← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَقَوْلُهُ: " الْخِطَابُ " كَالْجِنْسِ لِلْحُكْمِ، يَتَنَاوَلُ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابَ الْمَلِكِ وَالْبَشَرِ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، خَرَجَ عَنْهُ خِطَابُ غَيْرِهِ. وَبِقَوْلِهِ: " الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ " خَرَجَ مِثْلُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . فَإِنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَقَدْ وَرَدَ عَلَى اطِّرَادِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ مِثْلُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ. فَزِيدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ قَوْلُنَا: " بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ " فَخَرَجَ عَنْهُ مِثْلُ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ; فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، لَكِنْ لَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ طَلَبُ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَوْ تَخْيِيرُهُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. فَوَرَدَ بِسَبَبِ ازْدِيَادِ قَيْدِ الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ عَلَى عَكْسِ الْحَدِّ كَوْنُ الشَّيْءِ دَلِيلًا، كَدُلُوكِ الشَّمْسِ لِلصَّلَاةِ، وَسَبَبًا، كَالزِّنَا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، أَوْ شَرْطًا، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَحْكَامٌ وَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا اقْتِضَاءٌ وَلَا تَخْيِيرٌ.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْتَزَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ اخْتِلَالَ هَذَا التَّعْرِيفِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَحْكَامًا لَا تَرْجِعُ إِلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ، فَزَادَ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَظَّةَ: " أَوِ الْوَضْعِ " فَاسْتَقَامَ التَّعْرِيفُ طَرْدًا وَعَكْسًا ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ حِينَئِذٍ مَا خَرَجَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْقَيْدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ الدُّلُوكَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَالْوُضُوءَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، كَانَ كُلُّهَا بِوَضْعِهِ تَعَالَى، فَيَدْخُلُ جَمِيعُ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ وَضْعِيًّا تَحْتَ الْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدُّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ - وَهُوَ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ - خَارِجٌ عَنْهُ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْأَوَّلِ خِطَابَ الرَّسُولِ، وَالثَّانِي خِطَابَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّالِثِ خِطَابَ الْقَائِسِ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحُكْمِ، بَلْ مُعَرِّفَاتٌ لِلْأَحْكَامِ، وَالْأَحْكَامُ ثَابِتَةٌ قَبْلَهَا ; لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنَعَ الْآخَرُونَ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ بِدُونِ قَيْدِ الْوَضْعِ، وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ فِي اسْتِقَامَةِ التَّعْرِيفِ.

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَذَهَبَ فَرِقْةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ أَحْكَامٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَ الدُّلُوكِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَكَوْنَ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، رَاجِعَانِ إِلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ مِنَ الِاقْتِضَاءِ. وَكَوْنَ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، رَاجِعٌ إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى قَيْدِ الْوَضْعِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ لَيْسَتْ بِأَحْكَامٍ بَلْ عَلَامَاتٌ لَهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ [الدُّلُوكِ] دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ يَظْهَرُ عِنْدَ دُلُوكِ الشَّمْسِ. وَكَذَا سَبَبِيَّةُ الزِّنَا وَشَرْطِيَّةُ الْوُضُوءِ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ أَحْكَامًا، فَلَوْ قُيِّدَ الْحَدُّ بِالْوَضْعِ لَدَخَلَتْ تَحْتَ الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْحَدِّ: ضَرُورَةَ دُخُولِ مَا لَيْسَ مِنَ الْمَحْدُودِ فِيهِ. ش - اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ ذَكَرَ لِلْحُكْمِ تَعْرِيفًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّهُ خِطَابُ الشَّارِعِ بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ. فَقَوْلُهُ: " خِطَابٌ " كَالْجِنْسِ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى الشَّارِعِ خَرَجَ خِطَابُ غَيْرِهِ. وَالْفَائِدَةُ هِيَ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ بِهِ أَحْسَنَ حَالًا. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ " الْخِطَابُ الَّذِي يُفِيدُ فَائِدَةً عَقْلِيَّةً أَوْ حِسِّيَّةً، كَالْإِخْبَارِ عَنِ الْمَعْقُولَاتِ أَوِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، لَزِمَ الدَّوْرُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْفَائِدَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ عَقْلِيَّةً وَلَا حِسِّيَّةَ، يَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ الْحَدِّ ; لِأَنَّ إِخْبَارَ الشَّارِعِ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) . يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خِطَابُ الشَّارِعِ بِفَائِدَةٍ غَيْرِ عَقْلِيَّةٍ وَلَا حِسِّيَّةٍ. وَلَا يَكُونُ حُكْمًا، فَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ قَيْدٌ " تَخْتَصُّ بِهِ " أَيْ بِالْخِطَابِ. فَخَرَجَ عَنْهُ الْإِخْبَارُ الشَّرْعِيُّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: " تَخْتَصُّ بِهِ " أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ الْفَائِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ.

стр. 319

ص - فَإِنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ، يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ، سَبَبًا لِلْعِقَابِ - فَوُجُوبٌ. وَإِنِ انْتَهَضَ فِعْلُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ - فَنَدْبٌ. وَإِنْ كَانَ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْلٍ يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ - فَتَحْرِيمٌ. وَمَنْ يُسْقِطُ " غَيْرَ كَفٍّ " فِي الْوُجُوبِ - يَقُولُ: " طَلَبًا لِنَفْيِ فِعْلٍ " فِي التَّحْرِيمِ. وَإِنِ انْتَهَضَ الْكَفُّ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ - فَكَرَاهَةٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْإِخْبَارُ الشَّرْعِيُّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَكِنَّ تَفَهُّمَ تِلْكَ الْفَائِدَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ. وَأَمَّا الْفَائِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْحُكْمِ فَلَا يُفْهَمُ إِلَّا مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنْشَاءٌ، فَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَإِذَا كَانَ إِنْشَاءً يَكُونُ مُوجِبًا لِمَعْنَاهُ، أَيِ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَلَا شَيْءَ خَارِجٌ لِلْحُكْمِ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ غَيْرِهِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِمَعْنَاهُ. بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ الشَّرْعِيِّ ; فَإِنَّ مَعْنَاهُ خَارِجٌ عَنْهُ، لَا يَكُونُ الْإِخْبَارُ مُوجِبًا لَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ غَيْرِهِ. هَذَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ. ش - لَمَّا ذَكَرَ تَعْرِيفَ الْحُكْمِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَقْسَامَهُ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إِنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ يَنْتَهِضُ تَرْكُ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ، فَهُوَ الْوُجُوبُ. فَقَوْلُهُ: " طَلَبًا " يُخْرِجُ التَّخْيِيرَ وَالْوَضْعِيَّ. وَقَوْلُهُ: " غَيْرِ كَفٍّ " يُخْرِجُ عَنْهُ الْحُرْمَةَ ; فَإِنَّهَا أَيْضًا طَلَبُ فِعْلٍ، وَهُوَ الْكَفُّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ. وَقَوْلُهُ: يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ، أَيْ يَصِيرُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، يُخْرِجُ عَنْهُ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ. وَخُرُوجُهَا بِقَوْلِهِ: " غَيْرِ كَفٍّ " لَا يُنَافِي خُرُوجَهَا بِهَذَا الْقَيْدِ. وَإِنَّمَا قَالَ: " فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ " لِيُدْخِلَ فِي التَّعْرِيفِ مِثْلَ وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ ; فَإِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ لَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ فِي وَقْتِهِ، لَكِنْ يَكُونُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقَابِ. وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ خَاصَّةً سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَنَدْبٌ. وَإِنَّمَا قَالَ: " خَاصَّةً " لِيُعْرَفَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ شَيْءٌ. فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْوُجُوبُ.

стр. 321

وَإِنْ كَانَ تَخْيِيرًا - فَإِبَاحَةٌ. وَإِلَّا فَوَضْعِيٌّ. وَفِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا، خِلَافٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْلٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، فَتَحْرِيمٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فَحُرْمَةٌ، لِيَكُونَ مُنَاسِبًا لِقَوْلِهِ: " فَوُجُوبٌ " وَ " نَدْبٌ ". وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ يُسْقِطْ غَيْرَ كَفٍّ فِي الْوُجُوبِ " إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْكَفُّ غَيْرُ فِعْلٍ، وَهُوَ يُسْقِطُ " غَيْرَ كَفٍّ " فِي تَعْرِيفِ الْوُجُوبِ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ يُغْنِي عَنْهُ، وَيَقُولُ فِي تَعْرِيفِ التَّحْرِيمِ: إِنَّهُ طَلَبٌ لِنَفْيِ فِعْلٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ. وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ طَلَبًا لِكَفٍّ انْتَهَضَ ذَلِكَ الْكَفُّ خَاصَّةً سَبَبًا لِلثَّوَابِ، فَكَرَاهَةٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ " خَاصَّةً " لِيُعْلَمَ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَإِبَاحَةٌ. وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ طَلَبًا وَلَا تَخْيِيرًا فَوَضْعِيٌّ. وَتَحَقَّقَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَقْسَامُ الْحُكْمِ وَتَعْرِيفَاتُهَا. وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا. فَمَنْ ذَهَبَ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ هُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ، لَا يُسَمِّي الْكَلَامَ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِفْهَامُ مُتَهَيِّئٍ لِلْفَهْمِ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِقَوْلِهِ " مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ " يُسَمِّي خِطَابًا ; لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ فِي الْجُمْلَةِ. [الوجوب] ش - الْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الثُّبُوتِ. قَالَ ﵇: " إِذَا وَجَبَ الْمَرِيضُ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ " أَيْ ثَبَتَ وَاسْتَقَرَّ وَزَالَ عَنِ الِاضْطِرَابِ. وَعَلَى السُّقُوطِ. قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا أَيْ سَقَطَتْ. وَالْوُجُوبُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي قِسْمَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ كَفٍّ يَنْتَهِي تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ.

стр. 323

ص - الْوُجُوبُ: الثُّبُوتُ وَالسُّقُوطُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ، مَا تَقَدَّمَ. وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ لِلْوُجُوبِ، كَمَا تَقَدَّمَ. ص - وَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ - مَرْدُودٌ ; لِجَوَازِ الْعَفْوِ. وَمَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ - مَرْدُودٌ بِصِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا يُخَافُ - مَرْدُودٌ بِمَا يُشَكُّ فِيهِ. ص - الْقَاضِي: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرَعًا بِوَجْهٍ مَا. وَقَالَ: " بِوَجْهٍ مَا " لِيُدْخِلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ وَالْكِفَايَةَ. حَافَظَ عَلَى عَكْسِهِ فَأَخَلَّ بِطَرْدِهِ ; إِذْ يَرِدُ النَّاسِي وَالنَّائِمُ وَالْمُسَافِرُ. فَإِنْ قَالَ: يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِذَلِكَ. قُلْنَا: وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. ص - وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ. الْحَنَفِيَّةُ: الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ. وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ. ص - الْأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا. وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا أَخَّرَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ، كَالْمُسَافِرِ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِمَانِعٍ مِنَ الْوُجُوبِ شَرْعًا، كَالْحَائِضِ، أَوْ عَقْلًا، كَالنَّائِمِ. وَقِيلَ: لَمَّا سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْرَكِ. فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ قَضَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا الثَّانِي، إِلَّا فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَالْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا [لِخَلَلٍ] . وَقِيلَ: [لِعُذْرٍ] . ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - لَمَّا ذَكَرَ التَّعْرِيفَ الصَّحِيحَ لِلْوَاجِبِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الرُّسُومَ الْمُزَيَّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ لَهُ. مِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ: مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ. وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْكَسٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنِ الْعِقَابِ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. فَيَصْدُقُ الْوَاجِبُ بِدُونِ الْحَدِّ ; ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْعِقَابِ. وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّعْرِيفِ الْمُخْتَارِ لِلْوَاجِبِ ; لِأَنَّ التَّرْكَ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْعِقَابُ عَنْهُ لِمَانِعٍ، وَهُوَ: الْعَفْوُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ: مَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ ; ضَرُورَةَ عَدَمِ انْعِكَاسِهِ ; لِأَنَّ مَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، يَجِبُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِهِ ; لِأَنَّ إِيعَادَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ ; لِامْتِنَاعِ الْخُلْفِ فِي خَبَرِهِ، فَيَتَحَقَّقُ الْوَاجِبُ فِي صُورَةِ الْعَفْوِ، مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ.

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ. وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، قَدْ يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ اطِّرَادِ التَّعْرِيفِ. قِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاجِبَ الَّذِي يُشَكُّ فِي وُجُوبِهِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ لَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِهِ، فَيَصْدُقُ الْوَاجِبُ بِدُونِ التَّعْرِيفِ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ. ش - رَسَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ الْوَاجِبَ بِأَنَّهُ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا. وَقَالَ: شَرْعًا، لِيُوَافِقَ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ. وَقَالَ: " بِوَجْهٍ مَا " لِيُدْخِلَ فِي حَدِّهِ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ وَوَاجِبَ الْكِفَايَةِ ; لِأَنَّهُمَا لَا يُذَمُّ تَارِكُهُمَا مُطْلَقًا، بَلْ يُذَمُّ بِوَجْهٍ مَا. أَمَّا الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ، فَإِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ إِذَا تَرَكَهُ فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ.

стр. 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَوَاجِبُ الْكِفَايَةِ، إِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ إِذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ. وَالْقَاضِي حَافَظَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ، لَكِنْ أَخَلَّ بِطَرْدِهِ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنَ الْمُعَرَّفِ ; لِأَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ بِوَجْهٍ مَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. كَصَلَاةِ النَّاسِي وَالنَّائِمِ وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَيُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهَا بِوَجْهٍ مَا، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَقْضِهَا إِلَى الْمَوْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ يُذَمُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ قَالَ الْقَاضِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ ; بَلْ تَكُونُ وَاجِبَةً لَكِنْ يَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِذَلِكَ، أَيْ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ وَالنَّوْمِ وَالسَّفَرِ. قُلْنَا: إِذَا جَوَّزَ ثَمَّ سُقُوطَ وُجُوبِهَا بِسَبَبٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى زِيَادَةِ هَذَا الْقَيْدِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَالُ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِنَّمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ ; لِأَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَكَذَا يُقَالُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ ; فَإِنَّ النَّاسِيَ وَالنَّائِمَ وَالْمُسَافِرَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. وَلَا يُذَمُّونَ عَلَى تَرْكِهِ بِوَجْهٍ

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَصْلًا. فَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالسَّفَرِ. وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ سَاقِطًا عَنْهُمْ لَمْ يُذَمُّوا عَلَى تَرْكِهِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ. قُلْنَا: فَالْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. هَذَا كَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَارِدًا عَلَى عَكْسِهِ لَا عَلَى طَرْدِهِ. [ترادف الفرد والواجب] ش - الْوَاجِبُ لُغَةً: الثَّابِتُ وَالسَّاقِطُ. وَالْفَرْضُ لُغَةً: التَّقْدِيرُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ أَيْ قَدَرْتُمْ. وَفِي الشَّرْعِ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ عِنْدَنَا. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَهُوَ مَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ. وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ، وَهُوَ مَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ.

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَالُوا: إِنَّمَا خَصَّصْنَا اسْمَ الْفَرْضِ بِمَا عُرِفَ وَجُوبُهُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيْنَا. وَاسْمُ الْوَاجِبِ بِمَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ; لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَلَيْنَا، لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيْنَا. وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمُقَدَّرُ، سَوَاءٌ كَانَ ثَبَتَ تَقْدِيرُهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ السَّاقِطُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ كَوْنُهُ سَاقِطًا عِلْمًا أَوْ ظَنًّا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ تَحَكُّمًا مَحْضًا. [الأداء] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنٍ وَمُخَيَّرٍ. وَبِاعْتِبَارِ فَاعِلِهِ، إِلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ. وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ وَقْتِهِ زَائِدًا عَلَيْهِ، إِلَى مُضَيَّقٍ وَمُوَسَّعٍ. وَبِاعْتِبَارِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ أَوْ خَارِجَ وَقْتِهِ، إِلَى أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ. وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ أَحْكَامَهَا فِي مَسَائِلَ. وَذَكَرَ الْأَدَاءَ وَالْإِعَادَةَ وَالْقَضَاءَ فِي الْمُقَدِّمَةِ. الْعِبَادَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالْقَضَاءِ، كَالْأَذْكَارِ وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ. وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ - فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مَحْدُودًا أَوْ لَا. وَالثَّانِي يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ، كَالْحَجِّ، وَلَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ. وَإِطْلَاقُ الْقَضَاءِ عَلَى الْحَجِّ الْمُسْتَدْرَكِ لِحَجٍّ فَاسِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُشَابِهُ الْمَقْضِيَّ فِي الِاسْتِدْرَاكِ. وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ - يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالْقَضَاءِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَالْأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا. وَإِنَّمَا قَالَ: " مَا فُعِلَ " وَلَمْ يَقُلْ: وَاجِبٌ ; لِيَشْمَلَ النَّوَافِلَ الْمُوَقَّتَةَ. وَقَوْلُهُ: " فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ " احْتِرَازٌ عَمَّا لَا وَقْتَ لَهُ، وَعَنِ الْقَضَاءِ.

стр. 329

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. لَنَا: إِثْمُ الْجَمِيعِ بِالتَّرْكِ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: [يَسْقُطُ] بِالْبَعْضِ. قُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ قَالُوا: كَمَا أُمِرَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ أُمِرَ بَعْضٌ مُبْهَمٌ. قُلْنَا: إِثْمٌ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ لَا يُعْقَلُ. قَالُوا: " فَلَوْلَا نَفَرَ ". قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُسْقَطِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قِيلَ: قَوْلُهُ " شَرْعًا " احْتِرَازٌ عَنِ الصَّلَاةِ الْفَاسِدَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا أَوَّلًا. وَحِينَئِذٍ يَخْتَصُّ الْحَدُّ بِالْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ مُقَيَّدٍ بِاسْمِ الْمُطْلَقِ، إِذَا غَلَبَ ذَلِكَ الْمُقَيَّدُ. وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا " - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " فُعِلَ " - احْتِرَازٌ عَنِ الْإِعَادَةِ. وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا، أَيْ بِالنَّظَرِ إِلَى [انْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ] لَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُسْتَدْرَكِ، سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ أَوْ لَا. فَقَوْلُهُ: " اسْتِدْرَاكًا " احْتِرَازٌ عَمَّا أَتَى بِهِ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، لَا بِقَصْدِ الِاسْتِدْرَاكِ. وَقَوْلُهُ: " لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ " احْتِرَازٌ عَنِ النَّوَافِلِ. وَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " احْتِرَازٌ عَنِ الْمَذَاهِبِ الْأُخَرِ. وَالْفِعْلُ إِذَا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ يُسَمَّى قَضَاءً. سَوَاءٌ أَخَّرَ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُ وَجُوبِهِ عَلَيْهِ الْأَدَاءَ عَمْدًا. كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا خَارِجَ الْوَقْتِ. أَوْ أَخَّرَهُ سَهْوًا.

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ نَاسِيًا ثُمَّ أَتَى بِهَا بَعْدَ وَقْتِهَا. وَسَوَاءٌ تَمَكَّنَ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ سَبَبُ الْوُجُوبِ مِنَ الْأَدَاءِ، كَالصَّوْمِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهِ لِمَانِعٍ مِنَ الْوُجُوبِ. إِمَّا شَرْعًا، كَصَوْمِ الْحَائِضِ. أَوْ عَقْلًا، كَصَلَاةِ النَّائِمِ. فَعَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْعِقَادِ سَبَبِ وُجُوبِهِ. وَقِيلَ: الْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِهِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ وَجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ. فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ. فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لَمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْأَدَاءُ. وَلَا يَكُونُ قَضَاءٌ عَلَى الْحَدِّ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبِ الْأَدَاءُ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ إِلَّا فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ ; لِأَنَّهُمَا شَهِدَا الْوَقْتَ. وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ الْفِعْلَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُمَا فَيَكُونُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا تَكْلِيفًا بِالْمُمْتَنِعِ. وَيَلْزَمُ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ النَّوَافِلَ لَا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إِلَّا مَجَازًا. وَالْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ. فَقَوْلُهُ: " فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ " يُخْرِجُ الْقَضَاءَ. وَقَوْلُهُ: " ثَانِيًا " يُخْرِجُ الْأَدَاءَ.

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَوْلُهُ: " لِخَلَلٍ " أَيْ لِفَوَاتِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ، احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى صَلَاةً مُسْتَجْمِعَةً لِشَرَائِطِ الصِّحَّةِ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي وَقْتِهِ ; فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى إِعَادَةً. وَقِيلَ: الْإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا لِعُذْرٍ. وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْخَلَلِ. فَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى صَلَاةً صَحِيحَةً مُنْفَرِدًا، إِعَادَةٌ عَلَى الثَّانِي، لَا تَكُونُ إِعَادَةً عَلَى الْأَوَّلِ. [الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ] ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الْمُقَدِّمَةِ شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ، وَذَكَرَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ الْوَاجِبِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ. اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُمْ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ، أَمْ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ وَالْأُخْرَى إِلَى الْآخَرِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ. لَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ [لَوْ] لَمْ يَكُنْ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ لَمَا أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مُؤَاخَذَةُ الْإِنْسَانِ بِتَرْكِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ الْخَصْمُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا عَلَى إِبْطَالِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ سَقَطَ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْجَمِيعِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مُجَرَّدُ اسْتِبْعَادٍ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ الْوُجُوبُ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.

стр. 333

ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَقِيمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ. وَبَعْضُهُمْ: الْوَاجِبُ: مَا يُفْعَلُ. وَبَعْضُهُمْ: الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ وَيَسْقُطُ بِهِ وَبِالْآخَرِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] [الْوَجْهُ] الثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ أَمْرُ الْمُكَلَّفِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَكَذَا يَجُوزُ أَمْرُ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ، قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَالْجَامِعُ تَعَدُّدُ مُتَعَلِّقِ الْوُجُوبِ مَعَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الْإِثْمُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مُمْكِنٌ مَعْقُولٌ. فَلِهَذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِلْوُجُوبِ. بِخِلَافٍ إِثْمِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ، فَلَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا لِلْوُجُوبِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِقْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ عَلَى كُلِّ فِرْقَةٍ أَنْ يَنْفِرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَتِلْكَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ بَعْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الطَّائِفَةَ كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَلَبَ الْفِقْهِ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُسْقِطُونَ الْوُجُوبَ بِالْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْجَمِيعِ. وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا، يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الطَّائِفَةَ عَلَى الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ دَلِيلِنَا، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ بِتَرْكِهِ.

стр. 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُسْقِطِينَ، لَمْ يَلْزَمْ بُطْلَانُ دَلِيلِنَا، وَلَا الْعَمَلُ بِالْآيَةِ. فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. [الواجب المخير] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، هَلْ هُوَ مُسْتَقِيمٌ أَمْ لَا. فَقَالَ الْأَصْحَابُ: نَعَمْ. وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا مَعْنَى لِلْإِيجَابِ مَعَ التَّخْيِيرِ ; فَإِنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْهَا وَاجِبٌ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ. ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَقْرِيرِ الْمَذَاهِبِ شَرَعَ فِي الِاحْتِجَاجِ، فَبَدَأَ بِإِثْبَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ. وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مِنْ جُمْلَتِهَا لَا بِعَيْنِهِ. لَنَا أَنْ نَقْطَعَ بِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَقْلًا، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ سَمْعًا. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ تَبْنِيَ هَذَا الْحَائِطَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَيْهُمَا فَعَلْتَ اكْتَفَيْتُ بِهِ. وَإِنْ تَرَكْتَ الْجَمِيعَ عَاقَبْتُكَ، وَلَسْتُ آمِرًا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، بَلْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَفْعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. فَهَذَا الْكَلَامُ مَعْقُولٌ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلْعِقَابِ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْجَمِيعُ مَأْمُورٌ بِهِ ; فَإِنَّهُ صَرَّحَ

стр. 336

ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا وُجُوبُ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ وَإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ. فَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ الْجَمِيعَ - لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُعَيِّنًا لِخُصُوصِ أَحَدِهِمَا - امْتَنَعَ التَّخْيِيرُ. ص: الْمُعْتَزِلَةُ: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ مِنْ حَيْثُ [إِنَّهُ] وَاجِبٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَيَنْتَفِي الْخُصُوصُ، [فَصَحَّ] إِطْلَاقُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ. ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا، مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا بِعَيْنِهِ، مُبْهَمًا - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. فَإِنْ تَعَدَّدَا - لَزِمَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ. وَإِنِ اتَّحَدَا - لَزِمَ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ. وَأُجِيبَ بِلُزُومِهِ فِي الْجِنْسِ وَفِي الْخَاطِبَيْنِ. وَالْحُقُّ أَنِ الَّذِي وَجَبَ لَمْ يُخَيَّرْ فِيهِ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. وَالتَّعَدُّدُ يَأْبَى كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا. كَمَا لَوْ حَرَّمَ وَاحِدًا وَأَوْجَبَ وَاحِدًا. ص - قَالُوا: يَعُمُّ وَيَسْقُطُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، كَالْكِفَايَةِ. قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ ثَمَّةَ عَلَى تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ، وَهَهُنَا بِتَرْكِ وَاحِدٍ. وَأَيْضًا: فَتَأْثِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِنَقِيضِهِ. وَلَا وَاحِدَ بِعَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّخْيِيرِ. فَلَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَأْمُورُ بِهِ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِيهِ، دَلَّ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ. وَأَيْضًا: وُجُوبُ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْكُفُوَيْنِ الْخَاطِبَيْنِ. وَوُجُوبُ إِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ أَرِقَّائِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْجَمِيعِ، لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْخَاطِبَيْنِ، وَإِعْتَاقَ جَمِيعِ الرِّقَابِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ تَزْوِيجَ وَاحِدٍ [بِخُصُوصِهِ] ، أَيْ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكَذَا إِعْتَاقُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، لَامْتَنَعَ التَّخْيِيرُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ضَرُورَةَ تَحْقِيقِ التَّخْيِيرِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِوُجُوبِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لَكَانَ مُوجِبًا لِنَقِيضِهِ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يُنَافِي التَّعْيِينَ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يُجَوِّزُ تَرْكَ الْمُعَيَّنِ وَالتَّعْيِينُ لَا يُجَوِّزُهُ. وَكُلُّ مَا كَانَ مُوجِبًا لِنَقِيضِهِ كَانَ مُمْتَنِعًا. ش - قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَكُلُّ مَجْهُولٍ لَا يُكَلَّفُ بِهِ ; لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الشُّعُورُ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ. وَأَيْضًا: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ وَاقِعٌ، فَهُوَ مُشَخَّصٌ، وَكُلُّ مُشَخَّصٍ مُعَيَّنٌ، وَكُلُّ مَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُحَالٌ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ [مُعَيَّنٌ] مِنْ

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبٌ [وَهُوَ] مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَيَنْتَفِي [خُصُوصُهُ] أَيْ تَعَيُّنُهُ الشَّخْصِيُّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، لَا بِعَيْنِهِ فَصَحَّ إِطْلَاقُ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ انْتِفَاءِ [خُصُوصِهِ] الشَّخْصِيِّ، وَإِطْلَاقِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَاجِبًا. فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَيَصِحُّ وُقُوعُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ بِهِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاحِدٌ، لَا بِعَيْنِهِ.

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ مُبْهَمًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ; فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ [فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ [وَاحِدًا، يَكُونُ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا. وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ التَّالِي يَلْزَمُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا التَّخْيِيرَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ، وَإِمَّا اجْتِمَاعَ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ التَّالِي. أَمَّا لُزُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ; فَلِأَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاحِدَ الْمُخَيَّرَ فِيهِ، أَوْ غَيْرَهُ. فَإِنْ كَانَ الثَّانِي، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْوَاحِدِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ غَيْرَ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ [جَازَ] أَنْ يَخْتَارَ الْمُكَلَّفُ غَيْرَ الْوَاجِبِ، وَغَيْرُ الْوَاجِبِ يَجُوزُ تَرْكُهُ، فَيَجُوزُ أَنْ [لَا يَأْتِي] الْمُكَلَّفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ ; فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ يُنَافِي التَّخْيِيرَ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْمُتَنَافِيَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَازِمٌ عَلَيْكُمْ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ بِاعْتِنَاقِ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ أَرِقَّائِهِ. وَفِي صُورَةِ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ الْكُفُوَيْنِ. فَإِنَّ الْوَاجِبَ إِعْتَاقُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ، وَتَزْوِيجُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَكُلُّ مَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ صُورَةِ النِّزَاعِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَنْعُ إِلْزَامِيًّا لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ وَأَشَارَ إِلَى مَا هُوَ الْحَقُّ. فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ لَيْسَا بِوَاحِدٍ ; فَإِنَّ الَّذِي وَجَبَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. وَهُوَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ. وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ مُعَيَّنٌ ; لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ فِيهِ هُوَ [كُلُّ] وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ. هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: " لِعَدَمِ التَّعْيِينِ " مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " الَّذِي وَجَبَ ". وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ " فَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى [تَعَدُّدٍ] وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِي وَجَبَ مُتَعَيِّنٌ مِنْ حَيْثُ

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] هُوَ وَاحِدٌ، لَا تَعَدُّدَ فِيهِ. وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَدِّدٌ. قَوْلُهُ: " وَالتَّعَدُّدُ " إِشَارَةٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ فِيهِ لَا يَتَّحِدَانِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّخْيِيرَ يَتَعَدَّدَانِ. وَتُعَدُّدُ الْمُتَعَلِّقِينَ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَلِّقَانِ، أَيِ الْوَاجِبَ وَالْمُخَيَّرَ فِيهِ وَاحِدًا. كَمَا لَوْ حَرَّمَ الشَّارِعُ وَاحِدًا، وَأَوْجَبَ آخَرَ. فَإِنَّ تَعَدُّدَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَاهُمَا - أَيِ الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ - وَاحِدًا. وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ وَالْوَاجِبُ، التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ غَيْرُ وَاجِبٍ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ قِيَاسًا عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ عَنْهُمْ. وَالْجَامِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْوُجُوبِ مَعَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. وَوُرُودُ النَّصِّ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ لَا يُنَافِي عُمُومَ الْوُجُوبِ لِلْجَمِيعِ وَسُقُوطَهُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ، يَأْثَمُ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. وَهَهُنَا إِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ. فَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَقُلْ بِإِيجَابِ الْجَمِيعِ فِي الْمُخَيَّرِ. الثَّانِي: أَنَّ تَأْثِيمَ مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عِقَابُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَلَمْ يَكُنِ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. بِخِلَافِ تَأْثِيمِ الْمُكَلَّفِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ ; فَإِنَّهُ مَعْقُولٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ الْمُكَلَّفُ عَلَى أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ. قِيلَ عَلَى الثَّانِي: إِنَّ التَّأْثِيمَ بِتَرْكِ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ، غَيْرُ مَعْقُولٍ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.

стр. 343

بِخِلَافِ التَّأْثِيمِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ. ص - قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: يَعْلَمُهُ حَسْبَمَا أَوْجَبَهُ. وَإِذَا أَوْجَبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. ص - قَالُوا: عَلِمَ مَا يَفْعَلُ فَكَانَ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: فَكَانَ الْوَاجِبَ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْهَا لَا لِخُصُوصِهِ ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ سَوَاءٌ. ص - الْمُوَسَّعُ. الْجُمْهُورُ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَنَحْوِهِ وَقْتٌ لِأَدَائِهِ. الْقَاضِي: الْوَاجِبُ: الْفِعْلُ أَوِ الْعَزْمُ، وَيَتَعَيَّنُ آخِرًا. وَقِيلَ وَقْتُهُ أَوَّلُهُ. فَإِنْ أَخَّرَهُ - فَقَضَاءٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَفِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ إِذَا كَانَ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ أَحَدِهَا عَلَى التَّعْيِينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ أَحَدِهَا لَا بِعَيْنِهِ، [لَمْ يَلْزَمْ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ] . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَأْثِيمَ الْمُكَلَّفِ هَهُنَا بِتَرْكِ وَاحِدٍ ; فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ [لَمْ يَأْثَمْ] بَلِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ ; فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ، أَثِمَ بِهِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَعْلَمَهُ الْآمِرُ، وَكُلُّ مَا يَعْلَمُهُ الْآمِرُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَالْوَاجِبُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. بَيَانُ الصُّغْرَى أَنَّ الْآمِرَ طَالِبٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، أَعْنِي الْوَاجِبَ. وَمِنَ الْمُحَالِ طَلَبُ الْمَجْهُولِ.

стр. 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْكُبْرَى أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُتَمَيَّزٌ عَنْ غَيْرِهِ. وَكُلُّ مَا هُوَ مُتَمَيَّزٌ عَنْ غَيْرِهِ يَكُونُ مُتَعَيِّنًا. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْكُبْرَى. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ الْآمِرُ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآمِرَ يَعْلَمُ الْوَاجِبَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ. وَإِذَا أَوْجَبَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَجَبَ أَنْ يُعْلَمَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. وَكَوْنُ الْمَعْلُومِ مُتَعَيِّنًا بِاعْتِبَارِ تَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْفِعْلِ لَا يُنَافِي عَدَمَ تَعَيُّنِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا بِحَسَبِ النَّوْعِ، غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ بِحَسَبِ الشَّخْصِ. ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ.

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ مُتَعَيِّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوُجُوبُ تَعَلَّقَ بِهِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُعَيَّنًا، وَهُوَ مَا يَفْعَلُ الْمُكَلَّفُ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا، لَا بِعَيْنِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ [خُصُوصُهُ] ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَفَاوُتُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدُ الْمُكَلَّفِينَ وَاحِدًا مِنْهَا وَالْآخَرُ غَيْرَهُ، فَإِذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ هُوَ مَا فَعَلَهُ بِخُصُوصِهِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى ذَا الْمُكَلَّفِ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ تَفَاوُتُ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى السَّوَاءِ. [الواجب الموسع] ش - الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ رَاجِعٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ [إِلَى] الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ ; إِذِ الصَّلَاةُ الْمُؤَدَّاةُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ غَيْرُ الْمُؤَدَّاةِ فِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ الشَّخْصِ. وَالْوَاجِبُ هُوَ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ الْمُتَمَايِزَةِ بِالْأَوْقَاتِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا [لَا بِعَيْنِهِ، كَخِصَالِ] الْكَفَّارَةِ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ [تَابِعًا لِلْوَاجِبِ] الْمُخَيَّرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي [مَسْأَلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ. الْأَوَّلُ: أَنْ [يَكُونُ] الْفِعْلُ زَائِدًا عَلَى الْوَقْتِ. وَالتَّكْلِيفُ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِلَّا لِغَرَضِ الْقَضَاءِ كَمَا إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ [قَدْرُ] تَكْبِيرَةٍ.

стр. 347

بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: آخِرُهُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ - فَنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ -. الْكَرْخِيُّ: إِلَّا أَنْ يَبْقَى بِصِفَةِ الْمُكَلَّفِ فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. ص - لَنَا أَنَّ الْأَمْرَ قُيِّدَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ. فَالتَّخْيِيرُ وَالتَّعْيِينُ تَحَكُّمٌ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا - لَكَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِهِ مُقَدَّمًا.، فَلَا يَصِحُّ، أَوْ قَاضِيًا، فَيُعْصَى، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. ص - الْقَاضِي: ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ مُمْتَثِلٌ لِكَوْنِهَا صَلَاةً قَطْعًا، لَا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. وَوُجُوبُ الْعَزْمِ فِي كُلِّ [وَاجِبٍ] مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ. ص - الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا أَوَّلًا - عَصَى بِتَأْخِيرِهِ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ. قُلْنَا: التَّأْخِيرُ وَالتَّعْجِيلُ فِيهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، عَصَى اتِّفَاقًا. فَإِنْ لَمْ يَمُتْ ثُمَّ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ - فَالْجُمْهُورُ: أَدَاءٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهُ قَضَاءٌ. فَإِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ - فَبَعِيدٌ. وَيَلْزَمُهُ لَوِ اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ -[يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ. وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ فَمَاتَ فَجْأَةً - فَالتَّحْقِيقُ لَا يَعْصِي. بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ [وَكَانَ] مَقْدُورًا شَرْطًا وَاجِبٌ. وَالْأَكْثَرُ: وَغَيْرُ شَرْطٍ. كَتَرْكِ الْأَضْدَادِ فِي الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ ضِدٍّ فِي الْمُحَرَّمِ، وَغَسْلِ جُزْءِ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا. ص - لَنَا: لَوْ لَمْ يَجِبِ الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا. وَفِي غَيْرِهِ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَهُ - لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ تُعَلُّقُ الْوُجُوبِ لِنَفْسِهِ، وَلَامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِهِ، وَلَعَصَى بِتَرْكِهِ، وَلَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْيِ الْمُبَاحِ، وَلَوَجَبَتْ [نِيَّتُهُ] . ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ - لَصَحَّ دُونَهُ، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ. وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُسَاوِيًا لِلْوَقْتِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْمَضَيَّقُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ. وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا، وَنَحْوَهُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالْعَشَاءِ، وَقْتٌ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، إِمَّا بِلَا بَدَلٍ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - أَوْ مَعَ بَدَلٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْعَزْمُ. وَالْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، أَعْنِي الْعَزْمَ أَوِ الْفِعْلَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَقْتُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ وَأَتَى بِهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَهُوَ قَضَاءٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْوَقْتُ آخِرُهُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ، أَيْ أَتَى بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَمَا فَعَلَهُ نَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَوْقُوفَةٌ.

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ أَدْرَكَ الْمُصَلِّي آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ آخِرَ الْوَقْتِ، أَوْ أَدْرَكَ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَمَا قَدَّمَهُ نَفْلٌ.

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ، شَرَعَ فِي إِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَتَمَسَّكَ بِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا قُيِّدَ بِجَمِيعِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَخْصِيصِهِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ قَابِلًا لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ إِيجَابَ [إِيقَاعِ] ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الْمُكَلَّفِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ تَحَكُّمًا. وَكَذَا تَعْيِينُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ تَحَكُّمٌ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعْيِينِ وَلَا عَلَى التَّخْيِيرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ مُعَيَّنًا، لَتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ، لَكَانَ الْمُصَلَّى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مُقَدَّمًا، إِنْ أَتَى قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْجُزْءِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، أَوْ قَاضِيًا، إِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْجُزْءِ، فَيَكُونُ عَاصِيًا ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا بِالْعَمْدِ.

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ ; لِأَنَّهُمَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. ش - تَقْرِيرُ قَوْلِ الْقَاضِي إِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا جَازَ تَرْكُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَزْمُ بَدَلًا، لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ وَاجِبًا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ جَازَ تَرْكُهُ بِلَا بَدَلٍ. فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا أَعْنِي الْعَزْمَ أَوِ الْفِعْلَ، لَكَانَ الْفَاعِلُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهُمَا، لَا عَلَى التَّعْيِينِ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ إِنَّمَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا صَلَاةً بِخُصُوصِهَا قَطْعًا، وَإِلَّا لَجَازَ الْإِتْيَانُ بِالْعَزْمِ دُونَ الصَّلَاةِ. وَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَزْمِ غَيْرُ

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مَخْصُوصٍ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، بَلْ كُلُّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، أَيْ كُلُّ أَمْرٍ دِينِيٍّ، يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا ; لِقَوْلِهِ ﵇: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ". ش - قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفِعْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ [الْوَقْتِ] ، عَصَى الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَهُوَ عَاصٍ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَكَمَا [أَنَّ] تَارِكَ إِحْدَى الْخِصَالِ لَا يَعْصِي، إِذَا أَتَى بِالْبَاقِي، كَذَلِكَ تَارِكُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي إِذَا أَتَى بِهِ آخِرَ الْوَقْتِ.

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] [مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ] ش - الْمَسْأَلَةُ [الثَّالِثَةُ] فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ. الْقَائِلُونَ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ،

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عَصَى بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ بِلَا عُذْرٍ عِصْيَانٌ. فَإِنْ لَمْ يَمُتِ الْمُكَلَّفُ، ثُمَّ فَعَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ، [فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ ;] لِأَنَّهُ فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلًا [شَرْعًا] . وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِظَنِّهِ، فَيَكُونُ وُقُوعُهُ فِي الْآخِرِ وُقُوعَ الْوَاجِبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهِ، فَيَكُونُ قَضَاءً. وَالْمُصَنِّفُ زَيَّفَ قَوْلَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِكَوْنِهِ قَضَاءً: وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَا يُؤْتَى بِهِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ ; وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ الظَّنِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ ; فَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْبَيِّنَ خَطَؤُهُ لَا يُؤَثِّرُ. وَيُمْكِنُ تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ كُلٌّ مَكَانَ الْآخَرِ. فَوُجُوبُ نِيَّتِهِ يَكُونُ بَعِيدًا.

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ قَضَاءٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الْعِصْيَانَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ ظَنِّهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّنَّ يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الظَّنُّ مُعْتَبَرًا قَبْلَ ظُهُورِ الْخَطَأِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، فَبِتَرْكِهِ يَكُونُ عَاصِيًا. وَبَعْدَ ظُهُورِ الْخَطَأِ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَيَكُونُ الْوَقْتُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُلْزَمُ الْقَاضِي: لَوِ اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ انْقَضَى الْوَقْتُ، فَعَصَى بِالتَّأْخِيرِ. أَنَّهُ يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ خَطَأُ اعْتِقَادِهِ، قَضَاءً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ. فَوُقُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ عَلَى زَعْمِ الْقَاضِي. وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْصِيَ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ فِي الْبَاقِي مِنَ الْوَقْتِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مَا لَمْ يُتَعَمَّدْ بِالتَّرْكِ. وَلَا يَعْصِي إِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْوَقْتِ إِذَا ظَنَّ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ الْوَقْتِ دُخُولَهُ وَخُرُوجَهُ [لَوْ] لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ وَالتَّأْخِيرُ بِالْإِجْمَاعِ.
следующие страницы →