← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَهُوَ أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ مَقْدُورُ الْعَبْدِ وَمُكْتَسَبُهُ، وَلِهَذَا يُمْدَحُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِ الزِّنَا. وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ، وَبَعْدَهُ اسْتَمَرَّ الْعَدَمُ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِقُدْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِقُدْرَتِهِ لَكَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ النَّفْيِ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَقْتَضِي أَثَرًا عَقْلًا، وَلَا أَثَرَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ بَعْدَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِيَ هَذَا الرَّدِّ نَظَرٌ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ، إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ وُجِدَ الْمُكَلَّفُ وَدَعَاهُ نَفْسُهُ إِلَى الْفِعْلِ وَلَمْ يُطِعْهَا وَكَفَّ عَنِ الْفِعْلِ يَتْبَعُ هَذَا الْكَفَّ بَقَاءُ نَفْيِ الْفِعْلِ، وَهُوَ أَثَرُ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ مُكَلَّفًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [قول الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ حَالَ حُدُوثِهِ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ هَلْ يَنْقَطِعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَمْ لَا. فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ. وَمَنَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةُ مَذْهَبَ الشَّيْخِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الثَّانِيَ، وَزَيَّفَ قَوْلَ الشَّيْخِ بِأَنْ قَالَ: إِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ بِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ لِنَفْسِ التَّكْلِيفِ، وَالْمُتَعَلِّقُ لِنَفْسِهِ بِالشَّيْءِ امْتَنَعَ انْقِطَاعُهُ عَنْهُ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ التَّكْلِيفُ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَيْضًا. وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ، أَيْ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا بِالْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ، بَاقٍ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ [بِهِ] بَاقِيًا حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ ; لَعَدِمَ صِحَّةَ الِابْتِلَاءِ ; لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ إِنَّمَا يَصِحُّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ، فَيَنْتَفِي فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ إِمَّا الِامْتِثَالُ أَوِ الِابْتِلَاءُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ لِنَفْسِهِ بِالْفِعْلِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ بِتَمَامِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُقْتَضِي لِلتَّعَلُّقِ هُوَ الطَّلَبُ ; إِذْ هُوَ مَعْنَى التَّكْلِيفِ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ يَنْقَطِعُ الطَّلَبُ ; لِأَنَّ الْمَفْرُوغَ عَنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. وَكَذَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْعَدِمَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مُكَلَّفٌ بِالْإِتْيَانِ بِالْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ، لَا بِإِيجَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ حَالَ الْحُدُوثِ تَكْلِيفًا بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ الْمَجْمُوعِيَّ لَمْ يُوجَدْ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ، وَالِابْتِلَاءُ صَحِيحٌ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ الْفِعْلِ بَعْدُ. وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الِامْتِثَالِ وَالِابْتِلَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وُجِدَ مِنَ الْفِعْلِ فَقَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ ; فَيَكُونُ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِالْبَاقِي، لَا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالذَّاتِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَبِأَجْزَائِهِ بِالْعَرَضِ. [فَمَا] لَمْ يَحْدُثْ، فَالْمَجْمُوعُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ. [التكليف بالْفِعْلُ حَالَ حُدُوثِهِ] ش - قَالَ الشَّيْخُ وَمَنْ تَابَعَهُ: الْفِعْلُ حَالَ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ بِاتِّفَاقٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ لَمْ نَقُلْ. وَإِذَا كَانَ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مَقْدُورًا، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَمْتَنِعُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ عَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بَعْدَ تَمَامِ الْفِعْلِ، أَوْ لُزُومِ إِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِ الِابْتِلَاءِ. وَمِمَّا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ يُعْرَفُ جَوَابُهُ. [الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: الْمُكَلَّفُ] [كون الْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ] ش - الْأَصْلُ الرَّابِعُ: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ; وَهُوَ الْمُكَلَّفُ. وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ فَهْمَ الْمُكَلَّفِ هَلْ هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا يَفْهَمُ الْخِطَابَ. وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ: الِابْتِلَاءُ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي تَكْلِيفِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ التَّهَيُّؤُ لِلِامْتِثَالِ إِذَا فَهِمَ الْمُبْتَلَى الْخِطَابَ. بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّهَيُّؤُ لِلِامْتِثَالِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الِامْتِثَالُ، فَتَحْصُلُ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ الَّتِي هِيَ الِابْتِلَاءُ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْفَهْمِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِدُونِ فَهْمِ الْمُكَلَّفِ الْخِطَابَ، لَكَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ فِي الْمُكَلَّفِ طَاعَةً، أَيْ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.

стр. 423

ص - قَالُوا: مَقْدُورٌ حِينَئِذٍ بِاتِّفَاقٍ، فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ. قُلْنَا: [بَلْ] يَمْتَنِعُ بِمَا ذَكَرْنَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

ص - الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: الْمُكَلَّفُ. (مَسْأَلَةٌ) : الْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ. وَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ الْمُسْتَحِيلَ ; لِعَدَمِ الِابْتِلَاءِ. لَنَا: لَوْ صَحَّ - لَكَانَ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنْهُ طَاعَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَصَحَّ تَكْلِيفُ الْبَهِيمَةِ ; لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ. ص - قَالُوا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يَقَعْ، وَقَدِ اعْتُبِرَ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَقَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ تَكْلِيفٍ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ، كَقَتْلِ الطِّفْلِ وَإِتْلَافِهِ. ص - قَالُوا: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى. قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، إِمَّا بِمِثْلِ " لَا تَمُتْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ ". وَإِمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الثَّمِلُ لِمَنْعِهِ التَّثَبُّتَ، كَالْغَضَبِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ [أَنَّ] التَّكْلِيفَ طَلَبٌ. وَالطَّلَبُ يَسْتَدْعِي الْحُصُولَ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَلِأَنَّ حُصُولَ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ مَشْرُوطٌ بِالْقَصْدِ إِلَى الِامْتِثَالِ، وَالْقَصْدُ إِلَى الِامْتِثَالِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْفَهْمِ. وَكُلُّ خِطَابٍ مُتَضَمِّنٍ لِلْأَمْرِ بِالْفَهْمِ. فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَيْفَ يُقَالُ لَهُ: افْهَمْ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ، يَصِحُّ تَكْلِيفُ الْبَهِيمَةِ ; لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ وَالْبَهِيمَةَ مُتَسَاوِيَانِ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. ش - هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ تَكْلِيفُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْخِطَابَ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ فَرْعُ الْجَوَازِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَهُوَ مُكَلَّفٌ ; لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ طَلَاقُهُ وَقَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ.

стр. 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ تَكْلِيفٍ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَنْوَاعِ خِطَابِ الْوَضْعِ، كَإِتْلَافِ الصَّبِيِّ، وَإِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ حَيْثُ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ وَأَتْلَفَتِ الزَّرْعَ. فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْبَهِيمَةَ لَمْ يَكُونَا مُكَلَّفَيْنِ، بَلْ جُعِلَ فِعْلُهُمَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ أَدَاؤُهَا أَوْ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بَالِغًا. وَيَجِبُ عَلَى مَالِكِ الْبَهِيمَةِ أَدَاؤُهَا. كَذَلِكَ السَّكْرَانُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ حُكْمِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ بَاقِي أَفْعَالِهِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِدُونِ فَهْمِ الْخِطَابِ. تَوْجِيهُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مُكَلَّفٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ حَالَةَ السُّكْرِ، وَالسَّكْرَانُ حَالَةَ السُّكْرِ غَافِلٌ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ.

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَإِلَّا يَلْزَمُ بُطْلَانُ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ. وَلَهَا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ السُّكْرِ حَالَةَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ، إِنْ كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، لَا النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ حَالَةَ السُّكْرِ. مِثْلَ مَا يُقَالُ: لَا تَمُتْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ. أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الظُّلْمِ عِنْدَ الْمَوْتِ، لَا النَّهْيَ عَنِ الْمَوْتِ حَالَةَ الظُّلْمِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السَّكْرَانِ: الثَّمِلُ. وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مِنْهُ مَبَادِئُ النَّشَاطِ وَالطَّرَبِ وَمَا زَالَ عَقْلُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَكَامَلَ فِيكُمُ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ. وَيَكُونُ تَسْمِيَةُ الثَّمِلِ بِالسَّكْرَانِ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يُئُولُ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِنْ فَهِمَ الْمُكَلَّفُ الْخِطَابَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لِعَدَمِ تَثَبُّتِ الثَّمِلِ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ يَعْسُرُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إِتْمَامُ الْخُشُوعِ وَمُحَافَظَةُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، كَالْغَضْبَانِ. [تعلق الأمر بالمعدوم] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: نَعَمْ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ، أَنَّ الْمَعْدُومَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَعْدُومًا ; فَإِنَّ الْمَجْنُونَ وَالصَّبِيَّ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَأْمُورَيْنِ، وَهُمَا أَقْرَبُ إِلَى دَرَجَةِ الْمَأْمُورِينَ مِنَ الْمَعْدُومِ. بَلِ الْمُرَادُ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ، وَهُوَ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْدُومِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ وَاسْتَعَدَّ لِفَهْمِ الْخِطَابِ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِذَلِكَ الطَّلَبِ الْقَدِيمِ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ الطَّلَبِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ أَزَلِيًّا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.

стр. 428

ص - (مَسْأَلَةٌ) : قَوْلُهُمْ: الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ، لَمْ يُرَدْ تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ التَّعَلُّقُ الْعَقْلِيُّ. لَنَا: لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ - لَمْ يَكُنْ أَزَلِيًّا ; لِأَنَّ مِنْ حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقَ، وَهُوَ أَزَلِيٌّ. ص - قَالُوا: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ [مَوْجُودٍ] مُحَالٌ. قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ. وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: إِنَّمَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فِيمَا لَا يَزَالُ، وَقَالَ: الْقَدِيمُ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ. وَأَوْرَدَ [أَنَّهَا] أَنْوَاعُهُ فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ. ص - قَالُوا: يَلْزَمُ التَّعَدُّدُ. قُلْنَا: التَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدًا وُجُودِيًّا. ص - (مَسْأَلَةٌ) : يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ. فَلِذَلِكَ يُعْلَمُ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَخَالَفَ الْإِمَامُ وَالْمُعْتَزِلَةُ. وَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْآمِرِ اتِّفَاقًا. ص - لَنَا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يَعْصِ أَحَدٌ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ وُقُوعِهِ مِنْ إِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يُعْلَمْ تَكْلِيفٌ ; لِأَنَّهُ بَعْدَهُ، وَمَعَهُ يَنْقَطِعُ، وَقَبْلَهُ لَا يُعْلَمُ. فَإِنْ فَرَضَهُ مُتَّسِعًا، فَرَضْنَاهُ زَمَنًا زَمَنًا، فَلَا يُعْلَمُ أَبَدًا. وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ - لَمْ يَعْلَمْ إِبْرَاهِيمُ وُجُوبَ الذَّبْحِ. وَالْمُنْكِرُ مُعَانِدٌ. ص - وَقَالَ الْقَاضِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. ص - الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ صَحَّ - لَمْ يَكُنِ الْإِمْكَانُ شَرْطًا فِيهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمْكَانَ الْمَشْرُوطَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَأَتَّى فِعْلُهُ عَادَةً عِنْدَ وَقْتِهِ وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ. وَالْإِمْكَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُقُوعِ مَحَلُّ النِّزَاعِ. [وَبِأَنَّهُ] يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ مَعَ جَهْلِ الْآمِرِ. ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّ - لَصَحَّ مَعَ عِلْمِ الْمَأْمُورِ. وَأُجِيبَ بِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ. وَلِهَذَا يُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ وَالْبِشْرِ وَالْكَرَاهَةِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْغَيْرِ جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ. فَإِذَا لَمْ يَجُزِ التَّعَلُّقُ بِالْمَعْدُومِ، لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ حَاصِلًا فِي الْأَزَلِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِ الْمُكَلَّفِ مَعْدُومًا فِي الْأَزَلِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ حَاصِلًا، لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ حَاصِلًا فِي الْأَزَلِ ; ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْجُزْءِ، فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ أَزَلِيًّا. وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ. فَقَوْلُهُ " لِأَنَّ مِنْ حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقَ " إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ. وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ أَزَلِيٌّ " إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ التَّالِي. ش - الْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَزَلِيًّا. وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ لَوْ كَانَ أَزَلِيًّا، لَكَانَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ مَوْجُودٌ ;

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَحِيلُ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَزَلِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ: " إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَحِيلُ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ " أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْجُمْلَةِ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمِيًّا أَوْ خَارِجِيًّا، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ الَّذِي هُوَ مَعْدُومٌ فِي الْخَارِجِ ثَابِتٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلًا. وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، فَلَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ. قَوْلُهُ: " لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسْتَحِيلُ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ ". قُلْنَا: هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ وُجُودَ الْأَمْرِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ مُسْتَبْعَدٌ، وَالِاسْتِبْعَادُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ. وَمِنْ أَجْلِ اسْتِبْعَادِ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ سَامِعٍ لِلْخِطَابِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ إِنَّمَا يَتَّصِفُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا فِيمَا لَا يَزَالُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْأَزَلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْأَزَلِ شَيْءٌ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ وَاحِدًا مِنْهَا قَدِيمًا، بَلِ

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْقَدِيمُ، الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: إِثْبَاتُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ، وَالْحُكْمُ بِحُدُوثِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ الْمُوجِبِ رَفْعَ الِاسْتِبْعَادِ. وَأُورِدُ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ أَنْوَاعُ الْكَلَامِ، وَلَا نَوْعَ لَهُ سِوَاهُ. فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَنْوَاعِهِ حَادِثَةً ; لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي أَحَدِ أَنْوَاعِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ فِي الْأَزَلِ لَمْ يَتَحَقَّقْ هُوَ فِيهِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ، لَا تَكُونُ قَدِيمَةً. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ قَدِيمَةً، يَلْزَمُ التَّعَدُّدُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا أَنْوَاعًا لِلْكَلَامِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي الْأَزَلِ، لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، وَأَنَّ تَنَاوُلَ جَمِيعِ مَعَانِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ إِلَى رُسُلِهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَاحِدٌ، وَمَعَ وَحْدَتِهِ يُحِيطُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: التَّعَدُّدُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْكَلَامِ، هُوَ التَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ الَّتِي هِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ. وَالتَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لَمَّا كَانَ اعْتِبَارِيًّا لَا يُوجِبُ التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ.

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْجُمْهُورُ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْأَزَلِ، لَا التَّعَدُّدَ الِاعْتِبَارِيَّ. وَمَعْنَى كَوْنِ كَلَامِهِ وَاحِدًا بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ، وَمُتَعَدِّدًا بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ. فَبِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا لَوْ فُعِلَ اسْتَحَقَّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ، وَإِنْ تُرِكَ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، يَكُونُ أَمْرًا. وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَا لَوْ تُرِكَ اسْتَحَقَّ تَارِكُهُ الْمَدْحَ، وَإِنْ فُعِلَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ يَكُونُ نَهْيًا. وَبِاعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا لَا طَلَبَ فِيهِ، يَكُونُ خَبَرًا. [صحة التَّكْلِيف بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وَقْتِهِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى صِحَّتِهِ. وَلِأَجْلِ صِحَّةِ مِثْلِ هَذَا التَّكْلِيفِ بِعِلْمِ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُكَلَّفُ

стр. 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] مِنَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ ; ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْعِلْمِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِتَحَقُّقِ شَرْطِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ عِنْدَ الْوَقْتِ. وَخَالَفَهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةُ. وَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِمَا جَهِلَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْوَقْتِ بِالِاتِّفَاقِ. كَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " صُمْ غَدًا " فَإِنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ الْعَبْدِ غَدًا، وَهُوَ مَجْهُولٌ لِلْآمِرِ. ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ شَرَعَ فِي إِثْبَاتٍ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَهُوَ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ. وَبَيَّنَهُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْأَوَّلُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، لَمْ يَعْصِ أَحَدٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ أَبَدًا بِتَرْكِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ وُقُوعَ كُلِّ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ مَشْرُوطٌ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ - وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ أَوْ بِإِرَادَةٍ حَادِثَةٍ - وَهِيَ إِرَادَةُ الْخَلْقِ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ. فَإِذَا تَرَكَ الْفَاعِلُ الْفِعْلَ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ وُقُوعَ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ. وَأَيْضًا: يُعْلَمُ أَنَّ الْعَاصِيَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ فَيَكُونُ عَالِمًا بِانْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُكَلَّفًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ لَمْ يُعْلَمْ تَكْلِيفٌ أَصْلًا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ قَطْعًا، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْفِعْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعَ الْفِعْلِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِالتَّكْلِيفِ بَعْدَ الْفِعْلِ وَمَعَهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَكُونُ خِلَافَ الْوَاقِعِ. وَقَبْلَ الْفِعْلِ لَا يُجْزَمُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ عِنْدَ وَقْتِ الْفِعْلِ. وَإِذَا لَمْ يُجْزَمْ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لَمْ يُجْزَمْ بِوُقُوعِ الْمَشْرُوطِ. فَلَا يُعْلَمُ التَّكْلِيفُ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ قَبْلَ الْفِعْلِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ لَمْ يُعْلَمْ أَصْلًا. قَوْلُهُ: " فَإِنْ فَرَضَهُ مُتَّسِعًا " إِشَارَةٌ إِلَى سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُلَازَمَةِ.

стр. 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَمْ يُعْلَمْ تَكْلِيفٌ أَصْلًا. وَذَلِكَ لِأَنَّا نَفْرِضُ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ مُوَسَّعًا، كَالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، فَإِنَّهُ إِذَا انْقَضَى مِنَ الْوَقْتِ، الْقَدْرُ الَّذِي تَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمَ الْمُكَلَّفُ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ يُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنَ الْفِعْلِ. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: نَفْرِضُ زَمَنًا زَمَنًا، أَيْ يَجْرِي الْوَقْتُ الْمُوَسَّعُ إِلَى مَا قَبْلَ الْفِعْلِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ. وَنَقُولُ: التَّكْلِيفُ لَمْ يُعْلَمْ قَبْلَ أَوَّلِ الزَّمَانِ الْمُوَسَّعِ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْفِعْلِ، وَلَا مَعَ أَوَّلِ الزَّمَانِ الْمُوَسَّعِ، إِنْ وَقَعَ الْفِعْلُ فِيهِ، وَلَا بَعْدَهُ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ. وَقِسْ عَلَى هَذَا بَاقِيَ الْأَجْزَاءِ. الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، لَمْ يَعْلَمْ إِبْرَاهِيمُ وُجُوبَ ذَبْحِ وَلَدِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مُكَلَّفًا بِالذَّبْحِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِالذَّبْحِ، لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ. أَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ ﵇ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَ الذَّبْحِ لَمْ يَأْخُذْ فِي مُقَدِّمَاتِهِ مِنَ الْإِضْجَاعِ، وَتَلِّ الْجَبِينِ، وَإِمْرَارِ الْمُدْيَةِ.

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَمَنْ أَنْكَرَ عِلْمَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وُجُوبَ الذَّبْحِ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ مُكَابِرٌ. ش - احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ وَقَالَ: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ قَدْ تَحَقَّقَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، لَمْ يَتَحَقَّقِ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ، لِجَوَازِ ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْوُقُوعِ عِنْدَ الْوَقْتِ. ش - الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، لَمْ يَكُنْ إِمْكَانُ الْمُكَلَّفِ بِهِ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ لَيْسَ

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِمُمْكِنٍ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الشَّرْطِ يَكْشِفُ عَنْ تَحَقُّقِ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ عِلْمًا. وَعَدَمُ الشَّرْطِ يَسْتَلْزِمُ امْتِنَاعَ الْمَشْرُوطِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ ; أَحَدُهُمَا نَقَضٌ [تَفْصِيلِيٌّ] وَالْآخَرُ إِجْمَالِيٌّ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الْإِمْكَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ بِهِ مِمَّا يَتَأَتَّى فِعْلُهُ عَادَةً عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَاسْتِجْمَاعُ شَرَائِطِهِ، وَالْفِعْلُ الَّذِي عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ مُمْكِنٌ بِهَذَا الْمَعْنَى ; فَإِنَّهُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ يَتَأَتَّى وُقُوعُهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَامْتِنَاعُهُ سَبَبُ انْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ لَا يُنَافِي هَذَا الْإِمْكَانَ، بَلِ الْإِمْكَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُقُوعِ الْفِعْلِ يُنَافِي امْتِنَاعَهُ بِسَبَبِ انْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ] ) . وَكَوْنُ هَذَا الْإِمْكَانِ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ، هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا لِإِمْكَانِ شَرْطِ الِامْتِثَالِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ ; فَإِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَقْتَضِي حُصُولَ الْمُكَلَّفِ بِهِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ التَّكْلِيفُ لِأَجْلِ الِابْتِلَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ، لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا إِذَا جَهِلَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنِ الْإِمْكَانُ شَرْطًا; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا، لِجَوَازِ انْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ. ش - الْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا أَيْضًا: لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، لَصَحَّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الْمَأْمُورُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَالْجَامِعُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْلُومًا عَدَمُ حُصُولِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ. فَإِنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ إِنَّمَا لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ إِمَّا الِامْتِثَالُ أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَلِمَ الْمَأْمُورُ امْتِنَاعَ الْفِعْلِ، يَمْتَنِعُ الِامْتِثَالُ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ فَلَا يُطِيعُ وَلَا يَعْصِي. بِخِلَافِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُورُ امْتِنَاعَ الْفِعْلِ قَدْ يُطِيعُ بِالْعَزْمِ وَالْبِشْرِ، وَقَدْ يَعْصِي بِالتَّرْكِ وَالْكَرَاهَةِ. [الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ] [مقدمة الأدلة الشرعية] ش - قَدْ ذُكِرَ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ يَنْحَصِرُ فِي الْمَبَادِئِ وَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالِاجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيحِ.

стр. 439

بَيَانُ الْمُخْتَصَرِ شَرْحُ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ (الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ) ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 440

الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ص - الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ. وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ. وَ [هُوَ] نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ. وَالْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ ضَرُورِيٌّ. وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ - لَكَانَتِ النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ ; إِذْ لَا غَيْرَهُمَا. وَالْخَارِجِيَّةُ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقُّلِ الْمُفْرَدَيْنِ. وَهَذِهِ مُتَوَقِّفَةٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَمَّا فَرَغَ عَنِ الْمَبَادِئِ شَرَعَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدَّمَهَا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيحِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَعْرِفِ الْأَدِلَّةَ وَأَقْسَامَهَا، وَأَحْكَامَهَا، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِهَا، وَلَا [مَعْرِفَةِ] تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالْأَدِلَّةُ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهَا. وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِيَّةِ: أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ [مَعْرِفَةِ دَلَالَتِهَا] مُسْتَفَادًا مِنَ الشَّرْعِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّمْعِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ. وَإِنَّمَا انْحَصَرَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ﵇ أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، وَهُوَ الْكِتَابُ، أَوْ لَا، وَهُوَ السُّنَّةُ. وَيَنْدَرِجُ فِيهَا قَوْلُ الرَّسُولِ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ وَارِدًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ﵇ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا مِمَّنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ - وَهُوَ الْإِجْمَاعُ - أَوْ لَا. وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ لِعِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا - وَهُوَ الْقِيَاسُ - أَوْ لَا، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ. وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ الْخَمْسَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا الْكِتَابُ.

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَمَّا السُّنَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ أَصْلَهُ إِمَّا الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَلْزَمُ رُجُوعُهُ إِلَى الْكِتَابِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ، فَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَاجَعٌ إِلَى مَعْقُولِ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ. وَعَلَى التَّقَادِيرِ يَلْزَمُ رُجُوعُهُ إِلَى الْكِتَابِ. وَالْكِتَابُ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الْكَاشِفُ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. فَيَكُونُ الْجَمِيعُ رَاجِعًا إِلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ. وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ، قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ. أَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ نِسْبَةً فَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ. وَأَمَّا كَوْنُ النِّسْبَةِ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةً بِالْمُتَكَلِّمِ فَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَقُمِ النِّسْبَةُ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ بِالْمُتَكَلِّمِ، لَكَانَتِ النِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا خَارِجِيَّةً، أَيْ خَارِجَةً عَنِ الْمُتَكَلِّمِ ; إِذْ لَا غَيْرُهُمَا. لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لَا تَكُونَ قَائِمَةً بِهَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقُّلِ مُفَرَدَيْهَا، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْخَارِجِيَّةِ يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقُّلِ شَيْءٍ. فَهَذِهِ النِّسْبَةُ لَا تَكُونُ خَارِجِيَّةً، فَتَكُونُ قَائِمَةً بِالْمُتَكَلِّمِ. [الْكِتَابُ] [تعريف الكتاب] ش - لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ أَصْلًا لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدَّمَ ذِكْرَهُ. ثُمَّ قَدَّمَ السُّنَّةَ عَلَى الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهَا أَصْلُهُ. ثُمَّ قَدَّمَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقِيَاسِ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ سَالِمًا عَنِ الْخَطَأِ. وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مُقَدِّمَةً وَثَلَاثَ مَسَائِلَ وَخَاتِمَةً. اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ، نَقُولُ: سَمِعْتُ كَلَامَ فُلَانٍ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَدْلُولِ الْأَلْفَاظِ، وَهِيَ الْمَعَانِي الَّتِي فِي النَّفْسِ، كَمَا قِيلَ: إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا = جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا.

стр. 443

١ - الْكِتَابُ ص - الْكِتَابُ: الْقُرْآنُ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ: " مَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ تَوَاتُرًا " - حَدٌّ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْمُصْحَفِ وَنَقْلَهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : مَا نُقِلَ آحَادًا فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِالتَّوَاتُرِ فِي تَفَاصِيلِ مِثْلِهِ. ص - وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مَنَعَتْ مِنَ التَّكْفِيرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْأُصُولِيُّ يَبْحَثُ فِي الْكَلَامِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَالْمُتَكَلِّمُ يَبْحَثُ فِي الْكَلَامِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي. وَلِذَلِكَ أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ، وَقَيَّدَ - فِي تَعْرِيفِ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ - الْكَلَامَ بِالْمُنَزَّلِ، لِيُخْرِجَ النَّفْسَانِيَّ. وَأَيْضًا يُخْرِجُ عَنْهُ كَلَامَ الْبَشَرِ. وَقَوْلُهُ: لِلْإِعْجَازِ، وَهُوَ قَصْدُ إِظْهَارِ صِدْقِ دَعْوَى النَّبِيِّ الرِّسَالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، يُخْرِجُ الْكَلَامَ الْمُنَزَّلَ الَّذِي لَيْسَ لِلْإِعْجَازِ، كَالْأَحَادِيثِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِنْ لَمْ نَقُلْ بِكَوْنِ نُزُولِهَا لِلْإِعْجَازِ. وَقَوْلُهُ: " بِسُورَةٍ مِنْهُ " وَأَرَادَ بَعْضًا مَخْصُوصًا يُسَاوِي فِي

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْقَدْرِ، الْكَوْثَرَ الَّتِي هِيَ أَقْصَرُ سُورَةٍ، يُخْرِجُ الْآيَةَ أَوْ بَعْضَهَا. وَأَيْضًا يُخْرِجُ الْكُتُبَ الْمَنْقُولَةَ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْقُرْآنِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ إِنْزَالَهَا لِلْإِعْجَازِ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِعْجَازِ لَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِعْجَازُ بِسُورَةٍ مِنْهُ. فَصَارَ هَذَا التَّعْرِيفُ مُنْطَبِقًا عَلَى مَجْمُوعِ الْقُرْآنِ. وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُسَمَّى بَعْضُ الْقُرْآنِ، قُرْآنًا، إِلَّا بِالْمَجَازِ. وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فِي حَدِّ الْكِتَابِ: " مَا نُقِلَ إِلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا " حَدٌّ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ. لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمُصْحَفِ، وَعَلَى مَا نُقِلَ فِيهِ ; لِأَنَّ الَّذِي نُقِلَ إِلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مَنْقُولًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمُصْحَفِ وَبَعْدَ النَّقْلِ. وَوُجُودُ الْمُصْحَفِ وَنَقْلُهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْمُصْحَفِ فَرْعٌ عَلَى إِثْبَاتِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ فِيهِ. وَإِثْبَاتُهَا فَرْعٌ عَلَى تَصَوُّرِهَا. وَكَذَا النَّقْلُ الْمُضَافُ إِلَى مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِهِ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مُتَوَاتِرًا مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ الْمُصْحَفِ

стр. 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَنَقْلِهِ، وَهُمَا مَوْقُوفَانِ عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مَعْرِفَةُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مُتَوَاتِرًا مَوْقُوفَةً عَلَى تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ. لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ. فَيَكُونُ تَعْرِيفُ الْقُرْآنِ بِهِ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. وَهُوَ بَاطِلٌ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي تَقْرِيرِهِ: " الْمُصَنِّفُ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِلُزُومِ الدَّوْرِ ; فَإِنَّ الْحُكْمَ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرِ الْقُرْآنِ ; لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ. فَلَوْ عُرِفَ الْقُرْآنُ بِهِمَا لَزِمَ الدَّوْرُ ". وَهَذَا الْكَلَامُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي الْمَتْنِ، لَا تَوْجِيهَ لَهُ أَصْلًا. أَمَّا كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمَتْنِ فَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْحُكْمَ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ، فَرْعُ تُصَوُّرِ الْقُرْآنِ، بَلْ قَالَ: وُجُودُ الْمُصْحَفِ وَنَقْلُهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ. أَمَّا أَنَّهُ لَا تَوْجِيهَ لَهُ أَصْلًا، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ فَرْعُ تَصَوُّرِ الْقُرْآنِ " غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. قَوْلُهُ: " لَمَّا عُرِفَ أَنَّ التَّصْدِيقَ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ ". قُلْنَا: هَذَا مُسَلَّمٌ بِهِ وَلَكِنْ لَا يُفِيدُ هَهُنَا ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرِ الْمُصْحَفِ وَالْوُجُودِ، لَا بِتَصَوُّرِ الْقُرْآنِ.

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ مَسْبُوقًا بِتَصَوُّرِ الْقُرْآنِ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ عُرِفَ الْقُرْآنُ بِالْمُصْحَفِ وَالنَّقْلِ، يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ عُرِفَ الْقُرْآنُ بِالْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمُصْحَفِ وَنَقْلِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي زَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي الْمُسْتَصْفَى. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَدْفَعَ التَّزْيِيفَ بِالْعِنَايَةِ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْرِيفُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِغَيْرِ الْمُثْبِتِ. وَالْإِثْبَاتُ وَالنَّقْلُ لَا يَسْتَدْعِيَانِ تَصَوُّرَ الْقُرْآنِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُثْبِتِ. [مَا نُقِلَ آحَادًا فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ] ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ أَنَّ مَا نُقِلَ آحَادًا لَيْسَ بِقُرْآنٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي يَكُونُ هَادِيًا لِلْخَلْقِ، مُعْجِزًا عَلَى وَجْهٍ لَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَتَوَاتَرَ فِي تَفَاصِيلِهِ، أَيْ فِي أَصْلِهِ وَأَجْزَائِهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ وَمَحَلِّهِ ; إِذِ الدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِهِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ شَائِعًا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا. فَمَا لَمْ يَبْلُغْ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ يُقْطَعْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ. [حكم البسملة في أول السور] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي النَّمْلِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] مِنَ الْقُرْآنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ سِوَى التَّوْبَةِ،؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهَا هَلْ تَكُونُ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ آيَةً بِرَأْسِهَا، أَوْ هِيَ مَعَ أَوَّلِ آيَةٍ مِنَ السُّورَةِ آيَةٌ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ حَمَلَ التَّرَدُّدَ عَلَى أَنَّهَا هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ سُورَةٍ أَوْ لَا. قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ ﵀ حَمْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى الْأَوَّلِ، أَصَحُّ.

стр. 448

وَالْقَطْعُ (أَنَّهَا) لَمْ تَتَوَاتَرْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قُرْآنًا، فَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِيهَا قَطْعًا، كَغَيْرِهَا. وَتَوَاتَرَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي النَّمْلِ فَلَا مُخَالِفَ. ص - قَوْلُهُمْ: مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " سَرَقَ - الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ آيَةً ". لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ يُقَابِلُهُ. ص - قَوْلُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِهِ، ضَعِيفٌ، يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ سُقُوطِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُكَرَّرِ. وَجَوَازَ إِثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنْهُ. مِثْلَ " وَيْلٌ " وَ " فَبِأَيِّ ". ص - لَا يُقَالُ: يَجُوزُ، وَلَكِنَّهُ، اتَّفَقَ تَوَاتُرُ ذَلِكَ. لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ لَمْ يُقْطَعْ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ السُّقُوطِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَالدَّلِيلُ نَاهِضٌ. وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ، كَالْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ وَنَحْوِهَا) . لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ - لَكَانَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ، كَـ " مَلِكِ " وَ " مَالِكِ " وَنَحْوِهِمَا. وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ لِاسْتِوَائِهِمَا. ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْعَمَلُ بِالشَّاذِّ غَيْرُ جَائِزٍ، مِثْلَ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيْامٍ مُتَتَابِعَاتٍ. وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، ﵀. لَنَا: لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَا بِخَبَرٍ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ. قَالُوا: يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا، فَيَجِبُ. قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ أَمْ لَا، وَقَالَ: يُسَرُّ بِهَا فِي الصَّلَاةِ. إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: " وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ " إِلَى قَوْلِهِ: " مِنَ الْجَانِبَيْنِ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يُحْكَمَ بِكَوْنِ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، أَوْ يُحْكَمَ بِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَأَيًّا مَا كَانَ يَلْزَمُ تَكْفِيرُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِمَّا جَعْلُ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا، أَوْ إِنْكَارُ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِلْكُفْرِ. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَلْزَمْ تَكْفِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ; لِأَنَّ قُوَّةَ الشُّبْهَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَنَعَتْ مِنَ التَّكْفِيرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِ التَّسْمِيَةِ

стр. 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فِي أَوَائِلِ السُّورِ لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ قَطْعِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ قُوَّةِ الشُّبْهَةِ عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ قُوَّةَ الشُّبْهَةِ إِنَّمَا تُطْلَقُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا عِنْدَهُ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْخَصْمِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ. فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَحَّ إِطْلَاقُ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّكْفِيرَ إِنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْقَطْعِيِّ، وَلَا مُخَالَفَةَ لِلْقَطْعِيِّ هَهُنَا. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْقَطْعِيَّ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ قَطْعًا ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ قُرْآنًا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ لَا يَكُونُ قُرْآنًا قَطْعًا. فَالتَّسْمِيَةُ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لَا تَكُونُ قُرْآنًا قَطْعًا كَغَيْرِهَا الَّذِي لَمْ يَتَوَاتَرْ. وَذَكَرَ أَنَّهَا قَدْ تَوَاتَرَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فَلَا مُخَالِفَ فِي أَنَّهَا قُرْآنٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ مَقْطُوعٌ وَالْمَقْطُوعُ [لَا تَخَالُفَ فِيهِ] .

стр. 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْقُرْآنِ ذَكَرُوا دَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ، لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ خَطِّ التَّسْمِيَةِ وَخَطِّ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَتَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ. لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْقُرْآنِ لَمَنَعَ الصَّحَابَةُ مِنْ أَنْ تُكْتَبْ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ ; لِأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ وَصِيَانَتِهِ وَتَمْيِيزِهِ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ، حَتَّى يَمْنَعُوا مِنْ كُتُبِهِ أَسَامِي السُّوَرِ مَعَ الْقُرْآنِ، وَمِنَ التَّفْسِيرِ وَالنَّقْطِ، كَيْلَا يَخْتَلِطَ بِالْقُرْآنِ غَيْرُهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: " سَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ آيَةً " إِلَى أَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. فَدَلَّ قَوْلُهُ، مَعَ عَدَمِ الْإِنْكَارِ، عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ.

стр. 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَيْنِ [الدَّلِيلَيْنِ] بِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ ; لِأَنَّهُمَا ظَنِّيَّانِ، وَمَا يُقَابِلُهُمَا - وَهُوَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَتَوَاتَرَتْ - قَطْعِيٌّ. وَالظَّنِّيُّ لَا يُفِيدُ إِذَا كَانَ مُقَابِلُهُ قَطْعِيًّا. فَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ: " لَا يُفِيدُ " خَبَرُهُ. ش - هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ إِيرَادٍ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَنِ الدَّلِيلَيْنِ. تَقْرِيرُ الْإِيرَادِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ. قَوْلُهُ: " لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ". قُلْنَا: التَّسْمِيَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَإِنْ [لَمْ] يَتَوَاتَرْ كَوْنُهَا مِنَ الْقُرْآنِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ قُرْآنًا ; لِأَنَّ ثُبُوتَ التَّسْمِيَةِ فِي الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا، لَا نِزَاعَ فِيهِ. وَالتَّوَاتُرُ فِي الْمَحَلِّ وَالْوَضْعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِ مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ الْمَتْنِ.

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّوَاتُرَ يُشْتَرَطُ فِي [ثُبُوتِ] مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ الْمَتْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مَحَلِّهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا نَقْلُ الْآحَادِ. فَالتَّسْمِيَةُ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قُرْآنًا، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا تَكُونَ قُرْآنًا قَطْعًا. فَلَا يَدُلُّ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ نَقُولَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّوَاتُرَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ وَالْوَضْعِ ضَعِيفٌ. وَمَعَ ضَعْفِهِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ سُقُوطِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُكَرَّرِ وَجَوَازَ إِثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنَ الْمُكَرَّرِ. مِثْلَ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. أَمَّا بَيَانُ ضَعْفِهِ فَهُوَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِتَوَاتُرِ الْمَتْنِ وَالْمَحَلِّ وَالْوَضْعِ وَالتَّرْتِيبِ فِيمَا هُوَ مِثْلُ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ. أَمَّا بَيَانُ لُزُومِ جَوَازِ سُقُوطِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُكَرَّرِ ; فَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْتَرَطِ التَّوَاتُرُ فِي الْمَحَلِّ جَازَ أَنْ لَا يَتَوَاتَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُكَرَّرَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ جَازَ أَنْ لَا يَصِلَ إِلَيْنَا، وَمَا جَازَ أَنْ لَا يَصِلَ إِلَيْنَا جَازَ سُقُوطُهُ. أَمَّا بَيَانُ لُزُومِ جَوَازِ إِثْبَاتِ كَثِيرٍ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنَ الْمُكَرَّرَاتِ فَلِأَنَّهُ

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] إِذَا تَوَاتَرَ بَعْضٌ مِنَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ الْمَتْنِ فَبَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْبَعْضِ فِي الْمَوَاضِعِ بِنَقْل الْآحَادِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْمُكَرَّرِ قُرْآنًا، ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ قُرْآنٍ، ثَبَتَ بِنَقْلِ الْآحَادِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوَازَيْنِ مُنْتَفٍ قَطْعًا فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ. فَقَوْلُهُ: " مُبْتَدَأٌ " وَقَوْلُهُ: " ضَعِيفٌ " خَبَرُهُ، وَقَوْلُهُ: " يَسْتَلْزِمُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ "، وَقَوْلُهُ: " وَجَوَازُ إِثْبَاتِ " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " جَوَازُ سُقُوطِ ". ش - هَذَا إِيرَادٌ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْإِيرَادِ الْأَوَّلِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِسْقَاطُ وَالْإِثْبَاتُ، بَلْ يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ يَمْنَعُهُمَا، لَكِنْ قَدِ اتَّفَقَ تَوَاتُرُ التَّكْرَارِ فِيمَا هُوَ مُكَرَّرٌ، وَالتَّوَاتُرُ مَنَعَ جَوَازَ الْإِسْقَاطِ وَالْإِثْبَاتِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَوَازُ الْإِسْقَاطِ مُتَحَقِّقًا، فَلَوْ قَطَعْنَا النَّظَرَ

стр. 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ اتِّفَاقُ تَوَاتُرِ الْمُكَرَّرِ، لَمْ يُقْطَعْ بِانْتِفَاءِ سُقُوطِ الْمُكَرَّرِ ; لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ سُقُوطِ الْمُكَرَّرِ هُوَ اتِّفَاقُ تَوَاتُرِ الْمُكَرَّرِ الْمَانِعِ عَنْ جَوَازِ السُّقُوطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِانْتِفَاءِ سُقُوطِ الْمُكَرَّرِ مِنَ الْقُرْآنِ، سَوَاءٌ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ اتِّفَاقِ تَوَاتُرِ الْمُكَرَّرِ، أَوْ لَمْ نَقْطَعْ. وَالدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى انْتِفَاءِ جَوَازِ السُّقُوطِ، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ وُجُوبِ اشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ فِيمَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمْ يَلْزَمُ جَوَازُ ذَلِكَ، أَيْ جَوَازُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السُّقُوطِ وَالْإِثْبَاتِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوَازَ وَإِنِ انْتَفَى فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ بِسَبَبِ اتِّفَاقِ التَّوَاتُرِ، لَكِنْ جَازَ أَنْ يَنْتَفِيَ التَّوَاتُرُ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ السُّقُوطِ وَالْإِثْبَاتِ فِيهِ. [تواتر الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ: الْقِرَاءَاتُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَهُمْ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -، بِشَرْطِ

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] [صِحَّةِ] إِسْنَادِهَا إِلَيْهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ وَجْهِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَمُوَافَقَةِ لَفْظِهَا خَطَّ الْمُصْحَفِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَاحِبِهَا. كَـ " مَلِكِ " بِغَيْرِ الْأَلْفِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى نَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَحَمْزَةَ، وَأَبِي عَمْرٍو، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، مَكْتُوبًا فِي مُصْحَفِهِمْ بِغَيْرِ الْأَلْفِ، مُسْتَقِيمًا وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَكَـ " مَالِكِ " بِالْأَلْفِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى الْكِسَائِيِّ وَعَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا، مَكْتُوبًا فِي مُصْحَفِهِمَا بِالْأَلْفِ، مُسْتَقِيمًا وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَاتِرَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ كَـ " مَلِكِ " وَ " مَالِكِ " قَرَأَ بِأَحَدِهِمَا بَعْضُ الْقُرَّاءِ، وَقَرَأَ بِالْآخَرِ بَعْضُهُمْ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْآنًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ ; إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ.

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُمَا قُرْآنًا دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا وَعَدَمِهِ. أَوْ لَا تَكُونُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قُرْآنًا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ قُرْآنًا وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. [الْعَمَلُ بِالشَّاذِّ] ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّاذِّ - وَهُوَ مَا نُقِلَ آحَادًا - غَيْرُ جَائِزٍ. مِثْلَ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيْامِ [مُتَتَابِعَاتٍ] . فَإِنَّ زِيَادَةَ " مُتَتَابِعَاتٍ " بَعْدَ قَوْلِهِ " أَيْامٍ " نُقِلَتْ آحَادًا. فَلَا يَجُوزُ، أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ جَوَّزَ الْعَمَلَ بِالشَّاذِّ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ] ٣) . لَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ ; إِذْ لَمْ يَتَوَاتَرْ. وَلَا خَبَرَ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ: مَا رَوَاهُ الرَّاوِي صَرِيحًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ ﵇. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا: إِمَّا الْقُرْآنُ وَإِمَّا خَبَرُ الْآحَادِ. لِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ قُرْآنًا فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يُذْكَرْ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِلرَّاوِي، وَذَكَرَهُ بَيَانًا لِمُعْتَقَدِهِ.

стр. 459

وَإِنْ سُلِّمَ - فَالْخَبَرُ الْمَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ. وَنَقْلُهُ قُرْآنًا، خَطَأٌ. ص - الْمُحْكَمُ: الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى. وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ، إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ أَوْ إِجْمَالٍ أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. وَالظَّاهِرُ، الْوَقْفُ عَلَى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الْعَمَلِ بِهِ; لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِخَطَئِهِ ; لِأَنَّهُ نَقَلَهُ قُرْآنًا، وَهُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ قَطْعًا. وَالْخَبَرُ الْمَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ. [الْمُحْكَمُ] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، خَتَمَ بَحْثَ الْكِتَابِ بِذِكْرِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَشْمَلُهُمَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ. وَالْمُحْكَمُ: الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِشْكَالٌ، وَلَا الْتِبَاسٌ. وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ، وَهُوَ مَا الْتَبَسَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ، إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، أَوْ لِإِجْمَالٍ فِي مَفْهُومِ
следующие страницы →