← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8156

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب

أبو الثناء الأصبهاني

Полный текст (1 729 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، بَلْ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَطْعِيٌّ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا ظَنًّا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّنَّ لَا يَكْفِي فِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ بَلْ يَكْفِي فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ ظُهُورُ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَهُ، وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ (بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ) مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ. وَأَمَّا الْكِتَابُ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] مَا خَاطَبَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] . وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَتَرَكَ إِبْلِيسُ الْمَأْمُورَ بِهِ، ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " مَا مَنَعَكَ " الِاسْتِفْهَامَ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونَ لِلذَّمِّ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا ذَمَّهُ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] .

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ الَّتِي هِيَ تَرْكُ الرُّكُوعِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَمِنْهُ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ عَاصٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] . وَالْعَاصِي يَسْتَحِقُّ النَّارَ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى ; ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَارِكُهُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّارِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] . هَدَّدَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمَا حَسُنَ التَّهْدِيدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَا يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ، أَيْ يُحْمَلُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ، وَبِالْعَكْسِ. أَجَابَ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ حَمْلَ الْمُخَالَفَةِ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ ظَاهِرٌ، فَيَكُونُ رَاجِحًا، وَحَمْلُ (اللَّفْظِ عَلَى) الْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ بَعِيدٌ.

стр. 773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] مُطْلَقٌ ; لِكَوْنِهِ مُفْرَدًا، وَالْمُطْلَقُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ. أَجَابَ بِأَنَّهُ عَامٌّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَأَيْضًا رَتَّبَ الْأَمْرَ بِالْحَذَرِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الَّتِي هِيَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ، فَيَكُونُ عَامًّا. - وَأَمَّا الْعُرْفُ فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خُطَّ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْخِيَاطَةِ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلِ الْعَبْدُ - عُدَّ عَاصِيًا. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَمَا عُدَّ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.

стр. 774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَمْرَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ. وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهَا ; لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ. فَثَبَتَ ظُهُورُهُ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ. وَلَا يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ وَلَا لِلتَّهْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ، إِذْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ ذَاهِبٌ. وَلَا يَكُونُ لِلنَّدْبِ أَيْضًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ " نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَنِي "، وَبَيْنَ قَوْلِهِ " اسْقِنِي ". لَكِنْ نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اللَّوْمُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ اللَّوْمَ، وَالثَّانِي يَسْتَحِقُّهُ. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُسَلِّمِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْفَرْقِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِاللَّوْمِ؛ بَلِ الْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ (نَدَبْتُكَ) نَصٌّ فِي النَّدْبِ، وَقَوْلَهُ (اسْقِنِي) مُحْتَمَلٌ. وَأَيْضًا: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ (مِنْهَا) . ش - الْقَائِلُ بِالنَّدْبِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَإِنَّهُ رَدَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إِلَى مَشِيئَتِنَا، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ هُوَ الْمُفَوَّضُ إِلَى مَشِيئَتِنَا. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى مَشِيئَتِنَا؛ بَلْ رُدَّ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاجِبِ مُفَوَّضٌ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 775

وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدُّهُ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ. ص - مُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ الرُّجْحَانَ، وَلَا دَلِيلَ مُفِيدٌ. فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْمُشْتَرَكِ دَفَعًا لِلِاشْتِرَاكِ. قُلْنَا: بَلْ يُثْبِتُ التَّقْيِيدَ. ثُمَّ فِيهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ. وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. ص - الِاشْتِرَاكُ يُثْبِتُ الْإِطْلَاقَ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ. ص - الْقَاضِي: لَوْ ثَبَتْ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ. قُلْنَا: بِالِاسْتِقْرَاءَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ. ص - الْإِذْنُ الْمُشْتَرَكُ كَمُطْلَقِ الطَّلَبِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ (بِمُجَرَّدِهَا) لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ، وَلَا (عَلَى) مَرَّةٍ. وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ الْأُسْتَاذِ؛ لِلتَّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ. وَقَالَ كَثِيرٌ: لِلْمَرَّةِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِ الْأَمْرِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ احْتَجَّ بِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّلَبِ ظَاهِرٌ مِنَ الْأَمْرِ، وَمُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ رُجْحَانَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَلَا دَلِيلَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ أَوْ عَدَمِهِ فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ، فَإِنَّ دَلَائِلَ الْوُجُوبِ تُوجِبُ تَقْيِيدَ الطَّلَبِ بِالْجَزْمِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّقْيِيدِ، لَكِنْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ - فَلِأَنَّ رُجْحَانَ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ لَازِمٌ مَاهِيَّةَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وُجِدَ رُجْحَانُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ. وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رُجْحَانَ الْفِعْلِ لَمَّا كَانَ لَازِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يَجِبُ كَوْنُ الْأَمْرِ لَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ - فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الْمُشْتَرَكِ ; إِذْ مَا مِنْ مُشْتَرِكٍ إِلَّا تَشْتَرِكُ مَفْهُومَاتُهُ فِي لَازِمٍ. فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَهُ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ.

стр. 777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَقِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ طَرِيقٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ (لُزُومَ) رَفْعِ الِاشْتِرَاكِ ; فَإِنَّ صِحَّةَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّصِّ مِنَ الْوَاضِعِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إِثْبَاتِ اللُّغَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُقَدِّمَةٌ نَقْلِيَّةٌ، وَلَا يَكُونُ عَقْلِيًّا صِرْفًا. ش - الْقَائِلُ بِالِاشْتِرَاكِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لِجَوَابِهِ ; لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إِنَّمَا تَكُونُ أَصْلًا إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا مَحْذُورٌ وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ.

стр. 778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] ش - احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى التَّوَقُّفِ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْأَمْرِ لِوَاحِدٍ مِنْ مَعَانِيهِ، لَكَانَ ثُبُوتُهُ إِمَّا عَنْ دَلِيلٍ أَوْ لَا عَنْ دَلِيلٍ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِلَا دَلِيلٍ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَقْلِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِيَّاتِ. أَوْ نَقْلِيًّا مُتَوَاتِرًا، وَهُوَ يُوجِبُ عَدَمُ الْخِلَافِ. أَوْ آحَادًا، وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. أَجَابَ بِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ دَلِيلُ ثُبُوتِهِ. ش - الْقَائِلُ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ، دَلِيلُهُ كَدَلِيلِ الْقَائِلِ بِكَوْنِهِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ، وَجَوَابُهُ كَجَوَابِهِ.

стр. 779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] [مَسْأَلَة: دلالة صيغة الأمر على التكرار] ش - صِيغَةُ الْأَمْرِ إِذَا جُرِّدَتْ عَنِ الْقَرَائِنِ الْمُشْعِرَةِ بِالْمَرَّةِ أَوِ التَّكْرَارِ، لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ. وَهُوَ مُخْتَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالْمُصَنِّفُ قَدِ اخْتَارَهُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ: إِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ مُدَّةَ الْعُمْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِمْكَانِ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّهُ لِلْمَرَّةِ وَلَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَفُسِّرَ تَارَةً بِكَوْنِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ وَأُخْرَى بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْوَاقِعِ. ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا هُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ. وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا فِي مَدْلُولِهِ وَقُرِنَ الْأَمْرُ بِهِ، لَزِمَ التَّكْرَارُ. وَبِالْآخَرِ لَزِمَ النَّقْضُ. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَبْرَأُ، أَيْ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْمَرَّةِ. الثَّانِي: أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دَاخِلًا فِي حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، بَلْ مِنْ صِفَاتِهِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْهُ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ أَصْلًا. فَلَا دَلَالَةَ لِلْفِعْلِ عَلَى الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَلِذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ الْمَصْدَرُ بِوَاحِدٍ (مِنْهُمَا) . وَالْأَمْرُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَرَّةِ

стр. 780

ص - لَنَا: أَنَّ الْمَدْلُولَ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجِيٌّ، وَلِذَلِكَ يَبْرَأُ بِالْمَرَّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ. ص - الْأُسْتَاذُ: تَكَرُّرُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَرُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مِنْ غَيْرِهِ. وَعُورِضَ بِالْحَجِّ. قَالُوا: ثَبَتَ فِي " لَا تَصُمْ " فَوَجَبَ فِي " صُمْ "؛ لِأَنَّهَا طَلَبٌ. رُدَّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ. وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي النَّفْيَ. وَبِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْأَمْرِ مَانِعٌ مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ النَّهْيِ. قَالُوا: الْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ يَعُمُّ فَيَلْزَمُ (التَّكْرَارُ) ، وَرُدَّ بِالْمَنْعِ. وَبِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ لِلْأَضْدَادِ دَائِمًا فَرْعٌ عَلَى تَكْرَارِ الْأَمْرِ. ص - الْمَرَّةُ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ مَرَّةً امْتَثَلَ. قُلْنَا: امْتَثَلَ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ; لِأَنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِهِ، لَا لِأَنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِيهَا، وَلَا فِي التَّكْرَارِ. ص - الْمَوْقِفُ: لَوْ ثَبَتَ إِلَى آخِرِهِ. ص (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرُ إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ وَجَبَ (تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِهَا) اتِّفَاقًا ; لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ لَا لِلْأَمْرِ. فَإِنْ عُلِّقَ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ فَالْمُخْتَارُ: لَا يَقْتَضِي. لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: " إِنْ دَخَلْتَ السُّوقَ فَاشْتَرِ كَذَا " - عُدَّ مُمْتَثِلًا بِالْمَرَّةِ مُقْتَصِرًا. ص: قَالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ - الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي - وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] . قُلْنَا: فِي غَيْرِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ. قَالُوا: تَكَرُّرٌ لِلْعِلَّةِ فَالشَّرْطِ ; لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ (بِانْتِفَائِهِ) . ص - (مَسْأَلَةٌ) الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ. وَمَنْ قَالَ: الْمَرَّةُ تُبَرِّئُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِلْفَوْرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِمَّا الْفَوْرُ أَوِ الْعَزْمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ بِالْوَقْفِ لُغَةً، فَإِنْ بَادَرَ امْتَثَلَ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ بَادَرَ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. لَنَا: مَا تَقَدَّمَ. ص - الْفَوْرُ: لَوْ قَالَ: " اسْقِنِي ". وَأَخَّرَ عُدَّ عَاصِيًا. قُلْنَا: لِلْقَرِينَةِ. قَالُوا: كُلُّ مُخْبِرٍ أَوْ مُنْشِئٍ فَقَصْدُهُ الْحَاضِرُ؛ مِثْلَ زَيْدٌ قَائِمٌ، ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَالتَّكْرَارِ. ش - الْأُسْتَاذُ وَمَنْ تَابَعَهُ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - أَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَحُمِلَ عَلَى التَّكْرَارِ فِيهِمَا؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا حُمِلَ عَلَى التَّكْرَارِ فِيهِمَا.

стр. 782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَجَابَ بِأَنَّ تَكْرَارَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَيْسَ بِمُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّسُولِ ﵇. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ فِي الْحَجِّ وَحُمِلَ عَلَى الْمَرَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا حُمِلَ عَلَى الْمَرَّةِ. الثَّانِي - أَنَّ النَّهْيَ مِثْلَ قَوْلِهِ " لَا تَصُمْ " يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ مِثْلَ (صُمْ) التَّكْرَارَ. وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا: الطَّلَبُ. وَرُدَّ هَذَا الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَبِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْفِعْلِ، وَنَفْيُ الْفِعْلِ دَائِمًا مُمْكِنٌ. وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ دَائِمًا غَيْرُ مُمْكِنٍ. الثَّانِي - أَنَّ التَّكْرَارَ فِي النَّهْيِ يَمْنَعُ (عَنْ) نَهْيٍ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ التَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ ; فَإِنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ الْأَمْرِ بِغَيْرِهِ. الثَّالِثُ - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ الضِّمْنِيَّ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ; لِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ التَّكْرَارَ فَرْعٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ. فَلَا يُسْتَدَلُّ بِتَكْرَارِ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ عَلَى تَكْرَارِ الْأَمْرِ، وَإِلَّا كَانَ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ. ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْمَرَّةَ احْتَجَّ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ؛ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: " ادْخُلْ " فَدَخَلَ مَرَّةً، عُدَّ مُمْتَثِلًا. فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلتَّكْرَارِ - لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَدُّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ. لِأَنَّ الْمَرَّةَ مِنْ ضَرُورَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ. لَا أَنَّ الْأَمْرَ ظَاهِرٌ فِي الْمَرَّةِ، وَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي التَّكْرَارِ. ش - احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْوَقْفِ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ لَثَبَتَ إِمَّا بِلَا دَلِيلٍ أَوْ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ.

стр. 784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَتَقْرِيرُهُ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ قَدْ مَرَّ. [مَسْأَلَة: الْأَمْرُ إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ] ش - هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَلَى عَدَمِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ. إِذَا عُلِّقَ أَمْرٌ عَلَى صِفَةٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ عِلِّيَّةُ تِلْكَ الصِّفَةِ ثَابِتَةً أَمْ لَا. فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً وَجَبَ تَكَرُّرُ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ تَكْرَارَ الْعِلَّةِ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْمَعْلُولِ، لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِلِّيَّةُ الصِّفَةِ ثَابِتَةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَكْرَارِ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَةِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ تَكَرُّرَ الصِّفَةِ لَا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الْفِعْلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَخَلْتَ

стр. 785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] السُّوقَ فَاشْتَرِ اللَّحْمَ - عُدَّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا بِاقْتِصَارِهِ عَلَى شِرَاءِ اللَّحْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ أَخَذَ الْعَبْدُ يَشْتَرِي اللَّحْمَ كُلَّمَا دَخَلَ السُّوقَ، عُدَّ مُسْتَحِقًّا لِلَّوْمِ. وَلَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْأَمْرِ عَلَى الصِّفَةِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ ثَبَتَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ تَكَرُّرُ وُجُوبِ الْفِعْلِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَاتِ الَّتِي عُلِّقَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الصِّفَاتُ شُرُوطًا أَوْ عِلَلًا.

стр. 786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] . فَإِنَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ أَفَادَ التَّكْرَارَ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ عَلَى الصِّفَةِ مُطْلَقًا مُفِيدًا لِلتَّكْرَارِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِأَنَّ تَكْرَارَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ إِنَّمَا هُوَ لِتَكْرَارِ الْعِلَّةِ. وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَفِي الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ، لَا لِأَجْلِ التَّعْلِيقِ. الثَّانِي: - أَنَّ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْعِلَّةِ يُوجِبُ تَكَرُّرُ الْعِلَّةِ تَكَرُّرَهُ. فَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ أَوْلَى أَنْ يُوجِبَ تَكَرُّرُ الشَّرْطِ تَكَرُّرَهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ أَقْوَى مِنَ الْعِلَّةِ ; لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ. بِخِلَافِ الْمَعْلُولِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، كَالْمَعْلُولِ النَّوْعِيِّ. أَجَابَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ أَقْوَى مِنَ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْلُولِهَا،

стр. 787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَيْ كُلَّمَا وُجِدَتْ، وُجِدَ الْمَعْلُولُ. بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي مَشْرُوطَهُ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ. وَكَوْنُ الْمَعْلُولِ النَّوْعِيِّ ثَابِتًا عِنْدَ عَدَمِ عِلَّتِهِ لَا يَقْدَحُ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ، لِأَنَّ التَّكْرَارَ يُسْتَفَادُ مِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ. بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ - لَزِمَ الْقَدْحُ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ. [مَسْأَلَةٌ: الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ] ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، قَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْفَوْرَ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الْفَوْرِ يُلْزِمُ اقْتِضَاءَ التَّكْرَارِ ; لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ التَّكْرَارِ اسْتِغْرَاقَ جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِنْ وَقْتِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تُبَرِّئُ الْمَأْمُورَ عَنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّهُ يَقْتَضِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا الْفَوْرَ أَوِ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْوَقْفِ لُغَةً عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوِ التَّرَاخِيَ. فَإِنْ بَادَرَ الْمَأْمُورُ وَأَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ مُمْتَثِلًا. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ، وَإِنْ بَادَرَ الْمَأْمُورُ وَأَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، لَمْ يُقْطَعْ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا، بَلْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ أَيْضًا، كَمَا يُتَوَقَّفُ فِي الْفَوْرِ.

стр. 789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ، كَمَا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّكْرَارِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمْرِ: طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، وَالْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِهِ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ وَلَا لِلتَّرَاخِي. وَأَيْضًا: الْفَوْرُ وَالتَّرَاخِي مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ. ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ احْتَجُّوا بِسَبْعَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ - إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ السَّقْيِ عَلَى الْفَوْرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ، عُدَّ الْعَبْدُ عَاصِيًا وَاسْتَحَقَّ اللَّوْمَ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِأَنَّ الْفَوْرَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقَرِينَةِ لَا مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْرِ. الثَّانِي - أَنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ وَمُنْشِئٍ يَقْصِدُ بِإِخْبَارِهِ وَإِنْشَائِهِ الزَّمَانَ الْحَاضِرَ؛ مِثْلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ. فَكَذَا الْأَمْرُ بِأَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الْكَلَامِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ فَلَا يُفِيدُ. وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا - أَيِ الْأَمْرِ - اسْتِقْبَالًا قَطْعًا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ، وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى حُصُولِهِ. فَيَكُونُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَمَانِ صُدُورِ الْأَمْرِ عَنِ الْآمِرِ. بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِنْشَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ وُقُوعُهُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ; فَإِنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ.

стр. 790

وَأَنْتِ طَالِقٌ. رُدَّ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ. وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا اسْتِقْبَالًا قَطْعًا. قَالُوا: طَلَبٌ كَالنَّهْيِ؛ وَالْأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا. قَالُوا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فَذَمَّ عَلَى تَرْكِ الْبِدَارِ. قُلْنَا: لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] . قَالُوا: لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ لَوْ صُرِّحَ بِالْجَوَازِ. وَبِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُتَعَيِّنًا. وَأَمَّا فِي الْجَوَازِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِامْتِثَالِ. قَالُوا: قَالَ: (سَارِعُوا) (فَاسْتَبِقُوا) . قُلْنَا: مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُسَارِعًا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 791

ص - الْقَاضِي: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُوَسَّعِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَبَرَ يَقْتَضِي الزَّمَانَ الْحَاضِرَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِقْبَالِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَيُضْرَبُ زَيْدٌ. الثَّالِثُ - أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ كَالنَّهْيِ. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، فَكَذَا الْأَمْرُ؛ قِيَاسًا عَلَيْهِ. الرَّابِعُ - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ يَسْتَلْزِمُ الْفَوْرَ، فَكَذَا الْأَمْرُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. الْخَامِسُ - أَنَّهُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَتَرَكَ إِبْلِيسُ السُّجُودَ، فَذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْفَوْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِاسْتِفْهَامِ، فَيَكُونُ لِلذَّمِّ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا حَسُنَ الذَّمُّ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ، إِذْ كَانَ لِإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا تَرَكْتُ السُّجُودَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ. أَجَابَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اقْتَضَى الْفَوْرَ، لَا لِكَوْنِهِ أَمْرًا؛ بَلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]

стр. 793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عُقَيْبَ التَّسْوِيَةِ وَنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ مُفِيدًا لِلْفَوْرِ. السَّادِسُ - لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ الْمُكَلَّفَ بِالْفِعْلِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُؤَخِّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ، مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ الَّذِي قَدْ كُلِّفَ بِالْمَنْعِ مِنَ التَّأْخِيرِ عَنْهُ. فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُعْلَمُ، وَذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَيْسَ إِلَّا وَقْتًا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّرَاخِي قَائِلُونَ بِهِ. وَلَكِنَّ غَلَبَةَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ إِلَّا كِبَرَ السِّنِّ أَوْ مَرَضًا شَدِيدًا ; لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُكَلَّفِينَ قَدْ يَمُوتُونَ دُونَهُمَا. أَجَابَ أَوَّلًا - بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَنْقُوضٌ بِمَا إِذَا صُرِّحَ لِلْمُكَلَّفِ بِجَوَازِ التَّرَاخِي؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: صَلِّ مَتَى شِئْتَ ; فَإِنَّهُ يَطْرُدُ هَذَا الدَّلِيلَ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي بِالِاتِّفَاقِ. وَثَانِيًا - بِأَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبِ التَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُتَعَيِّنًا، وَلَمْ يَجُزِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ.

стр. 794

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَأَمَّا إِذَا جَازَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا - لَا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ; لِتَمَكُّنِ الْمُكَلَّفِ مِنَ الِامْتِثَالِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ حِينَئِذٍ. السَّابِعُ - أَنْ يُقَالَ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَسَبَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ. فَوَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. أَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسَارَعَةَ وَالْمُسَابَقَةَ أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ ; لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى وُجُوبِ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ، لَتَضَيَّقَ وَقْتُهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَرْكِهِ، فَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ مُسَارِعًا عِنْدَ إِتْيَانِهِ فِي وَقْتِهِ، لِأَنَّ الْمُسَارِعَ هُوَ مُبَاشِرُ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مَعَ جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. ش - دَلِيلُ الْقَاضِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مِنْ وُجُوبِ الْعَزْمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. وَتَقْرِيرُهُ مَعَ الْجَوَابِ (يُعْلَمُ) مِنْ ثَمَّةَ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ. ش - قَالَ الْإِمَامُ: طَلَبُ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُتَحَقِّقٌ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ. فَوَجَبَ تَرْكُ الْمَشْكُوكِ فَتَعَيَّنَ الْبِدَارُ. أَجَابَ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْفِعْلِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالْبِدَارِ، وَكَمَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ يَحْتَمِلُ الْبِدَارَ، وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَمَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالْبِدَارِ، يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ، فَلَا يَكُونُ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِالتَّأْخِيرِ مَشْكُوكًا. [مَسْأَلَة: الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ هل نَهْي عَنْ ضِدِّهِ] ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ هَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَمْ لَا؟ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا، أَيْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَالْمُرَادُ بِالضِّدِّ مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ " مُعَيَّنٍ ". قِيلَ: فَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْأَمْرِ بِالضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَإِنَّهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ. وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: " افْعَلْ شَيْئًا " فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا ضِدَّ لَهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِمِثْلِهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ،

стр. 795

ص - الْإِمَامُ: الطَّلَبُ مُتَحَقِّقٌ، وَالتَّأْخِيرُ مَشْكُوكٌ، فَوَجَبَ الْبِدَارُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْكُوكٍ. ص - (مَسْأَلَةٌ) اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَّالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا. وَقَالَ الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. ثُمَّ قَالَ: يَتَضَمَّنُهُ. ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 796

ص - لَنَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ وَالْكَفِّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبُ النَّهْيِ. وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِالطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 797

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَفِيهَا تَعَسُّفٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمُتَابِعُوهُ: أَوَّلًا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: ثَانِيًا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، أَيْ يَسْتَلْزِمُهُ. ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ مِنَ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا، أَيِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ أَوْ يَقْتَضِيهِ عَقْلًا. ثُمَّ مِنَ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، مَنْ قَالَ: إِنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، لَا أَمْرَ النَّدْبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَخُصُّ بِهِ. ش - احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ مُقْتَضِيًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، لَمْ يَحْصُلِ الْأَمْرُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ، وَتَعَقُّلِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ حِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّ الْكَفَّ عَنِ الضِّدِّ مَطْلُوبُ النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ تَصَوُّرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، لِامْتِنَاعِ طَلَبِ غَيْرِ الْمُتَصَوَّرِ، وَتَعَقُّلُ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ لَا يُعْقَلُ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي - فَلِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَطْلُبُ شَيْئًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ ضِدِّهِ وَالْكَفِّ عَنْهُ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي ; فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ

стр. 798

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: الضِّدُّ الْعَامُّ. وَتَعَقُّلُهُ حَاصِلٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَطْلُبْهُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ طَلَبَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ سُلِّمَ فَالْكَفُّ وَاضِحٌ. ص - الْقَاضِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ لَكَانَ ضِدًّا أَوْ مِثْلًا، أَوْ خِلَافًا. لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ أَوْ لَا. الثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ لَا. فَلَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا. وَلَوْ كَانَا خِلَافَيْنِ لَجَازَ أَحَدُهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ وَخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْخِلَافَيْنِ. وَيَسْتَحِيلُ الْأَمْرُ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ ; لِأَنَّهُمَا نَقِيضَانِ. أَوْ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ الْمُمْكِنِ. وَأُجِيبُ: إِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ الْكَفِّ مُنِعَ ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ ضِدِّهِ وَالْكَفِّ عَنْهُ، لِأَنَّ الضِّدَّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ فِعْلُهُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَالْأَوَّلُ خَاصٌّ وَالثَّانِي عَامٌّ. وَالْمُرَادُ بِالضِّدِّ هَا هُنَا هُوَ الضِّدُّ الْعَامُّ. وَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ الطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الضِّدِّ الْعَامِّ ; لِأَنَّ تَعَقُّلَ الضِّدِّ الْعَامِّ حَاصِلٌ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ; لِأَنَّ الْآمِرَ عِنْدَ الْأَمْرِ يَعْلَمُ تَرْكَ الْمَأْمُورِ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ، لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآمِرَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ عَلَى الْفِعْلِ لَمْ يَأْمُرْهُ. قَوْلُهُ: لِامْتِنَاعِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ يُطْلَبُ بِهِ تَحْصِيلُ الْفِعْلِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يُطْلَبُ بِهِ الْفِعْلُ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الضِّدَّ الْعَامَّ مَعْلُومٌ لِلْآمِرِ، وَلَكِنَّ الْكَفَّ وَاضِحٌ

стр. 800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ الْعَامِّ ; لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِهِ. ش - احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ - لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لَكَانَ إِمَّا ضِدًّا لَهُ أَوْ مِثْلًا لَهُ أَوْ خِلَافًا لَهُ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَالِانْحِصَارِهِ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ

стр. 801

لَازِمُهُمَا عِنْدَهُ، فَقَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلَافَانِ، فَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا ضِدَّ ضِدِّ الْآخَرِ؛ كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ، فَإِنَّهُمَا مَعًا ضِدُّ الْعِلْمِ. وَإِنْ أَرَادَ بِتَرْكِ ضِدِّهِ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَتِهِ تَرْكًا، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِهِ نَهْيًا. الْقَاضِي أَيْضًا: السُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، فَطَلَبُ السُّكُونِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ. وَأُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ. ص - التَّضَمُّنُ: أَمْرُ الْإِيجَابِ طَلَبُ فِعْلٍ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ اتِّفَاقًا، وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ، وَهُوَ الْكَفُّ أَوِ الضِّدُّ. فَيَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ. أُجِيبُ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ (مَعْقُولِهِ، لَا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَإِنْ سُلِّمَ فَالذَّمُّ عَلَى أَنَّهُ) لَمْ يَفْعَلْ، لَا عَلَى فِعْلٍ. وَإِنْ سُلِّمَ فَالنَّهْيُ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا عَنْ كَفٍّ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُلِّ آمِرٍ. وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا. قَالُوا: لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ؛ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ نَفْيِهِ، فَيَكُونُ مَطْلُوبًا، وَهُوَ مَعْنَى النَّهْيِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا (لَهُ) فِي صِفَاتِ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ، أَيْ فِي تَمَامِ ذَاتِيَّاتِهِ أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ هُمَا الْمِثْلَانِ، كَزَيْدٍ وَخَالِدٍ. وَالثَّانِي إِمَّا يَتَنَافَيَا لِذَاتَيْهِمَا أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ هُمَا الضِّدَّانِ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّقِيضَانِ، كَالْإِنْسَانِ وَاللَّا إِنْسَانِ ; وَالْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ كَالْعَمَى وَالْبَصَرِ، وَالضِّدَّانِ الْوُجُودِيَّانِ اللَّذَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ الْخِلَافِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَالثَّانِي هُمَا الْخِلَافَانِ، كَالْحَرَكَةِ وَالسَّوَادِ. وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي - فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ لَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا، ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَالْمِثْلَيْنِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ يَجْتَمِعَانِ، فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ مِثْلَيْنِ وَلَا ضِدَّيْنِ. وَلَوْ كَانَا خَلِافَيْنِ لَجَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، وَمَعَ خِلَافِ الْآخَرِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْخِلَافَيْنِ جَوَازُ اجْتِمَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ وَمَعَ خِلَافِ الْآخَرِ؛ كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ، وَجَازَ وُجُودُ الْعِلْمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُهَا.

стр. 803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَجَازَ وُجُودُ الْإِرَادَةِ مَعَ الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَمَعَ السَّخَاوَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْعِلْمِ. لَكِنْ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ ضِدَّ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِضِدِّهِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْأَمْرُ بِالنَّقِيضَيْنِ؛ إِنْ كَانَ الضِّدَّانِ نَقِيضَيْنِ، أَوِ الْأَمْرُ بِالْمُتَنَافِيَيْنِ؛ إِنْ لَمْ يَكُنِ الضِّدَّانِ نَقِيضَيْنِ. وَهَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ خَلِافَيْنِ. وَإِذَا بَطَلَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَطَلَ التَّالِي. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِطَلَبِ تَرْكِ الضِّدِّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ - طَلَبَ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ (يَخْتَارُ) أَنَّهُمَا خِلَافَانِ. وَيُمْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَا جَعَلَ الْقَاضِي لَازِمَ الْخِلَافَيْنِ؛ وَهُوَ جَوَازُ اجْتِمَاعِ الْخِلَافِ مَعَ ضِدِّ الْخِلَافِ وَمَعَ خِلَافِ الْخِلَافِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلَافَانِ، كَالْعِلَّةِ وَمَعْلُولِهَا الْمُسَاوِي لَهَا فَيَسْتَحِيلُ جَوَازُ اجْتِمَاعِ أَحَدِهِمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ

стр. 804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الضِّدَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْآخَرِ. فَكُلَّمَا يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا يَصْدُقُ الْآخَرُ. وَأَيْضًا: قَدْ يَكُونُ ضِدُّ أَحَدِ الْخِلَافَيْنِ ضِدَّ الْخِلَافِ الْآخَرِ، كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضِدٌّ لِلْعِلْمِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا ضِدَّ الْآخَرِ. وَهَذَا الْمِثَالُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الظَّنَّ وَالشَّكَّ ضِدَّانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الضِّدَّيْنِ. وَالْمِثَالُ الصَّحِيحُ: هُوَ الضَّاحِكُ وَالْكَاتِبُ ; فَإِنَّهُمَا خَلِافَانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَسَّرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضِدٌّ لِلصَّاهِلِ. وَإِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ عَيْنِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ - كَانَ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ عَيْنَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، فَلَا يَبْقَى نِزَاعٌ فِي الْمَعْنَى، بَلْ رَجَعَ التَّنَازُعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِتَرْكِ الضِّدِّ، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَهْيًا. قِيلَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ تَرْكِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ جُزْءُ الطَّلَبِ الْجَازِمِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُدَّعَى الْقَاضِي فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الضِّدِّ هُوَ عَيْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، لَا جُزْؤُهُ.

стр. 805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السُّكُونَ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ ; فَطَلَبُ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ بِالسُّكُونِ هُوَ بِعَيْنِهِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ السُّكُونِ. أَجَابَ بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ حِينَئِذٍ لَفْظِيًّا. ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ احْتَجُّوا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلِ - أَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ اتِّفَاقًا. وَلَا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ، لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمُسْتَمِرَّ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ لَا يُذَمُّ عَلَيْهِ. فَالْفِعْلُ الَّذِي يُذَمُّ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ هُوَ الْكَفُّ أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ ; فَيَكُونُ الْكَفُّ أَوْ فِعْلُ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ. فَيَكُونُ أَمْرُ الْإِيجَابِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ أَوْ فِعْلِ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ. أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَمْرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى الذَّمِّ عَقْلًا، لَا أَنَّهُ يَعْلَمُ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; إِذِ الْعِلْمُ بِالذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَلِهَذَا جَوَّزَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْإِيجَابَ بِدُونِ الذَّمِّ. وَلَوْ كَانَ الذَّمُّ مِنْ مَعْقُولِ الْإِيجَابِ لَمَا تَمَكَّنَ مِنْ تَجْوِيزِهِ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَمْرِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذَّمَّ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْفِعْلِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذَّمُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، لَا عَلَى فِعْلٍ.

стр. 806

ص - الطَّارِدُونَ: مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَانِ. وَأَيْضًا - النَّهْيُ: طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلَ، وَالتَّرْكُ فِعْلُ الضِّدِّ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالضِّدِّ. قُلْنَا: فَيَكُونُ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ لِوَاطٍ، وَبِالْعَكْسِ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] قَوْلُهُ: الْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْكَفُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ هُوَ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا طَلَبُ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُلِّ آمِرٍ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ النَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ. وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْآمِرَ لَا يَتَصَوَّرُ الْكَفَّ عَنِ الْكَفِّ حِينَ يَأْمُرُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ طَلَبَ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ لَمْ يَكُنِ الْكَفُّ الَّذِي ذُمَّ عَلَيْهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ النَّهْيَ عَنِ الْكَفِّ وَلَا عَنِ الضِّدِّ. الثَّانِي - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا، وَالْوَاجِبُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ الضِّدِّ. وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ: فَتَرْكُ الضِّدِّ وَاجِبٌ

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] وَتَرْكُ الضِّدِّ الْكَفُّ عَنْهُ أَوْ نَفْيُهُ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ نَفْيِهِ مَطْلُوبًا فَيَكُونُ ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ أَوْ طَلَبُ نَفْيِهِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ ; وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، بَلْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا كَانَ وَاجِبًا. وَتَرْكُ الضِّدِّ لَا يَكُونُ شَرْطًا شَرْعِيًّا. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبُهُ. ش - الطَّارِدُونَ: أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنْهُمَا مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي، أَعْنِي الدَّلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ، لَكَانَ إِمَّا مِثْلَهُ أَوْ ضِدَّهُ أَوْ خِلَافَهُ إِلَى آخِرِهِ. وَالْآخَرُ الدَّلِيلُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَكَةِ عَيْنُ السُّكُونِ. فَالنَّهْيُ عَنِ الْحَرَكَةِ هُوَ عَيْنُ الْأَمْرِ بِالسُّكُونِ. وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِمَا قَدْ مَرَّ.

стр. 809

وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ. وَبِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ لَا الضِّدِّ الْمُرَادِ. فَإِنْ قُلْتُمْ: فَالْكَفُّ فِعْلٌ فَيَكُونُ أَمْرًا (بِضِدِّهِ) رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَوْعًا مِنَ الْأَمْرِ. وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الْأَمْرُ طَلَبُ فِعْلٍ لَا كَفٍّ. ص - الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ: لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ إِلَّا بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، كَالْأَمْرِ. وَأُجِيبَ بِالْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ، وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ. ص - وَالْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ إِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيٍ، وَإِمَّا لِلْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ. وَإِمَّا لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ فَاسْتُلْزِمَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالنَّهْيُ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ فَلَمْ يَسْتَلْزِمِ الْأَمْرَ، لِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ، لَا كَفٍّ. وَإِمَّا لِإِبْطَالِ الْمُبَاحِ. ص - وَالْمُخَصَّصُ: الْوُجُوبُ لِلْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الْإِجْزَاءُ: الِامْتِثَالُ. فَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُحَقِّقُهُ اتِّفَاقًا. وَقِيلَ: الْإِجْزَاءُ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ، فَيَسْتَلْزِمُهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا يَسْتَلْزِمُهُ. لَنَا: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُ لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الْأَدَاءِ. فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ. ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ، إِذَا تَبَيَّنَ الْحَدَثَ. وَأُجِيبُ بِالسُّقُوطِ لِلْخِلَافِ. وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُهُ بِأَمْرٍ آخَرَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ. وَإِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ. ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ لَنَا غَلَبَتُهَا شَرْعًا ; ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] . قَالُوا: لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمَنَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ. ص - (مَسْأَلَةٌ) الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. ــ [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشرح] الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ تَرْكِ فِعْلٍ، وَتَرْكُ الْفِعْلِ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ الضِّدِّ ; فَالنَّهْيُ طَلَبُ فِعْلِ الضِّدِّ، وَكُلُّ مَا هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ فَهُوَ أَمْرٌ، فَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ. أَجَابَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلٌ بِالضِّدِّ، لَكَانَ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ اللِّوَاطِ، وَلَكَانَ اللِّوَاطُ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ الزِّنَا، وَالتَّالِي بَاطِلٌ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ تَرْكَ الزِّنَا حِينَئِذٍ يَكُونُ فِعْلَ اللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ. وَتَرْكُ اللِّوَاطِ أَيْضًا فِعْلُ الزِّنَا. وَكُلٌّ مِنْ تَرْكِ اللِّوَاطِ وَتَرْكِ الزِّنَا وَاجِبٌ. فَيَكُونُ فِعْلُ كُلٍّ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْآخَرِ وَاجِبًا. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ ضِدِّهِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ ضِدُّ الْحَرَامِ، وَضِدُّ الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. فَيَكُونُ كُلُّ مُبَاحٍ وَاجِبًا. فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا. الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنِ الْفِعْلِ مَطْلُوبًا، لَا فِعْلُ الضِّدِّ الْمُرَادِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سُلِّمَ أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ كَفٍّ عَنِ الْفِعْلِ،
следующие страницы →