عليهم الصوم، وإذا بلغوا في أثناء النهار أجزأهم ذلك اليوم، فلو فرض أن الصبي أكمل الخامسة عشرة عند الزوال وهو صائم ذلك اليوم أجزأه ذلك، وكان أول النهار نفلاً وآخره فريضة إذا لم يكن بلغ قبل ذلك بإنبات الشعر الخشن حول الفرج وهو المسمى العانة، أو بإنزال المني عن شهوة، وهكذا الفتاة الحكم فيهما سواء، إلا أن الفتاة تزيد أمراً رابعاً يحصل به البلوغ وهو الحيض.
س: ما حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء، وإذا أخرتا القضاء إلى رمضان آخر، فماذا يلزمهما؟ (١)
ج: على الحائض والنفساء أن تفطرا وقت الحيض والنفاس، ولا يجوز لهما الصوم ولا الصلاة في حال الحيض والنفاس، ولا يصحان منهما، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة، لما ثبت عن عائشة ﵂ أنها سئلت: هل تقضي الحائض الصوم والصلاة؟ فقالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٢) متفق على صحته. وقد أجمع العلماء ﵏ على ما ذكرته عائشة ﵂ من وجوب قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة في حق الحائض والنفساء، رحمة من الله سبحانه لهما وتيسيراً عليهما؛ لأن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات وفي قضائها مشقة عليهما.
أما الصوم فإنما يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان، فلا مشقة في قضائه عليهما، ومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من
стр. 212
ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وهكذا المريض والمسافر إذا أخرا القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر شرعي فإن عليهما القضاء والتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم. أما إن استمر المرض أو السفر إلى رمضان آخر فعليهما القضاء فقط دون الإطعام بعد البرء من المرض والقدوم من السفر.
س: ما الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان؟ (١)
ج: عليها الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم كما لو ثبتت رؤية رمضان نهاراً، فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم، ومثلها المسافر إذا قدم في أثناء النهار في رمضان إلى بلده فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم. والله ولي التوفيق.
س: كثير من الناس إذا ولدت عندهم المرأة أخذت بعد وضعها أربعين يوماً وهي لا تصلي ولا تصوم ولو كانت هذه المرأة طاهرة، فما الحكم؟ (٢)
ج: النفاس يمنع الصلاة والصوم والوطء مثل الحيض.
النفاس: هو الدم الذي يخرج بسبب الولادة، فما دامت المرأة ترى الدم في الأربعين فلا تصلي، ولا تصوم، ولا يحل لزوجها وطؤها، حتى تطهر أو تكمل أربعين، فإن استمر الدم حتى أكملت الأربعين، وجب أن تغتسل عند نهاية الأربعين؛ لأن النفاس لا يزيد عن أربعين يوماً على الصحيح، فتغتسل وتصلي،
стр. 213
وتحل لزوجها، وتتحفظ من الدم بالقطن ونحوه؛ حتى لا يصيب ثيابها وبدنها، ويكون حكم هذا الدم حكم دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة ولا من الصوم، ولا يمنع زوجها منها، وعليها أن تتوضأ لكل صلاة، أما إن رأت الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل، وتصلي وتصوم وتحل لزوجها مادامت طاهرة ولو لم يمض من الأربعين إلا أيام قليلة، فإن عاد عليها الدم في الأربعين، لم تصل، ولم تصم، ولم تحل لزوجها، حتى تكمل الأربعين، وما فعلته في أيام الطهارة من صلاة أو صوم فإنه صحيح، ولا تلزمها إعادة الصوم.
стр. 214
فتاوى الحج
стр. 215
س: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ (١)
ج: الحج واجب على المكلف على الفور مع القدرة، إذا استطاع. قال الله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو واجب مع الاستطاعة، أما العاجز فلا حج عليه، لكن لو استطاع ببدنه وماله وجب عليه، وإذا استطاع بماله، ولم يستطع ببدنه لكونه هرماً أو مريضاً لا يرجى برؤه فإنه يقيم من ينوب عنه ويحج عنه.
س: إذا كان الشاب قادراً على أن يحج فأخر الحج إلى أن يتزوج أو يكبر في السن فهل يأثم؟ (٣)
ج: إذا بلغ الحلم وهو يستطيع الحج والعمرة وجب عليه أداؤهما؛ لعموم الأدلة ومنها قوله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٤)، ولكن من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعاً، إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعاً فإنه يبدأ بالزواج حتى يعف نفسه؛ لقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع
стр. 216
منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١) متفق على صحته.
س: ما هو الأفضل أن يكون بين العمرة والعمرة للرجال والنساء؟ (٢)
ج: لا نعلم في ذلك حداً محدوداً بل تشرع في كل وقت؛ لقول النبي ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٣) متفق على صحته، فكلما تيسر للرجل والمرأة أداء العمرة فذلك خير وعمل صالح، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «العمرة في كل شهر». وهذا كله في حق من يقدم إلى مكة من خارجها، أما من كان في مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات، وعدم الخروج إلى خارج الحرم لأداء العمرة إذا كان قد أدى عمرة الإسلام، وقد يقال باستحباب خروجه إلى خارج الحرم لأداء العمرة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ لقول النبي ﷺ : «عمرة في رمضان تعدل حجة» (٤) ولكن يجب أن يراعى في حق النساء عنايتهن بالحجاب والبعد عن أسباب الفتنة وطوافهن من وراء الناس وعدم مزاحمة
стр. 217
الرجال على الحجر الأسود، فإن كن لا يتقيدن بهذه الأمور الشرعية فينبغي عدم ذهابهن إلى العمرة؛ لأنه يترتب على اعتمارهن مفاسد تضرهن، وتضر المجتمع، وتربو على مصلحة أدائهن العمرة، إذا كن قد أدين عمرة الإسلام، والله أعلم.
س: ما قولكم عن بر الولد والديه بحجة، وعنده مسجد يحتاج إلى بناء، هل الأفضل أن يتبرع لبناء المسجد أو الحج عن والديه؟ (١)
ج: إذا كانت الحاجة ماسة إلى تعمير المسجد فتصرف نفقة الحج تطوعاً في عمارة المسجد؛ لعظم النفع واستمراره وإعانة المسلمين على إقامة الصلاة جماعة.
أما إذا كانت الحاجة غير ماسة إلى صرف النفقة -أعني نفقة حج التطوع- في عمارة المسجد لوجود من يعمره غير صاحب الحج، فحجه تطوعاً عن والديه بنفسه وبغيره من الثقات أفضل إن شاء الله، لكن لا يجمعان في حجة واحدة بل يحج لكل واحد وحده.
س: ما حكم من حج وهو تارك للصلاة سواء كان عامداً أو متهاونًا؟ وهل تجزئه عن حجة الإسلام؟ (٢)
ج: من حج وهو تارك للصلاة فإن كان عن جحد لوجوبها كفر إجماعاً ولا يصح حجه، أما إذا كان تركها تساهلاً وتهاوناً فهذا فيه خلاف بين أهل العلم منهم من يرى صحة حجه، ومنهم من لا يرى صحة حجه، والصواب أنه لا يصح حجه
стр. 218
أيضاً؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١)، وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٢)، وهذا يعم من جحد وجوبها، ويعم من تركها تهاوناً، والله ولي التوفيق.
س: هل أعمال الطفل الذي لم يبلغ، من صلاة وحج وتلاوة كلها لوالديه أم تحسب له هو؟ (٣)
ج: أعمال الصبي الذي لم يبلغ - أعني أعماله الصالحة - أجرها له هو لا لوالده ولا لغيره ولكن يؤجر والده على تعليمه إياه وتوجيهه إلى الخير وإعانته عليه؛ لما في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي- ﷺ في حجة الوداع فقالت: يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (٤). فأخبر النبي ﷺ أن الحج للصبي وأن أمه مأجورة على حجها به.
وهكذا غير الوالد له أجر على ما يفعله من الخير كتعليم من لديه من الأيتام والأقارب والخدم وغيرهم من الناس؛ لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٥) رواه مسلم في صحيحه؛ ولأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، والله سبحانه يثيب على ذلك.
стр. 219
س: هل شرط المحرم للمرأة في الحج للوجوب أم شرط للأداء؟ (١)
ج: لا يجب عليها الحج ولا العمرة إلا عند وجود المحرم ولا يجوز لها السفر إلا بذلك، وهو شرط للوجوب.
س: هل تعتبر المرأة محرماً للمرأة الأجنبية في السفر والجلوس ونحو ذلك أم لا؟ (٢)
ج: ليست المرأة محرماً لغيرها، إنما المحرم هو الرجل الذي تحرم عليه المرأة بنسب كأبيها وأخيها، أو سبب مباح كالزوج وأبي الزوج وابن الزوج، وكالأب من الرضاع والأخ من الرضاع ونحوهما.
ولا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة الأجنبية ولا أن يسافر بها؛ لقول النبي ﷺ : «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٣) متفق على صحته، ولقوله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان» (٤) رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عمر ﵁ بإسناد صحيح.
س: ما هو أدنى سن للشاب حتى يكون محرماً للمرأة إذا أرادت السفر؟ (٥)
ج: أدنى سن يكون به الرجل محرماً للمرأة هو البلوغ، وهو إكمال خمسة عشر سنة، أو إنزال المني بشهوة، أو إنبات الشعر الخشن حول الفرج ويسمى العانة.
стр. 220
ومتى وجدت واحدة من هذه العلامات الثلاث صار الذكر بها مكلفاً، وجاز له أن يكون محرماً للمرأة، وهكذا وجود واحدة من الثلاث تكون بها المرأة مكلفة وتزيد المرأة علامة رابعة وهي الحيض، والله ولي التوفيق.
س: رجل مات ولم يقض فريضة الحج، وأوصى أن يحج عنه من ماله، ويسأل عن صحة الحجة، وهل حج الغير مثل حجه لنفسه؟ (١)
ج: إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوبها وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلفه، سواء أوصى بذلك أم لم يوص، وإذا حج عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه صح حجه وأجزأه في سقوط الحج عنه، كما لو حج عن نفسه، أما كون ذلك أقل أو أكثر فذلك راجع إلى الله ؛ لأنه العالم بأحوال عباده ونياتهم، ولاشك أن الواجب عليه المبادرة بالحج إذا استطاع قبل أن يموت للأدلة الشرعية الدالة على ذلك ويخشى عليه من إثم التأخير.
س: هل تجوز العمرة لشخص ميت؟ وهل يجوز أن أعتمر عن والدي الذي مازال حياً على قيد الحياة لعدم قدرته؟ (٢)
ج: تجوز العمرة والحج عن الميت إذا كان مسلماً، وهكذا تجوز العمرة والحج عن المسلم الحي، إذا كان عاجزاً عن القيام بذلك لكبر سن أو مرض لا يرجى منه برؤه، سواء كان أباك أو أمك أو غيرهما، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه سأله
стр. 221
رجل فقال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر؟ فقال له النبي ﷺ : «حج عن أبيك واعتمر» (١) متفق على صحته، وثبت عنه ﷺ أنه سألته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال ﷺ : «حجي عن أبيك» (٢) متفق على صحته.
س: هل الحج عن الآخرين مشروع على الإطلاق أم خاص بالقرابة، ثم هل يجوز أخذ الأجرة على ذلك، ثم إذا أخذ الأجرة على حجة عن غيره فهل له أجر في عمله هذا؟ (٣)
ج: الحج عن الآخرين ليس خاصاً بالقرابة بل يجوز للقرابة وغير القرابة، لأن الرسول ﷺ شبهه بالدين؛ فدل ذلك على أنه يجوز للقرابة وغير القرابة. وإذا أخذ المال وهو يقصد بذلك المشاهدة للمشاعر العظيمة ومشاركة إخوانه الحجاج والمشاركة في الخير فهو على خير إن شاء الله وله أجر. أما إذا كان لم يقصد إلا الدنيا، فليس له إلا الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لقول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤) متفق على صحته.
стр. 222
س: سائل يقول: إن والده يذبح لغير الله فيما قيل له عن ذلك، ويريد الآن أن يتصدق عنه ويحج عنه، ويعزو سبب وقوع والده في ذلك إلى عدم وجود علماء ومرشدين وناصحين له، فما الحكم في ذلك كله؟ (١)
ج: إذا كان والده معروفاً بالخير والإسلام والصلاح، فلا يجوز له أن يصدق من ينقل عنه غير ذلك ممن لا تعرف عدالته، ويسن له الدعاء والصدقة عنه حتى يعلم يقيناً أنه مات على الشرك، وذلك بأن يثبت لديه بشهادة الثقات العدول اثنين أو أكثر أنهم رأوه يذبح لغير الله من أصحاب القبور أو غيرهم، أو سمعوه يدعو غير الله، فعند ذلك يمسك عن الدعاء له، وأمره إلى الله ؛ لأن النبي- ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، مع أنها ماتت في الجاهلية على دين الكفار، ثم استأذن ربه أن يزورها فأذن له، فدل ذلك على أن من مات على الشرك ولو جاهلاً لا يدعى له، ولا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ولا يحج عنه، أما من مات في محل لم تبلغه دعوة الله، فهذا أمره إلى الله سبحانه، والصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يمتحن يوم القيامة، فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار؛ لأحاديث صحيحة وردت في ذلك.
س: ما حكم تجاوز الميقات في الحج والعمرة؟ (٢)
ج: لا يجوز للمسلم إذا أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات الذي يمر به إلا بإحرام، فإن تجاوزه بدون إحرام لزمه الرجوع إليه والإحرام منه، فإن ترك ذلك
стр. 223
وأحرم من مكان دونه أو أقرب منه إلى مكة فعليه دم عند كثير من أهل العلم يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء؛ لكونه ترك واجباً وهو الإحرام من الميقات الشرعي، أما إن كان حين مروره بالميقات لم يرد حجاً أو عمرة وإنما أراد حاجة أخرى بمكة كزيارة لبعض أقاربه أو أصدقائه أو تجارة أو نحو ذلك فمثل هذا لا شيء عليه؛ لكونه ما أراد حجاً ولا عمرة لكن لا يجوز له ذلك إذا كان لم يعتمر عمرة الإسلام فيما مضى من الزمان، ومتى أراد هذا الذي تجاوز الميقات بدون إحرام لكونه لم يرد الحج أو العمرة متى أراد الحج أو العمرة في الطريق قبل أن يصل الحرم وجب عليه أن يحرم من المكان الذي تجددت فيه النية، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: «وقت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة».
فدل هذا الحديث على جميع ما ذكرناه آنفاً لمن تأمله، أما إن كان الذي لم يرد حجاً ولا عمرة لم تتجدد له نية الحج أو العمرة إلا بعد ما وصل إلى الحرم فهذا فيه تفصيل: فإن كان أراد الحج فلا بأس أن يحرم به من الحرم أو الحل؛ لقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «ومن كان دون ذلك فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون من مكة».
وأما إن أراد العمرة فإنه يخرج إلى الحل كالتنعيم والجعرانة أو غيرهما فيحرم من ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ لما أرادت العمرة
стр. 224
وهي بمكة أن تخرج إلى التنعيم فتهل بعمرة منه. وأمر أخاها عبد الرحمن أن يصحبها في ذلك. والله ولي التوفيق.
س: ما حكم من قدم إلى مكة ولم يحرم للعمرة ولم يطف ولم يسع؟ (١)
ج: إذا كان الذي قصد مكة لم يقصد حجاً ولا عمرة وإنما أراد التجارة أو الزيارة لبعض أقاربه أو نحو ذلك فليس عليه إحرام ولا طواف ولا سعي ولا وداع؛ لقول النبي ﷺ لما وقت المواقيت لأهل المدينة والشام ونجد واليمن-: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄، فدل ذلك على أن من لم يرد الحج والعمرة فليس عليه شيء ولكن إذا تيسر له الإحرام للعمرة فهو أفضل؛ لقول النبي ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٢) وهذا في حق من قد أدى عمرة الإسلام. أما من لم يؤدها فالواجب عليه البدار بها إذا قدر على ذلك كالحج. والله الموفق.
س: سافرت إلى جدة وكانت نيتي أن أمكث فيها خمسة أيام ثم اذهب بعدها إلى مكة المكرمة لأداء العمرة فماذا يلزمني يا سماحة الشيخ في مثل هذه الحالة؟ (٣)
ج: يلزمك الرجوع إلى الميقات في وادي قرن المعروف بـ «السيل» للإحرام منه بعمرة إذا كنت قاصداً للعمرة حين توجهك إلى جدة؛ لقول النبي -صلى الله عليه
стр. 225
وسلم- لما وقت المواقيت: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» متفق على صحته من حديث ابن عباس ﵄.
س: هل من المباح للمرأة أن تأخذ حبوباً تؤجل بها الدورة الشهرية حتى تؤدي فريضة الحج؟ وهل لها مخرج آخر؟ (١)
ج: لا حرج أن تأخذ المرأة حبوب منع الحمل تمنع الدورة الشهرية أيام رمضان حتى تصوم مع الناس، وفي أيام الحج حتى تطوف مع الناس ولا تتعطل عن أعمال الحج، وإن وجد غير الحبوب شيء يمنع من الدورة فلا بأس إذا لم يكن فيه محذور شرعاً أو مضرة.
س: كيف تصلي الحائض ركعتي الإحرام؟ وهل يجوز للمرأة ترديد آي الذكر الحكيم في سرها (٢)؟
ج: أ- الحائض لا تصلي ركعتي الإحرام بل تحرم من غير صلاة، وركعتا الإحرام سنة عند الجمهور، وبعض أهل العلم لا يستحبها؛ لأنه لم يرد فيها شيء مخصوص. والجمهور استحبوها؛ لما ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: «أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة» (٣) أي في وادي العقيق في حجة الوداع وجاء عن بعض الصحابة أنه صلى ثم أحرم، فاستحب الجمهور أن يكون الإحرام بعد صلاة إما فريضة وإما نافلة
стр. 226
يتوضأ ويصلي ركعتين والحائض والنفساء ليستا من أهل الصلاة فتحرمان من دون صلاة ولا يشرع لهما قضاء هاتين الركعتين.
ب- يجوز للمرأة الحائض أن تردد القرآن لفظاً على الصحيح من دون مس المصحف، أما في قلبها فهذا عند الجميع، إنما الخلاف هل تتلفظ به أم لا؟ بعض أهل العلم حرم ذلك وجعل من أحكام الحيض والنفاس تحريم قراءة القرآن ومس المصحف لا عن ظهر قلب ولا من المصحف حتى تغتسل الحائض والنفساء. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قراءتهما للقرآن عن ظهر قلب لا من المصحف؛ لأن مدتهما تطول، ولأنهما لم يرد فيهما نص يمنع ذلك، بخلاف الجنب فإنه ممنوع حتى يغتسل أو يتيمم عند عدم القدرة على الغسل، وهذا هو الأرجح من حيث الدليل.
س: أحرمت بالحج ولكن عند الإحرام لم أشرع بالتلبية علماً بأني من أهل مكة فهل علي شيء؟ (١)
ج: لا حرج عليك؛ لأن التلبية سنة فإذا أحرم الإنسان بالحج أو بالعمرة سواء من أهل مكة أو غير أهل مكة شرع له أن يلبي كما كان النبي ﷺ يلبي، لكن لو ما لبى أو تأخرت التلبية لا يضره ذلك؛ لأن التلبية سنة قولية والواجب أن ينوي بقلبه نسكاً من حج أو عمرة أو كليهما ثم يلبي بذلك لأن ذلك أفضل، يصرح بذلك بلسانه فيقول: «اللهم لبيك حجاً» أو «اللهم لبيك عمرة» أو «اللهم لبيك عمرة وحجاً» عند دخوله في الإحرام عندما يركب السيارة أو المطية، كان النبي ﷺ إذا ركب دابته أعلن إحرامه والعمدة على القلب إذا نوى
стр. 227
بقلبه الدخول في العمرة أو الحج فهذا هو الإحرام، والأفضل أن يلبي بذلك عند النية فيقول: «اللهم لبيك عمرة» إن كان متمتعاً بالحج، أو يقول: «اللهم لبيك حجاً» إن كان مفرداً، أو يقول: «اللهم لبيك عمرة وحجاً» عند إحرامه عند الدخول في ذلك بنيته في الميقات، وإن كان من أهل مكة عند الحج يلبي به في مكانه في بيته عند خروجه إلى منى يقول: اللهم لبيك حجاً إذا كان في مكة أو من المحلين بها.
س: هل تعتبر الكمامات التي يستعملها الطبيب في عمله ويضعها على فمه وأنفه في حكم تغطية الوجه للمحرم، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ (١)
ج: نعم لا ينبغي ولا يجوز هذا؛ لأنه غطى حوالي نصف الوجه والرسول ﷺ قال: «لا تخمروا رأسه ولا وجهه» (٢) يعني للمحرم الذي وقصته راحلته.
س: ما حكم حج المصر على المعصية أو المستمر على ارتكاب صغيرة من الذنوب؟ (٣)
ج: حجه صحيح إذا كان مسلماً، لكنه ناقص ويلزمه التوبة إلى الله من جميع الذنوب ولاسيما في وقت الحج، وفي هذا البلد الأمين، ومن تاب، تاب الله عليه؛ لقول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥).
стр. 228
والتوبة النصوح هي المشتملة على الإقلاع عن الذنوب والحذر منها تعظيماً لله وخوفاً من عقابه مع الندم على ما مضى منها والعزم الصادق على ألا يعود فيها، ومن تمام التوبة رد المظالم إلى أهلها، وإن كان هناك مظالم في نفس أو مال أو بشرة أو عرض واستحلال أهلها منها. وفق الله المسلمين لما فيه صلاح قلوبهم وأعمالهم، ومن علينا وعليهم جميعاً بالتوبة النصوح من جميع الذنوب إنه جواد كريم.
س: إذا أخل حاج ببعض واجبات الحج كأن لم يحرم من الميقات أو أخذ شيئاً من جسمه كشعر أو ظفر أو غطى رأسه، هل يكفي لذلك فدية واحدة أم أن كل واجب متروك أو محظور عليه فدية مستقلة بذلك؟ جزاكم الله خيراً. (١)
ج: من ترك واجباً من واجبات الحج كالإحرام من الميقات فعليه دم يذبح في الحرم للفقراء، يجزئ في الأضحية أو سبع بدنة أو سبع بقرة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبع إذا رجع إلى أهله.
أما من فعل محظوراً من محظورات الإحرام، مثل قص الشعر أو الأظافر أو لبس المخيط عالماً بالتحريم ذاكراً له فعليه فدية ذلك، وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة تجزئ في الأضحية، أو صيام ثلاثة أيام؛ لحديث كعب بن عجرة الثابت في ذلك، فإن كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه. والله ولي التوفيق.
س: ما حكم الرمل ؟ (٢)
ج: سنة في الطواف الأول حين يقدم مكة لحج أو عمرة في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وهو الإسراع في المشي، ويسمى الجذب، أما الأربعة الأخيرة فيمشي فيها مشياً، المشي المعتاد تأسياً بالنبي ﷺ في ذلك.
стр. 229
س: هل الرسول ﵊ في آخر شوط من طوافه كبر؟ (١)
ج: نعم كان النبي ﷺ كلما حاذى الحَجر كبر في الشوط الأخير والشوط الأول والأشواط التي بينها.
س: هل يجب على الطائف بالكعبة المشرفة أن يصلي ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم أو يجوز أن يصليهما في أي مكان من الحرم؟ (٢)
ج: لا يجب على الطائف أن يصلي الركعتين خلف مقام إبراهيم ولكن يشرع له ذلك إذا تيسر من دون مشقة، وإن صلاهما في أي مكان من المسجد الحرام أو في أي مكان من الحرم أجزأه ذلك، ولا يشرع له أن يزاحم الطائفين لأدائهما حول المقام، بل ينبغي له أن يتباعد عن الزحام وأن يصليهما في بقية المسجد الحرام؛ لأن عمر ﵁ صلى ركعتي الطواف في بعض طوافه بذي طوى وهي من الحرم لكنها خارج المسجد الحرام، وكذلك أم سلمة ﵂ صلت لطواف الوداع خارج المسجد الحرام، والظاهر أن سبب ذلك الزحام، أو أرادت بذلك أن تبين للناس التوسعة الشرعية في هذا الأمر.
س: إذا لم يجد الحاج مكاناً يبيت فيه بمنى فماذا يفعل؟ وهل إذا بات خارج منى عليه شيء؟ (٣)
ج: إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في منى ليبيت فيه ليالي منى فلم يجد شيئاً فلا حرج عليه أن ينزل في خارجها؛ لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) ولا فدية عليه من جهة ترك المبيت في منى؛ لعدم قدرته عليه.
стр. 230
س: ما الحكمة من رمي الجمرات والمبيت في منى ثلاثة أيام، نأمل من فضيلتكم إيضاح الحكمة من ذلك ولكم الشكر؟ (١)
ج: على المسلم طاعة الرسول ﷺ واتباع الشرع وإن لم يعرف الحكمة، فالله أمرنا أن نتبع ما جاء به الرسول ﷺ وأن نتبع كتابه، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٤)، وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٥). فإن عُرِفت الحكمة فالحمد لله، وإن لم تعرف فلا يضر ذلك، وكل ما شرعه الله هو لحكمة، وكل ما نهى عنه هو لحكمة، سواء علمناها أو جهلناها، فرمي الجمار واضح بأنه إرغام للشيطان وطاعة لله ، والمبيت في منى الله أعلم بحكمته ولعل الحكمة في ذلك تسهيل الرمي إذا بات في منى ليشتغل بذكر الله ويستعد للرمي في وقته لو شاء الذهاب في الوقت المحدد للرمي حسبما يتناسب معه، فلربما تأخر عن الرمي وربما فاته وربما شغل بشيء لو لم يبت بمنى. والله جل وعلا أعلم بالحكمة في ذلك.
стр. 231
س: يعتقد بعض الحجاج أنه إذا لم يتمكن الحاج من زيارة المسجد النبوي فإن حجه ينقص، فهل هذا صحيح؟ (١)
ج: الزيارة للمسجد النبوي سنة وليست واجبة، وليس لها تعلق بالحج، بل السنة أن يزار المسجد النبوي في جميع السنة، ولا يختص ذلك بوقت الحج؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢) متفق عليه، ولقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٣) متفق عليه، وإذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلي في الروضة ركعتين، ثم يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄، كما يشرع زيارة البقيع والشهداء للسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم والدعاء لهم والترحم عليهم كما كان النبي ﷺ يزورهم وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» (٤).
стр. 232
وفي رواية عنه ﷺ أنه كان يقول إذا زار البقيع: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١). ويشرع أيضاً لمن زار المسجد النبوي أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين؛ لأن النبي ﷺ كان يزوره كل سبت ويصلي فيه ركعتين، وقال ﵊: «من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة» (٢).
هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة، أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه. والمشروع للمؤمن دائماً هو الاتباع دون الابتداع. والله ولي التوفيق
س: إذا عزم المسلم على الحج، وبعد الإحرام تعذر حجه. ماذا يلزمه؟ (٣)
ج: إذا أحصر الإنسان عن الحج بعدما أحرم بمرض أو غيره، جاز له التحلل بعد أن ينحر هدياً، ثم يحلق رأسه أو يقصره؛ لقول الله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤)، ولأن النبي ﷺ لما أحصر عن دخول مكة يوم الحديبية، نحر هديه وحلق رأسه ثم حل، وأمر أصحابه بذلك، لكن إذا كان المحصر قد قال في إحرامه: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، حل ولم يكن عليه شيء لا هدي ولا غيره؛ لما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن ضباعة بنت الزبير بن
стр. 233
عبد المطلب قالت: يا رسول الله: إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها النبي ﷺ : «حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني» (١)
س: أريد أن أفدي إن شاء الله فهل يجوز لي أن أؤخره إلى يوم الحادي عشر، أو اليوم الثاني عشر؟ وهل يُذبح الهدي في منى، أو في أي جزء من مكة؟ وما هي كيفية توزيعه؟ (٢)
ج: يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده، لكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك ولا حرج في ذبحه في منى أو في مكة. والسنة في توزيعه أعني هدي التمتع أو القران أن يأكل منه، ويتصدق، ويهدي إلى من شاء من أصحابه وإخوانه.
س: الأضحية هل هي للأسرة ككل، أم لكل فرد فيها بالغ؟ ومتى يكون ذبحها؟ وهل يشترط لصاحبها عدم أخذ شيء من أظافره وشعره قبل ذبحها؟ وإذا كانت لامرأة وهي حائض ما العمل؟ وما الفرق بين الأضحية والصدقة في مثل هذا الأمر؟ أفيدونا؟ جزاكم الله خيراً. (٣)
ج: الأضحية سنة مؤكدة، تشرع للرجل والمرأة وتجزئ عن الرجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها؛ لأن النبي ﷺ كان يضحي كل سنة بكبشين أملحين أقرنين أحدهما عنه وعن أهل بيته، والثاني عمن وحد الله من أمته. ووقتها يوم النحر وأيام التشريق في كل سنة، والسنة للمضحي أن يأكل منها، ويهدي
стр. 234
لأقاربه وجيرانه ويتصدق منها. ولا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً، بعد دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي؛ لقول النبي ﷺ : «إذا دخل شهر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً حتى يضحي» (١). رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أم سلمة ﵂. أما الوكيل على الضحية، أو على الوقف الذي فيه أضاحي، فإنه لا يلزمه ترك شعره ولا ظفره ولا بشرته؛ لأنه ليس بمضح، وإنما هذا على المضحي الذي وكله في ذلك، وهكذا الواقف هو المضحي. والناظر على الوقف وكيل منفذ وليس بمضحٍ. والله ولي التوفيق.
س: إذا مات الجنين في بطن أمه، فهل يلزم والده أن يذبح عنه عقيقة (٢)؟
ج: العقيقة سنة مؤكدة وليست واجبة، عن الذكر شاتان وعن الأنثى واحدة. والسنة أن تذبح في اليوم السابع، ولو سقط ميتاً، والسنة أن يسمى أيضاً ويحلق رأسه في اليوم السابع، وإن سمي في اليوم الأول فلا بأس؛ لأن الأحاديث الصحيحة وردت عن النبي ﷺ بذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه سمى ابنه إبراهيم يوم ولد، وسمى عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري يوم ولد، وثبت عنه ﷺ من حديث سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: «كل غلام مرتهن بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى» (٣). أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن
стр. 235
الأربع بإسناد صحيح، وثبت عنه ﷺ من حديث عائشة وأم كرز الكعبية ﵄ أنه ﷺ أمر أن يعقّ عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الأنثى شاة، وثبت عنه ﷺ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه، فلينسك عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» (١) وهذه الأحاديث تعم السقط وغيره إذا كان قد نفخت فيه الروح، وهو الذي ولد في الشهر الخامس وما بعده. والمشروع أن يغسَّل ويكفن ويصلى عليه إذا سقط ميتاً، ويشرع أيضاً أن يسمى ويعق عنه؛ لعموم الأحاديث المذكورة. والله ولي التوفيق.
س: إذا تسمى الإنسان باسم، واكتشف أنه اسم غير شرعي. ما توجيهكم؟ (٢)
ج: الواجب التغيير، مثل من سمى نفسه عبد الحسين أو عبد النبي أو عبد الكعبة، ثم علم أن التعبيد لا يجوز لغير الله، وليس لأحد أن يعبد لغير الله، بل العبادة لله مثل عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، وعليه أن يغير الاسم مثل عبد النبي أو عبد الكعبة، إلى عبد الله أو عبد الرحمن أو محمد أو أحمد أو صالح، أو نحو ذلك من الأسماء الشرعية، هذا هو الواجب، والنبي ﷺ غير أسماء كثيرة. أما إذا كان الاسم للأب، فإذا كان الأب حياً فيعلم حتى يغير اسمه، أما إن كان ميتاً، فلا حاجة إلى التغيير ويبقى كما هو؛ لأن النبي ﷺ لم يغير اسم عبد المطلب، ولا غيَّر أسماء الآخرين المعبدة لغير الله؛ كعبد مناف؛ لأنهم عُرفوا بها.
стр. 236
فتاوى الجهاد
стр. 237
س: هل يعتبر عمل المتطوعين في التعاون مع رجال الأمن من الرباط، أم لا؟ (١)
ج: عمل المتطوعين في كل بلد ضد الفساد مع رجال الأمن يعتبر من الجهاد في سبيل الله، لمن أصلح الله نيته، وهو من الرباط في سبيل الله؛ لأن الرباط هو لزوم الثغور ضد الأعداء، وإذا كان العدو قد يكون في الباطن، واحتاج المسلمون أن يتكاتفوا مع رجال الأمن ضد العدو الذي يخشى أن يكون في الباطن، يرجى لهم أن يكونوا مرابطين، ولهم أجر المرابط لحماية البلاد من مكائد الأعداء الداخليين.
وهكذا، التعاون مع رجال الهيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يعتبر من الجهاد في سبيل الله، في حق من صلحت نيته؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
وقول النبي ﷺ : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٣). رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
стр. 238
س: هل يعتبر شهيداً من قتل من رجال مكافحة المخدرات ، عند مداهمة أوكار متعاطي المخدرات ومروجيها؟ ثم ما حكم من يدلي بمعلومات تساعد رجال المكافحة للوصول إلى تلك الأوكار؟ أفتونا مأجورين. (١)
ج: لا ريب أن مكافحة المسكرات والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهم الواجبات: التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك؛ لأن مكافحتها في مصلحة الجميع؛ ولأن فشوها ورواجها مضرة على الجميع. ومن قتل في سبيل مكافحة هذا الشر وهو حسن النية، فهو من الشهداء، ومن أعان على فضح هذه الأوكار وبيانها للمسئولين، فهو مأجور، وبذلك يعتبر مجاهداً في سبيل الحق، وفي مصلحة المسلمين، وحماية مجتمعهم مما يضر بهم.
فنسأل الله أن يهدي أولئك المروجين لهذا البلاء، وأن يردهم إلى رشدهم، وأن يعيذهم من شرور أنفسهم، ومكائد عدوهم الشيطان، وأن يوفق المكافحين لهم لإصابة الحق، وأن يعينهم على أداء واجبهم ويسدد خطاهم، وينصرهم على حزب الشيطان، إنه خير مسئول.
стр. 239
فتاوى المعاملات
стр. 240
س: شركة تقسيط تطلب نسبة مئوية على سعر السيارة، يتراوح بين ٦، ٨ %، وتأخذ من المشتري بيانات ومواصفات السيارة التي يريدها، ثم تقوم بشرائها وتسجيلها باسم الزبون، بعد إنهاء إجراءتها. فما الحكم (١)؟
ج: لا حرج في ذلك إذا كانت السلعة مملوكة للشركة وفي قبضتها، فلا مانع من أن تبيعها بسعر معين؛ بعضه نقد، وبعضه مؤجل، أو كله مؤجل إلى آجال معلومة؛ قليلة أو كثيرة.
ولابد أن يكون بعد ملكها للسيارة، ولا مانع من كون الراغب يصف السيارة التي يريد أو الأرض التي يريد، ثم تشتريها وتملكها وتحوزها، ثم تبيع بعد ذلك له أو لغيره، والراغب في حل من ذلك، حتى يتم البيع بعد الشراء.
س: حبذا يا سماحة الشيخ لو تذكرون لنا بعض صور البيع بالتقسيط المحرمة؟ جزاكم الله خيراً (٢).
ج: إذا اشترى الإنسان شيئاً مؤجلاً بأقساط، ثم باعه نقداً على من اشتراه منه، فهذا يسمى بيع العينة، وهو لا يجوز، لكن إذا باعه على غيره فلا بأس؛ كأن يشتري سيارة بالتقسيط ثم يبيعها على آخر نقداً؛ ليتزوج، أو ليوفي دينه، أو لشراء سكن، فلا بأس في ذلك. أما كونه يشتري السيارة أو غيرها بالتقسيط، ثم يبيعها بالنقد على صاحبها، فهذا يسمى العينة؛ لأنها حيلة لأخذ دراهم نقدا بدراهم أكثر منها مؤجلة.
стр. 241
س: هل لسماحتكم من نصيحة للإخوة التجار أو المستهلكين؟ (١)
ج: نصيحتي لإخواني التجار والمستهلكين: أن يتقوا الله في السر والعلن، وأن يراقبوه في جميع معاملاتهم، وأن يتحروا الصدق والأمانة في بيعهم وشرائهم، وأن يجتنبوا الكذب والخيانة، وجميع المعاملات والعقود التي تخالف الشريعة المطهرة. وأوصي التجار: أن يتقوا الله في المتعاملين معهم من المحتاجين لهذا البيع المؤجل، وذلك بالرفق بهم في تعاملهم معهم، سواء بعدم رفع قيمة البضاعة رفعاً مرهقاً، أو بالقسوة والشدة عند الاقتضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه سلم حث على السماحة في البيع والشراء والقضاء، والاقتضاء وقال: «خيار الناس أحسنهم قضاء» (٢)، وقال أيضاً ﷺ : «البيعان بالخيار حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (٣). متفق على صحته.
كما أوصي المستهلكين: بأن يتقوا الله في أنفسهم، وفي من هم تحت ولايتهم؛ وذلك بأن لا ينساقوا ويندفعوا في شراء ما لا يحتاجون إليه؛ فتتكاثر عليهم الديون، فيعسر عليهم الوفاء بما التزموا به، فيضيقوا على أنفسهم وعلى من هم تحت رعايتهم؛ من حيث أرادوا التوسع والاستفادة من هذه التسهيلات المتاحة، دون تقدير للعواقب.
стр. 242
والمطلوب: هو التوسط في الأمور كلها، يقول الله سبحانه حاثاً على الاعتدال في النفقة: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (١).
ويقول سبحانه في معرض الثناء على عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢).
هذا، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س: ما حكم الكتابة في المبايعة بين الناس؟ (٣)
ج: الكتابة أمر الله بها، إذا كان البيع مداينة، ولأجل في الذمة، والإشهاد على ذلك عن النسيان، كما قال سبحانه في آية الدّين في آخر سورة البقرة: ﴿وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾ (٤).
يعني: كتب الشهادة أقرب إلى العدل، وأقوم وأضبط، وأبعد عن الريبة والشك؛ إذا دعت الحاجة أحضروا الكتاب، ووجدوا كل شيء مكتوباً، فالكتابة فيها ضبط للحقوق.
أما التجارة الحاضرة التي يصرفونها حالاً ويتفرقون عنها، وليس فيها دين ولا فيها أجل، لا بأس بها.
стр. 243
مثل سيارة اشتراها وأعطى ثمنها ومشى، عباءة اشتراها وأعطى ثمنها ومشى، إناء اشتراه وأعطى ثمنه ومشى، كل هذا لا يحتاج كتابة.
أما تجارة في الذمة هذه تحتاج إلى كتابة؛ حتى لا ينسوا، ولهذا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (١) .. الآية، فالكتابة فيها حفظ الحقوق.
س: هل المال الذي يأخذه من يتبرع بالدم حلال أم لا؟ (٢)
ج: ثبت في صحيح البخاري رحمة الله عليه عن أبي جحيفة ﵁: «أن الرسول ﷺ نهى عن ثمن الدم» (٣).
فلا يجوز للمسلم أن يأخذ عن الدم عوضاً؛ لهذا الحديث الصحيح، فإن كان قد أخذ فليتصدق بذلك على بعض الفقراء.
س: هل يجوز بيع الساعات التي بها ذهب للرجال؟ وكذلك ما حكم بيع الخواتم والأقلام التي بها ذهب؟ ومن باع منها شيئاً، فما حكم المال الذي ربحه؟ (٤)
ج: يجوز بيع الساعات والخواتم من الذهب والفضة للرجال والنساء جميعاً، ولكن ليس للرجل أن يلبس ساعة الذهب ولا خاتم الذهب ولا المموه بذلك، وهكذا ساعة الفضة، وإنما ذلك للنساء.
стр. 244
أما خاتم الفضة فهو جائز للرجال والنساء، وأما الأقلام من الذهب والفضة فلا يجوز استعمالها للرجال والنساء جميعاً؛ لأنها ليست من الحلية، وإنما هي أشبه بأواني الذهب والفضة، والأواني من الذهب والفضة محرمة على الجميع؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا - يعني الكفرة - ولكم في الآخرة» (١). متفق على صحته.
وقوله ﵊: «الذي يشرب في إناء الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (٢). أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
ويلتحق بالأواني: الملاعق، وأكواب الشاي والقهوة، ونحو ذلك.
نسأل الله لجميع المسلمين التوفيق لما فيه رضاه، والسلامة من أسباب غضبه، والله ولي التوفيق.
س: ما حكم شرب الدخان، وهل هو حرام أم مكروه؟ وما حكم بيعه والإتجار فيه؟ (٣)
ج: الدخان محرم؛ لكونه خبيثاً ومشتملاً على أضرار كثيرة، والله إنما أباح لعباده الطيبات من المطاعم والمشارب وغيرها، وحرم عليهم الخبائث، قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٤)، وقال سبحانه
стр. 245
في وصف نبيه محمد ﷺ في سورة (الأعراف): ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (١).
والدخان بأنواعه كلها ليس من الطيبات، بل هو من الخبائث، وهكذا جميع المسكرات كلها من الخبائث، والدخان لا يجوز شربه ولا بيعه ولا التجارة فيه؛ لما في ذلك من المضار العظيمة، والعواقب الوخيمة.
والواجب على من كان يشرب أو يتجر فيه، البدار بالتوبة والإنابة إلى الله والندم على ما مضى، والعزم على ألا يعود في ذلك، ومن تاب صادقاً تاب الله عليه، كما قال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٣).
وقال النبي ﷺ : «التوبة تجب ما كان قبلها» (٤)، وقال ﵊: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٥).
ونسأل الله أن يصلح حال المسلمين، وأن يعيذهم من كل ما يخالف شرعه؛ إنه سميع مجيب.
стр. 246
س: أعمل في أحد المتاجر، ويختلف بيعي من شخص لآخر - حسب إلحاح الزبون - فقد أبيع بضاعة بمائة ريال، وقد أبيعها بمائة وخمسين - حسب الحال والزبون - فهل يعتبر ذلك غشاً؟ (١)
ج: الواجب ألا تزيد في قيمة السلعة عما تساويه في السوق، وكونك تخفض لبعض الزبائن عما تساويه في السوق لا بأس به، إنما الممنوع أن تزيد على بعض الزبائن بثمن أغلى من قيمة السلعة في السوق، خصوصاً إذا كان المشتري يجهل أقيام السلع، أو كان غرًّا لا يحسن البيع والشراء والمماكسة؛ فلا يجوز استغلال جهله وغرته والزيادة عليه عن القيمة المعروفة في السوق.
س: من تعريف ربا النسيئة، أنه الزيادة في الشيء مقابل التأجيل، فما مدى انطباق هذا الشيء على دينة الأكياس والسيارات، المعمول بها الآن بدلاً من القرض الحسن؟ أفتونا جزاكم الله خيراً؟ (٢).
ج: الربا هو: أن يأخذ شيئاً بجنسه مع الزيادة، هذا هو ربا الفضل؛ كصاع بصاعين من جنس واحد أو درهم بدرهمين، سواء كان حالا أو مؤجلاً. وإن كان دينا بدين، صار ربا الفضل والنسيئة جميعاً، فإذا أخذ دراهم وزيادة، فهذا ربا الفضل سواء كان يداً بيد أو نسيئة، وأما مسألة التورق فليست من هذا الباب، وهي: أخذ سلعة بدراهم إلى أجل، ثم يبيعها هو بنقد في يومه أو غده أو بعد ذلك، على غير من اشتراها منه. والصواب حلها؛ لعموم الأدلة، ولما فيها من التفريج والتيسير، وقضاء
стр. 247
الحاجة الحاضرة. أما من باعها على من اشتراها منه فهذا لا يجوز، بل هو من أعمال الربا وتسمى مسألة العينة وهي محرمة؛ لأنها تحيّل على الربا. وهو بيع جنس بجنسه متفاضلاً نسيئة أو نقداً. أما التورق فلا بأس به كما تقدم وهوشراء سلعة من طعام أو سيارة أو أرض أو غير ذلك، بدراهم معدودة إلى أجل معلوم، ثم يبيعها على غير من اشتراها منه بنقد ليقضي حاجته من زواج أو غيره.
س: امرأة كانت تقرض شخصاً ألف ريال على أن يردها ألف وثلاثمائة، وهي لا تعرف أن هذا ربا، فهل يلحقها شيء في ذلك؟ وماذا يجب عليها؟ (١)
ج: هذا لا شك أنه ربا، فالذي فعل ذلك قبل أن يعلم لا شيء عليه، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢)، فبين سبحانه أن من جاءه موعظة من ربه؛ يعني عرف الحق ووعظ وذكر، فانتهى وتاب إلى الله فلا شيء عليه، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فيبين لنا سبحانه أن الواجب على من عرف الربا أن يحذره ويتباعد عنه، ويتوب إلى الله من ذلك. وعلى المؤمن أن يسأل ويتفقه في دينه ويتعلم؛ حتى لا يقع فيما حرم الله عليه؛ لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (٣)، متفق على صحته. وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا تفقه في الدين وتبصر
стр. 248
وتعلم، فهذا من الدلالة على أن الله أراد به خيراً، أما إذا استمر في الجهالة والإعراض، فهذا من علامة أن الله أراد به شراً والعياذ بالله وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة» (١). فالتعلم من أهم المهمات، والتفقه في الدين من أعظم الواجبات، والواجب على المرأة المذكورة: أن تتصدق بالثلاثمائة التي حصلتها من طريق الربا، مع التوبة إلى الله سبحانه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢). نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
س: هل يجوز أن أستلف من شخص تجارته معروفة بالحرام، وأنه يتعاطى الحرام؟ (٣)
ج: لا ينبغي لك يا أخي أن تقترض من هذا أو أن تتعامل معه، ما دامت معاملاته بالحرام، ومعروف بالمعاملات المحرمة الربوية أو غيرها، فليس لك أن تعامله، ولا أن تقترض منه، بل يجب عليك التنزه عن ذلك والبعد عنه. لكن لو كان يتعامل بالحرام وبغير الحرام؛ يعني معاملته مخلوطة فيها الطيب والخبيث، فلا بأس، لكن تركه أفضل؛ لقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤)، ولقوله صلى الله عليه
стр. 249
وسلم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١)، ولقوله ﷺ : «الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» (٢).
فالمؤمن يبتعد عن المشتبهات، فإذا علمت أن كل معاملاته محرمة، وأنه يتجر في الحرام، فمثل هذا لا يعامل ولا يقترض منه.
س: رجل استثمر أموال زوجته مع أمواله وهي شبه راضية، وكانت زوجته تطالبه بأن يكتب لها شيئاً في العقار على قدر نقودها؛ لكي تضمن أن نقودها لا تذهب إلى الورثة بعد وفاته، ولكن زوجها كان يقول لها: إن هذه الأموال يقصد أمواله وأموالها لك ولأبنائك من بعدي، فتوفي قبل أن يكتب لها شيئاً بقدر أموالها، فهل يلحقه شيء في ذلك؟ وماذا على الورثة تجاه هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيراً (٣).
ج: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن الواجب على الزوج إذا كان عنده مال لزوجته أن يكتب ذلك، وأن يوضح ذلك في وثيقة ثابتة؛ حتى تُسلم لها بعد موته، ويجب أن يوضح ذلك في صحته؛ حتى تبرأ ذمته. وإذا مات ولم يبين ذلك، وجب على الورثة أن يؤدوا حقها من رأس التركة؛ كسائر أهل الدين إذا ثبت ذلك بالبينة، أو سمحوا لها بذلك وصدقوها إذا كانوا مرشدين مكلفين، ولا يجوز للزوج ولا غيره إذا كان في ذمته دين لأحد، أن يسكت وأن يغفل عن ذلك؛ فتضيع الحقوق، فإن هذا خطر
стр. 250
عظيم، وظلم عظيم يجب الحذر منه؛ فالواجب على كل إنسان عنده حق للغير - سواء كان زوجاً أو غير زوج، أو زوجة أو غير ذلك - أن يبين ذلك ويكتب الدين في وثيقة شرعية عند المحكمة، أو عند كاتب معروف يعتمد قلمه؛ حتى يؤدى الحق إلى صاحبه لو قدر الله الموت قبل التسديد. وهذه المرأة يجب على الورثة أن يعطوها حقها إذا ثبت لديهم ذلك، فإن لم يثبت فليس عليهم شيء، والله يعوضها عن ذلك. وقد أساء زوجها وتعاطى ما لا يحل له، وهي بالخيار: إن أباحته وسامحته فلها أجرها، وإن لم تسمح أخذت حقها منه يوم القيامة، ولا يضيع عليها شيء. فأنت أيتها الأخت في الله السائلة إن سمحت وبرأت الزوج، فجزاك الله خيراً، وإن لم تسمحي ولم يعطوك حقك يعني الورثة فالأمر إلى الله، والحساب بينك وبينه عند الله والله المستعان.
س: هل يجوز للرجل أن يأخذ مبلغاً من المصرف بفائدة؛ لأجل إجراء عملية جراحية لزوجته، وقد حاول أن يقترض من بعض الناس ولم يقرضوه؟ (١)
ج: لا يجوز له القرض من المصرف ولا غيره بطريق الربا؛ لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣)، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه