Полный текст (1 729 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ. وَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ " كَالْجِنْسِ، يَتَنَاوَلُ الْحَقِيقَةَ وَغَيْرَهَا. وَقَوْلُهُ: " الْمُسْتَعْمَلُ " يَخْرُجُ عَنْهُ: اللَّفْظُ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ ; فَإِنَّ اللَّفْظَ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ: " فِي وَضْعٍ " أَيْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَفِيهِ تَسَاهُلٌ، يَتَنَاوَلُ مَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً، وَعُرْفًا، وَشَرْعًا، وَالْمَفْهُومَ الْمَجَازِيَّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ.
وَيَخْرُجُ عَنْهُ: الْأَلْفَاظُ الْمُهْمَلَةُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا " يُخْرِجُ الْمَجَازَ ; فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ ; ضَرُورَةَ خُرُوجِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا مَنْقُولَةً، وَالنَّقْلُ يَسْتَلْزِمُ وَضْعًا ثَانِيًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ، مَا يَكُونُ أَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ، لَا مَا يَكُونُ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ ; فَإِنَّ الْوَضْعَ الْأَوَّلَ أَعَمُّ مِنَ الْوَضْعِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ.
فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأَلْفَاظُ الْمَنْقُولَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَوِ الْعُرْفِيَّةُ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ بِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ بِالْوَضْعِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ.
مَثَلًا: الصَّلَاةُ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي ذَاتِ الْأَرْكَانِ، كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ اسْتِعْمَالًا فِي وَضْعٍ أَوَّلَ، وَبِاصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِعْمَالًا فِي وَضْعٍ ثَانٍ.
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي الدُّعَاءِ فَبِالْعَكْسِ. وَمَا قِيلَ: إِنَّ فِي الْحَدِّ نَظَرًا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْئَيْنِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَدُّ الْحَقِيقَةِ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَجَازِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ إِضَافِيًّا لَا يَسْتَلْزِمُ إِلَّا الْوَضْعَ الثَّانِيَ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْمَجَازِ إِنِ اعْتُبِرَ الْوَضْعُ الثَّانِي فِي الْمَجَازِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي حَدِّ الشَّيْءِ جُزْءُ مُقَابِلِهِ.
[أقسام الحقيقة]
ش - الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَوَاضِعِ تَنْقَسِمُ إِلَّا ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَإِنْ كَانَ الْوَاضِعُ أَهْلَ اللُّغَةِ، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، كَالْأَسَدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ.
وَإِنْ كَانَ أَهْلَ الْعُرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ عُرْفًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، كَالدَّابَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِ [الْحَافِرِ] . فَإِنَّ الدَّابَّةَ وُضِعَتْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يَدُبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَخَصَّصَ أَهْلُ الْعُرْفِ بِذَاتِ [الْحَافِرِ] . وَكَاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ وَالنُّظَّارِ، مِثْلَ: الْفَاعِلِ وَالنَّقْضِ مَثَلًا.
وَإِنْ كَانَ أَهْلَ الشَّرْعِ، سُمِّيَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، كَالصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
إِلَى ذَاتِ الْأَرْكَانِ ; فَإِنَّهَا وُضِعَتْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى ذَاتِ الْأَرْكَانِ.
[المجاز]
ش - الْمَجَازُ مَفْعَلٌ مِنَ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الْعُبُورِ. وَالْمَفْعَلُ لِلْمَصْدَرِ أَوْ لِلْمَكَانِ. ثُمَّ نُقِلَ إِلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ، فَهُوَ مَجَازٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ جِهَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُبُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِانْتِقَالِ الْجِسْمِ مِنْ حَيِّزٍ إِلَى آخَرَ، فَإِذَا اعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صِيغَةٌ لِلْمَصْدَرِ أَوْ لِلْمَكَانِ، وَقَدْ أُطْلِقَ هَهُنَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ مُنْتَقِلٌ فَيَكُونُ مَجَازًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ " بِحَالِهِ. وَقَوْلُهُ: " فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ " أَيْ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا يُخْرِجُ عَنْهُ الْحَقِيقَةَ. وَيَتَنَاوَلُ الْمُهْمَلَ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلَ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ " أَيْ يَكُونُ بَيْنَ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَاقَةٌ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَضْعِ الثَّانِي لِأَجْلِهَا، يُخْرِجُ الْمُهْمَلَ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ.
[ضرورة العلاقة]
ش - اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ عَلَاقَةٌ اعْتُبِرَتْ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ بِحَسَبِ النَّوْعِ، وَإِلَّا لَجَازَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ لَفْظٍ لِكُلِّ مَعْنًى بِالْمَجَازِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ الْوَضْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَوَّلًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
وَقَدِ اشْتَرَطَ قَوْمٌ: اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ. وَهُوَ بَاطِلٌ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَجَازَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَارِيَةٌ عَنِ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ.
وَالْعَلَاقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ كَثِيرَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ.
وَالْمُصَنِّفُ مَا ذَكَرَ مِنْهَا إِلَّا أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْمُشَابَهَةُ. وَهِيَ إِمَّا بِالشَّكْلِ، كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ، لِمُشَابَهَتِهَا فِي الشَّكْلِ.
وَإِمَّا فِي الصِّفَةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً، كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ لِمُشَابَهَتِهِ فِي صِفَةِ الشَّجَاعَةِ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، غَيْرُ خَفِيَّةٍ. فَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَسَدِ عَلَى
стр. 179
وَقَدْ تَكُونُ بِالشَّكْلِ، كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ. أَوْ فِي صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ، كَالْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ لَا عَلَى الْأَبْخَرِ، لِخَفَائِهَا.
أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ. أَوْ آيِلٍ كَالْخَمْرِ أَوْ لِلْمُجَاوَرَةِ، مِثْلَ جَرْيِ الْمِيزَابِ.
ص - وَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ عَلَى الْأَصَحِّ. لَنَا: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا - لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا - لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّظَرَ لِلْوَاضِعِ. وَإِنْ سُلِّمَ فَلِلِاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ.
ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَجَازَ " نَخْلَةٌ " لِطَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ، وَ " شَبَكَةٌ " لِلصَّيْدِ وَ " ابْنٌ " لِلْأَبِ، وَبِالْعَكْسِ.
ص - وَأُجِيبَ بِالْمَانِعِ.
ص - قَالُوا: لَوْ جَازَ - لَكَانَ قِيَاسًا أَوِ اخْتِرَاعًا.
ص - وَأُجِيبَ بِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ، كَرَفْعِ الْفَاعِلِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الرَّجُلِ الْأَبْخَرِ، وَإِنْ كَانَ مُشَابِهًا لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ فِي صِفَةِ الْبَخْرِ ; لِأَنَّهَا فِي الْأَسَدِ خَفِيَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ. وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ، أَيِ الْمَجَازُ الَّذِي بِسَبَبِ الْمُشَابَهَةِ: مُسْتَعَارًا أَيْضًا.
وَالثَّانِي اتِّصَافُ الْمَحَلِّ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، كَتَسْمِيَةِ الْمُعْتَقِ عَبْدًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا، كَالْعَبْدِ ". الثَّالِثُ اتِّصَافُ الْمَحَلِّ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِحَسَبِ مَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ، كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ صَيْرُورَتِهِ خَمْرًا. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ آيِلٍ.
الرَّابِعُ: الْمُجَاوَرَةُ، كَإِطْلَاقِ الْمِيزَابِ عَلَى الْمَاءِ، لِمُجَاوَرَتِهِمَا، كَقَوْلِهِمْ: جَرْيُ الْمِيزَابِ.
[اشتراط النَّقْلُ فِي الْآحَادِ]
ش - اخْتُلِفَ فِي أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ هَلْ يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إِلَى النَّقْلِ أَمْ لَا؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
وَلْنُحَرِّرِ الْمَطْلُوبَ أَوَّلًا، فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ
стр. 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، النَّقْلُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِاسْتِعْمَالِهِمْ فِيهَا، حَتَّى إِذَا لَمْ يُسْمَعْ [أَنَّهُمْ] اسْتَعْمَلُوا اللَّفْظَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا، بَلْ يَكْفِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ صُورَةٍ ظُهُورُ نَوْعٍ مِنَ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " فِي الْآحَادِ " أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ; لِأَنَّ النَّقْلَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ شَرْطٌ. مَثَلًا إِذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ، لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ اسْمَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ مَجَازًا ; لِأَنَّ أَصْلَ الْمَجَازِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا إِذَا نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ، يَجُوزُ لَنَا فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا إِطْلَاقَهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ ; لِأَنَّ النَّقْلَ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ هُوَ إِطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ كَافٍ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْآحَادِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّقْلَ فِي الْآحَادِ لَوْ كَانَ شَرْطًا، لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَجَوُّزَاتِهِمْ عَلَى النَّقْلِ مِنَ الْوَاضِعِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمِ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ النَّقْلَ لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَتَوَقَّفَ الْمَشْرُوطُ - وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ - عَلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ النَّقْلُ.
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي ظَهَرَ [فِيهَا] الْعَلَاقَةُ مَعَ عَدَمِ النَّقْلِ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ شَرْطًا، لَمَّا افْتَقَرَ الْمُسْتَعْمِلُ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ، جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِذَا كَانَ النَّقْلُ شَرْطًا يَكْفِي فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى كَوْنُهُ مَنْقُولًا عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَلَاقَةَ كَمَا فِي جَمِيعِ الْمُسْتَعْمَلَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ أَوَّلًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ افْتِقَارَ الْمُسْتَعْمِلِ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ فِي الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ ; لِأَنَّ النَّقْلَ عَنِ الْوَاضِعِ فِي الْآحَادِ
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
كَافٍ فِي إِطْلَاقِنَا. وَالِافْتِقَارُ إِلَى النَّظَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْوَاضِعِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاضِعَ عِنْدَ وَضْعِهِ اللَّفْظَ لِلْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ يَفْتَقِرُ إِلَى أَنْ يُلَاحِظَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا هُوَ جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا مُنْحَصِرٌ فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا اسْتِخْرَاجُ حِكْمَةِ الْوَضْعِ لِلْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ. فَلِذَلِكَ يُنْظَرُ فِيهَا، لَا لِأَجْلِ افْتِقَارِنَا فِي جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ لِلْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ النَّقْلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصُّوَرِ، لَجَازَ إِطْلَاقُ " النَّخْلَةِ " عَلَى كُلِّ طَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ.
وَإِطْلَاقُ " الشَّبَكَةِ " عَلَى الصَّيْدِ، وَإِطْلَاقُ " الِابْنِ " عَلَى الْأَبِ، وَبِالْعَكْسِ، أَيْ إِطْلَاقُ " الْأَبِ " عَلَى الِابْنِ. وَالتَّالِي بِأَقْسَامِهِ بَاطِلَةٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِظُهُورِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِظُهُورِ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِلْمُجَاوَرَةِ. وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَلِأَنَّ الْأَبَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى صِفَةِ الْبُنُوَّةَ. وَأَمَّا فِي الرَّابِعِ فَلِأَنَّ الِابْنَ سَيَئُولُ إِلَى الْأَبِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعَلَاقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، ذَكَرَ الصُّوَرَ الْأَرْبَعَ الْمُشْتَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَإِذَا ظَهَرَ الْعَلَاقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ مِنَ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ النَّقْلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمْ، جَازَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ [لِتَحَقُّقِ] الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ النَّقْلِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ النَّقْلُ، لَجَازَ الِاسْتِعْمَالُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ قَدْ يَكُونُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، لَا لِاشْتِرَاطِ النَّقْلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُصُوصِيَّةُ هَذِهِ الْحَالِ مَانِعَةً مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهَا. أَوْ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَيَكُونُ
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَانِعًا عَنِ الْجَوَازِ. أَوْ لَمْ يَكْتَفِ الْوَاضِعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ، وَاعْتِبَارُ الْعَلَاقَةِ عِنْدَ الْوَاضِعِ شَرْطَ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى اشْتِرَاطِ النَّقْلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي الْآحَادِ لِمُجَرَّدِ الْعَلَاقَةِ بِدُونِ النَّقْلِ، لَجَازَ إِمَّا بِالْقِيَاسِ أَوِ الِاخْتِرَاعِ. وَالتَّالِي [بِقِسْمَيْهِ] بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ كَذَلِكَ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِاسْمِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ إِنْ كَانَ بِسَبَبِ وُجُودِ وَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَفْهُومٍ مَجَازِيٍّ آخَرَ، يَكُونُ ذَلِكَ الْوَصْفُ سَبَبًا لِتَسْمِيَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْآخَرِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، كَمَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَنَارَةِ بِالنَّخْلَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ وَصْفِ الطُّولِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ وَالَّذِي هُوَ - أَعْنِي وَصْفَ الطُّولِ - سَبَبٌ لِتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ بِالنَّخْلَةِ، كَانَ ذَلِكَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَانَ اخْتِرَاعًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي; فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَالِاخْتِرَاعُ غَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ] ) خَارِجًا عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا، كَانَ اخْتِرَاعًا. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِقْرَاءُ دَالًّا عَلَى أَنَّ الْعَلَاقَةَ الْمُعْتَبَرَةَ كَافِيَةٌ فِي صِحَّةِ الِاسْتِعْمَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الِاسْتِقْرَاءُ دَالًّا فَلَا. كَمَا فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ لَمْ يُسْمَعْ رَفْعُهُ مِنَ الْعَرَبِ. فَإِنَّا لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا كَلَامَهُمْ فِي رَفْعِ الْفَاعِلِ حَكَمْنَا بِكَوْنِ الْفَاعِلِ مَرْفُوعًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ وَلَا اخْتِرَاعًا. كَذَلِكَ هَهُنَا.
اسْتَقْرَأْنَا الْأَلْفَاظَ الْمَجَازِيَّةَ فَوَجَدْنَاهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى الْعَلَاقَةِ، فَحَكَمْنَا حُكْمًا مُطْلَقًا عَلَى أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَصْحِيحَ الْعَلَاقَةِ لِجَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّقْلِ، لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا.
وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى النَّقْلِ، يَلْزَمُ مَطْلُوبُ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ لِأَجْلِ الْعَلَاقَةِ مَعَ وُجُودِ النَّقْلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْلَ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ كَافٍ فِي تَصْحِيحِ الْعَلَاقَةِ لِجَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصُّوَرِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى النَّقْلِ فِي الْآحَادِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ ; لِأَنَّ النِّزَاعَ وَقَعَ فِيهِ.
[وجوه معرفة المجاز]
ش - قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: إِذَا لَمْ يُوجَدِ النَّقْلُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ، وَذَاكَ مَجَازٌ، يُعَرَفُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِصِحَّةِ النَّفْيِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا جَازَ نَفْيُهُ عَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ، كَانَ مَجَازًا. كَقَوْلِكَ لِلْبَلِيدِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحِمَارٍ. فَإِنَّ الْحِمَارَ لَمَّا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَلِيدِ مَجَازًا، صَحَّ سَلْبُهُ عَنْهُ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ. يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا لَمْ يَجُزْ سَلْبُهُ عَمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ كَانَ حَقِيقَةً.
كَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَلِيدِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ حَقِيقَةً، امْتَنَعَ سَلْبُهُ عَنْهُ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ صِحَّةَ النَّفْيِ وَامْتِنَاعَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَلَوْ عَرَفْنَاهُمَا بِصِحَّةِ النَّفْيِ وَامْتِنَاعِهِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِأَنْ يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمَدْلُولَ إِذَا تَبَادَرَ غَيْرُهُ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ كَانَ اللَّفْظُ مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ ; فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ - وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ - إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
عَكْسُ الْحَقِيقَةِ، أَيْ أَنَّ الْمَدْلُولَ إِذَا تَبَادَرَ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ عَارِيًا عَنِ الْقَرِينَةِ، وَلَمْ يَتَبَادَرْ غَيْرُهُ، كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً
стр. 186
ص - وَقَالُوا: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: أ - بِصِحَّةِ النَّفْيِ، كَقَوْلِكَ لِلْبَلِيدِ: لَيْسَ بِحِمَارٍ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ ; لِامْتِنَاعِ " لَيْسَ بِإِنْسَانٍ ". وَهُوَ دَوْرٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 187
ص - ب - وَبِأَنْ يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ، لَوْلَا الْقَرِينَةُ، عَكْسُ الْحَقِيقَةِ.
ص - وَأُورِدَ الْمُشْتَرَكُ.
ص - فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا.
ص - ج - بِعَدَمِ اطِّرَادِهِ وَلَا عَكْسَ.
ص - وَأَوْرَدَ: " السَّخِيَّ " وَ " الْفَاضِلَ " لِغَيْرِ اللَّهِ، وَ " الْقَارُورَةَ " لِلزُّجَاجَةِ.
ص - فَإِنْ أُجِيبَ [بِالْمَانِعِ] فَدَوْرٌ.
ص - د - وَبِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ، كَـ " أُمُورٍ " جَمْعُ " أَمْرٍ " [الْفِعْلُ] وَامْتِنَاعُ " أَوَامِرَ " وَلَا عَكْسَ.
ص - هـ - وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ، نَحْوَ: " جَنَاحُ الذُّلِّ " وَ " نَارُ الْحَرْبِ ".
ص - وَ - وَبِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ، مِثْلَ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ ; فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ دُونَ غَيْرِهِ.
ش - تَقْرِيرُ إِيرَادِهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ لِلْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ حَقِيقَةٌ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْقَرِينَةِ لَمْ يَتَبَادَرْ إِلَى الذِّهْنِ.
ش - فَإِنْ أُجِيبَ عَنِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ، لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَقَدْ يَتَبَادَرُ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ انْعِكَاسِ تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ، لَزِمَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ عَلَى التَّعْيِينِ مَجَازًا ; لِأَنَّ غَيْرَهُ تَبَادَرَ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مَفْهُومَيْهِ بِالتَّوَاطُؤِ، ضَرُورَةَ كَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ.
وَفِي قَوْلِهِ: " لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا " تَسَاهُلٌ فِي اللَّفْظِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعَيَّنِ، لَا الْمَعَيَّنُ.
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجِيبَ عَنْ أَصْلِ الْإِيرَادِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ، لَا تَعْرِيفُهَا الْحَقِيقِيُّ. وَالْعَلَامَةُ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَاصَّةَ مُفَارَقَةٍ، فَلَا يَجُبِ الْعَكْسُ فِيهَا.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِعَدَمِ اطِّرَادِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى مَعْنًى، وَلَمْ يَكُنْ جَارِيًا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَانَ مَجَازًا. كَإِطْلَاقِ النَّخْلَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ جَارِيًا فِي نَظَائِرِ الْإِنْسَانِ فِي [الطُّولِ] إِذْ لَا يُقَالُ لِكُلِّ طَوِيلٍ " نَخْلَةٌ ".
وَلَا عَكْسَ، أَيْ لَا يَكُونُ اطِّرَادُ اللَّفْظِ فِي نَظَائِرِهِ عَلَامَةَ الْحَقِيقَةِ ; فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَكُونُ مُطَّرِدًا، كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ ; فَإِنَّهُ مَجَازٌ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ النَّظَائِرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا عَكْسَ " أَنَّهُ لَا عَكْسَ لِهَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَجَازِ عَدَمُ الِاطِّرَادِ فَيَكُونُ هَذِهِ الْعَلَامَةُ غَيْرَ مُنْعَكِسَةٍ.
ش - تَقْرِيرُ الْإِيرَادِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ; لِأَنَّ
стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
" السَّخِيَّ " وَ " الْفَاضِلَ " لِلْكَرِيمِ، وَالْعَالَمِ بِالْحَقِيقَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَارِيًا فِي نَظَائِرِهِ ; إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْبَارِي، مَعَ أَنَّهُ كَرِيمٌ وَعَالِمٌ.
وَكَذَلِكَ " الْقَارُورَةُ " حَقِيقَةٌ فِي الزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ ; لِكَوْنِهَا مَقَرًّا لِلْمَائِعَاتِ، مَعَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ، فَلَا يَكُونُ مُطَّرِدًا.
ش - فَإِنْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمَنْعِ مِنَ الشَّرْعِ أَوِ اللُّغَةِ عَنِ الْإِطْلَاقِ، عَلَامَةُ الْمَجَازِ، لَا عَدَمَ الِاطِّرَادِ فَحَسْبُ. وَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ وُجِدَ الْمَنْعُ، أَمَّا فِي " السَّخِيِّ " وَ " الْفَاضِلِ " فَمِنَ الشَّرْعِ ; إِذْ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ. وَأَمَّا فِي " الْقَارُورَةِ " فَالْمَنْعُ مِنَ اللُّغَةِ. فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَامَةً لِلْمَجَازِ إِذَا عُلِمَ كَوْنُ عَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ، وَكَوْنُ عَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَجَازِ، فَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِالْمَجَازِ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ الِاطِّرَادِ، لَا لِمَانِعٍ، وَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ، عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَجَازِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ نُبَيِّنَ لُزُومَ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ عَدَمَ الطَّرْدِ لَهُ مُوجِبٌ، وَلَيْسَ مُوجِبُهُ مَنْعَ الشَّرْعِ أَوِ اللُّغَةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ، وَلَا الْعَقْلُ قَطْعًا. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبُ عَدَمِ الطَّرْدِ كَوْنَ اللَّفْظِ مَجَازًا، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ لَهُ جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، وَقَدْ جُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولٍ آخَرَ جَمْعًا عَلَى خِلَافِ جَمْعِ الْحَقِيقَةِ [كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ] مَجَازًا بِالنِّسْبَةِ عَلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ. كَـ " الْأَمْرِ " فَإِنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ - وَهُوَ: الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ - عَلَى " أَوَامِرَ ".
وَقَدْ جُمِعَ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ - وَهُوَ: الْفِعْلُ - عَلَى " أُمُورٍ ". وَامْتَنَعَ جَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ [مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ] عَلَى " أَوَامِرَ ". " وَلَا عَكْسَ " أَيْ لَا عَكْسَ لِهَذَا التَّعْرِيفِ ; فَإِنَّهُ عَدَمُ اخْتِلَافِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَجَازُ ; فَإِنَّهُ يُقَالُ " أَسَدٌ " لِلشُّجْعَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلضَّرَاغِمِ.
ش - الْوَجْهُ الْخَامِسُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ، أَيِ اللَّفْظُ
стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
إِذَا الْتُزِمَ تَقْيِيدُهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ، كَانَ مَجَازًا، مِثْلَ: " جَنَاحُ الذُّلِّ " وَ " نَارُ الْحَرْبِ ".
وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامُ التَّقْيِيدِ دَالًّا عَلَى الْمَجَازِ ; إِذْ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اسْتَعْمَلُوا اللَّفْظَ فِي مُسَمَّاهُ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ، وَفِي غَيْرِ مُسَمَّاهُ، بِخِلَافِهِ، يَعْنِي مُقَيَّدًا، غَيْرَ مُطْلَقٍ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " بِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ " وَلَمْ يَقُلْ: " بِتَقْيِيدِهِ " ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ يُقَيَّدُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ التَّقْيِيدَ فِيهِ.
ش - الْوَجْهُ السَّادِسُ: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الْآخَرِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَدْلُولِ الْآخَرِ، كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِهِ الَّذِي [تَوَقَّفَ] إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ [مَجَازًا] مِثْلَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ; فَإِنَّ إِطْلَاقَ لِفْظِ " الْمَكْرِ " عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الْحَقِّ، مُتَوَقِّفٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنَ الْخَلْقِ، فَيَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِّ مَجَازًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ حَقِيقَةً.
[كون اللفظ قبل الاستعمال حقيقة أو مجازا]
ش - اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَلَمْ يَتَّفِقِ اسْتِعْمَالُهُ، لَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، وَلَا فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ; لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَانْتِفَاءُ الْجُزْءِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ.
ش - اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، هَلْ يَكُونُ مَشْرُوطًا بِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا أَمْ لَا؟
" بِخِلَافِ الْعَكْسِ " أَيْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمَجَازِ بَلِ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لَهُ.
ش - أَيْ قَالَ الْمُلْزِمُ - وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِي لُزُومَ الْحَقِيقَةِ لِلْمَجَازِ -: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ، لَعَرِيَ وَضْعُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى عَنِ الْفَائِدَةِ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ فَائِدَةَ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ، لِجَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعَ لَهُ أَوَّلًا، مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا. فَيَكُونُ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ مُجَرَّدًا عَنِ الْفَائِدَةِ.
стр. 193
ص - وَاللَّفْظُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ.
ص - وَفِي اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ خِلَافٌ. بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
ص - الْمُلْزِمُ: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ - لَعَرِيَ الْوَضْعُ عَنِ الْفَائِدَةِ.
ص -[النَّافِي] : لَوِ اسْتَلْزَمَ - لَكَانَ [لِنَحْوِ] " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ " وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً. وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، لِلُزُومِ الْوَضْعِ.
ص - وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَا مَجَازَ فِي [التَّرْكِيبِ] . وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ فِي نَحْوِ " أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ ": إِنَّ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ، بَعِيدٌ: لِاتِّحَادِ جِهَتِهِ.
ص - وَلَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ - لَكَانَ لِلَفْظِ " الرَّحْمَنِ " حَقِيقَةٌ وَلِنَحْوِ [عَسَى]- كَانَ قَوِيًّا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ - فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ.
ص - لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
ص - وَيُؤَدِّي إِلَى مُسْتَبْعَدٍ مِنْ ضِدٍّ أَوْ نَقِيضٍ.
ص - وَيَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ.
ص - وَلِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ، وَيَكُونُ أَبْلَغَ، وَأَوْجَزَ، وَأَوْفَقَ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ وَالرَّوِيِّ.
ص - وَعُورِضَ بِتَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ بِاطِّرَادِهِ، فَلَا يَضْطَرِبُ. وَبِالِاشْتِقَاقِ فَيَتَّسِعُ. وَبِصِحَّةِ الْمَجَازِ فِيهِمَا، فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ.
[وَبِاسْتِغْنَائِهِ] عَنِ الْعَلَاقَةِ، وَعَنِ الْحَقِيقَةِ، وَعَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ، وَعَنِ الْغَلَطِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
ص - وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ أَبْلَغُ، فَمُشْتَرَكٌ فِيهِمَا. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ الْأَغْلَبَ شَيْءٌ [مِمَّا ذَكَرْنَا] .
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ. خِلَافًا لِلْقَاضِي. وَأَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةَ أَيْضًا.
ص - لَنَا الْقَطْعُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ كَذَلِكَ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: لِلدُّعَاءِ، وَالنَّمَاءِ، وَالْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا، وَالْقَصْدِ مُطْلَقًا.
ص - قَوْلُهُمْ: بَاقِيَةٌ وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ. رُدَّ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبِعٍ.
ص - قَوْلُهُمْ: مَجَازٌ. إِنْ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لَهَا - فَهُوَ الْمُدَّعِي. وَإِنْ أُرِيدَ أَهْلُ اللُّغَةِ - فَخِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُمْ [لَمْ يَعْرِفُوهَا] . وَلِأَنَّهَا تُفْهَمُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ عَبَثًا. وَلَمَّا كَانَ مَنْعُ هَذَا الدَّلِيلِ ظَاهِرًا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
وَبَيَانُ الْمَنْعِ [أَنْ] يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّ مِنْ فَوَائِدِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ. وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ.
ش - أَيْ قَالَ النَّافِي لِاسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ، لَكَانَ نَحْوُ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ مَجَازَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدْلُولَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهَا.
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي ; فَلِأَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ مَدْلُولَاتِهَا الْمَجَازِيَّةِ. وَكَوْنُهَا حَقِيقَةً مَشْرُوطٌ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعَانِي الْمَوْضُوعَةِ لَهَا وَضْعًا أَوَّلًا.
وَهَذَا الدَّلِيلُ ضَعِيفٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَحْوَ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ " وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، أَيْ كَمَا يُمْكِنُ إِلْزَامُ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِلْزَامِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّافِي، يُمْكِنُ إِلْزَامُ النَّافِي بِهِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْأَصْلِ، لَكَانَ لِنَحْوِ " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " مَوْضُوعٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ نَحْوَهُمَا مَجَازٌ، وَالْمَجَازُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومُ وَضْعِ اللَّفْظِ بِإِزَائِهِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَظَاهِرٌ. وَلَمَّا كَانَ اشْتِرَاكُ الْإِلْزَامِ نَقْضًا إِجْمَالِيًّا لِدَلِيلِ النَّافِي، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَنْقُضَ دَلِيلَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَنَقْضُهُ التَّفْصِيلِيُّ مَوْقُوفٌ [عَلَى تَحْقِيقِ الْمَجَازِ] الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ الْمِثَالَيْنِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنَ الْمَجَازِ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِهِمَا.
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[كون المجاز في التركيب]
ش - بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَجَازَ يَقَعُ فِي مُفْرَدَاتِ الْمُرَكَّبِ، لَا فِي التَّرْكِيبِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ النَّافِي: " لَوْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ " لَكَانَ لِنَحْوِ: " قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ) وَ " شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ " حَقِيقَةً: أَنَّهُ لَا بُدَّ لِمُفْرَدَاتِهَا مِنْ حَقِيقَةٍ أَوْ [التَّرْكِيبِ] .
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ التَّالِي ; لِأَنَّ لِمُفْرَدَاتِهَا حَقَائِقَ ; إِذِ " الْقِيَامُ " وُضِعَ أَوَّلًا لِلْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَ " اللُّمَّةُ " وَضِعَتْ لِلشَّعْرِ الْمُجَاوِزِ لِشَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَ " الشَّيْبُ " لِبَيَاضِ الشَّعْرِ، فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا، فَتَكُونُ حَقَائِقَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ الْمَجَازُ وَاقِعًا فِي التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
стр. 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ: أَنَّ الْمَجَازَ فِي نَحْوِ " أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ " وَاقِعٌ فِي الْإِسْنَادِ، بَعِيدُ الصَّوَابِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ لِلْإِسْنَادِ جِهَتَانِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ، كَالْأَسَدِ، فَإِنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ.
وَالْإِسْنَادُ فِي نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ لَمْ يُتَصَوَّرْ لَهُ جِهَتَانِ، إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الْحَقِيقَةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْمَجَازِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ نَحْوُ هَذَا التَّرْكِيبِ أَوَّلًا لِمَعْنًى، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الثَّانِي لِمُنَاسَبَةٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نُصْرَةً لِلنَّافِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ لَفْظَ " الرَّحْمَنِ " فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، مَجَازٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ " الرَّحْمَةِ ". وَهِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ حَقِيقَةً. وَ " الرَّحْمَنُ " لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرِقَّةُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَيْضًا " رَحْمَنُ " فَعْلَانُ، وَهُوَ لِلْمُذَكَّرِ حَقِيقَةٌ، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ كَانَ مَجَازًا.
وَكَذَا نَحْوُ " عَسَى " ; فَإِنَّهُ فِعْلٌ بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ، وَالْفِعْلُ لِلْحَدَثِ الْمُقْتَرِنِ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ حَقِيقَةً. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الْحَدَثِ مُجَرَّدًا عَنِ الزَّمَانِ كَانَ مَجَازًا. فَحِينَئِذٍ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِيقَةِ لَكَانَ نَحْوُ " الرَّحْمَنِ " وَنَحْوُ " عَسَى " حَقِيقَةً. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا [بَيَانُ] الْمُلَازِمَةِ فَلِأَنَّهُمَا مَجَازَانِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمَجَازُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَقِيقَةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي [فَلِأَنَّهُمَا] لَمْ يُسْتَعْمَلَا قَطُّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُمَا الْأَوَّلِ وَالِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ الْأَوَّلِ شَرْطُ الْحَقِيقَةِ. وَجَزَاءُ قَوْلِهِ: [لَوْ قِيلَ] قَوْلُهُ: " كَانَ قَوِيًّا ".
وَجَزَاءُ قَوْلِهِ: " لَوِ اسْتَلْزَمَ "، قَوْلُهُ: " لَكَانَ لِلَفْظِ الرَّحْمَنِ ". وَبَيَانُ [قَوْلِهِ] أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اشْتِرَاكُ الْإِلْزَامِ [ضَرُورَةَ] تُحَقُّقِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا.
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَفْهُومَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. بِخِلَافِ الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ.
[دوران اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَعَارُضِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَهُمَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُخِلَّةِ بِالْفَهْمِ التَّامِّ.
وَالتَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ، ثُمَّ الذِّهْنُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ الثَّانِي حَتَّى يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ، أَوْ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، حَتَّى يَلْزَمَ الْمَجَازُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَقْرَبُ وَأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وُجُوهٌ: بَعْضُهَا بِاعْتِبَارِ مَفَاسِدِ الِاشْتِرَاكِ وَبَعْضُهَا بِاعْتِبَارِ خَوَاصِّ الْمَجَازِ. فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْوُجُوهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَفَاسِدِ الِاشْتِرَاكِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
ش - الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: تَقْرِيرُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، لَمْ يُفْهَمْ وَاحِدٌ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عَلَى التَّعْيِينِ، فَاخْتَلَّ التَّفَاهُمُ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْمَجَازِيِّ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَمْ يَخْتَلَّ الْفَهْمُ، لَا عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ وَلَا عِنْدَ عَدَمِهَا. وَمَا لَا يَكُونُ مُخِلًّا بِالتَّفَاهُمِ فَهُوَ أَقْرَبُ.
стр. 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ إِذَا فُهِمَ مِنْهُ غَيْرُ الْمُرَادِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى مُسْتَبْعَدٍ، وَهُوَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، مِنْ ضِدِّ مُرَادِهِ أَوْ نَقِيضِهِ. فَإِنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، كَالْجَوْنِ، بَيْنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ.
وَقَدْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَلَفْظِ " النَّقِيضِ " الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ، إِنْ لَمْ نَقُلْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا ; ضَرُورَةَ اعْتِبَارِ الْمُنَاسِبَةِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمَجَازَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى مُسْتَبْعَدٍ، مِنْ ضِدٍّ أَوْ نَقِيضٍ ; فَإِنَّ لَفْظَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلضِّدِّ الْآخَرِ مَجَازًا، فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مُؤَدٍّ إِلَى مُسْتَبْعَدٍ كَمَا فِي الِاشْتِرَاكِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَجَازَ لَمَّا اعْتُبِرَ فِيهِ الْمُنَاسِبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ - وَإِنْ كَانَ ضِدًّا لِلْمُرَادِ - لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا ; لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لَهُ. بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرِ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، حَمْلٌ عَلَى مَا هُوَ غَيْرِ مُنَاسِبٍ فَيَكُونُ مُسْتَبْعَدًا.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ
стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[بِحَسْبِ] مَعْنَيَيْهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ مُعَيِّنَةٍ مُخَصِّصَةٍ لَهُ [إِذْ لَا] تَرْجِيحَ لِوَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، كَالْعَيْنِ، فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي [الْبَاصِرَةِ] إِلَى قَرِينَةٍ [تُخَصِّصُهَا] وَكَذَلِكَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْجَارِيَةِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ.
كَالْأَسَدِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ.
وَكُلَّمَا كَانَ الِافْتِقَارُ إِلَى الْقَرِينَةِ أَكْثَرَ، كَانَ الْمَحْذُورُ أَشَدَّ.
ش - هَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِخَوَاصِّ الْمَجَازِ مِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَكْثَرُ وُقُوعًا فِي اللُّغَةِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَالْأَكْثَرُ أَرْجَحُ، وَمَا كَانَ أَرْجَحَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ، أَيْ يَكُونُ أَدَلَّ عَلَى تَمَامِ الْمَقْصُودِ. لِأَنَّ
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَوْلَنَا: " زِيدٌ أَسَدٌ " أَتَمُّ دَلَالَةً عَلَى شَجَاعَتِهِ مِنْ قَوْلِنَا: " زِيدٌ شُجَاعٌ " أَوْ " زِيدٌ كَالْأَسَدِ فِي الشَّجَاعَةِ ". يُدْرِكُ ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّوْقِ السَّلِيمِ. وَمَا كَانَ أَبْلَغَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَبَعْضُ الشَّارِحِينَ أَوْرَدَ لَفْظَ الْمَتْنِ هَكَذَا: " وَلِأَنَّ الْمَجَازَ أَغْلَبُ فَيَكُونُ أَبْلَغَ ". وَقَالَ: " الْفَاءُ " لِلسَّبَبِيَّةِ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: " فَيَكُونُ أَبْلَغَ " إِلَى قَوْلِهِ " الرَّوِيِّ " أَسْبَابًا لِغَلَبَةِ الْمَجَازِ.
هَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ وَجْهًا مُسْتَقِلًّا لِأَوْلَوِيَّةِ الْمَجَازِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَهُ هَذَا الشَّارِحُ، يَكُونُ جَمِيعُ الْمَذْكُورَاتِ مُتَمِّمًا لِوَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَكُونُ أَوْجَزَ فِي اللَّفْظِ ; إِذْ يَقُومُ لَفْظُ الْمَجَازِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ. كَقَوْلِنَا: رَأَيْتُ أَسَدًا ; فَإِنَّ الْأَسَدَ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِنَا: " رَجُلٌ شُجَاعٌ ".
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ أَوْفَقُ لِلطِّبَاعِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْسَنَ فِي الْعَادَةِ. كَالتَّعْبِيرِ عَنْ إِيلَاجِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ بِالْجِمَاعِ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ، وَهُوَ رِعَايَةُ الْوَزْنِ وَالْعَجُزِ.
стр. 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِلَى الْمُطَابَقَةِ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُمَا فِي التَّرَادُفِ. وَإِلَى الْمُقَابَلَةِ، وَهِيَ أَنْ تَجَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَبَيْنَ ضِدَّيْهِمَا ثُمَّ إِذَا شَرَطْتَ هُنَا شَرْطًا، شَرَطْتَ هُنَاكَ ضِدَّهُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] . ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠] .
وَإِلَى الْمُجَانَسَةِ وَالرَّوِيِّ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُمَا أَيْضًا فِي التَّرَادُفِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الدَّالَّةَ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ شَرَعَ فِي الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ:
وَعُورِضَ، أَيْ عُورِضَ الْوُجُوهُ الدَّالَّةُ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ الْمَجَازِ بِوُجُوهٍ دَالَّةٍ عَلَى تَرْجِيحِ الِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَجَازِ.
стр. 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُطَّرِدٌ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ. وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ، الِاطِّرَادُ، وَمَا يَكُونُ مُطَّرِدًا لَا يَضْطَرِبُ ; ضَرُورَةَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي جَمِيعِ نَظَائِرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ، وَالِاشْتِقَاقَ مِنْ خَوَاصِّ الْحَقِيقَةِ، كَالْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَقُّ مِنْهُ " الْأَمْرُ " وَ " الْمَأْمُورُ " وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، كَالْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ مُتِّسَعًا ; ضَرُورَةَ تَكَثُّرِ الْمُشْتَقَّاتِ. وَالِاتِّسَاعُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَمَا يُفِيدُ الْأَمْرَ الْمَطْلُوبَ فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَصِحُّ التَّجَوُّزُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ ; ضَرُورَةَ تَكَثُّرِ الْمَجَازَاتِ.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ [لَا] يَصِحُّ التَّجَوُّزُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَا تَكْثُرُ الْفَائِدَةُ. وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً فَهُوَ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يَسْتَغْنِي عَنِ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَفْهُومَيْهِ ; لِأَنَّ وَضْعَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ عَلَى رَأْيٍ.
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَسْتَغْنِي عَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ مَفْهُومَيْهِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ [لَهُ] فَلَمْ يُرْتَكَبْ فِيهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي مَفْهُومِهِ الْمَجَازِيِّ، اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ خِلَافَ الظَّاهِرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ مَفْهُومَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ غَلَطٌ. بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْحَقِيقِيِّ، وَيَحْتَمِلُ الْغَلَطَ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الدَّالَّةَ عَلَى تَرْجِيحِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَرَادَ بَيَانَ مَا هُوَ الْحَقُّ. فَذَكَرَ أَوَّلًا: أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ، فَمُشْتَرَكٌ، أَيِ الْبَلَاغَةُ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ السَّجْعِ، وَالْمُقَابَلَةِ، وَالْمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ، وَالرَّوِيِّ ; فَإِنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْبَلَاغَةِ، مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْبَلَاغَةَ كَمَا يُمْكِنُ
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وُقُوعُهَا فِي الْمَجَازِ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي الِاشْتِرَاكِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ يُفِيدُ الْمَقْصُودَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ فَيَقَعُ فِي مَعْنَاهُ إِلْهَامٌ وَبَيَانٌ، فَتَتَشَوَّقُ النَّفْسُ إِلَى تَحْصِيلِهَا. فَإِذَا حَصَلَ كَانَ أَوْقَعَ فِي الذِّهْنِ ; فَإِنَّ الْحَاصِلَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَعَزُّ مِنَ الْمُنْسَاقِ بِلَا تَعَبٍ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ. وَكَذَلِكَ فِيمَا يَتْبَعُ الْبَلَاغَةَ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وُجِدَ لَفْظُهُ " إِلَى آخِرِهِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " إِنَّهُ أَبْلَغُ " وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْمَجَازَ مُشْتَرَكَانِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ " أَبْلَغَ ".
ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقَابِلُ مَا ذَكَرْنَا، مِنْ كَوْنِ الْمَجَازِ أَغْلَبَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنَ الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْمُشْتَرَكِ رَاجِحًا ; لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَجَازِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْفَقُ لِلطَّبْعِ، [وَأَلَذُّ] وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ. وَمَا كَانَ أَوْفَقَ لِلطَّبْعِ فَهُوَ أَقْرَبُ وَأَوْلَى.
[الحقيقة الشرعية]
ش - وَلْنَذْكُرْ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَقْصُودِ مُقَدِّمَةً.
اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وُضِعَ لِمَعْنًى، ثُمَّ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ إِلَى مَعْنًى
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ثَانٍ، لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي، يُسَمَّى: " مَنْقُولًا شَرْعِيًّا ".
وَالْمَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِحَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، إِلَى مُلَاحَظَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، صَارَ كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَنْقُولِ إِلَيْهِ وَضْعًا أَوَّلًا ; ضَرُورَةَ عَدَمِ الِافْتِقَارِ إِلَى مُلَاحَظَةِ وَضْعٍ سَابِقٍ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً.
بِخِلَافِ الْمَجَازِ ; فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي افْتَقَرَ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الثَّانِي إِلَى اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا وَضْعًا أَوَّلًا; ضَرُورَةَ افْتِقَارِهِ إِلَى مُلَاحَظَةِ وَضْعٍ سَابِقٍ.
وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الشَّرْعِ. وَهِيَ تَتَنَاوَلُ الْمَنْقُولَ الشَّرْعِيَّ، لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمَوْضُوعَاتُ الْمُبْتَدَأَةُ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ وَضَعَهَا الشَّارِعُ بِإِزَاءِ الْمَعَانِي الْمُخْتَرَعَةِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَلَ مِنَ اللُّغَةِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهَا غَيْرُ وَاقِعَةٍ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ:
стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
تِلْكَ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، وَالزِّيَادَاتِ الَّتِي هِيَ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ شُرُوطٌ. أَوْ] ) عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ الْحَقَائِقِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ] ) مَجَازَاتٍ فِي ابْتِدَاءِ النَّقْلِ بِسَبَبِ عَدَمِ اشْتِهَارِهَا، ثُمَّ صَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَأَثْبَتَ الْمُعْتَزِلَةُ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ أَيْضًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ.
стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ إِنْ أُجْرِيَتْ عَلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، تُسَمَّى: غَيْرَ دِينِيَّةٍ. وَإِنْ أُجْرِيَتْ عَلَى الْمُشْتَقَّاتِ مِنَ الْفَاعِلِينَ، كَالْمُؤْمِنِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْكَافِرِ تُسَمَّى: دِينِيَّةً.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ وَاقِعَةٌ. إِنَّمَا الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، غَيْرُ مَنْقُولَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ. وَالْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ بِخِلَافِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ كَذَلِكَ، أَيْ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ.
أَمَّا الزَّكَاةُ، فَلِلْمِقْدَارِ الْمُخْرَجِ مِنَ النِّصَابِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ، فَلِلْإِمْسَاكِ الشَّرْعِيِّ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ إِلَى آخِرِهِ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ،
стр. 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَلِلْقَصْدِ إِلَى الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَاسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ ; ضَرُورَةَ سَبْقِ فَهْمِ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا بِدُونِ الْقَرِينَةِ.
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةٌ لِغَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، وَالزَّكَاةَ لِلنُّمُوِّ، وَالصِّيَامَ لِلْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا، وَالْحَجَّ لِلْقَصْدِ مُطْلَقًا. فَتَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً مَنْقُولَةً مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَقْيِيدِ الْقَصْدِ بِالْمُطْلَقِ، بَلْ قَيَّدَ الْإِمْسَاكَ أَيْضًا بِهِ، وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعٌ مُطْلَقًا إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ إِلَى الْآخَرِ فَقَطْ، وَهُمَا غَيْرُ مُرَادَيْنِ.
ش - هَذَا إِيرَادٌ لِلْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ رَدُّهُ مُنَاقَضَةً لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " رَدٌّ " خَبَرُهُ. وَتَقْرِيرُ الْإِيرَادِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ فِي الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، بَلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ.
وَالزِّيَادَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ شُرُوطٌ زِيدَتْ عَلَى الْمَفْهُومَاتِ
стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
اللُّغَوِيَّةِ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لَهَا، دَالَّةً عَلَيْهَا، بَلْ لِأَنَّ وُقُوعَ الْمَفْهُومَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، لَا يَحْصُلُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ لِلدُّعَاءِ أَيْضًا.
إِلَّا أَنَّ وُقُوعَ الدُّعَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا زِيدَ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ، فَلَا يَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَفْهُومَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، لَمَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقِ الْمَفْهُومَاتُ اللُّغَوِيَّةُ فِيهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ، إِمَّا الدُّعَاءُ أَوِ الِاتِّبَاعُ وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِيمَا لَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صَلَاةِ الْأَخْرَسِ الْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبِعٍ.
ش - هَذِهِ مُنَاقَضَةٌ أُخْرَى لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ مَعَ جَوَابِهَا. وَتَقْرِيرُ الْمُنَاقَضَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا شَرْعًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، بَلِ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، لِتَحَقُّقِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَفْهُومَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَإِنَّ الصَّلَاةَ لِلدُّعَاءِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ جُزْءُ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ. وَالزَّكَاةَ فِي اللُّغَةِ لِلنَّمَاءِ، وَهُوَ سَبَبٌ [لِلْمَعْنَى] الشَّرْعِيِّ، وَتَسْمِيَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ، وَالْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، مَجَازٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُنَاقَضَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَجَازَاتٍ، أَنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَهُوَ الْمُدَّعِي ; لِأَنَّنَا لَا نَعْنِي بِكَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا.
وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مَجَازَاتٍ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدِ اسْتَعْمَلُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي فَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَعْرِفُوا هَذِهِ الْمَعَانِيَ قَبْلَ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُونَ لَهَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ مَسْبُوقٌ بِفَهْمِ الْمَعْنَى.
الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ يُفْهَمُ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَيْهَا، بِدُونِ قَرِينَةٍ. فَلَوْ كَانَتْ مَجَازَاتٍ، لَمْ يُفْهَمِ الْمَعْنَى بِدُونِ قَرِينَةٍ.
стр. 212
ص - الْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَفَهِمِهَا الْمُكَلَّفُ. وَلَوْ فَهِمَهَا - لِنُقِلَ، لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ. وَالْآحَادُ لَا تُفِيدُ، وَلَا تَوَاتُرَ.
ص - وَالْجَوَابُ أَنَّهَا فُهِمَتْ بِالتَّفْهِيمِ بِالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَتْ - لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ [لِأَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - أَيْ قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، أَيْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَزِمَ أَنْ يُفْهِمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلَّفِينَ أَوَّلًا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِفَهْمِ مُرَادِهِ مِنْهَا، وَالْفَهْمُ لَا يَكُونُ بِدُونِ تَفْهِيمِ الشَّارِعِ إِيَّاهُمْ. وَلَوْ فَهِمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلِّفِينَ، لِنُقِلَ ذَلِكَ التَّفْهِيمُ إِلَيْنَا نَقْلًا يُفْهَمُ مُرَادُ الشَّارِعِ مِنْهُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ; لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ، وَالتَّكْلِيفُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّفْهِيمِ.
وَنَقْلُ التَّفْهِيمِ إِلَيْنَا، إِمَّا بِالْآحَادِ، وَلَا سَنَدَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةِ قَطْعِيَّةٍ. وَإِمَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَلَا يَكُونُ حَاصِلًا، وَإِلَّا لَمْ يَقَعِ النِّزَاعُ.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ فَهَّمَهَا الشَّارِعُ الْمُكَلَّفِينَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَفْهِيمُ الشَّارِعِ إِيَّاهُمْ بِالْقَرَائِنِ، كَالْوَالِدَيْنِ مَعَ الْأَطْفَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بِالْقَرَائِنِ فَلَا يَلْزَمُ النَّقْلُ إِلَيْنَا ; إِذْ يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يُفْهَمَ أَيْضًا بِالْقَرَائِنِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ. بَيَانُهُ: لَوْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الْمَذْكُورَةُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ ; فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَاتُ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي، عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَاتُ الْعَرَبِ، لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً ; إِذْ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَرَبِيًّا إِفَادَتُهُ لِمَا وَضَعَ وَاضِعُ لُغَةِ الْعَرَبِ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِإِزَائِهِ.
وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ اللَّازِمِ - وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ". وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ - فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عَرَبِيَّةً، لَمَا كَانَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا ; ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ.
стр. 214
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ [لَا] يَكُونُ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا مَجَازًا. [وَ] " أَنْزَلْنَاهُ " ضَمِيرُ السُّورَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْمِائَةِ وَالرَّغِيفِ.
وَلَوْ سُلِّمَ - فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ، كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ.
ص - الْمُعْتَزِلَةُ: الْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ. وَفِي الشَّرْعِ الْعِبَادَاتُ ; لِأَنَّهَا الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ.
وَالدِّينُ: الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ: الْإِيمَانُ، بِدَلِيلِ وَمَنْ يَبْتَغِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ: الْعِبَادَاتُ. وَقَالَ: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ص - وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] .
ص - وَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَكَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤْمِنًا، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ; لِأَنَّهُ مُخْزًى، بِدَلِيلِ: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] . وَالْمُؤْمِنُ لَا يُخْزَى بِدَلِيلِ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ أَوَّلًا بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ، وَثَانِيًا بِمَنْعِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا لَمْ يَضَعُوهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَرَبِيًّا، إِفَادَتُهُ لِمَعْنَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْعَرَبِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
следующие страницы →