← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَافَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ طَرِيقًا صَالِحًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ، لَمْ يَجُزْ لِلنَّبِيِّ ﵇ تَرْكُ إِنْكَارِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِلْحَقِّ، لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ لَا تَمْنَعُ الْإِنْكَارَ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُنْكَرًا ; لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ يُوهِمُ حَقِّيَّةَ الطَّرِيقِ. وَإِلْزَامُ الْخَصْمِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْقِيَافَةِ الْمُتَقَرِّرَةِ عِنْدَهُ. وَإِنْكَارُ الرَّسُولِ ﵇ الْقِيَافَةَ لَا يَرْفَعُ إِلْزَامَ الْخَصْمِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِلْزَامُ الْخَصْمِ بِالْأَصْلِ الَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْزِمُ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ الْإِلْزَامُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِنْكَارِ. فَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا لَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَسْتَبْشِرْهُ بِهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْشَارَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِلْزَامِ وَيُوهِمُ حَقِّيَّةَ الْقِيَافَةِ.

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] [الْفِعْلَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ] ش - الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي تَعَارُضِ أَفْعَالِ الرَّسُولِ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، وَتَعَارُضُهُمَا مَعَ أَقْوَالِهِ. وَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: تُقَابُلُهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضَى صَاحِبِهِ. وَالْفِعْلَانِ إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ. وَالْأَوَّلُ لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُمَا مَعًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، كَصَوْمٍ وَأَكْلٍ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي زَمَانٍ وَالْآخِرُ فِي زَمَانٍ آخَرَ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَوْ لَا. وَالثَّانِي لَا تَعَارُضَ لَهُمَا أَصْلًا، سَوَاءٌ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الثَّانِي مِنْهُمَا أَوْ لَا يَدُلُّ ; لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِأَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَالْإِبَاحَةِ بِهِ وَقْتًا آخَرَ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ. وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا - فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ التَّكْرِيرِ لِلرَّسُولِ ﵇ أَوْ لِأُمَّتِهِ، أَوْ لَهُمَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لِوُجُوبِ التَّكْرِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﵇. وَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ إِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي الْأَوَّلِ.

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ دَلَّ [وَ] وُقُوعُ الْفِعْلِ الثَّانِي بَعْدَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُعَارَضَةٌ فِي حَقِّهِمْ. وَقَبْلَ التَّأَسِّي يَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ أَيْضًا إِنْ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ فِي الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ أَيْضًا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ. وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ التَّكْرِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ فَقَطْ، فَلَا مُعَارَضَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمَّتِهِ، إِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي الثَّانِي، وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ. وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ التَّكْرِيرِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَتَكَرَّرَ الْأَوَّلُ أَوِ الثَّانِي لَهُ وَلِأُمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ تَعَارُضِ أَفْعَالِهِ ﵇ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَعَارُضِ فِعْلِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﵇.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنْ كَانَ مَعَ فِعْلِ الرَّسُولِ قَوْلٌ - فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ أَوْ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ. فَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَلَا عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، أَوْ خَاصًّا بِنَا، أَوْ عَامًّا لَنَا وَلَهُ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْقَوْلُ عَنِ الْفِعْلِ أَوْ يَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ، أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَتَأَخَّرَ عَنِ الْفِعْلِ، كَأَنْ فَعَلَ فِعْلًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، إِمَّا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي: لَا يَجُوزُ [لِي] مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ أَصْلًا، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ ; أَمَّا فِي حَقِّهِ فَلِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَتَنَاوَلِ الزَّمَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْفِعْلُ أَيْضًا لَمْ يَتَنَاوَلِ الزَّمَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْقَوْلُ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الْآخَرِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَعَلُّقٌ بِالْأُمَّةِ.

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ عَلَيَّ فِعْلُ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِضِدِّ مُقْتَضَى الْقَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمُقْتَضَاهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ. فَعِنْدَنَا الْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ بَعْدَ الْقَوْلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ. وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، لَا يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِلْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِتَكْرَارِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ، فَحُكْمُهُ مِثْلُ الْقِسْمِ الَّذِي دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكَرُّرِ وَالتَّأَسِّي بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ [لَهُ لِذَلِكَ] .

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِنَا فَلَا تَعَارُضَ أَصْلًا، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوْ تَأَخَّرَ ; لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ خَاصٌّ بِهِ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِنَا. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَنَا وَلَهُ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ شَامِلًا لَهُ بِطْرِيقِ التَّنْصِيصِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ وَجَبَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي فِعْلُ كَذَا، فَحُكْمُ تَقَدُّمِ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ مُتَأَخِّرًا، كَأَنْ فَعَلَ فِعْلًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: لَا يَجُوزُ لِي وَلِأُمَّتِي مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا تَعَارُضَ أَصْلًا، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّنَا ; لِعَدَمِ وُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ، وَلِعَدَمِ وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ. وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا فَلَا تَعَارُضَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ; بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّأَسِّي. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ التَّلَبُّسُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَعَلَى الْخِلَافِ. فَعِنْدَنَا نَسْخٌ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَعْصِيَةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَلَا تَعَارُضَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا إِلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ الْقَوْلُ التَّكْرَارَ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ شَامِلًا لِلرَّسُولِ ﵇ بِطَرِيقٍ ظَاهِرٍ، أَيْ لَا بِصَرِيحِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَذَا. فَبِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ يَكُونُ الْفِعْلُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّخْصِيصِ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ مُخَصِّصٌ لِلْعُمُومِ.

стр. 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ وَعَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ [بِهِ] . وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ وَتَأَسٍّ. وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ أَوْ خَاصًّا بِنَا، أَوْ عَامًّا لَهُ وَلَنَا. فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ. وَفِي حَقِّ الرَّسُولِ ﵇ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، وَالْقَوْلُ لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُمْ. وَفِي حَقِّهِ ﵇ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:

стр. 498

بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ كَانَ عَامًّا - فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ. فَإِنْ جُهِلَ - فَالثَّلَاثَةُ. ص - فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ فِي حَقِّهِ لَا تَأَسٍّ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، أَوْ عَامٌّ - فَلَا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ. فَإِنْ جُهِلَ - فَالثَّلَاثَةُ. وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ - فَلَا مُعَارَضَةَ. ص - فَإِنْ دَلَّ [الدَّلِيلُ] عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، دُونَ تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، وَتَأَخَّرَ - فَلَا مُعَارَضَةَ. فَإِنْ تَقَدَّمَ - فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ. فَإِنْ جُهِلَ - فَالثَّلَاثَةُ. فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي الْأُمَّةِ. فَإِنْ جُهِلَ - فَالثَّلَاثَةُ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًا - فَكَمَا تَقَدَّمَ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَحَدُهَا أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ يَحْتَاجُ عَلَى الْقَوْلِ فِي بَيَانِ وَجْهِ وُقُوعِهِ. الثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي الْبَيَانِ. وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: الْوَقْفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ التَّارِيخُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ، وَبِالْعَكْسِ، وَلَا تَرْجِيحَ لِتَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَالْجَزْمُ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ تَحَكُّمٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: " فَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ، الْوَقْفُ ". وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِنَا فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ ﵇ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوْ تَأَخَّرَ ; لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُ. وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ، إِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ، فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا وَالْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا أَوْ بِالْعَكْسِ، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ، وَالْقَوْلُ لَمْ يَقْتَضِ التَّكْرَارَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّنَا أَيْضًا. وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، فَفِيهِ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ. إِلَّا أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هَهُنَا الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ، وَبَيَّنَهُ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ وُضِعَ لِذَلِكَ. بِخِلَافِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ.

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ مَخْصُوصٌ بِالْمَحْسُوسِ، لِأَنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنِ الْمَعْقُولِ، وَالْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى الْمَحْسُوسِ وَالْمَعْقُولِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ أَعَمَّ فَائِدَةً، فَهُوَ أَوْلَى. الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي كَوْنِهِ دَالًّا، وَالْفِعْلُ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى. الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالْفِعْلِ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالْكُلِّيَّةِ، أَمَّا فِي حَقِّهِ ﵇ فَلِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَلِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْفِعْلِ حِينَئِذٍ وَالْعَمَلُ بِالْقَوْلِ لَا يُبْطِلُ الْفِعْلَ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ يُبْقِي الْعَمَلَ بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ، ﵇، فَلَوْ عَمِلْنَا بِالْقَوْلِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْفِعْلِ لَمْ يُمْكِنْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَلَوْ بِوَجْهٍ، أَوْلَى. وَالْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْفِعْلِ قَالُوا: الْفِعْلُ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْقَوْلُ ; لِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي» " وَ " «خُذُوا عَنَى مَنَاسِكَكُمْ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ وَمَنَاسِكِ الْحَجِّ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ: " صَلُّوا " وَ " خُذُوا ". وَكَذَا خُطُوطُ الْهَنْدَسَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ مُبَيِّنٌ لِلْقَوْلِ ; فَإِنَّ بَيَانَ دَعَاوَى الْهَنْدَسَةِ إِنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْخُطُوطِ وَالسُّطُوحِ وَالدَّوَائِرِ. فَيَكُونُ الْفِعْلُ أَوْلَى. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ وَإِنْ وَقَعَ، لَكِنَّ الْبَيَانَ بِالْقَوْلِ أَكْثَرُ، فَهُوَ أَوْلَى.

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ سُلِّمَ تَسَاوِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي الْبَيَانِ، رُجِّحَ جَانِبُ الْقَوْلِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ هَهُنَا فَضَعِيفٌ ; لِأَنَّا مُتَعَبَّدُونَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا، إِمَّا الْفِعْلُ أَوِ الْقَوْلُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ رُجْحَانُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ. بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى الَّتِي حَكَمْنَا فِيهَا بِالْوَقْفِ. فَإِنَّا لَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ; أَنَّهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﵇. وَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّسُولِ ﵇. فَالْحُكْمُ بِالْوَقْفِ فِيهَا أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلَنَا، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ وَتَأَخَّرَ الْقَوْلُ، فَهُوَ نَاسِخٌ ; لِوُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، وَلِوُجُوبِ التَّأَسِّي فِي حَقِّنَا. وَإِنْ تَأَخَّرَ الْفِعْلُ وَاشْتُغِلَ بِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ نَسَخَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ عِنْدَنَا إِلَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْقَوْلُ لَهُ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْفِعْلُ حِينَئِذٍ مُخَصِّصًا لِلْقَوْلِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْفِعْلُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَعْصِيَةِ. وَإِنِ اشْتُغِلَ بِالْفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الْقَوْلُ التَّكْرَارَ، فَلَا مُعَارَضَةَ، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّنَا. وَإِنِ اقْتَضَى الْقَوْلُ التَّكْرَارَ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلتَّكْرَارِ. وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُفَصِّلْ وَحَكَمَ بِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ مُطْلَقًا.

стр. 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ: الْوَقْفُ، وَالْعَمَلُ بِالْقَوْلِ، وَالْعَمَلُ بِالْفِعْلِ. وَالْمُخْتَارُ: الْوَقْفُ فِي حَقِّهِ وَالْعَمَلُ بِالْقَوْلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ. ش - هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ فِي حَقٍّ دُونَ وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ أَوْ عَامًّا لَهُ وَلَنَا، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوْ تَأَخَّرَ ; لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْفِعْلِ لَهُمْ. وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ فِي حَقِّهِ، ﵇، إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ الْعَامُّ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ كَانَ عُمُومُ الْقَوْلِ لَهُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ. وَمَعَ هَذَا، فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِمَا قِيلَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي. وَإِنْ جُهِلَ فَالْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ. وَالْمُخْتَارُ: الْوَقْفُ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ أَصْلًا، لَا فِي حَقِّهِ، وَلَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوِ الْقَوْلُ ; لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَهُوَ مَا يَكُونُ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، وَتَأَخَّرَ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَا مُعَارَضَةَ. أَمَّا فِي حَقِّهِ ; فَلِعَدَمِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ; فَلِعَدَمِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ; فَلِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ. وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، فَالْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ. وَالْمُخْتَارُ: الْوَقْفُ.

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ ; تَقَدَّمَ الْقَوْلُ، أَوْ تَأَخَّرَ ; لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ، الْمُتَأَخِّرُ - سَوَاءٌ كَانَ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا - نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ. فَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ. وَالْمُخْتَارُ: الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلَنَا، فَحُكْمُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ إِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ ; لِعَدَمِ وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ. وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ، الْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَ وُقُوعِ التَّأَسِّي بِهِ، وَبَعْدَهُ نَاسِخٌ لِلتَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ، إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ. وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ فِي حَقِّهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْعُمُومُ لَهُ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْفِعْلُ تَخْصِيصًا لِلْقَوْلِ. وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ، إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، نُسِخَ، وَإِلَّا فَتَخْصِيصٌ. وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ لَا مُعَارَضَةَ، لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، إِنْ لَمْ يَقْتَضِ الْقَوْلُ التَّكْرَارَ. وَإِنِ اقْتَضَى التَّكْرَارَ يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِلتَّكْرَارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَقْسَامِ تَفْصِيلًا، وَتَخْتَلِفُ بِهِ الْأَحْكَامُ. وَالْمُصَنِّفُ أَهْمَلَهُ وَنَحْنُ قَدْ تَعَرَّضْنَا لِبَعْضٍ مِنْهَا، وَأَعْرَضْنَا عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، اعْتِمَادًا عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمُحَصِّلِ الْفَطِنِ أَحْكَامَهُ بِقُوَّةِ الْبَاقِي. [الْإِجْمَاعُ] [تعريف الإجماع] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ السُّنَّةِ شَرَعَ فِي الْإِجْمَاعِ، وَذَكَرَ فِيهِ مُقَدِّمَةً وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي تَعْرِيفِهِ، وَإِثْبَاتِهِ، وَإِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِهِ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً. وَالْإِجْمَاعُ فِي اللُّغَةِ: الْعَزْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أَيِ اعْزِمُوا.

стр. 505

٣ - الْإِجْمَاعُ. ص - الْإِجْمَاعُ: الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ. وَمِنْ يَرَى انْقِرَاضَ الْعَصْرِ - يَزِيدُ " إِلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ ". وَمَنْ يَرَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ، وَجَوَّزَ وُقُوعَهُ - يَزِيدُ " لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافُ مُجْتَهِدٍ مُسْتَقِرٍّ ". الْغَزَالِي، ﵀: اتِّفَاقُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ [يُوجَدُ] وَلَا يَطَّرِدُ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا يَنْعَكِسُ بِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ. ص - وَخَالَفَ النَّظَّامُ وَبَعْضُ الرَّوَافِضِ فِي ثُبُوتِهِ. قَالُوا: انْتِشَارُهُمْ يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ عَادَةً. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ لِجَدِّهِمْ وَبَحْثِهِمْ. ص - قَالُوا: إِنْ كَانَ عَنْ قَاطِعٍ - فَالْعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ. وَالظَّنِّيُّ يَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ فِيهِ عَادَةً ; لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فِيهِمَا ; فَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ نَقْلِ الْقَاطِعِ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّنِّيُّ جَلِيًّا. ص - قَالُوا: يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهُ عَنْهُمْ عَادَةً ; لِخَفَاءِ بَعْضِهِمْ، أَوِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ أَسْرِهِ، أَوْ خُمُولِهِ، أَوْ كَذِبِهِ، أَوْ رُجُوعِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْآخَرِ. وَلَوْ سُلِّمَ - فَنَقْلُهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً ; لِأَنَّ الْآحَادَ لَا تُفِيدُ، وَالتَّوَاتُرُ بَعِيدٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِالْوُقُوعِ. فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِتَوَاتُرِ النَّقْلِ بِتَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى الْمَظْنُونِ. ص - وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَلَا يُعْتَدُّ بِالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ ﵀: مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ، اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ. ص - الْأَدِلَّةُ: مِنْهَا: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ. وَالْعَادَةُ تُحِيلُ إِجْمَاعَ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى قَطْعٍ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ، فَوَجَبَ تَقْدِيرُ نَصٍّ فِيهِ. وَإِجْمَاعُ الْفَلَاسِفَةِ وَإِجْمَاعُ الْيَهُودِ وَ [إِجْمَاعُ] النَّصَارَى غَيْرُ وَارِدٍ. لَا يُقَالُ: أَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِالْإِجْمَاعِ ; إِذْ أَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِنَصٍّ يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُثْبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً ثُبُوتَ نَصٍّ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْهُ بِطَرِيقٍ عَادِيٍّ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهَا وَلَا دَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُجَّةً. فَلَا دَوْرَ. ص - وَمِنْهَا: أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَاطِعٌ، وَإِلَّا تَعَارَضَ الْإِجْمَاعَانِ ; [لِأَنَّ] الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَجُّ عَلَيْهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ ; لِتَضَمُّنِ الدَّلِيلَيْنِ ذَلِكَ. قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ - فَلَا يَضُرُّ. ص -[اسْتَدَلَّ] الشَّافِعِيُّ ﵁: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] . وَلَيْسَ بِقَاطِعٍ ; لِاحْتِمَالٍ فِي مُتَابَعَتِهِ أَوْ مُنَاصَرَتِهِ، أَوِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، أَوْ فِي الْإِيمَانِ، فَيَصِيرُ دَوْرًا ; لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ التَّمَسُّكِ فِي الْقِيَاسِ. ص - الْغَزَالِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: " لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي " مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرُ الْمَعْنَى لِكَثْرَتِهَا، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁، وَجُودِ حَاتِمٍ. وَهُوَ حَسَنٌ. وَالثَّانِي: تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ. وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْآحَادِ. ص - وَاسْتَدَلَّ: إِجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى قَاطِعٍ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ امْتِنَاعُ إِجْمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى مَظْنُونٍ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ فِي الْجَلِيِّ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ. ص - الْمُخَالِفُ: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ، فَرُدُّوهُ وَنَحْوُهُ. وَغَايَتُهُ الظُّهُورُ. وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ حُجَّةٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) : وِفَاقُ مَنْ سَيُوجَدُ، لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ كَذَلِكَ. وَمِيلُ الْقَاضِي إِلَى اعْتِبَارِهِ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْأُصُولِيُّ. وَقِيلَ: الْفُرُوعِيُّ. ص - لَنَا: لَوِ اعْتُبِرَ لَمْ يُتَصَوَّرْ. وَأَيْضًا: الْمُخَالَفَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ. فَغَايَتُهُ مُجْتَهِدٌ مُخَالِفٌ وَعُلِمَ عِصْيَانُهُ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالِاتِّفَاقُ. يُقَالُ أَجْمَعُوا عَلَى كَذَا، أَيِ اتَّفَقُوا. وَفِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. فَ " الِاتِّفَاقُ " كَالْجِنْسِ، وَنَعْنِي بِهِ الِاشْتِرَاكَ، إِمَّا فِي الِاعْتِقَادِ، أَوِ الْقَوْلِ، أَوِ الْفِعْلِ، أَوْ إِطْبَاقِ بَعْضِهِمْ عَلَى الِاعْتِقَادِ وَبَعْضِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ، أَوِ الْفِعْلِ الدَّالِّينَ عَلَى الِاعْتِقَادِ. وَبِقَوْلِنَا: " الْمُجْتَهِدِينَ " يَخْرُجُ عَنْهُ اتِّفَاقُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ. وَبِقَوْلِنَا: " هَذِهِ الْأُمَّةُ " نَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﵇، يَخْرُجُ اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. وَبِقَوْلِنَا: " فِي عَصْرٍ " يَدْخُلُ اتِّفَاقُ مُجْتَهَدِي كُلِّ عَصْرٍ، فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ ; إِذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ الْأَعْصَارِ. وَيَخْرُجُ اتِّفَاقُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: " فِي أَمْرٍ " لِيُدْخِلَ فِيهِ الْإِثْبَاتَ وَالنَّفْيَ، وَالْقَوْلَ، وَالْفِعْلَ الشَّرْعِيَّ وَالْعَقْلِيَّ وَالْعُرْفِيَّ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ لِمَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَقَالَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ مَعَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ. أَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ أَهْلِ الْعَصْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ فِي الْحَدِّ. " إِلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ " لِيُوَافِقَ مَذْهَبَهُ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ، أَيِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ خِلَافِهِمْ، لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعًا، وَجَوَّزَ وُقُوعَ هَذَا الِاتِّفَاقِ

стр. 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بُعْدُ اسْتِمْرَارِ الْخِلَافِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، يَزِيدُ " لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافُ مُجْتَهِدٍ مُسْتَقِرٍّ " لِيُخْرِجَ عَنِ الْحَدِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي، لِيَكُونَ التَّعْرِيفُ مُطَابِقًا لِمَذْهَبِهِ. وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ وُقُوعَ هَذَا الِاتِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى زِيَادَةِ هَذَا الْقَيْدِ ; لِأَنَّ الْقَيْدَ لَا يُزَادُ فِي التَّعْرِيفِ لِخُرُوجِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ [مِنَ الْمُمْتَنِعَاتِ] . وَحَدَّ الْغَزَالِيُّ ﵀ الْإِجْمَاعَ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ [أَنْ] لَا يُوجَدَ إِجْمَاعٌ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ اتِّفَاقَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﵇، وَهِيَ تَتَنَاوُلُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، [وَ] لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِالْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ فِي عَصْرٍ، لَا يَطَّرِدُ الْحَدُّ، بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ. فَإِنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعَصْرِ الْحَالِّ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ دَاخِلٌ فِي حَدِّهِ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ ; إِذْ لَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ الْعَوَامِّ. وَأَيْضًا لَا يَنْعَكِسُ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ بِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى أَمْرٍ

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ ; لِأَنَّ حَدَّهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا عَلَى مِثْلِ هَذَا الِاتِّفَاقِ ; ضَرُورَةَ اعْتِبَارِ قَيْدِ " الدِّينِيَّةِ " تَعْرِيفَهُ. وَهُوَ إِجْمَاعٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ بِالْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِ " أُمَّةِ مُحَمَّدٍ " الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ. فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﵇ كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ. وَأَرَادَ بِ " الْأُمَّةِ " الْمُجْتَهِدِينَ ; لِأَنَّهُمْ فِي مَحَلِّ الِاعْتِبَارِ. وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ " الْأُمَّةِ " دُونَ " الْمُجْتَهِدِينَ " لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. نَحْوَ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. " «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ".

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَحَدُّ الْغَزَالِيِّ لِلْإِجْمَاعِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرٍ عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ إِجْمَاعًا عِنْدَهُ. فَلَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ. [ثبوت الإجماع] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ ثُبُوتِهِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ. وَخَالَفَ النَّظَّامُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الرَّوَافِضِ فِي جَوَازِ ثُبُوتِهِ، وَتَمَسَّكُوا فِي عَدَمِ جَوَازِهِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَالُوا: يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] حُكْمٍ إِنَّمَا يُمْكِنُ إِذَا نُقِلَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِنَقْلِهِ إِلَيْهِمْ، وَنَقْلُ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مُنْتَشِرُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ انْتِشَارَهُمْ يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّ انْتِشَارَهُمْ يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ كَانُوا مُجِدِّينَ فِي الْفَحْصِ عَنِ الْأَحْكَامِ، بَاحِثِينَ عَنْ أَدِلَّتِهَا. وَمَعَ الْجِدِّ وَالْبَحْثِ يُمْكِنُ نَقْلُ الْأَحْكَامِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُنْتَشِرِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ. ش - هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَمْرٍ، فَاتِّفَاقُهُمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَنْ سَنَدٍ، وَإِلَّا لَكَانَ خَطَأً فَحِينَئِذٍ إِنْ كَانَ الِاتِّفَاقُ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْقَاطِعُ فِي كُلِّ إِجْمَاعٍ مَنْقُولًا

стр. 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] إِلَيْنَا ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِ الْقَاطِعِ الَّذِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي إِلَى نَقْلِهِ. لَكِنْ لَمْ يُنْقَلِ الْقَاطِعُ إِلَيْنَا فِي كُلِّ إِجْمَاعٍ. وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا، فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَتَوَافَقَ الْآرَاءُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الظَّنِّيِّ حَتَّى يُمْكِنَ اتِّفَاقُهُمْ. لَكِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِهِمْ فِي الظَّنِّيِّ مُمْتَنِعٌ عَادَةً ; لِاخْتِلَافِ قَرَائِحِهِمْ فِي مُقْتَضَى الظَّنِّيِّ ; فَإِنَّ الظَّنِّيَّ قَدْ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي قَرِيحَةٍ، وَلَا يُوجِبُ فِي أُخْرَى. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْمَنْعِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اتِّفَاقُهُمْ عَنْ قَاطِعٍ، يُوجِبُ أَنْ يُنْقَلَ الْقَاطِعُ إِلَيْنَا، وَالْعَادَةُ إِنَّمَا تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِ الْقَاطِعِ إِنْ لَمْ يُسْتَغْنَ عَنْ نَقْلِ الْقَاطِعِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّهُ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنِ الْقَاطِعِ لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنِّيَّ يَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ فِيهِ عَادَةً. وَاخْتِلَافُ الْقَرَائِحِ إِنَّمَا يَكُونُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنِّيُّ جَلِيًّا. أَمَّا إِذَا كَانَ جَلِيًّا يَجُوزُ تَوَافُقُ الْقَرَائِحُ فِيهِ. فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْقَرَائِحِ.

стр. 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ جَوَازِهِ، أَيْ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ لِخَفَاءِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ، أَوِ انْقِطَاعُهُ عَنِ النَّاسِ، بِحَيْثُ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ بَعْدَ أَنْ عُلِمَ وُجُودُهُ، أَوْ وُقُوعُهُ فِي الْأَسْرِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِالْتِحَاقِ بِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ خُمُولُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَإِنْ عُلِمَ وُجُودُهُ، أَوْ كَذِبُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمَعْنَى إِفْتَائِهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ مُعْتَقَدِهِ تَقِيَّةً مِنْ مُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ، أَوْ رُجُوعِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَمَّا أَفْتَى بِهِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ إِفْتَاءِ الْآخَرِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: " قَبْلَ الْآخَرِ " ; لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بَعْدَ إِفْتَاءِ الْآخَرِينَ لَمْ يُعْتَبَرْ ; لِكَوْنِهِ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ. وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ كَيْفَ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ؟ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالنَّقْلِ، وَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً. لِأَنَّهُ إِنْ نُقِلَ آحَادًا، لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ.

стр. 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَنَقْلُهُ بِالتَّوَاتُرِ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا أَخْبَرَ جَمَاعَةٌ يُحِيلُ الْعَقْلُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْمِعِينَ قَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ. وَأَيْضًا التَّوَاتُرُ فِيمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ جَوَازًا أَوْ وُقُوعًا بَعِيدٌ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ اسْتِحَالَةِ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ وَعَنِ اسْتِحَالَةِ النَّقْلِ بِالْوُقُوعِ، أَيْ أَجَابَ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِسَبَبِ تَوَاتُرِ النَّقْلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى الْمَظْنُونِ، فَالْعِلْمُ بِالْإِجْمَاعِ وَاقِعٌ. وَوُقُوعُ الْعِلْمِ بِهِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الْعِلْمِ بِهِ وَجَوَازَ نَقْلِهِ ; لِأَنَّ الْوُقُوعَ فَرْعُ الْجَوَازِ. ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ وَثُبُوتِ الْعِلْمِ بِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ أَنَّهُ [حُجَّةٌ] . [وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ] .

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَا يُعْتَدُّ بِالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ ; لِشُذُوذِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ أَحْمَدَ " جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكُمْ قُلْتُمْ: الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَأَحْمَدُ، إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، خَالَفَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَالَ: " مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ كَاذِبٌ ". فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ؟

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ لَيْسَ إِنْكَارًا لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، بَلِ اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً. [أداة حجية الإجماع] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَزْيِيفِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، شَرَعَ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَذَكَرَ دَلِيلَيْنِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ [دَالٌّ] عَلَى تَخْطِئَةِ مُخَالِفِ

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْإِجْمَاعِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى [تَخْطِئَةِ] مُخَالِفِهِ، يَكُونُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً. أَمَّا الْكُبْرَى فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا الصُّغْرَى ; فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ دَالًّا عَلَى تَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، لَمَا أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ [وَ] الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ إِجْمَاعَ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْقَطْعِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَى قَطْعِهِ. فَوَجَبَ - بِحُكْمِ الْعَادَةِ - تَقْدِيرُ نَصٍّ قَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ [الْكَثِيرِ] مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ ; فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. وَالْيَهُودُ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِكَوْنِ الرَّسُولِ ﵊ مُتَنَبِّئًا وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ. وَلَيْسَ إِجْمَاعُهُمْ عَنْ نَصٍّ قَاطِعٍ.

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أُجِيبَ بِأَنَّ إِجْمَاعَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ غَيْرُ وَارِدٍ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَلَا مُتَّفِقِينَ [فِي] أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا قَاطِعِينَ عَلَى ذَلِكَ. وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ اجْتِمَاعَ غَيْرِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، لَا عَلَى الْقَطْعِ فِي غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، بَلْ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَطْعِ فِي أَمْرٍ شَرْعِيٍّ. لَا يُقَالُ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِاسْتِلْزَامِ ثُبُوتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَبِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّكُمْ أَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِالْإِجْمَاعِ حَيْثُ قُلْتُمْ: إِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، وَأَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ ذَلِكَ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ ثُبُوتِ النَّصِّ مُسْتَفَادٌ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الْمُثْبِتُ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، لَا لِلْإِجْمَاعِ. وَمَا أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا بِنَصٍّ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، حَتَّى يَلْزَمَ ثُبُوتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، هُوَ ثُبُوتُ نَصٍّ قَاطِعٍ،] ) . وَثُبُوتُ ذَلِكَ النَّصِّ الْقَاطِعِ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ، لَا عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً. وَاسْتِفَادَةُ ثُبُوتِ ذَلِكَ النَّصِّ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ، إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقٍ عَادِيٍّ. وَتِلْكَ الصُّورَةُ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَدَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ الْقَاطِعِ أَيْضًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. فَلَا يَكُونُ دَوْرًا. لِأَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ الْقَاطِعِ، وَثُبُوتُ النَّصِّ الْقَاطِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ وُجُودُ تِلْكَ الصُّورَةِ وَلَا دَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً ; لِأَنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصُّورَةِ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّوَاتُرِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْعَادَةِ. ش - الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً. تَقْرِيرُهُ أَنَّا عَلِمْنَا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْمُحَقِّقِينَ أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، لَزِمَ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّا عَلِمْنَا أَيْضًا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ الْقَاطِعِ. فَهَذَا الْإِجْمَاعُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ دَلِيلًا قَاطِعًا لَكَانَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ الدَّالُّ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ مُقْتَضِيًا لِتَقَدُّمِ غَيْرِ الْقَاطِعِ الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَاطِعِ. فَيَلْزَمُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْآخَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَقَدُّمِهِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِامْتِنَاعِ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَقْوَالِ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ. فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ الْمُحْتَجُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، مَا بَلَغَ الْمُجْمِعُونَ فِيهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، لِتَضَمُّنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ ذَلِكَ، أَيْ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ إِنَّمَا تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَطْعِ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ إِذَا كَانَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. وَأَمَّا الثَّانِي; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ إِنَّمَا تَقْضِي بِامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ [بَيْنَ] أَقْوَالِ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ، إِذَا بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُ مَنْ نُقِصَ عَدَدُهُمْ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ حُجَّةً. وَلَا اخْتِصَاصَ لِكَوْنِهِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ، بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، اتِّفَاقُهُمْ إِجْمَاعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ.

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ الْمُصَنِّفُ [عَنْهُ] بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِلْزَامَ الدَّلِيلَيْنِ لِذَلِكَ ; فَإِنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْمُحَقِّقِينَ بِالْقَطْعِ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ، سَوَاءٌ بَلَغَ عَدَدُهُمُ التَّوَاتُرَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ. وَكَذَا تَحْكُمُ الْعَادَةُ بِامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَقْوَالِ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، سَوَاءٌ بَلَغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ أَمْ لَا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا لُزُومَ ذَلِكَ الدَّلِيلَيْنِ [وَلَكِنْ] لَا يَضُرُّ; لِأَنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْقَاطِعِينَ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وَالْقَاطِعِينَ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ عَدَدُهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ لَا [كَوْنُ] أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَلَا يَنْتَهِضُ نَقْضًا.

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الدَّلِيلَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ، شَرَعَ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَزَيَّفَهَا. وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، ﵁. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] . جَمَعَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَعِيدِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا، وَإِلَّا لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ الْمُشَاقَّةُ فِي الْوَعِيدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُبَاحٍ وَحَرَامٍ فِي الْوَعِيدِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ زَنَيْتَ وَشَرِبْتَ الْمَاءَ، عَاقَبْتُكَ. وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا، كَانَ اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبًا. وَالْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ هُوَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ: مَا اخْتَارَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ اتِّبَاعَهُمْ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَاتِّبَاعَهُمْ فِي مُنَاصَرَتِهِ ﵇ وَدَفْعَ الْأَعْدَاءِ عَنْهُ. أَوِ اتِّبَاعَهُمْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِالرَّسُولِ ﵇، أَوِ اتِّبَاعَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ. وَدَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ عَلَى التَّعْيِينِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ ; لِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَإِخْرَاجِ ذَلِكَ الْفَرْدِ مِنْهُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا، وَتَمَسَّكَ بِهِ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، لَزِمَ الدَّوْرُ. لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يَدُلُّ

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا. وَالظَّاهِرُ إِنَّمَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ. فَلَوْ أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَهَذَا بِخِلَافِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذَا الظَّاهِرِ فِي كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً [كَالتَّمَسُّكِ] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]] فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ ; لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ مَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّوْرُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْإِجْمَاعِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ حُجَّةٌ وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَصٌّ قَاطِعٌ دَالًّا عَلَى كَوْنِ الظَّاهِرِ حَجَّةً، أَوِ اسْتِدْلَالٌ قَطْعِيٌّ. كَمَا يُقَالُ: الظَّاهِرُ مَظْنُونٌ، وَكُلُّ مَظْنُونٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ النَّقِيضَيْنِ يَلْزَمُ رَفْعُهُمَا، وَإِنْ عُمِلَ بِهِمَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَإِنْ عُمِلَ بِالطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ، يَلْزَمُ خِلَافُ صَرِيحِ الْعَقْلِ. فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالْمَظْنُونِ.

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - تَمَسَّكَ الْغَزَالِيُّ، ﵀، فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِقَوْلِهِ: " «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» ". مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى فِي عِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ، فَاشْتُهِرَتْ عَلَى لِسَانِ الثِّقَاتِ، كَعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ،

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَغَيْرِهِمْ، مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: " «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ» ". وَ " «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ ; فَأَعْطَانِيهَا» ". وَقَوْلِهِ: " «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالَي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ» "

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى. وَلَمْ تَزَلِ الْأُمَّةُ تَحْتَجُّ بِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ. فَمَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ أَحَادِيثُهَا مِنْ حَيْثُ الْأَلْفَاظِ، لَكِنْ تَوَاتَرَ مَعْنَاهَا لِكَثْرَتِهَا. كَشَجَاعَةِ عَلَيٍّ، ﵁، وَسَخَاوَةِ حَاتِمٍ. فَإِنَّهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آحَادُ الْأَخْبَارِ فِيهِمَا مُتَوَاتِرَةً، بَلْ يَجُوزُ الْكَذِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، لَوْ جَرَّدْنَا النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَجْمُوعِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَوَاتِرًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً. وَاسْتَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَثْبَتَ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالتَّوَاتُرِ الْمُفِيدِ لِلْقَطْعِ.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّانِي أَنَّ الْأُمَّةَ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، تَلَقَّوْا لِعِبَارَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يَظْهَرْ إِلَى الْآنِ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمُ احْتَجَّ بِهَا فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهَا، مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ فِي صِحَّتِهَا. فَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَى صِحَّتِهَا، لَمْ تَتَوَافَقِ الْأُمَمُ فِي أَعْصَارٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالتَّسْلِيمِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ تَوَافُقَ الْأُمَمِ فِي الْأَعْصَارِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَفَاوُتِ الْقَرَائِحِ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ. وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ تَلَقِّي الْأُمَمِ لِعِبَارَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْقَبُولِ، لَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْآحَادِ. وَإِذَا لَمْ يُخْرِجْهَا عَنِ الْآحَادِ، لَا تَكُونُ إِلَّا ظَنِّيَّةً، وَالظَّنِّيَّةُ لَا تُفِيدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الظَّنِّيَّ يُفِيدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ بَعْدَ بَيَانِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ. ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِجْمَاعَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى دَلِيلٍ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَاطِعٍ يَسْتَنِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْكُمُ بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى الْمَظْنُونِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى الْمَظْنُونِ عَادَةً. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ قِيَاسًا جَلِيًّا، أَوْ أَخْبَارَ آحَادٍ، بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْمَظْنُونُ، لَا يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ. ش - احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]] ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُبَيِّنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ مُبَيِّنًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَرْجِعًا، بَلِ الْمَرْجِعُ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَرْجِعًا. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ - وَهُوَ الْإِجْمَاعُ مَثَلًا - تِبْيَانًا لِبَعْضِهَا. وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ السُّنَّةُ حُجَّةً لِعَيْنِ مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، هُوَ الْمَرْجِعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً عِنْدَ التَّوَافُقِ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الثَّالِثِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ غَايَةَ هَذَا الدَّلِيلِ الظُّهُورُ، أَيْ لَوْ سَلِمَ مِنَ الْمَنْعِ وَالنَّقْضِ لَكَانَ دَلِيلًا ظَاهِرًا، فَلَمْ يُعَارَضِ الْقَطْعِيُّ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدِ احْتَجُّوا مِنْهَا «بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، ﵁، حَيْثُ سَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ؟ قَالَ ﵁:

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] بِالْكِتَابِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي» .

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِجْمَاعَ، وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ، ﵇. فَلَوْ كَانَ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا حُجَّةً لَمْ يُصَوِّبْهُ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حِينَئِذٍ، أَيْ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ ﵇ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ مُعَاذٌ، ﵁، وَصَوَّبَهُ الرَّسُولُ ﵇. [وِفَاقُ مَنْ سَيُوجَدُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا] ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ، شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ مَنْ هُمْ:
следующие страницы →