Полный текст (1 729 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَهُمْ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -، بِشَرْطِ
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[صِحَّةِ] إِسْنَادِهَا إِلَيْهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ وَجْهِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَمُوَافَقَةِ لَفْظِهَا خَطَّ الْمُصْحَفِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَاحِبِهَا.
كَـ " مَلِكِ " بِغَيْرِ الْأَلْفِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى نَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَحَمْزَةَ، وَأَبِي عَمْرٍو، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، مَكْتُوبًا فِي مُصْحَفِهِمْ بِغَيْرِ الْأَلْفِ، مُسْتَقِيمًا وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَكَـ " مَالِكِ " بِالْأَلْفِ الَّذِي نُسِبَ إِلَى الْكِسَائِيِّ وَعَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَيْضًا، مَكْتُوبًا فِي مُصْحَفِهِمَا بِالْأَلْفِ، مُسْتَقِيمًا وَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَاتِرَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ كَـ " مَلِكِ " وَ " مَالِكِ " قَرَأَ بِأَحَدِهِمَا بَعْضُ الْقُرَّاءِ، وَقَرَأَ بِالْآخَرِ بَعْضُهُمْ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْآنًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ ; إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ.
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُمَا قُرْآنًا دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا وَعَدَمِهِ.
أَوْ لَا تَكُونُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا قُرْآنًا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ بَعْضُ الْقُرْآنِ قُرْآنًا وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
[الْعَمَلُ بِالشَّاذِّ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّاذِّ - وَهُوَ مَا نُقِلَ آحَادًا - غَيْرُ جَائِزٍ. مِثْلَ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيْامِ [مُتَتَابِعَاتٍ] . فَإِنَّ زِيَادَةَ " مُتَتَابِعَاتٍ " بَعْدَ قَوْلِهِ " أَيْامٍ " نُقِلَتْ آحَادًا. فَلَا يَجُوزُ، أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ جَوَّزَ الْعَمَلَ بِالشَّاذِّ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ] ٣) .
لَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ ; إِذْ لَمْ يَتَوَاتَرْ. وَلَا خَبَرَ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ: مَا رَوَاهُ الرَّاوِي صَرِيحًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ ﵇. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا: إِمَّا الْقُرْآنُ وَإِمَّا خَبَرُ الْآحَادِ. لِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ قُرْآنًا فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يُذْكَرْ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِلرَّاوِي، وَذَكَرَهُ بَيَانًا لِمُعْتَقَدِهِ.
стр. 459
وَإِنْ سُلِّمَ - فَالْخَبَرُ الْمَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ. وَنَقْلُهُ قُرْآنًا، خَطَأٌ.
ص - الْمُحْكَمُ: الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى. وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ، إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ أَوْ إِجْمَالٍ أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ.
وَالظَّاهِرُ، الْوَقْفُ عَلَى الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الْعَمَلِ بِهِ; لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِخَطَئِهِ ; لِأَنَّهُ نَقَلَهُ قُرْآنًا، وَهُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ قَطْعًا. وَالْخَبَرُ الْمَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ.
[الْمُحْكَمُ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، خَتَمَ بَحْثَ الْكِتَابِ بِذِكْرِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَشْمَلُهُمَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ.
وَالْمُحْكَمُ: الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِشْكَالٌ، وَلَا الْتِبَاسٌ.
وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ، وَهُوَ مَا الْتَبَسَ مَعْنَاهُ عَلَى السَّامِعِ، إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، أَوْ لِإِجْمَالٍ فِي مَفْهُومِ
стр. 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُتَوَاطِئِ، مِثْلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ، مِثْلَ: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَمَثَلَ: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.
وَلَمَّا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] اشْتِبَاهٌ فِي أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ أَوْ لِلِاسْتِئْنَافِ تَعَرَّضَ لَهُ، فَقَالَ: وَالظَّاهِرُ الْوَقْفُ عَلَى " ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ". أَيِ الظَّاهِرُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ لَا لِلِاسْتِئْنَافِ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى " ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] " لَا عَلَى " اللَّهُ ". لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلِاسْتِئْنَافِ، لَزِمَ الْوَقْفُ عَلَى " اللَّهُ " فَيَجِبُ أَنْ لَا يَعْلَمَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ تَأْوِيلَهُ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ بِهِ خِطَابًا بِمَا لَا يُفْهَمُ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران: ٧] " حَالًا لِـ " الرَّاسِخُونَ " فَقَطْ ; لِامْتِنَاعِ أَنْ يَقُولَ : " آمَنَّا ". فَيَلْزَمُ اخْتِصَاصُ الْمَعْطُوفِ بِالْحَالِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اخْتِصَاصَ الْمَعْطُوفِ بِالْحَالِ يَجُوزُ حَيْثُ لَا لَبْسَ.
[السُّنَّةُ]
[عصمة الأنبياء]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ، شَرَعَ فِي السُّنَّةِ، وَذَكَرَ أَحْكَامَهَا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ.
стр. 462
٢ - السُّنَّةُ.
ص - السُّنَّةُ.
(مَسْأَلَةٌ) : الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَعْصِيَةٌ.
وَخَالَفَ الرَّوَافِضُ. وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةَ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ. وَمُعْتَمَدُهُمُ التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ.
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ بَعْدَ الرِّسَالَةِ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ ; لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ.
وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي غَلَطًا، وَقَالَ: دَلَّتْ عَلَى الصِّدْقِ اعْتِقَادًا. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِمَا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : فِعْلُهُ ﷺ مَا وَضَحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، أَوْ تَخْصِيصُهُ، كَالضُّحَى، وَالْوِتْرِ، وَالتَّهَجُّدِ، وَالْمُشَاوَرَةِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالْوِصَالِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَوَاضِحٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي بَيَانِ [أَنَّ] الْأَنْبِيَاءَ ﵈ هَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ أَمْ لَا؟
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْمَسَائِلِ الْأُخَرِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمَّا كَانَتْ مُنْقَسِمَةً إِلَى الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالتَّقَارِيرِ، وَجَبَ أَنْ يَبْحَثَ أَوَّلًا عَنِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ فِي أَنَّهَا هَلْ تَكُونُ [حَقَّةً] يَجِبُ عَلَيْنَا التَّأَسِّي بِهَا أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ بَيَانِ عِصْمَتِهِمْ.
فَنَقُولُ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أَنْ يَصْدُرَ، قَبْلَ الْبَعْثَةِ، مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.
وَخَالَفَهُمُ الرَّوَافِضُ مُطْلَقًا، أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمْ، قَبْلَ الْبَعْثَةِ، مَعْصِيَةٌ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.
وَخَالَفَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ، أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمُ الْكَبَائِرُ، وَيَجُوزَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمْ، قَبْلَ الْبَعْثَةِ، الصَّغَائِرُ.
وَمُعْتَمَدُ الْفَرِيقَيْنِ: التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ ; لِأَنَّ إِرْسَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا مِنَ الْكَبَائِرِ - كَمَا هُوَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ - وَمِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ - كَمَا
стр. 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
هُوَ عِنْدَ الرَّوَافِضِ - يُوجِبُ التَّنْفِيرَ عَنْهُ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا عَقْلًا. وَأَمَّا بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ; لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهَا. فَلَوْ جَازَ كَذِبُهُمْ فِيهَا لَبَطَلَ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صُدُورِ الْكَذِبِ مِنْهُمْ غَلَطًا، فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيمَا صَدَرَ عَنْهُمْ قَصْدًا وَاعْتِقَادًا. وَمَا صَدَرَ عَنْهُمْ غَلَطًا فَالْمُعْجِزَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْكَذِبِ مِنَ الْمَعَاصِي، فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا، وَالصَّغَائِرُ الدَّالَّةُ عَلَى خِسَّةِ فَاعِلِهِ وَنَقْصِ مُرُوءَتِهِ، كَسَرِقَةِ كِسْرَةٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ صُدُورِهَا مِنْهُمْ.
[فِعْلُهُ ﷺ ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ ﵇ هَلْ يَدُلُّ عَلَى شَرْعٍ مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا أَمْ لَا؟
الْفِعْلُ الصَّادِرُ عَنِ الرَّسُولِ ﵇ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّضِحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ، أَيْ يَكُونُهُ مُقْتَضَى طَبْعِ الْإِنْسَانِ وَجِبِلَّتِهِ، أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
وَالثَّانِي لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّضِحَ فِيهِ تَخْصِيصُهُ ﵇ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ لَا.
стр. 465
وَمَا سِوَاهُمَا، إِنْ وَضَحَ أَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلٍ أَوْ قَرِينَةٍ، مِثْلَ " صَلُّوا " وَ " خُذُوا ". وَكَالْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ، وَالْغَسْلِ إِلَى الْمَرَافِقِ - اعْتُبِرَ اتِّفَاقًا. وَمَا سِوَاهُ، إِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ، فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ.
وَقِيلَ: فِي الْعِبَادَاتِ. وَقِيلَ: كَمَا لَوْ تَعْلَمُ. وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ - فَالْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ، وَالْإِبَاحَةُ، وَالْوَقْفُ. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ - فَنَدْبٌ، وَإِلَّا فَمُبَاحٌ.
ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ ﵊ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا قَضَى الْآيَةَ. وَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ، وَظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ - ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوفُ [عِنْدَهُ] . وَالْوُجُوبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ.
وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَالْجَوَازُ، وَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ. وَأَيْضًا لَمَّا نَفَى الْحَرَجَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " زَوَّجْنَاكَهَا "، فُهِمَتِ الْإِبَاحَةُ مَعَ احْتِمَالِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْأَوَّلُ كَالضُّحَى، وَالْوِتْرِ، وَالتَّهَجُّدِ، وَالْمُشَاوَرَةِ، وَتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِينَةِ الدُّنْيَا. فَإِنَّهُ ﵇ خُصِّصَ بِوُجُوبِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِ.
стр. 467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَكَالْوِصَالِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَإِنَّهُ ﵇ مَخْصُوصٌ بِإِبَاحَتِهِمَا لَهُ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. وَالْأَوَّلَانِ وَاضِحٌ أَمْرُهُمَا، لَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِيهِمَا ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا حُكْمُهُ وَحُكْمُ أُمَّتِهِ فِيهِ، الْإِبَاحَةُ. وَالثَّانِي مُخْتَصٌّ بِهِ، لَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ بِهِ.
стр. 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا الثَّالِثُ - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَّضِحْ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ وَلَا تَخْصِيصُهُ - لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّضِحَ فِيهِ أَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلٍ مُجْمَلٍ، أَوْ لَا.
وَالْأَوَّلُ اعْتُبِرَ اتِّفَاقًا فِي مُقْتَضَى الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ] ، سَوَاءٌ وَضَحَ كَوْنُهُ بَيَانًا لِقَوْلٍ، كَالْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الرَّسُولِ ﵇ فِي الصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ. فَإِنَّهُ وَضَحَ كَوْنُهَا بَيَانًا بِقَوْلِهِ ﵇: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " وَ " «خُذُوا عَنَى مَنَاسِكَكُمْ» " أَوْ وَضَحَ كَوْنُهُ بَيَانًا بِقَرِينَةٍ، كَمَا إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ حَتَّى وَقَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهِ، فَفَعَلَ فِعْلًا صَالِحًا لِلْبَيَانِ فَإِنَّهُ وَضَحَ كَوْنُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بَيَانًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ، كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِآيَةِ
стр. 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
السَّرِقَةِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ. وَكَغَسْلِ الْيَدِ مَعَ الْمِرْفَقِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] .
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَّضِحْ كَوْنُهُ بَيَانًا لِقَوْلٍ مُجْمَلٍ - لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تُعْلَمَ صِفَةُ الْفِعْلِ مِنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، أَوْ لَا.
فَإِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ، فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً أَوْ غَيْرَهَا، عِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
стр. 470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْفِعْلُ عِبَادَةً، فَأَمَتُّهُ مِثْلُهُ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْخَلَّادِ.
وَقِيلَ: كَمَا لَمْ تَعْلَمْ، أَيْ حُكْمُ مَا عَلِمْتَ صِفَتَهُ كَحُكْمِ مَا لَا تَعْلَمْ صِفَتَهُ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ خَيْرَانَ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.
стр. 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي: النَّدْبُ. وَهُوَ مَذْهَبُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
الثَّالِثُ: الْإِبَاحَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
الرَّابِعُ: التَّوَقُّفُ. وَهُوَ مَذْهَبُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بِأَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَنَدْبٌ، وَإِلَّا فَمُبَاحٌ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
стр. 472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ أَفْعَالَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ. ثَلَاثَةٌ [مِنْهَا] لَمْ يَقَعْ فِيهَا نِزَاعٌ. وَاثْنَانِ مِنْهَا - وَهُمَا [الْأَخِيرَانِ] ، أَعْنِي مَا عُلِمَتْ صِفَتُهُ وَمَا لَمْ تُعْلَمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا.
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ، شَرَعَ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهَا فَبَدَأَ بِإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ عِنْدَهُ فِي الْقِسْمَيْنِ، وَتَمَسَّكَ بِوَجْهَيْنِ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ مَا عُلِمَ صِفَتُهُ فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ.
أَحَدُهُمَا: الْإِجْمَاعُ. وَبَيَانُهُ أَنَا نَقْطَعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى فِعْلِهِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ مِنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ، وَيَقْتَدُونَ بِالرَّسُولِ ﵇ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ أَحَدٍ مِنْهُمْ. كَرُجُوعِهِمْ إِلَى تَقْبِيلِهِ ﵇ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَإِلَى تَقْبِيلِهِ ﵇ لِنِسَائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ.
وَذَلِكَ دَلِيلُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأُمَّةِ حُكْمُهُ ﵇ فِي الْفِعْلِ الَّذِي عُلِمَ صِفَتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تُفِدِ الْمُرَاجَعَةُ لَهُمْ.
الثَّانِي: الْآيَةُ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ: أَنَّ اللَّهَ عَلَّلَ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ بِتَزْوِيجِ الرَّسُولِ ﵇ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ زَيْدٍ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْأُمَّةِ حُكْمَهُ ﵇ فِي الْفِعْلِ الْمَعْلُومِ صِفَتُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ فِي الْآيَةِ مَعْنًى ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُ، نَفْيُ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 473
ص - الْمُوجِبُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧] .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: مَا أَمَرَكُمْ لِمُقَابَلَةِ وَمَا نَهَاكُمْ. قَالُوا: " فَاتَّبِعُوهُ ".
أُجِيبَ: فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، أَوْ فِي الْقَوْلِ، أَوْ فِيهِمَا.
قَالُوا: " لَقَدْ كَانَ " إِلَى آخِرِهَا. أَيْ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ فَلَهُ فِيهِ أُسْوَةٌ.
قُلْنَا: مَعْنَى التَّأَسِّي: إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ.
ص - قَالُوا: خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَخَلَعُوا، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ، وَبَيَّنَ الْعِلَّةَ. قُلْنَا: لِقَوْلِهِ ﵊: " صَلُّوا " أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ.
قَالُوا: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ، تَمَسَّكُوا بِفِعْلِهِ. قُلْنَا: لِقَوْلِهِ ﵊: " خُذُوا " أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ.
ص - قَالُوا: لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْغُسْلِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ، «سَأَلَ عُمَرُ عَائِشَةَ ﵄ فَقَالَتْ: فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا» .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، شَرَعَ فِي الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ، إِنْ كَانَ عِبَادَةً فَنَدْبٌ، وَإِلَّا فَمُبَاحٌ. لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ [إِمَّا] أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ حَالَ إِتْيَانِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، الْقُرْبَةَ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَنَدْبٌ ; لِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ الْقُرْبَةَ بِهِ، دَلَّ عَلَى رُجْحَانِ فِعْلِهِ عَلَى التَّرْكِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ رَاجِحًا، لَمْ تُقْصَدْ بِهِ قُرْبَةٌ، فَلَزِمَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الرُّجْحَانِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ.
وَخُصُوصِيَّةُ الْوُجُوبِ - وَهُوَ الذَّمُّ عَلَى التَّرْكِ - زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الذَّمِّ بِتَرْكِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ ثَابِتَةٌ. وَإِذَا كَانَ رَاجِحًا، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ رَاجِحًا.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ - فَمُبَاحٌ، لِأَنَّ الْجَوَازَ ثَابِتٌ ; إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ [الذَّنْبِ] فِي فِعْلِهِ ﵇ ; لِأَنَّ وُقُوعَ [الذَّنْبِ] فِي فِعْلِهِ نَادِرٌ، مَغْلُوبٌ، وَالنَّادِرُ الْمَغْلُوبُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَخُصُوصِيَّةُ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لَمْ تَثْبُتْ ; إِذْ لَا وُجُوبَ وَلَا نَدْبَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ. وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ وَانْتَفَى الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ، تَعَيَّنَ الْإِبَاحَةُ.
стр. 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَيْضًا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْإِبَاحَةُ رَاجِحَةً فِي صُوَرِ ثُبُوتِ الْجَوَازِ، مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ، لَمَا فُهِمَتِ الْإِبَاحَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] لِامْتِنَاعِ [تُرَجُّحِ] الْمَرْجُوحِ أَوِ الْمُسَاوِي.
لَكِنْ فُهِمَتِ الْإِبَاحَةُ فَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ رَاجِحَةً فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ فِيمَا لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ، شَرَعَ فِي تَقْرِيرِ دَلَائِلِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِيمَا لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ.
وَلَمَّا كَانَ دَلَائِلُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، اعْتُبِرَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا، فَذَكَرَ أَوَّلًا الدَّلَائِلَ الْمَأْخُوذَةَ مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ ثُمَّ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْقِيَاسِ.
أَمَّا الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْكِتَابِ:
стр. 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] . وَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِأَخْذِ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ، أَيْ بِإِمْسَاكِ مَا أَتَى بِهِ. لِأَنَّ الْأَخْذَ هَهُنَا هُوَ الِامْتِثَالُ مَجَازًا. وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَيَكُونُ امْتِثَالُ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ وَاجِبًا. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَتَى بِهِ فِعْلُهُ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ، فَيَكُونُ امْتِثَالُهُ وَاجِبًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧] بِمَعْنَى مَا أَمَرَكُمْ. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: وَمَا نَهَاكُمْ وَالْأَمْرُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَاجِبًا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ. وَالْمُتَابَعَةُ هِيَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ مِثْلُ فِعْلِهِ وَاجِبًا.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ هِيَ الْمُتَابَعَةُ فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، أَيْ إِنْ كَانَ الرَّسُولُ فَعَلَهُ عَلَى قَصْدِ الْوُجُوبِ، كَانَتِ الْمُتَابَعَةُ هِيَ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ النَّدْبِ، فَالْمُتَابَعَةُ هِيَ الْإِتْيَانُ عَلَى قَصْدِ النَّدْبِ. أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْمُتَابَعَةِ هِيَ الْمُتَابَعَةُ فِي الْقَوْلِ، وَهِيَ الِامْتِثَالُ لِقَوْلِهِ. أَوِ الْمُرَادُ الْمُتَابَعَةُ فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا.
وَعَلَى التَّقَادِيرِ لَمْ يَلْزَمْ وُجُوبُ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ. أَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَلِأَنَّ الِاتْبَاعَ فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا عُلِمَ صِفَةُ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي الْقَوْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ.
стр. 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ التَّأَسِّيَ بِالرَّسُولِ ﵇ مِنْ لَوَازِمِ رَجَاءِ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، [وَرَجَاءُ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] هُوَ الْإِيمَانُ بِهِمَا. فَيَكُونُ مَضْمُونُ الْآيَةِ رَاجِعًا إِلَى جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ [الْآخِرِ] فَلَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي رَسُولِ اللَّهِ. فَوَجَبَ التَّأَسِّي بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأَسِّي وَاجِبًا، لَجَازَ تَرْكُهُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَجُوزُ تَرْكُهُ.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي ; فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَرْكُ التَّأَسِّي بِهِ، لَجَازَ تَرْكُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ جَوَازُ الْكُفْرِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ التَّأَسِّيَ بِهِ لَازِمٌ لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَوَازُ تَرْكِ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ تَرْكِ الْمَلْزُومِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنَ التَّأَسِّي ; إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ. فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ التَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ.
стр. 478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ دَلَائِلِهِمُ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْكِتَابِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهَا، شَرَعَ فِي دَلَائِلِهِمُ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ السُّنَّةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا دَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَمَّا خَلَعَ الرَّسُولُ ﵇ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ فَهِمُوا وُجُوبَ الْخَلْعِ عَلَيْهِمْ، فَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ. «فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﵇: لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا فِي جَوَابِهِ: لِأَنَّكَ خَلَعْتَ. فَأَقَرَّهُمُ الرَّسُولُ ﵇ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ، وَبَيَّنَ عِلَّةَ اخْتِصَاصِهِ بِالْخَلْعِ، حَتَّى حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ: «أَخِي جِبْرِيلُ ﵇ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذًى» .
فَلَوْلَا أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَاجِبٌ،
стр. 479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَمَا خَلَعُوا، وَلَمَا أَقَرَّهُمُ الرَّسُولُ ﵇ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى بَيَانِ عِلَّةِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ فَهْمَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ قَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» " فَإِنَّهُ لَمَّا سَبَقَ هَذَا الْكَلَامُ فَهِمُوا وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ. أَوْ لِأَنَّهُمْ خَلَعُوا لِفَهْمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ بِخَلْعِ [النَّبِيِّ]﵇ لَا لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ أَصْحَابَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالتَّمَتُّعِ - وَهُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ غَيْرُ الْمَكِّيِّ، أَيْ مَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فِي تِلْكَ السَّنَّةِ - وَلَمْ يَتَمَتَّعْ. فَقَالُوا: مَا لَكَ تَأْمُرُنَا بِالتَّمَتُّعِ وَلَمْ تَتَمَتَّعْ.
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ فِعْلِهِ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ، وَالرَّسُولُ ﵇ لَمْ يُنْكِرْ، بَلْ بَيَّنَ عُذْرًا يَخْتَصُّ بِهِ. فَلَوْلَا أَنَّ فِعْلَهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ لَأَنْكَرَهُ الرَّسُولُ، ﵇.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا فَهِمُوا وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " أَوْ أَنَّهُمْ مَا فَهِمُوا وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي فِعْلِهِ، بَلْ فَهِمُوا أَنَّ مُتَابَعَتَهُ مَنْدُوبَةٌ بِسَبَبِ فَهْمِ الْقُرْبَةِ مِنْ فِعْلِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنِ [الْتِقَاءِ] الْخِتَانَيْنِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ، رَجَعَ عُمَرُ إِلَى عَائِشَةَ ﵄ وَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَتْ: فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ ﷺ ، فَاغْتَسَلْنَا. فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ. فَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّرْ
стр. 481
قُلْنَا: إِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ " «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» " أَوْ لِأَنَّهُ بَيَانٌ وَإِنْ كُنْتُمْ [جُنُبًا] . أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ. أَوْ لِفَهْمِ الْوُجُوبِ.
ص - قَالُوا: أَحْوَطُ، كَصَلَاةٍ، وَمُطَلَّقَةٍ لَمْ تَتَعَيَّنَا. وَالْحَقُّ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيمَا ثَبَتَ وَجُوبُهُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عِنْدَهُمْ أَنَّ فِعْلَهُ ﵇ وَاجِبٌ، لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ.
стр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ [اسْتَفَادُوهُ] مِنْ حِكَايَةِ فِعْلِهِ ﵇ بَلْ [اسْتَفَادُوهُ] مِنْ قَوْلِهِ ﵇: " «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ» " وَإِنَّمَا رَجَعَ عُمَرُ إِلَى عَائِشَةَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ أَمْرُهُ ﵇ مُوَافِقًا لِفِعْلِهِ أَمْ لَا.
أَوْ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ لِأَنَّ فِعْلَهُ ﵇ وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] . وَلَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِ اعْتِبَارِ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ.
أَوْ لِأَنَّ الْغُسْلَ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ ﵇ مُسَاوَاتَهُ لِأُمَّتِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ".
فَفَهِمُوا وُجُوبَ الْغُسْلِ لِذَلِكَ ; لَا لِأَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَاجِبٌ. أَوْ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِمَّا حَكَتْهُ عَائِشَةُ، الْوُجُوبَ، فَيَكُونُ مِنَ الْقِسْمِ الَّذِي عُلِمَتْ صِفَتُهُ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِيَاسِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِعْلَهُ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ، دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَلِغَيْرِهِ. فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ، قِيَاسًا عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا وَنَسِيَهَا ; فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنِ الْوَاحِدَةُ الَّتِي تَرَكَهَا، حُكِمَ بِوُجُوبِ قَضَاءِ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَعَلَى وُجُوبِ الْكَفِّ فِي الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ تَتَعَيَّنْ، فَإِنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَاشْتَبَهَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِغَيْرِهَا، بِأَنْ نَسِيَهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُنَّ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ أَحْوَطُ أَيْضًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِتَحَقُّقِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا ثَبَتَ وَجُوبُهُ، كَالصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُطَلَّقَةِ.
أَوْ كَانَ الْوُجُوبُ هُوَ الْأَصْلَ، كَيَوْمِ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ. فَإِنَّهُ إِذَا غُمَّ يَوْمُ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَيُحْكَمُ بِوُجُوبِ صَوْمِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
стр. 484
أَوْ كَانَ الْأَصْلُ، كَالثَّلَاثِينَ. وَأَمَّا مَا احْتَمَلَ لِغَيْرِ ذَلِكَ - فَلَا.
ص - النَّدْبُ: الْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ التَّبْلِيغَ، وَالْإِبَاحَةُ مُنْتَفِيَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ص - الْإِبَاحَةُ هُوَ الْمُتَحَقِّقُ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ. أُجِيبُ: إِذَا لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِذَا عَلِمَ بِفِعْلٍ وَلَمْ يُنْكِرْهُ قَادِرًا. فَإِنْ كَانَ كَمُضِيِّ كَافِرٍ إِلَى كَنِيسَةٍ - فَلَا أَثَرَ لِلسُّكُوتِ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ.
وَإِنْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ - فَنَسْخٌ، وَإِلَّا لَزِمَ ارْتِكَابُ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنِ اسْتَبْشَرَ بِهِ - فَأَوْضَحَ.
وَتَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْقِيَافَةِ بِالِاسْتِبْشَارِ وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ لِقَوْلِ الْمُدْلِجِيِّ، وَقَدْ بَدَتْ لَهُ أَقْدَامُ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ﵄: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
وَأَوْرَدَ: إِنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ لِمُوَافَقَةِ الْحَقِّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْوُجُوبُ لَمَّا ثَبَتَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَمِلْنَا فِيهِ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَقِيسِ، وَلَمْ يَكُنِ الْوُجُوبُ فِيهِ أَصْلًا، فَلَمْ نَعْمَلْ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ، وَذَكَرَ دَلِيلًا لَهُمْ.
تَقْرِيرُهُ: أَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ وَلَا مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونُ إِمَّا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا.
وَالْوُجُوبُ مُنْتَفٍ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْوُجُوبِ لَاسْتَلْزَمَ التَّبْلِيغَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَعُلِمَ صِفَتُهُ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَالْإِبَاحَةُ أَيْضًا مُنْتَفِيَةٌ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا حَسَنَةٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَسَنٌ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَتَعَيَّنَ النَّدْبُ.
стр. 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: الْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ التَّبْلِيغَ وَلَمْ يُبَلِّغْ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ اسْتِلْزَامَ الْوُجُوبِ لِلتَّبْلِيغِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " بَلِّغْ " لَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْوُجُوبِ بِالتَّبْلِيغِ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ التَّبْلِيغِ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ، بَلْ بَلَّغَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: " فَاتَّبِعُوهُ ".
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَلِيلَكُمْ يُفِيدُ انْتِفَاءَ الْوُجُوبِ، لَكِنْ يُفِيدُ انْتِفَاءَ النَّدْبِ أَيْضًا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَاسْتَلْزَمَ التَّبْلِيغَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] " وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَعُلِمَ صِفَتُهُ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْإِبَاحَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ التَّأَسِّي بِهِ، بَلْ حُسْنُ التَّأَسِّي لِأَنَّ الْحَسَنَةَ صِفَةٌ لِلْأُسْوَةِ. فَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْإِبَاحَةِ، وَيَكُونُ التَّأَسِّي بِهَا حَسَنًا، بِأَنْ يُؤْتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ.
стр. 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ، قَالُوا: إِنَّ الْإِبَاحَةَ هُوَ الْمُتَحَقِّقُ ; لِأَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ثَابِتٌ، وَزِيَادَةُ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْإِبَاحَةِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا لَمْ يَظْهَرُ قَصْدُ الْقُرْبَةِ. أَمَّا إِذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، يَثْبُتُ النَّدْبُ ; لِأَنَّ ظُهُورَ قَصْدِ الْقُرْبَةِ دَلِيلُ رُجْحَانِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُقْصَدُ بِهِ قُرْبَةٌ.
[إِذَا عَلِمَ بِفِعْلٍ وَلَمْ يُنْكِرْهُ قَادِرًا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ تَقْرِيرَ الرَّسُولِ، ﵇ وَهُوَ مَا فُعِلَ فِي حَضْرَتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ - هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا، إِذَا عَلِمَ الرَّسُولُ ﵇ بِفِعْلٍ صَدَرَ عَنِ الْمُكَلَّفِ وَلَمْ يُنْكِرِ الرَّسُولُ ﵇ ذَلِكَ الْفِعْلَ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى إِنْكَارِهِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِمَّا بَيَّنَ الرَّسُولُ ﵇ تَحْرِيمَهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ نُسَخُهُ، كَمُضِيِّ كَافِرٍ إِلَى كَنِيسَةٍ، فَلَا أَثَرَ لِسُكُوتِ الرَّسُولِ ﵇ اتِّفَاقًا. أَيْ عَدَمُ إِنْكَارِ الرَّسُولِ ﵇ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَمُضِيِّ كَافِرٍ إِلَى كَنِيسَةٍ، نُظِرَ.
فَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، دَلَّ عَدَمُ إِنْكَارِهِ ﵇ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ. وَإِنْ سَبَقَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، يَكُونُ عَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
стр. 488
وَالِاسْتِبْشَارَ بِمَا يُلْزِمُ الْخَصْمَ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ تَعَرَّضُوا لِذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ لَا تَمْنَعُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُنْكَرًا. وَإِلْزَامُ الْخَصْمِ حَصَلَ بِالْقِيَافَةِ فَلَا يَصْلُحُ مَانِعًا.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْفِعْلَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ، كَصَوْمٍ وَأَكْلٍ ; لِجَوَازِ الْأَمْرِ فِي وَقْتٍ، وَالْإِبَاحَةِ فِي آخَرَ. إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى [تَكْرِيرِ] وُجُوبِ الْأَوَّلِ لَهُ [أَوْ] لِأُمَّتِهِ، فَيَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا.
ص - فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْلٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ وَلَا تَأَسٍّ بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ وَتَأَخَّرَ - فَلَا تَعَارُضَ.
فَإِنْ تَقَدَّمَ - الْفِعْلَ نَاسِخٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ عِنْدَنَا. فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا - فَلَا تَعَارُضَ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَنَا وَلَهُ - فَتَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوِ الْقَوْلُ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ ظَاهِرًا فِيهِ، فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ كَمَا سَيَأْتِي.
ص - فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرٍ وَتَأَسٍّ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ. وَفِي حَقِّهِ، الْمُتَأَخِّرِ نَاسِخٌ.
فَإِنَّ جُهِلَ - فَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ: الْوَقْفُ ; لِلتَّحَكُّمِ.
فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا - فَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ. وَفِي الْأُمَّةِ، الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ.
فَإِنْ جُهِلَ - فَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ: يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ ; لِأَنَّهُ أَقْوَى ; لِوَضْعِهِ لِذَلِكَ، وَلِخُصُوصِ الْفِعْلِ بِالْمَحْسُوسِ، وَلِلْخِلَافِ فِيهِ، وَلِإِبْطَالِ الْقَوْلِ بِهِ جُمْلَةً. وَالْجَمْعُ، وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى.
قَالُوا: الْفِعْلُ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْقَوْلُ، مِثْلَ " صَلُّوا " وَ " خُذُوا عَنِّي " وَكَخُطُوطِ الْهَنْدَسَةِ وَغَيْرِهَا. قُلْنَا: الْقَوْلُ أَكْثَرُ.
وَإِنْ سُلِّمَ التَّسَاوِي - فَيَرْجِعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالْوَقْفُ ضَعِيفٌ لِلتَّعَبُّدِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَى الْجَوَازِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَسْبِقْ تَحْرِيمُهُ، وَعَلَى النَّسْخِ فِيمَا سَبَقَ تَحْرِيمُهُ، لَزِمَ أَنْ يَرْتَكِبَ الرَّسُولُ ﵇ فِعْلًا مُحَرَّمًا ; لِأَنَّ تَرْكَ إِنْكَارِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ، يَكُونُ حَرَامًا عَلَى الرَّسُولِ، ﵇. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَرَامِ لَا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ النَّبِيِّ.
فَإِنِ اسْتَبْشَرَ الرَّسُولُ ﵇ بِذَلِكَ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ الْإِنْكَارِ، كَانَ اسْتِبْشَارُهُ ﵇ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ. وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي جَوَازِ إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ بِاسْتِبْشَارِ النَّبِيِّ ﵇، - وَتَرْكِ إِنْكَارِهِ لِقَوْلِ الْمُدْلِجِيِّ حَيْثُ نَظَرَ الْمُدْلِجِيُّ إِلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَهُمَا تَحْتَ قَطِيفَةٍ، وَقَدْ ظَهَرَتْ لِلْمُدْلِجِيِّ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَاسْتَبْشَرَ الرَّسُولُ ﵇ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. فَلَوْلَا أَنَّ الْقِيَافَةَ حَقَّةٌ، يَجُوزُ إِثْبَاتُ النِّسَبِ
стр. 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِهَا، لَمَا اسْتَبْشَرَ الرَّسُولُ ﵇ بِقَوْلِهِ، وَلَأَنْكَرَهُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ تَرْكَ إِنْكَارِ الرَّسُولِ ﵇ لِقَوْلِ الْمُدْلِجِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُدْلِجِيِّ مُوَافِقٌ لِلْحَقِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الشَّرْعِ الْمُقْتَضِي لِثُبُوتِ النَّسَبِ، لَا لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْقِيَافَةِ.
وَاسْتِبْشَارُ الرَّسُولِ ﵇ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْقِيَافَةُ ; لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ تَعَرَّضُوا لِنَسَبِ أُسَامَةَ، فَطَعَنُوا فِيهِ، وَلَمْ يَعْتَقِدُوا ثُبُوتَ نَسَبِهِ بِظَاهِرِ الشَّرْعِ، وَكَانُوا [يَعْتَقِدُونَ] بِالْقِيَافَةِ فِي إِثْبَاتِ النِّسَبِ.
стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَافَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ طَرِيقًا صَالِحًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ، لَمْ يَجُزْ لِلنَّبِيِّ ﵇ تَرْكُ إِنْكَارِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِلْحَقِّ، لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ لَا تَمْنَعُ الْإِنْكَارَ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُنْكَرًا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ يُوهِمُ حَقِّيَّةَ الطَّرِيقِ. وَإِلْزَامُ الْخَصْمِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْقِيَافَةِ الْمُتَقَرِّرَةِ عِنْدَهُ.
وَإِنْكَارُ الرَّسُولِ ﵇ الْقِيَافَةَ لَا يَرْفَعُ إِلْزَامَ الْخَصْمِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِلْزَامُ الْخَصْمِ بِالْأَصْلِ الَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْزِمُ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ الْإِلْزَامُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِنْكَارِ. فَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا لَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَسْتَبْشِرْهُ بِهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْشَارَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِلْزَامِ وَيُوهِمُ حَقِّيَّةَ الْقِيَافَةِ.
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[الْفِعْلَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي تَعَارُضِ أَفْعَالِ الرَّسُولِ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، وَتَعَارُضُهُمَا مَعَ أَقْوَالِهِ.
وَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: تُقَابُلُهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضَى صَاحِبِهِ. وَالْفِعْلَانِ إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَا.
وَالثَّانِي لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ.
وَالْأَوَّلُ لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُمَا مَعًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، كَصَوْمٍ وَأَكْلٍ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي زَمَانٍ وَالْآخِرُ فِي زَمَانٍ آخَرَ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَوْ لَا.
وَالثَّانِي لَا تَعَارُضَ لَهُمَا أَصْلًا، سَوَاءٌ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الثَّانِي مِنْهُمَا أَوْ لَا يَدُلُّ ; لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِأَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَالْإِبَاحَةِ بِهِ وَقْتًا آخَرَ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ.
وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا - فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ التَّكْرِيرِ لِلرَّسُولِ ﵇ أَوْ لِأُمَّتِهِ، أَوْ لَهُمَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لِوُجُوبِ التَّكْرِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﵇.
وَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ إِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي الْأَوَّلِ.
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ دَلَّ [وَ] وُقُوعُ الْفِعْلِ الثَّانِي بَعْدَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُعَارَضَةٌ فِي حَقِّهِمْ.
وَقَبْلَ التَّأَسِّي يَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ أَيْضًا إِنْ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ فِي الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ أَيْضًا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ التَّكْرِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ فَقَطْ، فَلَا مُعَارَضَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ، إِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي الثَّانِي، وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ التَّكْرِيرِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَتَكَرَّرَ الْأَوَّلُ أَوِ الثَّانِي لَهُ وَلِأُمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ تَعَارُضِ أَفْعَالِهِ ﵇ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَعَارُضِ فِعْلِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﵇.
стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ كَانَ مَعَ فِعْلِ الرَّسُولِ قَوْلٌ - فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ أَوْ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ.
فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَلَا عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ.
فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، أَوْ خَاصًّا بِنَا، أَوْ عَامًّا لَنَا وَلَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْقَوْلُ عَنِ الْفِعْلِ أَوْ يَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ، أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ.
فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَتَأَخَّرَ عَنِ الْفِعْلِ، كَأَنْ فَعَلَ فِعْلًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، إِمَّا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي: لَا يَجُوزُ [لِي] مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ أَصْلًا، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ ; أَمَّا فِي حَقِّهِ فَلِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَتَنَاوَلِ الزَّمَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْفِعْلُ أَيْضًا لَمْ يَتَنَاوَلِ الزَّمَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْقَوْلُ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الْآخَرِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَعَلُّقٌ بِالْأُمَّةِ.
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ عَلَيَّ فِعْلُ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِضِدِّ مُقْتَضَى الْقَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمُقْتَضَاهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
فَعِنْدَنَا الْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ بَعْدَ الْقَوْلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، لَا يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِلْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِتَكْرَارِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ، فَحُكْمُهُ مِثْلُ الْقِسْمِ الَّذِي دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكَرُّرِ وَالتَّأَسِّي بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ [لَهُ لِذَلِكَ] .
следующие страницы →