الذي يأخذ بكل الأسباب التي تساعده في أداء هذه الغاية بطريقة حسنة، فالمسلم مطالب بحسن الأداء، لا بمجرد الأداء، وهذا يتطلب أن يكون الإنسان متجددا ومترقيا وملما بكل ما يجد في ميدان عمله من معارف وخبرات ومهارات، إذن فترقية الحياة وفق منهج الله تتطلب التربية المستمرة، بل وحسن التربية.
المناهج ومصادر العلم:
تختلف مصادر منهج التربية في الإسلام عن مصادر المناهج الأخرى، فمنهج التربية يستمد أصوله وموجهاته من منهج الله الكلي للكون والإنسان والحياة، والمتمثل في شريعة الله، أما معظم المناهج الأخرى فتستمد أصولها من الفلسفات والنظريات التابعة لها.
فالشريعة الإسلامية كفت القائمين على بناء منهج التربية في الإسلام شر اللجوء إلى الفلسفات والنظريات البشرية. فالفلسفات يلجأ إليها غير المسلمين لعدم وجود شريعة عاملة لديهم، وفي ذلك يقول ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": "إن أهل الفلسفة قد قسموا العلوم إلى علم أعلى، وعلم أوسط، وعلم أسفل. وجعلوا الفلسفة هي العلم الأعلى؛ لأن هذا العلم عندهم يرتبط بأمور قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق، المنزلة بالصدق، وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم"١.
إننا لا يجب أن نحيد عن القرآن والسنة, كأصول وموجهات لمنهج التربية، فما ضياعنا إلا نتيجة مباشرة لهذا الحياد عن أصول منهج الله، ولقد كان المسلمون الأول يدركون هذه الحقيقة حتى إن عمر ﵁ كما يقول ابن القيم: "كان يمنع الحديث عن رسول الله ﷺ ، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم، وزبد أفكارهم، وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ "٢.
هذه هي طبيعة هذه المنهج، يجب أن نعرفها، وألا نحاول تغييرها لرغبات معجلة مهزومة أمام أزياء الفلسفات والنظريات البشرية، فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد فيها أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود كما أخرجها الله أول مرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وتختلف مصادر العلم في منهج التربية باختلاف نوع المعلوم. فالكون محسوس وغير محسوس، شهود وغيب، فالغيب مصدر العلم به هو الوحي الصادق من صاحب الغيب ، وتحقيق هذا العلم يكون بتحقيق نسبة الخير إلى الله ، والمحسوس سبيل العلم به الملاحظة، والتجربة، والخير أيضا، ويكون تحقيق الخير بالاستقراء والاستنباط والملاحظة والتجربة٣.
стр. 107
العدل بين الأفراد والنظم والمؤسسات:
وظيفة العلم -إذن- هي عمارة المجتمع الإنساني وترقيته، لكن العلم إذا لم يكن مستندا إلى عدل الله، ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله! فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم، نحو خير الإنسان والبشرية جميعا.
والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع، فإن العمل بها إذن هو تحقيق للعدل الذي أمر الله به، ويندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة, فهناك العدل في الحكم, والعدل في النظام الاجتماعي, والعدل في القضاء، والعدل الاقتصادي، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات والمعاملة.. إلخ.
فالعدل من الحكام فرض لا يستقيم الحكم إلا به: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] .
والعدل واجب حتى للأعداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
وتقوم العدالة في السياسة الاقتصادية على ثلاثة أسس مهمة: الأول: أن المال مال الله، والناس مستخلفون فيه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] . والثاني هو أن الإسلام كره أن يحبس المال في أيدي فئة قليلة من الناس، بينما يمنع عن الآخرين: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] . والثالث، هو الملكية الفردية، فالمال مال الله، والناس مستخلفون في مليكة التصرف والانتفاع به، الذي لا يصل إلى السفه.
стр. 108
العدل بين الأفراد والصلات الاجتماعية:
وتقوم العدالة بين الفرد والمجتمع على أساس حركة الفرد، ونوعيتها، وعلاقتها بغيرها داخل المجتمع: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] . فالفرد في المجتمع مرفوع فيما يجيد وفيما يحسن، ومرفوع عليه غيره فيما لا يجيده ولا يحسنه، إذن فكل فرد فاضل في جهة ومفضول عليه في جهة أخرى. فالمفضول عليه يسخر الفاضل لخدمته.
كما كفل الإسلام المساواة للمرأة مع الرجل في الجنس والحقوق الإنسانية. ولم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات الخاصة بالاستعداد والخبرة والدربة والتبعة، مما لا يؤثر على حقيقة الوضع الإنساني للجنسين، فحيثما تساوى الاستعداد والدربة والتبعة تساويا، وحيثما اختلف شيء من ذلك كان التفاوت بحسبه.
فالرجل والمرأة من ناحية العمل والثواب والعقاب يتساويان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
وفي أحقية كل منهما وأهليته في الملك والتصرف الاقتصادي يتساويان: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] .
стр. 109
العمل أساس التملك:
الأساس الثالث من أسس بناء المجتمع، وعمارة الحياة وترقيتها فيه -بعد العلم والعدل- هو العمل. فباستثناء الميراث، جعل الإسلام العمل هو الوسيلة الوحيدة لنيل حق التملك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] ، "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من عمل يده" "رواه البخاري". وكره أن يلد المال المال، وإنما يلد المال الجهد، وعلى أساس هذه القاعدة حرم الإسلام الربا؛ لأن المرابي يمتص نتيجة جهد الآخرين وعرقهم بينما هو قاعد، وهذا يورث العداوة والبغضاء ويؤدي إلى هدم الحياة الاجتماعية النظيفة، ومن هنا -أيضا- جاءت كراهية الإسلام للترف وجعله مصدر الشر والفساد للفرد والجماعة معا. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .
العمل ومفهوم العبادة:
وليس المراد بالعمل على كل حال الانصراف عن أمور الدنيا وقضاياها والكدح فيها والاشتغال بأمور ثانوية في الدين، كالخلافات المذهبية والدروشة -كما يسميها الأستاذ فهمي هويدي- وبحث مدى إخلاص أو عدم إخلاص بعض المفكرين من أعلام المسلمين. وليس من العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى أن يترك كل ذي تخصص تخصصه في الطب والهندسة والعمارة والطبيعة والكيماء وعلوم الجهاد وعلوم الإدارة وعلوم ارتياد الفضاء، وكل العلوم التي نحن فقراء إلى النابغين فيها -إلى الاشتغال بأحكام التلاوة وعلامات الساعة والخلافات المذهبية١.
إن العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى، هو أن ينصر كل منا الإسلام في ميدان تخصصه بالإنجاز فيه والإنتاج والإبداع، يقول الشيخ محمد الغزالي: "من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا عجزة عن الحياة. وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظا عندما خبنا في ميادين الحياة، وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال، ومظاهر تقام. إن الله لا يقبل تدينا يشينه هذا الشلل المستغرب، ولا أدري كيف نزعم الإيمان والجهاد ونحن نعاني من هذه الطفولة التي تجعل غيرنا يداوينا، ويمدنا بالسلاح إذا شاء"٢.
وربما كان من أهم أسباب هذه المشكلة عدم فهم معنى "العبادة" في الإسلام، فالبعض لا يفهم من معنى العبادة إلا أنها الصلاة والصوم والزكاة والحج والصدقة وبعض الأذكار والأدعية، مع أن هذا جانب واحد فقط من جوانب العبادة، فالعبادة تشمل النشاط الإنساني كله؛ لأن نشاط الإنسان المسلم كله حركة واحدة متجه نحو تحقيق غاية وجوده، وغاية وجود الإنسان هي العبادة عن طريق القيام بحق الخلافة في الأرض، والقيام بحق الخلافة في الأرض يعني عمارتها وترقيتها وفق منهج الله.
وبهذا المعنى الشامل تصبح العبادة هي الصلة الدائمة بين المسلم وربه، وتصبح هي التربية الدائمة للإنسان كله، جسمه وعقله وضميره ووجدانه.
واجبات مناهج التربية:
وبهذا المعنى يصبح من الواجب على منهج التربية أن يتنازل عن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات"، وهو التقسيم الذي ورد في التأليف
стр. 110
الفقهي في مرحلة متأخرة، قد أنشأ آثارا ضارة في التصور الإسلامي، تبعته -بعد ذلك- آثار ضارة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن معنى "العبادة" إنما هو خاص بالنوع الأول من النشاط الذي يسمى "فقه العبادات" بينما أخذ المعنى ينزوي رويدا رويدا عن النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله "فقه المعاملات"١ وهو انحراف بالتصور الإسلامي لمفهوم العبادات لا شك فيه.
إن منهج التربية يجب أن يتناول كل النشاط الإنساني بالدراسة، ابتداء من الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والحج إلى البرامج الدراسية في نظام الحكم ونظام الاقتصاد، والتشريعات الجنائية والمدنية، ونظام الأسرة، ونظام الإدارة، إلى المواد المختلفة في الرياضيات والطبيعة والكيماء، والعوم الإنسانية إلى آخره؛ يجب أن يتناول المنهج كل هذه المواد والبرامج على أساس أنها لا تهدف إلا إلى غاية واحدة، هي تحقيق معنى "العبادة" كما سبق إيضاحه.
إن غياب المناهج التربوية التي تقوم على هذا الأساس في معظم أقطار العالم العربي والإسلامي هو من أهم أسباب البلاء والتخلف الذي نعاني منه، وحتى المناهج التي تحاول على هذا الطريق يشوب بعضها الخلط، ويعوز بعضها الآخر الكثير من التخطيط الدقيق، ففي الأزهر مثلا، كنا -حتى في الستينيات من هذا القرن الميلادي- نتخصص مع بداية المرحلة الثانوية في أحد المذاهب الأربعة، حيث يقسم الطلاب على هذه المذاهب، فالبعض يدرس المذهب الحنفي، والبعض يدرس المذهب الشافعي والبعض يدرس المذهب المالكي، وهكذا كان الطلاب في هذه المرحلة من العمر، يتعلمون التعصب للمذاهب، والغوص في الخلافات والجزئيات والتفصيلات التي لا تجدى، وهم بعد لم يفهموا أصول ومقومات التصور الإسلامي العام!
إن أئمة المذاهب الأربعة لم يختلفوا على أصل من الأصول, ولا في أية مسألة ورد فيها نص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإنما اختلفوا في الجزئيات والتفصيلات التي لا يضر معه الخلاف، وحتى أبو حنيفة -وهو المشهور بالقياس- قد بنى مذهبه, كما يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين" على أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي"٢.
فمنهج التربية لا يجب أن يركز على الخلافات، ولا على التفصيلات التي لا قيمة لها، وخاصة في مراحل التعليم قبل الجامعي، وإنما يهتم بالأصول، وبالمجرى العام لمنهج الله في حكم الحياة، ويترك هذا الترف العقلي والعلمي، وهو الخوض في الجزئيات والثانويات والاختلاف حولها، لخاصة المتخصصين في هذا الميدان.
стр. 111
الحرية المسئولة أساس العلاقة بين الفرد والمجتمع ١:
الحرية هي الأساس الرابع الذي قام عليه بناء المجتمع الإسلامي، لقد فطر الله الإنسان على الحرية، فالحرية فطرة في الطبيعة الإنسانية، فالله -سبحانه- خلق الإنسان حرا؛ لأنه جعله مسئولا عن تنفيذ منهجه في الأرض، فالإنسان حر؛ لأنه مسئول، فالحرية تستتبع المسئولية، والمسئولية تستلزم الحرية، فنشاط الإنسان المسلم كله حر، وهو كله عبادة لله، ما دام الإنسان متجها بنشاطه نحو هذه الغاية.
ومعنى كون الحرية فطرة فطر الله الإنسان عليها، أنها ليست مجرد منحة يمنحها النظام الاجتماعي للإنسان، أو يمنعها عنه، وإنما هي قيمة غريزية غرزها الله في خلق الإنسان حين خلقه. ويعبر عن هذا المعنى قول عمر بن الخطاب ﵁: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! ".
فالحرية حاجة أساسية من حاجات النفس لا بد من إشباعها، وهي حق من حقوق الإنسان لا بد من ممارسته، فلا عجب -إذن- أن ينحرف سلوك الإنسان ويسوء عمله، وتهبط أخلاقه، ويتدهور حال مجتمعه كله، إذا حوصر ومنع من ممارسة حريته, أو إذا انفلت في ممارستها دون ضبط أو تنظيم وفق معايير المنهج الإلهي.
والإسلام يسير في هذا مع مقتضى فكرته عن فطرة الإنسان على الإيمان بالله وحده، فالإنسان غير المسلم الذي تصل إليه فكرة الإسلام واضحة جلية دون ضغوط أو حصار أو رفض قائم على مقدرات سابقة، لا بد أن يعود إلى فطرته السليمة التي فطر الله الناس عليها، لكن الإسلام يريده أن يعود إلى الله بإرادته الحرة الواعية. فهذا هو الطريق الوحيد الذي يستوجب المسئولية.
стр. 112
التغير الثقافي والحضاري ١:
تتكون الثقافة في التصور الإسلامي من شقين: شق معياري ويتمثل في شريعة الله ومنهجه لحكم الحياة، وشق تطبيقي، ويتمثل في التطبيق العملي الواقعي الصحيح للشق المعياري.
وعليه يمكن تعريف الثقافة بأنها الأسلوب الكلي لحياة الجماعة التي يتسق مع تصورها لحقائق الألوهية والكون والإنسان والحياة، وتتمثل مقومات الثقافة في شريعة الله الشاملة لأصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول المعرفة، وأصول الأخلاق والسلوك، وكل التشريعات والنظم والقوانين التي تخضع لها، وجميع أشكال التطبيق العملي الواقعي، وأنماط السلوك الفردي والجمعي التي تتسق معها نصا وروحا.
стр. 113
وعندما يكون الجانب التطبيقي في الثقافة الإسلامية ترجمة واقعية صحية للجانب المعياري فيها، مع استخدام كل معطيات الإنسان والزمان والمكان.. تكون الحضارة.
والتغير في الأنماط الثقافية والحضارية إنما يخضع لقاعدة ثابتة تمثلت في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وقوله -سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] .
فالآيتان السابقتان تدلان دلالة قاطعة على أن التغير الاجتماعي إنما يبدأ من الداخل، أي: من داخل النفس، وذلك بتغيير الأنماط العقائدية والمعيارية والقيمية والفكرية للإنسان، فإذا ما تغير ذلك، فإنه ينعكس على النظم والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية.. إلخ، وهذا ما عبر عنه الأستاذ حسن البنا في إيجاز بليغ، حين قال: "أقيموا الإسلام في أنفسكم يقم على أرضكم".
مفهوم الأمية:
تعرف الأمية بأنها عدم القراءة والكتابة، ويعرف الأمي بأنه من لا يقرأ ولا يكتب، وبأنه الشخص العيي، الجاف، الجاهل؛ وفي ذلك تضييق لمفهوم الأمية، بالإضافة إلى الخلط والتلبيس بين الأمية وبين الجهالة.
فالأمي نسبة إلى الأم، أو الأمة، وهو من ليس عنده نسبة أصلا، أما الجاهل، فهو من عنده نسبة خاطئة، ولذلك وصف القرآن الكريم الناس في عصر ما قبل الإسلام بأنهم "جاهلون" وعصرهم هو عصر "الجاهلية" وذلك لأنهم كانوا يعرفون الله، ولكن بطريقة خاطئة، فهم رغم إقرارهم بوجود الله إلا أنهم يعبدون الأصنام والأوثان: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] .
فالجهل إذن ضد العلم؛ لأن الجهل أن تدرك نسبة خاطئة، مجزوما بخطئها، ولا دليل على صحتها، ويكذبها الواقع. أما العلم فهو أن تدرك نسبة صحيحة، مجزوما بها، وعليها دليلها، ويصدقها الواقع١.
وعلاج الجاهل أقسى وأشق من علاج الأمي، لأن الأمي يحتاج إلى عملية واحدة وهي تزويده بالنسبة الصحيحة، أما الجاهل فهو يحتاج إلى عمليتين: انتزاع النسبة الخاطئة من نفسه، ثم تزويده بنسبة أخرى صحيحة.
стр. 114
وللأمية والجهالة مظهران في حياتنا:
١- مظهر في الأفراد ويتمثل في عدم قدرتهم على القراءة، والكتابة والحساب، وهو ما يسمى بالأمية الهجائية.
٢- مظهر في المجتمع ويتمثل في ضعف الفكرة، والمنهج، والتصور. وقد أدى هذا إلى ضعف الإنتاج، وسوء استخدام أدواته، والتمسك بالخرافات والأوهام، وسوء الإدارة والنظام، إلخ، وهذا ما يسمى بالأمية الوظيفية كما يتمثل في سوء التفكير، وانحراف القيم والمفاهيم، وسوء العلاقات الاجتماعية وتعقدها، وهذا هو المظهر الحضاري للأمية.
والحقيقة أن الأمية ظاهرة مركبة، ولا يمكن الفصل منهجيا بين مظاهرها الثلاثة السابقة، فالأمية الحضارية هي المناخ الاجتماعي لنمو وانتشار واستمرار الأمية الهجائية، والأمية الوظيفية.
إن الجهالة قرينة التخلف، فكلما كان المجتمع متخلفا، كانت الجهالة أحد تعبيراته الاجتماعية، فالمجتمع المتخلف لا يستشعر الحاجة إلى ترقية نمط حياته، بل إنه يقاوم عملية الترقي.
والمجتمع المتحضر الإسلامي لا يقبل الأمية والجهالة، وهو يستخدم التربية في القضاء على أي مظهر لهما، وخاصة بين الكبار، فالقرآن الكريم ينعى على البعض عدم استخدام الحواس والطاقات المدركة في التفكير والتدبر ويسميهم "الغافلون": ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
فالغافلون هنا لهم حواس وأجهزة سليمة من حيث تركيبها العضوي، وبالرغم من هذا فهم "غافلون" ومأواهم جهنم؛ لأن حواسهم لا تؤدي وظيفتها النفسية، وبذلك فهي لا تعين الإنسان على أداء وظيفته التي خلق من أجلها، وهي عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.
وهنا يأتي دور منهج التربية الإسلامية في تربية الحواس عن طريق التفكر والتدبر، وفي إيقاظ المجتمع وإثارة وعيه بضرورة الرقي، ومواجهة المتغيرات، وتوجيه النافع منها في عمارة الحياة عن طريق ترقية أنماط الاعتقاد والسلوك والعمل.
стр. 115
العولمة والكوكبة والقدرة على التكيف:
إن عملية التكيف مع بعض المتغيرات، وتكييفها وتوجيه بعضها الآخر، هي عملية حضارية لا بد أن تخضع للمعايير والقيم التي يؤمن بها المجتمع، كما تخضع للتقاليد القديمة العهد، والأعراف المجربة.
والمتأمل في مجتمعات الأمة الإسلامية هذه الأيام يرى أن المتغيرات الواقعة عليها أكبر من قدرتها على استيعابها، وهي بالتالي غير قادرة على القيام بعمليات التكيف والتنسيق للمتغيرات، فضلا عن تكييفها وتوجيهها، والسبب في ذلك هو غياب القواعد الحضارية، والأسس المعيارية للمجتمع المتحضر الإسلامي، والتي على أساسها يتم القبول، أو الرفض، أو التوجيه للمتغيرات.
إن التغير والتطور على طريقة ترقية الحياة الاجتماعية لن يحدث إلا إذا شعر أبناء المجتمع بالحاجة إليه، واستطاعوا أن يتصوروه في إطاره الأوسع وضمن تغيرات كثيرة، وتعرفوا على طبيعة التغير ومكان حدوثه, والفنون والمهارات التي يتطلبها، واستعدوا لذلك، رغبة في إحداثه وقيادته، والسيطرة على حركة عناصره المادية والمعنوية معا.
إن صراع الأجيال الذي بدأنا نعاني مشاكله سببه الأساسي أننا أصبحنا نجري وراء النظريات والأفكار الغربية التي تضع المجتمع كله على خط التغير السريع المتلاحق، فالناس يلهثون وراء المتغيرات، فلا يكادون يلحقون بها حتى تظهر لهم أخرى فيلهثون وراءها.. وهكذا لا يستقر لهم قرار، ويصبح ما كان مرغوبا بالأمس لا قيمة له اليوم، وما هو مجرب اليوم، يصبح بلا معنى غدا.. وهكذا نشأ ما يسمي بـ"صراع الأجيال".
لكن المجتمع المتحضر يربي الصغار والكبار على السواء, في ظل الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، والخبرات الإنسانية المتغيرة التي لا تخرج عن نطاق الثوابت في منهج الله، وبذلك ينشأ "اختلاف الأجيال" الناتج عن اختلاف مظاهر الحياة ومطالبها باختلاف الزمان والمكان. وهذا شيء طبعي.. محبوب ومرغوب.
стр. 116
واجب واجبات المناهج التربوية ١:
مما سبق يتضح أن على منهج التربية مراعاة ما يلي:
١- التأكيد على أن الحياة ليست إلها؛ وليست قوة مدبرة في ذاتها تنشأ وتنشئ وفق إرادتها المستقلة! وأنها ليست تلقائية وجدت مصادفة، وتمضي خبط عشواء؛ إنما هي خليقة أنشأها الله بقدر، وتمضي كذلك وفق قدر، وهي مودعة خصائصها الذاتية التي تفرقها عن الموات.
٢- التأكيد على أن الطبيعة ليست إلها، وليست هي التي خلقت الحياة، كما أنها ليست هي التي خلقت نفسها، إنما هو الله الذي خلقها، وجعلها مناسبة لظهور الحياة، وهيأ الأرض لهذا النوع من الحياة التي نشأ فيها، الأصل والقاعدة، وأودع في الأرض أقواتها وأرزاقها، وجعل الكون كله مسخرا ومساعدا.
٣- التأكيد على أن الحياة ناشئة بإرادة الله من أصل واحد هو الماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] .
٤- التأكيد على حقيقة أن الحياة مقدرة أقواتها في بنية الأرض، وفي نظام الكون. وهي حقيقة واقعة تكذب كل ادعاء آخر، وتسخر من نظريات المتشائمين والداعين إلى تحديد النسل.
٥- التأكيد على أن كل ما يدب على وجه الأرض من أحياء أمم ذات تنظيمات كأمة الإنسان، وعلى أن الله هو الذي أودع هذه الأمم فطرتها وضوابطها، وأن الإنسان هو قمة هذه المخلوقات، وأنها مسخرة له.
٦- التأكيد على أن الحياة كما أنها تقوم على قاعدة النشأة من الماء وعلى قاعدة الأمم المنظمة، فهي تقوم كذلك على قاعدة الزوجية، التي تشمل الأحياء والأشياء.. ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] .
٧- التأكيد على أن الأحياء مكفولون برزق الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] محاطون بعلم الله ورعايته: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] خاضعون لسلطان الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] .
٨- التأكيد على أن الأحياء كلهم في عبادة.. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] .
стр. 117
٩- التأكيد على أن هناك عوالم أخرى من الأحياء غير مرئية، وهي عوالم أخبرنا الله بوجودها وهي الملائكة والجن، ومن الجن الشياطين، وإبليس على رأس الشياطين، والإنسان يتعامل مع هذه المخلوقات ويتأثر بها في الدنيا والآخرة.
١٠- التأكيد على بيان مقومات النظام السياسي في التصور الإسلامي, مع الاهتمام بصفة خاصة بالشورى، والعدل وحرية الاختيار، وإصدار القرار.
١١- التأكيد على مقومات النظام الاقتصادي في التصور الإسلامي، مع الاهتمام بصفة خاصة بإيضاح أن المال مال الله والناس مستخلفون فيه، والملكية الخاصة، والميراث، والزكاة، والإنفاق في سبيل الله وحرمة الربا.
١٢- التأكيد على مقومات النظام الاجتماعي في التصور الإسلامي، مع إبراز أهمية العلاقات بين الفرد والمجتمع، والرجل والمرأة، وعلاقات العمل والإنتاج القائمة على التكامل والإحسان في العمل.
١٣- التأكيد على بيان مقومات النظام الثقافي والتربوي في التصور الإسلامي، ومقتضياتها في بناء النظم والمؤسسات الثقافية والتربوية في المجتمع.
١٤- التأكيد على الموجهات الإسلامية للفنون والآداب ومقتضياتها في الإنتاج والنشر للفنون والآداب والعلوم عموما.
١٥- التأكيد على القيم والمفاهيم الأساسية للإعلام والإعلان في التصور الإسلامي، ومتطلباتها في الإنتاج الإعلامي والإعلاني، في كل ما يذاع وينشر على الناس.
١٦- التأكيد على أهمية وحدة أبناء الأمة على أساس أنها ضرورة لنصرة دين الله, وإعلاء كلمة الحق ونصرة المقهورين والمستضعفين حيثما وجدوا.
١٧- التأكيد على أن الجهاد الذي يبدأ بالنفس وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضرورة من أهم ضرورات الحياة القويمة.
وبنهاية هذا الفصل نكون قد انتهينا من أسس المنهج الثلاثة وهي طبيعة المعرفة، والطبيعة الإنسانية، وطبيعة الحياة والمجتمع، وبينا طبيعة العلاقات والارتباطات بين كلياتها وجزئياتها. "انظر الشكل".
стр. 118
الفصل الخامس: أهداف المناهج
مدخل
...
الفصل الخامس: مكونات المنهج وأهدافه
في الفصول السابقة تم استعراض أسس مناهج التربية المتمثلة في طبيعة المعرفة، والطبيعة الإنسانية، وطبيعة المجتمع والحياة، كما استخلصنا المبادئ التي يجب أن تراعيها المناهج في بنائها وتنفيذها وتقويمها وتطويرها.
وفي الفصول التالية نقدم عناصر المنهج أو مكوناته وهي: الأهداف: والمحتوى: وطرائق وأساليب التدريس؛ وطرائق التقويم، لكننا في هذا الفصل الخامس نبدأ بالأهداف: فنحدد معنى الهدف، وأنواع الأهداف، ومعايير جودتها، ثم نعرض بعد ذلك الأهداف التي ينبغي أن تعمل مناهج التربية, بكل محتوياتها ومقرراتها وخبراتها على تحقيقها في المتعلمين, على اختلاف أنواعهم ومستوياتهم، حتى تقدرهم على المساهمة الفعالة في تحقيق مقتضيات الخلافة في الأرض وفق منهج الله.
أهمية تحديد الأهداف:
إن من أهم عوامل فشل المناهج التربوية في أي مكان هو عدم تحديد أهدافها تحديدا يتسق مع الإنسان من حيث مصدر خلقه، ومركزه في الكون، ووظيفته في الحياة، وغاية وجوده، إن هذه المناهج لا تجانب الطريق السليم في إعداد الإنسان فحسب، بل إنها تحدث الخلل والفساد في فطرته وإنسانيته، ومن ثم في عمارة الأرض.
الأهداف بين الثبات والتغير:
لا شك أن تعلم كل الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، يمثل أهدافا ثابتة لمنهج التربية، كما أن الدقة والمهارة في إجراء كل ما تقتضيه صور التطبيق الثقافي والحضاري في المجتمع يمثل أهدافا متغيرة لهذا المنهج.
وهناك من المفكرين الغربيين من لا يروق لهم القول بوجود أهداف ثابتة للمنهج "جون ديوي" على سبيل المثال, يؤكد بشكل قاطع أن "الفكرة القائلة بأن النمو والتقدم يرميان إلى هدف نهائي لا يتغير ولا يتبدل، هي: آخر أمراض العقل البشري في انتقاله من نظرة جامدة إلى نظرة مفعمة بالحركة والتغير"١.
ولكن هذا القول يجانبه الصواب. فالحقيقة التي يؤكدها واقع عالمنا المعاصر أن جعل الأهداف التربوية كلها متحركة ومتغيرة قد أطاح بكثير من القيم الخلقية
стр. 119
التي تتفق مع مقتضيات الفطرة الإنسانية ومتطلباتها، والنتيجة هي أن الحياة الإنسانية في عالمنا المعاصر قد أصبحت كقشة معلقة في الهواء تسيرها أهواء التغير كيف شاءت، وحياة كتلك لا يطمئن لها الإنسان، ولا يستمر فيها ولا يعمرها.
تعريف الأهداف وأنواعها:
الهدف التربوي هو وصف للسلوك المتوقع من المتعلم نتيجة لاحتكاكه بمواقف التعلم.
وللأهداف التربوية تقسيمات من حيث الشكل، ومن حيث المضمون، أما من حيث الشكل فهي تنقسم إلى أهداف عامة، وأهداف خاصة، فالهدف العام هو وصف للتغير السلوكي المتوقع من المتعلم, نتيجة لاحتكاكه وتفاعله مع مضمونات وخبرات منهجية واسعة ومتنوعة، فمن أهدف الأهداف العامة لمنهج التربية مثلا: "إعداد الإنسان الصالح القادر على المساهمة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله". إن هذا هدف عام يمكن تحقيقه من خلال كل المناهج والدراسات الإسلامية، وقولنا: إن الهدف من تعليم اللغة العربية هو "إكساب المتعلم القدرة على التعبير الواضح الجميل كلاما وكتابة" أو "تربية الملكة اللسانية لدى المتعلم" هذا هدف عام أيضا, ويمكن تحقيقه من خلال دراسة مناهج اللغة العربية المختلفة.
وهكذا، فإن الأهداف العامة إنما توضع للمناهج والبرامج والكتب الدراسية المختلفة، حيث تسهم المحتويات المختلفة والمتنوعة في تحقيقها، وهذه الأهداف يجب أن تكون في كل الأحوال واضحة ومحددة. "انظر الشكل المرفق".
أما الأهداف الخاصة فهي تلك التي تصاغ في بداية وحدة دراسية أو في بداية درس معين أو موضوع من الموضوعات، وهذا النوع من الأهداف هو الذي يمكن وصفه بأنه "هدف إجرائي" ومن أهم صفات الهدف أنه يمكن ملاحظته، ويمكن قياسه.
وهذا النوع من الأهداف يصاغ عادة وفقا للمعادلة التالية: أن + فعل سلوكي + المتعلم + مصطلح من المادة + الحد الأدنى للأداء، ومثال ذلك قولك: "أن يقرأ التلميذ الفقرة الأولى من الدرس قراءة جهرية بما لا يتجاوز ثلاثة أخطاء نحوية". وقولك: "أن يحفظ التلميذ الربع الأول من سورة البقرة بما لا يتعدى ثلاثة أخطاء من أي نوع", وهكذا نرى أن هذا النوع من الأهداف لا يصاغ إلا لدرس معين أو لوحدة دراسية خاصة.
стр. 120
أما تقسيم الأهداف من حيث المضمون، فلقد صنف "بنجامين بلوم" هذا النوع من الأهداف إلى ثلاثة أنواع، هي:
١- الأهداف المعرفية: وتركز على الجانب السلوكي العقلي، ولها ستة مستويات يمكن وضعها على النحو التالي:
فمستويات الجانب المعرفة هي: التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب -ويسمى أحيانا بالقياس- التقويم، وهو أعلى مستويات المجال المعرفي، والمستويات الثلاثة الأولى هي المستويات الدنيا، أما المستويات الثلاثة الأخيرة فهي المستويات العليا، لأهداف الجانب المعرفي، وكل مستوى من هذه المستويات يعتمد على المستوى الأقل منه وليس العكس، فالفهم يعتمد على التذكر، والتطبيق يعتمد على الفهم والتذكر وهكذا.
٢- أهداف الجانب الوجداني: وهذه تتعلق بالجانب العقيدي والشعوري، كالإيمان بالله ورسوله، والإيمان بأهمية تنفيذ منهج الله في الحياة، والاقتناع بالحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، وكل مشاعر الحب والتقدير والميول والاتجاهات، والتذوق الأدبي والجمالي.. إلخ.
ويشيع هذا النوع من الأهداف الوجدانية عموما في دراسة القرآن والسنة، وعلوم التشريع، وعلوم الآداب والفنون والإنسانيات عموما.
٣- الأهداف الحركية: وتتعلق بكل أنواع السلوك الحركي والمهاري ابتداء من البسيط غير الإرادي كسماع صوت، أو طرفة عين، إلى المهارة الحركية مثل الاستماع، والكلام، والقراءة، والكتابة، إلى قيادة السيارات والطائرات والأقمار الصناعية.
وتشيع هذه الأهداف بصفة عامة في كل التطبيقات العلمية للفكر الإنساني، وتشيع بصفة خاصة في مناهج التربية الرياضية، والاقتصاد المنزلي، وتعليم اللغات، والمواد المهنية عموما كمناهج علوم الصناعة والزراعة والتجارب، والتدريب المهني.. إلخ.
стр. 121
معايير جودة الأهداف
أولا: الوضوح
...
معايير الأهداف:
وسواء كانت عامة أو خاصة فإنها يجب أن تتوافر فيها المعايير التالية:
أولا: الوضوح
يجب أن تكون الأهداف العامة والخاصة للمنهج محددة تحديدا واضحا؛ بحيث لا يكون هناك اختلاف في تفسيرها؛ ومن ثم في اختيار الخبرات أو المحتويات التي تتحقق من خلالها١.
إن منهج التربية الجيد -كما سبق أن قلنا- لا يعترف بالمعرفة الذهنية، بل يعتبرها معرفة ميتة لا قيمة لها إلا إذا ترجمت إلى سلوك عملي وإيجابي فاعل في واقع الأرض، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت أهداف المنهج واضحة ومحددة.
والهدف الخاص يكون واضحا ومحددا إذا توفرت فيه الشروط التالية:
١- أن يمكن ملاحظة الهدف التدريسي الخاص في أثناء تحقيقه وفي نتائجه وبذلك يمكن تعديل وتطوير العملية التربوية.
٢- أن يمكن قياس الهدف التدريسي؛ لأن ذلك يساعد على قياس مدى تحقيقه، أو مدى تعلم التلميذ وتعديل سلوكه.
٣- أن يتضمن الهدف التدريسي الخاص ما يعرف بالحد الأدنى للأداء، حيث إن ذلك يساعد في قياس مدى تعلم التلميذ ومدى تحقق الهدف فيه.
стр. 122
ثانيا: الشمول
إن الدين في المفهوم الإسلامي -كما سبق أن قلنا- هو النظام العام أو المنهج الذي يحكم الحياة، فلا يوجد عمل، أو فكر، أو سلوك؛ ولا توجد صغيرة، ولا كبيرة في هذا الكون، وفي هذه الحياة إلا وتخضع للأصول، أو الروح المنظمة للكليات والجزئيات في هذا النظام أو المنهج.
والأهداف التربوية "كلها" والتي تكون جزئية في النظام أو المنهج هي أهداف دينية، فتدريب التلميذ على تلاوة آية من القرآن أو حفظها، أو فهمها هو هدف ديني، وقراءة المتعلم لحديث من أحاديث الرسول الله ﷺ وفهمه هو هدف ديني، وتدريب التلميذ على حل مسألة حسابية هو هدف ديني، وإعانة المتعلم على فهم معادلة رياضية أو إجراء عملية هو هدف ديني، ومساعدة المتعلم في عمل تدريبات في الرياضة البدنية، أو في إتقان مهارة رياضية هي هدف ديني، وتدريب التلاميذ على القراءة الصامتة مع السرعة، أو على القراءة الجهرية مع الطلاقة هو هدف ديني ... وهكذا.
إنه -باختصار- لا يوجد في منهج التربية هدف ديني، وهدف غير ديني، إنه ليحلو للكثيرين في مدارسنا أن يقسموا الأهداف إلى أهداف دينية، وهي تلك التي تتصل بالقرآن والحديث والسيرة والنبوية وأمثال ذلك. وإلى أهداف أخرى، وهي تلك التي تتصل بأهداف تعليم كل المواد الأخرى كاللغات، والمواد الاجتماعية، والعلوم والرياضيات.. إلى آخره، إن هذه النظرية لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة, ولا علاقة لها به, لأنها ببساطة تفصل بين الدين والدنيا, وهذا ليس من الإسلام في شيء. ذلك لأن نشاط الإنسان كله عبادة الله، ما دام متجها به إلى الله.
إن مفهوم العبادة كما سبق أن ذكرنا، مفهوم شامل، فكل عمل أو فكر أو سلوك يقوم به الإنسان في ليل أو نهار، يبتغي به وجه الله، فهو عبادة لله، فالعبادة في الإسلام تشمل الشعائر والشرائع معا. أي: إنها تشمل ما درج الفقهاء على تسميته -عادة- بالعبادات والمعاملات. إن العبادة في الإسلام تشمل كل فكر وسلوك الإنسان لأن الإسلام وحدة لا تتجزأ.
وعلى هذا، فكل هدف يقصد من ورائه تدريب التلميذ على تعلم شعيرة أو تشريع، أو مهارة، أو فكرة، أو اتجاه، فهو هدف ديني، ما دام القصد هو إقدار المتعلم على المساهمة في عمارة الأرض وترقيتها بإيجابية وفاعلية وفق منهج الله.
إن تقسيمنا للأهداف إلى أهداف دينية، وأهداف أخرى غير دينية، ما هو إلا أثر من آثار اتباعنا لمناهج الغرب التي تفصل بين الدين والدنيا، وبالتالي بين تعليم الأمور الخاصة بالعلوم الشرعية، والأمور التي تتصل بالعلوم الكونية, وهذا التقسيم لا يتفق مع الإسلام جملة وتفصيلا.
وإذا كان الشمول يعني كل جوانب النشاط الإنساني، المعرفي والوجداني والحركي، فإنه يشمل أيضا كل جوانب النفس الإنسانية: العقلية، والوجدانية، والجسمية.
стр. 123
ثالثا: التكامل
إن تكامل أهداف منهج التربية، يعتمد على أساسين هما:
١- تكامل جوانب النفس الإنسانية، فالأهداف يجب ألا تركز على العقل دون الجسم أو الشعور والوجدان أو العكس، فإن ذلك يحدث الخلل وعدم التوازن في النفس.
٢- تكامل جوانب المعرفة الإنسانية، وهذا يتطلب أن تكون أهداف منهج التربية مشتملة على الجانب المعرفي في الخبرة الإنسانية، وعلى الجانب الوجداني، وعلى الجانب الحركي. إن إغفال أي جانب من هذه الجوانب في أهداف المنهج يؤدي إلى إغفال المحتوى، والخبرات الخاصة به، وهذا يؤدي بدوره إلى تركيز المنهج على جانب من جوانب الطبيعة الإنسانية وإغفال جانب آخر، أو الجانبين الآخرين، مما يؤدي إلى الخلل وعدم التوازن في طبيعة الفرد، وهو الأمر الذي يؤدي إلى عدم قدرة الإنسان على المساهمة الفعالة في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله، وهو الهدف الأسمى في هذا المنهج.
وتكامل الأهداف في منهج التربية لا يقف عند حد تكامل الجوانب الثلاثة السابقة للمعرفة الإنسانية، وهي الجانب المعرفي، والجانب الوجداني، والجانب الحركي، إنه لا بد من تكامل المستويات المتضمنة داخل كل جانب من هذه الجوانب، فالتركيز في الجانب المعرفي ليس منصبا على مستوى التذكر، أو الفهم، أو التطبيق، أو التحليل، أو التركيز، أو التقويم وحده؛ بل هو منصب على جميع المستويات، بحيث تتكامل فيما بينها، والتركيز على الجانب الحركي ليس منصبا على التدريب على المهارة البسيطة وحدها، ولا على المهارة المركبة وحدها، ولا على مهارة التناول، بل هو منصب على جميع هذه المهارت التي تكون الجانب الحركي في المعرفة الإنسانية بطريقة متكاملة.
стр. 124
أهداف منهج التربية
إدراك مفهوم "الدين" ومفهوم "العبادة" والعمل بمقتضاهما
...
أهداف مناهج التربية:
سبق أن قلنا إن مناهج التربية التي لا تدرك الغاية من وجود الإنسان، لا تستطيع أن تسهم في إعداده لوظيفته, وتحقيق غاية وجوده، وهذا يعني أن هذه المناهج تكون ضالعة في إحداق الخلل في فطرة الإنسان، ومن ثم في عمارة الأرض.
إن الهدف الشامل لمنهج التربية في التصور الإسلامي هي: إيصال الإنسان المسلم إلى درجة كماله التي هيأه الله لها، حتى يكون قادرا على القيام بحق الخلافة في الأرض عن طريق الإسهام بإيجابية وفاعلية في عمارتها وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.
ولكي يكون الإنسان قادر على القيام بهذا الدور فلا بد أن تتحقق فيه -هو بذاته- مجموعة كبيرة من الأهداف أهمها ما يلي:
١- إدراك مفهوم "الدين" ومفهوم "العبادة" والعمل بمقتضاهما:
لا بد أن يدرك الطلاب أن "الدين" هو المنهج أو النظام الذي يحكم الحياة. وأن كل "دين" هو تصور اعتقادي ينبثق منه نظام اجتماعي، وبما أن كل "دين" هو منهج حياة، فإن كل منهج للحياة هو "دين"؛ فدين الجماعة من البشر هو المنهج الذي يصرف حياة هذه الجماعة، فإذا كان من صنع الله، فهذه الجماعة في "دين الله"، وإن كان من صنع غير الله فهذه الجماعة في دين غير الله.
ولا بد أن يدركوا أيضا أن "العبادة" ليست مقصورة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج.. إلخ, بل إن العبادة هي العبودية لله وحده، والتلقي من الله وحده في كل أمور الدنيا والآخرة، إنها الصلة الدائمة لله في كل قول أو عمل أو شعور، فالإنسان عابد لله حيثما توجه إلى الله، ومن ثم تشمل "العبادة" الحياة، ويصبح الإنسان عابدا في كل حين.
стр. 125
٢- ترسيخ عقيدة الإيمان بالله والأخوة في الله:
الهدف الأساسي هو الإيمان بالله والأخوة في الله، وهذا الهدف يشتمل على ركيزتين تقوم عليهما الأمة الإسلامية، وتتحقق بهما وسطيتها وشهادتها على الناس.
الركيزة الأولى: هي الإيمان بالله وتقواه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . وإذا كان المعنى المحدد للتقوى هو فعل ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه، فإن معناها بلا تحديد كما ورد هنا في الآية "يدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق وجدت له أشواق، وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مكان أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما اتقى، وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ به قلبه فلا ينام"١.
وعلى أساس هذه الركيزة توجد الجماعة الإسلامية لتؤدي دورها الراشد في قيادة البشرية، وبدون هذه الركيزة لا يكون هناك منهج لله تجتمع عليه أمة، بل فلسفات ومناهج لا تؤدي إلا إلى الهبوط والخراب.
الركيزة الثانية: هي ركيزة الأخوة: والأخوة في الله، ولتحقيق منهج الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، فهي أخوة إذن تنبثق من الإيمان بالله وتقواه.. من الركيزة الأولى التي أساسها الاعتصام بحبل الله -أي: عهده ومنهجه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! فهي أخوة تجمع القلوب في الله، وتصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية، يهودية كانت أو صليبية أو شيوعية.. أخوة يتجمع الصف فيها تحت لواء الله الكبير المتعال.
стр. 126
٣- تحقيق الإيمان والفهم لحقيقة الألوهية:
إن تعميق الإيمان بالله في نفوس الأجيال يتوقف -بلا شك- على فهمهم لحقيقة الألوهية، وبالرغم من أن الحقيقة الإلهية الكلية المطلقة أكبر من مجال إدراك الكينونة البشرية الجزئية المحدودة الحادثة الفانية، لكن حسب الإنسان منها ما يصلح به تصوره، وما يستقيم به فكره، وما يصلح به ضميره، وما تنتظم به حياته، وما يعرف به حقيقة مركزه، ودائرة سلطانه، ومقتضيات عبوديته لهذه الألوهية١.
إن منهج التربية يربي "الإنسان".. "والإنسان لا يملك أن يكون شيئا في واقع هذه الأرض، ولا يملك أن يكون شيئا في حساب هذا الوجود.. سواء في عالم الغيب أو في عالم الشهادة.. ولا يستطيع أن يكون قوة فاعلة، وأن يكون له دور إيجابي، وأن يحقق غاية وجوده الإنساني -كما أرادها الله- إلا أن يمتلئ حسه وضميره، وقلبه وعقله، وكينونته كلها بحقيقة الألوهية، وما لم يدرك على وجه اليقين الواضح، والجزم الحاسم، ما تتطلبه منه علاقته بهذه الحقيقة فإنه لن يقوى على الكفاح والصمود، والمضي قدما في الطريق الكئود، لإنشاء الواقع الجديد، ويشهد في نفسه وفي غير ميلاد الإنسان الجديد.
"إنه مطلوب منه أن يغير وجه العالم، وأن يقيم عالما آخر، يقر فيه سلطان الله وحده، ويبطل سلطان الطواغيت، عالما يعبد فيه الله وحده -بمعنى العبادة الشامل-
стр. 127
ولا يعبد معه أحد من العبيد، عالما يخرج فيه الناس.. من شاء الله منهم.. من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده -كما قال ربعي بن عامر، رسول قائد المسلمين، لرستم قائد الفرس الشهير- ومطلوب منه أن يقف في وجه الباطل والظلم والفساد، وأن يغير تصورات وأوضاعا، وقيما وموازين، وشرائع وقوانين، وأن يتعرض للغربة والوحشة، والأذى والابتلاء.. وهو لا يوجه هذا كله إلا إذا امتلأ كيانه كله بحقيقة الألوهية، بحيث ترجح في حسه كل شيء، وإلا إذا امتلأت نفسه "بوجود" الله سبحانه و"حضوره" في حسه وضميره، وقلبه وعقله، وفي كيانه كله، وحياته كلها"١.
إن مناهج التربية عموما ومناهج العلوم الشرعية على وجه الخصوص يجب أن تعتمد على المنهج القرآن في توضيح هذه الحقيقة للأجيال الناشئة: "إن المنهج القرآني يجلي هذه الحقيقة بآثارها الفاعلة في هذا الوجود.. في الخلق والتدبير، في تصريف هذا الكون وما فيه ومن فيه, في تسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم, في إيلاج الليل وفي النهار, وإيلاج النهار في الليل, في إرسال الرياح لواقح، وإنزال الماء من السماء، في انبثاق الحياة من الموت, وانبثاق الصبح من الظلام, في إخراج الحي من الميت, وإخراج الميت من الحي، في بدء الخلق وإعادته، في القبض والبسط، في البعث والنشور, في النعمة والنقمة, في الجزاء والحساب, في النعم والثواب, في كل حركة وكل انبثاقة, وكل تغير وكل تحور في عالم الغيب أو في عالم الشهادة, في هذا الوجود الكبير, ونادرا ما يتحدث المنهج القرآني عن الذات الإلهية والصفات في الصورة التجريدية التي تتحدث بها الفلسفة واللاهوت وعلم الكلام"٢.
إن غياب التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة -عموما- في مناهج التربية وعدم فهم حقيقة الألوهية، وعدم التفريق بينها وبين حقيقة العبودية، قد أحدث كثير من الجهالات والانحرافات جهالات وانحرفات في العقيدة، وجهالات وانحرافات في الفكر والشعور، وجهالات وانحرافات في القول والعمل والسلوك، وجهالات وانحرافات في الثقافة، والفن، والأدب، والتربية!
إن غياب التصور الإسلامي، في تربية الإنسان، وعدم فهم حقيقة الألوهية والتفريق بينها وبين حقيقة العبودية، قد جعل كثيرا من الفنانين والأدباء يشعرون أنهم فلتة ضائعة في الكون الوسيع، وفي الحياة المجهولة والمصدر والمصير!
فها هو ذا إيليا أبو ماضي يقول:
جئت لا أعلم من أين أتيت ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
وعلى هذا النمط الضائع المضيع.. سار كثير من الشعراء والأدباء والفنانين والعلماء والمثقفين والمربين!
стр. 128
٤- إدراك حقيقة الكون غيبه وشهوده:
الهدف الرابع لمنهج التربية عموما، ولمنهج العلوم الشرعية بصفة خاصة هو أن تدرك الأجيال الناشئة حقيقة الكون الذي يعيشون فيه، وحقيقة مركز كل منهم فيه كإنسان، وأن يدركوا -أيضا- طبيعة العلاقة بينهم وبين مفردات هذا الكون غيبه وشهوده.
وإذا كان الحق -سبحانه- قد تكفل للإنسان ببيان أصول عقيدته، ونظام حياته؛ لأن علم الإنسان المحدود لا يكفي في هذا المجال الأساسي الذي تقوم عليه حياته، فإنه -سبحانه- قد ترك للعقل والإدراك البشري والضمير الإنساني أن يبحث وأن ينقب عن سنن الكون، وقوانينه، وأن يعرف منها ما هو مقدر له أن يعرف، لينتفع به في تنمية الحياة وترقيتها، لقد ترك الله للإدراك البشري معرفة الحقائق العلمية عن طريق الكد والكدح، والبحث والتجربة، والمحاولة والخطأ، ولم يتكفل -سبحانه- ببيان تفصيلاتها له، لأنها داخلة في طوقه بالقدر الذي يلزم له في أداء وظيفته الأساسية وهي الخلافة في الأرض.
وهذا يعني أننا لا يجب أن نسارع إلى تعليق مدلولات النصوص القرآنية بما وصل إليه علم البشر، وأو ما سيصل إليه علمهم في المستقبل. إن أقصى ما يمكن أن نتوقعه من علم البشر أن يصلوا إلى بعض الحقائق التي تتفق مع الحقائق النهائية المطلقة التي حدث بها خالق الكون العليم الخبير١.
أما شق الكون الآخر، فهو الكون المغيب، ومنه الروح، والملائكة، والجن والشياطين وإبليس، والجنة والنار، الملأ الأعلى.. إلخ، فهذا الجانب من الكون قد استأثر الله بعلمه، ويجب على المناهج التربوية وعلى الدارسين والباحثين عدم الخوض فيه. وقد وصف الله بعض مظاهر هذا الكون بالقدر الذي يمكن الإنسان من التعامل معه, والتفكير فيه والقرب منه أو الابتعاد عنه.
"إن عنصر الجمال مقصودا قصدا في بناء الكون، وفي ظواهره، وفي الحياة المبثوثة فيه، وإيقاظ حاسة الجمال في البشر مقصود كذلك قصدا في المنهج القرآني،
стр. 129
وفي التربية بهذا المنهج.. فالله جعل الجمال عنصرا من عناصر بناء الكون والحياة، والكمال في صنعته الباهرة يحقق هذا الجمال"١.
والمنهج القرآني يوجه أنظار البشر إلى "المنفعة" الحاصلة لهم من هذا الخلق الجميل للكون، وإلى دلالة هذا الخلق على خالقه.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] .
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٧-٤٩] .
ويوجه الأذهان إلى تنوع الألوان، وجمال هذا التنوع، وتوزعه بين الجوامد والأحياء سواء:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] .
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] .
هذا هو الكون الذي خلقه الله لنتعرف عليه، ونتلطف معه، لا لنتصارع معه. فالسلام مع الكون مسألة ذات قيمة شعورية في حياة الإنسان الواقعية، فذلك يجعل الإنسان يمضي مطمئنا في هذا الكون لكشف سنن الله فيه، وجعلها كلها للخير.
إن هذا الهدف يجب أن يوجه مناهج التربية عامة ومناهج علوم الشريعة خاصة إلى نوعية النصوص التي تقرر وتدرس في كل مرحلة وفي كل عمر، وإلى
стр. 130
نوعية الخبرات المرتبطة بها في واقع الحياة, وهذا بالإضافة إلى أنه يوجه الناشئة إلى كيفية التعامل مع مفردات الكون، بمعرفتهم لطبيعته، وفهمهم لعلاقتهم به ودورهم فيه.
إن مناهج التربية التي لا تأخذ في اعتبارها تحقيق هذا الهدف في الناشئة سوف تخرج أجيالا يرددون بلا وعي ما قاله الخيام:
لبست ثوب العيش لم استشر ... وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضوه برغمي ولم ... أدرك لماذا جئت أين المفر!
أفنيت عمري في اكتناه القضاء ... وكشف ما يحجبه في الخفاء
فلم أجد أسراره وانقضى عمري ... وأحسست دبيب الفناء
أفق وصب الخمر أنعم بها ... واكشف خبايا النفس من حجبها
ورو أوصالي بها قبلما ... يصاغ دن الخمر من تربها
سأنتحي الموت حثيث الورود ... وينمحي اسمي من سجل الوجود
هات اسقنيها يا منى خاطري ... فغاية الأيام طول الهجود
"لقد تصور الكون مغلقا لا ينفذ العلم البشري إلى سطر واحد من سطوره، وغيبا مجهولا يقف الإنسان أمام بابه الموصد يدقه بلا جدوى، وفي هذا التيه لا يعلم الإنسان من أين جاء، ولماذا جاء؟ ولا يدري أين يذهب، ولا يستشار في الذهاب! "١.
كما يرى أن هذه الحياة المجهولة المصدر والمصير، في هذا العماء الذي يعيش فيه الإنسان, لا يستحق أن يحفل بها الإنسان أو يكدح من أجلها.. وإذن فلا ضرورة للوعي الذي لا يؤدي إلى شيء!
فهل يقبل المربون والمنهجون عندنا أن يتخرج على أيديهم أجيال بهذه الرؤية وبهذا التصور؟!
стр. 131
٥- فهم حقيقة الحياة الدنيا والآخرة:
لا بد أن تعمل التربية على تفهم الأجيال الناشئة حقيقة الحياة: غيبها وشهودها، دنياها وأخرها.
ولا بد أن يفهموا أن "الحياة ليست إلها! ليست قوة مدبرة في ذاتها تنشأ وتنشئ وفق إرادتها المستقلة، كذلك هي ليست تلقائية، وجدت مصادفة وتمضي خبط عشواء!
إنما هي خليقة أنشأها الله -سبحانه- بقدر، وتمضي كذلك وفق قدر، وهي مودعة خصائصها الذاتية التي تفرقها من الموت، أعطاها هذه الخصائص الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، والذي يتوفى الأنفس حين موتها، والذي خلق الموت والحياة، والذي يبدأ الخلق ثم يعيده١.
كذلك لا بد أن تفهم الأجيال أن "الطبيعة ليست إلها، ليست هي التي خلقت نفسها, وليست هي التي خلقت الحياة، إنما الله -سبحانه- هو الذي خلق الطبيعة, وجعلها مناسبة لظهور الحياة، وهيأ الأرض لنوع الحياة الذي نشأ فيها، وجعل التناسق بين الطبيعة والحياة، وبين الأحياء بعضها وبعض، هو الأصل والقاعدة.
كذلك لا بد أن تفهم الناشئة أنه كما أن الحياة حادثة وصادرة عن إرادة الله وحده وبقدره، فهي ناشئة -بتلك الإرادة وهذا القدر- من أصل واحد وهو الماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] . أما كيف تسلسلت الحياة، وهل تطورت عبر الزمان أم نشأت واحدة هكذا أنواعا، فهذا مما لم يتعرض له القرآن.. ومجال الدراسة فيه مفتوح.
على أن ذلك لا يجب أن يختلط بنشأة الإنسان الصريحة القاطعة. فالنصوص القرآنية ترينا كيف خلق الله الإنسان، وإن كانت لم تدلنا متى كان ذلك. فخلق الله للإنسان صريح في قوله -سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] .
وكما تقوم الحياة على قاعدة النشأة من الماء، وكذلك تقوم على قاعدة "الزوجية" التي لا تشمل الأحياء فقط، ولكنها كذلك تشمل الأشياء ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] . وتقدير الزوجية هذا، واشتمال الحياة على الضمانات التي تجددها وتكثرها عن طريق هذه الزوجية، وتوافر الجنسين في كل نوع بالنسبة الكافية للبقاء والتكاثر دليل على القصد والتدبير، يكرر القرآن ذكره، وهو دليل لا يواجهه المنكرون إلا بالإنكار أو الهروب في كل حال.
"وهذه الحياة مقدرة أقواتها في بنية الأرض، وفي نظام الكون.. وهي حقيقة واقعة تكذب كل ادعاء آخر، وتسخر من نظريات المتشائمين والداعين إلى تحديد
стр. 132
النسل "نظرية مالتوس".. فهناك موافقات في كيان الحياة ذاته، وفي الظروف المحيطة بها، تجعل حقيقة تقدير الأقوات أوسع من مادة الأقوات ذاتها.. وتمد محيطها إلى ما في بنية الكون من طاقات ومدخرات، وما في تكامل الأحياء من عمليات تعويض، وما في ضوابط الحياة من ضمانات للتناسق بين بعض الأحياء وبعض، وبين الأحياء جميعا والأقوات المدخرة"١.
وكما تقوم الحياة على قاعدة النشأة من "الماء" وعلى قاعدة "الزوجية" كذلك تقوم على قاعدة "الأمة المنظمة" فكل ما يدب على الأرض من أحياء أمم ذات تنظيمات كأمة الإنسان، فهي كلها من أصل واحد، وهي كلها تخضع للخالق العظيم الذي أودع هذه الأمم فطرتها وضوابطها، والإنسان هو قمة هذه المخلوقات، وهي كلها مسخرة له.. "لكنه إنما يرتفع إلى مقامه هذا باحتفاظه بسبب امتيازه، وهو اتصال روحه بمصدر امتيازه، فإذا فارق هذا المقام صار أضل من الحيوان"!
والأحياء مكفولون برزق الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، محاطون بعلم الله ورعايته: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] ، وخاضعون لسلطان الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] .
والأحياء كلها في عبادة الله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] .
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] .
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
"هناك عوالم أخرى من الأحياء -غير دواب الأرض التي تشمل الإنسان- وهي عوالم أخبرنا الله بوجودها. وليس لنا من مصدر آخر للعلم بها إلا ما أخبر الله عنها، هي الملائكة والجن، ومن الجن الشياطين، وإبليس على رأس الشياطين! والإنسان يتعامل مع هذين الخلقين، ويتأثر بهما في الدنيا والآخرة"٢.
هذه هي حقيقة الحياة التي يتعامل معها "الإنسان" خليفة الله فيها، ومهمة مناهج التربية هي ترسيخ هذه الحقيقة في عقول وقلوب الناشئة، حتى يفهموا أن مهمتهم في الحياة -كخلفاء الله في الأرض- هي إعمارها وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.. وأن وسيلتهم في ذلك بمعايير العلم، والعدل، والحرية والشورى والإحسان في العمل.
стр. 133
٦- تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس:
إن مناهج التربية عموما، ومناهج العلوم الشرعية فيها على وجه الخصوص، تستطيع -بعد تحقيق أهداف الإيمان بالله والأخوة في الله، وفهم حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وعن طريقها- إيصال المربي إلى درجة كماله التي تقدره على المساهمة بإيجابية وفاعلية في تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
والأمة الوسط، هي الأمة الأعلى والأشرف بين الأمم، لأنها تقوم على طريق الحق والعدل، ولها صفة "الوسط"؛ لأن لها صفة "الرئاسة" بين شعوب العالم، وعلاقتها مع الجميع علاقة حق وصدق بدرجة واحدة، وليس بينها وبين غيرها صلة تخالف الحق والصدق والشرعية١.
فأمة الإسلام "أمة وسطا". لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي.. تعمل لترقية الحياة ورفعتها.
"أمة وسطا".. في التفكير والشعور.. لا تجمد على ما عملت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة.. ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تتمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها، في تثبت ويقين.
"أمة وسطا".. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة.
"أمة وسطا".. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها.
"أمة وسطا".. في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتستمر به في طريق النماء والرقي٢.
إن ما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، هو أنها قد تخلت في كثير من أمور حياتها عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها.
والآن كيف نربي المسلم المعاصر كي يسهم في تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس، وهو مقتضى من أهم مقتضيات الخلافة في الأرض؟
стр. 134
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] . من الضروري أن يكون من أهداف مناهج التربية بناء الإنسان المؤمن بالله، والتابع لرسوله، الشاهد على ذلك، والشهيد في سبيل ذلك، لا بد من تربية الإنسان على أنه مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين، شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء، لخير الجماعة ولخير البشرية كلها.
وهو لا يستطيع أن يؤدي هذه الشهادة إلا إذا جعل من نفسه ومن خلقه، ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين. صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود، وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع ومؤسسات.
لابد من تربية الإنسان الذي يفهم أنه لا يستطيع أن يؤدي هذه "الشهادة" حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته، ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه، وأن يجاهد في سبيل ذلك، ويؤثر الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية.. إن هذا الإيثار، وهذا الجهاد في سبيل منهج الدين هو شهادة من المسلم بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها، وأنه أعز ما يحرص عليه في حياته، ومن ثم يدعى "شهيدا" إذا عاش مجاهدا في سبيل تحقيق ذلك، أو مات مجاهدا في سبيل تحقيقه سواء.
стр. 135
٧- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الهدف الثامن: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الهدف هو "صفة" أمة الإسلام، وهو في ذات الوقت "وظيفة" هذه الأمة وسبيلها إلى تحقيق الأهداف السابقة.
فالله يصف الأمة المسلمة لنفسها، ليعرفها مكانها وحقيقتها، ويطمئنها من جانب عدوها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠، ١١١] .
يقول بعض المفسرين: "إن التعبير بكلمة "أخرجت" المبني لغير الفاعل، تعبير يلفت النظر، وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة، تخرج هذه الأمة إخراجا، وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب.. إلى مسرح الوجود"١.
стр. 136
وإذا كان الله يكرم هذه الأمة, ويرفع مقامها ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه أمة أخرى، فهو يضع على كاهلها واجبا ثقيلا، فهي أمة ذات دور خاص، ولها حساب خاص.
"في أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد.. وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي أمة أخرجت للناس.. "لتقوم بهذا" العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ١.
وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو "صفة" الأمة الإسلامية -كما سبق أن رأينا- فهو أيضا وظيفتها التي عن طريقها تقيم منهج الله في الأرض وتغلب الحق على الباطل، والمعروف على المنكر، والخير على الشر.. هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه، ووفق منهجه.. هذه الوظيفة يقررها الله في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة، هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك "دعوة" إلى الخير، ولكن هناك كذلك "أمر" بالمعروف. وهناك "نهي" عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم "بالدعوة" غير ذي سلطان، فإن "الأمر والنهي" لا يقوم بهما إلا ذو سلطان٢.
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين: الإيمان بالله، والأخوة في الله، لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى، ثم بقوة الحب والألفة. وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة، وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح، فقال عن الذين ينهضون به: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
стр. 137
٨- استعادة تميز الأمة:
الهدف التاسع: هو استعادة تميز الأمة. إن الإنسان المعاصر إذا أراد أن يعيش كريما، معززا على هذه الأرض، فلا بد له من أن يعمل على استعادة تميز هذه الأمة في عقيدتها، وفي منهجها، وفي اتجاهها.
إن هذه العقيدة منهج حياة كامل، وهذا المنهج الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة، الشهيدة على الناس، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله.. وتحقق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان، وفي الأهداف والاهتمامات، وفي الراية والعلامة، وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له، وأخرجت للناس من أجله، وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار، مبهمة الملامح، مجهولة السمات، مهما اتخذت من أزياء ودعوات وأعلام!.
إذن فالإنسان العربي لا بد أن تميز أمته كي يتميز هو ويتخصص هو بعقيدته ومنهجه واتجاهه.. فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد، كما أنه بدوره ينشئ شعورا بالامتياز والتفرد.
"ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبيه بمن دون المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة، كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء، ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات، وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات، وكان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة، وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصورا عن تصور، وضميرا عن ضمير، وخلقا عن خلقا، واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه"١.
وقال رسول الله ﷺ وقد خرج على جماعة فقاموا له: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا" "رواه أبو داود وابن ماجه".
نهى عن تشبه في مظهر أو لباس، ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك، ونهى عن تشبه في قول أو أدب.. لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور، ومنهجا في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة.
ونهى عن التلقي من غير منهج الله الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحقيقه في الأرض. يقول الله -سبحانه- عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
стр. 138
٩- العمل على تحقيق وحدة الأمة:
الهدف العاشر: هو أن الحفاظ على وسطية الأمة وتميزها وفق قاعدة الإيمان بالله، والأخوة في الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يكتمل إلا بالعمل على وحدة هذه الأمة، والحفاظ على هذه الوحدة.
إن العقيدة الإسلامية، هي عقيدة التوحيد التي تشهد بها سنن الكون، وناموس الوجود، وفي تصوير هذا الهدف الشامل للأمة، يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
"إن أمتكم. أمة الأنبياء أمة واحدة تدين بعقيدة واحدة وتنهج نهجا واحدا، هو الاتجاه إلى الله دون سواه، أمة واحدة في الأرض، ورب واحد في السماء، لا إله غيره ولا معبود إلا إياه، أمة واحدة، وفق سنة واحدة، تشهد بالإرادة الواحدة في الأرض والسماء"١.
وكما تجتمع أمة الإسلام حول إله واحد، ومنهج واحد، ورسول واحد؛ فإنها تجتمع وتتوجه حول قبلة واحد.. قبلة تجمع هذه الأمة وتوحد بين أبنائها على اختلاف مواطنهم، واختلاف مواقعهم، واختلاف أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، فيحسون أنهم جسم واحد، وكيان واحد، يتجه نحو هدف واحد، ولتحقيق منهج واحد.
وهكذا وحد الله هذه الأمة، وحدها في إلهها، ورسولها، ودينها، وقبلتها، ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من قواعد الوطن أو الجنس أو اللون، ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها، ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها.. إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان؛ فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب، ومنهج الفكر، وقبلة العبادة، إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلأ والسياج والحظيرة٢.
ولا بد من تربية الإنسان المعاصر على الإيمان بضرورة التجمع والتكتل حتى تستعيد الأمة ما كان لها من قيادة وريادة للإنسانية. فقد كان الأستاذ حسن البنا يقول: "إن عصر الكيانات الصغيرة قد ولى، وإن الأمم الصغيرة لا تستطيع أن تعيش حياة كريمة في عصر التجمعات الكبيرة والقارات، وكان يمثل الوحدة بالعدسة التي تجمع الأشعة المتفرقة من أشعة الشمس فتحرق بها الجسم الذي يتعرض لها.. فاجتماع الأشعة في بؤرة واحدة، قد أكسبها قوة وشدة وبأسا وتأثيرا٣.
نحن إذن في حاجة إلى منهج لتربية الإنسان المعاصر القادر على الإسهام بإيجابية وفاعلية في تقوية الروابط التي تعيد لهذه الأمة وحدتها، وقيادتها، وسيادتها، المسلم الذي يعمل تحت شعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
стр. 139
١٠- إعانة الطالب على تحقيق ذاته:
لكن حسن أداء الإنسان لرسالته في الأرض وفق منهج الله، أي: تحقيقه لذاته يقتضي إعداد الإنسان إعدادا جيدا، وشحذ كل استعداداته وقواه المدركة، الظاهرة والباطنة، إلى أقصى حد هيأها الله له، فالولد لا بد أن يعد ويهيأ كي يكون رجلا يقوم بمسئولياته كرجل في العمل والإنتاج والبناء والتشييد وعمارة الحياة وترقيتها. والبنت لا بد أن تعد وتهيأ كي تكون أنثى، وأما، ومربية، ومدبرة لمنزلها وأسرتها، وعاملة أيضا، أو موظفة، فيما يناسبها من الأعمال.
ويتم إعداد الإنسال كي يحقق ذاته، ويحسن أداء رسالته وفق منهج الله، عن طريق التربية في الأسرة، والمدرسة، والنادي، والمجتمع. فإذا كان البيت هو أقوى هذه الوسائل الأربعة -بحكم التصاق الناشئة به، وقضائهم فيه أطول فترة من طفولتهم وصباهم وشبابهم- فإنه الآن قد تفكك أو في طريقه إلى التفكك بسبب غياب عماد هذا البيت، وهو الأم في العمل خارج البيت.
هنا تبرز المدرسة، بمناهجها المخططة وفق نظام دقيق لتحقيق أهداف محددة وواضحة، كأبرز مؤسسة تربوية في عصرنا الحاضر.
إن هذا يلقي على عاتق المنهج المدرسي عموما، ومنهج العلوم الإنسانية واللغات على وجه الخصوص تبعة تربية البنت تربية تؤهلها لكي تكون زوجة وأما ومدبرة بيت، ومربية أجيال في المقام الأول، ثم يأتي شيء آخر بعد ذلك.
فمنهج التربية الإسلامية -في المجتمع المسلم الذي يلتزم بتنفيذ شريعة الله- هو ذلك المنهج الذي يساعد الفتاة على تحقيق ذاتها وفق الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وذلك عن طريق إعدادها في مرحلة الشباب الباكر لمهمتها العظيمة المرتقبة، فإذا جاء الزواج كانت مهيأة لدورها بطريقة ملائمة.
إن ما أراده الله فطرة لا ينبغي للبشر أن يحيدوا عنه، لأنهم حين يحيدون عنه يفسدون لا محالة، وبتحقيق فطرة الله في الإنسان، تتحقق الذات الإنسانية، وهذه هي المهمة الرئيسية لمنهج التربية في التصور الإسلامي.
стр. 140
والخلاصة أنه مما يشكل عظمة أمة الإسلام، وشرفها وامتيازها هو أن الله جعلها "أمة وسطا".. قائمة على الإيمان بالله والأخوة في الله.. داعية إلى الخير.. آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر.. أمة موحدة، متميزة بالتزامها بالقيام بمقتضيات كل هذا، وتبعاته، وتكاليفه.
لكن علاقة الأمة بالكون لا تستقيم أبدا ما دامت علاقتها بخالق الكون لا تسير في مسارها السليم، فعندها تفقد أمة حيثيات العظمة والشرف والامتياز التي أنيطت بها من قبل الله، فإنها تعزل عن قيادة الدنيا وزعامتها، كما حدث لبني إسرائيل عندما عزلهم الله عن القيادة وأسندها لأمة الإسلام, التي توافرت فيها هذه الحيثيات اللازمة لإمامة الدنيا، وإقامة منهج الله في الأرض، وهو الهدف النهائي الذي من أجله أنشئت الجماعة المسلمة الأولى بيد الله وعلى عينه.
إن المسلم المعاصر بحاجة إلى أن يكون قادرا على المساهمة بإيجابية وفاعلية في تحقيق هذه الأهداف التي بها تعلو أمة الإسلام كما كانت، وتقيم منهج الله في الأرض، إن ذلك هو ما تقتضيه خلافة الأرض.
стр. 141
١١- إعداد الإنسان للجهاد في سبيل الله:
لا بد من إدراك الأجيال لمفهوم الجهاد في سبيل الله، هل هو مجرد قتال الكافرين وحرب المعتدين، ودفاع عن المظلومين؟ أم أنه مفهوم أكبر وأشمل من كل هذا، إن مهمة مناهج التربية هي إيضاح هذا المفهوم نظريا وإعداد الإنسان -عمليا- لتطبيق مفهوم الجهاد بمعناه السليم، وهذا يعني ما يلي:
أولا: إن الإسلام هو رسالة السلام الحقيقية والعدل والطمأنينة. فالإسلام من السلام، وقد وضع للسلام، فتحية المسلمين ونهاية صلاتهم السلام، وتحيتهم في الجنة السلام، فالإسلام دين السلام: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] .
والسلام الذي جاء الإسلام لإقراره في الأرض إنما جاء ليعالج ناحيتين هامتين، وبين للناس فيهما وجه الحق، وهاتان الناحيتان -كما يقول الشيخ حسن البنا- هما: الناحية الأخوية الإسلامية والناحية الأخوية الإنسانية العامة١. لقد جاء الإسلام فرأى الناس يتفاضلون ويتمايزون على أساس من اللحم والدم والقوم،
стр. 142
والأرض والطين، فقرر أن هذا وهم باطل، وأن الناس جميعا لآدم، وآدم من تراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
ثانيا: إن الإسلام هو خاتم الرسالات الإلهية للإنسان، وقد جاء حينما بلغت البشرية سن الرشد. إن الاعتقاد بأن هذه الرسالة هي الخاتمة قد بث في الإنسان روح الثقة ببلوغه سن الرشد، وحفزه على التقدم في مضمار عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها، والاعتماد على العلم والتجربة في الحياة اليومية، فالإنسان ليس في حاجة اليوم إلى أن ينتظر وحيا جديدا من السماء فيرفع بصره إليها في حالة انتظار وترقب، وإنما حاجته اليوم أن يفكر وأن يستخدم مواهبه في استثمار طاقات الكون وكنوز الأرض لسعادته وترقية حياته. إن الاعتقاد بأن الرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات يبعث في الإنسان روح الطموح والتقدم، ويحثه على استخدام مواهبه بكفاءة، ويعين له المجال السليم لكفاحه وكدحه١.
إنه لولا هذا الاعتقاد لفقد الإنسان ثقته بنفسه، وبقي في ريب دائم، وظل شاخصا إلى السماء، بدلا من أن يعمر في الأرض، وفقد ثقته بمستقبله، وثارت شكوك وشبهات حوله، ووقع فريسة المتنبئين على الدوام!
ووظيفة الجهاد هنا هي الحفاظ على الرسالة الخاتمة. وتثبيت حاكميتها في الأرض، فهي ما نزلت إلا لتحكم الحياة، وتنظم شئون الناس على أساسها، ويعم خيرها البشرية جميعا. والجهاد حماية للرسالة الخاتمة من أصحاب الفلسفات والنظريات التي تنفي وجود الله أصلا، أو في أحسن الأحوال تجعل لله ملوكت السماء، وتتصرف هي في ملكوت الأرض!
الحقيقة أن الجهاد في الميدان ما هو إلا لون من ألوان الجهاد الكثيرة: فطلب العلم النافع الذي تعمر به الحياة وترقى جهاد في سبيل الله، لذلك كان رسوله ﷺ يدعو ويقول: "اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني". وكان ﵊ يعتبر طالب العلم مجاهدا في سبيل الله: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" [رواه الترمذي] .
ويربط الحق -سبحانه- التفقه في الدين -وهو قمة العلم- بالحركة الإيجابية الفاعلة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
стр. 143
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . "إن المؤمنيون لا ينفرون كافة، ولكن ينفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب- لتتفقه في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومهم إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة".
"وجهاد النفس لون من أشق ألوان الجهاد؛ لأنه جهاد ضد النفس الأمارة بالسوء، والهوى الغلاب، والغريزة الطاغية، والشهوة المنحرفة، والمواريث الساقطة، والتقاليد الهابطة، والعادات السيئة، والثقافات المنحرفة الوافدة"، والصبر على الفترات التي يعلو فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر؛ والصبر على طول الطريق وبعد المشقة وكثرة العقبات في طريق محفوف بالمكاره.
إن هذا اللون من الجهاد هو الذي يحدث تفاعلا داخليا وخارجيا يتولد عنه إنسان متميز متبوعا لا تابعا، ورأسا لا ذليلا، ومغيرا بإرادته وطاقاته التي منحه الله إياها، وليس مجرد ترس في عجلة الحتمية التاريخية أو الحتمية المادية أو أية حتمية أخرى!
وحين يفقد الإنسان هذا اللون من جهاد النفس، فإنه يتحول إلى مسخ مشوه للإسلام ولكل الفلسفات والنظريات الأخرى، فتجد المسلم الاشتراكي، والمسلم الشيوعي، والمسلم الرأسمالي، والمسلم الوجودي، وهلم جرا..!
ومن أهم ألوان الجهاد المطلوبة اليوم، الجهاد الاجتماعي، أي: الجهاد من أجل تعديل أوضاع المجتمع المسلم التي انحرفت عن طريق الله. ويكون ذلك عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة, إنه من الضروري أن نتعامل بإيجابية وفاعلية من أجل تصحيح الأوضاع الاجتماعية التي لا تستقيم مع منهج الله. فالاستغلال -ضد التوحيد- والتفاوت الاجتماعي البغيض ضد التوحيد. والجوع الكافر قد لا يترك للمرء لحظة يتذكر فيها الله، ولذلك كان التوحيد النقي دائما حربا على الجوع والاستغلال.
والاستبداد يتنافى مع منهج الله تماما، لأن الاستبداد في جوهره تقزيم للذات البشرية وحصر لدائرة تطلعاتها، وإنكار لمبدأ المساواة والعدالة بين الناس.. القهر السياسي يتصادم بالضرورة مع تكريم الله للإنسان؛ لأنه يحرم الإنسان من اكتشاف حقيقة الوجود، والاستقامة مع مقتضياتها، فالإنسان -حينئذ- يستبدل الخوف من الله بالخوف من البوليس، واستشعار رقابة الله، بالاحتياط من رقابة المخابرات١.
وإذا كان المجتمع الإنساني كله في كل مكان وزمان هو موضع للدعوة، والجهاد في سبيلها فإن ذلك يستوجب ضرورة أن يتسع مفهوم الجهاد طبقا لظروف المجتمع ومتطلبات العصر وحاجات الناس ومشكلاتهم، فهو ليس مجرد قتال من أجل الدعوة في ميدان القتال، وإنما هو أيضا جد في طلب العلم، وإحسان في العمل، وإحسان في تربية الأجيال، وبذل للنفس، وبذل للمال.. وهكذا كل نشاط تستقيم به حياة الإنسان على منهج الله، هو جهاد في سبيل الله.
стр. 144
١٢- إدراك أهمية العلم وقيمته في إعمار الحياة:
لا بد أن يؤمن الناشئة بأن العلم هو شعار الإسلام، وهو وسيلة الإنسان في القيام بواجبات الخلافة في الأرض. وهذه منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة، وتشوفت إليها نفوسهم فلم يعطوها، ومنحها الله للإنسان١.
لذلك عندما أراد الله أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض لتنفيذ منهج الله فيها، هيأه بالعلم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠-٣٣] .
وتستمر رسالة العلم السابقة من آدم ﵇ إلى محمد ﵊، لتكون أولى كلمات الوحي عليه هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] .
وإذا كان طلب العلم -شرعيا كان أو كونيا- فريضة في التصور الإسلامي، وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، فإن من نافلة القول: "إن التفكير في خلق الله، والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية، التي تبحث في صميم الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته.. لو اتصلت هذه العلوم بتذكر الخالق لهذا الكون وذكره، والشعور بجلاله، وفضله، لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة, ولاستقامت الحياة بهذه العلوم واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر، يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية، ومن هنا يتحول العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- إلى لعنة تطارد الإنسان، وتحيل إلى جحيم منكر، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار"٢.
стр. 145
١٣- تعميق شعور الإيمان بالعدل كقيمة لا تعمر الحياة بدونها:
لا بد أن تدرك الأجيال الناشئة أنه إذا كانت وظيفة العلم هي إعمار الأرض وترقية الحياة، فإن هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان مستندا إلى عدل الله. فالعلم إذا لم يستند إلى عدل الله ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله.
فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم نحو خير الإنسان والإنسانية جميعا.
والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية. ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع. فإن العمل بها إذن تحقيق للعدل الذي أمر الله به.
وتندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة:
فهناك العدل في الحكم، والعدل في النظام الاجتماعي للأمة، والعدل في القضاء، والعدل في سياسة الاقتصاد، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات، والعدل في التربية والتعليم، والعدل في القول، والعدل في العمل.. إلخ.
ولما كان العدل على هذه الدرجة من الأهمية في التصور الإسلامي، جعله الله واجبا حتى على الأنبياء: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] .
والعدل واجب حتى للأعداء. وهذه من أعظم فضائل الإسلام. وقد ورد النص على ذلك صريحا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .