Полный текст (1 729 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِذَا عَمِلَ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا بِعَمَلِ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ، لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، إِلَّا إِذَا كَانَ عَمَلُ الْأَكْثَرِ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ [إِجْمَاعٌ] وَالْإِجْمَاعُ يُقَدَّمُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ.
[الْخَبَر الْمُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ]
ش - خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُقَدَّمٌ ".
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، أَيْ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ، فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ مَقْطُوعًا بِهِ أَيْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَيُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيحِ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ التَّفْصِيلَ بِأَنْ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ ثَابِتَةً بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ النَّصُّ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَوُجُودُهَا، أَيْ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا، فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ.
وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ ظَنِّيًّا، فَالتَّوَقُّفُ. وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ ثَابِتَةً بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ ثَابِتَةً بِنَصٍّ رَاجِحٍ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا الْإِجْمَاعُ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ تَرَكَ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ وَأَخَذَ الْخَبَرَ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ
стр. 738
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ " تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ " فَاسْتِبْعَادٌ لِظُهُورِهِ.
وَكَذَلِكَ هُوَ وَعَائِشَةُ فِي: " إِذَا اسْتَيْقَظَ ". وَلِذَلِكَ قَالَا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ. وَأَيْضًا [أَخَّرَ مُعَاذٌ] الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ وَأَقَرَّهُ ﷺ . وَأَيْضًا لَوْ قُدِّمَ - لَقُدِّمَ الْأَضْعَفُ.
وَالثَّانِيَةُ إِجْمَاعٌ; لِأَنَّ الْخَبَرَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فِي الْعَدَالَةِ وَالدَّلَالَةِ، وَالْقِيَاسُ فِي سِتَّةٍ: حُكْمُ الْأَصْلِ، وَتَعْلِيلُهُ، وَوَصْفُ التَّعْلِيلِ، وَوُجُودُهُ فِي الْفَرْعِ، وَنَفْيُ الْمُعَارَضِ فِيهِمَا. وَإِلَى الْأَمْرَيْنِ أَيْضًا إِنْ كَانَ الْأَصْلُ خَبَرًا.
ص - قَالُوا: الْخَبَرُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْخَطَأِ وَالتَّجَوُّزِ وَالنَّسْخِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ. وَأَيْضًا فَمُتَطَرِّقٌ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ خَبَرًا.
ص - وَأَمَّا تَقْدِيمُ مَا تَقَدَّمَ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى تَعَارُضِ خَبَرَيْنِ عُمِلَ بِالرَّاجِحِ [مِنْهُمَا] .
ص - وَالْوَقْفُ لِتَعَارُضِ التَّرْجِيحَيْنِ.
ص - فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ، خُصَّ بِالْآخَرِ، وَسَيَأْتِي.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمُرْسَلُ: قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ ﷺ .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يَعْمَلَ بِالْقِيَاسِ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ: " كُنْتُ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغُرَّةِ ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَوْلَا هَذَا لَقَضَيْنَا بِرَأْيِنَا.
وَأَيْضًا تَرَكَ عُمَرُ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ وَأَخَذَ بِالْخَبَرِ فِي دِيَةِ الْإِصْبَعِ، فَإِنَّهُ قَصَدَ إِيجَابَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ عَلَى قَدْرِ مَنَافِعِهَا، حَتَّى رَوَى وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ " فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ ".
стр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَيْضًا اجْتَهَدَ عُمَرُ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْمَقْتُولِ لَا تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَلَمَّا نُقِلَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَيْهِ تَوْرِيثُ الزَّوْجَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، تَرَكَ الِاجْتِهَادَ وَأَخَذَ بِالْخَبَرِ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ. وَقَدْ شَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: " وَأَمَّا مُخَالَفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ " جَوَابُ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدَّمَ الْقِيَاسَ عَلَى الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» فَقَالَ: " أَلَسْنَا نَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ، فَكَيْفَ نَتَوَضَّأُ بِمَا نَتَوَضَّأُ عَنْهُ ".
стр. 741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَيْضًا خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ.
стр. 742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِنْكَارَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِتَرْجِيحِ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ، بَلْ إِنْكَارُهُ لِاسْتِبْعَادِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِظُهُورِ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْكَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ خَبَرَهُ. وَلِذَلِكَ قَالَا: " كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ "، وَهُوَ الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ.
[الْوَجْهُ] الثَّانِي أَنَّهُ ﵇ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ سَأَلَهُ، فَقَالَ: بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: بِالْكِتَابِ. قَالَ ﵇: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهِ؟ " قَالَ: بِالسُّنَّةِ. قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِيهَا؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ".
فَجَعَلَ مُعَاذٌ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ مَشْرُوطًا بِفَقْدِ الْحُكْمِ فِي السُّنَّةِ، أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا أَوْ آحَادًا، فَأَقَرَّهُ الرَّسُولُ ﵇ وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْخَبَرُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ لَمَا أَقَرَّهُ الرَّسُولُ ﵇ وَلَمْ يُحْمَدْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
الثَّالِثُ: لَوْ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى الْخَبَرِ لَزِمَ تَقْدِيمُ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَالثَّانِيَةُ إِجْمَاعٌ ".
стр. 743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْخَبَرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أَقَلَّ. وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أَقَلَّ، كَانَ الْخَطَأُ فِيهِ أَقَلَّ، فَيَكُونُ أَقْوَى.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْخَبَرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أَقَلَّ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي الْأَمْرَيْنِ: عَدَالَةُ الرَّاوِي، وَدَلَالَتُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ. وَالْقِيَاسُ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَالثَّانِي: تَعْلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ. الثَّالِثُ: الْوَصْفُ الصَّالِحُ لِلتَّعْلِيلِ. الرَّابِعُ: وُجُودُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ ; الْخَامِسُ: عَدَمُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ. السَّادِسُ: عَدَمُهُ فِي الْفَرْعِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ ثَابِتًا بِالْخَبَرِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْأَصْلُ ثَابِتًا بِالْخَبَرِ، احْتَاجَ الْقِيَاسُ أَيْضًا إِلَى الْأَمْرَيْنِ: الْعَدَالَةُ وَالدَّلَالَةُ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ فَيَكُونُ أَقْدَمَ. أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ.
стр. 744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَيْسَ مَعْصُومًا عَنِ الْكَذِبِ. وَيُحْتَمَلُ كُفْرُ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَفِسْقُهُ. وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ الْخَطَأُ، لِجَوَازِ ذُهُولِ أَحَدِ الرُّوَاةِ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا التَّجَوُّزُ وَالنَّسْخُ. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْهَا. فَيَكُونُ الْقِيَاسُ أَقْوَى.
أَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ بَعِيدَةٌ مَعَ ظُهُورِ عَدَالَةِ الرَّاوِي. وَأَيْضًا هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ كَمَا تَتَطَرَّقُ إِلَى الْخَبَرِ، تَتَطَرَّقُ إِلَى الْقِيَاسِ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ خَبَرًا.
ش - هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَابِ دَخَلٍ مُقَدَّرٍ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُ اقْتَضَتْ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا فَكَيْفَ صَحَّ تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا.
تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَاصِلَ التَّعَارُضِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، يَرْجِعُ إِلَى تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ الدَّالِّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْعِلَّةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْحُكْمِ ; إِذِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْفَرْعِ قَطْعًا. فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ الرَّاجِحِ، وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الْعِلَّةِ ; إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى الْحُكْمِ.
стр. 745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْوَقْفِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي تَكُونُ الْعِلَّةُ فِي الْقِيَاسِ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ، وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ ظَنِّيٌّ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ رَاجِحٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَرْجُوحٌ مِنْ وَجْهٍ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ نَصَّ الْعِلَّةِ رَاجِحٌ عَلَى الْخَبَرِ اقْتَضَى الرُّجْحَانَ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ يَقْتَضِي الْمَرْجُوحِيَّةَ; لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إِلَى الْقِيَاسِ مَفْسَدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَمْ تَتَطَرَّقْ إِلَى الْخَبَرِ.
وَالْخَبَرُ رَاجِحٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُقَدِّمَاتِهِ أَقَلُّ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ وَمَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ. وَإِذَا تَرَجَّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، تَسَاوَيَا، فَوَجَبَ الْوَقْفُ.
ش - هَذَا هُوَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ مِنَ التَّرْدِيدِ، وَهُوَ أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ بِوَجْهٍ مَا. وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ وَالْآخَرُ أَخَصَّ.
وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا تَخْصِيصُ الْعَامِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُّ قِيَاسًا أَوْ خَبَرًا. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ.
[الْمُرْسَلُ]
ش - الْخَبَرُ الْمُرْسَلُ: هُوَ قَوْلُ الْعَدْلِ، غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَاسِطَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: قَبُولُهُ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ.
стр. 746
ثَالِثُهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِنْ أَسْنَدَ غَيْرُهُ، أَوْ أَرْسَلَهُ وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، أَوْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، قُبِلَ.
وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ - قُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
ص - لَنَا أَنَّ إِرْسَالَ الْأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا، [وَلَمْ يُنْكِرْهُ] أَحَدٌ، كَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ [وَالْحَسَنِ] وَغَيْرِهِمْ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَثَانِيهَا: عَدَمُ قَبُولِهِ مُطْلَقًا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ أَسْنَدَ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ غَيْرُ الرَّاوِي، أَوْ أَرْسَلَ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ غَيْرُهُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ شُيُوخُ الْمُرْسِلِ الْأَوَّلِ غَيْرَ شُيُوخِ الْمُرْسِلِ الثَّانِي. أَوْ عَضَّدَ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ عُرِفَ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ.
وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يُقْبَلْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ﵀.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُرْسِلَ إِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قُبِلَ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ مَذْهَبُ عِيسَى بْنِ أَبَانٍ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ عِنْدَهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إِرْسَالَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، كَإِرْسَالِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمْ إِجْمَاعًا لَكَانَ الْمُخَالِفُ الَّذِي لَمْ يَقْبَلِ الْمُرْسَلَ مَقْدُوحًا لِكَوْنِهِ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَدَحِ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ الِاسْتِدْلَالِيُّ وَالظَّنِّيُّ فَلَا يُقْدَحُ فِي خَارِقِهِ.
стр. 748
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا. قُلْنَا: خَرْقُ الْإِجْمَاعِ الِاسْتِدْلَالِيِّ أَوِ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ - لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ.
ص - قَالُوا: لَوْ قُبِلَ - لَقُبِلَ مَعَ الشَّكِّ ; لِأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ [لَجَازَ] لِأَنْ لَا يُعَدَّلَ. قُلْنَا: فِي غَيْرِ الْأَئِمَّةِ.
قَالُوا: لَوْ قُبِلَ - لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا. قُلْنَا: لِغَلَبَةِ الْخِلَافِ فِيهِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَلَا رِيبَةَ تَمْنَعُ - قُبِلَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلِ الْمُرْسَلُ لَكَانَ لِكَوْنِ الْأَصْلِ غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَ الْمُرْسِلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَ الْمُرْسِلِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ، لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ، وَهُوَ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ الْإِنْكَارِ عَلَى قَبُولِ مَرَاسِيلِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَرْوُونَ إِلَّا عَنِ الْعُدُولِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، ﵀.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ يَقْتَضِي قَبُولَ الْمُرْسَلِ مِنْ كُلِّ عَدْلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُ بِعَدَمِ قَبُولِ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ. الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَقْبُولًا لَقُبِلَ الْخَبَرُ مَعَ الشَّكِّ فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُرْسَلَ لَمْ يَذْكُرِ الْأَصْلَ ; فَلَوْ سُئِلَ عَنْهُ جَازَ أَنْ لَا يُعَدِّلَهُ [فَبَقِيَ] مَشْكُوكَ الْعَدَالَةِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرْسِلَ إِذَا كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ لَا يَعْدِلَ الْأَصْلَ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَقْبُولًا، لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ عِلَّةَ قَبُولِ الْمُرْسَلِ ظُهُورُ عَدَالَةِ الْمُرْسِلِ، وَظُهُورُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ. وَهَذَا مَعْنًى لَا يَخْتَصُّ بِالْمُرْسِلِينَ فِي غَيْرِ عَصْرِنَا ; لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْمُرْسِلِينَ فِي عَصْرِنَا. فَوَجَبَ قَبُولُ الْمُرْسَلِ فِي عَصْرِنَا.
أَجَابَ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّ غَلَبَةَ الْخِلَافِ وَكَثْرَةَ الْمَذَاهِبِ فِي عَصْرِنَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْمُرْسَلِ فِي عَصْرِنَا. وَلَئِنْ سُلِّمَ عَدَمُ الْفَرْقِ فَلَا نُسَلِّمُ نَفْيَ التَّالِي ; فَإِنَّ مَرَاسِيلَ أَئِمَّةِ
стр. 750
قَالُوا: لَا يَكُونُ لِلْإِسْنَادِ مَعْنًى. قُلْنَا: فَائِدَتُهُ فِي أَئِمَّةِ النَّقْلِ تَفَاوُتُهُمْ وَرَفْعُ الْخِلَافِ.
ص - الْقَابِلُ مُطْلَقًا: تَمَسَّكُوا بِمَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ. وَلَا يُفِيدُهُمْ تَعْمِيمًا.
قَالُوا: إِرْسَالُ الْعَدْلِ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِهِ. قُلْنَا: نَقْطَعُ بِأَنَّ الْجَاهِلَ يُرْسِلُ وَلَا يَدْرِي مَنْ رَوَاهُ.
ص - وَقَدْ أُخِذَ عَلَى الشَّافِعِيِّ، فَقِيلَ: إِنْ أُسْنِدَ فَالْعَمَلُ بِالْمُسْنَدِ. وَهُوَ وَارِدٌ. وَإِنْ لَمْ يُسْنَدْ، فَقَدِ انْضَمَّ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِلَى مِثْلِهِ.
وَلَا يَرِدُ ; فَإِنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَقْوَى بِالِانْضِمَامِ.
ص - وَالْمُنْقَطِعُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْمَوْقُوفُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ صَحَابِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ.
ما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
النَّقْلِ تُقْبَلُ فِي عَصْرِنَا أَيْضًا ; لِأَنَّ أَئِمَّةَ النَّقْلِ هُمْ عَارِفُونَ بِالشُّيُوخِ فَلَا يُورِدُونَ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَقْبُولًا لَمْ يَكُنْ لَذِكْرِ الْإِسْنَادِ مَعْنًى ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقْبَلُ بِدُونِ ذِكْرِ الْإِسْنَادِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
أَجَابَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّ مَعْنَى الْإِسْنَادِ وَفَائِدَتَهُ فِي غَيْرِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ ظَاهِرٌ. وَفِي أَئِمَّةِ النَّقْلِ مَعْرِفَةُ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ وَرَفْعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْمُرْسَلِ.
ش - الْقَائِلُونَ بِقَبُولِ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبُولُ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ. وَتَقْرِيرُهُ كَمَا مَرَّ. أَجَابَ بِأَنَّ قَبُولَ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ لَا يُفِيدُهُمْ قَبُولَ كُلِّ مُرْسَلٍ عَلَى التَّعْمِيمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اخْتِصَاصُ التَّابِعِينَ بِمَعْنًى يُوجِبُ قَبُولَ مَرَاسِيلِهِمْ.
стр. 752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي أَنَّ إِرْسَالَ الْعَدْلِ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِ الْأَصْلِ. وَإِذَا كَانَ دَالًّا عَلَى تَعْدِيلِ الْأَصْلِ يَكُونُ مَقْبُولًا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِرْسَالَهُ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِ الْأَصْلِ ; فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الْجَاهِلَ يُرْسِلُ وَلَا يَدْرِي مَنْ رَوَاهُ، فَضْلًا عَنْ عَدَالَتِهِ.
ش - الْحَنَفِيَّةُ قَدْ أَخَذُوا عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: الْمُرْسَلُ يُقْبَلُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ. وَتَوْجِيهُ الْمُؤَاخَذَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا مَعْنَى لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهُ يُقْبَلُ إِذَا كَانَ مُسْنَدًا، أَوْ يُقْبَلُ إِذَا تَحَقَّقَ شَرْطٌ آخَرُ مِنَ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْعَمَلُ بِالْمُسْنَدِ، لَا بِالْمُرْسَلِ. وَاعْتَرَفَ الْمُصَنِّفُ بِوُرُودِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ انْضِمَامُ غَيْرِ مَقْبُولٍ إِلَى مِثْلِهِ، فَلَا يَكُونُ مَقْبُولًا. وَمَنَعَ الْمُصَنِّفُ وُرُودَهُ; فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَحْصُلُ بِانْضِمَامِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ.
[أَوْ يَحْصُلُ الظَّنُّ الضَّعِيفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَقْوَى بِانْضِمَامِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ] .
стр. 753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْحُقُّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا غَيْرُ وَارِدٍ ; فَإِنَّ الْمُرْسَلَ قَدْ يُقَوَّ ى بِالْمُسْنَدِ، فَيَسْتَحِقُّ لِذَلِكَ الْقَبُولَ. وَالْمُسْنَدُ أَيْضًا قَدْ يُقَوَّى بِالْمُرْسَلِ فَيُرَجَّحُ عَلَى مَسْنَدٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ.
[الْمُنْقَطِعُ]
ش - الْخَبَرُ الْمُنْقَطِعُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ رَجُلٌ لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ. كَمَا يَرْوِي رَاوٍ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخَهُ.
وَفِي قَبُولِ الْمُنْقَطِعِ نَظَرٌ. فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَالرَّاوِي الْمُتَوَسِّطِ مَجْهُولِ الْحَالِ، فَلَا يَكُونُ رِوَايَتُهُ مَقْبُولَةً.
وَالْخَبَرُ الْمَوْقُوفُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ وَقَفَهُ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ، ﵊، بِأَنْ يَنْتَهِيَ رِوَايَتُهُ إِلَى قَوْلِ صَحَابَةٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ.
[الْأَمْرُ]
[حَدُّ الْأَمْرِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَحْثِ الْخَبَرِ شَرَعَ فِي الْأَمْرِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْأَمْرِ.
стр. 754
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْأَمْرُ
ص - الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْفِعْلِ مَجَازٌ.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.
وَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ.
لَنَا: سَبَقَهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْأَخَصُّ، كَحَيَوَانٍ فِي إِنْسَانٍ.
وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
(فَعُورِضَ بِأَنَّ الْمَجَازَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
ص - وَالتَّوَاطُؤُ: مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ، فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَهُ دَفْعًا لِلْمَحْذُورَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِهِمَا أَبَدًا ; فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يَتَعَذَّرُ وَإِلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
(لَفْظُ الْأَمْرِ) حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازٌ.
وَقِيلَ: الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْفِعْلِ.
وَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ، أَيِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ; وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ، مَجَازًا فِي الْفِعْلِ.
وَاحْتَجَّ عَلَى إِبْطَالِ الِاشْتِرَاكِ وَالتَّوَاطُؤِ بِأَنَّهُ: يَسْبِقُ الْقَوْلَ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَمْرِ. فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَمْرِ مُشْتَرَكًا أَوْ
стр. 756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مُتَوَاطِئًا لَمْ يَسْبِقِ الْقَوْلُ إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا فَلِتَسَاوِي الْمَفْهُومَيْنِ حِينَئِذٍ فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْفَهْمِ دُونَ الْآخَرِ، تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ لِظُهُورِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَوَاطِئًا فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ أَخَصَّ مِنْ مَدْلُولِهِ، وَلَمْ يُفْهَمِ الْأَخَصُّ مِنَ الْأَعَمِّ، كَإِطْلَاقِ حَيَوَانٍ فِي إِنْسَانٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ أَيْضًا. وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ (بِالتَّفَاهُمِ) .
وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الْمَجَازُ، وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَارُضُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ وَأَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنْهُ.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالتَّوَاطُؤِ بِأَنَّ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ مُشْتَرِكَانِ فِي مَعْنًى عَامٍّ، فَيُجْعَلُ لَفْظُ الْأَمْرِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (الْعَامٍّ) الشَّامِلِ لَهُمَا دَفْعًا لِلْمَحْذُورَيْنِ: الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ اللَّازِمِ: أَحَدُهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَالْآخَرُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا.
أَجَابَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ; إِذْ مَا مِنْ مَعْنَيَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا أَمْرٌ عَامٌّ يُمْكِنُ جَعْلُ اللَّفْظِ لَهُ.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَصَّصَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيهَا دَلِيلٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ الِاشْتِرَاكِ أَوِ الْمَجَازِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا ; فَإِنَّ سَبْقَ الْقَوْلِ إِلَى الْفَهْمِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَوْلِ، مَجَازًا فِي الْفِعْلِ.
الثَّانِي - أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْأَمْرِ، وَقَدْ صَحَّ دَلَالَةُ لَفْظِ الْأَمْرِ عَلَى الْقَوْلِ، لَكِنَّ الْعَامَّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْخَاصِّ أَصْلًا.
стр. 757
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَوْلٌ حَادِثٌ هُنَا.
ص - حَدُّ الْأَمْرِ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَجِيئُ الدَّوْرُ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَقِيلَ: عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالْأَمْرُ يَأْبَاهُمَا.
ص - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ - قَالُوا: قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَاطُؤِ قَوْلٌ حَادِثٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ حَقِيقَةً، وَالْقَوْلُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ - أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ حَدَّ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَهُوَ اقْتِضَاءٌ؛ أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَقَوْلُهُ: " اقْتِضَاءُ فِعْلٍ " يَشْمَلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالِالْتِمَاسَ وَالدُّعَاءَ.
стр. 759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: " غَيْرُ كَفٍّ " يُخْرِجُ عَنْهُ النَّهْيَ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ فِعْلٌ هُوَ كَفٌّ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " يُخْرِجُ الدُّعَاءَ وَالِالْتِمَاسَ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي حَدِّ الْأَمْرِ: إِنَّهُ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَرُدَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَأْمُورَ وَالطَّاعَةَ، وَالْمَأْمُورُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْرِ فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ.
وَالطَّاعَةُ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ أَيْضًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ، فَيَجِيئُ الدَّوْرُ فِيهِمَا؛ أَيْ فِي الْمَأْمُورِ وَالطَّاعَةِ.
وَقِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ: إِنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ.
وَرَدَّهُمَا بِأَنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالْأَمْرُ يَأْبَاهُمَا ضَرُورَةَ عَدَمِ احْتِمَالِهِ لَهُمَا، فَيَمْتَنِعُ جَعْلُ الْخَبَرِ جِنْسًا لَهُ.
ش - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالِاقْتِضَاءِ، بَلْ عَرَّفُوهُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْإِرَادَةِ.
وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ مَا قَالَهُ الْبَلْخِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ: أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ - أَيْ نَحْوَ " افْعَلْ " فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَدْلُولِهِ.
стр. 760
وَيَرِدُ التَّهْدِيدُ وَغَيْرُهُ، وَالْمُبَلِّغُ وَالْحَاكِي وَالْأَدْنَى.
وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ.
وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً.
وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِإِيرَادَاتٍ ثَلَاثٍ: وُجُودِ اللَّفْظِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَالِامْتِثَالِ.
فَالْأَوَّلُ: عَنِ النَّائِمِ، وَالثَّانِي: عَنِ التَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ: وَالثَّالِثُ، عَنِ الْمُبَلِّغِ.
وَفِيهِ تَهَافُتٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ - فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ: وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ ") .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: إِرَادَةُ الْفِعْلِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ مُتَوَعِّدًا بِالْإِهْلَاكِ ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ، فَادَّعَى مُخَالَفَتَهُ فَطَلَبَ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 761
وَأَوْرَدَ مِثْلَهُ عَلَى الطَّلَبِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ.
وَالْأَوْلَى: لَوْ كَانَ إِرَادَةً لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِرَادَةِ: تَخْصِيصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَخَصَّصْ.
ص - وَالْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْأَمْرِ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ.
وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي صِيغَةِ " افْعَلْ ".
وَالْجُمْهُورُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ.
(وَ) أَبُو هَاشِمٍ: فِي النَّدْبِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: " وَنَحْوَهُ " لِيَنْدَرِجَ تَحْتَ الْحَدِّ صِيغَةُ أَمْرِ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ.
وَيَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ:
التَّهْدِيدُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] .
وَالْإِبَاحَةُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
وَالتَّكْوِينُ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] .
وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ الطَّلَبُ ; فَإِنَّهَا قَوْلُ الْقَائِلِ " افْعَلْ " لِمَنْ دُونَهُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ.
وَأَيْضًا: يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ قَوْلُ الْحَاكِي لِمَنْ دُونَهُ مِنْ أَمْرِ آمِرٍ.
وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِهِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى: افْعَلْ، وَنَحْوَهُ؛ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ ; لِأَنَّ الْعُلُوَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَمْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿مَاذَا أَرَادَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ
стр. 763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ إِلَى التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّكْوِينِ. وَهَذَا تَعْرِيفٌ فَاسِدٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ.
فَإِنْ أُسْقِطَ عَنْهُ قَيْدُ " الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ " - بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً، وَحِينَئِذٍ يَرِدُ التَّهْدِيدُ وَقَوْلُ الْحَاكِي، كَمَا فِي الْأَوَّلِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا إِيرَادَاتٌ ثَلَاثٌ (إِرَادَةُ وُجُودِ اللَّفْظِ، وَإِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِرَادَةُ الِامْتِثَالِ) .
فَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ - أَعَنِي إِرَادَةَ وُجُودِ اللَّفْظِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ النَّائِمِ.
وَالْقَيْدُ الثَّانِي - أَيْ إِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ - احْتِرَازٌ عَنِ التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ.
وَالْقَيْدُ الثَّالِثُ - أَيْ إِرَادَةُ الِامْتِثَالِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْمُبَلِّغِ.
وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ تَهَافُتٌ، أَيْ تَسَاقُطٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ فَسَدَ التَّعْرِيفُ ; لِقَوْلِهِ: وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ؛ إِذِ الصِّيغَةُ لَمْ تَرِدْ دَلَالَتُهَا عَلَى اللَّفْظِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ: الْمَعْنَى - فَسَدَ
стр. 764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
التَّعْرِيفُ أَيْضًا؛ لِقَوْلِهِ: الْأَمْرُ: صِيغَةُ " افْعَلْ " ; فَإِنَّ الصِّيغَةَ لَفْظٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُهُ بِالْمَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ: اللَّفْظَ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالصِّيغَةِ، وَبِالْأَمْرِ الثَّانِي: الْمَعْنَى، وَهُوَ الطَّلَبُ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: الْأَمْرُ: الصِّيغَةُ الْمُرَادُ بِهَا دَلَالَتُهَا عَلَى الطَّلَبِ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ؛ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، وَمَا أَجَابَ عَنْهَا.
وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ شُبْهَةً أُخْرَى، وَهُوَ: أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي التَّعْرِيفِ إِرَادَةَ الِامْتِثَالِ؛ وَالِامْتِثَالُ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فَيَدُورُ.
وَغَفَلَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهَا بِعَيْنِهَا وَارِدَةٌ عَلَى شُبْهَتِهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْأَمْرُ: هُوَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ.
وَرُدَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَصْدُقُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ.
стр. 765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ ضَرْبَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَتَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ، فَادَّعَى السَّيِّدُ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ لَهُ وَطَلَبَ السَّيِّدُ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَةِ السُّلْطَانِ - فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الْعَبْدَ، وَلَا يُرِيدُ مِنْهُ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مُرِيدًا لِإِتْيَانِ الْعَبْدِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ - لَكَانَ مُرِيدًا هَلَاكَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ تَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْعَبْدِ لِأَمْرِهِ، وَالْعَاقِلُ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
وَأَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ مِثْلَهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ ; فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَدَّ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْفِعْلِ أَمْرًا - لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: فَلِأَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِحُدُوثِ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالشَّيْءِ تَخَصُّصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ، أَيْ بِوَقْتِ حُدُوثِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ يَتَخَصَّصْ
стр. 766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِحَالِ حُدُوثِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَخَصَّصْ بِحَالِ حُدُوثِهِ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ.
فَيَلْزَمُ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِذَا تَعَلَّقَتِ الْإِرَادَةُ بِالشَّيْءِ وُجِدَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْإِرَادَةُ هِيَ الْأَمْرُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مُرَادًا مَوْجُودًا.
وَأَمَّا (بَيَانُ) انْتِفَاءِ التَّالِي: فَلِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى كُفْرِهِ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِيمَانُ مِنْهُ.
[هل للأمر صيغة تخصه]
ش - الْقَائِلُونَ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا ; فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَعَمْ.
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الصِّيغَةِ فَإِنَّهَا مَعْلُومَةُ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظًا مَخْصُوصَةً بِالْأَمْرِ، كَقَوْلِنَا: أَمَرْتُكَ بِكَذَا. أَوْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ كَذَا.
إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " هَلْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَمْرِ أَوْ لَا؟ .
стр. 767
وَقِيلَ: لِلطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.
الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا وَفِي الْإِبَاحَةِ.
وَقِيلَ: لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلَاثَةِ.
الشِّيعَةُ: مُشْتَرَكٌ فِي الثَّلَاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ.
ص - لَنَا ثُبُوتُ الِاسْتِدْلَالِ (بِمُطْلَقِهَا) عَلَى الْوُجُوبِ شَائِعًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، كَالْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاخْتَلَفُوا فِي صِيغَةِ " افْعَلْ " عَلَى ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ لِلطَّلَبِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
وَقَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي بِالتَّوَقُّفِ فِيهِمَا، أَيْ فِي الِاشْتِرَاكِ وَالِانْفِرَادِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُهُمَا، وَلَا جَزْمَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ - الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ - اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْإِذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلَاثَةِ؛ أَعْنِي الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ.
وَقَالَ الشِّيعَةُ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ.
ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْكِتَابِ وَالْعُرْفِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ؛ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَدَلُّوا بِمُطْلَقِ صِيغَةِ " افْعَلْ " بِدُونِ قَرِينَةٍ عَلَى الْوُجُوبِ، وَشَاعَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ صِيغَةِ " افْعَلْ " لِلْوُجُوبِ، كَالْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهَا، كَانَ إِجْمَاعًا.
وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، وَالظَّنُّ
стр. 769
وَلَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي الظُّهُورُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ.
وَأَيْضًا ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: اسْجُدُوا.
وَأَيْضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [المرسلات: ٤٨] ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.
وَأَيْضًا: تَارِكُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصٍ، بِدَلِيلِ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] .
وَأَيْضًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 770
وَالتَّهْدِيدُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ حُمِلَتْ عَلَى مُخَالَفَةٍ مِنْ إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.
وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُمْ: مُطْلَقٌ.
قُلْنَا: بَلْ عَامٌّ.
وَأَيْضًا: نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ عُدَّ عَاصِيًا.
ص - وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالتَّهْدِيدُ وَالْإِبَاحَةُ بَعِيدٌ.
وَالْقَطْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ " نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَنِي "، وَبَيْنَ " اسْقِنِي " وَلَا فَرْقَ إِلَّا اللَّوْمُ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنْ سَلَّمُوا الْفَرْقَ فَلِأَنَّ (نَدَبْتُكَ) نَصٌّ، وَ (اسْقِنِي) مُحْتَمَلٌ.
ص - النَّدْبُ. إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، (فَرَدَّهُ إِلَى) مَشِيئَتِنَا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، بَلْ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَطْعِيٌّ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنَّ لَا يَكْفِي فِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ بَلْ يَكْفِي فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ ظُهُورُ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَهُ، وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ (بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ) مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ.
وَأَمَّا الْكِتَابُ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] .
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] مَا خَاطَبَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَتَرَكَ إِبْلِيسُ الْمَأْمُورَ بِهِ، ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " مَا مَنَعَكَ " الِاسْتِفْهَامَ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونَ لِلذَّمِّ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] .
стр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ الَّتِي هِيَ تَرْكُ الرُّكُوعِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
وَمِنْهُ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ عَاصٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] . وَالْعَاصِي يَسْتَحِقُّ النَّارَ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ; ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَارِكُهُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] . هَدَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا حَسُنَ التَّهْدِيدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَا يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ، أَيْ يُحْمَلُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ، وَبِالْعَكْسِ.
أَجَابَ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ ظَاهِرٌ، فَيَكُونُ رَاجِحًا، وَحَمْلُ (اللَّفْظِ عَلَى) الْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ بَعِيدٌ.
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] مُطْلَقٌ ; لِكَوْنِهِ مُفْرَدًا، وَالْمُطْلَقُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ عَامٌّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَأَيْضًا رَتَّبَ الْأَمْرَ بِالْحَذَرِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الَّتِي هِيَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ، فَيَكُونُ عَامًّا.
- وَأَمَّا الْعُرْفُ فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْخِيَاطَةِ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلِ الْعَبْدُ - عُدَّ عَاصِيًا.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا عُدَّ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
стр. 774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ. وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ. فَثَبَتَ ظُهُورُهُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَلَا يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ وَلَا لِلتَّهْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ، إِذْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ.
وَلَا يَكُونُ لِلنَّدْبِ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ " نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَنِي "، وَبَيْنَ قَوْلِهِ " اسْقِنِي ".
لَكِنْ نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اللَّوْمُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ اللَّوْمَ، وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّهُ.
فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُسَلِّمِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْفَرْقِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِاللَّوْمِ؛ بَلِ الْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ (نَدَبْتُكَ) نَصٌّ فِي النَّدْبِ، وَقَوْلَهُ (اسْقِنِي) مُحْتَمَلٌ. وَأَيْضًا: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ (مِنْهَا) .
ش - الْقَائِلُ بِالنَّدْبِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
فَإِنَّهُ رَدَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إِلَى مَشِيئَتِنَا، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ هُوَ الْمُفَوَّضُ إِلَى مَشِيئَتِنَا.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى مَشِيئَتِنَا؛ بَلْ رُدَّ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاجِبِ مُفَوَّضٌ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
стр. 775
وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدُّهُ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ.
ص - مُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ الرُّجْحَانَ، وَلَا دَلِيلَ مُفِيدٌ. فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْمُشْتَرَكِ دَفَعًا لِلِاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: بَلْ يُثْبِتُ التَّقْيِيدَ.
ثُمَّ فِيهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ. وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
ص - الِاشْتِرَاكُ يُثْبِتُ الْإِطْلَاقَ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
ص - الْقَاضِي: لَوْ ثَبَتْ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ.
قُلْنَا: بِالِاسْتِقْرَاءَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
ص - الْإِذْنُ الْمُشْتَرَكُ كَمُطْلَقِ الطَّلَبِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ (بِمُجَرَّدِهَا) لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ، وَلَا (عَلَى) مَرَّةٍ.
وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ الْأُسْتَاذِ؛ لِلتَّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ: لِلْمَرَّةِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →