Полный текст (1 729 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي جَوَازَ إِطْلَاقِ الْخَالِقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْخَلْقُ غَيْرَ قَائِمٍ بِهِ.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ، أَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْخَلْقِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الْخَالِقُ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا قَائِمًا بِهِ. فَيُجْعَلُ الْخَلْقُ عِبَارَةً عَنِ التَّعَلُّقِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْقُدْرَةِ حَالَةَ الْإِيجَادِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِأَنْ يُعْمَلَ لِكُلٍّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ نِسْبَةً بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَالْمَخْلُوقِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ.
فَلَا يَلْزَمُ إِهْمَالُ دَلِيلِكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ بِالْحَقِيقَةِ.
وَبِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْقُدْرَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ مُبَايِنًا عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ ; لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِالضَّرُورَةِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْهُ الْخَالِقُ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَلَا يَلْزَمُ إِهْمَالُ دَلِيلِنَا بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْأَثَرِ الْمُبَايِنِ عَنْ ذَاتِهِ.
أَمَّا إِذَا حُمِلَ الْخَلْقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ - كَمَا ذَكَرْتُمْ - يَلْزَمُ التَّرْكُ بِدَلِيلِنَا بِالْكُلِّيَّةِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمَخْلُوقِ أَمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ ذَاتِهِ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى فِعْلٍ
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَائِمٍ بِهِ بِالْحَقِيقَةِ - كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا - يَلْزَمُ التَّرْكُ بِدَلِيلِكُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالتَّرْكُ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّلِيلِ إِعْمَالُهُ لَا إِهْمَالُهُ.
[الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ. الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ. كَالْأَبْيَضِ وَالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ، يَدُلُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى ذَاتٍ مَا مُتَّصِفَةٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. فَإِنَّ الْأَسْوَدَ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مَا مُتَّصِفَةٍ بِالسَّوَادِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ تِلْكَ الذَّاتِ مِنْ جِسْمٍ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِزَامِ، لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَنَا: الْأَسْوَدُ جِسْمٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَوْ دَلَّ الْأَسْوَدُ عَلَى خُصُوصِ الْجِسْمِ لَكَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ جِسْمٌ. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِلُزُومِ التَّكْرَارِ بِلَا فَائِدَةٍ.
[ثبوت اللغة قياسا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَنَّ اللُّغَةَ هَلْ تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا. فَقَالَ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ: لَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنَّا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: نَعَمْ.
وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ عَلَمٍ تَعْمِيمَهُ لِلْأَفْرَادِ بِالنَّقْلِ، عَلَى مَا سَكَتَ عَنْهُ، أَيْ لَمْ يُسْمَعْ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. مِثْلَ " رَجُلٍ " فَإِنَّهُ وُضِعَ لِوَاحِدٍ مِنْ ذُكُورِ بَنِي آدَمَ وَعُلِمَ تَعْمِيمُهُ بِالنَّقْلِ. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى وَاحِدٍ، لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ.
стр. 248
وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي نَحْوِ " رَجُلٍ " وَرَفْعِ الْفَاعِلِ. أَيْ لَا يُسَمَّى مَسْكُوتًا عَنْهُ إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَةِ الْمُعَيَّنِ لِمَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. كَالْخَمْرِ لِلنَّبِيذِ لِلتَّخْمِيرِ، وَالسَّارِقِ لِلنَّبَّاشِ لِلْأَخْذِ خُفْيَةً، وَالزَّانِي لِلَّائِطِ لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، إِلَّا بِنَقْلٍ أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعْمِيمِ.
ص - لَنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ.
ص - قَالُوا: دَارَ الِاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا.
ص - قُلْنَا: وَدَارَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، وَكَوْنِهِ مَالَ الْحَيِّ، وَقُبُلًا.
ص - قَالُوا: ثَبَتَ شَرْعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
ص - قُلْنَا: لَوْلَا الْإِجْمَاعُ - لَمَا ثَبَتَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَا يُقَالُ: إِنَّهُ إِثْبَاتٌ بِالْقِيَاسِ ; إِذْ تَنَاوَلَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ عُلِمَ بِالنَّقْلِ.
وَلَيْسَ أَيْضًا الْخِلَافُ فِي نَحْوِ رَفْعِ فَاعِلٍ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ رَفْعُهُ ; فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ رَفْعِهِ.
وَلَا يُقَالُ أَيْضًا: إِنَّهُ إِثْبَاتٌ بِالْقِيَاسِ ; إِذْ عُلِمَ تَعْمِيمُ رَفْعِ الْفَاعِلِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. فَإِنَّا لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا الْكَلَامَ وَجَدْنَا كُلَّ مَا أُسْنِدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إِلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ مَرْفُوعًا، حَصَلَ عِنْدَنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ: كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَكٌّ. فَإِذَا جُعِلَ فَاعِلًا لَمْ يُسْمَعْ رَفْعُهُ مِنَ الْعَرَبِ مَرْفُوعًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِيَاسًا ; إِذْ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الرَّفْعَ وُضِعَ لِكُلِّ فَاعِلٍ.
بَلْ إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى مَسْكُوتًا عَنْهُ، مِثْلَ النَّبِيذِ، مَثَلًا إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَةٍ، أَيْ بَاسِمٍ مِثْلِ اسْمِ الْخَمْرِ مَوْضُوعِ الْمُعَيَّنِ، مِثْلِ مَاءِ الْعِنَبِ الْمَخْصُوصِ، لِأَجْلِ مَعْنًى، مِثْلِ التَّخْمِيرِ، يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الِاسْمَ وُجُوَدًا وَعَدَمًا، أَيْ مَتَى وُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ وُجِدَ الِاسْمُ، وَمَتَى عُدِمَ عُدِمَ، [أَمْ لَا] ; لِأَنَّهُ هُوَ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ.
وَالْبَاقِي قَوْلُهُ " بِتَسْمِيَةٍ " مُتَعَلِّقَةٍ بِقَوْلِهِ " يُسَمَّى ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا أَنَّهُ إِذَا سُمِّيَ
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مُعَيَّنٌ بَاسِمٍ، وَيُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مَعْنًى يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ [الْمَعْنَى] ذَلِكَ الِاسْمَ وُجُودًا وَعَدَمًا، ثُمَّ وُجِدَ مُعَيَّنٌ آخَرُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَوُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى [الْمُعَيَّنُ] الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْمُسْتَلْزِمِ لِذَلِكَ الِاسْمِ. كَمَا [إِذَا] سُمِّيَ النَّبِيذُ بِالْخَمْرِ لِأَجْلِ التَّخْمِيرِ، وَهُوَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ عَلَى الْعَقْلِ. وَكَمَا إِذَا سُمِّيَ النَّبَّاشُ بِالسَّارِقِ لِأَجْلِ الْأَخْذِ خُفْيَةً. وَكَمَا إِذَا سُمِّيَ اللَّائِطُ بِالزَّانِي لِأَجْلِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ.
قَوْلُهُ: إِلَّا بِنَقْلٍ أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعْمِيمِ، اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يُسَمَّى " أَيْ لَا يُسَمَّى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، لَكِنْ يُسَمَّى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُعَيَّنِ بِسَبَبِ النَّقْلِ وَالِاسْتِقْرَاءِ الدَّالَّيْنِ عَلَى التَّعْمِيمِ كَمَا ذَكَرْنَا.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إِثْبَاتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ. تَقْرِيرُهُ: لَوْ جَازَ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ لَجَازَ إِثْبَاتُهَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ [ذَلِكَ الْمَعْنَى] اللَّازِمِ
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لِلْمُسَمَّى حَامِلًا لِلْوَاضِعِ عَلَى التَّسْمِيَةِ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يُلَاحِظَ [الْوَاضِعُ] مُنَاسَبَةً بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَعْنَى عِنْدَ التَّسْمِيَةِ. وَكَمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ عَلَى الْوَضْعِ هَذَا الْمَعْنَى، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ حَامِلًا عَلَيْهِ. فَإِثْبَاتُ تَسْمِيَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ لِمُثْبِتِ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اسْمَ الْخَمْرِ دَارَ مَعَ التَّخْمِيرِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
أَمَّا وُجُودًا فَفِي مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ عَلَى الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ التَّخْمِيرُ فِيهِ وَوُجِدَ الِاسْمُ ; فَإِنَّهُ يُسَمَّى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ خَمْرًا.
وَأَمَّا عَدَمًا فَفِي مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ تُوجَدُ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الْمُخَمِّرَةُ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّخْمِيرُ، وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ السَّارِقِ وَالزَّانِي دَارَ مَعَ الْأَخْذِ خُفْيَةً وَمَعَ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَدَوَرَانُ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ آيَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ، فَيَكُونُ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةُ عِلَّةً لِلتَّسْمِيَةِ بِالْأَسَامِي الْمَذْكُورَةِ. فَإِذَا وُجِدَتْ فِي صُوَرٍ أُخَرَ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْأَسْمَاءُ. وَإِلَّا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مُحَالٌ.
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةَ كَمَا دَارَتْ مَعَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ دَارَتْ مَعَ مَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
فَإِنَّ لَفْظَ الْخَمْرِ دَارَ مَعَ تَخْمِيرِ مَاءِ الْعِنَبِ، وَلَفْظَ السَّارِقِ مَعَ أَخْذِ مَالِ الْحَيِّ خُفْيَةً، وَلَفْظَ الزَّانِي مَعَ كَوْنِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ قُبُلًا.
وَدَوَرَانُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَعَ هَذِهِ الْمَعَانِي ظَاهِرٌ. وَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَعَانِي الَّذِي ذَكَرْتُمْ عِلَّةً لِلتَّسْمِيَةِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي أَيْضًا عِلَّةً. فَإِثْبَاتُ التَّسْمِيَةِ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْتُمْ إِثْبَاتٌ بِالْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُثْبِتِينَ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: ثَبَتَ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ، وَمَعْنَى الْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الشَّرْعِ. وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَثَبَتَ [ثَمَّةَ] ، وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ هَهُنَا ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا - إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا كَانَ لَهُ مُصَحِّحٌ، وَقَدْ وُجِدَ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ مُصَحِّحٌ لَهُ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، وَلَمْ يُوجَدِ الْإِجْمَاعُ فِي الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ، فَلِهَذَا ثَبَتَ ثَمَّةَ وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا.
ش - هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، هُوَ أَنَّ اللُّغَةَ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ بِالْقِيَاسِ فَكَيْفَ صَحَّ إِثْبَاتُ قَطْعِ النَّبَّاشِ وَحَدِّ شَارِبِ النَّبِيذِ؟ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي السَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ. وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ ﵁ قَطْعَ النَّبَّاشِ وَحَدَّ شَارِبِ النَّبِيذِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِيجَابُ قَطْعِ النَّبَّاشِ وَحَدِّ الشَّارِبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِثُبُوتِ تَعْمِيمِ اسْمِ الْخَمْرِ وَالسَّارِقِ لِلنَّبِيذِ، وَالنَّبَّاشِ بِالنَّقْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، بِأَنْ يُقَاسَ النَّبِيذُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ مُخَمِّرَةٌ عَلَى الْعَقْلِ. وَالنَّبَّاشُ عَلَى السَّارِقِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً، لَا لِأَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ بِالْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ.
[الْحُرُوفُ]
[تعريف الحرف]
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ النُّحَاةِ: إِنَّ الْحَرْفَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ: أَنَّ نَحْوَ " مِنْ " وَ " إِلَى " شَرْطُ الْوَاضِعِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوَاضِعَ نَصَّ عَلَى أَنَّ " مِنْ " وَ " إِلَى " إِذَا ذُكِرَ مُتَعَلِّقُهُمَا مَعًا، كَانَ مَعْنَاهُمَا: الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ. وَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُمَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَعْنًى أَصْلًا، لَا الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ وَلَا غَيْرُهُمَا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " الْإِفْرَادِيِّ " عَنِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ ; فَإِنَّ [كُلَّ وَاحِدٍ] مِنْهُمَا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعَانِي التَّرْكِيبِيَّةِ، أَعْنِي الْمَعَانِي الَّتِي تَكُونُ لَهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، مَشْرُوطَةٌ بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ. فَإِنَّ كَوْنَ الِاسْمِ فَاعِلًا، إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَكَوْنُ الْفِعْلِ خَبَرًا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمُبْتَدَأِ.
стр. 253
ص - وَقَطْعُ النَّبَّاشِ وَحَدُّ النَّبِيذِ، إِمَّا لِثُبُوتِ التَّعْمِيمِ، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ، لَا لِأَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ بِالْقِيَاسِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 254
ص - الْحُرُوفُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْحَرْفُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ: أَنَّ نَحْوَ " مِنْ " وَ " إِلَى " مَشْرُوطٌ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ، ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا.
وَنَحْوُ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ " وَ " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذَلِكَ.
ص - وَأَمَّا نَحْوُ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَ " تَحْتَ " وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا بِمُتَعَلِّقِهَا لِأَمْرٍ فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذَلِكَ ; لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ وَضْعَ " ذُو " بِمَعْنَى " صَاحِبٍ " لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَأَنَّ وَضْعَ " فَوْقَ " بِمَعْنَى مَكَانٍ، لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَكِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي دَلَالَتِهِمَا عَلَى مَعَانِيهِمَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهِمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَحْوَ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ " وَكَذَا " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " لَمْ يُشْتَرَطْ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِهَا، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ.
وَكَذَا مَعْنَى " ابْتَدَأَ " وَ " انْتَهَى " بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهَا. بِخِلَافِ " مِنْ " وَ " إِلَى " فَإِنَّ مَعْنَاهُمَا لَا يُفْهَمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُذْكَرَ مُتَعَلِّقُهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: " مِنْ " وَ " إِلَى " يُفْهَمُ مِنْهَا الِابْتِدَاءُ وَالِانْتِهَاءُ بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِمَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ فُهِمَا مِنْهُمَا حَالَةَ اعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
وَإِنَّمَا مَثَّلَ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِـ " الِابْتِدَاءِ " وَ " الِانْتِهَاءِ "، وَمِنَ الْأَفْعَالِ بِـ " ابْتِدَأَ " وَ " انْتَهَى " ; لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا عَبَّرَ عَنِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ " مِنْ " وَ " إِلَى " وَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَهُمَا، لَمْ يَدُلَّا عَلَيْهِمَا. وَإِذَا عَبَّرَ عَنِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ بِالِاسْمِ أَوِ الْفِعْلِ، فُهِمَا بِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِمَا.
ش - هَذَا جَوَابٌ عَنْ وَهْمٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْخَاصَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْحَرْفِ تَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الْأَسَامِي. وَذَلِكَ لِأَنَّ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَ " تَحْتَ " وَأَمْثَالَهَا أَسْمَاءٌ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّ الْخَاصَّةَ الْمَذْكُورَةَ ثَابِتَةٌ لَهَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ ; فَإِنَّهَا مَا لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهَا مَعَهَا لَمْ يُفِدْ فَائِدَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ بِدُونِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِمَعْنَاهَا الْإِفْرَادِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ " ذُو " وَ " فَوْقَ " وَأَمْثَالَهُمَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاضِعُ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانِيهَا الْإِفْرَادِيَّةِ ذِكْرَ مُتَعَلِّقِهَا، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ أَنْ لَا تُذْكَرَ إِلَّا مَعَ مُتَعَلِّقِهَا لِأَمْرٍ. وَهُوَ أَنَّهُ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ وَضْعَ " ذُو " بِإِزَاءِ " صَاحِبٍ " لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى وَصْفِ الْأَسْمَاءِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ. فَلِأَجْلِ حُصُولِ غَرَضِهِ مِنَ الْوَضْعِ اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لَا لِأَجْلِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا وُضِعَ بِإِزَائِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَوَقُّفِ حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ وَضْعِهِ عَلَى ذِكْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ تَوَقُّفُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ " فَوْقَ " وُضِعَ بِإِزَاءِ مَكَانٍ عَالٍ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ. فَلِذَلِكَ اقْتَضَى ذِكْرَ مُتَعَلِّقِهِ.
فَإِنَّ قَوْلَنَا: زَيْدٌ فَوْقَ الدَّارِ، إِنَّمَا يَتَخَصَّصُ [كَوْنُ] مَكَانِهِ عَالِيًا بِالِاقْتِرَانِ بِالدَّارِ.
وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَاقِيَ.
стр. 256
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَا لِتَرْتِيبٍ، وَلَا مَعِيَّةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. لَنَا: النَّقْلُ [عَنِ الْأَئِمَّةِ] أَنَّهَا كَذَلِكَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ - لَتَنَاقَضَ " وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [وَقُولُوا حِطَّةٌ] " مَعَ الْأُخْرَى.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ " لِمَا عُلِمَ " بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: " لِأَمْرٍ ".
[الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَ، هَلْ هُوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، [أَيْ] لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصِهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَدَلِيلُهُ: النَّقْلُ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. وَنَقَلَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ حُجَّةً فِي الْأَبْحَاثِ اللُّغَوِيَّةِ.
ش - قَدِ اسْتَدَلَّ مِنْ طَرَفِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ لَوْ كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلتَّرْتِيبِ لَتَنَاقَضَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١] وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ. فَلَوِ اقْتَضَتِ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ، لَكَانَ الْأَمْرُ بِدُخُولِ الْبَابِ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى، وَلَمْ يَكُنْ مُقَدَّمًا لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ. فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ ; فَلِأَنَّ التَّنَاقُضَ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
стр. 258
وَلَمْ يَصِحَّ " تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو ". وَلَكَانَ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ، [تَكْرِيرًا،] وَقَبْلَهُ، تَنَاقُضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ لِمَا سَنَذْكُرُ.
ص - قَالُوا: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] . قُلْنَا: التَّرْتِيبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَبَرِهِ.
ص - قَالُوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَقَالَ: ﵇ " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ". قُلْنَا: لَوْ كَانَ لَهُ - لَمَا احْتِيجَ إِلَى " ابْدَءُوا ".
ص - قَالُوا: رَدَّ ﵇ قَائِلَ: " «وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى» " وَقَالَ: قُلْ: " «وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ".
قُلْنَا: لِتَرْكِ إِفْرَادِ اسْمِهِ بِالتَّعْظِيمِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُمَا، لَا تَرْتِيبَ فِيهَا.
ص - قَالُوا: إِذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ - وَقَعَتْ وَاحِدَةً، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
ص - وَقَوْلُ مَالِكٍ، ﵀: " وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِثْلُ " ثُمَّ " إِنَّمَا قَالَهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَعْنِي يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَا يُنْوَى فِي التَّأْكِيدِ.
ص - الثَّالِثُ: ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا صَحَّ قَوْلُ الْقَائِلِ: " تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو " وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ قَوْلَنَا: " تَقَاتَلَ " يَقْتَضِي الْأَخْذَ فِي الْفِعْلِ مَعًا ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ [التَّفَاعُلِ] وَهُوَ يَقْتَضِي حُصُولَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَعًا، وَهُوَ يُنَافِي التَّرْتِيبَ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْوَاوِ حِينَئِذٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَكَانَ قَوْلُنَا: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ، تَكْرِيرًا ; لِإِفَادَةِ الْوَاوِ الْبَعْدِيَّةِ. وَلَكَانَ: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَبْلَهُ، تَنَاقُضًا ; لِأَنَّ الْوَاوَ يُفِيدُ الْبَعْدِيَّةَ وَهِيَ تُنَاقِضُ الْقَبْلِيَّةَ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، لِمَا سَنَذْكُرُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهَا حَقِيقَةً لِلتَّرْتِيبِ. فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْمُحَالَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي التَّرْتِيبِ أَيْضًا كَمَا سَيُذْكَرُ. وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَجَازًا، لَلَزِمَ الِاشْتِرَاكُ. وَاللَّفْظُ إِذَا دَارَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ.
стр. 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَتِ الْوَاوُ مُسْتَعْمَلَةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، فَلَيْسَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ مَجَازًا فِي الْمَعِيَّةِ، أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى أَنْ تُجْعَلَ حَقِيقَةً لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ. وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِالتَّرْتِيبِ تَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] لِأَنَّ وُجُوبَ تَقَدُّمِ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ سِوَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الْمَجَازُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. بَلْ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
стр. 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قَالَتِ الصَّحَابَةُ: بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ، لَمْ يَقُلْ فِي جَوَابِهِمُ: " ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ".
وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْقَلْبِ. وَهُوَ إِثْبَاتُ نَقِيضِ دَعْوَى الْخَصْمِ بِدَلِيلِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُمْ
стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ". لِأَنَّ الْوَاوَ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي التَّرْتِيبِ، لَمَا اشْتَبَهَ عَلَى أَهْلِ اللِّسَانِ.
ش - الْوَجْهُ الثَّالِثُ «أَنَّ وَاحِدًا قَامَ فِي حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَقَالَ: مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ ﵇: " بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ. قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» ".
فَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا ذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; إِذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ مَا [عَلِمَهُ] رَسُولُ اللَّهِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الْخَطِيبُ.
стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا ذَمَّهُ لِأَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ لَمْ يُفِدْهُ، بَلْ إِنَّمَا ذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ تَرَكَ إِفْرَادَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّمَّ لِتَرْكِ الْإِفْرَادِ، لَا لِدَلَالَةِ الْوَاوِ عَلَى التَّرْتِيبِ، أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّ مَعْصِيَةَ الرَّسُولِ هِيَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَبِالْعَكْسِ.
ش - الْوَجْهُ الرَّابِعُ هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْحُكْمِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَقَعَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً. وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَعَتْ ثَلَاثًا. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، بَلْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. فَإِنَّ الْقَوْلَ [بِأَنَّ] فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: " تَقَعُ وَاحِدَةً " مَمْنُوعٌ، بَلْ تَقَعُ
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَيْضًا ثَلَاثًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ بِوُقُوعِهِ ثَلَاثًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ مَنْ مَنَعَ وُقُوعَ الثَّلَاثِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إِذَا كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ " ثَلَاثًا " فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تَفْسِيرٌ لِمَا قَصَدَهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ " ثَلَاثًا " مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ. بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ: وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ، تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: طَالِقٌ.
وَالْإِنْشَاءَاتُ مُتَرَتِّبَةٌ تَرَتُّبَ الْأَلْفَاظِ، فَوَقَعَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَاحِدَةً، فَبَانَتْ بِهَا، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.
ش - هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْوَاوَ مِثْلُ ثُمَّ.
стр. 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ فِي صُورَةِ " ثُمَّ طَالِقٌ " تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، فَيَجِبُ أَنْ تَقَعَ فِي صُورَةِ الْوَاوِ أَيْضًا وَاحِدَةً. فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ فِي صُورَةِ الْوَاوِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ بِثُمَّ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ فِي التَّأْكِيدِ، أَيْ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى التَّأْكِيدِ، إِذَا قَالَ الزَّوْجُ: أَرَدْتُ بِهِ التَّأْكِيدَ. كَمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْوَاوِ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ [فِي التَّأْكِيدِ] فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَنْزِلَةِ ثُمَّ فِي صُورَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَفِي عَدَمِ اعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّأْكِيدِ بِهَا، لَا فِي صُورَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِالْوَاوِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
[الثَّالِثُ: ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ]
ش - الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ. اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ فَرْعٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْوَاضِعِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْوَاضِعَ مَنْ هُوَ، لَمْ يَتَحَقَّقِ ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ.
فَلِذَلِكَ بَحَثَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوَاضِعِ. وَالْبَحْثُ عَنِ الْوَاضِعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي بِالْوَضْعِ لَا بِالذَّاتِ. فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ إِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي بِالذَّاتِ وَالطَّبْعِ، - وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّمْرِيُّ - فَقَالَ: لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولِهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فِي الدَّلَالَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، وَلِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ. وَأَيْضًا الْقَطْعُ بِوُقُوعِ اللَّفْظِ عَلَى الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، كَـ " الْقَرْءِ " الْوَاقِعِ عَلَى الْحَيْضِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ الطُّهْرُ.
стр. 267
لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولِهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَضِدِّهِ، وَبِوُقُوعِهِ " كَالْقَرْءِ " وَ " الْجَوْنِ ".
ص - قَالُوا: لَوْ تَسَاوَتْ - لَمْ تَخْتَصَّ. قُلْنَا: تَخْتَصُّ بِإِرَادَةِ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: عَلَّمَهَا اللَّهُ بِالْوَحْيِ، أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. الْبَهْشَمِيَّةُ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ، وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ، وَالْقَرَائِنِ كَالْأَطْفَالِ.
الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ [بِتَوْقِيفٍ] وَغَيْرِهِ مُحْتَمَلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْجَمِيعُ مُمْكِنٌ. ثُمَّ الظَّاهِرُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ
ص - قَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] . [قَالُوا] : أَلْهَمَهُ أَوْ عَلَّمَهُ مَا سَبَقَ. قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ.
قَالُوا: الْحَقَائِقُ، بِدَلِيلِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١] . قُلْنَا: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] يُبَيِّنُ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَهَا وَالضَّمِيرَ لِلْمُسَمَّيَاتِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] . وَالْمُرَادُ: اللُّغَاتُ بِاتِّفَاقٍ. قُلْنَا: التَّوْقِيفُ وَالْإِقْدَارُ فِي كَوْنِهِ آيَةً سَوَاءٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَبِوُقُوعِ اللَّفْظِ عَلَى الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، كَـ " الْجَوْنِ " الْوَاقِعِ عَلَى الْأَبْيَضِ وَضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ.
فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعَانِي لِمُنَاسَبَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بَيْنَهُمَا، لَزِمَ أَنْ يُنَاسِبَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ لِلنَّقِيضَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي لَوْ كَانَتْ بِالذَّاتِ لَمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ، وَلَاهْتَدَى كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى كُلِّ لُغَةٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ عَبَّادٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَتَسَاوَتْ نِسْبَةُ اللَّفْظِ إِلَى جَمِيعِ الْمَعَانِي. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ الِاسْمُ الْمُعَيَّنُ بِالْمُسَمَّى الْمُعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نِسْبَةُ ذَلِكَ اللَّفْظِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، كَنِسْبَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْمَعَانِي. فَاخْتِصَاصُهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ إِرَادَةُ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى كَتَخْصِيصِ إِيجَادِ الْعَالَمِ فِي وَقْتٍ دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ إِيجَادُهُ فِيهَا، مَعَ أَنَّ نِسْبَةَ الْعَالَمِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ، كَنِسْبَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ; فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ ثَمَّةَ هُوَ إِرَادَةُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، فَكَذَا هَهُنَا.
стр. 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[قول الأشعري: الاختلاف في ابتداء الوضع]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ عَبَّادٍ، شَرَعَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْوَاضِعِ. اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْوَاضِعِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: التَّوْقِيفِيُّ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، ﵀. فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهَا، وَوَقَفَ عِبَادَهُ عَلَيْهَا بِأَنْ عَلَّمَهَا بِالْوَحْيِ، أَيْ أَفْهَمَهَا بِالْخِطَابِ أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ، وَإِسْمَاعِ ذَلِكَ الْجِسْمِ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ، أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِي وَاحِدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ، بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ بِإِزَاءِ الْمَعَانِي. وَسُمِّيَ هَذَا الْمَذْهَبُ تَوْقِيفًا.
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي: الِاصْطِلَاحِيُّ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَلْفَاظَ وَضَعَهَا الْبَشَرُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ حَصَلَ تَعْرِيفُ الْبَاقِينَ بِالْإِشَارَاتِ، وَالْقَرَائِنِ، وَالتَّرْدِيدِ - وَهُوَ التَّكْرَارُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى - كَمَا حَصَلَ تَعْرِيفُ الْأَطْفَالِ بِالْإِشَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ وَالتَّرْدِيدِ.
الثَّالِثُ: تَوْقِيفِيٌّ بَعْضُهُ وَالْبَاقِي مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا أَوِ اصْطِلَاحِيًّا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَدْرُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ تَوْقِيفِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَالْبَاقِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحِيًّا.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُ هَذَا. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْمَذْهَبِ تَمَسُّكٌ مُعْتَدٌّ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
وَالْخَامِسُ: التَّوَقُّفُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: جَمِيعُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ وَالدَّلَائِلُ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهَا عَلَى الْبَاقِي تَرْجِيحًا يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْجَزْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ [التَّوَقُّفِ] .
стр. 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالدَّلَائِلُ عَلَى [الْمَذَاهِبِ] لَمْ تُفِدِ الْقَطْعَ.
لَكِنَّ دَلِيلَ مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ﵀ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأُخَرِ مِنْ حَيْثُ إِفَادَتُهُ الظَّنَّ. فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: ثُمَّ الظَّاهِرُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ بَدَأَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، ﵀.
وَبَيَانُهُ أَنَّ اللُّغَاتِ لَوْ لَمْ تَكُنْ تَوْقِيفِيَّةً لَمْ تَكُنْ مُعَلَّمَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَالْمُلَازَمَةُ ظَاهِرَةٌ.
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ مُعَلَّمَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِذَا ثَبَتَ التَّعْلِيمُ فِي الْأَسْمَاءِ، ثَبَتَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ.
وَلِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِالْأَسْمَاءِ وَحْدَهَا مُتَعَذَّرٌ، فَلَا بُدَّ مَعَ تَعْلِيمِ الْأَسْمَاءِ تَعْلِيمُ الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ.
وَأَيْضًا الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ أَسْمَاءٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَرْفَعُ الْمُسَمَّى إِلَى الْأَذْهَانِ، أَوْ تُتِمُّهُ. وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النُّحَاةِ.
وَقَدِ اعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، أَنَّهُ تَعَالَى أَلْهَمَهُ الِاحْتِيَاجَ إِلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا لِأَجْلِهِ قُدِرَ عَلَى الْوَضْعِ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِعْلًا يَصْلُحُ لِأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُصُولُ الْعِلْمِ، لَا إِيجَادُ الْعِلْمِ. فَلِذَلِكَ يُقَالُ: عَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ. وَلَوْ كَانَ التَّعْلِيمُ إِيجَادَ الْعِلْمِ، لَمَا صَحَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِلْهَامَ، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحَاتُ قَوْمٍ خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ السَّابِقَةَ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّعْلِيمِ إِيجَادُ الْعِلْمِ، لَا الْإِلْهَامُ. وَكَذَا الْأَصْلُ عَدَمُ اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ. وَإِذَا كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
стр. 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاعْتَرَضُوا أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، هِيَ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ وَصِفَاتُهَا. وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ آدَمَ حَقِيقَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَصِفَتَهُ. مِثْلَ أَنَّ الْخَيْلَ حَقِيقَتُهُ كَذَا وَأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَالْجَمَلَ لِلْحَمْلِ، وَالثَّوْرَ لِلزَّرْعِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَقَائِقَ، لَا الْأَلْفَاظَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْحَقَائِقِ، وَفِيهَا ذَوُو عُقُولٍ، اخْتَارَ ضَمِيرَ الْعُقَلَاءِ تَغْلِيبًا لَهُمْ. فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظَ، لَقَالَ: ثُمَّ عَرَضَهَا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ، الْأَلْفَاظُ، لَا الْحَقَائِقُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَسْمَاءَ إِلَى هَؤُلَاءِ. فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحَقَائِقَ، لَزِمَ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَمَّيَاتِ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَبَيْنَ كَوْنِ الْأَسْمَاءِ أَلْفَاظًا.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَلْسِنَةِ، مَفْهُومَهَا الْحَقِيقِيَّ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ الْأَلْسُنِ، أَبْلَغُ وَأَجْمَلُ ; إِذْ الِاخْتِلَافُ فِي أَجْرَامِهَا لَا يَبْلُغُ إِلَى حَدٍّ يُسْتَغْرَبُ. فَإِذَنِ الْمُرَادُ اللُّغَاتُ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَإِذَا كَانَتِ اللُّغَاتُ مَخْلُوقَةً، كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ اللِّسَانَ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنَّ التَّوْقِيفَ وَالْإِقْدَارَ عَلَى وَضْعِ اللُّغَاتِ مُتَسَاوِيَانِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً.
وَاللِّسَانُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللُّغَاتِ مَجَازًا، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ آيَةً، يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ الْإِقْدَارُ آيَةً: فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى اللُّغَاتِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى وَضْعِ اللُّغَاتِ.
ش - الْبَهْشَمِيَّةُ، أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ اللُّغَاتِ كُلَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ أَنَّ
стр. 274
ص - الْبَهْشَمِيَّةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] دَلَّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ. قُلْنَا: إِذَا كَانَ آدَمُ ﵇ هُوَ الَّذِي عُلِّمَهَا، انْدَفَعَ الدَّوْرُ.
ص - وَأَمَّا جَوَازُ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. فَخِلَافُ الْمُعْتَادِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ سَابِقَةٌ عَلَى بِعْثَةِ الرَّسُولِ، فَلَا تَكُونُ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةً ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْوَحْي، فَيَتَقَدَّمُ الْبَعْثَةُ عَلَى اللُّغَاتِ السَّابِقَةِ عَلَى الْبَعْثَةِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الدَّوْرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةً، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ أَنْ لَوْ كَانَتِ اللُّغَاتُ سَابِقَةً عَلَى بَعْثَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَقَدُّمِ اللُّغَاتِ عَلَى بَعْثَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْمٌ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِلِسَانِ قَوْمِهِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَعْثَةُ آدَمَ ﵇ عَلَى اللُّغَاتِ ; لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَوْمٌ، فَيَنْدَفِعُ الدَّوْرُ.
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اللُّغَاتِ بِالْوَحْي ثُمَّ عَلَّمَ آدَمُ غَيْرَهُ فَتَكُونُ اللُّغَاتُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ بَعْثَةِ آدَمَ ﵇، وَبَعْثَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْمٌ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ اللُّغَاتِ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى تَزْيِيفِ جَوَابٍ عَنْ دَلِيلِ الْبَهْشَمِيَّةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّغَاتِ لَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْبَعْثَةِ عَلَى اللُّغَاتِ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ طَرِيقُ تَعْلِيمِهَا مُنْحَصِرَةً فِي الْوَحْيِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فِي أَجْسَامٍ، كَمَا مَرَّ أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِي وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ اللُّغَاتِ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ أَوْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ خِلَافُ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فِي ذَاتِهِ ; إِذِ الْمُعْتَادُ فِي التَّعْلِيمِ هُوَ التَّفْهِيمُ بِالْخِطَابِ، وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ يُجْزَمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ.
ش - قَالَ الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ تَوْقِيفِيٌّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ [تَوْقِيفِيًّا] لَزِمَ الدَّوْرُ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
стр. 276
ص - الْأُسْتَاذُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ [تَوْقِيفِيًّا] لَزِمَ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ. قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ.
ص - الرَّابِعُ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا: التَّوَاتُرُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ، كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَالْآحَادُ فِي غَيْرِهِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا، لَاحْتِيجَ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ، سَابِقٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ يُعْرَفُ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعُودَ إِلَى الْأَوَّلِ، ضَرُورَةَ تَنَاهِي الِاصْطِلَاحَاتِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا يَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَرَّفَ الِاصْطِلَاحُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَمَا يَعْرِفُ الْأَطْفَالُ لُغَةَ أَبَوَيْهِمْ بِهَا.
[الرَّابِعُ: طريق معرفة الموضوعات اللغوية]
ش - الْبَحْثُ الرَّابِعُ مِنْ مَبَادِئِ اللُّغَةِ فِي بَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ; لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوَضْعِيَّةَ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا، بَلْ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا النَّقْلُ. وَهُوَ إِمَّا مُتَوَاتِرٌ - وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ - كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَنَحْوِهِمَا فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّشْكِيكِ. وَإِمَّا آحَادٌ، وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ.
وَلُغَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَكْثَرُهَا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
[الْأَحْكَامُ]
[مقدمة الأحكام]
[الحسن والقبح في حكم الله]
ش - لَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ اللُّغَةِ، شَرَعَ فِيمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَرَتَّبَ الْكَلَامَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي حَاكِمًا وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَمَحْكُومًا بِهِ.
الْأَوَّلُ فِي الْحَاكِمِ.
стр. 278
ص - الْأَحْكَامُ لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُطْلَقُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلِمَا أَمَرَنَا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالذَّمِّ، وَلِمَا لَا حَرَجَ [فِيهِ] وَمُقَابِلِهِ. وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. [فَالْقُدَمَاءُ] : مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ فِي الْقَبِيحِ. وَالْجِبَائِيَّةُ: بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ.
ص - لَنَا: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَمَا اخْتَلَفَ، وَقَدْ وَجَبَ الْكَذِبُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَغَيْرُهَا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمَ فِي فِعْلٍ تَعَلَّقَ حُكْمُ اللَّهِ بِهِ، أَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ.
وَعِنْدَهُمْ يُطْلَقُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: أَحَدُهَا الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِغَرَضِ الْفَاعِلِ، فَهُوَ الْحَسَنُ. وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِغَرَضِهِ فَهُوَ الْقَبِيحُ. وَنَعْنِي بِالْغَرَضِ مَا لِأَجْلِهِ يَصْدُرُ الْفِعْلُ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُوَافِقًا لِشَخْصٍ وَمُخَالِفًا لِآخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُوَافِقُهُ، وَقَبِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُ، فَيَكُونُ إِضَافِيًّا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحُسْنُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْقُبْحُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ. وَهَذَا أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحَسَنُ لِفِعْلٍ لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ، وَالْقَبِيحُ لِفِعْلٍ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ حَرَجٌ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا.
وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ حَسَنًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ. وَهُوَ حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَأَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِثِ ; فَلِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ.
وَالْحَسَنُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ.
وَبِالتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ أَيْضًا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ.
وَالْقَبِيحُ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ، وَفِي فِعْلِهِ حَرَجٌ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ ; لِأَنَّهُ [لَمْ يَأْمُرْ] الشَّرْعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِمَا وَلَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِمَا. فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ لَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا [بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي] .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ عَقْلِيٌّ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَالْأَصْحَابُ قَالُوا: إِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقُ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا. وَكَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ حَرَجٌ أَوْ لَيْسَ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَا اسْتِقْلَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ لِذَاتِهَا، قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. فَمِنْهَا: مَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهِ وَقُبْحِهِ بِالضَّرُورَةِ، كَحُسْنِ إِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ.
وَمِنْهَا: مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَحُسْنِ الصِّدْقِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
وَمِنْهَا مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالسَّمْعِ. كَحُسْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَالشَّارِعُ كَاشِفٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، لَا مُوجِبٌ لَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيِّينَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتِ الْقُدَمَاءُ: لَيْسَ فِي الْفِعْلِ صِفَةٌ تَقْتَضِي حُسْنَهُ أَوْ قُبْحَهُ، بَلِ الْفِعْلُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَحَدَهُمَا.
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لِأَجْلِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْفِعْلِ لَازِمَةٍ لَهُ تَقْتَضِي تِلْكَ الصِّفَةُ اللَّازِمَةُ حُسْنَ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحَهُ.
مَثَلًا الزِّنَا قَبِيحٌ ; لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَفْسَدَةِ اخْتِلَاطِ النَّسَبِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ تَعَهُّدِ الْأَوْلَادِ. وَالصَّوْمُ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ مُكَسِّرٌ لِلْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ تُوجِبُ قُبْحَهُ دُونَ الْفِعْلِ الْحَسَنِ ; فَإِنَّهُ لِذَاتِهِ يَقْتَضِي الْحُسْنَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفْسَدَةِ يَكُونُ قَبِيحًا، وَإِلَّا فَحَسَنًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجِبَائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إِنَّ الْأَفْعَالَ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ، كَالْمُوَاقَعَةِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بِلَا نِكَاحٍ وَلَا مِلْكٍ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَكُونُ حَسَنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاشْتِبَاهُ أَصْلًا، كَانَ قَبِيحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنْ جَانِبٍ دُونَ آخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، قَبِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَحْرِيرِ الْمَبْحَثِ، احْتَجَّ بِالدَّلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيَّيْنِ لِلْفِعْلِ.
الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْفِعْلُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ لِذَاتِهِ أَوْ لَوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَى ذَاتِهِ، لَمَا اخْتَلَفَ، أَيْ لَمَا صَارَ الْفِعْلُ الْحَسَنُ قَبِيحًا وَبِالْعَكْسِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ طَبِيعَةَ الْفِعْلِ إِذَا اقْتَضَى الْحُسْنَ لِذَاتِهِ أَوْ لِوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَاهُ، لَتَحَقَّقَ الْحُسْنُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الذَّاتِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَصِيرَ قَبِيحًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي; فَلِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِعِصْمَةِ نَبِيٍّ.
وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَتْلُ لِلْقِصَاصِ وَالضَّرْبُ لِلْحَدِّ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذَا فِي كَذِبِهِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكْذِبَ غَدًا أَوْ يَصْدُقَ.
стр. 283
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذِبِهِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا، وَقَدْ وُصِفَ الْفِعْلُ بِهِ، فَيَلْزَمُ قِيَامُهُ بِهِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ قُبْحُهُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَحُسْنُهُ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِصِدْقِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ. وَالْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَسَنِ حَسَنٌ، فَيَجْتَمِعُ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي الْحَسَنُ [وَاللَّا حَسَنُ،] وَهُوَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُ أَيْضًا حُسْنُ الْخَبَرِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صِدْقٌ، وَقُبْحُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَذِبِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقُدَمَاءِ. وَمَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ لِصِفَةٍ [ذَاتِيَّةٍ] تَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ.
وَلَا يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْجِبَائِيَّةِ. وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. وَذَلِكَ لِأَنَّ عِصْمَةَ النَّبِيِّ قَدْ تَحْصُلُ بِدُونِ الْكَذِبِ بِأَنْ تَأْتِيَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، أَوْ مَعَ قَصْدٍ إِلَيْهِ وَلَكِنْ مَعَ التَّعْرِيضِ.
ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عِصْمَةُ النَّبِيِّ إِلَّا مَعَ الْكَذِبِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَذِبَ حَسَنٌ هَهُنَا. وَكَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ.
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهٍ يُفْهِمُ الْخَبَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْإِخْبَارِ، أَمْرٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ. وَلِأَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ.
وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَرُبَّمَا لَمْ يُفِدْ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ صَرِيحُ الْإِخْبَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ " فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحْصُلُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: لِمَ لَا يَجُوزُ اقْتِضَاءُ الشَّيْءِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِحَسَبَ شَرْطَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ. فَإِنَّ الْجِسْمَ إِذَا كَانَ فِي حَيِّزِهِ يَقْتَضِي السُّكُونَ وَفِي غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَرَكَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِوَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ. وَالشَّرْطَانِ الْمُتَنَافِيَانِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصْفًا لَازِمًا لَهُ ; لِأَنَّ اللَّازِمَ يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُ الشَّيْءِ عَنْهُ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ وَالْحُسْنَ لَيْسَا بِذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْحُسْنُ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ، لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى، أَيْ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ زَائِدًا عَلَيْهِ لَكَانَ نَفْسَهُ أَوْ دَاخِلًا فِيهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلَانِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّا قَدْ نَعْقِلُ الْفِعْلَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِنَا أَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ.
وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ، أَيْ يَكُونُ الْحُسْنُ الَّذِي هُوَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ مَوْجُودًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، أَيْ مَعْدُومٌ ; لِأَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتَلْزَمَ وُجُودُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا يَقُومُ بِهِ. وَإِذَا اسْتَلْزَمَ مَحَلًّا مَوْجُودًا امْتَنَعَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ. لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ ; إِذْ يُقَالُ: الْمَعْدُومُ لَا حَسَنٌ.
فَثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ سَلْبٌ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ مَوْجُودًا ; لِأَنَّ أَحَدَ النَّقِيضَيْنِ إِذَا كَانَ سَلْبًا يَكُونُ النَّقِيضُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّقْدِيرِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
следующие страницы →