← Фатава

Фатава · id 815

الدرر الثرية من الفتاوى البازية

ابن باز

Полный текст (419 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي من النبي ﷺ عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر؛ لأنه يروى أن النبي ﷺ علم على قبر عثمان بن مظعون بعلامة. س: بعد دفن الميت يقرأ بعض الناس من المصحف سورة (يس) عند القبر، ويضعون غرسا على القبر مثل الصبار، ويزرع سطح القبر بالشعير أو القمح بحجة أن الرسول ﷺ وضع ذلك على قبرين من أصحابه، ما حكم ذلك؟ (١) ج: لا تشرع قراءة سورة (يس) ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن، ولا تشرع القراءة في القبور؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر، بل كل ذلك بدعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) خرجه الإمام مسلم في صحيحه. وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور، لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك في القبور ولا خلفاؤه الراشدون ﵃. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به ﷺ

стр. 177

وبالقبرين؛ لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما، وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئا من القربات لم يشرعه الله؛ للحديث المذكور، ولقول الله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية (١). وبالله التوفيق. س: ورد في الحديث الأمر بالدعاء للميت بعد دفنه، فهل هذا الأمر للوجوب أو هو سنة؟ وقد لاحظنا أن الناس تركوا هذه السنة أو هذا الواجب بعد دفن الميت، فما هو توجيه سماحتكم في ذلك (٢)؟ ج: الدعاء للميت بعد الدفن بالثبات والمغفرة سنة وليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» والله الموفق. س: الصدقات على الميت ساعة الدفن وقراءة القرآن بالأجرة حلال أم حرام (٣)؟ ج: الحمد لله، لا تشرع الصدقة عن الميت حين الموت؛ لأن ذلك لم يرد في الشرع في هذه الحالة الخاصة، والعبادات توقيفية، ولكن إذا تصدق عنه بدون تقيد بساعة الموت فلا بأس، بل ذلك قربة وفيه أجر للمتصدق وللميت؛ لما في الحديث الصحيح أن امرأة توفيت فقال ابنها يا رسول الله ألها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال النبي- ﷺ : (نعم) (٤). وقد أجمع أهل العلم على انتفاع الميت بالصدقة والدعاء، وأما القراءة بالأجرة فلا تجوز سواء كانت لحي أو لميت؛ لأن

стр. 178

ذلك لم يرد في الشرع المطهر. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعلم نزاعا بين أهل العلم في تحريم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن. وفي الحديث الصحيح «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي: مردود، وهكذا القراءة للموتى وغيرهم ولو بدون أجرة ليس لها أصل في الشرع يعتمد عليه. س: هل تصل الأعمال إلى الموتى (٢)؟ ج: يصل إليهم ما دل الشرع على وصوله إليهم؛ لقول النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (٣) رواه مسلم في صحيحه، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك، ومن ذلك: الصدقة، والدعاء، والحج، والعمرة، وما خلفه الميت من نشر العلم. أما إهداء الصلاة والقراءة إلى الموتى أو الطواف أو صيام التطوع فلا أعلم لذلك أصلا، والمشروع تركه؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم في صحيحه. س: هل إذا ورَّث الميت مصحفا ينال أجرا عند تلاوة أبنائه فيه (٤)؟ ج: المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه- أي جعله وقفا- ينفعه أجره، كما لو وقف كتبا للعلم المفيد؛ علم الشرع، أو علم مباح ينتفع به الناس، فإنه يؤجر

стр. 179

على ذلك؛ لأنه إعانة على خير، كما لو وقف أرضا أو بيتا أو دكانا يتصدق بغلته على الفقراء، أو تبرع للمساجد، كل هذا يؤجر عليه. وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). فالصدقات الجارية تنفع الميت إذا كان مسلما، وينفعه دعاء أولاده ودعاء غيرهم، وينفعه الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل، أو أشباه ذلك، فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس، أكلوا من ثمرته وانتفعوا بثمرته، أو صرفت ثمرته في مساجد المسلمين لإصلاحها في فرشها، أو عمارتها. س: مات عندنا في البلد رجل وجاء خبر وفاته في النهار ورأينا نساء مسنات من البلد يذهبن إلى بيته وهو مسجى بعد تكفينه وسط النساء وهن حوله فسألناهن لم تذهبن عنده؟ قلن نتبارك به، فما حكم عملهن هذا؟ وهل هو سنة (٢)؟ ج: هذا العمل لا يجوز، بل هو منكر؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم، ولا أن يدعوهم من دون الله أو يسألهم قضاء حاجة أو شفاء مريض أو نحو ذلك؛ لأن العبادة حق الله وحده، ومنه تطلب البركة، وهو سبحانه الموصوف بالتبارك، كما قال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٤) ومعنى ذلك أنه

стр. 180

سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة، أما العبد فهو مبارك - بفتح الراء- إذا هداه الله وأصلحه ونفع به العباد، كما قال- عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵊: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (١) والله ولي التوفيق. س: أنا أسكن في حي به مقبرة وأسلك كل يوم طريقا بجانبها بل أسلك هذا الطريق في اليوم أكثر من مرة. ماذا يجب علي في هذه الحالة، هل أسلم على الموتى دائما أم ماذا أفعل؟ أرشدوني بارك الله فيكم (٢). ج: زيارة القبور الزيارة الشرعية سنة؛ لما فيها من التذكير بالآخرة وبالموت، ولما فيها من الدعاء للموتى- إذا كانوا مسلمين- بالمغفرة والرحمة والعافية من النار؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (٣) وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» (٤) والأحاديث في الزيارة كثيرة، ويشرع لك كلما مررت على القبور أن تسلم على أصحابها وتدعو لهم بالمغفرة والعافية، وليس ذلك واجبا، وإنما هو مستحب وفيه أجر عظيم، وإن مررت ولم تسلم فلا حرج، وبالله التوفيق.

стр. 181

س: ما حكم تخصيص يوم الجمعة لزيارة المقابر (١)؟ ج: لا أصل لذلك، والمشروع أن تزار القبور في أي وقت تيسر للزائر من ليل أو نهار، أما التخصيص بيوم معين أو ليلة معينة فبدعة لا أصل له؛ لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) متفق على صحته، ولقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂. س: هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت (٤)؟ ج: لا ينهى عنه؛ بل يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي ﷺ وقف على القبر بعد الدفن وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (٥) ولم يقل استقبلوا القبلة فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة ﵃ دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر. س: هل تجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن الكريم للميت عند زيارة قبره؟ وهل ينفعه ذلك؟ أفتونا جزاكم الله خيراً (٦).

стр. 182

ج: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يزور القبور ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه ونقلوها عنه، من ذلك: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية» (١) ولم يثبت عنه ﷺ أنه قرأ سورة من القرآن الكريم أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم فلو كان ذلك مشروعا لفعله وبينه لأصحابه رغبة في الثواب ورحمة بالأمة وأداء لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع وقد عرف ذلك أصحابه ﵃ فاقتفوا أثره واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم ولم يثبت عنهم أنهم قرءوا قرآنا للأموات فكانت القراءة لهم بدعة محدثة وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣) والله الموفق. س: نبش القبر الذي في المسجد إذا كان في نبشه فتنة هل ينبش أم يترك (٤)؟ ج: يجب أن ينبش القبر إذا كان في المسجد، وكان المسجد هو السابق، ويكون ذلك من جهة ولاة الأمور؛ إما المحكمة أو الإمارة حتى لا تكون فتنة. أما إن كان المسجد هو الأخير فالواجب هدمه؛ لقول النبي- ﷺ : «لعن الله اليهود

стр. 183

والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) متفق على صحته، وقوله ﷺ لما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (٢) متفق عليه. ومن هذين الحديثين وما جاء في معناهما يعلم أنه لا يجوز أن يصلى في المساجد التي فيها القبور؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك؛ ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله . س: نلاحظ في وقت العزاء أن أغلب الناس عندما يريدون التعزية يقبلون المعزى أو يعانقونه، والبعض ينكر ذلك ويقول: إن التعزية مصافحة فقط، فما رأي سماحتكم في ذلك (٣)؟ ج: الأفضل في التعزية وعند اللقاء المصافحة إلا إذا كان المعزي أو الملاقي قد قدم من سفر فيشرع مع المصافحة المعانقة؛ لقول أنس ﵁: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا» والله ولي التوفيق. س: هل يعتبر تخصيص أيام ثلاثة للعزاء لأهل الميت من الأمور المبتدعة، وهل هناك عزاء للطفل والعجوز والمريض الذي لا يرجى شفاؤه بعد موتهم (٤)؟

стр. 184

ج: التعزية سنة؛ لما فيها من جبر المصاب والدعاء له بالخير، ولا فرق في ذلك بين كون الميت صغيراً أو كبيراً، وليس فيها لفظ مخصوص بل يعزي المسلم أخاه بما تيسر من الألفاظ المناسبة مثل أن يقول: (أحسن الله عزاءك وجبر مصيبتك وغفر لميتك) إذا كان الميت مسلماً. أما إذا كان الميت كافراً فلا يدعى له وإنما يعزى أقاربه المسلمون بنحو الكلمات المذكورة، وليس لها وقت مخصوص ولا أيام مخصوصة، بل هي مشروعة من حين موت الميت، قبل الصلاة وبعدها، وقبل الدفن وبعده، والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت؛ لعدم الدليل على التحديد. س: في بعض البلدان إذا مات الميت يجتمعون في بيت الميت ثلاثة أيام يصلون ويدعون له، فما حكم هذا (١)؟ ج: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة، وهكذا الصلاة في البيت لا تجوز، بل على الرجال الصلاة في المسجد مع الجماعة، وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء لهم والترحم على ميتهم. أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم بقراءة خاصة أو أدعية خاصة أو غير ذلك فذلك بدعة، ولو كان هذا خيراً لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول ﷺ ما فعله، فقد قُتِلَ جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة ﵃ في معركة مؤتة فجاءه الخبر ﵊ من الوحي بذلك، فنعاهم للصحابة وأخبرهم بموتهم وترضى عنهم ودعا لهم ولم يتخذ لهم مأتما، وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك، فقد مات الصديق ﵁ ولم يتخذوا له مأتماً، وقتل

стр. 185

عمر ﵁ وما جعلوا له مأتماً، ولا جمعوا الناس ليقرءوا القرآن، وقتل عثمان بعد ذلك، وعلي ﵄، فما فعل الصحابة ﵃ لهما شيئا من ذلك، وإنما السنة أن يصنع الطعام لأهل الميت من أقاربهم أو جيرانهم فيبعث إليهم، مثلما فعل النبي- ﷺ حينما جاءه نعي جعفر فقال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم» (١) أخرجه الخمسة إلا النسائي، هذا هو المشروع، أما أن يحملوا بلاء مع بلائهم، ويكلفوا ليضعوا طعاماً للناس فهو خلاف السنة، وهو بدعة؛ لما ذكرنا آنفا، ولقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (٢) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح. والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به السنة عن النبي ﵊، فيجب الحذر من ذلك. أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة؛ لقول النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٣).

стр. 186

س: إني قلت لأخي: إذا توفيت لا تبكوا عليَّ، ولا تذيعوا بالميكرفون، وأنا أخاف أن يفعلوا ذلك، فما توجيهكم لهم جزاكم الله خيراً (١)؟ ج: الواجب على المسلمين في هذه الأمور الصبر والاحتساب، وعدم النياحة، وعدم شق الثوب، ولطم الخد، ونحو ذلك؛ لقول الرسول ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» (٢) ولقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» (٣) وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٤) رواه مسلم في الصحيح. والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت. وقال ﷺ «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة». والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، أو تنتفه. والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة. والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، وكل هذا من الجزع، فلا يجوز للمرأة ولا للرجل فعل شيء من ذلك. والواجب على أهلك أيتها السائلة أن يقبلوا هذه الوصية، ويحذروا من النياحة

стр. 187

عليك؛ لأن النياحة تضرهم وتضر الميت، كما في الحديث الصحيح: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» (١) فلا يجوز لهم النياحة على الميت. أما البكاء بدمع العين، وحزن القلب فلا حرج فيه، إنما الممنوع رفع الصوت بالصياح؛ لقول النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٢) وقال ﵊: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم» (٣). س: ما هو شرح حديث «اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت» (٤) وما معنى الكفر في هذا الحديث؟ (٥) ج: هذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁. والطعن في النسب: هو التنقيص لأنساب الناس وعيبها على قصد الاحتقار لهم والذم، أما إن كان من باب الخبر، فلان من بني تميم ومن أوصافهم كذا، ومن قحطان، أو من قريش، أو من بني هاشم، يخبر عن أوصافهم من غير طعن في أنسابهم فذلك ليس من الطعن في الأنساب. والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت، وهي محرمة، والمراد بالكفر هنا: كفر دون كفر، وليس هو الكفر المطلق المعرف بأداة التعريف: كقوله عليه الصلاة

стр. 188

والسلام: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (١) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا هو الكفر الأكبر في أصح قولي العلماء، والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان. وهكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر، فالشرك الأكبر مثل: دعاء الأموات، والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو للأصنام والأشجار والأحجار والكواكب، والشرك الأصغر مثل: لولا الله وفلان، وما شاء الله وشاء فلان، والواجب أن يقول: لولا الله ثم فلان وما شاء الله ثم شاء فلان. وكذا الحلف بغير الله كالحلف بالنبي، أو حياة فلان، أو بالأمانة فهذا من الشرك الأصغر. وهكذا الرياء مثل كونه يستغفر الله ليسمع الناس، أو يقرأ ليرائي الناس فهو شرك أصغر. والظلم ظلمان: أكبر وهو الشرك بالله كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وكقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ (٣). أما الظلم الأصغر: فهو مثل ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وظلم العبد نفسه بالمعاصي: كالزنا وشرب المسكر ونحوها، نعوذ بالله من ذلك.

стр. 189

فتاوى الزكاة

стр. 190

س: لماذا لا يهتم الناس الآن بالزكاة، ويعطونها حقها، كباقي أركان الإسلام الخمسة؟ (١) ج: الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يهتما بصلاتهما وزكاتهما في جميع الأحوال، وان يحذر كل منهما التساهل في ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤)، وقال : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٥). وحكم جميع الأموال التي تجب فيها الزكاة حكم الذهب والفضة، فالواجب على جميع المسلمين الذين لديهم أموال تجب فيها الزكاة أن يتقوا الله وأن يؤدوا زكاتها، وأن يصرفوها في أهلها المستحقين لها، وأن يحذروا التشبه بمن بخل بها أو تساهل بشأنها. والله ولي التوفيق.

стр. 191

س: رجل يعتمد في دخله على المرتب الشهري، فيصرف بعضه ويوفر البعض الآخر، فكيف يخرج زكاة هذا المال؟ (١) ج: عليه أن يضبط بالكتابة ما يدخره من مرتباته، ثم يزكيه إذا حال عليه الحول، كل وافر شهري يزكى إذا حال عليه الحول، وإن زكى الجميع تبعاً للشهر الأول فلا بأس به وله أجر ذلك، وتعتبر الزكاة معجلة عن الوفر الذي لم يحل عليه الحول، ولا مانع من تعجيل الزكاة إذا رأى المزكي المصلحة في ذلك، أما تأخيرها بعد تمام الحول فلا يجوز إلا لعذر شرعي، كغيبة المال أو غيبة الفقراء. س: لي دين عند أحد الإخوة، هل يلزمني زكاته، أو أن هناك وقتاً محدداً لذلك؟ (٢) ج: إذا كان الدين الذي لك على موسرين باذلين متى طلبته أعطوك حقك، فعليك أن تزكيه كلما حال عليه الحول، كأنه عندك وهو عندهم كالأمانة، أما إن كان من عليه الدين معسراً لا يستطيع أداءه لك، أو كان غير معسر لكنه يماطلك ولا تستطيع أخذه منه، فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزمك أداء الزكاة عنه حتى تقبضه من هذا المماطل أو المعسر فإذا قبضته استقبلت به حولاً وأديت الزكاة بعد تمام الحول من قبضك له، وإن أديت الزكاة عن سنة واحدة من السنوات السابقة التي عند المعسر أو المماطل فلا بأس، قال هذا بعض أهل العلم، ولكن لا يلزمك إلا في المستقبل متى قبضت المال من المعسر أو المماطل واستقبلت به حولاً ودار عليه الحول لزمك الزكاة هذا هو المختار.

стр. 192

س: بالنسبة لإخراج الزكاة إذا كان على المزكي ديون أكثر مما لديه، فهل يخرج على الموجود زكاة أم لا؟ (١) ج: يجب على من لديه مال زكوي أن يؤدي زكاته إذا حال عليه الحول ولو كان عليه دين في أصح قولي العلماء؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة على من لديه مال تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول ولو كان عليه دين، ولأن النبي ﷺ كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة، ولم يأمرهم أن يسألوهم هل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع لأمر النبي ﷺ عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة هل عليهم دين. والله ولي التوفيق. س: هل زكاة مال القرض الحسن على المقرض أم على المقترض؟ (٢) ج: إذا أقرضت مالاً وهو عند مليء فعليك زكاته، وإن كان على معسر فلا زكاة فيه، والمقترض يختلف، فإن كنت قد أعطيت إنساناً مليئاً مائة ألف ريال أو مائتي ألف أو أكثر أو أقل، وهو مليء غير مماطل بك متى طلبته أعطاك مالك، فهذا المال عليك زكاته وهو يزكي ما عنده من المال إذا كان المال عنده حتى حال عليه الحول، وإن كان قد أنفقه في وجوه أخرى فلا شيء عليه، أما أنت فتزكي المال الذي أقرضته إياه؛ لأنه مال مملوك لك عند مليء باذل فتزكيه أنت، أما إن كان عند معسر أو عند مماطل فليس عليك فيه زكاة كما سبق.

стр. 193

س: رجل عنده مائة من الإبل لكن أغلب السنة يعلفها فهل فيها زكاة؟ (١) ج: إذا كانت الماشية من الإبل أو البقر أو الغنم ليست سائمة جميع الحول أو أكثره فإنها لا تجب فيها الزكاة؛ لأن النبي ﷺ شرط في وجوب الزكاة فيها أن تكون سائمة، فإذا أعلفها صاحبها غالب الحول أو نصف الحول فلا زكاة فيها إلا أن تكون للتجارة فإنها تجب فيها زكاة التجارة، وتكون بذلك من عروض التجارة كالأراضي المعدة للبيع والسيارات ونحوها، إذا بلغت قيمة الموجود منها نصاب الذهب والفضة كما تقدم. س: يوجد عند أمي تسع حبات غوائش من الذهب، وقلادة صغيرة، وعدد من الخواتم، وهي معدة للاستعمال، فهل عليها زكاة؟ وهل يجوز أن أؤدي الزكاة عن أمي من مالي (٢)؟ ج: إذا بلغت الغوائش المذكورة والقلادة والخواتم نصاب الزكاة، وهو عشرون مثقالاً، ومقداره بالجنيه السعودي أحد عشر جنيهاً ونصف، ومقداره بالجرام اثنان وتسعون غراماً، فإن عليها الزكاة في أصح قولي العلماء -؛ لعموم الأدلة الشرعية، ولا يجب إخراجها منها، بل لا مانع من إخراج الزكاة عنها من غيرها. ولا بأس أن تخرج الزكاة من مالك عن أمك - إذا أذنت لك في ذلك - وهي ربع العشر، ومقدار ذلك خمسة وعشرون من الألف، وخمسون من الألفين، وهكذا كلما زاد المال زاد الواجب. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 194

س: إذا كان الإنسان يجمع مالاً يريد أن يتزوج به، فهل يعفى من الزكاة (١)؟ ج: لا تسقط عنه الزكاة بنية الزواج، وهكذا من جمع المال ليوفي به ديناً، أو يشتري به عقاراً ليوقفه، أو عبداً ليعتقه، بل على الجميع أداء الزكاة إذا حال الحول على المال المجموع؛ لأن الله سبحانه أوجب الزكاة، ولم يجعل مثل هذه المقاصد مسقطاً لها. والزكاة تزيد المال ولا تنقصه، وتزكيه وتزكي صاحبه، كما قال الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» (٣). وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وبراءة الذمة من حقه وحق عباده؛ إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه. س: كثير من الناس يتعامل مع البنوك، وقد يدخل في هذه المعاملات معاملات محرمة؛ كالربا مثلاً، فهل في هذه الأموال زكاة؟ وكيف تخرج؟ (٤) ج: يحرم التعامل بالربا مع البنوك وغيرها، وجميع الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالاً لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير، إذا كان قبضها وهو يعلم

стр. 195

حكم الله في ذلك، أما إن كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١). أما إن كان قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله؛ لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا؛ كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم، فإنها من جملة ماله؛ للآية المذكورة. والله ولي التوفيق. س: لدي بيت أسكنه، ولدي أرض، أحياناً أفكر في بيعها وأحياناً أفكر في بنائها مسكن لي، فهل فيها زكاة؟ وأرجو يا سماحة الشيخ إعطائي تفصيلاً عن زكاة الأراضي بشكل عام - جزاكم الله خيراً (٣). ج: لا زكاة في الأرض ولا في غيرها من العروض، إلا إذا عزم مالكها على إعدادها للبيع، فإنه يزكي قيمتها إذا حال عليها الحول وهي نصاب، أما إذا كان المالك متردداً هل يبيعها أو لا يبيعها، فإنه لا زكاة فيها حتى يجزم بنية البيع ويحول

стр. 196

عليها الحول بعد ذلك وهي نصاب فأكثر؛ لما روى أبو داود وغيره عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» (١)، وله شاهد من حديث أبي ذر ﵁ وهو قول جمهور أهل العلم، وحكاه بعضهم إجماعاً. أما إن كان العقار من بيت أو حانوت أو أرض معداً للإجارة، فإن الزكاة لا تجب في أصله، وإنما تجب في الأجرة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في النقدين، أو ما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية إذا حال عليها الحول. والله ولي التوفيق. س: رجل لديه محلات تجارية بها أنواع عديدة من البضائع، كالأقمشة والأحذية والعطورات، فكيف يؤدي زكاتها؟ (٢) ج: على كل من لديه سلع للبيع سواء كانت أقمشة أو غيرها - أن يزكي قيمتها، إذا حال عليها الحول مع النقود التي عنده؛ لما أخرج أبو داود ﵀ بإسناد حسن، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» (٣)، ولأدلة أخرى ذكرها أهل العلم في باب زكاة العروض. س: سائل يقول: ما هي زكاة مساهمة الأراضي ؟ ويقول: إنه وضع ألف ريال، وبعد خمس سنوات صارت خمسة آلاف ريال. (٤)

стр. 197

ج: إذا وضع الإنسان دراهم مساهمة في أراضي أو نحوها للبيع، فإنه يزكيها كل سنة حسب قيمتها حسب قيمة الأرض أو غيرها من السلع كل سنة تُقَوَّم ويزكي هو وأصحابه الشركاء، كل يزكي حصته، فإذا بيعت زكى السنوات الماضية، بحيث يحسب زكاتها ويخرجها بعد ذلك. ولكن لا يلزمه أن يزكيها حسب السنة الأخيرة، وإنما كل سنة بحسابها؛ السنة الأولى على قدر قيمتها، والسنة الثانية على قدر قيمتها، وهكذا؛ لأن القيمة تختلف، بحيث تكون في أول الأمر رخيصة، ثم تزيد قيمتها أو العكس، فيلزمه أن يزكي القيمة في كل سنة بحسبها، وهي ربع العشر من القيمة. والله ولي التوفيق. س: أملك عدداً من الأسهم في بعض الشركات السعودية المساهمة، وأسأل عن كيفية إخراج زكاتها؟ هل هو حسب قيمتها الحالية في السوق، أم على الأرباح السنوية؛ لأنني لم أنو بيعها؟ أفتونا مأجورين. (١) ج: إذا كانت الأسهم للاستثمار لا للبيع، فالواجب تزكية أرباحها من النقود إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب، أما إذا كانت الأسهم للبيع، فإنها تزكى مع ربحها كلما حال الحول على الأصل حسب قيمتها حين تمام الحول سواء كانت أرضاً أو سيارات أو غيرهما من العروض. وفق الله الجميع.

стр. 198

س: هل يصح أن يحتفظ بالزكاة من أجل إعطائها لأحد الفقراء الذين لم يتصل بهم بعد؟ (١) ج: إذا كانت المدة يسيرة غير طويلة فلا بأس أن يحتفظ بالزكاة حتى يعطيها بعض الفقراء من أقاربه أو من هم أشد فقراً وحاجة لكن لا تكون المدة طويلة، وإنما تكون أياماً غير كثيرة. هذا بالنسبة لزكاة المال. أما زكاة الفطر فلا تؤجل، بل يجب أن تقدم على صلاة العيد، كما أمر النبي ﷺ ، وتخرج قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة، لا بأس، ولا تؤجل بعد الصلاة. س: ما نصيحتكم لرجل لا يؤدي الزكاة، لعل قلبه يلين فيرجع إلى الحق؟ (٢) ج: نصيحتي لمن بخل بها أن يتقي الله وأن يتذكر أن الذي أعطاه إياها قد ابتلاه بها، الذي أعطاه المال قد ابتلاه به، فإن شكر النعمة وأدى حقها أفلح وإن بخل بالزكاة ولم يؤد حق هذه النعمة خسر وخاب وذاق عذاب وجزاء ذلك في قبره ويوم القيامة نسأل الله العافية. فالمال زائل وأمره خطير وعواقبه وخيمة لمن بخل ولم يؤد زكاته، وسوف يدعه لمن بعده ويكون عليه حسابه ووزره، فالواجب على كل مسلم عنده مال أن يتقي الله ويتذكر الموقف بين يدي الله، وانه سبحانه يجازي كل عامل بعمله وأن هذا المال بلية، كما قال : «﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣)، وقال سبحانه:

стр. 199

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١)، فالمال ابتلاء وامتحان، فإن شكرت الله وأديت حقه وصرفته في وجوهه أفلحت كل الفلاح، وصار نعمة في حقك، ونعم الصاحب للمؤمن هذا المال، يصل به رحمه، ويؤدي به الحقوق التي عليه، ويساهم في المشاريع الخيرية، وينفع المستضعفين ويواسيهم، فهو نعمة بحقه عظيمة، وإذا بخل به فهو بليَّة عليه عظيمة، وعاقبته وخيمة فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من كل سوء. س: توفي رجل وخلف أموالاً وأيتاماً، فهل في هذه الأموال زكاة؟ وإن كان كذلك فمن يخرجها؟ (٢) ج: تجب الزكاة في أموال اليتامى من النقود والعروض المعدة للتجارة وفي بهيمة الأنعام السائمة وفي الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ وعلى ولي الأيتام أن يخرجها في وقتها، فإن لم يكن لهم من جهة والدهم المتوفى وجب رفع الأمر إلى المحكمة؛ حتى تعين لهم ولياً يتولى شئونهم وشئون أموالهم وعليه في ذلك تقوى الله والعمل بما فيه صلاحهم وصلاح أموالهم؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويعتبر الحول في أموالهم من حين مات والدهم؛ لأنها بموته دخلت في ملكهم. والله ولي التوفيق.

стр. 200

س: إذا كان لك دين عند مريض أو فقير معسر فهل لك أن تسقطه عنه من الزكاة؟ (١) ج: لا يجوز ذلك؛ لأن الواجب إنظار المعسر حتى يسهل الله له الوفاء، ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء، كما قال الله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (٢) وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء، وإنما هو إبراء، ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقير. لكن يجوز أن تعطيه من الزكاة من أجل فقره وحاجته، أو من أجل غرمه، وإذا رد عليك ذلك أو بعضه من الدين الذي عليه فلا بأس إذا لم يكن ذلك عن مواطأة بينك وبينه ولا شرط، وإنما هو فعل ذلك من نفسه. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه. س: ما حكم صرف زكاة المال لبناء مسجد يوشك على الانتهاء، وقد توقف بناؤه؟ (٣) ج: المعروف عند العلماء كافة، وهو رأي الجمهور والأكثرين، وهو كالإجماع من علماء السلف الصالح الأولين أن الزكاة لا تصرف في عمارة المساجد وشراء الكتب ونحو ذلك، وإنما تصرف في الأصناف الثمانية الذين ورد ذكرهم في الآية في سورة التوبة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل. وفي سبيل الله تختص بالجهاد. هذا هو المعروف عند أهل العلم وليس من ذلك صرفه في تعمير المساجد، ولا في تعمير المدارس، ولا الطرق ولا نحو ذلك. والله ولي التوفيق

стр. 201

س: هل يجوز دفع الزكاة إلى القريب، كالأخ والعم والعمة والخال والخالة ونحوهم؟ (١) ج: إذا كانوا فقراء فلا بأس بدفع الزكاة إليهم، بل الصدقة فيهم أفضل من غيرهم؛ لقول النبي ﷺ : «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة» (٢). أما إذا كان الأقارب من آبائه، وأمهاته، وأجداده، وجداته، وأولاده، وأولاد أولاده، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً فلا يدفع الزكاة إليهم، بل يجب أن يواسيهم من ماله وينفق عليهم حسب الطاقة. س: هل يصح لي إخراج زكاة المال أو زكاة الفطر إلى إخواني وأخواتي القاصرين الذين تقوم على تربيتهم والدتي بعد وفاة والدنا ﵀؟ وهل يصح دفع هذه الزكاة إلى إخواني غير القاصرين ولكني أشعر أنهم محتاجون إليها ربما أكثر من غيرهم من الناس أدفع لهم هذه الزكاة؟ (٣) ج: إن دفع الزكاة إلى الأقارب الذين هم من أهلها أفضل من دفعها إلى من هم ليسوا من قرابتك؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة إلا إذا كان هؤلاء الأقارب ممن تلزمك نفقتهم، وأعطيتهم من الزكاة ما تحمي به مالك من الإنفاق فإن هذا لا يجوز، فإن قدر أن هؤلاء الإخوة الذين ذكرت والأخوات فقراء، وان مالك لا يتسع عليهم للإنفاق عليهم فلا حرج عليك أن تعطيهم من زكاتك. وكذلك لو كان هؤلاء الإخوة والأخوات عليهم ديون للناس وقضيت دينهم من

стр. 202

زكاتك، فإنه لا حرج عليك في هذا أيضاً؛ وذلك لأن الديون لا يلزم القريب أن يقضيها عن قريبه فيكون قضاؤه من زكاته أمراً مجزياً حتى ولو كان ابنك أو أباك وعليه دين لأحد ولا يستطيع وفاءه فإنه يجوز لك أن تقضيه من زكاتك، أي يجوز أن تقضي دين أبيك من زكاتك، ويجوز أن تقضي دين ولدك من زكاتك بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة عليك فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة عليك فإنه لا يحل لك أن تقضي الدين من زكاتك؛ لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من زكاته. والله أعلم. س: هل يجوز دفع زكاة المال للأشراف من بني هاشم؟ (١) ج: كل من عرف أنه من بني هاشم لا يجوز أن تدفع إليه الزكاة؛ لقول النبي ﷺ : «إنها لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد» (٢)، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك ثابتة عن النبي ﷺ . وآل محمد هم بنو هاشم، ويدخل فيهم ذرية علي بن أبي طالب ﵁، سواء كانوا من ذرية الحسن أو الحسين أو غيرهما. س: ما حكم الدين في التسول؟ (٣)

стр. 203

ج: التسول لا يجوز إلا في أحوال ثلاث قد بينها النبي ﷺ في الحديث الصحيح وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة فقال ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش» ثم قال ﷺ : «ما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكله صاحبه سحتاً» (١). فهذا الحديث: قد أوضح فيه النبي ﷺ أنواع المسألة المباحة، وان ما سواها محرم، فمن كان عنده ما يسد حاجته من راتب وظيفة أو تجارة أو غلة وقف أو عقار أو كسب يدوي من نجارة أو حدادة أو زراعة أو نحو ذلك حرمت عليه المسألة. أما من اضطر إليها فلا حرج عليه أن يسال بقدر الحاجة، وهكذا من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين أو النفقة على أهله وأولاده، فلا حرج عليه أن يسأل لسد الغرامة. والله ولي التوفيق. س: ما حكم صدقة الفطر، وهل يلزم فيها النصاب؟ وهل الأنواع التي تخرج محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟ وهل تلزم الرجل عن أهل بيته بما فيهم الزوجة والخادم؟ (٢)

стр. 204

ج: زكاة الفطر فرض على كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو عبد؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد من المسلمين. وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» (١). متفق على صحته. وليس لها نصاب بل يجب على المسلم إخراجها عن نفسه وأهل بيته من أولاده وزوجاته ومماليكه إذا فضلت عن قوته وقوتهم يومه وليلته. أما الخادم المستأجر فزكاته على نفسه إلا أن يتبرع بها المستأجر أو تشترط عليه، أما الخادم المملوك فزكاته على سيده، كما تقدم في الحديث. والواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كان تمراً أو شعيراً أو براً أو ذرة أو غير ذلك، في أصح قولي العلماء؛ لأن رسول الله ﷺ لم يشترط في ذلك نوعاً معيناً، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته.

стр. 205

فتاوى الصيام

стр. 206

س: ما حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان بل ربما صام ولم يصل (١)؟ ج: كل من حُكِمَ بكفره بطلت أعماله قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يكفر كفرا أكبر إذا كان مقرا بالوجوب ولكنه يكون كافرا كفرا أصغر ويكون عمله هذا أقبح وأشنع من عمل الزاني والسارق ونحو ذلك، ومع هذا يصح صيامه، وحجه عندهم إذا أداها على وجه شرعي ولكن تكون جريمته عدم المحافظة على الصلاة وهو على خطر عظيم من وقوعه في الشرك الأكبر عند جمع من أهل العلم، وحكى بعضهم قول الأكثرين أنه لا يكفر الكفر الأكبر إن تركها تكاسلا وتهاونا وإنما يكون بذلك قد أتى كفرا أصغر، وجريمة عظيمة، ومنكرا شنيعا أعظم من الزنا والسرقة والعقوق وأعظم من شرب الخمر نسأل الله السلامة ولكن الصواب والصحيح من قولي العلماء أنه يكفر كفرا أكبر نسأل الله العافية، لما تقدم من الأدلة الشرعية فمن صام وهو لم يصل فلا صيام له ولا حج له. س: شهر رمضان هل هو من خصائص هذه الأمة أم هو عند الأمم السابقة؟ (٤) ج: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥) دلت هذه الآية الكريمة على أن الصيام عبادة

стр. 207

قديمة فرضت على من قبلنا كما فرضت علينا ولكن هم متقيدون بالصيام في رمضان أم في غيره؟ هذا لا أعلم له نصاً عن النبي ﷺ . أما فضائل رمضان وخصائصه فكثيرة ومنها ما رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطها أمة قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد فيه مردة الجن فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويزين الله كل يوم جنته فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليك، ويغفر لهم في آخر ليلة» قيل: أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» (١). فهذه الخصال بين النبي ﷺ أنها من خصائص هذه الأمة، ومنها قوله ﷺ : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢) متفق على صحته. وقال ﵊: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٣) متفق عليه. «وكان ﷺ إذا دخل العشر الأخيرة من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله» (٤) متفق عليه.

стр. 208

س: يحصل كل عام بلبلة حول شهر رمضان المبارك دخولاً وخروجاً، فتختلف بلاد المسلمين ما بين متقدم وبين متأخر، ما الحل لهذه المشكلة؟ (١) ج: الأمر واسع بحمد الله، فلكل أهل بلد رؤيتهم كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ لما قدم عليه كريب من الشام في المدينة سأله ابن عباس بم صام معاوية ﵁ وأهل الشام فقال له كريب: قد رآه الناس بالجمعة وصام معاوية وصام الناس، فقال ابن عباس: «نحن رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه» (٢) فرأى أن الشام بعيد وأنه لا تلزم أهل المدينة رؤية الشام، وبهذا قال جماعة من أهل العلم ورأوا أن لكل بلد رؤيتهم، فإذا ثبتت في المملكة العربية السعودية مثلاً وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فحسن؛ لعموم الأحاديث، وإن لم يصوموا وتراءوا الهلال وصاموا برؤيتهم فلا بأس، وقد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بأن لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لحديث ابن عباس المذكور وما جاء في معناه. س: من الذي لا صوم عليه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً (٣). ج: المجنون، وفاقد العقل، والصبي، والصبية قبل البلوغ، أما الحائض والنفساء فيجب عليهما الصوم، ولكن لا يجوز لهما الصوم في رمضان وغيره حال الحيض والنفاس، وعليهما القضاء لما أفطرا من أيام رمضان، أما المريض والمسافر

стр. 209

فيجوز لهما الصوم والفطر في رمضان، والفطر أفضل، وعليهما القضاء إذا أفطرا في رمضان؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، لكن إذا كان المريض لا يرجى برؤه بشهادة الأطباء الثقات فلا يلزمه الصوم ولا القضاء، وعليه أن يطعم مسكيناً عن كل يوم، وهو نصف صاع بالصاع النبوي من قوت البلد ومقداره كيلو ونصف تقريباً، وهكذا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصوم يطعمان عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد، ولا صوم عليهما ولا قضاء. ويجوز دفع الكفارة عن جميع رمضان دفعة واحدة في أول الشهر أو آخره، أو في أثنائه لفقير واحد أو أكثر، وهكذا حال الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصيام تفطران وعليهما القضاء كالمريض. س: بعض الشباب هداهم الله يتكاسلون عن الصلاة في رمضان وغيره ولكنهم يحافظون على صيام رمضان ويتحملون العطش والجوع فبماذا تنصحهم وما حكم صيامهم؟ (٢) ج: نصيحتي لهؤلاء أن يفكروا ملياً في أمرهم، وأن يعلموا أن الصلاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن من لم يصل وترك الصلاة متهاوناً فإنه على القول الراجح عندي الذي تؤيده دلالة الكتاب والسنة أنه يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة مرتداً عن الإسلام، فالأمر ليس بالهين؛ لأن من كان كافراً مرتداً عن الإسلام لا يقبل منه لا صيام ولا صدقة، ولا يقبل منه أي عمل؛ لقوله تعالى:

стр. 210

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (١) فبين أن نفقاتهم مع أنها ذات نفع متعد للغير لا تقبل منهم مع كفرهم، وقال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ (٢)، الذين يصومون ولا يصلون لا يقبل صيامهم بل هو مردود عليهم مادمنا نقول إنهم كفار كما يدل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فنصيحتي لهم أن يتقوا الله وأن يحافظوا على الصلاة ويقوموا بها في أوقاتها مع المسلمين، وأنا ضامن لهم بحول الله أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين؛ لأن الإنسان إذا تاب إلى ربه وأقبل عليه وتاب إليه توبة نصوحاً، فإنه يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، كما ذكر الله عن آدم ﵊ أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣). س: هل يؤمر الصبي المميز بالصيام؟ وهل يجزئ عنه ولو بلغ في أثناء الصيام؟ (٤) ج: الصبيان والفتيات إذا بلغوا سبعاً فأكثر يؤمرون بالصيام ليعتادوه، وعلى أولياء أمورهم أن يأمروهم بذلك كما يأمرونهم بالصلاة، فإذا بلغوا الحلم وجب

стр. 211

عليهم الصوم، وإذا بلغوا في أثناء النهار أجزأهم ذلك اليوم، فلو فرض أن الصبي أكمل الخامسة عشرة عند الزوال وهو صائم ذلك اليوم أجزأه ذلك، وكان أول النهار نفلاً وآخره فريضة إذا لم يكن بلغ قبل ذلك بإنبات الشعر الخشن حول الفرج وهو المسمى العانة، أو بإنزال المني عن شهوة، وهكذا الفتاة الحكم فيهما سواء، إلا أن الفتاة تزيد أمراً رابعاً يحصل به البلوغ وهو الحيض. س: ما حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء، وإذا أخرتا القضاء إلى رمضان آخر، فماذا يلزمهما؟ (١) ج: على الحائض والنفساء أن تفطرا وقت الحيض والنفاس، ولا يجوز لهما الصوم ولا الصلاة في حال الحيض والنفاس، ولا يصحان منهما، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة، لما ثبت عن عائشة ﵂ أنها سئلت: هل تقضي الحائض الصوم والصلاة؟ فقالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٢) متفق على صحته. وقد أجمع العلماء ﵏ على ما ذكرته عائشة ﵂ من وجوب قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة في حق الحائض والنفساء، رحمة من الله سبحانه لهما وتيسيراً عليهما؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات وفي قضائها مشقة عليهما. أما الصوم فإنما يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان، فلا مشقة في قضائه عليهما، ومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من

стр. 212

ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وهكذا المريض والمسافر إذا أخرا القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر شرعي فإن عليهما القضاء والتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم. أما إن استمر المرض أو السفر إلى رمضان آخر فعليهما القضاء فقط دون الإطعام بعد البرء من المرض والقدوم من السفر. س: ما الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان؟ (١) ج: عليها الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم كما لو ثبتت رؤية رمضان نهاراً، فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم. والله ولي التوفيق. س: كثير من الناس إذا ولدت عندهم المرأة أخذت بعد وضعها أربعين يوماً وهي لا تصلي ولا تصوم ولو كانت هذه المرأة طاهرة، فما الحكم؟ (٢) ج: النفاس يمنع الصلاة والصوم والوطء مثل الحيض. النفاس: هو الدم الذي يخرج بسبب الولادة، فما دامت المرأة ترى الدم في الأربعين فلا تصلي، ولا تصوم، ولا يحل لزوجها وطؤها، حتى تطهر أو تكمل أربعين، فإن استمر الدم حتى أكملت الأربعين، وجب أن تغتسل عند نهاية الأربعين؛ لأن النفاس لا يزيد عن أربعين يوماً على الصحيح، فتغتسل وتصلي،

стр. 213

وتحل لزوجها، وتتحفظ من الدم بالقطن ونحوه؛ حتى لا يصيب ثيابها وبدنها، ويكون حكم هذا الدم حكم دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة ولا من الصوم، ولا يمنع زوجها منها، وعليها أن تتوضأ لكل صلاة، أما إن رأت الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل، وتصلي وتصوم وتحل لزوجها مادامت طاهرة ولو لم يمض من الأربعين إلا أيام قليلة، فإن عاد عليها الدم في الأربعين، لم تصل، ولم تصم، ولم تحل لزوجها، حتى تكمل الأربعين، وما فعلته في أيام الطهارة من صلاة أو صوم فإنه صحيح، ولا تلزمها إعادة الصوم.

стр. 214

فتاوى الحج

стр. 215

س: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ (١) ج: الحج واجب على المكلف على الفور مع القدرة، إذا استطاع. قال الله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو واجب مع الاستطاعة، أما العاجز فلا حج عليه، لكن لو استطاع ببدنه وماله وجب عليه، وإذا استطاع بماله، ولم يستطع ببدنه لكونه هرماً أو مريضاً لا يرجى برؤه فإنه يقيم من ينوب عنه ويحج عنه. س: إذا كان الشاب قادراً على أن يحج فأخر الحج إلى أن يتزوج أو يكبر في السن فهل يأثم؟ (٣) ج: إذا بلغ الحلم وهو يستطيع الحج والعمرة وجب عليه أداؤهما؛ لعموم الأدلة ومنها قوله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٤)، ولكن من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعاً، إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعاً فإنه يبدأ بالزواج حتى يعف نفسه؛ لقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع
следующие страницы →