Полный текст (1 729 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِمَّا عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَيْنِ لِي عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّات منهِ]
ش - حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، لَا ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا غَيْرُهُ بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ، يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ
стр. 1647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يَنْقُضَ الْحُكْمَ الثَّانِيَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَيَتَسَلْسَلُ، فَيَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ لِاضْطِرَابِ الْحُكْمِ، وَيُنْقَضُ بِالِاتِّفَاقِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَ دَلِيلًا قَاطِعًا نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ قَلَّدَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ لَمْ يُقَلِّدْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى صِحَّةِ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، فَيَلْزَمُ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، فَيَلْزَمُ حِلُّ الْمَرْأَةِ إِذَا اتَّصَلَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَا يَصِحُّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ، يَجِبُ عَلَى الْمُقَلِّدِ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي وَتَرْكُ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ عَلَى خِلَافِ إِمَامِهِ، جَرَى ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ إِذَا قَلَّدَ وَاحِدًا.
стр. 1648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ جَوَّزْنَا تَقْلِيدَ غَيْرِهِ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ، جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ إِمَامِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يُفْتِي فِيهِ، وَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنَ التَّقْلِيدِ فِيمَا يَخُصُّهُ، أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَخُصُّهُ إِذَا فَاتَ الْوَقْتُ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ.
وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدُهُ أَعْلَمَ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ الصَّحَابِيُّ أَرْجَحَ فِي نَظَرِهِ مَنْ غَيْرِهِ، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ، تَخَيَّرَ فِي تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ إِذَا كَانَ مُقَلِّدُهُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا.
وَقِيلَ: الْمُجْتَهِدُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا.
стр. 1649
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعْدَهُ حَصَلَ الظَّنُّ الْأَقْوَى.
ص - الْمُجَوِّزُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] .
قُلْنَا: لِلْمُقَلِّدِينَ، بِدَلِيلِ (إِنْ كُنْتُمْ) ، وَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ.
ص: الصَّحَابَةُ، " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ". وَقَدْ سَبَقَ.
قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
هَذَا إِذَا كَانَ التَّقْلِيدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، فَمَمْنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ.
احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ جَوَازَ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، إِذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ دَلِيلٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ، لَكِنْ بَحَثْنَا عَنْهُ وَلَمْ نَجِدْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ أَيْضًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَصْلٌ، وَالتَّقْلِيدَ بَدَلٌ، وَالْمُجْتَهِدُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ كَغَيْرِهِ، مِثْلَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّ الْبَدَلَ يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْأَصْلِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَجَازَ لَهُ التَّقْلِيدُ بَعْدَهُ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ هُوَ تَمَكُّنُ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مَعْرِفَةِ
стр. 1651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ عَنِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، مَنَعَ عَنِ التَّقْلِيدِ قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا عَنِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَهُ، لَمْ يَكُنْ مَانِعًا عَنِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَهُ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحَاصِلَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ هُوَ الظَّنُّ الْأَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنَ التَّقْلِيدِ، فَلَا جَرَمَ مُنِعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَقَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا فَضْلًا عَنِ الظَّنِّ الْأَقْوَى، فَلَا جَرَمَ لَا يَكُونُ التَّقْلِيدُ مَمْنُوعًا.
ش - الْمُجَوِّزُ، أَيِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالسُّؤَالِ، وَأَدْنَى دَرَجَةِ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ اتِّبَاعُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَاعْتِقَادُ قَوْلِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُقَلِّدُونَ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّؤَالِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ
стр. 1652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَنْ هُوَ عَالِمٌ. وَالْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ عَالِمٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ. وَالْمُجْتَهِدُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ عَالِمًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخِطَابِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ فَيَكُونُ مَسْئُولًا، لَا سَائِلًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْمَأْمُورَيْنِ بِالسُّؤَالِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الصَّحَابَةَ، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمِ اهْتَدَيْتُمْ» ".
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ عَوَامِّ الصَّحَابَةِ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْمُجَوِّزُ مُطْلَقًا أَيْضًا بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنَ التَّقْلِيدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِالتَّقْلِيدِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنَ الظَّنِّ الْأَقْوَى يَمْنَعُ التَّقْلِيدَ.
[مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ جواز أن يقال للمجتهد احكم بما شئت]
ش - يَجُوزُ أَنْ يُفَوَّضَ الْحُكْمُ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ يَتَمَسَّكُ بِهِ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ، فَهُوَ صَوَابٌ.
وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ وَعَدَمِهِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَفْوِيضَ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ النَّبِيِّ ﵇ فَقَطْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ التَّفْوِيضَ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْوُقُوعِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى الْجَوَازِ بِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ تَفْوِيضُ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ، لَكَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ ; إِذْ لَوِ امْتَنَعَ لِذَاتِهِ، لَلَزِمَ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، فَيَثْبُتُ أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ.
стр. 1653
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ، فَهُوَ صَوَابٌ.
وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ.
ثُمَّ الْمُخْتَارُ: لَمْ يَقَعْ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
ص - قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ لِجَهْلِ الْعَبْدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ، وَلَوْ سُلِّمَ، لَزِمَتِ الْمَصَالِحُ وَإِنْ جَهِلَهَا.
ص - الْوُقُوعُ، قَالُوا: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
قَالُوا: قَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدْ شَجَرُهَا ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؟ فَقَالَ: " «إِلَّا الْإِذْخِرَ» ". وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنَ الْخَلَا، فَدَلِيلُهُ الِاسْتِصْحَابُ، أَوْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْهُ، وَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ لِفَهْمِ ذَلِكَ، أَوْ مِنْهُ وَأُرِيدَ وَنُسِخَ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ.
قَالُوا: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ» " وَ " «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ» " وَ " «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَ» "، وَلَمَّا قُتِلَ النَّضِرُ بْنُ الْحَارِثِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ ابْنَتُهُ:
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ
. فَقَالَ ﵇: " «لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ» .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ نَفْيٌ، وَالنَّفْيُ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَوَازَ وَالِامْتِنَاعَ ثُمَّ، لِلْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِالتَّقْلِيدِ وَعَدَمِ الْإِذْنِ، وَلَاشَكَّ أَنْ عَدَمَ الْإِذْنِ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ دَلِيلِ الْإِذْنِ.
وَالْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ هَاهُنَا الْإِمْكَانُ الْعَقْلِيُّ وَالِامْتِنَاعُ الْعَقْلِيُّ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِمْكَانُ، وَالِامْتِنَاعُ الْعَقْلِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ بِدُونِ الْإِمْكَانِ.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ قَالُوا: تَفْوِيضُ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ جَاهِلُونَ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مَا لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جَوَازِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَتِهِ، لَا فِي وُقُوعِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْجَوَازِ انْتِفَاءُ الْمَصَالِحُ.
стр. 1655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوُقُوعِ، لَزِمَتِ الْمَصَالِحُ وَإِنْ جَهَلَهَا الْعَبْدُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَخْبَرَ عَنْ إِصَابَتِهِ فِيمَا يَخْتَارُهُ الْعَبْدُ يَكُونُ مَصْلَحَةً.
ش - الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إِلَى مَشِيئَةِ الْمُجْتَهِدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ فُوِّضَ إِلَى مَشِيئَتِهِ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
الثَّانِي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؟ فَقَالَ ﵇: " إِلَّا الْإِذْخِرَ» ".
стр. 1656
وَأُجِيبَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُيِّرَ فِيهِ مُعَيَّنًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَقِيلَ: بِنَفْيِ الْخَطَأِ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِمَانِعٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَأَيْضًا: (لِمَ أَذِنْتَ) ، (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) حَتَّى قَالَ: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ» " ; لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ.
وَأَيْضًا: " «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ".
وَقَالَ: أَنَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَحْكَامِ، لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُحْتَمَلِ
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، لَا لِدَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُخْتَلَى، أَيْ لَا يُقْطَعُ. وَالْخَلَى مَقْصُورًا: الرَّطْبُ مِنَ الْحَشِيشِ، الْوَاحِدُ: خَلَاةٌ. وَالْإِذْخِرُ: نَبْتٌ، الْوَاحِدَةُ: إِذْخِرَةٌ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، فَجَوَازُ اخْتِلَائِهِ لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ مُسْتَنِدًا إِلَى الِاسْتِصْحَابِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُؤَكِّدٌ لِلِاسْتِصْحَابِ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِذْخِرَ مُرَادًا، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخَلَا فِي التَّحْرِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِذْخِرَ مُرَادًا لَمْ يُصْبِحِ الِاسْتِثْنَاءُ، فَإِنَّ عَدَمَ الْإِرَادَةِ يُنَافِي صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ.
أُجِيبَ بِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ اسْتِثْنَاءَ النَّبِيِّ ﵇ تَكْرِيرٌ لِاسْتِثْنَاءِ الْعَبَّاسِ، حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الرَّسُولُ ﵇ لَفَهِمَ الْعَبَّاسُ إِرَادَةَ الْإِذْخِرِ.
стр. 1658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَيَكُونُ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ لِفَهْمِ الْعَبَّاسِ الْإِرَادَةَ، لَا لِإِرَادَةِ الرَّسُولِ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ جِنْسِ الْخَلَا، وَأُرِيدَ مِنْهُ، وَقَدَّرْنَا أَنَّ تَكْرِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَجْلِ الْإِرَادَةِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُدَّعِي ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ حُرْمَةُ الْإِذْخِرِ بِالْعَامِّ، وَنُسِخَ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّاسِخُ يَجِبُ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْمَنْسُوخِ. وَالْوَحْيُ السَّرِيعُ - عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ - غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّاسِخَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْحُكْمِ. وَالْوَحْيُ السَّرِيعُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ حَرَكَةَ اخْتِلَاءِ الْخَلَا ثَابِتَةٌ قَبْلَ تَكَلُّمِ الرَّسُولِ ﵇ بِحُرْمَتِهِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵇: " «لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ". فَإِنَّهُ أَسْنَدَ الْأَمْرَ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَإِلَّا لَمَا أَسْنَدَ إِلَى نَفْسِهِ.
стр. 1659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الرَّابِعُ: أَنَّهُ «لَمَّا قَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ ﵇: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَ» .
وَلَوْلَا أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ، لَمَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ نَضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، جَاءَتِ ابْنَتُهُ قُتَيْلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْشَدَتْهُ:
стр. 1660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ
. فَقَالَ ﵇: «لَوْ سَمِعْتُهُ، مَا قَتَلْتُهُ» .
وَلَوْلَا أَنَّ قَتْلَهُ مُفَوَّضٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵇، لَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﵇ ذَلِكَ.
وَالْغَيْظُ: غَضَبٌ كَامِنٌ لِلْعَاجِزِ. يُقَالُ: غَاظَهُ، فَهُوَ مَغِيظٌ. وَالْحَنَقُ: الْغَيْظُ، وَأَحْنَقَهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ مُحْنَقٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﵇ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالسِّوَاكِ أَوْ لَا يَأْمُرَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَبَيْنَ
стр. 1661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَنْ لَا يَأْمُرَ. وَكَذَا فِي قَتْلِ نَضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُفَوَّضًا إِلَى مَشِيئَتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﵇ بِالْوَحْيِ، لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ﵇ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ خَطَأِ الرَّسُولِ ﵇ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَقِيلَ بِنَفْيِ الْخَطَأِ عَنِ اجْتِهَادِهِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِالْمَعْقُولِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ ; فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ، لَكَانَ لِمَانِعٍ، ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لِذَاتِهِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ، فَمَنْ قَالَ بِالْمَانِعِ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
وَأَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] .
فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي الْإِذْنِ، وَهُوَ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ، لَمَا عَاتَبَهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي أَسَارَى بَدْرٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﵇: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ» " ; لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ، وَنَهَى عَنْ
стр. 1662
ص - قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ.
وَأُجِيبَ بِثُبُوتِهِ لِلْعَوَامِّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَخْذِ الْفِدَاءِ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ فِي أَخْذِ الْفِدَاءِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ ﵇: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» ".
стр. 1664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَضَى بِمَا لَا يَكُونُ مُطَابِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ خَطَأً.
وَقَوْلُهُ: " «أْلَحَنُ بِحُجَّتِهِ» "، أَيْ أَفْطَنُ لَهَا.
وَأَيْضًا: قَوْلُهُ ﵇: «إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» . يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خَطَئِهِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي جَوَازِ خَطَئِهِ فِي الْأَحْكَامِ، لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ خَطَئِهِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ جَوَازَ الْخَطَأِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ الْمُنَازَعَ فِيهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مَثَلًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عَلَى مَنْ أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇ فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَلَالًا عَلَيْهِ اجْتِهَادًا.
ش - الْمَانِعُونَ مِنْ جَوَازِ خَطَئِهِ ﵇ فِي الِاجْتِهَادِ احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ بِالْخَطَأِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْخَطَأِ ثَابِتٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَامَّ مَأْمُورُونَ بِمُتَابَعَةِ الْمُجْتَهِدِ وَتَقْلِيدِهِمْ مَعَ جَوَازِ خَطَأِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَقْلِيدِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ مَعَ وُقُوعِ خَطَئِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ، فَالرَّسُولُ ﵇ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عَنْهُ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.
стр. 1665
قَالُوا: الْإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ، فَالرَّسُولُ أَوْلَى.
قُلْنَا: اخْتِصَاصُهُ بِالرُّتْبَةِ، وَاتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ لَهُ يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ، فَيَتَّبِعُ الدَّلِيلَ.
قَالُوا: الشَّكُّ فِي حُكْمِهِ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبِعْثَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُخِلَّ، بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ، وَقِيلَ: فِي الْعَقْلِيِّ، لَا الشَّرْعِيِّ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا. وَهُوَ مُحَالٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ الرَّسُولِ ﵇ بِرُتْبَةٍ أَعْلَى مِنْ رُتْبَةِ الْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَهِيَ رُتْبَةُ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ، يَدْفَعُ أَوْلَوِيَّةَ النَّبِيِّ بِالْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مَرْتَبَةٍ سُفْلَى مَعَ اتِّصَافِهِ بِالْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا.
وَأَيْضًا: وُجُوبُ اتِّبَاعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعُ لَهُ يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ، وَإِذَا انْدَفَعَ الْأَوْلَوِيَّةُ، فَيَتَّبِعُ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى عِصْمَةِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الْخَطَأِ وَجَوَازِ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ.
الثَّالِثُ: الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِ الرَّسُولِ ﵇ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَعْثَةِ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَصَالِحِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ. فَلَوْ جَازَ خَطَؤُهُ فِي الْحُكْمِ، لَمْ تَحْصُلِ الْمَصَالِحُ الْمَقْصُودَةُ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ.
أَجَابَ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَئِهِ، بِخِلَافِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ، فَإِنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّافِيَ هَلْ يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ عَلَى مَا نَفَاهُ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ نَافِيًا لِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفْيُ ضَرُورِيًّا.
وَقِيلَ: لَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ فِي الْعَقْلِيِّ لَا الشَّرْعِيِّ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّافِيَ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِالدَّلِيلِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ بِالدَّلِيلِ، لَكَانَ لِكَوْنِ النَّفْيِ ضَرُورِيًّا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا نَظَرِيًّا.
الثَّانِي: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى ذَلِكَ، أَيِ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدَعْوَى قِدَمِهِ، وَدَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ دَعْوَى نَفْيِ الشَّرِيكِ، وَدَعْوَى الْقِدَمِ دَعْوَى نَفْيِ الْحُدُوثِ. فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى مُطَالَبَةِ النَّافِي بِالدَّلِيلِ.
стр. 1667
وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَهُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَنَفْيُ الْحُدُوثِ.
ص - النَّافِي: لَوْ لَزِمَ، لَلَزِمَ مُنْكِرَ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ، وَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَمُنْكِرَ الدَّعْوَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لَازِمٍ.
وَيُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَانِعِ وَانْتِفَاءِ الشَّرْطِ عَلَى النَّفْيِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - النَّافِي، أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّافِيَ لَا يُطَالَبُ بِدَلِيلٍ، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ عَلَى النَّافِي الدَّلِيلُ، لَلَزِمَ عَلَى مُنْكِرِ مُدَّعِي النُّبُوَّةَ الدَّلِيلُ، وَلَلَزِمَ أَيْضًا عَلَى مُنْكَرِ مُدَّعِي صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَلَلَزِمَ أَيْضًا عَلَى مُنْكَرِ الدَّعْوَى، وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالتَّوَالِي بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنْكِرِينَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ نَافٍ.
أَجَابَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى النَّفْيِ قَدْ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ.
стр. 1669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَدْ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى النَّفْيِ انْتِفَاءُ لَازِمٍ.
وَفِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الدَّلِيلُ الِاسْتِصْحَابُ مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ.
قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ جَوَابًا ; فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى النَّفْيِ قَدْ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لَازِمٍ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَالَبٌ.
وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ النَّافِيَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَانِعٌ يَدْفَعُ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَانِعُ لَا يُطَالَبُ، بِخِلَافِ النَّافِي إِذَا كَانَ مُدَّعِيًا، فَإِنَّهُ مَطَالَبٌ.
وَالنَّافِي يَسْتَدِلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عَلَى النَّفْيِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْجَامِعَ وُجُودَ الْمَانِعِ أَوِ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ.
هَذَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ; لِجَوَازِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ عِنْدَهُ.
[التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ]
[تعريف التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الِاجْتِهَادِ، شَرَعَ فِي التَّقْلِيدِ، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ.
وَعَرَّفَ التَّقْلِيدَ بِأَنَّهُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، فَالْعَمَلُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، وَالْعَمَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَمَلُ الْعَامِّيِّ
стр. 1670
التَّقْلِيدُ.
ص - التَّقْلِيدُ وَالْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ.
فَالتَّقْلِيدُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
وَلَيْسَ الرُّجُوعُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْإِجْمَاعِ، وَالْعَامِّيُّ إِلَى الْمُفْتِي، وَالْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ بِتَقْلِيدٍ ; لِقِيَامِ الْحُجَّةِ.
وَلَا مُشَاحَةَ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالْمُسْتَفْتِي: خِلَافُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجَزُّؤِ، فَوَاضِحٌ.
وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ: الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ، لَا الْعَقْلِيَّةُ، عَلَى الصَّحِيحِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِقَوْلِ الْمُفْتِي، وَعَمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ، لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ ; لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا.
أَمَّا الْعَمَلُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِالْبَاقِي، فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْلُ الرَّسُولِ.
وَلَا مُشَاحَةَ فِي تَسْمِيَةِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ غَيْرِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تَقْلِيدًا.
وَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ، فَيُعْرَفُ مِنْهُ الْفَقِيهُ.
وَالْمُسْتَفْتِي خِلَافُ الْمُفْتِي، فَإِنْ قُلْنَا بِتَجَزِّي الِاجْتِهَادِ، فَوَاضِحٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْتَفْتِيًا.
وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِتَجَزِّي الِاجْتِهَادِ، فَالْمُفْتِي مَنْ يَكُونُ عَالِمًا بِالْجَمِيعِ.
وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ: هُوَ الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا.
[مَسْأَلَةٌ لا تَقْلِيدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ، كَوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعَقْلِيَّاتِ التَّقْلِيدُ، وَالنَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمَا لَا يَجُوزُ.
стр. 1672
ص - (مَسْأَلَةٌ) : تَقْلِيدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ بِجَوَازِهِ.
وَقِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ.
وَالتَّقْلِيدُ لَا يَحْصُلُ ; لِجَوَازِ الْكَذِبِ ; وَلِأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِهِ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ، لَكَانَ نَظَرِيًّا. وَلَا دَلِيلَ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ، لَنُقِلَ كَالْفُرُوعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ لِوُضُوحِهِ وَعَدَمِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْإِكْثَارِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لَأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِذَلِكَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالتَّقْلِيدُ لَا يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ لِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ كَذِبُ الْمُقَلِّدِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالْوَاجِبِ. فَلَوْ جَازَ التَّقْلِيدُ فِي الْمَعْرِفَةِ، لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ، لَكَانَ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ إِذَا قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ. وَيُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِقَدَمِ الْعَالَمِ إِذَا قَلَّدَ الْقَائِلَ بِهِ، فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَقِدَمُهُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ حَصَّلَ الْمَعْرِفَةَ، لَكَانَ تَحْصِيلُ التَّقْلِيدِ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بِالضَّرُورَةِ، لَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ النَّظَرَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عَلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ إِنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالتَّقْلِيدِ، لِاحْتِمَالِ خَطَأِ النَّاظِرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ خَطَأَ النَّاظِرِ إِنَّمَا يُحْتَمَلُ إِذَا لَمْ يُرَاعِ الْقَانُونَ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ.
стр. 1674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمَّا عِنْدَ مُرَاعَاتِهِ، فَلَا يُحْتَمَلُ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ النَّظَرَ أَيْضًا قَدْ يُفْضِي مَرَّةً إِلَى الْقِدَمِ وَمَرَّةً إِلَى الْحُدُوثِ، فَلَوْ كَانَ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّظَرِ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الثَّالِثِ: أَنَّهُ كَمَا احْتَاجَ التَّقْلِيدُ فِي إِفَادَةِ الْمَعْرِفَةِ إِلَى النَّظَرِ، احْتَاجَ النَّظَرُ أَيْضًا فِي الْإِفَادَةِ إِلَى النَّظَرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ النَّظَرَ، وَإِنِ احْتَاجَ فِي كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ إِلَى النَّظَرِ، لَكِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُفِيدًا.
بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ حُصُولَ الْيَقِينِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ بِالنَّظَرِ صَعْبٌ جِدًّا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ مِنَ التَّقْلِيدِ أَصْلًا، فَالنَّظَرُ أَوْلَى مِنَ التَّقْلِيدِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، احْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، لَنُقِلَ مُبَاحَثَتُهُمْ وَمُنَاظَرَتُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، كَمَا نُقِلَ مُنَاظَرَتُهُمْ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، أَيْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى بِالنَّظَرِ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ مُنَاظَرَتُهُمْ وَمُبَاحَثَتُهُمْ، لَا لِعَدَمِ وُجُوبِ النَّظَرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلِعَدَمِ الْمُحْوِجِ إِلَى الْإِكْثَارِ فِي الْكَلَامِ وَالْمُنَاظَرَةِ، لِنَقَاءِ سِيرَتِهِمْ وَصَفَاءِ سَرِيرَتِهِمْ وَمُشَاهَدَتِهِمُ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، فَإِنَّهَا أُمُورٌ تُعِدُّ النُّفُوسَ وَتُدْرِكُ الْأُمُورَ
стр. 1675
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيرَ الْأَدِلَّةِ وَالْجَوَابَ عَنِ الشُّبَهِ. وَالدَّلِيلُ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.
قَالُوا: وُجُوبُ النَّظَرِ دَوْرِيٌّ عَقْلِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالُوا: مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ.
قُلْنَا: فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُقَلِّدِ، أَوْ يَتَسَلْسَلُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ.
لَنَا ; (فَاسْأَلُوا) وَهُوَ عَامٌّ فِيمَنْ لَا يُعْلَمُ.
وَأَيْضًا لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُسْتَنَدِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ.
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَى لَهُ مُسْتَنَدَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي نَفْسُهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الِاتِّفَاقُ عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ مُعَظِّمُونَ لَهُ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ فِي ضِدِّهِ، وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُهُ فِي الْمَجْهُولِ.
لَنَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَأَيْضًا: الْأَكْثَرُ الْجُهَّالُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْغَالِبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي.
قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ لِذَلِكَ، لَامْتَنَعَ فِيمَنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُ.
لَنَا: اجْتَهَدَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ.
قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ أَبَدًا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ، لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَقَالَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ".
قَالُوا: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ أَوْ حَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» ".
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْإِلَهِيَّةَ وَالصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةَ الْمُنَزَّهَةَ عَنِ الشَّوَائِبِ الْحِسِّيَّةِ وَاللَّوَاحِقِ الْمَادِّيَّةِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ النَّظَرُ وَاجِبًا، لَأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِالنَّظَرِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلْزَامُ الْعَوَامِّ بِذَاكَ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوا الْعَوَامَّ بِالنَّظَرِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ تَحْرِيرَ الْأَدِلَّةِ وَتَلْخِيصَهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُوجِبَ لِلْمَعْرِفَةِ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَزِمَ الدَّوْرُ; وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ نَظَرِيٌّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ، وَالنَّظَرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ، وَالْوُقُوعُ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ حَرَامٌ، وَمَظِنَّةُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَيَكُونُ النَّظَرُ حَرَامًا، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَظِنَّةً لِلْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالَةِ.
стр. 1677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّظَرُ حَرَامًا، يَلْزَمُ حُرْمَةُ التَّقْلِيدِ أَيْضًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ إِمَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى النَّظَرِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، يَلْزَمُ حُرْمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى النَّظَرِ، بَلِ اسْتَنَدَ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ، تَسَلْسَلَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى النَّظَرِ، احْتَاجَ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ التَّقْلِيدُ إِلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ.
стр. 1678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا]
ش - غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِغَيْرِ مَا تُقَلِّدُ فِيهِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ مِنْ تَقَلُّدِهِ بِدَلِيلِ ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . فَإِنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْعَامِّيَّ وَالْعَالِمَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ مَا يُقَلِّدُ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ الْمُفْتِينَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُفْتِينَ مُسْتَنَدَ اجْتِهَادِهِمْ لِلْمُسْتَفْتِينَ. وَشَاعَ وَذَاعَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ لِلْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ دَلِيلَ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ.
الشَّارِطُونَ قَالُوا: لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صِحَّةَ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ، لَأَدَّى إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مُسْتَنَدَ الِاجْتِهَادِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ خَطَأً.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَبْدَى الْمُجْتَهِدُ لِلْمُقَلِّدِ
стр. 1679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
سَنَدَهُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ خَطَأً. فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ لَا يَنْدَفِعُ بِذِكْرِ السَّنَدِ.
وَأَيْضًا: الْمُفْتِي نَفْسُهُ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ مَعَ جَوَازِ خَطَئِهِ.
стр. 1680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ]
ش - اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِمَّنْ عَرَفَهُ الْمُسْتَفْتِي بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا لِلْإِفْتَاءِ، وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَ مِنْهُ وَيُعَظِّمُونَ لَهُ وَلِإِفْتَائِهِ.
وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِفْتَاءِ فِي ضِدِّهِ، أَيْ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْعَدَالَةِ، وَلَمْ يَرَهُ مُنْتَصِبًا لِلَّافْتَاءِ، وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا إِلَى إِفْتَائِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ، أَيِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِعِلْمٍ وَلَا جَهْلٍ.
وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ الِاسْتِفْتَاءِ مِنْهُ.
وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَبِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الْجُهَّالُ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَجْهُولَ مِنَ الْغَالِبِ، إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي، فَإِنَّهُمَا إِذَا جُهِلَ حَالُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا.
وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ، قَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ الِاسْتِفْتَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ لِذَلِكَ، أَيْ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِ، لَامْتَنَعَ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.
стр. 1681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَفْتُونَ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ.
وَلَوْ سُلِّمَ الِاسْتِفْتَاءُ مِمَّنْ عُلِمَ عِلْمُهُ وَجُهِلَ عَدَالَتُهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ. فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، فَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْعَدَالَةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ يُلْحَقُ بِالْعُدُولِ مِنْهُمْ إِلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالِاجْتِهَادِ لَا يُلْحَقُ بِالْمُجْتَهِدِينَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ الْجُهَّالُ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ]
ش - إِذَا اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِي وَاقِعَةٍ وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
стр. 1682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ، وَاحْتُجَّ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اجْتَهَدَ وَحَصَلَ الظَّنُّ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ ثَانِيًا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ تَكْرِيرِ النَّظَرِ عِنْدَ تَكْرِيرِ الْوَاقِعَةِ قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوَّلًا. فَيَجِبُ تَكْرِيرُ النَّظَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ احْتِمَالَ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِوُجُوبِ تَكْرِيرِ النَّظَرِ، لَوَجَبَ تَكْرِيرُ النَّظَرِ أَبَدًا لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ. وَلَكِنْ لَمْ يَجِبْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ أَبَدًا بِالِاتِّفَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ: خُلُوُّ الزَّمَانِ منْ المُجْتَهِدٍ]
ش - يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ مُحَالًا لِذَاتِهِ، فَلَوِ امْتَنَعَ، كَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ» ". . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ
стр. 1683
قُلْنَا: فَأَيْنَ نَفْيُ الْجَوَازِ؟ وَلَوْ سُلِّمَ فَدَلِيلُنَا أَظْهَرُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَتَعَارَضَانِ وَيُسَلَّمُ الْأَوَّلُ.
قَالُوا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ.
قُلْنَا: إِذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُمْكِنْ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، إِنْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ أَهْلًا لِلنَّظَرِ جَائِزٌ.
وَقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ.
لَنَا: وُقُوعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَأَنْكَرَ مَنْ غَيْرُهُ.
الْمُجَوِّزُ: نَاقِلٌ كَالْأَحَادِيثِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ النَّقْلِ.
الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ، لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ.
وَأُجِيبَ بِالدَّلِيلِ، وَبِالْفَرْقِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ شُرَيْحٍ: الْأَرْجَحُ مُتَعَيِّنٌ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكَرُّرِ وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَأَيْضًا: قَالَ ﵇: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ وَبِرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا: أَقْوَالُهُمْ كَالْأَدِلَّةِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ.
قُلْنَا: لَا يُقَاوِمُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ سُلِّمَ، فَلِعُسْرِ تَرْجِيحِ الْعَوَامِّ.
قَالُوا: الظَّنُّ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ أَقْوَى.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْعُلَمَاءِ.
احْتَجَّ الْحَنَابِلَةُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﵇: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي» ". . . إِلَى آخِرِهِ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ طَائِفَةٍ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَوَازِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " فَأَيْنَ نَفْيُ الْجَوَازِ؟ ".
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ، فَدَلِيلُنَا أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ الْقَائِمَ بِالْحَقِّ أَعَمُّ مِنَ الْمُجْتَهِدِ.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ دَلِيلَنَا لَا يَكُونُ أَظْهَرَ، فَيَتَعَارَضَانِ، أَيْ دَلِيلُنَا وَدَلِيلُكُمْ، وَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ عَنِ الْمُعَارِضِ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى الِاجْتِهَادُ فِي عَصْرٍ تَكُونُ الْأُمَّةُ فِي هَذَا الْعَصْرِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ إِذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُمْكِنِ الِاجْتِهَادُ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ، لَا يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. فَاتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى تَرْكِ الِاجْتِهَادِ فِي
стр. 1685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَصْرٍ لَا يَكُونُ بَاطِلًا.
[مَسْأَلَةٌ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي إِفْتَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، إِذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ، كَالْفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ إِذَا أَفْتَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ إِذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِيهَا بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَى الْمَأْخَذِ.
следующие страницы →