Полный текст (1 729 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ ; لِأَنَّهُمَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
ش - تَقْرِيرُ قَوْلِ الْقَاضِي إِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا جَازَ تَرْكُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْعَزْمُ بَدَلًا، لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ وَاجِبًا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ جَازَ تَرْكُهُ بِلَا بَدَلٍ. فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا.
تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَدَهُمَا أَعْنِي الْعَزْمَ أَوِ الْفِعْلَ، لَكَانَ الْفَاعِلُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهُمَا، لَا عَلَى التَّعْيِينِ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ إِنَّمَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا صَلَاةً بِخُصُوصِهَا قَطْعًا، وَإِلَّا لَجَازَ الْإِتْيَانُ بِالْعَزْمِ دُونَ الصَّلَاةِ. وَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَزْمِ غَيْرُ
стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَخْصُوصٍ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، بَلْ كُلُّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، أَيْ كُلُّ أَمْرٍ دِينِيٍّ، يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا ; لِقَوْلِهِ ﵇: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ".
ش - قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفِعْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ [الْوَقْتِ] ، عَصَى الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَهُوَ عَاصٍ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَكَمَا [أَنَّ] تَارِكَ إِحْدَى الْخِصَالِ لَا يَعْصِي، إِذَا أَتَى بِالْبَاقِي، كَذَلِكَ تَارِكُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي إِذَا أَتَى بِهِ آخِرَ الْوَقْتِ.
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ [الثَّالِثَةُ] فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ. الْقَائِلُونَ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ،
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَصَى بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ بِلَا عُذْرٍ عِصْيَانٌ.
فَإِنْ لَمْ يَمُتِ الْمُكَلَّفُ، ثُمَّ فَعَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ، [فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ ;] لِأَنَّهُ فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلًا [شَرْعًا] .
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ بِظَنِّهِ، فَيَكُونُ وُقُوعُهُ فِي الْآخِرِ وُقُوعَ الْوَاجِبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهِ، فَيَكُونُ قَضَاءً. وَالْمُصَنِّفُ زَيَّفَ قَوْلَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِكَوْنِهِ قَضَاءً: وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَا يُؤْتَى بِهِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ ; وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ الظَّنِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ ; فَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ الظَّنَّ الْبَيِّنَ خَطَؤُهُ لَا يُؤَثِّرُ.
وَيُمْكِنُ تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ كُلٌّ مَكَانَ الْآخَرِ. فَوُجُوبُ نِيَّتِهِ يَكُونُ بَعِيدًا.
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ قَضَاءٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الْعِصْيَانَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ ظَنِّهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الظَّنَّ يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا الظَّنُّ مُعْتَبَرًا قَبْلَ ظُهُورِ الْخَطَأِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، فَبِتَرْكِهِ يَكُونُ عَاصِيًا. وَبَعْدَ ظُهُورِ الْخَطَأِ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَيَكُونُ الْوَقْتُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُلْزَمُ الْقَاضِي: لَوِ اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ انْقَضَى الْوَقْتُ، فَعَصَى بِالتَّأْخِيرِ. أَنَّهُ يَكُونُ مَا فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ خَطَأُ اعْتِقَادِهِ، قَضَاءً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ.
فَوُقُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ عَلَى زَعْمِ الْقَاضِي.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْصِيَ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ فِي الْبَاقِي مِنَ الْوَقْتِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مَا لَمْ يُتَعَمَّدْ بِالتَّرْكِ. وَلَا يَعْصِي إِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الْوَقْتِ إِذَا ظَنَّ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ الْوَقْتِ دُخُولَهُ وَخُرُوجَهُ [لَوْ] لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ وَالتَّأْخِيرُ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرْنَا فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ لَفْظِهِ " أَنَّهُ " [عَنْ] أَوَّلِ قَوْلِهِ: " يَعْصِي " وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ فَمَاتَ فَجْأَةً فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي ; إِذِ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَاقِبَةِ. وَإِذَا كَانَ تَرْكُهُ جَائِزًا فَكَيْفَ يَعْصِي بِهِ. وَأَيْضًا أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى عَدَمِ الْعِصْيَانِ.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّمَا جُوِّزَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ. فَإِذَا سَأَلْنَا وَقَالَ الْعَاقِبَةُ مَسْتُورَةٌ، وَأُرِيدَ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِيَ التَّأْخِيرُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعَاقِبَةِ، أَوْ أَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَوَابٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْصِي، فَلَمْ يَأْثَمْ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَعْصِي فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ.
стр. 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ قُلْنَا: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَمُوتُ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَأَنْتَ فِي الْحَالِ عَاصٍ بِالتَّأْخِيرِ. وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَعِيشُ إِلَى الْآخِرِ، فَلَكَ التَّأْخِيرُ. فَيَقُولُ: وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا فَتْوَاكُمْ فِي حَقِّ الْجَاهِلِ؟ فَلَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ بِالتَّحْلِيلِ أَوِ التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ بِالتَّأْخِيرِ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ بَقِيَ أَوْ لَمْ يَبْقَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ كَالْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَمَاتَ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ ; لِأَنَّ الْبَقَاءَ إِلَى سَنَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِغَالِبٍ إِلَى الظَّنِّ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ إِلَى سَنَةٍ
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أُخْرَى. وَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّوْمِ إِلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْمَوْتُ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى الْبَقَاءَ إِلَى السَّنَةِ الثَّانِيَةِ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ فِي حَقِّ الشَّابِّ الصَّحِيحِ دُونَ الشَّيْخِ.
[مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ اعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ أَمْ لَا.
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ، وَكَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، وَالرِّجْلِ فِي الْمَشْيِ، وَحُضُورِ الْإِمَامِ الْجُمُعَةَ، وَحُضُورِ تَمَامِ الْعَدَدِ. فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ وَاجِبَةً، بَلْ عَدَمُهَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
الْأَوَّلُ - وَهُوَ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا شَرْعِيًّا لِلْوَاجِبِ، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ. أَوْ لَا يَكُونَ شَرْطًا شَرْعِيًّا. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ يُوجِبُ الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ دُونَ غَيْرِهِ.
وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ وُجُوبَ الشَّرْطِ، يُوجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ، سَوَاءٌ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ سَبَبًا، كَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ، أَوْ غَيْرَ سَبَبٍ.
أَمَّا تَرْكُ ضِدِّ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِهِ، أَوْ طَرِيقٍ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ الْوَجْهِ إِلَّا بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، أَوْ طَرِيقٍ إِلَى الْعِلْمِ [بِإِتْيَانِ] الْوَاجِبِ، كَالْإِتْيَانِ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ إِذَا تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا بِعَيْنِهَا.
стр. 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا. أَيْ وُجُوبُ الشَّيْءِ مُطْلَقًا لَا يُوجِبُ وُجُوبَ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرْطِ وَغَيْرِهِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ، أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِنْ كَانَ شَرْطًا، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ شَرْطٍ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ وَاجِبًا، لَمْ يَكُنْ هُوَ شَرْطًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، جَازَ تَرْكُهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الشَّيْءِ مُقَيَّدًا بِوَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ.
وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُمْكِنَ الْحُصُولِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ أَوْ لَا.
стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي بَاطِلٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَيَتَحَقَّقُ الْأَوَّلُ، فَلَا يَكُونُ شَرْطًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ مِمَّا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ، أَيِ الْأَمْرِ لِغَيْرِ الشَّرْطِ ; لِاسْتِحَالَةِ إِيجَابِ الشَّيْءِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلشَّيْءِ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْوُجُودِ مَعَ مَنْعِ النَّقِيضِ بِغَيْرِ الشَّرْطِ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ أَوْ لِنَفْسِ ذَلِكَ الْغَيْرِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمَا; لِتَوَقُّفِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِمَلْزُومِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الطَّلَبَ لَا يُعْقَلُ تَعَلُّقُهُ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْمَطْلُوبِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِ وُجُوبِهِ، أَيِ امْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ غَيْرَ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الْوَاجِبِ مُسْتَلْزِمًا لِوُجُوبِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ غَسْلَ الْوَجْهِ، وَمَا أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ غَسْلَ شَيْءٍ مِنَ الرَّأْسِ.
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مُسْتَلْزِمًا لِوُجُوبِ غَيْرِ الشَّرْطِ، لَعَصَى الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ.
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ تَارِكَ الصَّوْمِ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَرْكِ الصَّوْمِ، لَا بِتَرْكِ إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ وُجُوبَهُ، لَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْيِ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِمَا سَنَذْكُرُهُ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُبَاحَ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَمَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ يَكُونُ وَاجِبًا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَاجِبًا لَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَعَقُّلِ الْمُوجِبِ لَهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْوُجُوبُ بِالْأَصَالَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بِالتَّبَعِيَّةِ فَلَا. سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ أَرَادَ بِالتَّعَلُّقِ لِنَفْسِهِ: [التَّعَلُّقَ] بِالْأَصَالَةِ، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي ; فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَتْ بِالْأَصَالَةِ بَلْ بِالْفَرْعِيَّةِ ; لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِمَلْزُومِهَا أَوَّلًا، وَبِوَاسِطَةِ الْمَلْزُومِ يَتَعَلَّقُ بِهَا.
стр. 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ الْفَرْعِيِّ بِالْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ، فَمَنْعُهُ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ الْوُجُوبَ الْأَوَّلَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ نَشَأَ مِنْهُ الْوُجُوبُ الثَّانِي، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ الثَّانِي الْفَرْعِيُّ بِالْمُقَدَّمَاتِ لِذَاتِهِ. وَأَيْضًا فَمَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ غَسْلَ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ; إِذِ الْوُجُوبُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، دُونَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَا الْقَادِرِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ فِي صُورَةِ الْقَادِرِ، وَنَفْيُ التَّالِي فِي صُورَةِ الْعَاجِزِ.
وَبِهِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَلَى الرَّابِعِ. وَيُقَالُ عَلَى الرَّابِعِ أَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ نَفْيَ اللَّازِمِ ; فَإِنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ الْوَاجِبِ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالذَّاتِ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ فَيَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِصْيَانِ. عَلَى أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِوُجُوبِ الشَّرْطِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُ الْمُبَاحِ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِفِعْلِ الْمُبَاحِ. أَمَّا إِذَا حَصَلَ بِغَيْرِهِ فَلَا ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُقَدِّمَةً لِلْوَاجِبِ.
وَعَنِ السَّادِسِ: لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ غَيْرُ الشَّرْطِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَقْصُودًا بِالْعَرَضِ فَلَا.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ مَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا أَوْ غَيْرَهُ، قَدْ تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَصَحَّ الْفِعْلُ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْوَاجِبِ يَكُونُ آتِيًا بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ صَحِيحًا دُونَهُ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ. وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ بَاطِلًا كَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ دُونَ بَاطِلًا. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، شَرْطًا كَانَ
стр. 364
وَأُجِيبَ: إِنْ أُرِيدَ بِـ " لَا يَصِحُّ " وَ " وَاجِبٌ " لَا بُدَّ مِنْهُ - فَمُسَلَّمٌ. وَإِنْ أُرِيدَ مَأْمُورٌ بِهِ - فَأَيْنَ دَلِيلُهُ؟ [وَإِنْ سُلِّمَ الْإِجْمَاعُ فَفِي] الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَوْ غَيْرَهُ، لَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ " لَا يَصِحُّ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى، وَبِقَوْلِهِمْ: " وَجَبَ التَّوَصُّلُ بِهِ إِلَى الْوَاجِبِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ، فَنَفْيُ التَّالِي مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ بُدٌّ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُمْ عَلَى هَذَا.
وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، لَا لِنَفْسِ وُجُوبِ الْفِعْلِ.
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَمَّا أَوَّلًا ; فَلِأَنَّهُ كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا ; فَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهَا يَجِبُ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى الْوَاجِبِ دُونَ غَيْرِهَا، تَحَكُّمٌ مَحْضٌ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
بَيَانُهُ أَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، إِيجَابٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; فَإِنْ
стр. 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِوُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِهِ حَالَ عَدَمِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّكْلِيفِ بِهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يُوجِبُ عَدَمَهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ إِيجَابَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْحَالَةُ الَّتِي عُدِمَتْ فِيهَا الْمُقَدِّمَةُ، فَيَلْزَمُ إِيجَابُهُ حَالَ الْمُقَدِّمَةِ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ.
وَأَيْضًا عَدَمُ إِيجَابِ الْمُقَدِّمَةِ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ عَدَمَهَا، لَكِنَّهُ يُجَوِّزُهُ فَيُلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمُحَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِيجَابَهُ مُطْلَقًا يَسْتَدْعِي إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ تَقَيُّدُهُ بِوَقْتِ حُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِوُرُودِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
قُلْتُ: يَلْزَمُكَ أَيْضًا خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّكَ تُوجِبُ الْمُقَدِّمَةَ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ إِيجَابِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ.
فَالْجَوَابُ، أَنَّ إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ أَمْرٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. فَلَمْ يَكُنْ خِلَافَ الظَّاهِرِ. التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يَنْفِيهِ اللَّفْظُ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَتَقْيِيدُهُ بِوَقْتِ
стр. 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وُجُوبِ الشَّرْطِ يُنَافِيهِ، فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ رَفْعُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّفْظُ. وَمَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، لَا يَكُونُ إِثْبَاتُهُ وَنَفْيُهُ مُخَالَفَةً لِلظَّاهِرِ.
[تحريم وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَاجِبِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْحَرَامِ، وَذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ. الْأُولَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ أَمْ لَا.
فَقَالَ الْأَصْحَابُ: نَعَمْ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا.
لَنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ عَقْلًا ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِغُلَامِهِ: لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكَ كَلَامَ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكَ كَلَامَهُمَا جَمِيعًا، وَلَا كَلَامَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. فَلَيْسَ الْمُحَرَّمُ مَجْمُوعَ كَلَامِهِمَا، وَلَا كَلَامَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ; لِتَصْرِيحِهِ بِنَقِيضِهِ. فَلَمْ يَبْقَ الْمُحَرَّمُ إِلَّا كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَطَرِيقُ الْخَصْمِ فِي الِاعْتِرَاضِ وَطَرِيقُنَا فِي الْجَوَابِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
[استحالة كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا حَرَامًا أَمْ لَا. الْوَاحِدُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ أَوْ بِالشَّخْصِ. وَالْأَوَّلُ كَالسُّجُودِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَفْعَالِ، ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامًا، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ. وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ. فَإِنْ كَانَ ذَا جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا حَرَامًا لِتَنَافِيهَا، إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِهِ شَرْعًا لَا عَقْلًا فَلَا يُجَوِّزُونَهُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
стр. 368
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - فَالْجُمْهُورُ: [تَصِحُّ] .
وَالْقَاضِي: [لَا تَصِحُّ] وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا.
وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ: [لَا تَصِحُّ،] وَلَا يَسْقُطُ.
ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ وَعِصْيَانِهِ بِأَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ وَنَهْيِهِ عَنْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ لِلْجِهَتَيْنِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَكَانَ لِاتِّحَادِ الْمُتَعَلِّقِينَ ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ اتِّفَاقًا، وَلَا اتِّحَادَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلصَّلَاةِ وَالنَّهْيَ لِلْغَصْبِ.
وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ [جَمْعَهُمَا] لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ ; لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْكَوْنُ مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ ; لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمْ [لَمْ يَأْمُرُوهُمْ] بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ذَاتُ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهَا صَلَاةً، وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهَا غَصْبًا. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ مَعْقُولَةٌ بِدُونِ الْأُخْرَى. فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إِذَا أَتَى بِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الصَّلَاةِ لَا بِهَا.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَلَا يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّلَبُ.
стр. 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَقْرِيرِ الْأَقْوَالِ، شَرَعَ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ، وَبَيَّنَهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا. كَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ. فَإِنَّهُ إِذَا خَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، نَقْطَعُ بِطَاعَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ، وَبِمَعْصِيَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ فِي الدَّارِ. فَيَكُونُ فِعْلُ الْخِيَاطَةِ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَتَيْنِ.
فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَأْمُورًا بِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا، كَانَ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِاتِّحَادِ مُتَعَلِّقِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; إِذْ لَا اتِّحَادَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِمَا ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ، وَمُتَعَلِّقَ النَّهْيِ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ. وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا، حَتَّى يَتَّحِدَّ الْجِهَتَانِ.
وَقَدْ قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، صَارَتْ هَيْئَةُ الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا بِدُونِهَا، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَنْهِيًّا عَنْهَا، فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَأَيْضًا: الْخِيَاطَةُ، إِنْ أُمِرَ بِهَا كَيْفَ كَانَتْ فَلَا يَكُونُ شَغْلُ الْحَيِّزِ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ نَظِيرًا لِمُتَنَازَعٍ فِيهِ.
стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ أُمِرَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَمُنِعَ الْعَبْدُ عَنْ شُغْلِ الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ وَاشْتَغَلَ بِالْخِيَاطَةِ فِيهَا فَهَذِهِ الْخِيَاطَةُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا، وَلَكِنْ يُعَدُّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا; لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا كَلَامَ فِي التَّغَايُرِ، بَلِ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْجَمْعَ أَوْجَبَ لِلصَّلَاةِ هَيْئَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا مَنَعَتْ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مَأْمُورًا بِهَا. وَمَا ذَكَرْتَ لَا يَدْفَعُهُ.
وَقِيلَ عَلَى الثَّانِي أَيْضًا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَحَدُ أَجْزَائِهَا: الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ. وَهَذَا الْكَوْنُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ كَوْنٌ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ الْجُزْءُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، يَكُونُ الْكُلُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ مَأْمُورًا بِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلَاةٌ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مُطْلَقًا. وَالْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لَهَا بَعْدَ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، لَا يَكُونُ نَهْيُهَا مُوجِبًا لِنَهْيِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ [لَهَا] ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ. وَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ غَيْرَ مَنْهِيٍّ، وَقَدْ أَتَى بِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَالْمُقَيُّدُ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ الْعَبْدَ بِالْخِيَاطَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَنَهَاهُ عَنْ شَغْلِهِ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ وَقَالَ: إِنِ ارْتَكَبْتَ النَّهْيَ ضَرَبْتُكَ، وَإِنِ امْتَثَلْتَ
стр. 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَمْرَ أَعْتَقْتُكَ، فَخَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ، فَيَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَضْرِبَهُ وَيُعْتِقَهُ، وَيَقُولُ: أَطَاعَ بِالْخِيَاطَةِ وَعَصَى بِدُخُولِ الدَّارِ. فَالْخِيَاطَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ خِيَاطَةٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهَا قَطْعًا.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعِدُ الْعَبْدَ مُمْتَثِلًا لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ لَا يُعَدَّ مُمْتَثِلًا، بَلِ الْمَنْعُ عَنْ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَوُرُودُ الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِعَدَمِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ لَا يَكُونُ مُوجِبًا. وَأَيًّا مَا كَانَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ خِيَاطَةِ الْعَبْدِ وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فِي كَوْنِهِمَا وَاقِعِينَ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ غَيْرَ وَاقِعَيْنِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا يُعْرَفُ جَوَابُ مَا قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ.
стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِيهَا، كَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْحَمَّامِ، صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَكَذَا الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ صَوْمٌ مَكْرُوهٌ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ، لَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ ضِدًّا لِلْوُجُوبِ، تَكُونُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا ضِدًّا لَهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَوْنَ، أَيِ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْوُجُوبُ، وَالْكَرَاهَةُ إِنِ اتَّحَدَ، مَنَعَ انْتِفَاءَ التَّالِي ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ تَكُونُ جِهَةُ وُجُوبِهَا وَكَرَاهَتِهَا مُتَّحِدَةً، وَلَا ثُبُوتَ صَوْمٍ كَذَلِكَ.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ يَتَّحِدِ الْكَوْنُ، أَيِ الْجِهَةُ الْمَذْكُورَةُ، لَمْ يُفِدِ الدَّلِيلُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ حِينَئِذٍ رَاجِعٌ إِلَى وَصْفِ جَائِزِ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّعَرُّضُ لِنِفَارِ الْإِبِلِ فِي أَعْطَانِهَا، وَلِحَظْرِ السَّيْلِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَلِخَوْفِ الرَّشَاشِ فِي الْحَمَّامِ.
стр. 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إِلَى الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ بِهَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ الْمُتَغَايِرَتَيْنِ. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهَا - وَهِيَ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - لَا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ثُبُوتِ اجْتِمَاعِ الْكَرَاهَةِ وَالْوُجُوبِ ثُبُوتُ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ.
قِيلَ: إِنَّ جِهَةَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، هِيَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، وَكَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخَّصَةِ لَكِنْ جَائِزَةُ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ. وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ وَبَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ، وَصْفٌ مُنْفَكٌّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ، بِخِلَافِ الْوَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ هُوَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا الْمُشَخِّصَةُ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً لَمْ يُمْكِنِ الْإِتْيَانُ بِهَا، [إِتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ،] وَالتَّكْلِيفُ كَيْفَ يَسْقُطُ بِعَدَمِ إِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِمَا قَالَ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَرَاضِي الْمَغْصُوبَةِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ خَالَفَ الْفُقَهَاءَ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَالَغَ فِي تَفْتِيشِ النَّقْلِيَّاتِ، وَمَعَ مُخَالَفَتِهِ كَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ.
ش - قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ، أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ أَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ. وَالْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً لَكَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَوْنُ مَأْمُورًا بِهِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ وَاحِدًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ لَوْ صَحَّتْ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ لَهُ جِهَتَانِ: إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الصَّلَاةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْغَصْبِ. وَلَا شَكَّ فِي تَغَايُرِ الْجِهَتَيْنِ وَجَوَازِ انْفِكَاكِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ.
قِيلَ: لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ لَمْ تَنْفَكَّ فِيَ الْخَارِجِ عَنِ الْجِهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَمَلْزُومُ الْمَنْهِيِّ مَنْهِيٌّ. فَهَذِهِ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَنْهِيَّةٌ، فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَنْفَكَّ فِي الْخَارِجِ عَنْ
стр. 375
وَرُدَّ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ.
ص - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتْ - لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ ; لِأَنَّ الْكَوْنَ وَاحِدٌ، [وَهُوَ غَصْبٌ] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 376
وَأُجِيبَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ بِمَا سَبَقَ.
ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّتِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ جِهَتَانِ. أَوْ بِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
ص - وَأَمَّا مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً - فَحَظُّ الْأُصُولِيِّ فِيهِ بَيَانُ اسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ، وَخَطَأِ أَبِي هَاشِمٍ.
وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ - قُطِعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ بِشَرْطِهِ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ، وَلَا نَهْيَ بَعِيدٌ. وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ. خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ.
لَنَا أَنَّهُ طَاعَةٌ. وَأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَمْرَ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْجِهَةِ الْمَنْهِيَّةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمَنْهِيَّةَ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا، وَالصَّلَاةُ تَجُوزُ [انْفِكَاكُهَا] عَنْ كَوْنِ الْفِعْلِ غَصْبًا.
ش - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ عِلَّةَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَعَدُّدُ الْجِهَةِ، وَتَعَدُّدُ الْجِهَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَلْزَمُ صِحَّةُ الصَّوْمِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُومِ عَنِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِحْدَاهُمَا الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَصَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْعَامِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جِهَتَانِ يَجُوزُ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، فَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ
стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالنَّهْيَ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُمَا بِشَيْءٍ ذِي جِهَتَيْنِ، إِذَا جَازَ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ. وَالْجِهَتَانِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ جَازَ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ لِلْأَمْرِ هِيَ الصَّلَاةُ، وَالْجِهَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ لِلنَّهْيِ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا. وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ الصَّلَاةُ بِدُونِ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَكَذَا كَوْنُ الْفِعْلِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ. فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الْفَرْقِ.
الثَّانِي: أَنَّ [نَهْيَ] صَوْمِ النَّحْرِ نَهْيَ التَّحْرِيمِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ ; لِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي الِانْتِهَاءَ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَاعْتِبَارُ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
فَإِذًا لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ فِي نَهْيِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَلَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ اعْتِبَارِ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ الْغَصْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: " مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
стр. 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
اعْتُبِرَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَغْصُوبَةِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْإِجْمَاعَ.
وَقِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَوْقَعَتْ فِيهَا.
وَعَلَى الثَّانِي إِنَّ الدَّلِيلَ كَمَا دَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ النَّحْرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ وُجُوبِ الصَّوْمِ. وَنَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيِ الْعِيدِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ يَوْمِ الْعِيدِ ; فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: إِنَّ لِصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ جِهَتَيْنِ، كَمَا لِلصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ: إِحْدَاهُمَا: الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى: إِيقَاعُهُ فِي ذَلِكَ
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْيَوْمِ. فَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَحِينَئِذٍ لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، لَصَحَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزِ انْفِكَاكُ الْغَصْبِ، الَّذِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهِ، عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُتَصَوَّرِ [انْفِكَاكُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَنْ صَوْمٍ] . بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْغَصْبِ فَالْغَصْبُ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ.
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ إِثْبَاتِ كَوْنِ مِثْلِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا.
وَحَظُّ الْأُصُولِيِّ بَيَانُ اسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدَةِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَذَلِكَ فَلَا حَظَّ لِلْأُصُولِيِّ فِيهِ، بَلْ أَمْرُهُ مَوْكُولٌ إِلَى نَظَرِ الْفَقِيهِ.
فَمَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً، فَلَا حَظَّ لِلْأُصُولِيِّ فِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، بَلْ حَظُّ الْأُصُولِيِّ فِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ اسْتِحَالَةَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا لَيْسَ لَهُ جِهَتَانِ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِإِحْدَاهُمَا وَالنَّهْيُ بِالْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ حَظُّ الْأُصُولِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ خَطَأَ أَبِي هَاشِمٍ لَاسْتَلْزَمَ مَذْهَبُهُ كَوْنَ الْخُرُوجِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا هَاشِمٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِالْخُرُوجِ وَالْإِقَامَةِ مَعًا. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ الْإِقَامَةَ إِذَا كَانَتْ عِصْيَانًا، تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، فَيَكُونُ الْخُرُوجُ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ، يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ، لَكِنْ بِشَرْطِ نَفْيِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ عَنِ الْغَضَبِ. فَإِنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِالْخُرُوجِ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَمْ يَنْتَفِ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ.
أَمَّا لَوْ قَصَدَ الْخُرُوجَ عَنِ الْغَضَبِ انْتَفَى الْمَعْصِيَةُ ; لِكَوْنِ الْخُرُوجِ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَكُونُ مَعْصِيَةً.
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَيَّنُ الْخُرُوجُ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا لِلْأَمْرِ، وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَلَكِنْ يَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ ; إِذِ الْمُوجِبُ لِلْمَعْصِيَةِ هُوَ الْغَضَبُ، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ.
وَاسْتَبْعَدَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ الْإِمَامِ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقِ النَّهْيُ بِالْخُرُوجِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً.
قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ الْإِمَامِ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " بَعِيدٌ " خَبَرُهُ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ " إِشَارَةٌ إِلَى دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ مِنْ جِهَتَيْنِ، كَمَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا جِهَتَيْنِ لِلْخُرُوجِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ بِالْخُرُوجِ لَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ لِلْخُرُوجِ جِهَتَانِ لَمْ يَتَعَذَّرْ الِامْتِثَالُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
[هل الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْحَرَامِ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمَنْدُوبِ وَذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ. الْمَنْدُوبُ لُغَةً: الْمَدْعُوُّ لِمُهِمٍّ، مِنَ النَّدْبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ. وَفِي الشَّرْعِ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ النَّدْبُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْمَنْدُوبِ مَأْمُورًا بِهِ. فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَالْبَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ بِوَجْهَيْنِ:
стр. 383
قَالُوا: لَوْ كَانَ - لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّهَا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَمَا صَحَّ: " لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ". قُلْنَا: الْمَعْنَى أَمْرُ الْإِيجَابِ فِيهِمَا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَنْدُوبُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ، خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ. وَهِيَ لَفْظِيَّةٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، كَالْمَنْدُوبِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : يُطْلَقُ الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ، وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا. وَعَلَى مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ [فِيهِمَا] وَعَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ [فِيهِمَا] بِالِاعْتِبَارَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا أَنَّهَا خِطَابُ الشَّارِعِ. قَالُوا: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَلَا تَرْجِيحَ.
ص -[قَالَ] : كُلٌّ مُبَاحٍ تَرْكُ حَرَامٍ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
[وَتَأَوَّلَ] الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْدُوبَ طَاعَةٌ، وَكُلُّ مَا هُوَ طَاعَةٌ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الصُّغْرَى فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّ الطَّاعَةَ تُقَابِلُ الْمَعْصِيَةَ، وَالْمَعْصِيَةُ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، فَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ; وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ مُطَاعُ الْأَمْرِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ وَإِلَى أَمْرِ نَدْبٍ. وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالطَّاعَةِ: مَا يُتَوَقَّعُ الثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، فَالصُّغْرَى مُسَلَّمَةٌ، وَالْكُبْرَى مَمْنُوعَةٌ; لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تُقَابِلُ الْمَعْصِيَةَ ; لِأَنَّ تَارِكَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالطَّاعَةِ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالْكُبْرَى مُسَلَّمَةٌ، لَكِنَّ الصُّغْرَى مَمْنُوعَةٌ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَقِيقَةِ لِلْوُجُوبِ. فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى النَّدْبِ [كَانَ] مَجَازًا. وَنَحْنُ نَمْنَعُ إِطْلَاقَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْمَنْدُوبِ بِالْحَقِيقَةِ، وَنُسَلِّمُ إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِ بِالْمَجَازِ.
قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ وَمَنْ يَحْذُو حَذْوَهُمَا: إِنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لِوَجْهَيْنِ:
стр. 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ: مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ وَإِلَّا لَاسْتَحَقَّ النَّارَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ ﵇: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» " وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى سَلْبِ الْأَمْرِ عَنِ السِّوَاكِ، فَلَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ كَانَ السِّوَاكُ - لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا بِالِاتِّفَاقِ - مَأْمُورًا بِهِ، فَلَا يَكُونُ سَلْبُ الْأَمْرِ عَنْهُ صَحِيحًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ الْأَمْرَ: الَّذِي يَكُونُ مُخَالَفَتُهُ مَعْصِيَةً، وَالْأَمْرُ الْمَسْلُوبُ عَنِ السِّوَاكِ أَمْرُ الْإِيجَابٍ، لَا مُطْلَقَ الْأَمْرِ.
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ أَنْ [لَا] يَكُونَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
[هل المندوب تكليف]
ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْمَنْدُوبَ هَلْ يَكُونُ تَكْلِيفًا أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّهُ تَكْلِيفٌ.
وَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ النِّزَاعُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ لِفَظِّ التَّكْلِيفِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّكْلِيفِ: مَا يَتَرَجَّحُ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ، فَالْمَنْدُوبُ تَكْلِيفٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ طَلَبًا يَمْنَعُ النَّقِيضَ، فَهُوَ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ.
[كون الْمَكْرُوهُ مَنْهِيّا عَنْهُ]
ش - ذِكْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَكْرُوهِ. وَالْمَكْرُوهُ لُغَةً ضِدُّ الْمَحْبُوبِ. وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
تَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ، كَمَا سَبَقَ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْمَكْرُوهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَالْخِلَافِ فِي الْمَنْدُوبِ فِي كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مُكَلَّفًا.
وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْكَلَامِ فِي الطَّرَفَيْنِ تَزْيِيفًا وَاخْتِيَارًا.
وَيُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
[إطلاق الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ]
ش - ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمُبَاحِ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ مَفْهُومِ الْمُبَاحِ وَالْجَائِزِ.
الْمُبَاحُ لُغَةً: الْمُعْلَنُ وَالْمَأْذُونُ، مِنَ الْإِبَاحَةِ. وَفِي الشَّرْعِ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعْلَقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ. وَالْجَائِزُ فِي اللُّغَةِ: الْعَابِرُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ: عَلَى الْمُبَاحِ الشَّرْعِيِّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ شَرْعًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ عَقْلًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ الْخَاصَّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَهُوَ
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ " وَهُوَ الْمُمْكِنُ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ أَخَصَّ مِمَّنْ قَبْلَهُ.
وَعَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ، وَبِاعْتِبَارِ الِاسْتِوَاءِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَائِزَ يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ شَرْعًا. وَفِي الْعَقْلِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا، وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ عَقْلًا.
[الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
قَالَ الْبَاقُونَ: الْإِبَاحَةُ: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
وَالْحُقُّ أَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ لَفْظِيٌّ.
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ أُرِيدَ الْإِبَاحَةُ: عَدَمُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَا حُكَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ مِنَ الشَّرْعِ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
[كون الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ لَا. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا. وَالْكَعْبِيُّ: نَعَمْ.
دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَبُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.
ش - قَالَ الْكَعْبِيُّ: الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ.
أَمَّا الْكُبْرَى فَبِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ ; إِذْ مَا مِنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ إِلَّا وَيَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَتِهِ تَرْكُ حَرَامٍ مَا. وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. وَلَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْكُ، فَيَكُونُ الْمُبَاحُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبًا ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ: " الْمُبَاحُ تَرْكُ حَرَامٍ " عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ يَحْصُلُ بِالْمُبَاحِ لَا نَفْسَهُ.
وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: " وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ " وَجْهٌ.
" وَتَأَوُّلُ الْإِجْمَاعِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْكَعْبِيِّ. تَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ وَاجِبٌ، يَقْتَضِي كَوْنَ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، الَّتِي تَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ، أَرْبَعَةً ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُبَاحِ وَاجِبًا حِينَئِذٍ. وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ: وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ، وَمُبَاحٍ، وَمَكْرُوهٍ، وَمُحَرَّمٍ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ بَاطِلًا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهَا، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ - تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمُبَاحُ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ - لَمْ يَخْرُجْ عَنْ
стр. 390
ص - وَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ: [الْأَوَّلُ] أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا [فَعَلَهُ] فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا.
الثَّانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.
ص - وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ [مِنْ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ] فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
ص - قَوْلُ الْأُسْتَاذِ: " الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ " بَعِيدٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَلْ هُمَا نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ جِنْسُهُ - لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ التَّخْيِيرَ.
قَالُوا: مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ.
قُلْنَا: تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ.
ص - خِطَابُ الْوَضْعِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالسَّبَبِيَّةِ، الْوَقْتِيَّةِ، كَالزَّوَالِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →