Полный текст (1 729 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ص - الطَّارِدُونَ: مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَانِ.
وَأَيْضًا - النَّهْيُ: طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلَ، وَالتَّرْكُ فِعْلُ الضِّدِّ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالضِّدِّ.
قُلْنَا: فَيَكُونُ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ لِوَاطٍ، وَبِالْعَكْسِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَوْلُهُ: الْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ.
وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْكَفُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ هُوَ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، لَا طَلَبُ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُلِّ آمِرٍ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ النَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ.
وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْآمِرَ لَا يَتَصَوَّرُ الْكَفَّ عَنِ الْكَفِّ حِينَ يَأْمُرُ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ طَلَبَ كَفٍّ عَنْ كَفٍّ لَمْ يَكُنِ الْكَفُّ الَّذِي ذُمَّ عَلَيْهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ النَّهْيَ عَنِ الْكَفِّ وَلَا عَنِ الضِّدِّ.
الثَّانِي - أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَاجِبًا، وَالْوَاجِبُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ الضِّدِّ.
وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ: فَتَرْكُ الضِّدِّ وَاجِبٌ
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَتَرْكُ الضِّدِّ الْكَفُّ عَنْهُ أَوْ نَفْيُهُ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ نَفْيِهِ مَطْلُوبًا فَيَكُونُ ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الضِّدِّ أَوْ طَلَبُ نَفْيِهِ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ ; وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، بَلْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا كَانَ وَاجِبًا. وَتَرْكُ الضِّدِّ لَا يَكُونُ شَرْطًا شَرْعِيًّا. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبُهُ.
ش - الطَّارِدُونَ: أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، احْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنْهُمَا مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي، أَعْنِي الدَّلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ، لَكَانَ إِمَّا مِثْلَهُ أَوْ ضِدَّهُ أَوْ خِلَافَهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَالْآخَرُ الدَّلِيلُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَكَةِ عَيْنُ السُّكُونِ. فَالنَّهْيُ عَنِ الْحَرَكَةِ هُوَ عَيْنُ الْأَمْرِ بِالسُّكُونِ.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِمَا قَدْ مَرَّ.
стр. 809
وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ.
وَبِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ لَا الضِّدِّ الْمُرَادِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: فَالْكَفُّ فِعْلٌ فَيَكُونُ أَمْرًا (بِضِدِّهِ) رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَوْعًا مِنَ الْأَمْرِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الْأَمْرُ طَلَبُ فِعْلٍ لَا كَفٍّ.
ص - الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ: لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ إِلَّا بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، كَالْأَمْرِ.
وَأُجِيبَ بِالْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ، وَبِأَنْ لَا مُبَاحَ.
ص - وَالْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ إِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيٍ، وَإِمَّا لِلْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ.
وَإِمَّا لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ فَاسْتُلْزِمَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالنَّهْيُ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ فَلَمْ يَسْتَلْزِمِ الْأَمْرَ، لِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ، لَا كَفٍّ.
وَإِمَّا لِإِبْطَالِ الْمُبَاحِ.
ص - وَالْمُخَصَّصُ: الْوُجُوبُ لِلْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْإِجْزَاءُ: الِامْتِثَالُ. فَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُحَقِّقُهُ اتِّفَاقًا.
وَقِيلَ: الْإِجْزَاءُ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ، فَيَسْتَلْزِمُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا يَسْتَلْزِمُهُ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُ لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الْأَدَاءِ. فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ، إِذَا تَبَيَّنَ الْحَدَثَ.
وَأُجِيبُ بِالسُّقُوطِ لِلْخِلَافِ.
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُهُ بِأَمْرٍ آخَرَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ.
وَإِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) صِيغَةُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ لَنَا غَلَبَتُهَا شَرْعًا ; ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] .
قَالُوا: لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمَنَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ تَرْكِ فِعْلٍ، وَتَرْكُ الْفِعْلِ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ الضِّدِّ ; فَالنَّهْيُ طَلَبُ فِعْلِ الضِّدِّ، وَكُلُّ مَا هُوَ طَلَبُ فِعْلٍ فَهُوَ أَمْرٌ، فَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ.
أَجَابَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ - لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلٌ بِالضِّدِّ، لَكَانَ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ اللِّوَاطِ، وَلَكَانَ اللِّوَاطُ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ الزِّنَا، وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ تَرْكَ الزِّنَا حِينَئِذٍ يَكُونُ فِعْلَ اللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ. وَتَرْكُ اللِّوَاطِ أَيْضًا فِعْلُ الزِّنَا. وَكُلٌّ مِنْ تَرْكِ اللِّوَاطِ وَتَرْكِ الزِّنَا وَاجِبٌ. فَيَكُونُ فِعْلُ كُلٍّ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ الَّذِي هُوَ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْآخَرِ وَاجِبًا.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَرْكُ فِعْلٍ هُوَ بِعَيْنِهِ فِعْلُ ضِدِّهِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ ضِدُّ الْحَرَامِ، وَضِدُّ الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. فَيَكُونُ كُلُّ مُبَاحٍ وَاجِبًا. فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُتَحَقِّقًا.
الثَّالِثُ - أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ. فَيَكُونُ الْكَفُّ عَنِ الْفِعْلِ مَطْلُوبًا، لَا فِعْلُ الضِّدِّ الْمُرَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سُلِّمَ أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ كَفٍّ عَنِ الْفِعْلِ،
стр. 811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَالْكَفُّ فِعْلٌ، فَيَكُونُ طَلَبُهُ أَمْرًا، لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ أَمْرٌ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، لِأَنَّا لَا نُسَمِّي طَلَبَ الْكَفِّ أَمْرًا، وَأَنْتُمْ تُسَمُّونَهُ أَمْرًا.
وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَوْعًا مِنَ الْأَمْرِ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ طَلَبُ الْفِعْلِ - سَوَاءٌ كَانَ كَفًّا أَوْ غَيْرَهُ - أَمْرًا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَفًّا سُمِّيَ نَهْيًا أَيْضًا.
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّهْيَ نَوْعٌ مِنَ الْأَمْرِ بَاطِلٌ.
(وَمِنْ ثَمَّ؛ أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّهْيَ نَوْعٌ مِنَ الْأَمْرِ، بَاطِلٌ) قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْأَمْرِ: إِنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ.
ش - الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ؛ أَيِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، احْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ - سَوَاءٌ كَانَ كَفًّا، أَوْ أَنْ لَا يَفْعَلَ - لَا يَتِمُّ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِفِعْلِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ كَالْأَمْرِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ بِهِ لَا يَحْصُلُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَرْكِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ.
стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَمَا لَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ. فَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ فِعْلِ الضِّدِّ، وَطَلَبُ فِعْلِ الضِّدِّ أَمْرٌ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ.
أُجِيبُ عَنْهُ بِالْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ تَرْكِ الزِّنَا مُسْتَلْزِمًا لِطَلَبِ فِعْلِ اللِّوَاطِ، وَبِالْعَكْسِ.
وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرْعِ كَمَا ذَكَرَ.
ش - الْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ، أَعْنِي الْقَائِلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ بِعَيْنِهِ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ
стр. 813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَمْرًا بِالشَّيْءِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، إِنَّمَا يَفِرُّ مِنَ الطَّرْدِ.
إِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيِ فِعْلٍ، أَيْ طَلَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَهُوَ عَدَمٌ. وَالْأَمْرُ طَلَبُ وُجُودِ فِعْلٍ، وَطَلَبُ الْعَدَمِ لَا يَكُونُ طَلَبَ الْوُجُودِ وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لَهُ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْوُجُودِ لَا يَكُونُ بِعَيْنِهِ طَلَبَ الْعَدَمِ، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.
وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ لُزُومُ كَوْنِ الزِّنَا وَاجِبًا، وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَوْ كَانَ عَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنِ الْحَجِّ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ ضِدُّ الْحَجِّ.
وَإِمَّا لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَالتَّرْكُ فِعْلٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الذَّمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْفِعْلِ، فَاسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ النَّهْيَ ; لِأَنَّ التَّرْكَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ يُذَمُّ عَلَيْهِ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ، وَالْأَمْرَ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ.
فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ الْكَفِّ مُسْتَلْزِمًا لِطَلَبٍ غَيْرِ الْكَفِّ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ.
стр. 814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَهَذَا الدَّلِيلُ أَيْضًا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ ; لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِلْزَامُ طَلَبِ الْكَفِّ لِطَلَبِ غَيْرِ الْكَفِّ لَا يُمْكِنُ اسْتِلْزَامُ طَلَبِ غَيْرِ الْكَفِّ لِلْكَفِّ.
وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا لِلْأَمْرِ، لَزِمَ نَفْيُ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّهْيِ الْأَمْرُ بِالْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَانْتَفَى الْمُبَاحُ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ وَاجِبٌ.
وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَوْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ يَلْزَمُ أَيْضًا نَفْيُ الْمُبَاحِ.
ش - أَيِ الْقَائِلُ بِأَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ، إِنَّمَا خَصَّصَ أَمْرَ الْإِيجَابِ نَظَرًا إِلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
أَمَّا إِلَى الْأَوَّلِ مِنَ الْأَخِيرَيْنِ ; فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ النَّهْيَ بِسَبَبِ الذَّمِّ عَلَى التَّرْكِ، وَلَا ذَمَّ عَلَى التَّرْكِ فِي النَّدْبِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِ النَّدْبِ النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ.
وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي، فَلِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ يُوجِبُ نَفْيَ الْمُبَاحِ، وَنَفْيُ الْمُبَاحِ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَخُصِّصَ أَمْرُ الْإِيجَابِ بِاسْتِلْزَامِهِ النَّهْيَ دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الْأَصْلِ كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ كَانَ أَشَدَّ مَحْذُورًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ الذَّمِّ عَلَى
стр. 815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
التَّرْكِ عَدَمُ اسْتِلْزَامِ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ ; فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَعْلُولِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ أَمْرُ النَّدْبِ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُذَمَّ عَلَى تَرْكِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّدْبَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَطَلَبُ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي رُجْحَانَهُ، فَيَكُونُ تَرْكُ الْفِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَرْجُوحًا، وَهُوَ لَازِمٌ لِضِدِّ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ. فَيَكُونُ ضِدُّ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَرْجُوحًا، وَتَرْكُ الْمَرْجُوحِ مَطْلُوبٌ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضِدُّ الْفِعْلِ الْمَنْدُوبِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَيَكُونُ أَمْرُ النَّدْبِ أَيْضًا مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ اخْتِصَاصَ أَمْرِ الْوُجُوبِ بِالِاسْتِلْزَامِ، دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ تَخْصِيصٌ بِلَا مُخَصِّصٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْزَاءُ: الِامْتِثَالُ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِجْزَاءِ.
فَقَالَ قَوْمٌ: الْإِجْزَاءُ هُوَ الِامْتِثَالُ؛ فَعَلَى هَذَا، الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ
стр. 816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِهِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، يُحَقِّقُ الْإِجْزَاءَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقِيلَ: الْإِجْزَاءُ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ؛ فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ، أَعْنِي سُقُوطَ الْقَضَاءِ.
وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْزَاءَ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْإِجْزَاءَ - لَمْ يُعْلَمِ الِامْتِثَالُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِئًا، لَبَقِيَ احْتِمَالُ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ، وَمَعَ احْتِمَالِ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ بِهِ يُحْتَمَلُ عَدَمُ الِامْتِثَالِ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ التَّكْلِيفِ مَعَ تَحَقُّقِ الِامْتِثَالِ، وَإِذَا احْتَمَلَ عَدَمَ الِامْتِثَالِ - لَمْ يُعْلَمِ الِامْتِثَالُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ يُنَافِي احْتِمَالَ النَّقِيضِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: احْتِمَالُ تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ
стр. 817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
احْتِمَالَ عَدَمِ الِامْتِثَالِ، فَإِنَّ فَاقَدِ الطَّهُورَيْنِ إِذَا صَلَّى تَحَقَّقَ الِامْتِثَالُ. وَمَعَ هَذَا تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِهِ.
الثَّانِي - أَنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الْأَدَاءِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْقَضَاءِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ الْقَضَاءُ اسْتِدْرَاكًا لِلْأَدَاءِ الْحَاصِلِ، فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْأَدَاءُ الْمُسْتَدْرَكُ بِالْقَضَاءِ غَيْرُ الْأَدَاءِ الْحَاصِلِ، فَلَا يَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ.
ش - قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَمُتَابِعُوهُ: لَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى
стр. 818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ إِذَا تَبَيَّنَ حَدَثَهُ وَقْتَ الصَّلَاةِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالصَّلَاةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ ; أَوْ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ ظَنِّهَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ سَقَطَ الْقَضَاءُ، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ التَّالِي، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ بِالِاتِّفَاقِ ; فَإِنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا سُقُوطُهُ.
وَأَيْضًا: مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْإِتْيَانُ بِهِ، لَيْسَ قَضَاءً لِمَا أَتَى بِهِ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ آخَرُ مِثْلُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَدْ أَتَى بِهِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْحَدَثِ، لَا بِسَبَبِ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ.
стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ بَعْدَ إِتْمَامِهِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ الْمَأْمُورَ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، فَيَكُونُ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَيَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِسُقُوطِ الْقَضَاءِ؛ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَاجِبٌ، وَإِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُمَاثِلًا لِمَا أَتَى بِهِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً لِلْحَجِّ الْفَاسِدِ.
[مَسْأَلَةٌ صِيغَةُ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ]
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا وَرَدَ عُقَيْبَ الْحَظْرِ، هَلْ يَكُونُ لِلْوُجُوبِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ عُقَيْبَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ.
стр. 820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ غَالِبٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى وُرُودِهَا بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ ; مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] .
وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ وُرُودَهُ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ احْتَجُّوا بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَوُرُودُهُ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَكُونُ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ لَمَنَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْوُجُوبِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ مَثَلًا بَعْدَ حَظْرِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمُ الْقِتَالَ.
وَإِذَا تَحَقَّقَ الْمُوجِبُ لِلْوُجُوبِ وَانْتَفَى الْمَانِعُ لَزِمَ الْوُجُوبُ عَمَلًا بِالْمُوجِبِ السَّالِمِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمَانِعِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ وُرُودَ هَذِهِ الصِّيغَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ إِذَا كَانَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا لِلْوُجُوبِ ظَاهِرًا، وَيَجُوزُ التَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أو بالأول]
ش - الْأَمْرُ إِذَا وَرَدَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ بِوَقْتٍ أَوْ لَا ; فَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ بِوَقْتٍ فَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ، فَهُوَ كَالْمُقَدَّرِ بِوَقْتٍ.
وَعِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْفَوْرِ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ قَضَاؤُهُ، بَلْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ.
وَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ بِوَقْتٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْمُقْتَضِي لِلْأَدَاءِ، أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ مُجَدَّدٍ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
стр. 821
وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَوَّلِ.
لَنَا: لَوْ وَجَبَ بِهِ لَاقْتَضَاهُ.
صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ لَا يَقْتَضِي صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَأَيْضًا: لَوِ اقْتَضَاهُ لَكَانَ أَدَاءً، وَلَكَانَا سَوَاءً.
ص - قَالُوا: الزَّمَانُ ظَرْفٌ. فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي السُّقُوطِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ لَمْ يَصِحَّ.
قَالُوا: كَأَجَلِ الدَّيْنِ.
وَرُدَّ بِالْمَنْعِ، وَبِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: فَيَكُونُ أَدَاءً.
قُلْنَا: سُمِّيَ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِالشَّيْءِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ: " مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا " تَعَدِّيًا.
وَلَكَانَ يُنَاقِضُ قَوْلَكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ.
ص - قَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ (بِأَمْرِنَا) وَمِنْ قَوْلِ الْمَلِكِ لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: افْعَلْ.
قُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَضَاءَ لَوْ وَجَبَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ يَتَنَاوَلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: صُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، لَا يَتَنَاوَلُ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لَا بِطْرِيقِ الْمَنْطُوقِ، وَلَا بِطْرِيقِ الْمَفْهُومِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الْمُقَدَّرُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ اقْتَضَى وُجُوبَ الْفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَكَانَ وُقُوعُ الْفِعْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ أَدَاءً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي كَوُقُوعِهِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَضَى الْأَمْرِ.
وَوُقُوعُهُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَدَاءٌ، فَكَذَا وُقُوعُهُ فِي الثَّانِي، وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
стр. 823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مُسَاوِيًا لِوُقُوعِهِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى وَاحِدٌ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ قَصْدًا.
ش - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقَدَّرَ ظَرْفٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَالظَّرْفُ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ ; لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، وَالظَّرْفُ لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَهُ، وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَمْرٍ مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى وَقْتِهِ
стр. 824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْمُقَدَّرِ لَمْ يَصِحَّ، فَوُقُوعُهُ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مَطْلُوبٌ وَمَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَيَكُونُ إِخْلَالُهُ فِي وَقْتِهِ الْأَوَّلِ مُؤَثِّرًا فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِهِ.
الثَّانِي: الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَجَلِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ - فَلَا يَسْقُطُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِفَوَاتِ الْأَجَلِ.
وَرُدَّ بِمَنْعِ أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقَدَّرَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ كَأَجَلِ الدَّيْنِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مُخْرِجَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ وَقْتِهِ يَأْثَمُ، وَمُخْرِجَ الدَّيْنِ عَنِ الْأَجَلِ لَا يَأْثَمُ.
وَأَيْضًا: يَجُوزُ أَدَاءُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، لَكَانَ أَدَاءً كَمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ سُمِّيَ قَضَاءً لِأَنَّهُ وَجَبَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّارِعَ إِذَا أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِفِعْلٍ،
стр. 825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِثْلَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵇ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ سَبْعِ سِنِينَ - هَلْ يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا؟ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكَانَ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: " مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا "، تَعَدِّيًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّكَ حِينَئِذٍ تَكُونُ آمِرًا لِعَبْدِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيْدِ) .
وَالْأَمْرُ لِعَبْدِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ تَعَدِّيًا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، لَكَانَ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا، مُنَاقِضًا لِقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ.
стр. 826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُكَ لِلسَّيِّدِ: مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا، كَقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: افْعَلْ كَذَا، فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِكَ لِلْعَبْدِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، قَالُوا: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ يُفْهَمُ كَوْنُنَا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَكَذَا إِذَا أَمَرَ الرَّسُولُ وَاحِدًا أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ (بِكَذَا) فُهِمَ كَوْنُ النَّاسِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
وَكَذَا قَوْلُ الْمَلِكِ لِوَزِيرِهِ: قُلْ لِفُلَانٍ: افْعَلْ كَذَا؛ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الشَّخْصِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ.
أَجَابَ بِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِنَّمَا فُهِمَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْأَمْرِ مُبَلِّغٌ لِلْأَمْرِ.
[مَسْأَلَةٌ إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ]
ش - الْفِعْلُ إِذَا اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُشَخِّصَاتِ يُسَمَّى: الْمُجَرَّدَ، وَالْمَاهِيَّةُ بِشَرْطٍ لَا شَيْءَ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ.
وَإِذَا اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ أَوْ لَا، يُسَمَّى: الْمُطْلَقَ، وَالْمَاهِيَّةُ لَا بِشَرْطٍ شَيْءٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ جُزْءُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ، وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ.
وَإِنِ اعْتُبِرَ مَاهِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ يَلْحَقُهَا الْمُشَخِّصَاتُ يُسَمَّى جُزْئِيًّا. وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ، هَلْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَوْ وَاحِدًا مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ؟ .
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ الْمُطْلَقِ وَاحِدٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ.
стр. 827
ص - (مَسْأَلَةٌ) إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ فَالْمَطْلُوبُ الْفِعْلُ الْمُمْكِنُ الْمُطَابِقُ لِلْمَاهِيَّةِ، (لَا الْمَاهِيَّةُ) .
لَنَا: أَنَّ الْمَاهِيَّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْأَعْيَانِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِهَا ; فَيَكُونُ كُلِّيًّا جُزْئِيًّا، وَهُوَ مُحَالٌ.
ص - قَالُوا: الْمَطْلُوبُ مُطْلَقٌ وَالْجُزْئِيُّ مُقَيَّدٌ، فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
قُلْنَا: يَسْتَحِيلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا مَانِعَ عَادَةً مِنَ التَّكْرَارِ مِنْ تَعْرِيفٍ أَوْ فِيهِ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ؛ مِثْلَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ; قِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا.
وَقِيلَ: تَأْكِيدٌ.
وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
الْأَوَّلُ: فَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَظْهَرُ، فَكَانَ أَوْلَى.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ ; لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ يَلْزَمُهَا التَّعَدُّدُ ; أَيْ يَلْزَمُهَا الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ كَثِيرِينَ - فَيَكُونُ كُلِّيًّا.
وَالْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ يَلْزَمُهُ التَّشَخُّصُ، فَيَكُونُ جُزْئِيًّا.
فَلَوْ كَانَتِ الْمَاهِيَّةُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا جُزْئِيًّا مَعًا فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَكُلُّ مَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ يَلْزَمُهَا التَّعَدُّدُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَلْزَمَ الْمَاهِيَّةَ - مِنْ حَيْثُ هِيَ التَّعَدُّدُ - امْتَنَعَ عُرُوضُ التَّشَخُّصِ لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي التَّعَدُّدَ وَلَا الْوَحْدَةَ.
ش - الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْأَمْرِ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ، هُوَ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، قَالُوا: الْمَطْلُوبُ فِعْلٌ مُطْلَقٌ وَلَاشَيْءِ مِنَ
стр. 829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْجُزْئِيِّ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ ; لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ مُقَيَّدٌ بِالْمُشَخِّصَاتِ، فَلَا شَيْءَ مِنَ الْمَطْلُوبِ بِجُزْئِيٍّ. وَمُنْعَكِسٌ إِلَى قَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنَ الْجُزْئِيِّ بِمَطْلُوبٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْخَصْمُ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَاهِيَّةَ تُفِيدُ الِاشْتِرَاكَ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ، بَلْ قَالَ: الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْرُوضَةٌ لِلِاشْتِرَاكِ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ. وَلَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْخَارِجِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ، لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ، فَيَكُونُ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَةً بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالْجُزْئِيَّةُ مَقْصُودَةً بِالْقَصْدِ الثَّانِي.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ]
ش - إِذَا وَرَدَ أَمْرٌ عُقَيْبَ أَمْرٍ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ مُتَعَلِّقَاهُمَا، أَوْ يَتَمَاثَلَا ; فَإِنِ اخْتَلَفَا وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عُمِلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ; مِثْلَ: صُمْ هَذَا الْيَوْمَ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَعِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُمَا.
وَعِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ لَا يَسْتَحِيلُ.
وَإِنْ تَمَاثَلَ مُتَعَلِّقَاهُمَا، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنَ التَّكْرَارِ مِنْ جِهَةِ عَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَتَعْرِيفِ الثَّانِي بِلَامِ الْعَهْدِ، مِثْلَ: أَعْطِ دِرْهَمًا، أَعْطِ الدِّرْهَمَ.
أَوْ غَيْرِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً اسْقِنِي
стр. 830
الثَّانِي: كَثُرَ فِي التَّأْكِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ مُخَالَفَةُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَفِي الْمَعْطُوفِ الْعَمَلُ أَرْجَحُ.
فَإِنْ رَجَحَ التَّأْكِيدُ بِعَادِيٍّ قُدِّمَ الْأَرْجَحُ.
وَإِلَّا فَالْوَقْفُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَاءً، أَوْ لَا يَمْنَعُ مَانِعٌ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَكُونُ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرَ مَعْطُوفٍ.
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ، كَقَوْلِ الشَّارِعِ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، صَلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَقِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا، وَقِيلَ: الثَّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ، وَقِيلَ: الْوَقْفُ.
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ، وَهِيَ إِمَّا التَّأْسِيسُ، أَيْ جَعْلُهُ شَرْعًا غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَإِمَّا التَّأْكِيدُ. وَالتَّأْسِيسُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّأْسِيسِ أَكْثَرُ مِنْ فَائِدَةِ التَّأْكِيدِ ; وَحَمْلُ أَمْرِ الشَّرْعِ عَلَى مَا فَائِدَتُهُ أَكْثَرُ أَظْهَرُ. وَإِذَا كَانَ التَّأْسِيسُ أَظْهَرَ كَانَ أَوْلَى.
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ
стр. 832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَاهِرٍ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي الْوَارِدُ عُقَيْبَ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ لِاحْتِمَالِ التَّأْكِيدِ، وَلَا بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لِكَوْنِهِ كَثِيرَ الِاسْتِعْمَالِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَكُونُ مَرْجُوحًا.
هَذَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ، مِثْلَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ - فَالْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحُ مِنَ التَّأْكِيدِ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ عَادِيٌّ مِنَ التَّغَايُرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ.
وَأَمَّا إِذَا مَنَعَ مَانِعٌ عَادِيٌّ مِنَ التَّغَايُرِ، مِثْلَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي مَاءً فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالْأَرْجَحِ مِنَ الْعَادَةِ الْمَانِعَةِ لِلتَّغَايُرِ وَالْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لَهُ.
وَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ الْعَمَلُ بِهِمَا أَرْجَحُ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالْعَطْفَ تَعَارَضَا. فَتَبْقَى فَائِدَةُ التَّأْسِيسِ سَالِمَةً عَنِ الْمُعَارِضِ.
وَإِلَّا - أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّأْكِيدِ رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ، مِثْلَ: اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي الْمَاءَ - فَالْوَقْفُ بَيْنَ حَمْلِ الثَّانِي عَلَى التَّأْكِيدِ أَوْ عَلَى التَّأْسِيسِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالتَّعْرِيفَ فِي مُقَابَلَةِ التَّأْسِيسِ وَالْعَطْفِ، فَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
[النَّهْيُ]
[حَدُّ النَّهْيِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ الْأَمْرِ شَرَعَ فِي النَّهْيِ، وَعَرَّفَ بِأَنَّهُ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
فَقَوْلُهُ: " كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الْأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " احْتَرَزَ بِهِ عَنِ الدُّعَاءِ وَالِالْتِمَاسِ.
стр. 833
النَّهْيُ.
ص - النَّهْيُ - اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ.
وَمَا قِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ مِنْ مُزَيَّفٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْيِ.
وَالْكَلَامُ فِي صِيغَتِهِ، وَالْخِلَافُ فِي ظُهُورِ الْحَظْرِ لَا الْكَرَاهَةِ، وَبِالْعَكْسِ، أَوْ مُشْتَرَكَةٌ أَوْ مَوْقُوفَةٌ - كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُكْمُهُ التَّكْرَارُ وَالْفَوْرُ.
وَفِي تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ قَرِينَةٌ، نَقَلَ الْأُسْتَاذُ الْإِجْمَاعَ.
وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ.
وَلَهُ مَسَائِلُ مُخْتَصَّةٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَكُلُّ مَا قِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ مِنْ مُزَيِّفٍ وَمُخْتَارٍ، فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْيِ.
وَالْكَلَامُ فِي أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَكُونُ لَهُ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ أَمْ لَا كَالْكَلَامِ فِي الْأَمْرِ.
وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ النَّهْيَ ظَاهِرٌ فِي الْحَظْرِ، لَا الْكَرَاهَةِ، أَوْ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ دُونَ الْحَظْرِ، أَوْ صِيغَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَوْقُوفَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَمْرِ.
وَحُكْمُ النَّهْيِ التَّكْرَارُ وَالْفَوْرُ.
وَتَقَدُّمُ الْوُجُوبِ عَلَى النَّهْيِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ النَّهْيِ لِلْحَظْرِ، بَلْ تَقَدُّمُ الْوُجُوبِ عَلَى النَّهْيِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْحَظْرَ، نَقَلَ الْأُسْتَاذُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْوُجُوبِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْحَظْرَ.
وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي إِفَادَةِ النَّهْيِ الْحَظْرَ، إِذَا تَقَدَّمَ الْوُجُوبُ.
وَلِلنَّهْيِ مَسَائِلُ خَاصَّةٌ.
стр. 835
النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا، لَا لُغَةً.
(وَقِيلَ: لُغَةً) .
وَثَالِثُهَا فِي الْإِجْزَاءِ لَا السَّبَبِيَّةِ.
لَنَا: أَنَّ فَسَادَهُ سَلْبُ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَدُلُّ شَرْعًا فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ تَزَلْ تَسْتَدِلُّ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَفْسَدْ لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ حِكْمَةٌ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ حِكْمَةٌ لِلصِّحَّةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا فِي التَّسَاوِي.
وَمَرْجُوحِيَّةُ النَّهْيِ يَمْتَنِعُ النَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَفِي رُجْحَانِ النَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ لِذَلِكَ.
ص - اللُّغَةُ، لَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ.
وَأُجِيبُ لِفَهْمِهِمْ شَرْعًا بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالُوا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَالنَّهْيُ نَقِيضُهُ فَيَقْتَضِي نَقِيضَهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهَا لُغَةً.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ]
ش - النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لِعَيْنِهِ، أَوْ لِمَا يُقَارِنُهُ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ.
فَإِنْ كَانَ لِمَا يُقَارِنُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا.
وَقَدِ افْتَرَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِرْقَتَيْنِ:
فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لَا لُغَةً، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
وَأُخْرَى إِلَى (أَنَّهُ) لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ لُغَةً.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا.
وَقَدِ افْتَرَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِرْقَتَيْنِ:
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَأُخْرَى إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا فِي الْإِجْزَاءِ؛ أَيْ فِي
стр. 837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي السَّبَبِيَّةِ؛ أَيْ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الْأَوْلَى مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ.
وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ السَّلْبِيِّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِيهِمَا لُغَةً بِأَنَّ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ - سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً أَوْ مُعَامَلَةً - عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ أَحْكَامِهِ.
فَلَوْ دَلَّ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً لَكَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ لُغَةً عَلَى سَلْبِ أَحْكَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. لَكِنْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ لُغَةً عَلَى سَلْبِ أَحْكَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ فِي اللُّغَةِ اقْتِضَاءُ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْفِعْلِ، وَسَلْبُ الْأَحْكَامِ لَا يَكُونُ عَيْنَهُ وَلَا جُزْءًا وَلَا لَازِمًا لَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاحِدٌ: لَا تَبِعْ غُلَامَكَ فَإِنَّكَ لَوْ بِعْتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْبَيْعِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي - لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا لُغَةً.
(فَلَوْ كَانَ سَلْبُ الْحُكْمِ لَازِمًا لِمَعْنَى النَّهْيِ لُغَةً لَكَانَ مُخْطِئًا لُغَةً) وَاحْتَجَّ عَلَى الْخَبَرِ الثُّبُوتِيِّ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِيهِمَا شَرْعًا بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبِوِيَّاتِ وَفِي الْأَنْكِحَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ
стр. 838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْعِبَادَاتِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِنَفْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حِكْمَةٌ يَسْتَدْعِي النَّهْيَ، وَلِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا حِكْمَةٌ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ.
وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ حِكْمَةَ الصِّحَّةِ وَحِكْمَةَ النَّهْيِ إِنْ تَسَاوَتَا امْتَنَعَ النَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ حِكْمَةُ الصِّحَّةِ امْتَنَعَ النَّهْيُ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَإِنْ تَرَجَّحَ حِكْمَةُ النَّهْيِ امْتَنَعَ الصِّحَّةُ لِخُلُوِّهِ مِنْ حِكْمَةِ الصِّحَّةِ.
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً.
وَتَقْرِيرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِالنَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ إِنَّمَا كَانَ لِدَلَالَةِ النَّهْيِ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً، بَلْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا، كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالنَّهْيُ نَقِيضُ الْأَمْرِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَقْتَضِيَ نَقِيضَ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْفَسَادُ ; لِأَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِحُكْمِ الْآخَرِ.
أَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ لُغَةً.
وَلَئِنْ سُلِّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ.
стр. 839
وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا يَلْزَمُ اخْتِلَافُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلصِّحَّةِ، لَا أَنْ يَقْتَضِيَ الْفَسَادَ.
ص - النَّافِي: لَوْ دَلَّ لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ.
وَنَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ، وَتَمَلُّكٌ بِهِ، يَصِحُّ.
وَأُجِيبُ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ.
ص - الْقَائِلُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ، (وَالشَّرْعِيُّ) الصَّحِيحُ. كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُعْتَبَرَ، لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ» ، وَلِلُزُومِ دُخُولِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يُمْنَعْ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِلنَّهْيِ.
وَبِالنَّقْضِ بِمِثْلِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] وَ " «دَعِي الصَّلَاةَ» ".
قَوْلُهُمْ: نَحْمِلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ، يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَعُ.
ثُمَّ هُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحَائِضِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ كَذَلِكَ.
خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُتَقَابِلَاتِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَخَالِفَةً.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ الْمُتَقَابِلَاتِ يَجُوزُ اتِّحَادُهَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا لُزُومَ اخْتِلَافِ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلصِّحَّةِ، لَا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ ; لِأَنَّ عَدَمَ اقْتِضَاءِ الصِّحَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ اقْتِضَاءَ عَدَمِ الصِّحَّةِ.
ش - النَّافِي، لِدَلَالَةِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى فَسَادِهِ لُغَةً وَشَرْعًا، احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ النَّهْيُ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً وَشَرْعًا، لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لُغَةً وَشَرْعًا.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ، وَلَوْ فَعَلْتَ ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ.
أَجَابَ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مَنْعُ لُزُومِ التَّنَاقُضِ ; فَإِنَّ
стр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
التَّصْرِيحَ أَقْوَى مِنَ الظَّاهِرِ، فَيَبْقَى الْفَسَادُ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ. فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ.
стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - الْقَائِلُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ النَّهْيُ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعِيًّا، لَكَانَ صَحِيحًا ; إِذِ الشَّرْعِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَبَرُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَمَا لَا يَكُونُ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، لَا يَكُونُ شَرْعِيًّا، كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ مُعْتَبَرَيْنِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، لَمْ يَكُونَا شَرْعِيَّيْنِ.
أَجَابَ بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ ; فَإِنَّ الشَّرْعِيَّ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ: قَوْلُهُ ﵇ لِلْحَائِضِ: " «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ
стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَقْرَائِكَ» "، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْمُورَ بِتَرْكِهَا هِيَ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ ; لِأَنَّ اللُّغَوِيَّةَ لَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهَا، وَالصَّلَاةُ الْمَأْمُورُ بِتَرْكِهَا فَاسِدَةٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الشَّرْعِيُّ هُوَ الصَّحِيحَ الْمُعْتَبَرَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَزِمَ دُخُولُ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ (الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا) يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِهَا.
الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحًا لَكَانَ مُمْتَنِعًا. وَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَغَيْرُ الْمَقْدُورِ لَا يُنْهَى عَنْهُ ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
فَيَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطَيْنِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الشَّرْعِيُّ صَحِيحًا، لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ.
أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِأَجْلِ النَّهْيِ، لَا لِذَاتِ الْمَنْهِيِّ
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَنْهُ، فَإِنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِهِ، فَصَارَ مُمْتَنِعًا، وَالْمُمْتَنِعُ إِنَّمَا لَمْ يُمْنَعْ إِذَا لَمْ يَكُنِ امْتِنَاعُهُ بِسَبَبِ الْمَنْعِ مِنْهُ.
وَأَيْضًا قَوْلُكُمُ: الْمُمْتَنِعُ لَا يُمْنَعُ، مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] . وَقَوْلِهِ ﵇: " «دَعِي الصَّلَاةَ» ". فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ وَصَلَاةَ الْحَائِضِ مُمْتَنِعَانِ، وَقَدْ مُنِعَا.
فَإِنْ قِيلَ: النِّكَاحُ وَالصَّلَاةُ فِي الصُّورَتَيْنِ يُحْمَلَانِ عَلَى اللُّغَوِيِّ أُجِيبَ بِأَنَّ حَمْلَهُمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَعُ.
وَذَلِكَ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ اللُّغَوِيَّ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ، مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرْعِ. فَيَكُونُ الْمُمْتَنِعُ قَدْ مُنِعَ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ حَمْلُ النِّكَاحِ عَلَى اللُّغَوِيِّ يَتَعَذَّرُ حَمْلُ الصَّلَاةِ عَلَى اللُّغَوِيِّ فِي الْحَائِضِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّ الدُّعَاءُ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْحَائِضَ عَنْهُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ]
ش - اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ، لَا لِعَيْنِهِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ كَالنَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ، أَيْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، لَا لُغَةً.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُضَادُّ وُجُوبَ الْأَصْلِ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ،
стр. 845
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ، يَعْنِي ظَاهِرًا وَإِلَّا وَرَدَ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَصْفِ، لَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
لَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ الْعِيدِ بِنَحْوِهِ.
وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَعْنَى.
ص - قَالُوا: لَوْ دَلَّ لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ.
وَطَلَاقُ الْحَائِضِ وَذَبْحُ مِلْكِ الْغَيْرِ مُعْتَبَرٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ.
وَمَا خُولِفَ فَبِدَلِيلِ صَرْفِ النَّهْيِ عَنْهُ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) النَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ (ظَاهِرٌ) .
لَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ.
قَالُوا: نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →