Полный текст (1 729 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ عَلَيْهِ: إِنَّ إِطْلَاقَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ بِالْمَجَازِ. وَالْأُمَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ لَمْ تَتَنَاوَلْ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ حَقِيقَةً، فَانْدَفَعَ الْجَوَابُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ ارْتِدَادَهُمُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْخَطَأِ، هُوَ الْمُوجِبُ لِسَلْبِ اسْمِ الْأَمَةِ عَنْهُمْ حَقِيقَةً، فَزَوَالُ اسْمِ الْأَمَةِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِارْتِدَادِ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْمَعْلُولَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعِلَّةِ بِالذَّاتِ. فَعِنْدَ حُصُولِ ارْتِدَادِهِمْ صَدَقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْأَمَةِ حَقِيقَةً، فَتَتَنَاوَلُهُمُ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ.
[قَوْل الشَّافِعِيِّ: إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلْثُ]
ش - الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: إِذَا اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي مَسْأَلَةٍ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ فِي إِثْبَاتِ مَذْهَبِ الْقَائِلِ بِالْأَقَلِّ.
مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ ثُلْثُ دِيَةِ
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُتَمَسَّكَ فِي إِثْبَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ. إِذْ قَوْلُهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ: الثُّلْثِ وَنَفْيِ الزِّيَادَةِ. وَإِثْبَاتُ الثُّلْثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَنَفْيُ الزِّيَادَةِ لَا يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مَذْهَبُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ.
الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ قَالُوا: دِيَتُهُ إِمَّا مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ ثُلْثُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْكَامِلُ وَالنِّصْفُ يَشْتَمِلُ عَلَى الثُّلْثِ، فَالْقَوْلُ بِالثُّلْثِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الثُّلْثَ وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ نَفْيَ الزِّيَادَةِ لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَالْمَجْمُوعُ لَا يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ.
وَالْقَائِلُ بِالثُّلْثِ مَطْلُوبُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: الثُّلْثُ وَنَفْيُ الزِّيَادَةِ، فَلَا يَكُونُ مَذْهَبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَبْدَى نَفْيَ الزِّيَادَةِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ بِنَفْيِ شَرْطِ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَبْدَى نَفْيَ الزِّيَادَةِ بِالِاسْتِصْحَابِ، لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ نَفْيُ الزِّيَادَةِ ثَابِتًا بِالْإِجْمَاعِ.
[الْعَمَلُ بِالْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِخَبَرِ الْآحَادِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ: الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا بِنَقْلِ الْآحَادِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَأَنْكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ بِأَنَّ الظَّنِّيَّ، كَالْخَبَرِ، إِذَا كَانَ مَنْقُولًا بِطَرِيقِ الْآحَادِ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، فَالْقَطْعِيُّ، أَيِ الْإِجْمَاعُ، إِذَا كَانَ مَنْقُولًا بِطَرِيقِ الْآحَادِ أَوْلَى بِأَنْ يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَظْنُونٌ بِحَسَبِ النَّقْلِ وَالْجِنْسِ، وَالثَّانِي مَظْنُونٌ بِحَسَبِ النَّقْلِ، مَقْطُوعٌ بِحَسَبِ الْجِنْسِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵇: " نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ " يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ.
стр. 598
وَأَيْضًا: [نَحْنُ] نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.
ص - قَالُوا: إِثْبَاتُ أَصِلٍ بِالظَّاهِرِ. قُلْنَا: الْمُتَمَسَّكُ الْأَوَّلُ قَاطِعٌ، وَالثَّانِي يُبْتَنَى عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ. وَالْمُعْتَرِضُ مُسْتَظْهِرٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : إِنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ. ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، يُكَفِّرُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَيَانُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ. فَوَجَبَ أَنْ تَحْكُمَ الْأُمَّةُ أَيْضًا بِالظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ ذُكِرَ فِي مَعْرِضِ تَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ. فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ أَيْضًا.
وَالظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ ; لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ.
ش - الْمُنْكِرُونَ قَالُوا: الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ. فَلَوْ أَثْبَتْنَاهُ بِالدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، لَزِمَ إِثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ لَيْسَا بِقَطْعِيَّيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ عِلْمِيَّةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْمُتَمَسَّكَ الْأَوَّلَ - وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتُدِلَّ بِهِ أَوَّلًا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ - قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ قِيَاسٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَلَا يَكُونُ إِثْبَاتُهُ بِهِ إِثْبَاتًا لِلْأَصْلِ بِالظَّاهِرِ. وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةً.
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْمُتَمَسَّكُ الثَّانِي - وَهُوَ الْحَدِيثُ - ظَاهِرٌ. وَإِثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالظَّاهِرِ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي أَدِلَّةِ الْأُصُولِ. فَمَنْ شَرَطَ الْقَطْعَ فِيهَا، مَنَعَ إِثْبَاتَ الْأَصْلِ بِالظَّاهِرِ، فَمَنَعَ إِثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، لَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ بِهِ.
وَالْمُعْتَرِضُ مُسْتَظْهِرٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَنْعِ دَلِيلِ النَّافِي وَالْمُثْبِتِ.
أَمَّا مَنْعُ دَلِيلِ الْمُثْبِتِ، فَبِأَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأَمَّا مَنْعُ دَلِيلِ النَّافِي، فَبِأَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ إِثْبَاتِ الْأَصْلِ بِالظَّوَاهِرِ.
قِيلَ: أَرَادَ بِالْمُتَمَسَّكِ الْأَوَّلِ: الْمُسْتَنَدُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ ; لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْإِجْمَاعِ.
وَأَرَادَ بِالْمُتَمَسَّكِ الثَّانِي الْقِيَاسَ وَالْحَدِيثَ ; فَإِنَّهُمَا ظَنِّيَّانِ، وَإِفَادَتُهُمَا الْمَطْلُوبَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ. فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ ; لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ; لِكَوْنِهَا طُرُقًا إِلَى الْأَعْمَالِ.
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " الْمُعْتَرِضُ مُسْتَظْهِرٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ " أَنَّ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَمْنَعَ فِي الْأَوَّلِ وَيَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ قَاطِعٌ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا. وَأَنْ يَمْنَعَ فِي الثَّانِي الدَّلِيلَ الْمُتَمَسَّكَ بِهِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
[إِنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: إِنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ - وَهُوَ السُّكُوتِيُّ، وَالْمَنْقُولُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ - لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ.
وَإِنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ هَلْ يُوجِبُ الْكُفْرَ أَمْ لَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: يُوجِبُ الْكُفْرَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ إِنْكَارَهُ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَ سَنَدٍ قَاطِعٍ، وَإِنْكَارُ السَّنَدِ الْقَاطِعِ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﵇ الْمُوجِبَ لِلْكُفْرِ.
وَالثَّانِي: لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ أَدِلَّةَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ. فَالْإِجْمَاعُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعُ. فَلَا يَكُونُ إِنْكَارُهُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ.
وَثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: إِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي أَمْرِ عِلْمٍ قَطْعًا كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ، كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، كَانَ إِنْكَارُ حُكْمِهِ يُوجِبُ الْكُفْرَ وَإِلَّا فَلَا.
[التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، صَحِيحٌ. مِثْلَ رُؤْيَةِ الْبَارِي وَنَفْيِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِمَا ; لِأَنَّا قَبْلَ الْعِلْمِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ الشَّرِيكِ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْلَمَ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ.
وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِثْلَ الْآرَاءِ وَالْحُرُوبِ قَوْلَانِ فِي صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِهِ.
لَنَا أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَلَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ. فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ.
[اشْتِرَاكُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ]
[مقدمة]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَبْحَاثِ الْمَخْصُوصَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ، شَرَعَ فِي الْأَبْحَاثِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: " وَيَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. فَالسَّنَدُ: إِخْبَارٌ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ ".
أَعْنِي بَيَانَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، بِطَرِيقِ ثُبُوتِهِ، إِمَّا بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الْآحَادِ.
[الخبر والإنشاء]
[الخبر]
ش - أَيِ الْخَبَرُ اسْمٌ لِقَوْلٍ لَهُ صِيغَةٌ وَمَعْنًى مَخْصُوصَانِ. وَاخْتَلَفَ فِي تَحْدِيدِهِ. فَقِيلَ: لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ لِعُسْرِهِ، كَمَا قِيلَ فِي الْعِلْمِ.
ش - قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: الْخَبَرُ غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 602
ص - مَسْأَلَةٌ: التَّمَسُّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ، صَحِيحٌ. كَرُؤْيَةِ الْبَارِي، ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ.
وَلِعَبْدِ الْجَبَّارِ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ قَوْلَانِ. لَنَا دَلِيلُ السَّمْعِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 603
[اشْتِرَاكُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ] ص - وَيَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. فَالسَّنَدُ: الْإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ.
ص - وَالْخَبَرُ قَوْلٌ مَخْصُوصٌ لِلصِّيغَةِ وَالْمَعْنَى. فَقِيلَ: لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ.
ص - وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ ضَرُورَةً. فَالْمُطْلَقُ أَوْلَى.
ص - وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ ضَرُورِيٌّ، لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا. بِخِلَافِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُصُولِهِ ضَرُورَةً.
ص - وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ ضَرُورَةً وَلَا نَتَصَوَّرُهُ. أَوْ بِتَقَدُّمِ تَصَوُّرِهِ.
وَالْمَعْلُومُ ضَرُورَةً ثُبُوتُهَا أَوْ نَفْيُهَا. وَثُبُوتُهَا غَيْرُ تَصَوُّرِهَا.
ص - الثَّانِي: التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ضَرُورَةٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، أَيْ يَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَنَا مَوْجُودٌ " مِنْ حَيْثُ وُقُوعٌ بِالنِّسْبَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ. فَمُطْلَقُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ هَذَا الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا.
ش - هَذَا جَوَابُ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْخَبَرِ ضَرُورِيٌّ، يُنَافِي دَعْوَى ضَرُورَتِهِ; لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ وَنَظَرٍ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْخَبَرِ ضَرُورِيٌّ، لَا عَلَى حُصُولِ الْخَبَرِ ضَرُورَةً. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْخَبَرِ ضَرُورِيٌّ، لَا يُنَافِي كَوْنَ الْخَبَرِ ضَرُورِيًّا ; لِأَنَّ تَوَقُّفَ ضَرُورَةِ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ عَلَى الدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ، لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ ضَرُورَةِ الْخَبَرِ عَلَيْهِمَا.
بِخِلَافِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُصُولِ الْخَبَرِ ضَرُورَةً ; فَإِنَّهُ يَكُونُ مُنَافِيًا لِكَوْنِ الْخَبَرِ ضَرُورِيًّا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ضَرُورِيًّا، وَضَرُورَتُهُ نَظَرِيَّةٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الثَّانِي لَا يُنَافِي دَعْوَى ضَرُورَتِهِ.
стр. 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عِلْمَ حُصُولِ الْخَبَرِ ضَرُورَةٌ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْخَبَرِ ضَرُورَةُ تُصَوِّرِهِ أَوْ تَقَدُّمِ تَصَوُّرِهِ ; لِأَنَّ حُصُولَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ. وَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ تَصَوُّرُ الْخَبَرِ لَا حُصُولُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِحُصُولِ الْخَبَرِ ضَرُورِيًّا، يَكُونُ تُصَوُّرُ الْخَبَرَ أَيْضًا ضَرُورِيًّا ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحُصُولِ الْخَبَرِ هُوَ تَصَوُّرُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِحُصُولِ الْخَبَرِ هُوَ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا. وَثُبُوتُ النِّسْبَةِ غَيْرُ تَصَوُّرِهَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ مَا قَالَ: إِنَّ حُصُولَ الْخَبَرِ هُوَ تُصَوُّرُهُ، بَلْ قَالَ: الْعِلْمُ بِحُصُولِ الْخَبَرِ، هُوَ تَصَوُّرُهُ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِحُصُولِ الْخَبَرِ غَيْرُ تَصَوُّرِهِ.
ش - الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّا نُدْرِكُ بِالضَّرُورَةِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَسْبُوقَةٌ بِتَصَوُّرِهِمَا، فَيَكُونُ تَصَوُّرُ هَذِهِ الْأُمُورِ بَدِيهِيًّا، لِأَنَّ السَّابِقَ عَلَى الْبَدِيهِيِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَدِيهِيًّا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: " وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ ". وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ مِثْلُ هَذَا الدَّلِيلِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي جَوَابِهِ: إِنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِتَصَوُّرِهِمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ.
ش - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ: الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
فَـ " الْكَلَامُ " جِنْسٌ يَشْمَلُ الْخَبَرَ وَغَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ " يُخْرِجُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالِاسْتِفْهَامَ وَسَائِرَ الْإِنْشَاءَاتِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي كُلِّ خَبَرٍ ; لِأَنَّ الْوَاوَ يَقْتَضِي الْجَمْعَ. لَكِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا لَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ أَصْلًا، مِثْلَ قَوْلِنَا: الِاثْنَانِ فَرْدٌ، وَالثَّلَاثَةُ زَوْجٌ.
وَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا لَا يَدْخُلُهُ الْكَذِبُ أَصْلًا، كَالْبَدِيهِيَّاتِ، لَا سِيَّمَا فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِي خَبَرِ اللَّهِ أَشَدُّ اسْتِحَالَةً، لَا لِنَفْسِ كَوْنِهِ خَبَرًا، بَلْ لِخُصُوصِيَّةِ كَوْنِهِ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 606
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
ص - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْخَبَرُ: الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 607
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَهُوَ مُحَالٌ. لَا سِيَّمَا فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى. أَجَابَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ دُخُولِهِ لُغَةً.
فَوَرَدَ أَنَّ الصِّدْقَ: الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ، وَالْكَذِبَ نَقِيضُهُ. فَتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ. وَلَا جَوَابَ عَنْهُ. وَقِيلَ: التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ، فَيُرَدُّ الدَّوْرُ.
وَأَنَّ الْحَدَّ يَأْبَى " أَوْ ". وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ، قَبُولُ أَحَدِهِمَا.
ص - وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً. قَالَ: " بِنَفْسِهِ " لِيُخْرِجَ نَحْوَ " قَائِمٍ " ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ [عِنْدَهُ] كَلَامٌ، وَهِيَ تُفِيدُ نِسْبَةً مَعَ الْمَوْضُوعِ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ بَابُ " قُمْ " وَنَحْوُهُ ; فَإِنَّهُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً، إِمَّا لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ، وَإِمَّا لِأَنَّ الطَّلَبَ مَنْسُوبٌ.
ص - وَالْأَوْلَى: الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ نِسْبَةٌ خَارِجِيَّةٌ. وَنَعْنِي الْخَارِجَ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ.
فَنَحْوُ طَلَبْتُ الْقِيَامَ، حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ، بِخِلَافِ " قُمْ ".
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَدْ قِيلَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ أَنَّهُ يَقْتَضِي اجْتِمَاعَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مُتَقَابِلَانِ، وَالْمُتَقَابِلَانِ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُتَقَابِلَيْنِ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، أَمَّا فِي زَمَانَيْنِ فَلَا. وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي اجْتِمَاعَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا مُطْلَقًا.
أَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخَبَرَ الصَّادِقَ [صَحَّ] دُخُولُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ لُغَةً، أَيْ مِنْ حَيْثُ مَفْهُومُهُ لُغَةً، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ الْمَادَّةِ. [وَكَذَا صَحَّ دُخُولُ الصِّدْقِ عَلَى الْخَبَرِ الْكَاذِبِ] .
وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالضَّرُورِيَّاتُ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجِ مَفْهُومِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالضَّرُورِيَّاتِ، يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ كَاذِبَةً.
وَلَمَّا اعْتَبَرَ الْقَاضِي فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ صِحَّةَ دُخُولِهِ لُغَةً، سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ وَالْكَذِبَ نَقِيضُهُ، أَعْنِي الْخَبَرَ الْغَيْرَ الْمُوَافِقِ لِلْخَبَرِ، فَيَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ عَلَى الْخَبَرِ. فَتَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِهِمَا دَوْرٌ. وَلَا جَوَابَ عَنْ لُزُومِ الدَّوْرِ.
стр. 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الدَّوْرَ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمُصْطَلَحَيْنِ، وَهُمَا بِالْخَبَرِ الْمُصْطَلَحِ. أَمَّا لَوْ عَرَّفْنَاهُ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ اللُّغَوِيِّينَ أَوْ بِالْمُصْطَلَحَيْنِ، ثُمَّ عَرَّفْنَاهُمَا بِالْخَبَرِ اللُّغَوِيِّ، لَمْ يَلْزَمِ الدَّوْرُ.
وَهَذَا النَّظَرُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصْدُقُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْخَبَرِ مَفْهُومَانِ، لُغَوِيٌّ وَاصْطِلَاحِيٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا اللُّغَوِيَّ بِعَيْنِهِ مَفْهُومُهُمَا الِاصْطِلَاحِيُّ، فَلَا يَسْقُطُ الدَّوْرُ.
قِيلَ: الْجَوَابُ عَنْ لُزُومِ الدَّوْرِ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي عُلِّقَ بِهِ لَفْظُ الْخَبَرِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، مُتَمَيِّزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، غَيْرُ مَعْلُومٍ مِنْ حَيْثُ عُلِّقَ بِهِ لَفْظُ الْخَبَرِ، فَعَرَّفَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ مَدْلُولِ الْخَبَرِ ضَرُورِيًّا وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُسَلِّمْ بَدَاهَتَهُ. وَفِي تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ الصِّدْقَ بِالْمُوَافِقِ لِلْخَبَرِ تَسَاهُلٌ.
وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ: إِنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ. وَالِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ - وَهُوَ اسْتِلْزَامُ اجْتِمَاعِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ - لَمْ يَرِدْ
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
هَهُنَا ; لِأَنَّ " أَوْ " لَا يَقْتَضِي الِاجْتِمَاعَ، وَلَكِنْ يَرِدُ الدَّوْرُ ; لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الصَّادِقِ، وَالصَّادِقُ عَلَى الصِّدْقِ، وَالصِّدْقُ عَلَى الْخَبَرِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَفِي هَذَا الدَّوْرِ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِثَلَاثِ مَرَاتِبَ، وَفِي الْأَوَّلِ بِمَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَيْضًا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى لَفْظِ " أَوْ " وَهُوَ لِلتَّشْكِيكِ وَالتَّرْدِيدِ، وَالْحَدُّ يَأْبَاهُ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْخَبَرَ يَدْخُلُهُ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَيْسَ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ تَرَدُّدٌ، بَلِ التَّرَدُّدُ فِي دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحَدِّ.
ش - قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ لِلْخَبَرِ إِلَى الصَّوَابِ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: الْخَبَرُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً.
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْمُرَادُ مِنَ النِّسْبَةِ: إِضَافَةُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: " يُفِيدُ ".
وَإِنَّمَا قَالَ: " بِنَفْسِهِ " لِيُخْرِجَ عَنْهُ نَحْوَ " قَائِمٍ " مِنَ الْمُشْتَقَّاتِ وَالْأَفْعَالِ ; فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي حَدِّ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ عِنْدَ أَبِي الْحُسَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ كَلَامٌ، لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً، بَلْ يُفِيدُ مَعَ الْمَوْضُوعِ، فَإِنَّ " قَائِمٌ " فِي قَوْلِنَا " زِيدٌ قَائِمٌ " يُفِيدُ نِسْبَةَ الْقِيَامِ إِلَى ضَمِيرِ " زَيْدٍ " لَكِنْ لَا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ " زَيْدٍ " الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ.
وَيَرُدُّ عَلَى طَرْدِ هَذَا التَّعْرِيفِ بَابُ " قُمْ " أَيْ فِعْلُ الْأَمْرِ وَنَحْوُهُ، كَالنَّهْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا هَذَا التَّعْرِيفُ ; لِأَنَّهَا كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً ; لِأَنَّ " قُمْ " يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةَ الْقِيَامِ إِلَى الْمُخَاطَبِ، أَوْ نِسْبَةَ الطَّلَبِ إِلَى الْأَمْرِ. وَقِسْ عَلَيْهِ بَاقِي الْإِنْشَاءَاتِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ أَوْلَى الْحُدُودِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِلْخَبَرِ أَنَّهُ: الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ.
стр. 612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَيَعْنِي بِالْكَلَامِ: مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ. فَيَخْرُجُ عَنْهُ الْكَلِمَةُ، وَالْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ، وَالْمُرَكَّبُ التَّقْيِيدِيُّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا بِكَلَامٍ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّسْبَةِ الْخَارِجِيَّةِ: الْأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ كَلَامُ النَّفْسِ بِالْمُطَابَقَةِ وَاللَّامُطَابَقَةِ. مِثْلُ قَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ الْمَوْجُودِ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ إِسْنَادُ الْقِيَامِ إِلَى زَيْدٍ بِالْإِثْبَاتِ.
وَيُسَمَّى هَذَا الْحُكْمُ كَلَامَ النَّفْسِ. وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَمْرٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ الْمُطَابَقَةُ وَاللَّامُطَابَقَةُ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْأَمْرُ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ.
فَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ مِثْلُ: طَلَبْتُ الْقِيَامَ، فَإِنَّهُ [قَدْ] حَكَمَ [فِيهِ] لَهَا خَارِجِيٌّ، وَهُوَ نِسْبَةُ طَلَبِ الْقِيَامِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي. وَهَذِهِ النِّسْبَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ [تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ النَّفْسِيُّ] . بِالْمُطَابَقَةِ أَوِ اللَّامُطَابَقَةِ. بِخِلَافِ " قُمْ " فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ النَّفْسِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خَارِجِيٌّ.
[الإنشاء]
ش - وَيُسَمَّى الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْخَبَرِ: إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا. وَمِنَ التَّنْبِيهِ: الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَمُ، وَالنِّدَاءُ. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ التَّنْبِيهِ وَالْإِنْشَاءِ.
وَقَالَ بَعْضٌ: الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَمِلِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، يُسَمَّى إِنْشَاءً. فَإِنْ دَلَّ بِالْوَضْعِ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، يُسَمَّى أَمْرًا، وَإِنْ دَلَّ عَلَى طَلَبِ الْكَفِّ، يُسَمَّى نَهْيًا، وَإِنْ دَلَّ عَلَى طَلَبِ الْإِفْهَامِ، يُسَمَّى اسْتِفْهَامًا، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بِالْوَضْعِ عَلَى طَلَبٍ يُسَمَّى تَنْبِيهًا. وَيَنْدَرِجُ فِيهِ التَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَمُ، وَالنِّدَاءُ.
стр. 613
ص - وَيُسَمَّى غَيْرُ الْخَبَرِ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا. وَمِنْهُ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَمُ، وَالنِّدَاءُ.
ص - وَالصَّحِيحُ أَنَّ [نَحْوَ] " بِعْتُ " وَ " اشْتَرَيْتُ " وَ " طَلَّقْتُ " الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْوُقُوعُ، إِنْشَاءً ; [لِأَنَّهَا] لَا خَارِجَ لَهَا. وَلِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا.
وَلَوْ كَانَ خَبَرًا - لَكَانَ مَاضِيًا وَلَمْ يَقْبَلِ التَّعْلِيقَ.
وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلرَّجْعِيَّةِ: طَلَّقْتُكِ - سُئِلَ.
ص - الْخَبَرُ صِدْقٌ أَوْ كَذِبٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِيِّ أَوْ لَا.
الْجَاحِظُ: إِمَّا مُطَابِقٌ مَعَ الِاعْتِقَادِ وَنَفْيِهِ، أَوْ لَا مُطَابِقَ مَعَ الِاعْتِقَادِ وَنَفْيِهِ. وَالثَّانِي فِيهِمَا لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جَنَّةٌ.
وَالْمُرَادُ الْحَصْرُ، فَلَا يَكُونُ صِدْقًا ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفْتَرَى أَمْ لَمْ يَفْتَرْ، فَيَكُونُ مَجْنُونًا ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا افْتِرَاءَ لَهُ، [سَوَاءٌ] قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِلْجُنُونِ.
ص - قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵁: مَا كَذَبَ، وَلَكِنَّهُ وَهِمَ. وَأُجِيبَ بِتَأْوِيلِ مَا كَذَبَ عَمْدًا.
ص - وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا فَصَدَقَ وَإِلَّا فَكَذَبَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.
وَأُجِيبَ: لَكَاذِبُونَ فِي شَهَادَاتِهِمْ. وَهِيَ لَفْظِيَّةٌ.
ص - وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وَإِلَى مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِلَى مَا لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَالْأَوَّلُ: ضَرُورِيٌّ. بِنَفْسِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ. وَبِغَيْرِهِ، كَالْمُوَافِقِ لِلضَّرُورِيِّ.
وَنَظَرِيٌّ، كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى - وَرَسُولِهِ ﷺ وَالْإِجْمَاعِ، أَوِ الْمُوَافِقِ لِلنَّظَرِ.
وَالثَّانِي: الْمُخَالِفُ لِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصِّيَغَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْوُقُوعُ، أَيِ الصِّيَغُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الشَّرْعِ لِتُسْتَحْدَثَ بِهَا الْأَحْكَامُ، مِثْلَ " بِعْتُ " وَ " اشْتَرَيْتُ " وَ " طَلَّقْتُ " هَلْ هُوَ إِخْبَارٌ أَمْ إِنْشَاءٌ؟
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ إِنْشَاءٌ، لِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ ; إِذْ لَا خَارِجَ لَهُ. وَالْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، إِنْشَاءٌ.
الثَّانِي: أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيَغِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ: فَلَا يَكُونُ خَبَرًا ; لِأَنَّ الْخَبَرَ قَابِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِأَنَّ قَبُولَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِأَنْ يَكُونَ مُعَرِّفًا لِلْخَبَرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ خَاصَّةً مُسَاوِيَةً لَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ مَاضِيًا ; لِأَنَّ صِيغَتَهُ صِيغَةُ الْمَاضِي وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاضِيًا لَمْ يُقْبَلِ التَّعْلِيقُ ; لِأَنَّ التَّعْلِيقَ هُوَ تَوْقِيفُ دُخُولِ الشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ فِي الْوُجُودِ. وَمَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ لَا يُمْكِنُ تَوْقِيفُ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ.
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يُقْطَعْ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي كَوْنِهِمَا خَبَرَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّا نُفَرِّقُ قَطْعًا بَيْنَ " طَلَّقْتُ " إِذَا قُصِدَ بِهِ [وُقُوعُ] الطَّلَاقِ وَ " طَلَّقْتُ " إِذَا قُصِدَ بِهِ الْإِخْبَارُ.
وَالَّذِي يُؤَكِّدُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ:
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
" طَلَّقْتُكِ " سُئِلَ عَنْهُ مَاذَا تُرِيدُ بِقَوْلِكَ، إِيقَاعَ الطَّلَاقِ أَوِ الْإِخْبَارَ عَنِ الطَّلَاقِ السَّابِقِ؟ وَلَوْلَا الْفَرْقُ، لَمْ يُسْأَلْ.
[الْخَبَرُ صِدْقٌ أَوْ كَذِبٌ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ الْخَبَرِ شَرَعَ فِي تَقْسِيمِهِ. وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ، وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا، فَهُوَ صِدْقٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَهُوَ كَذِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا.
стр. 616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَذَهَبَ الْجَاحِظُ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، بَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ إِمَّا مُطَابِقٌ أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ. فَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا. وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لَا.
فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ. وَالْأَوَّلُ مِنْهَا - وَهُوَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ - صِدْقٌ وَالرَّابِعُ - وَهُوَ الْخَبَرُ الْغَيْرُ الْمُطَابِقِ مَعَ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ - كَذِبٌ. وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ.
فَقَوْلُهُ: " وَالثَّانِي فِيهِمَا " إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ; لِأَنَّ الْمُطَابِقَ مَعَ نَفْيِ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ انْقَسَمَ إِلَى قِسْمَيْنِ. وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ مَعَ نَفْيِ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ انْقَسَمَ أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ.
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِثَالُ الصِّدْقِ قَوْلُنَا: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، إِذَا كَانَ فِيهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ فِيهَا. مِثَالُ الْكَذِبِ قَوْلُنَا: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا. وَاسْتَدَلَّ الْجَاحِظُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﵇ عَنْ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ حَصَرَ الْكُفَّارُ [إِخْبَارَهُ النُّبُوَّةَ] فِي الِافْتِرَاءِ، أَيِ الْكَذِبِ، وَإِخْبَارِ مَنْ بِهِ جَنَّةٌ، حَصْرًا عَلَى مَنْعِ الْخُلُوِّ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْإِخْبَارُ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ كَذِبًا ; لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ [قَسِيمَ] الْكَذِبِ، وَقَسِيمُ الشَّيْءِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ. وَلَيْسَ بِصِدْقٍ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَهُ. فَيَثْبُتُ قِسْمٌ آخَرُ لَا يَكُونُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِخْبَارُ فِي حَالِ الْجُنُونِ دَاخِلٌ فِي الْكَذِبِ ; لِأَنَّ الِافْتِرَاءَ هُوَ الْكَذِبُ عَنِ التَّعَمُّدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَسِيمًا لِلْكَذِبِ عَنْ تَعَمُّدٍ، أَنْ لَا يَكُونَ كَذِبًا.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْكَذِبِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْكَذِبِ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوَاسِطَةَ عِنْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
стр. 618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: الِافْتِرَاءُ هُوَ الْكَذِبُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ تَعَمُّدٍ أَوْ لَا، وَالتَّقْيِيدُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا، لَمَا قَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَالُوهُ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: افْتَرَى فِي هَذَا الْإِخْبَارِ، أَوْ لَمْ يَفْتَرِ، بَلْ بِهِ جُنُونٌ. وَكَلَامُ الْمَجْنُونِ لَيْسَ افْتِرَاءً، سَوَاءٌ قُصِدَ بِهِ الْإِفْتِرَاءُ أَوْ لَمْ يُقْصَدْ لِلْجُنُونِ ; فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ خِبْرَتِهِ كَلَامُهُ ; لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ [يُعْتَدُّ بِهِ] وَلَا شُعُورَ فَلَا يَكُونُ كَلَامُهُ خَبَرًا. فَيَكُونُ مُرَادُهُمُ الْحَصْرَ فِي كَوْنِهِ خَبَرًا كَذِبًا أَوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ. فَلَمْ يَثْبُتْ خَبَرٌ لَا يَكُونُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا.
ش - الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ الْوَاسِطَةِ قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ اعْتِذَارًا عَمَّنْ ظَهَرَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ خَبَرِهِ: مَا كَذَبَ وَلَكِنَّهُ وَهِمَ. نَفَتِ الْكَذِبَ عَنْ خَبَرِهِ، وَالصِّدْقُ أَيْضًا مُنْتَفٍ [عَنْهُ] بِالِاتِّفَاقِ. فَثَبَتَ خَبَرٌ لَا يَكُونُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا.
стр. 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّهَا مَا نَفَتِ الْكَذِبَ، بَلْ نَفَتِ الْكَذِبَ الْمُتَعَمَّدَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْكَذِبِ الْمُتَعَمَّدِ عَنْهُ انْتِفَاءُ الْكَذِبِ مُطْلَقًا.
ش - قِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ مُنْحَصِرٌ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْجُمْهُورُ.
بَيَانُهُ أَنَّ الْخَبَرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ وَمُعْتَقِدًا مُطَابَقَتَهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ صِدْقٌ، وَالثَّانِي كَذِبٌ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّدْقِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَالصِّدْقِ بِتَفْسِيرِ الْجَاحِظِ. وَأَمَّا الْكَذِبُ فَهُوَ أَعَمُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مِنَ الْكَذِبِ عِنْدَ الْجَاحِظِ ; فَإِنَّ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ عِنْدَ الْجَاحِظِ، تَكُونُ كَذِبًا بِهَذَا التَّفْسِيرِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُطَابَقَةِ فِي الصِّدْقِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَذَّبَ الْمُنَافِقِينَ فِي إِخْبَارِهِمْ عَنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ، ﵇.
стр. 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ بِدُونِ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ صِدْقًا، لَمَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّ إِخْبَارَهُمْ عَنْ رِسَالَتِهِ ﵇ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَذَّبَهُمْ فِي إِخْبَارِهِمْ عَنِ الرِّسَالَةِ، بَلْ كَذَّبَهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ. وَالشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ بِالْمُطَابِقِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا. [وَ] اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ شَرْطُ صِدْقِ الشَّهَادَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ لَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ رِسَالَتَهُ ﵇، كَانُوا كَاذِبِينَ فِي شَهَادَتِهِمْ.
وَهَذِهِ الْمُنَازَعَةُ لَفْظِيَّةٌ ; لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاصْطِلَاحِ.
[المتواتر والآحاد]
[مقدمة]
ش - هَذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ. وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى خَبَرٍ يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وَإِلَى خَبَرٍ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِلَى خَبَرٍ لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْ صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ.
وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ - إِمَّا ضَرُورِيٌّ أَوْ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ. وَالضَّرُورِيُّ إِمَّا ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِ الْخَبَرِ بِتَكَرُّرِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، كَالْمُتَوَاتِرِ. أَوْ ضَرُورِيٌّ بِغَيْرِ نَفْسِ الْخَبَرِ، بَلْ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلضَّرُورِيِّ.
وَنَعْنِي بِالْمُوَافِقِ لِلضَّرُورِيِّ مَا يَكُونُ مُتَعَلِّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَتَكَرُّزٍ.
وَغَيْرُ الضَّرُورِيِّ إِمَّا نَظَرِيٌّ كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ الرَّسُولِ وَالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلِمَ صِدْقُهُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
وَإِمَّا مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ - وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي عُلِمَ مُتَعَلَّقُهُ بِالنَّظَرِ - كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ حَادِثٌ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ مَا عُلِمَ كَذِبُهُ - هُوَ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ
стр. 621
وَالثَّالِثُ: قَدْ يُظَنُّ صِدْقُهُ، كَخَبَرِ الْعَدْلِ. وَقَدْ يُظَنُّ كَذِبُهُ، كَخَبَرِ الْكَذَّابِ. وَقَدْ يُشَكُّ، كَالْمَجْهُولِ.
ص - وَمَنْ قَالَ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَكَذِبٌ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ، فَاسِدٌ بِمِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ.
وَلُزُومُ كَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ، [وَكُفْرِ] كُلِّ مُسْلِمٍ. وَإِنَّمَا كَذَبَ الْمُدَّعِي لِلْعَادَةِ.
ص - وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ. فَالْمُتَوَاتِرُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ.
وَقِيلَ " بِنَفْسِهِ "، لِيُخْرِجَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُمْ فِيهِ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ عَادَةً وَغَيْرُهَا.
ص - وَخَالَفَتِ السَّمْنِيَّةُ فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ. وَهُوَ بُهْتٌ ; فَإِنَّا نَجِدُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْأَخْبَارِ.
وَمَا يُورِدُونَهُ مِنْ أَنَّهُ كَأَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْجُمْلَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْوَاحِدِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِأَحَدِ الِاعْتِبَارَاتِ الْمَذْكُورَةِ، كَقَوْلِنَا: الْكُلُّ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنَ الْجُزْءِ.
وَالثَّالِثُ - وَهُوَ مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ - قَدْ يُظَنُّ صِدْقُهُ، كَخَبَرِ الْعَدْلِ ; لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ. وَقَدْ يُظَنُّ كَذِبُهُ كَخَبَرِ الْكَذَّابِ ; لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ. وَقَدْ لَا يُظَنُّ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، بَلْ يُشَكُّ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ، كَخَبَرِ مَجْهُولِ الْحَالِ.
ش - قَالَ قَوْمٌ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ، لَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالنَّظَرِ وَالدَّلِيلِ، فَهُوَ كَذِبٌ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَمَا أَخْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَصْبِ دَلِيلٍ كَاشِفٍ عَنْ صِدْقِهِ، كَخَبَرِ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صِدْقًا نَصَبَ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةَ، وَإِذَا كَانَ كَذِبًا لَمْ تُنْصَبْ.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ تَعَارَضَ بِمِثْلِهِ فِي نَقِيضِهِ، كَمَا يَقُولُ: لَوْ كَانَ [كَذِبًا] ، لَمَا أَخْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَصْبِ دَلِيلٍ كَاشِفٍ عَنْ كَذِبِهِ.
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَيْضًا يَلْزَمُ كَذِبُ كُلِّ شَاهِدٍ، إِذَا لَمْ يُعْلَمُ صِدْقُهُ [وَكُفْرُ] كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَأَيْضًا الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَيَانِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا ; لِأَنَّ كَذِبَ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ لَيْسَ لِأَجْلِ عَدَمِ نَصْبِ دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ، بَلْ لِأَجْلِ الْعَادَةِ ; فَإِنَّ الرِّسَالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِكَذِبِ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ لِلْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَقْضِي بِكَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
[الخبر المتواتر]
ش - هَذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلْخَبَرِ. وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ.
وَالْمُتَوَاتِرُ لُغَةً مَجِيءُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ بِفَتْرَةٍ بَيْنَهُمَا.
стр. 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا. أَيْ رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ بِفَتْرَةٍ بَيْنَهُمَا. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْمُتَوَاتِرُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ.
فَالْخَبَرُ كَالْجِنْسِ يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَ وَغَيْرَهُ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، يَخْرُجُ عَنْهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُهُ: مُفِيدٌ الْعِلْمَ، يُخْرِجُ خَبَرَ جَمَاعَةٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، بَلِ الظَّنَّ. وَإِنَّمَا قَالَ: " بِنَفْسِهِ " لِيُخْرِجَ الْخَبَرَ الَّذِي عُلِمَ صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْمُتَوَاتِرِ عَادَةً، وَغَيْرَهَا.
وَمَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْمُتَوَاتِرِ، الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُتَوَاتِرِ، كَمَا سَيُذْكَرُ.
وَالْقَرَائِنُ الزَّائِدَةُ الْمُفِيدَةُ لِلْعَلَمِ قَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً، كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ وَالِدِهِ، مِنْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ. وَقَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً، كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ تَقْتَضِي الْبَدِيهَةُ أَوِ الِاسْتِدْلَالُ صِدْقَهُ. وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً، كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ عَنْ عَطَشِهِ.
[إفادة المتواتر العلم]
ش - أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَخَالَفَتِ السَّمْنِيَّةُ - وَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْهِنْدِ - فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ الْعِلْمَ.
وَهُوَ بُهْتٌ، أَيْ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، سَوَاءٌ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ أُمُورٍ مَوْجُودَةٍ فِي زَمَانِنَا، أَوْ أُمُورٍ مَاضِيَةٍ ; لِأَنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْعِلْمَ بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ، كَمَكَّةَ وَبَغْدَادَ وَمِصْرَ، وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ. وَمَا ذَلِكَ الْعِلْمُ إِلَّا مِنَ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ.
стр. 625
وَيُؤَدِّي إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومِينَ، وَتَصْدِيقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي " لَا نَبِيَّ بَعْدِي "، وَبِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَهُ ضَرُورَةً، وَبِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ، مَرْدُودٌ.
ص - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ. وَالْكَعْبِيُّ وَالْبَصْرِيُّ: نَظَرِيٌّ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا - لَافْتَقَرَ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَسَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا.
ص - أَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا افْتَقَرَ. وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ. وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا حَامِلَ لَهُمْ.
وَأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ، فَيَلْزَمُ النَّقِيضُ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ. بَلْ إِذَا حَصَلَ، عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا حَامِلَ لَهُمْ، لَا أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى سَبْقِ عِلْمِ ذَلِكَ. فَالْعِلْمُ بِالصِّدْقِ ضَرُورِيٌّ وَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَعُلِمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةً. قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشُّعُورِ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةُ الشُّعُورِ بِصِفَتِهِ.
ص - وَشَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِينَ تَعَدُّدًا يَمْنَعُ الِاتِّفَاقَ وَالتَّوَاطُؤَ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى الْحِسِّ، مُسْتَوِينَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ. وَعَالِمِينَ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَازِمٌ مِمَّا قِيلَ.
وَضَابِطُ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا، حُصُولُ الْعِلْمِ، لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ سَبَقَ الْعِلْمُ بِهَا.
ص - وَقَطَعَ الْقَاضِي بِنَقْصِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَرَدَّدَ فِي الْخَمْسَةِ. وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: سَبْعُونَ. وَالصَّحِيحُ: يَخْتَلِفُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالسَّمْنِيَّةُ أَوْرَدُوا وُجُوهًا فِي بَيَانِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. مِنْهَا: أَنَّ إِفَادَةَ الْخَبَرِ الْعِلْمَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اتِّفَاقِ جَمْعٍ عَظِيمٍ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَخَبَرُ الْجُمْلَةِ أَيْضًا لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْوَاحِدِ، وَحُكْمُ الْجُمْلَةِ، حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَوَاتِرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، لَأَدَّى إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومِينَ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَاتَرَ خَبَرٌ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي وَقْتٍ، وَتَوَاتَرَ خَبَرٌ آخَرُ عَلَى عَدَمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ أَفَادَ الْمُتَوَاتِرُ الْعِلْمَ، لَزِمَ صِدْقُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَخْبَارِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَنَّهُ قَالَ: " لَا نَبِيَّ بَعْدِي ". وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِلدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى كَذِبِ هَذَا الْخَبَرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّا نُفَرِّقُ بِالضَّرُورَةِ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ ; لِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَعَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا وُجُودَ جَالِينُوسَ وَجَدْنَا الْجَزْمَ بِالْأَوَّلِ أَقْوَى وَأَكْمَلَ مِنَ الْجَزْمِ بِالثَّانِي. فَلَوْ كَانَ الْمُتَوَاتِرُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَمْ يُوجَدِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْجَزْمَيْنِ.
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ; لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مَرْدُودَةٌ.
فَقَوْلُهُ: " وَمَا يُورِدُونَهُ " مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ " مَرْدُودٌ " خَبَرُهُ. أَمَّا رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ فَإِنَّهَا تَشْكِيكٌ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ فِي الْأَوَّلِ امْتِنَاعَ اجْتِمَاعِ جَمْعٍ عَظِيمٍ عَلَى الْأَخْبَارِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، لَمْ يَكُنِ الْمَجْمُوعُ مُفِيدًا لَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَشَرَةِ أَنَّهُ جُزْءُ الْعَشْرَةِ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْعَشْرَةِ أَنَّهُ جُزْءُ الْعَشْرَةِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الثَّالِثِ تَنَاقُضَ الْمَعْلُومَيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ تَوَاتُرِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يَمْتَنِعُ تَوَاتُرُ نَقِيضِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الرَّابِعِ لُزُومَ صِدْقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ تَوَاتَرَ خَبَرُهُمْ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى كَذِبِ خَبَرِهِمْ. وَخَبَرُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا إِذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ قَاطِعٌ.
стр. 628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الْخَامِسِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمْ يُوجَدِ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الضَّرُورِيَّاتِ ; لِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ تَتَفَاوَتُ فِي الْجَزْمِ بِهَا.
وَلَئِنْ سُلِّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَطْلُوبُ ; إِذْ حُصُولُ التَّفَاوُتِ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ ضَرُورِيًّا، وَلَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْمُتَنَازَعُ هَهُنَا.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي السَّادِسِ أَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّوفِسْطَائِيَّةَ يُنْكِرُونَ الضَّرُورِيَّاتِ.
[إفادة المتواتر العلم ضروري أم لا]
ش - الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْمُتَوَاتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْحَاصِلِ عَقِيبَ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ أَمْ لَا.
فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ. وَالْكَعْبِيُّ وَالْبَصْرِيُّ عَلَى أَنَّهُ نَظَرِيٌّ.
стр. 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
لَنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَافْتَقَرَ إِلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْعِلْمِ ; لِأَنَّ النَّظَرِيَّ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّظَرِ، وَهُوَ تَرْتِيبُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْبَدِيهِيَّةِ.
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا، لَجَازَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا ; لِأَنَّ النَّظَرِيَّ قَدْ يَكُونُ صَوَابًا وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ ; لِأَنَّ تَسْوِيغَ الْخِلَافِ عَقْلًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي مُقَدِّمَاتُهَا نَظَرِيَّةٌ. وَأَمَّا الْعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي مُقَدَّمَاتُهَا ضَرُورِيَّةٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْخَطَأُ فِيهَا.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ ; لِأَنَّ [مِنْ] مُقَدَّمَاتِهِ عَدَمَ جَوَازِ الْكَذِبِ عَلَى الْجَمْعِ الْعَظِيمِ. وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ [ثَمَّةَ] مَصْلَحَةً مُشْتَرَكَةً بِنَفْعِ الْجَمِيعِ، وَأَنْ لَا يَجُوزَ الْكَذِبُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا جَازَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ نَظَرِيَّةٌ.
وَفِيهِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ كَلَامٌ عَلَى الْمُسْتَنَدِ.
стр. 630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْعِلْمَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ فَيَكُونُ نَظَرِيًّا.
ش - قَالَ: قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَفْتَقِرْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ; لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النَّظَرِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُخْبِرِينَ جَمْعٌ عَظِيمٌ لَا دَاعِيَ لَهُمْ إِلَى تَوَافُقِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ، أَيْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ عَنْ مَحْسُوسٍ أَخْبَرَهُ جَمَاعَةٌ لَا دَاعِيَ لَهُمْ إِلَى تَوَافُقِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، لَا يَكُونُ كَذِبًا. وَأَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ كَذِبًا، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا.
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَيَلْزَمُ [النَّقِيضُ] . أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا دَاعِيَ لَهُمْ عَلَى تَوَافُقِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. لَا أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ يَفْتَقِرُ إِلَى سَبْقِ عِلْمِ تِلْكَ الْأُمُورِ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ ضَرُورِيًّا.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ ضَرُورِيًّا لَمْ يُمْكِنْ صُورَةُ التَّرْتِيبِ فِيهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ صُورَةَ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ، حَتَّى فِي أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ كَقَوْلِنَا: الشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، بِأَنْ يُقَالَ: الْكَوْنُ [وَاللَّاكَوْنُ] مُتَقَابِلَانِ، وَالْمُتَقَابِلَانِ يَمْتَنِعُ اتِّصَافُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِهِمَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا قَالُوا: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ ضَرُورِيًّا لَعُلِمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةً; إِذْ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِضَرُورَتِهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ أَوَّلًا: بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لَعُلِمَ أَنَّهُ
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
نَظَرِيٌّ ضَرُورَةً ; لَاسْتَحَالَ كَوْنُ الشَّيْءِ نَظَرِيًّا مَعَ عَدَمِ الشُّعُورِ بِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا.
وَثَانِيًا: بِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشُّعُورَ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةً، فَضْلًا عَنِ الشُّعُورِ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ الشُّعُورَ بِهِ ضَرُورَةً، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشُّعُورَ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةً يَسْتَلْزِمُ الشُّعُورَ بِصِفَتِهِ ضَرُورَةً ; فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ وَصْفَتُهُ لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهَا.
[شروط المتواتر]
ش - شَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ بِحَسَبِ الْمُخْبِرِينَ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْمُخْبِرُونَ تَعَدُّدًا يَمْنَعُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمُوَاضَعَةِ. وَأَنْ يَكُونُوا مُسْتَنِدِينَ فِي أَخْبَارِهِمْ إِلَى الْحِسِّ لَا إِلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ. وَأَنْ يَكُونُوا مُسْتَوِينَ
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فِي طَرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، أَيْ يَكُونُ طَرَفَاهُ وَالْوَسَطُ مُسْتَوِينَ فِي التَّعَدُّدِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَى الْحِسِّ.
وَقَدْ شَرَطَ بَعْضُهُمْ: كَوْنَهُمْ عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوهُ وَهَذَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ. لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ عِلْمُ جَمِيعِهِمْ فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ جَمِيعُهُمْ عَالِمِينَ، بَلْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ ظَانِّينَ، وَمَعَ هَذَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ. وَإِنْ أُرِيدَ عِلْمُ الْبَعْضِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَعَرُّضِهِ ; لِأَنَّ عِلْمَ الْبَعْضِ لَازِمٌ مِمَّا قِيلَ مِنَ الشُّرُوطِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي ; لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ إِلَى الْحِسِّ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِسُّونَ عَالِمِينَ بِهِ.
وَضَابِطُ الْعِلْمِ بِحُصُولِ هَذِهِ الْأُمُورِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ. فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الشَّرَائِطَ حَصَلَتْ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ.
لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ سَبَقَ الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْمُتَوَاتِرِ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ. لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الْخَبَرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ.
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ. فَمِنْهُمْ مَنْ عَيَّنَ عَدَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعَيِّنْ.
وَالْمُعَيِّنُونَ اخْتَلَفُوا فَقَطَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ نَاقِصٌ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِمْ. وَلِهَذَا يَحْتَاجُ الْقَاضِي إِلَى عَرْضِ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا عَلَى الْمُزَكِّينَ. وَتَرَدَّدَ فِي الْخَمْسَةِ فِي أَنَّ أَخْبَارَهُمْ هَلْ يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ أَوْ لَا؟ فَالسِّتَّةُ عِنْدَهُ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ جَزْمًا.
وَقِيلَ: أَقَلُّهُ اثْنَا عَشَرَ [عَدَدُ] نُقَبَاءِ مُوسَى. وَقِيلَ عِشْرُونَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أَوْجَبَ الْجِهَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ. وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالْجِهَادِ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَخْبَرُوا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ.
وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَرْبَعِينَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ
стр. 634
وَضَابِطُهُ مَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ ; لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا.
وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ وَأَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَإِدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ وَالْوَقَائِعِ.
ص - وَشَرَطَ قَوْمٌ: الْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ ; لِأَخْبَارِ النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ ﵇. وَجَوَابُهُ اخْتِلَالٌ فِي الْأَصْلِ وَالْوَسَطِ.
وَشَرَطَ قَوْمٌ أَنْ لَا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ. وَقَوْمٌ اخْتِلَافَ النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْوَطَنِ. وَالشِّيعَةُ، الْمَعْصُومَ، دَفَعًا لِلْكَذِبِ.
وَالْيَهُودُ أَهَّلَ الذِّلَّةِ، [فِيهِمْ] دَفَعًا لِلتَّوَاطُؤِ لِخَوْفِهِمْ. وَهُوَ فَاسِدٌ.
ص - وَقَوْلُ الْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ: كُلُّ عَدَدٍ أَفَادَ خَبَرُهُمْ عِلْمًا بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ [فَمِثْلُهُ يُفِيدُ بِغَيْرِهَا لِشَخْصٍ،] صَحِيحٌ
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَوْلُ الْأَرْبَعِينَ مُفِيدَ الْعَلَمِ، لَمْ يُخْتَصَرْ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: سَبْعُونَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُتَمَسَّكَاتِ تَقْيِيدَاتٌ، لَا تَعَلُّقَ لِلْمُتَوَاتِرِ بِهَا، فَلَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمُخْبِرِينَ وَالْوَقَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَضَابِطُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِصِدْقِ خَبَرِهِمْ ; فَإِنَّ كُلَّ عَدَدٍ حَصَلَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ، كَانَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ أَنَّا نَقْطَعُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ. مِثْلَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمِصْرَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ قَبْلَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَا بَعْدَهُ.
فَلَوْ كَانَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِ الْخَبَرِ، لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ.
وَيَخْتَلِفُ الْعَدَدُ الَّذِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ، مِثْلَ الْهَيْئَاتِ [الْمُقَارِنَةِ] لِلْخَبَرِ الْمُوجِبَة لِتَعْرِيفِ مُتَعَلِّقِهِ. وَلِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ فِي اطِّلَاعِهِمْ عَلَى قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ،
следующие страницы →