← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَلْزَمُ أَنْ [لَا] يَكُونَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ. [هل المندوب تكليف] ش - اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْمَنْدُوبَ هَلْ يَكُونُ تَكْلِيفًا أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّهُ تَكْلِيفٌ. وَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ أَيِ النِّزَاعُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ لِفَظِّ التَّكْلِيفِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّكْلِيفِ: مَا يَتَرَجَّحُ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ، فَالْمَنْدُوبُ تَكْلِيفٌ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ طَلَبًا يَمْنَعُ النَّقِيضَ، فَهُوَ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ. [كون الْمَكْرُوهُ مَنْهِيّا عَنْهُ] ش - ذِكْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَكْرُوهِ. وَالْمَكْرُوهُ لُغَةً ضِدُّ الْمَحْبُوبِ. وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] تَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ، كَمَا سَبَقَ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْمَكْرُوهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَالْخِلَافِ فِي الْمَنْدُوبِ فِي كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مُكَلَّفًا. وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْكَلَامِ فِي الطَّرَفَيْنِ تَزْيِيفًا وَاخْتِيَارًا. وَيُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. [إطلاق الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ] ش - ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمُبَاحِ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ مَفْهُومِ الْمُبَاحِ وَالْجَائِزِ. الْمُبَاحُ لُغَةً: الْمُعْلَنُ وَالْمَأْذُونُ، مِنَ الْإِبَاحَةِ. وَفِي الشَّرْعِ: الْفِعْلُ الَّذِي تَعْلَقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ. وَالْجَائِزُ فِي اللُّغَةِ: الْعَابِرُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ: عَلَى الْمُبَاحِ الشَّرْعِيِّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ شَرْعًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ عَقْلًا، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ الْخَاصَّ. وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَهُوَ

стр. 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ " وَهُوَ الْمُمْكِنُ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ أَخَصَّ مِمَّنْ قَبْلَهُ. وَعَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ، وَبِاعْتِبَارِ الِاسْتِوَاءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَائِزَ يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ شَرْعًا. وَفِي الْعَقْلِ عَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا، وَعَلَى مَا يُشَكُّ أَنَّهُ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ عَقْلًا. [الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. قَالَ الْبَاقُونَ: الْإِبَاحَةُ: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. وَالْحُقُّ أَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ لَفْظِيٌّ.

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ أُرِيدَ الْإِبَاحَةُ: عَدَمُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَا حُكَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ مِنَ الشَّرْعِ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. [كون الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ لَا. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا. وَالْكَعْبِيُّ: نَعَمْ. دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَبُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ. ش - قَالَ الْكَعْبِيُّ: الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ. أَمَّا الْكُبْرَى فَبِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ ; إِذْ مَا مِنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ إِلَّا وَيَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَتِهِ تَرْكُ حَرَامٍ مَا. وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. وَلَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْكُ، فَيَكُونُ الْمُبَاحُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبًا ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ. وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ: " الْمُبَاحُ تَرْكُ حَرَامٍ " عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ يَحْصُلُ بِالْمُبَاحِ لَا نَفْسَهُ. وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: " وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ " وَجْهٌ. " وَتَأَوُّلُ الْإِجْمَاعِ " إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْكَعْبِيِّ. تَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ وَاجِبٌ، يَقْتَضِي كَوْنَ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، الَّتِي تَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ، أَرْبَعَةً ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُبَاحِ وَاجِبًا حِينَئِذٍ. وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ: وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ، وَمُبَاحٍ، وَمَكْرُوهٍ، وَمُحَرَّمٍ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ بَاطِلًا. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهَا، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ - تَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةٍ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمُبَاحُ - نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ - لَمْ يَخْرُجْ عَنْ

стр. 390

ص - وَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ: [الْأَوَّلُ] أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا [فَعَلَهُ] فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا. الثَّانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. ص - وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ [مِنْ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ] فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. ص - قَوْلُ الْأُسْتَاذِ: " الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ " بَعِيدٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَلْ هُمَا نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ. لَنَا: لَوْ كَانَ جِنْسُهُ - لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ التَّخْيِيرَ. قَالُوا: مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ. قُلْنَا: تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ. ص - خِطَابُ الْوَضْعِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالسَّبَبِيَّةِ، الْوَقْتِيَّةِ، كَالزَّوَالِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَوْنِهِ مُبَاحًا. وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ، يَكُونُ وَاجِبًا. وَإِنَّمَا أُوِّلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَوْ حُمِلَ عَلَى كَوْنِ الْفِعْلِ مُنْقَسِمًا إِلَى الْخَمْسَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ، يَلْزَمُ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ. وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ خَمْسَةٌ، وَدَلِيلُ الْكَعْبِيِّ ضَائِعًا. ش - أُجِيبَ عَنْ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْصُلُ تَرْكُ الْحَرَامِ بِالْمُبَاحِ، كَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ عَلَى التَّعْيِينِ وَاجِبًا.

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَزَيَّفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْجَوَابَ بِأَنَّ فِي الْجَوَابِ تَسْلِيمَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، فَمَا فَعَلَهُ، أَعْنِي الْمُبَاحَ، يَكُونُ وَاجِبًا ; لِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ. الثَّانِي: نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ. تَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ صَحِيحًا، يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، كَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَوْرِ، يَكُونُ تَرْكُهَا وَاجِبًا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ، لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَاجِبًا، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ حَرَامًا. وَزَيَّفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْجَوَابَ أَيْضًا، بِأَنَّ الْكَعْبِيَّ يَمْنَعُ انْتِفَاءَ التَّالِي وَيَلْتَزِمُ كَوْنَ الصَّلَاةِ وَاجِبًا حَرَامًا بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. ش - لَمَّا زَيَّفَ الْجَوَّابَيْنِ، أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ مِنْ دَلِيلِ الْكَعْبِيِّ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِنْ كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا عَقْلًا، كَنَصْبِ السُّلَّمِ لِلصُّعُودِ،

стр. 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَوْ عَادَةً، كَطَلَبِ الرَّفِيقِ فِي السَّفَرِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا. فَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ دَلِيلُ الْكَعْبِيِّ لِكَوْنِ تَرْكِ الْأَضْدَادِ مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَقْلًا. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ شَرْعًا وُجُوبُ تَرْكِ أَضْدَادِهِ. ش - ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَكْلِيفٌ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ. وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ بِعِيدٌ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِطَلَبِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَلَا كُلْفَةَ فِي التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلَبْ بِهِ شَيْءٌ. [كون المباح من جنس الواجب] ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ وَالْأُخْرَى إِلَى الْآخَرِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَلْ لِلْوَاجِبِ وَالْمُبَاحِ نَوْعَانِ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ. وَتَسْمِيَتُهُ بِالْحُكْمِ مَجَازٌ.

стр. 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُبَاحُ جِنْسًا لِلْوَاجِبِ لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ أَعْنِي الْوَاجِبَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُبَاحَ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِذَا كَانَ الْجِنْسُ مُسْتَلْزِمًا لِشَيْءٍ يَكُونُ النَّوْعُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُسْتَلْزِمًا لِلتَّخْيِيرِ. الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْمُبَاحِ جِنْسًا لِلْوَاجِبِ، قَالُوا: الْمُبَاحُ وَالْوَاجِبُ مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ بِفَصْلِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ. فَالْمَأْذُونُ [الَّذِي] هُوَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ جِنْسًا لَهُ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ هُوَ الْمَأْذُونَ فَقَطْ، بَلِ الْمَأْذُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ. وَالْمَأْذُونُ الْمُقَيَّدُ بِهَذَا الْقَيْدِ لَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، بَلْ يَكُونُ مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ. وَالْحُقُّ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ: الْمَأْذُونُ فَقَطْ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ جِنْسًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَأْذُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ نَوْعًا مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ، فَلَمْ يَكُنْ جِنْسًا لَهُ. [خِطَابُ الْوَضْعِ] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ [خِطَابِ] الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ شَرَعَ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ. وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا. وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَبْلُ: السَّبَبَ. وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الَّذِي دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا مُؤَثِّرًا فِيهِ. فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدِيمَةٌ، وَالْأَوْصَافَ الَّتِي جُعِلَتْ أَسْبَابًا، حَادِثَةٌ، وَالْحَادِثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْقَدِيمِ. وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِي السَّبَبِ كَوْنَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا ; لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعَرِّفَاتٍ لِلْأَحْكَامِ لِسُهُولَةِ اطِّلَاعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ

стр. 395

وَالْمَعْنَوِيَّةِ، كَالْإِسْكَارِ وَالْمِلْكِ وَالضَّمَانِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَبِالْمَانِعِيَّةِ لِلْحُكْمِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ، كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ وَلِلسَّبَبِ لِحِكْمَةٍ تَحِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ - فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا، كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَالطَّهَارَةِ. ص - وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ أَوِ الْحُكْمُ بِهِمَا - فَأَمْرٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّهَا إِمَّا كَوْنُ الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، وَإِمَّا مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّرْعِ. وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ نَقِيضُهَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهَا، خُصُوصًا بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَسْبَابُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً حَتَّى يَحْصُلَ الْغَرَضُ الْمَذْكُورُ. وَالسَّبَبُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَقْتِيٍّ، وَإِلَى مَعْنَوِيٍّ. فَالْوَقْتِيُّ: هُوَ مَا لَا يَسْتَلْزِمُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ حِكْمَةً بَاعِثَةً، كَدُلُوكِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ يُعَرِّفُ وَقْتَ وُجُوبِ الظُّهْرِ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِحِكْمَةٍ بَاعِثَةٍ. وَالْمَعْنَوِيُّ: هُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً بَاعِثَةً فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَالْإِسْكَارِ جُعِلَ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ. وَالْمِلْكِ فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ. وَالضَّمَانِ فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لِمُطَالَبَةِ الضَّامِنِ بِالدَّيْنِ. وَالْعُقُوبَاتِ فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ. الثَّانِي: الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ [بِكَوْنِهِ] مَانِعًا، إِمَّا لِلْحُكْمِ، هُوَ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُسْتَلْزِمُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ السَّبَبِ. كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ فَإِنَّهَا وَصْفٌ وُجُودِيٌّ مُنْضَبِطٌ ظَاهِرٌ مَانِعٌ لِحُكْمِ الْقِصَاصِ مَعَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حِكْمَةٍ تَقْتَضِي عَدَمَ الْقِصَاصِ. وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ: كَوْنُ الْأَبِ سَبَبَ وُجُودِ الِابْنِ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ سَبَبًا مُعْدِمًا لَهُ. وَإِمَّا لِسَبَبِ الْحُكْمِ، وَهَذَا الْمَانِعُ هُوَ الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ الْمُقْتَضِي لِاخْتِلَالِ حِكْمَةِ السَّبَبِ، كَالدَّيْنِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا كَامِلًا. فَإِنَّهُ [وَصْفٌ] وُجُودِيٌّ مُقْتَضٍ لِاخْتِلَالِ حِكْمَةِ سَبَبِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.

стр. 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ تَحَقُّقُ النِّصَابِ وَحِكْمَتَهُ سَدُّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ. وَحِكْمَةُ الْمَانِعِ لِلسَّبَبِ تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ. الثَّالِثُ: الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ بِالشَّرْطِيَّةِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصْفَ الْمَانِعَ لِلْحُكْمِ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ. وَالْوَصْفُ الْمَانِعُ لِسَبَبِ الْحُكْمِ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي اخْتِلَالَ حِكْمَةِ السَّبَبِ. فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمُهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ، يُسَمَّى شَرْطَ الْحُكْمِ. وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمُهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي اخْتِلَالَ حِكْمَةِ سَبَبِ الْحُكْمِ، يُسَمَّى شَرْطَ السَّبَبِ. مِثَالُ شَرْطِ السَّبَبِ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ ; فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ حُكْمٌ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ سَبَبُهُ، وَإِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ حِكْمَةُ صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِفَاعِ الْمُوجِبِ لِاخْتِلَالِ إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ. مِثَالُ شَرْطِ الْحُكْمِ: الطَّهَارَةُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ وَدَفْعَ الْعِقَابِ حُكْمٌ، وَالصَّلَاةُ سَبَبُهُ، وَحِكْمَةُ الصَّلَاةِ التَّوَجُّهُ إِلَى جَنَابِ الْحَقِّ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطُ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ يَسْتَلْزِمُ مَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ، أَعْنِي عَدَمَ حُصُولِ الثَّوَابِ وَعَدَمَ دَفْعِ الْعِقَابِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ الصَّلَاةِ. [الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ] ش - اعْلَمْ أَنَّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَضْعِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَمْ لَا. فَقَالَ قَوْمٌ: خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَرِدُ [بِالِاقْتِضَاءِ] وَالتَّخْيِيرِ، فَقَدْ يَرِدُ لِجَعْلِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا. فَلِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْمَذْهَبَ. فَلِهَذَا الْتَزَمَ وُجُوبَ ذِكْرِ الْوَضْعِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ لِاسْتِقَامَتِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ كَوْنَ الزِّنَا مَثَلًا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ، بَلِ الْمُرَادُ حُكْمُ الشَّرْعِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا، أَيْ مُعَرِّفًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ. فَتَكُونُ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ حُكْمًا وَضْعِيًّا. وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ، فَقِيلَ: إِنَّهُمَا مِنْ بَابِ الْوَضْعِ ; لِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَبُطْلَانِهَا، وَكَذَا بِصِحَّةِ الْمُعَامَلَاتِ وَبُطْلَانِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءٌ وَلَا تَخْيِيرٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: الصِّحَّةُ مَعْنَاهَا: الْإِبَاحَةُ. وَالْبُطْلَانُ مَعْنَاهُ: الْحُرْمَةُ.

стр. 398

الْحَنَفِيَّةُ: الْفَاسِدُ: الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ، الْمَمْنُوعُ بِوَصْفِهِ. ص - وَأَمَّا الرُّخْصَةُ: فَالْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ. كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ، أَوِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ، غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الشَّرْعِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا أَمْرٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْعِبَادَةِ إِمَّا كَوْنُ الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مُوَافَقَتُهُ لِأَمْرِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَصَلَاةُ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِعَدَمِ [سُقُوطِ] الْقَضَاءِ، وَصَحِيحَةٌ عَلَى الثَّانِي ; لِكَوْنِهَا مُتوَافِقَةً لِأَمْرِ الشَّرْعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبَادَةَ إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا حَكَمَ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهَا بِكُلٍّ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ، سَوَاءٌ حَكَمَ الشَّارِعُ بِهَا أَوْ لَا. وَأَمَّا الصِّحَّةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: [إِنَّهَا أَيْضًا] أَمْرٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ. وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَسْبَابِ وَالشَّرَائِطِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، حَكَمَ الْعَقْلُ بِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ حَكَمَ الشَّرْعُ بِهَا أَوْ لَمْ يَحْكُمْ. وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ عِنْدَنَا نَقِيضُ الصِّحَّةِ. فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ.

стр. 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: الْفَاسِدُ قِسْمٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْبَاطِلِ. فَالصَّحِيحُ مَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ. وَالْبَاطِلُ مَا لَمْ يُشْرَعْ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، كَبَيْعٍ الْمَلَاقِيحِ. وَالْفَاسِدُ مَا شُرِعَ بِأَصْلِهِ وَلَمْ يُشْرَعْ بِوَصْفِهِ. كَعَقْدِ الرِّبَا فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَيْعٌ، وَمَمْنُوعٌ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى وَصْفِ الزِّيَادَةِ. [الرخصة والعزيمة] ش - الرُّخْصَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّيْسِيرُ. وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَإِنَّمَا قَالَ: " الْمَشْرُوعُ " وَلَمْ يَقِلْ مَا جَازَ فِعْلُهُ ; لِيَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ ; فَإِنَّ الرُّخْصَةَ كَمَا تَكُونُ بِالْفِعْلِ، كَذَلِكَ قَدْ تَكُونُ بِالتَّرْكِ.

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] " وَالْمَشْرُوعُ " كَالْجِنْسِ. وَقَوْلُهُ " لِعُذْرٍ " احْتِرَازٌ عَنِ الْمَشْرُوعِ لَا لِعُذْرٍ، كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: " مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ " احْتِرَازٌ عَنِ الْمَشْرُوعِ لِعُذْرٍ، مَعَ عَدَمِ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ، كَالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَإِنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ، وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، لَكِنَّ الْمُحَرِّمَ غَيْرُ قَائِمٍ ; لِأَنَّ عِنْدَ فَقْدِ الرَّقَبَةِ لَا يَكُونُ الْإِعْتَاقُ وَاجِبًا، لِاسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا تَرْكُ الْإِعْتَاقِ قَائِمًا. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: " لَا لِعُذْرٍ " لِيُعْلَمَ أَنَّ قِيَامَ الْمُحَرِّمِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ، لَا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْعُذْرِ ; فَإِنَّ عِنْدَ وُجُودِ الْعُذْرِ لَمْ يَكُنِ الْمُحَرِّمُ قَائِمًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِطْعَامُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ فَقْدِ الرَّقَبَةِ رُخْصَةً ; لِأَنَّهُ لَوِ الْعُذْرُ - وَهُوَ فَقْدُ الرَّقَبَةِ - لَكَانَ الْمُحَرِّمُ قَائِمًا. وَالْمَشْرُوعُ الَّذِي هُوَ الرُّخْصَةُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا كَالْقَصْرِ لِلْمُسَافِرِ، إِذَا كَانَ السَّفَرُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ. وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ. وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ.

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ، بَلْ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لِكَوْنِهَا وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً وَمُبَاحَةً. وَالْعَزِيمَةُ فِي اللُّغَةِ: الرُّقْيَةُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ الْمُوَكَّدِ عَلَى أَمْرٍ مَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ، وَمِنْهُ سُمِّيَ بَعْضُ الرُّسُلِ " أُولِي الْعَزْمِ " لِتَأْكِيدِ قَصْدِهِمْ فِي إِظْهَارِ الْحَقِّ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَعِبَارَةٌ عَمَّا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا. [الْمَحْكُومُ فِيهِ: الْأَفْعَالُ] [شَرْطُ الْمَطْلُوبِ الْإِمْكَانُ] ش - الْأَصْلُ الثَّالِثُ الْمَحْكُومُ فِيهِ، وَهُوَ الْأَفْعَالُ الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّقُ الْأَحْكَامِ. وَالْأَفْعَالُ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةً لِذَاتِهَا أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا، أَيْ مُكَلَّفًا بِهِ. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُكَلَّفَ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُكَلَّفَ بِهِ وَقَدْ نُسِبَ هَذَا إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، ﵀. وَالثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ - لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِغَيْرِهِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ - أَوْ لَا.

стр. 403

ص - الْمَحْكُومُ فِيهِ: الْأَفْعَالُ. (مَسْأَلَةٌ) : شَرْطُ الْمَطْلُوبِ: الْإِمْكَانُ. وَنُسِبَ خِلَافُهُ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ. لَنَا: لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ [بِالْمُسْتَحِيلِ] ، لَكَانَ مُسْتَدْعِي الْحُصُولِ ; لِأَنَّهُ مَعْنَى الطَّلَبِ. وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ. وَاسْتِدْعَاءُ حُصُولِهِ فَرْعُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ مُثْبَتًا - لَزِمَ تَصَوُّرُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَاهِيَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. ص - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ - لَمْ يُعْلَمْ إِحَالَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالثَّانِي لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا وَوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِهِ. وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ - انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِهِ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، أَيِ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ، بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَكَانَ الْمُحَالُ مُسْتَدْعَى الْحُصُولِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُحَالُ مُكَلَّفًا بِهِ، لَكَانَ مَطْلُوبًا ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ: طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ. وَلَوْ كَانَ مَطْلُوبًا لَكَانَ مُسْتَدْعَى الْحُصُولِ ; لِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْحُصُولِ مَعْنَى الطَّلَبِ. وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّ الْمُحَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَاسْتِدْعَاءُ حُصُولِهِ فَرْعُ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ ; لِاسْتِحَالَةِ اسْتِدْعَاءِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ. وَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، انْتَفَى الْفَرْعُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُحَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ مُثْبَتًا، أَيْ تُصُوِّرَ وُقُوعُهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ - وَهُوَ مُمْتَنِعُ الْحُصُولِ مِنْهُ - لَزِمَ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَاهِيَتِّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ ; فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ مَعَ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ. ش - هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ. تَوْجِيهُهَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ وُقُوعُ الْمُحَالِ امْتَنَعَ التَّصْدِيقُ بِإِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ; لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِثُبُوتِ الصِّفَةِ لِلشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِ ثُبُوتِ ذَلِكَ الشَّيْءِ. فَالْحُكْمُ بِإِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، فَرْعٌ عَلَى تَصَوُّرِ وُقُوعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يُعْلَمْ " أَيْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُخَصُّ بِالتَّصْدِيقِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: " الْعِلْمُ " فِي قَوْلِهِ: " الْعِلْمُ بِصِفَةِ الشَّيْءِ ". أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُتَصَوَّرَ الْمَحْكُومَ بِنَفْيهِ عَنِ الضِّدَّيْنِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُضَادَّةً. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنِ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ ثَابِتًا لَهُمَا، فَلَا يَلْزَمُ تَصَوُّرُ وُقُوعِ الْمُحَالِ. وَفِي قَوْلِهِ: " لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا تَصَوُّرُهُ مُثْبَتًا " نَظَرٌ ; لِأَنَّ تَصَوُّرَ السَّلْبِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ الْإِيجَابِ ; إِذِ السَّلْبُ الْمُطْلَقُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ابْتِدَاءً. وَلِهَذَا قِيلَ: الْإِيجَابُ أَبْسَطُ مِنَ السَّلْبِ.

стр. 405

قُلْنَا: الْجَمْعُ الْمُتَصَوَّرُ جَمْعُ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَهُوَ الْمَحْكُومُ بِنَفْيِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنِ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ مُثْبَتًا. ص - فَإِنْ قِيلَ يُتَصَوَّرُ ذِهْنًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ، لَا فِي الْخَارِجِ. قُلْنَا: فَيَكُونُ الْخَارِجُ مُسْتَحِيلًا، وَالذِّهْنِيُّ بِخِلَافِهِ. وَأَيْضًا: يَكُونُ الْحُكْمُ بِالِاسْتِحَالَةِ عَلَى مَا لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ. وَأَيْضًا: الْحُكْمُ عَلَى الْخَارِجِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ لِلْخَارِجِ. ص - الْمُخَالِفُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْعَاصِيَ مَأْمُورٌ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ. وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ، وَمَنْ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ. وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا حَالَ الْفِعْلِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَقَدْ كُلِّفَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ. وَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَمِنْ هَذَيْنِ نُسِبَ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ. ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْوُقُوعِ لِجَوَازِهِ مِنْهُ، [فَهُوَ] غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَبِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُسْتَحِيلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ [بِالْإِجْمَاعِ] . ص - قَالُوا: كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَمِنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقَهُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ. ص - وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِهِ. وَإِخْبَارُ رَسُولِهِ كَإِخْبَارِ نُوحٍ ﵇. وَلَا يَخْرُجُ الْمُمْكِنُ عَنِ الْإِمْكَانِ بِخَبَرٍ أَوْ عِلْمٍ. نَعَمْ لَوْ كُلِّفُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ - لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ، وَمِثْلُهُ غَيْرُ وَاقِعٍ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ قَطْعًا، خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي تَكْلِيفِ الْكَفَّارِ بِالْفُرُوعِ. وَالظَّاهِرُ [الْوُقُوعُ] . ص - لَنَا: لَوْ كَانَ شَرْطًا - لَمْ تَجِبْ صَلَاةٌ عَلَى مُحْدِثٍ وَجُنُبٍ، وَلَا قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلَا " اللَّهُ أَكْبَرُ " قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلَا اللَّامُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا. ص - قَالُوا: لَوْ كُلِّفَ بِهَا - لَصَحَّتْ مِنْهُ. قُلْنَا: غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّ لَأَمْكَنَ الِامْتِثَالُ. وَفِي الْكُفْرِ لَا يُمْكِنُ وَبَعْدَهُ يَسْقُطُ. قُلْنَا: يُسَلِّمُ وَيَفْعَلُ، كَالْمُحْدِثِ. ص - الْوُقُوعُ. وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. ص - قَالُوا: لَوْ وَقَعَ - لَوَجَبَ الْقَضَاءُ. قُلْنَا: الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَلَا صِحَّتِهِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ. فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ: كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْفِعْلِ. وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ: نَفْيُ الْفِعْلِ. لَنَا: لَوْ كَانَ - لَكَانَ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنْهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ [لَهُ] . وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ [لَهُ] ، كَأَحَدِ قَوْلَيِ الْقَاضِي. وَرُدَّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا وَاسْتَمَرَّ. وَالْقُدْرَةُ تَقْتَضِي أَثَرًا عَقْلًا. وَفِيهِ نَظَرٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ مُثْبَتًا فِي الذِّهْنِ لِكَوْنِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ ; وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاصِلٌ فِي الذِّهْنِ، فَيُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ فِيهِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الْخَارِجِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ. أَحَدُهَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الْخَارِجِ مُسْتَحِيلٌ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الذِّهْنِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ. فَلَا يَكُونُ تَصَوُّرُ وُقُوعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ذِهْنًا، تَصَوُّرَ وُقُوعِ الْحَالِ، بَلْ تَصَوُّرُ وُقُوعِ الْمُمْكِنِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي تَصَوُّرِ وُقُوعِ الْمُحَالِ.

стр. 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّانِي: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْحُكْمُ بِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ حُكْمًا بِاسْتِحَالَةِ مَا لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الذِّهْنِ الَّذِي هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ فِي الْخَارِجِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ وُقُوعِهِ فِي الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ وُقُوعُهُ فِي الْخَارِجِ، اسْتَحَالَ الْحُكْمُ بِاسْتِحَالَتِهِ فِيهِ. ش - قَالَ الْمُخَالِفُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَمْ يَقَعْ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ وُقُوعَ الشَّيْءِ فَرْعُ إِمْكَانِهِ، فَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ مُمْكِنًا، لَا يَكُونُ وَاقِعًا.

стр. 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ الْعَاصِيَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ مَأْمُورٌ بِالْإِتْيَانِ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ. وَالْإِتْيَانُ بِهِ مُحَالٌ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ. وَكُلُّ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَمَ وُقُوعِهِ، يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، وَإِلَّا لَزِمَ جَهْلُهُ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَيَكُونُ مَا يَتْرُكُهُ الْعَاصِي مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ. فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ وَاقِعًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمِنُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] فَوُقُوعُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ مُحَالٌ وَلَا يَلْزَمُ كَذِبُ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْكَافِرُ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ وَاقِعًا. وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ مَنْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْفِعْلِ. وَكَذَلِكَ كَلَّفَ مَنْ نَسَخَ عَنْهُ الْفِعْلَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ. وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، فَيَكُونُ وَاقِعًا. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا حَالَ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ ; إِذْ لَوْ وُجِدَتِ الْقُدْرَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ لَكَانَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ مَوْجُودٌ ; لِاسْتِحَالَةِ

стр. 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَنْ يَكُونَ الْمَعْدُومُ مَقْدُورًا. وَإِذَا كَانَتِ الْقُدْرَةُ مَعَ صُدُورِ الْفِعْلِ يَكُونُ الْفِعْلُ قَبْلَ صُدُورِهِ مُمْتَنِعًا ; ضَرُورَةَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. وَالتَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ لَا يَكُونُ حَالَةَ صُدُورِ الْفِعْلِ لِاسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ صُدُورِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَيَكُونُ قَبْلَ صُدُورِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ [تَكْلِيفًا] بِالْمُسْتَحِيلِ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ". وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً لِلْعَبْدِ لَكَانَ الْعَبْدُ خَالِقَهَا، إِمَّا بِالطَّبْعِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ بِالِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ عَالِمًا بِتَفَاصِيلِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِتَفَاصِيلِ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ صُدُورُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ بِالِاخْتِيَارِ. وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُرِيدًا لَهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِتَفَاصِيلِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ مَخْلُوقَةً لَهُ، فَتَكُونُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعَالَى. فَيَكُونُ [تَكْلِيفُ] الْعَبْدِ بِهَا تَكْلِيفًا بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ; لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ مَا وَقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ.

стр. 410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵀ إِلَى أَنْ لَا قُدْرَةَ لِلْفَاعِلِ عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا حَالَ إِيجَادِ الْفِعْلِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَمِنْ هَذَيْنِ نُسِبَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ، فَضْلًا عَنِ الْقَوْلِ بِهِمَا. ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّوَرَ الْمَذْكُورَةَ فِي نَفْيِ التَّالِي لَا يَمْتَنِعُ تَصَوُّرُ وُقُوعِهَا مِنَ الْمُكَلَّفِ، لِجَوَازِ صُدُورِهَا مِنَ الْمُكَلَّفِ بِحَسَبِ الذَّاتِ، وَإِنِ امْتَنَعَ صُدُورُهَا مِنْهُ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُمْتَنِعِ بِالذَّاتِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ بِمَا ذَكَرْتُمْ أَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا اسْتِلْزَامُ كَوْنِ الْقُدْرَةِ مَعَ الْفِعْلِ، كَوْنَ الْفِعْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا اسْتِلْزَامُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ، فَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ

стр. 411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كُلُّ مَا عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ وَامْتَنَعَ كُلُّ مَا عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ، لَكَانَتِ الْأَفْعَالُ إِمَّا وَاجِبَةً أَوْ مُمْتَنِعَةً، وَالتَّكْلِيفُ بِهِمَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ. ش - الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ ذَكَرُوا دَلِيلًا آخَرَ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ جَائِزٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ تَصْدِيقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ ; لِأَنَّهُ كَلَّفَهُ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ. وَمِمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ ; فَيَكُونُ أَبُو جَهْلٍ مُكَلَّفًا [بِتَصْدِيقِ] الرَّسُولِ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ. [وَهَذَا] الْخَبَرُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الْكَذِبُ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَيَكُونُ مُكَلَّفًا بِالتَّصْدِيقِ حَالَ عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ وَاقِعًا.

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَأَمْثَالَهُ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﵇ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﵇ فِيمَا جَاءَ بِهِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ. وَإِخْبَارُ الرَّسُولِ ﵇ بِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَهُ، كَإِخْبَارِ نُوحٍ ﵇ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وَالْمُمْكِنُ لَا يَخْرُجُ عَنْ إِمْكَانِهِ بِخَبَرِ الرَّسُولِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، وَبِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى [أَيْضًا] بِعَدَمِ وُقُوعِهِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يَكُونُ مُمْتَنِعًا بِسَبَبِ الْغَيْرِ. وَالْعِلْمُ وَالِامْتِنَاعُ بِالْغَيْرِ لَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ بِحَسْبِ الذَّاتِ. فَلَا يَكُونُ تَكْلِيفُهُمْ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ تَكْلِيفًا بِالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ الَّذِي هُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ. نَعَمْ لَوْ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَهُ، لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ: لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ، الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ

стр. 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مَعَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بَعْدَ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ. وَمِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ - وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ مَعَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ - غَيْرُ وَاقِعٍ. [شرطية حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ في التكليف] ش - ذَكَرَ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لَا. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَيِ الْحَنَفِيَّةُ: نَعَمْ.

стр. 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّيْءِ، كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ حَالَةَ الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعَمَّ مِنْهُ. وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمَشْرُوطِ وَاقِعٌ عِنْدِ عَدَمِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ. ش - أَقَامَ الْمُصَنِّفُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ قَطْعًا. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ شَرَطَا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ، لَمْ تَجِبْ صَلَاةٌ عَلَى مُحْدِثٍ وَجُنُبٍ، وَلَمْ تَجِبْ صَلَاةٌ قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلَمْ يَجِبْ أَيْضًا " اللَّهُ أَكْبَرُ " قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلَا اللَّامُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَالنِّيَّةِ شَرْطٌ شَرْعِيٌّ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ شَرْعِيٌّ لِصِحَّةِ التَّلَفُّظِ بِـ " اللَّهُ

стр. 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَكْبَرُ ". وَالْهَمْزَةُ أَيْضًا شَرْطٌ شَرْعِيٌّ لِصِحَّةِ التَّلَفُّظِ بِاللَّامِ. وَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الشَّرْطُ - الَّذِي هُوَ حُصُولٌ هَذِهِ الشَّرَائِطِ - انْتَفَى الْمَشْرُوطُ، وَهُوَ وُجُوبُ هَذِهِ الْأُمُورِ. ش - الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: لَوْ كُلِّفَ الْمُكَلَّفُ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَصَحَّتِ الْعِبَادَةُ مِنْهُ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ صُدُورِهِ مِنْهُ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ. فَحِينَئِذٍ يَقْتَضِي التَّكْلِيفُ صِحَّةَ الْمُكَلَّفِ بِهِ إِذَا أَتَى بِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِمَا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي أَنَّهُ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ هَلْ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِالْمَشْرُوطِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِ الْمَشْرُوطِ، كَمَا يُعَاقَبُ بِتَرْكِ شَرْطِهِ، لَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْمَشْرُوطِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِالْإِتْيَانِ بِهِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَصِحَّ مِنْهُ لَوْ أَتَى بِهِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ.

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ حَالَةَ الْكُفْرِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ صَحَّ تَكْلِيفُ الْكَافِرِ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا حَالَةَ الْكُفْرِ لَأَمْكَنَ الِامْتِثَالُ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي أَنَّ الِامْتِثَالَ إِمَّا حَالَةَ الْكُفْرِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ لِعَدَمِ حُصُولِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، أَوْ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ أَيْضًا لِسُقُوطِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْإِسْلَامِ وِفَاقًا. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِثَالَ بَعْدَ الْكُفْرِ مُمْتَنِعٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ وَيَفْعَلَ كَالْمُحْدِثِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَفْعَلُ. ش - وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى وُقُوعِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْآيَتَيْنِ. الْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٨] . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْمُنْتَهِينَ عَنِ الشِّرْكِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالزِّنَا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. وَأَشَارَ بِلَفْظِ " ذَلِكَ " إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْبَعْضِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ تَضَاعُفُ الْعَذَابِ وَالْخُلُودِ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمِيعِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْكَفَّارُ مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ لَمَا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ بِفِعْلِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ الشِّرْكِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي مَدْخَلٌ فِي الْعَذَابِ لَكَانَ ذِكْرُهُ مَعَ الشِّرْكِ قَبِيحًا. فَإِنْ قِيلَ: " ذَلِكَ " يَعُودُ إِلَى الْكُلِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْكُلِّ حُرْمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ حَرَامًا لَكَانَ غَيْرُ الْحَرَامِ مُنْضَمًّا إِلَى الْحَرَامِ فِي الْوَعِيدِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَضَاعُفُ الْعَذَابِ بِسَبَبِ الشَّرَكِ وَالْبَاقِي شَرْطًا لِاقْتِضَاءِ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْبَاقِي مَدْخَلٌ فِي اقْتِضَاءِ اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ لَكَانَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] . وُوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنِ الْكَفَّارِ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا دُخُولَ النَّارِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَحْكُمِ الْعَقْلُ بِكَذِبِهِمْ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ حَقِيقَةً فَتَكُونُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةً عَلَى الْكُفَّارِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُمَا عِلَّةً لِدُخُولِ النَّارِ. وَحَمْلُ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْمُعْتَقَدِينَ انْصِرَافٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ. ش - الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: تَكْلِيفُ الْكَفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ وَاقِعٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ، لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْكَفَّارَ لَوْ كَانُوا مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ، لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْعِبَادَاتُ، وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْعِبَادَاتُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمْ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، بَلِ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَبَيْنَ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَلَا صِحَّةِ التَّكْلِيفِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ، حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ أَوْ صِحَّتِهِ وُجُوبُ قَضَائِهَا. وَلِهَذَا قَدْ يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِوُجُوبِ الْعِبَادَةِ دُونَ قَضَائِهَا، كَوُجُوبِ الْجُمْعَةِ، وَبِالْعَكْسِ كَصَوْمِ الْحَائِضِ. [لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هَلْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا أَمْ لَا؟ فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ. وَالْمُصَنِّفُ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى هَذَا. وَمَذْهَبُ الْبَاقِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِغَيْرِ فِعْلٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْفِعْلِ، لَا نَفِيُ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ كَفَّ النَّفْسِ فِعْلٌ وَنَفْيَ الْفِعْلِ لَيْسَ بِفِعْلٍ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ نَفْيُ الْفِعْلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْفِعْلِ مُكَلَّفًا بِهِ لَكَانَ نَفْيُ الْفِعْلِ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ اسْتِدْعَاءُ الْحُصُولِ، فَيَكُونُ الْمُكَلَّفُ بِهِ مَطْلُوبًا، وَالْمَطْلُوبُ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْحُصُولِ فَرْعُ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ نَفْيِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ، وَالنَّفْيُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ وُقُوعُهُ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، كَمَا

стр. 420

ص - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ حَالَ حُدُوثِهِ. وَمَنَعَهُ الْإِمَامُ وَالْمُعْتَزِلَةُ. فَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ [تَعَلُّقَهُ لِنَفْسِهِ] فَلَا يَنْقَطِعُ بَعْدَهُ أَيْضًا. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ تَنْجِيزَ [التَّكْلِيفِ بِهِ] بَاقٍ فَتَكْلِيفٌ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ [وَهُوَ مُحَالٌ] وَلِعَدَمِ صِحَّةِ الِابْتِلَاءِ فَتَنْتَفِي فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَهُوَ أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ مَقْدُورُ الْعَبْدِ وَمُكْتَسَبُهُ، وَلِهَذَا يُمْدَحُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ الزِّنَا. وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ، وَبَعْدَهُ اسْتَمَرَّ الْعَدَمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِقُدْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِقُدْرَتِهِ لَكَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ النَّفْيِ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَقْتَضِي أَثَرًا عَقْلًا، وَلَا أَثَرَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ بَعْدَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِيَ هَذَا الرَّدِّ نَظَرٌ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ، إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ وُجِدَ الْمُكَلَّفُ وَدَعَاهُ نَفْسُهُ إِلَى الْفِعْلِ وَلَمْ يُطِعْهَا وَكَفَّ عَنِ الْفِعْلِ يَتْبَعُ هَذَا الْكَفَّ بَقَاءُ نَفْيِ الْفِعْلِ، وَهُوَ أَثَرُ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ مُكَلَّفًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [قول الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ حَالَ حُدُوثِهِ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ هَلْ يَنْقَطِعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَمْ لَا. فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ. وَمَنَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةُ مَذْهَبَ الشَّيْخِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الثَّانِيَ، وَزَيَّفَ قَوْلَ الشَّيْخِ بِأَنْ قَالَ: إِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ بِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ لِنَفْسِ التَّكْلِيفِ، وَالْمُتَعَلِّقُ لِنَفْسِهِ بِالشَّيْءِ امْتَنَعَ انْقِطَاعُهُ عَنْهُ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ التَّكْلِيفُ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَيْضًا. وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ، أَيْ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا بِالْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ، بَاقٍ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ [بِهِ] بَاقِيًا حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ ; لَعَدِمَ صِحَّةَ الِابْتِلَاءِ ; لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ إِنَّمَا يَصِحُّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ، فَيَنْتَفِي فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ إِمَّا الِامْتِثَالُ أَوِ الِابْتِلَاءُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ لِنَفْسِهِ بِالْفِعْلِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ بِتَمَامِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُقْتَضِي لِلتَّعَلُّقِ هُوَ الطَّلَبُ ; إِذْ هُوَ مَعْنَى التَّكْلِيفِ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ يَنْقَطِعُ الطَّلَبُ ; لِأَنَّ الْمَفْرُوغَ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. وَكَذَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْعَدِمَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مُكَلَّفٌ بِالْإِتْيَانِ بِالْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ، لَا بِإِيجَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ حَالَ الْحُدُوثِ تَكْلِيفًا بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ الْمَجْمُوعِيَّ لَمْ يُوجَدْ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ، وَالِابْتِلَاءُ صَحِيحٌ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ الْفِعْلِ بَعْدُ. وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الِامْتِثَالِ وَالِابْتِلَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وُجِدَ مِنَ الْفِعْلِ فَقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ ; فَيَكُونُ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِالْبَاقِي، لَا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالذَّاتِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَبِأَجْزَائِهِ بِالْعَرَضِ. [فَمَا] لَمْ يَحْدُثْ، فَالْمَجْمُوعُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ. [التكليف بالْفِعْلُ حَالَ حُدُوثِهِ] ش - قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ تَابَعَهُ: الْفِعْلُ حَالَ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ بِاتِّفَاقٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ لَمْ نَقُلْ. وَإِذَا كَانَ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مَقْدُورًا، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَمْتَنِعُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ عَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بَعْدَ تَمَامِ الْفِعْلِ، أَوْ لُزُومِ إِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِ الِابْتِلَاءِ. وَمِمَّا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ يُعْرَفُ جَوَابُهُ. [الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: الْمُكَلَّفُ] [كون الْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ] ش - الْأَصْلُ الرَّابِعُ: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ; وَهُوَ الْمُكَلَّفُ. وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ فَهْمَ الْمُكَلَّفِ هَلْ هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا يَفْهَمُ الْخِطَابَ. وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ: الِابْتِلَاءُ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي تَكْلِيفِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ التَّهَيُّؤُ لِلِامْتِثَالِ إِذَا فَهِمَ الْمُبْتَلَى الْخِطَابَ. بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّهَيُّؤُ لِلِامْتِثَالِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الِامْتِثَالُ، فَتَحْصُلُ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ الَّتِي هِيَ الِابْتِلَاءُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْفَهْمِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِدُونِ فَهْمِ الْمُكَلَّفِ الْخِطَابَ، لَكَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ فِي الْمُكَلَّفِ طَاعَةً، أَيْ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.

стр. 423

ص - قَالُوا: مَقْدُورٌ حِينَئِذٍ بِاتِّفَاقٍ، فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ. قُلْنَا: [بَلْ] يَمْتَنِعُ بِمَا ذَكَرْنَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

ص - الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: الْمُكَلَّفُ. (مَسْأَلَةٌ) : الْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ. وَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ الْمُسْتَحِيلَ ; لِعَدَمِ الِابْتِلَاءِ. لَنَا: لَوْ صَحَّ - لَكَانَ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنْهُ طَاعَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَصَحَّ تَكْلِيفُ الْبَهِيمَةِ ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ. ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يَقَعْ، وَقَدِ اعْتُبِرَ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَقَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ تَكْلِيفٍ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ، كَقَتْلِ الطِّفْلِ وَإِتْلَافِهِ. ص - قَالُوا: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى. قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، إِمَّا بِمِثْلِ " لَا تَمُتْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ ". وَإِمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الثَّمِلُ لِمَنْعِهِ التَّثَبُّتَ، كَالْغَضَبِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ [أَنَّ] التَّكْلِيفَ طَلَبٌ. وَالطَّلَبُ يَسْتَدْعِي الْحُصُولَ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّ حُصُولَ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ مَشْرُوطٌ بِالْقَصْدِ إِلَى الِامْتِثَالِ، وَالْقَصْدُ إِلَى الِامْتِثَالِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْفَهْمِ. وَكُلُّ خِطَابٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْأَمْرِ بِالْفَهْمِ. فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَيْفَ يُقَالُ لَهُ: افْهَمْ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ، يَصِحُّ تَكْلِيفُ الْبَهِيمَةِ ; لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ وَالْبَهِيمَةَ مُتَسَاوِيَانِ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ فَرْعُ الْجَوَازِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَهُوَ مُكَلَّفٌ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ طَلَاقُهُ وَقَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ.
следующие страницы →