفِيَّةٍ: أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ. وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِوَلِيٍّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ. وَجَوَابُهُ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَتَّبِعُ حُكْمَهُ. ص - الْمُصَوِّبَةُ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ، إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ بَاقِيًا، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ، إِنْ سَقَطَ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، تَسَاقَطَ الدَّلِيلَانِ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُخْطِئًا. أَجَابَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَارَةٌ، وَالْأَمَارَاتُ تَتَرَجَّحُ بِالنَّسَبِ إِلَى الْأَشْخَاصِ، فَكُلُّ أَمَارَةٍ تَتَرَجَّحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَقُولُ بِهَا. الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبَيْيِنُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ فَائِدَةٌ، وَإِذَا كَانَتِ الْفَائِدَةُ تَبْيِينَ الصَّوَابِ، لَمْ يَكُنِ الْكُلُّ مُصِيبًا. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَائِدَةَ الْمُنَاظَرَةِ تَبْيِينُ الصَّوَابِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهَا تَبْيِينَ تَرْجِيحِ إِحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَبْيِينَ تَسَاوِيهِمَا، أَوْ فَائِدَتُهَا تَمْرِينُ النَّفْسِ، فَإِنَّ التَّمْرِينَ يُفِيدُ النَّفْسَ اسْتِعْدَادًا تَامًّا لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ لِلْحُكْمِ، وَطَالِبٌ وَلَا مَطْلُوبٌ مُحَالٌ ; لِاسْتِحَالَةِ طَلَبِ الْمَعْدُومِ. وَإِذَا كَانَ لَهُ مَطْلُوبٌ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الطَّلَبِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمٍ قَبْلَ ثُبُوتِ الطَّلَبِ، فَمَنْ أَخْطَأَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، مُخْطِئٌ قَطْعًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا. أَجَابَ بِأَنَّ مَطْلُوبَهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ

стр. 1639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يَكُونَ مُتَعَيِّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَبْلَ طَلَبِهِ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي الذِّهْنِ، فَيَحْصُلُ مَطْلُوبُ كُلٍّ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، فَيَكُونُ الْكُلُّ مُصِيبًا لِتُحَقُّقِ مَطْلُوبِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا، يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ، وَهُوَ مُحَالٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الشَّافِعِيَّ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْمُجْتَهِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْتِ بَائِنٌ، ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ، فَإِنَّهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الزَّوْجِ تَحِلُّ الْمُرَاجِعَةُ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ، تَحْرُمُ الْمُرَاجَعَةُ. فَيَلْزَمُ حِلُّ الْمُرَاجِعَةِ وَحُرْمَتُهَا. وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ حَنَفِيٌّ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ بِوَلِيٍّ، يَلْزَمُ حِلُّ الْمَرْأَةِ وَحُرْمَتُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ. أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، يَلْزَمُ كُلًّا اتِّبَاعُ ظَنِّهِ ; إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِ الْمُجْتَهِدِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَلَالًا حَرَامًا مَعًا. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي مِثْلِ مَا ذُكِرَ هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ، لَا اجْتِهَادُهُمَا، فَيُرْفَعُ مِثْلُ مَا ذُكِرَ إِلَى الْحَاكِمِ فَيُتَّبَعُ حُكْمُهُ. ش - احْتَجَّتِ الْمُصَوِّبَةُ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا ; لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بَاقِيًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ، يَلْزَمُ وُجُوبُ الْخَطَأِ ; لِأَنَّ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَيْسَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. أَجَابَ بِالْتِزَامِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ جَازَ وُجُوبُ الْخَطَأِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَسَعَى الْمُجْتَهِدُ

стр. 1640

الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ. وَأُجِيبَ بِثُبُوتِ الثَّانِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَجَبَ مُخَالَفَتُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ، فَهَذَا أَجْدَرُ. قَالُوا: قَالَ: " بِأَيِّهِمِ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ ". وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنْ هُدًى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ هُدًى ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِمَا النَّقِيضَيْنِ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهَا، فَالْجُمْهُورُ: جَائِزٌ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ. لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ الدَّلِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. ص - قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَا، فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُخَيَّرًا، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي تَحَكُّمٌ، وَالثَّالِثُ حَرَامٌ لِزَيْدٍ، حَلَالٌ لِعَمْرٍو مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، وَالرَّابِعُ كَذِبٌ ; لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَلَالَ وَلَا حَرَامَ، وَهُوَ أَحَدُهُمَا. وَأُجِيبَ يُعْمَلُ بِهِمَا فِي أَنَّهُمَا وَقَفَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُخَيَّرًا، أَوْ لَا يُعْمَلُ بِهِمَا. وَلَا تَنَاقُضَ إِلَّا مِنَ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ، لَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فِي طَلَبِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي طَلَبِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِمُوجِبِ ظَنِّهِ، مَعَ أَنَّ مُوجِبَ ظَنِّهِ خَطَأٌ بِالِاتِّفَاقِ ; لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ. وَإِذَا وَجَبَ الْخَطَأُ فِي صُورَةٍ وُجِدَ النَّصُّ فِيهَا، فَوَجَبَ الْخَطَأُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ". يَقْتَضِي تَصْوِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ اهْتِدَاءً، بَلْ ضَلَالَةً. أَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَ الِاجْتِهَادِ خَطَأً، لَا يُنَافِي كَوْنَهُ هُدًى ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَعَلَى مَنْ قَلَّدَهُ، وَالْهُدَى فِعْلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، فَيَكُونُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمِ اهْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُمْ خَطَأً. [مَسْأَلَةٌ تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ] ش - تُقَابِلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ، أَيِ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ ; لِأَنَّ

стр. 1642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ يَسْتَلْزِمُ مَدْلُولَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ تَعَادَلَ الدَّلِيلَانِ الْعَقْلِيَّانِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهَا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ. دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ تَعَادُلَ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِدَلِيلٍ ; إِذْ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، لَكِنْ بَحَثْنَا وَلَمْ نَجِدْ دَلِيلًا دَالًّا عَلَى امْتِنَاعِ تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَ الْأَمَارَتَانِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يُعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنَةً، أَوْ يُعْمَلَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، أَوْ لَا يُعْمَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَالْأَقْسَامُ بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ; فَلِأَنَّهُ لَوْ عُمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْأُخْرَى، مَعَ تَعَادُلِهِمَا، يُوجِبُ التَّحَكُّمَ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ ; فَلِلُزُومِ الْحُكْمِ بِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا حَلَالٌ لِزَيْدٍ، حَرَامٌ لِعَمْرٍو مِنْ مُجْتَهِدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الرَّابِعُ; فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّنَاقُضُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا حَلَالَ وَلَا حَرَامَ يَكُونُ كَذِبًا ضَرُورَةَ أَحَدِهِمَا، أَعْنِي الْحَلَالَ أَوِ الْحَرَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِمَا، لَا فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ، بَلْ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَقَفَتِ الْأُخْرَى، أَيْ مَنَعَتْهَا فِي تَرَتُّبِ مُقْتَضَاهَا عَلَيْهَا، فَيَقِفُ الْمُجْتَهِدُ عَنْهُمَا، أَوْ يَعْمَلُ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُ كَمَا جَازَ التَّخْيِيرُ بِالنَّصِّ، جَازَ بِالِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا يَعْمَلُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ الْكَذِبُ وَالتَّنَاقُضُ ; لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنَ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا مِنْ تَرْكِ

стр. 1643

ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ، أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، فَالظَّاهِرُ رُجُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْمُتَنَاظِرَتَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، فِيهَا قَوْلَانِ، إِمَّا لِلْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا فِيهَا مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا لِي قَوْلَانِ عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ، وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ ; لِلتَّسَلْسُلِ. فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ، وَيَنْقَضُ إِذَا خَالَفَ قَاطِعًا، فَلَوْ حَكَمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ اتِّفَاقًا. فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمٌ، كَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُقَلِّدِهِ، فَلَوْ حَكَمَ مَقْلِدٌ بِخِلَافِ إِمَامِهِ، جَرَى عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا. وَقِيلَ: أَرْجَحُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا تَخَيَّرَ. وَقِيلَ: أَوْ تَابِعِيًّا. وَقِيلَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ. وَبَعْدَ الِاجْتِهَادِ اتِّفَاقٌ. لَنَا: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ النَّفْيِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ. وَأَيْضًا: مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْأَصْلِ، فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ، كَغَيْرِهِ. وَاسْتَدَلَّ: لَوْ جَازَ قَبْلَهُ، لَجَازَ بَعْدَهُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْعَمَلِ بِهِمَا ; فَإِنَّهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِمَا. [مَسْأَلَةٌ: لَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ] ش - لَا امْتِنَاعَ فَمَا صُدُورُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ جَامِعٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. أَمَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَصْدُرَ قَوْلَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ قَوْلَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ.

стр. 1645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَكَذَلِكَ يَجُوزُ صُدُورُ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ، لَكِنْ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ. وَإِنَّمَا بُنِيَ جَوَازُ صُدُورِ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الشَّخْصِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ صُدُورَ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ ثَابِتًا فِي الْقَوْلَيْنِ بِسَبَبِ تَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، أَيِ الْقَوْلَانِ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي وَقْتٍ، وَالْآخَرُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، وَالْقَوْلَ الْآخَرَ هُوَ قَوْلُهُ. وَكَذَلِكَ الْمُتَنَاظِرَتَانِ، أَيْ حُكْمُ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَنَاظِرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَلِلشَّافِعِيِّ ﵁ قَوْلَانِ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. وَحَمْلُ الْمُصَنِّفِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَيْنِ لِي عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ.

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِمَّا عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَيْنِ لِي عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّات منهِ] ش - حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، لَا ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا غَيْرُهُ بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ، يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ

стр. 1647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] يَنْقُضَ الْحُكْمَ الثَّانِيَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَيَتَسَلْسَلُ، فَيَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ لِاضْطِرَابِ الْحُكْمِ، وَيُنْقَضُ بِالِاتِّفَاقِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ دَلِيلًا قَاطِعًا نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ قَلَّدَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ لَمْ يُقَلِّدْ. فَعَلَى هَذَا لَوْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى صِحَّةِ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، فَيَلْزَمُ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، فَيَلْزَمُ حِلُّ الْمَرْأَةِ إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَا يَصِحُّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ، يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي وَتَرْكُ الْأَوَّلِ. وَلَوْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ عَلَى خِلَافِ إِمَامِهِ، جَرَى ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ إِذَا قَلَّدَ وَاحِدًا.

стр. 1648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ جَوَّزْنَا تَقْلِيدَ غَيْرِهِ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ، جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ. [مَسْأَلَةٌ الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ] ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يُفْتِي فِيهِ، وَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَخُصُّهُ إِذَا فَاتَ الْوَقْتُ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ. وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدُهُ أَعْلَمَ مِنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ الصَّحَابِيُّ أَرْجَحَ فِي نَظَرِهِ مَنْ غَيْرِهِ، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ، تَخَيَّرَ فِي تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا. وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا.

стр. 1649

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعْدَهُ حَصَلَ الظَّنُّ الْأَقْوَى. ص - الْمُجَوِّزُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] . قُلْنَا: لِلْمُقَلِّدِينَ، بِدَلِيلِ (إِنْ كُنْتُمْ) ، وَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ. ص: الصَّحَابَةُ، " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ". وَقَدْ سَبَقَ. قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] هَذَا إِذَا كَانَ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، فَمَمْنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ. احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ جَوَازَ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، إِذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ دَلِيلٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ، لَكِنْ بَحَثْنَا عَنْهُ وَلَمْ نَجِدْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَصْلٌ، وَالتَّقْلِيدَ بَدَلٌ، وَالْمُجْتَهِدُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ كَغَيْرِهِ، مِثْلَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّ الْبَدَلَ يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْأَصْلِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَجَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ بَعْدَهُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ هُوَ تَمَكُّنُ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مَعْرِفَةِ
следующие страницы →