١١- إعداد الإنسان للجهاد في سبيل الله:
لا بد من إدراك الأجيال لمفهوم الجهاد في سبيل الله، هل هو مجرد قتال الكافرين وحرب المعتدين، ودفاع عن المظلومين؟ أم أنه مفهوم أكبر وأشمل من كل هذا، إن مهمة مناهج التربية هي إيضاح هذا المفهوم نظريا وإعداد الإنسان -عمليا- لتطبيق مفهوم الجهاد بمعناه السليم، وهذا يعني ما يلي:
أولا: إن الإسلام هو رسالة السلام الحقيقية والعدل والطمأنينة. فالإسلام من السلام، وقد وضع للسلام، فتحية المسلمين ونهاية صلاتهم السلام، وتحيتهم في الجنة السلام، فالإسلام دين السلام: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] .
والسلام الذي جاء الإسلام لإقراره في الأرض إنما جاء ليعالج ناحيتين هامتين، وبين للناس فيهما وجه الحق، وهاتان الناحيتان -كما يقول الشيخ حسن البنا- هما: الناحية الأخوية الإسلامية والناحية الأخوية الإنسانية العامة١. لقد جاء الإسلام فرأى الناس يتفاضلون ويتمايزون على أساس من اللحم والدم والقوم،
стр. 142
والأرض والطين، فقرر أن هذا وهم باطل، وأن الناس جميعا لآدم، وآدم من تراب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
ثانيا: إن الإسلام هو خاتم الرسالات الإلهية للإنسان، وقد جاء حينما بلغت البشرية سن الرشد. إن الاعتقاد بأن هذه الرسالة هي الخاتمة قد بث في الإنسان روح الثقة ببلوغه سن الرشد، وحفزه على التقدم في مضمار عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها، والاعتماد على العلم والتجربة في الحياة اليومية، فالإنسان ليس في حاجة اليوم إلى أن ينتظر وحيا جديدا من السماء فيرفع بصره إليها في حالة انتظار وترقب، وإنما حاجته اليوم أن يفكر وأن يستخدم مواهبه في استثمار طاقات الكون وكنوز الأرض لسعادته وترقية حياته. إن الاعتقاد بأن الرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات يبعث في الإنسان روح الطموح والتقدم، ويحثه على استخدام مواهبه بكفاءة، ويعين له المجال السليم لكفاحه وكدحه١.
إنه لولا هذا الاعتقاد لفقد الإنسان ثقته بنفسه، وبقي في ريب دائم، وظل شاخصا إلى السماء، بدلا من أن يعمر في الأرض، وفقد ثقته بمستقبله، وثارت شكوك وشبهات حوله، ووقع فريسة المتنبئين على الدوام!
ووظيفة الجهاد هنا هي الحفاظ على الرسالة الخاتمة. وتثبيت حاكميتها في الأرض، فهي ما نزلت إلا لتحكم الحياة، وتنظم شئون الناس على أساسها، ويعم خيرها البشرية جميعا. والجهاد حماية للرسالة الخاتمة من أصحاب الفلسفات والنظريات التي تنفي وجود الله أصلا، أو في أحسن الأحوال تجعل لله ملوكت السماء، وتتصرف هي في ملكوت الأرض!
الحقيقة أن الجهاد في الميدان ما هو إلا لون من ألوان الجهاد الكثيرة: فطلب العلم النافع الذي تعمر به الحياة وترقى جهاد في سبيل الله، لذلك كان رسوله ﷺ يدعو ويقول: "اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني". وكان ﵊ يعتبر طالب العلم مجاهدا في سبيل الله: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" [رواه الترمذي] .
ويربط الحق -سبحانه- التفقه في الدين -وهو قمة العلم- بالحركة الإيجابية الفاعلة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
стр. 143
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . "إن المؤمنيون لا ينفرون كافة، ولكن ينفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب- لتتفقه في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومهم إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة".
"وجهاد النفس لون من أشق ألوان الجهاد؛ لأنه جهاد ضد النفس الأمارة بالسوء، والهوى الغلاب، والغريزة الطاغية، والشهوة المنحرفة، والمواريث الساقطة، والتقاليد الهابطة، والعادات السيئة، والثقافات المنحرفة الوافدة"، والصبر على الفترات التي يعلو فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر؛ والصبر على طول الطريق وبعد المشقة وكثرة العقبات في طريق محفوف بالمكاره.
إن هذا اللون من الجهاد هو الذي يحدث تفاعلا داخليا وخارجيا يتولد عنه إنسان متميز متبوعا لا تابعا، ورأسا لا ذليلا، ومغيرا بإرادته وطاقاته التي منحه الله إياها، وليس مجرد ترس في عجلة الحتمية التاريخية أو الحتمية المادية أو أية حتمية أخرى!
وحين يفقد الإنسان هذا اللون من جهاد النفس، فإنه يتحول إلى مسخ مشوه للإسلام ولكل الفلسفات والنظريات الأخرى، فتجد المسلم الاشتراكي، والمسلم الشيوعي، والمسلم الرأسمالي، والمسلم الوجودي، وهلم جرا..!
ومن أهم ألوان الجهاد المطلوبة اليوم، الجهاد الاجتماعي، أي: الجهاد من أجل تعديل أوضاع المجتمع المسلم التي انحرفت عن طريق الله. ويكون ذلك عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة, إنه من الضروري أن نتعامل بإيجابية وفاعلية من أجل تصحيح الأوضاع الاجتماعية التي لا تستقيم مع منهج الله. فالاستغلال -ضد التوحيد- والتفاوت الاجتماعي البغيض ضد التوحيد. والجوع الكافر قد لا يترك للمرء لحظة يتذكر فيها الله، ولذلك كان التوحيد النقي دائما حربا على الجوع والاستغلال.
والاستبداد يتنافى مع منهج الله تماما، لأن الاستبداد في جوهره تقزيم للذات البشرية وحصر لدائرة تطلعاتها، وإنكار لمبدأ المساواة والعدالة بين الناس.. القهر السياسي يتصادم بالضرورة مع تكريم الله للإنسان؛ لأنه يحرم الإنسان من اكتشاف حقيقة الوجود، والاستقامة مع مقتضياتها، فالإنسان -حينئذ- يستبدل الخوف من الله بالخوف من البوليس، واستشعار رقابة الله، بالاحتياط من رقابة المخابرات١.
وإذا كان المجتمع الإنساني كله في كل مكان وزمان هو موضع للدعوة، والجهاد في سبيلها فإن ذلك يستوجب ضرورة أن يتسع مفهوم الجهاد طبقا لظروف المجتمع ومتطلبات العصر وحاجات الناس ومشكلاتهم، فهو ليس مجرد قتال من أجل الدعوة في ميدان القتال، وإنما هو أيضا جد في طلب العلم، وإحسان في العمل، وإحسان في تربية الأجيال، وبذل للنفس، وبذل للمال.. وهكذا كل نشاط تستقيم به حياة الإنسان على منهج الله، هو جهاد في سبيل الله.
стр. 144
١٢- إدراك أهمية العلم وقيمته في إعمار الحياة:
لا بد أن يؤمن الناشئة بأن العلم هو شعار الإسلام، وهو وسيلة الإنسان في القيام بواجبات الخلافة في الأرض. وهذه منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة، وتشوفت إليها نفوسهم فلم يعطوها، ومنحها الله للإنسان١.
لذلك عندما أراد الله أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض لتنفيذ منهج الله فيها، هيأه بالعلم: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠-٣٣] .
وتستمر رسالة العلم السابقة من آدم ﵇ إلى محمد ﵊، لتكون أولى كلمات الوحي عليه هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥] .
وإذا كان طلب العلم -شرعيا كان أو كونيا- فريضة في التصور الإسلامي، وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، فإن من نافلة القول: "إن التفكير في خلق الله، والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية، التي تبحث في صميم الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته.. لو اتصلت هذه العلوم بتذكر الخالق لهذا الكون وذكره، والشعور بجلاله، وفضله، لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة, ولاستقامت الحياة بهذه العلوم واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر، يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية، ومن هنا يتحول العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- إلى لعنة تطارد الإنسان، وتحيل إلى جحيم منكر، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار"٢.
стр. 145
١٣- تعميق شعور الإيمان بالعدل كقيمة لا تعمر الحياة بدونها:
لا بد أن تدرك الأجيال الناشئة أنه إذا كانت وظيفة العلم هي إعمار الأرض وترقية الحياة، فإن هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان مستندا إلى عدل الله. فالعلم إذا لم يستند إلى عدل الله ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله.
فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم نحو خير الإنسان والإنسانية جميعا.
والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية. ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع. فإن العمل بها إذن تحقيق للعدل الذي أمر الله به.
وتندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة:
فهناك العدل في الحكم، والعدل في النظام الاجتماعي للأمة، والعدل في القضاء، والعدل في سياسة الاقتصاد، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات، والعدل في التربية والتعليم، والعدل في القول، والعدل في العمل.. إلخ.
ولما كان العدل على هذه الدرجة من الأهمية في التصور الإسلامي، جعله الله واجبا حتى على الأنبياء: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] .
والعدل واجب حتى للأعداء. وهذه من أعظم فضائل الإسلام. وقد ورد النص على ذلك صريحا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
стр. 146
١٤- تأكيد شعور الطلاب بأن الحرية فطرة إنسانية:
من الضروري أن يدرك الناشئة أن الله قد فطر الإنسانية على الحرية، فالحرية فطرة في الطبيعة الإنسانية، فالله -سبحانه- خلق الإنسان حرا، لأنه جعله مسئولا عن تنفيذ منهجه في الأرض، فالإنسان حر لأنه مسئول. فالحرية تستتبع المسئولية، والمسئولية تستلزم الحرية. فنشاط المسلم كله حر، وهو كله عبادة لله، ما دام هذا النشاط حركة واحدة موجهة نحو هذه الغاية.
ومعنى كون الحرية فطرة فطر الله الإنسان عليها، أنها ليست مجرد منحة يمنحها النظام الاجتماعي للإنسان، أو يمنعها عنه، وإنما هي قيمة غريزية غرزها الله في خلق الإنسان حين خلقه. ويعبر عن هذا المعنى قول عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
فالحرية حاجة أساسية من حاجات النفس لا بد من إشباعها، وهي حق من حقوق الإنسان لا بد من ممارسته، فلا عجب -إذن- أن ينحرف سلوك الإنسان ويسوء عمله، وتهبط أخلاقه، ويتدهور حال مجتمعه كله إذا حرم ومنع من ممارسة حريته، أو إذا انفلت في ممارستها دون ضبط أو تنظيم وفق معايير المنهج الإلهي.
وللحرية مظاهر كثيرة في التصور الإسلامي:
فهناك حرية النصح والإرشاد، وإبداء الرأي، والنقد وفق معايير سليمة، وهناك حرية التملك والتصرف، وحرية العمل والكسب المشروع. وهناك حرية التفكير والاختيار وهو جوهر الحرية الإنسانية.
والإسلام يسير في مفهوم الحرية مع مقتضى فكرته عن فطرة الإنسان على الإيمان بالله وحده، فالإنسان غير المسلم الذي تصل إليه فكرة الإسلام واضحة جلية دون ضغوط أو حصار أو رفض قائم على مقدرات سابقة، لا بد أن يعود إلى فطرته السليمة التي فطر الله الناس عليها. لكن الإسلام يريده أن يعود إلى الله بإرادته الحرة الواعية. فهذا هو الطريق الوحيد الذي يستوجب المسئولية.
стр. 147
١٥- إدراك مفهوم الشورى وتطبيقاته:
لا بد أن يدرك الناشئة أن نظام الشورى في التصور الإسلامي واجب ابتداء وملزم انتهاء. وأن الشورى تقوم على أساس الحاكمية لله وحده، فهو المشرع وحده دون البشر؛ لذلك فهي ليست كالديمقراطيات في النظم العلمانية التي تفصل الدين عن المجتمع والدولة.
لا بد أن يدرك شباب الأمة أن الشورى جزئية في النظام الإسلامي العالمي النزعة، الذي يرمي إلى ضم البشرية تحت لوائه متساوية متآخية متكاملة، وذلك على أساس وحدة الإنسانية في الجنس والطبيعة والنشأة. لذلك فنظام الشورى لا يقوم على أساس قومي أو شعوبي أو عنصري، يحلل الحرام لأمته، ويحرم الحلال لغيرها.
ونظام الشورى لا يتبع مبدأ "الأكثرية" لو كانت على ضلال، لأن شريعة الله هي المعيار سواء تبعها الأكثرية أو الأقلية. فالأكثرية الضالة عن منهج الله ليست حجة، وأكثر الناس غالبا على ضلال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] .. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
لا بد من فهم الناشئة أن نظام الشورى جزئية في النظام الإسلامي الكبير الذي يجعل السيادة لشريعة الله، ثم للأمة إذا ارتضت تطبيق منهج الله، ثم للحاكم إذا نفذ شروط التعاقد بينه وبين الأمة التي تطبق شرع الله. وبذلك فنظام الشورى حصن الأمة ضد الطغيان، حين جعل التشريع الإسلامي مستقلا في جوهره عن الدولة، ففصل بذلك بين السلطة التشريعية ممثلة في شرع الله، وبين السلطة التنفيذية بما فيها السلطة القضائية. وبذلك أبعد الإسلام السلطة التنفيذية عن أشخاص القائمين عليها، وذلك لخضوعهم في ممارستهم لها لدستور مسبق هو شرع الله. وبذلك حمى المجتمع من طغيان هذه السلطات.
فعلى منهج التربية أن يوضح للناشئة أصول الحكم في الإسلام على أساس الشورى، ويوضح لهم صور الحكم التي يمكن أن تقوم على أساس الشورى. ويقارن ذلك بالديمقراطية العنصرية التي تحلل الحرام لأهلها، وتحرم الحلال لغير أهلها، كما يقارن الشورى أيضا بنظم الحكم الجماعية التي تقوم على أفكار تناهض الفطرة الإنسانية ومقتضياتها، فتلغي القيمة الحاسمة لحرية الإنسان واختياره وإرادته في تغيير الحياة. فكل هذه النظم لا يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلها نموا سليما، وترقى ترقيا صحيحا.
стр. 148
١٦- أن يتأكد لدى الطلاب المفهوم الصحيح للعمل:
لا بد أن يفهم الناشئة أنه ليس المراد بالعمل الانصراف عن أمور الدنيا وقضاياها والكد والكدح فيها والاشتغال بأمور ثانوية في الدين، كالخلافات المذهبية، والدروشة، ومناقشات مدى إخلاص أو عدم إخلاص بعض الناس العاديين أو المفكرين. وليس من العمل الجاد الذي تعمر به الحياة وترقى، أن يترك كل ذي تخصص تخصصه في الطب والهندسة والعمارة والطبيعة والكيمياء والرياضيات وعلوم الحرب، وعلوم الإدارة وعلوم ارتياد الفضاء، وكل العلوم التي نحن فقراء إلى النابغين فيها، إلى الاشتغال بأحكام التجويد وعلامات الساعة، وإطالة اللحى وتقصير الثياب ... إلخ.
لا بد أن نعمق في شعور الناشئة أن العمل الذي تعمر به الحياة وترقى، هو أن ينصر كل منهم الإسلام في ميدان تخصصه بالإنجاز فيه والإبداع. يقول الشيخ الغزالي: "من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا، عجزة عن الحياة.. وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظا عندما خبنا في ميادين الحياة. وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال، ومظاهر تقام.. إن الله لا يقبل تدينا يشينه هذا الشلل المستغرب, ولا أدري كيف نزعم الإيمان والجهاد ونحن نعاني من هذه الطفولة التي تجعل غيرنا يداوينا، ويمدنا بالسلاح إذا شاء"١.
لا بد أن تدرك الناشئة ارتباط العمل بالعبادة، فالإنسان المسلم عابد لله ما دام متجها بعمله ونشاطه كله لله. قال رسول الله ﷺ : "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، الصائم النهار". "رواه الشيخان".
وعن أنس ﵁ قال: كنا مع النبي في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر. قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب الكساء. فمنا من يتقي الشمس بيده، قال فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله" "أخرجه الستة".
إن الأجيال المسلمة لا بد أن تدرك أن المقصود ليس مجرد "العمل" وإنما "الإحسان في العمل": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] .
والإحسان في العمل ذو شقين: الشق الأول هو استخدام أقصى درجة المهارة والإتقان فيه. يؤكد هذا قول الرسول ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" [رواه الستة] . ولكن هل يكفي الإتقان في العمل لبناء حضارة إنسانية راقية؟ الإجابة الصحيحة أن ذلك لا يكفي. وهنا نصل إلى الشق الثاني لمعنى "الإحسان في العمل" وهو أن تتوجه بالعمل لله، لأنك ترى الله في العمل، وتؤمن بأن الله يراك"٢.
وهكذا.. فإن العامل المحسن لن يسمح باستخدام نتاج عمله ومهارته في خراب الدنيا، لأنه خلق للعمل على إعمارها على عهد الله وشرطه. فهذا هو مقتضى الخلافة في الأرض وهو مفهوم العبادة.
стр. 149
١٧- إدراك مفهوم التغير الاجتماعي:
لا بد أن يدرك الطلاب أن التغير الذي يحدثه الإنسان في الأرض أو في المجتمع، يتم وفق الإرادة المطلقة لله. وهذا التغير إما أن يكون في اتجاه يهدف إلى تدبير شئون الخلق وفق منهج الله، وإما أن يكون في أي اتجاه آخر. وفي كل الأحوال فإن التغير الاجتماعي الذي يحدثه الإنسان، إنما يخضع لقاعدة ثابتة تمثلث في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] .
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] .
إن الآيتين السابقتين تدلان دلالة قاطعة على أن التغير الاجتماعي إنما يبدأ من الداخل، أي: من داخل النفس، وذلك بتغيير الأنماط العقائدية والمعيارية والقيمية والفكرية للإنسان، فإذا ما تغير ذلك، فإنه ينعكس على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع على السواء. أي: إنه ينعكس على النظم، والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. إلى آخره. لكن العكس غير صحيح. فتغيير النظم والمؤسسات على غير أسس معيارية واضحة وعميقة في نفوس الناس، هو تغير سطحي هش، يطير مع أول نسمة هواء.
إن المنهج القرآني في التغير الاجتماعي، هو ما طبقه النبي ﷺ حين أقام العقيدة قوية راسخة في مكة، ثم أقام النظام على أساسها في المدينة. ومما يؤثر في هذا المقام عند الأستاذ حسن البنا قوله: "أقيموا الإسلام في أنفسكم يقم على أرضكم".
ما يستفاد من قاعدة التغير:
مما سبق تتضح لنا مجموعة من الحقائق أهمها ما يلي:
أولا: أن كل تغير في الكون يتم في إطار الإرادة المطلقة لله، بما في ذلك حركة الإنسان بالطبع، وهذا أصل ثابت بالنص ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ﴾ ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ ، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وحول هذه القاعدة تدور حركة الإنسان في جميع اتجاهاتها، فحركة الإنسان -كحركة كل شيء في الكون- تدور وفق الإرادة المطلقة لله.
ثانيا: تقرر الآيتان السابقتان "عدل الله في معاملة العباد، فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير الله ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها".
стр. 150
ثالثا: تفيد الآيات تكريم الإنسان إلى حد بعيد، إذ جعل الله قدره ينفذ بالإنسان عن طريق حركة الإنسان نفسه، وعلمه هو. وجعل التغير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم العملي وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم.
رابعا: إن الله يلقي على الإنسان تبعة عظيمة، تقابل التكريم العظيم الذي منحه له، فالإنسان وحده -دون كل خلق الله- يملك أن يستبقي نعمة الله عليه، وأن يزاد له عليها، إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا أنكر وبطر، وانحرفت نواياه، فانحرفت خطاه.
وهنا تظهر إيجابية الإنسانية في صياغته لمصيره -وفق الإرادة المطلقة لله "وتنتقي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة: حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ، وحتمية التطور.. إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة. ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول"١.
خامسا: إن هناك تلازما بين العمل والجزاء في حياة الإنسان ونشاطه الوجداني والعملي، فمن عدل الله المطلق أن جعل هذا التلازم سنة وقاعدة يجري بها قدره وإرادته: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ .
سادسا: إن الإسلام عقيدة وشريعة، وشريعة الإسلام من عقيدته.. "بل إن شريعته هي عقيدته.. إذ هي الترجمة الواقعية لها"٢. وهذا يعني أن إحياء الشريعة لا يمكن أن يحدث بصورة فعالة إلا بإحياء العقيدة أولا، فالمستوى الاعتقادي يجب أن يسبق في الإحياء المستوى التشريعي.
والخلاصة: أنه يمكن الخروج من هذه المناقشة بأمرين
الأمر الأول: إن تطبيق المجتمع لمنهج الله، دون فهم أصول الاعتقاد فهما صحيحا، والاقتناع بأصوله التشريعية في حكم الحياة، كثيرا ما يؤدي إلى نكسة للنظام كله، وإلى إلصاق تهم الضعف، والقصور، والبعد عن الحياة به، وهو منها بريء. وكثيرا ما تأتي هذه النكسات على يد هؤلاء المسلمين غير الفاهمين أو بواسطتهم.
الأمر الثاني: إن عملية بناء العقيدة الإسلامية في نفوس الناشئة. وتصحيح مفاهيمها نظريا وعمليا في نفوس الكبار، هي عملية مستمرة لا ينبغي أن تتوقف.
وأن هذا لا يمنع أن تقوم المجتمعات المسلمة الحاضرة بتطبيق مبادئ الشريعة في حياتها العملية بطريقة تدريجية ومتوازنة، ابتداء من المبادئ التي رسخت في ضمائر الناس وعقولهم.
стр. 151
١٨- إدراك مصادر المعرفة والعلاقات بينها:
للمعرفة في منهج التربية مصدران رئيسيان, فهناك معرفة مصدرها تفكر الإنسان وتدبره في كتاب الكون المفتوح, وفي علوم الكون والحياة وكل ما يتصل بأحوال الناس المادية، وشئونهم المعيشية. وهذا اللون من المعرفة لا يقبل منه منهج التربية إلا ما جاء نتيجة للمنطق التجريبي أو الرياضي. أو التفكير العلمي والتجارب العلمية والصحيح من تشريعات الفقهاء واجتهادتهم في كل عصر في ضوء التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة. أما إذا كانت المعارف والمعلومات متصلة بما وراء المادة وبما وراء خبرات الإنسان في الأمور المادية والمعيشية، فإن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما السبيل الفذة التي لا يقبل منهج للتربية سبيلا غيرها١. أما ما تركه الفلاسفة والعلماء الذين بحثوا فيما وراء المادة أو فيما وراء الطبيعة، فهو خليط عجيب من النظريات والأفكار والآراء التي تستطيع تمييز الصحيح من السقيم فيها. فهم ينتمون إلى كثير من الشرائع والنحل، فجاءت فروضهم خاطئة، وبحوثهم حائرة، وآراؤهم متناقضة، فورثوا لأتباعهم الحيرة وعدم الاستقرار في كل حال.
إذن فالإسلام هو القرآن والسنة. وما عداهما من الاجتهادات في ضوئهما هو فقه إسلامي، تسترشد به الأجيال المتعاقبة، فيساعدها على الفهم والاستنتاج والتطبيق.
ومما سبق يمكن استنتاج أمرين:
الأمر الأول: هو أنه لما كانت الحالات الاجتماعية لا تتكرر أبدا في التاريخ، إنما تتشابه مجرد تشابه؛ فإن أي حكم تطبيقي في حالة مضت -ليس من شرع الله ولا من عمل رسول الله, ﷺ إنما يصلح للاسترشاد به والاستشهاد في الحالات المشابهة التي تعرض للأجيال المتجددة، ولكنه لا يبلغ حد الإلزام المطلق؛ لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله، ليس جزءا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله"٢.
الأمر الثاني: هو أن الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي لا تحدد ولا تستوعب كل الصور الممكنة للمجتمع الإسلامي، ولكل جيل أن يبدع نظمه الاجتماعية في حدود المبادئ الإسلامية، وأن يلبي حاجات زمانه باجتهادات فقهية قائمة على الأصول
стр. 152
الأصول الكلية للشريعة، على شرط اتباع مناهج صحيحة في الاجتهاد، واتفاق بين جمهرة فقهاء الأمة الإسلامية في كل جيل، بحيث لا ندع الأمر فوضى لكل من شاء كيف شاء.
والحادث في معظم أقطار الأمة الإسلامية أننا تركنا استيحاء مقومات المجتمع الإسلامي ونظمه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية من الشريعة والفقه معا، وارتمينا في أحضان النظم الوضعية غربية كانت أم شرقية.
إن منهج التربية عندما يلجأ إلى تدريس مذاهب الفقه المختلفة لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن حزم وغيرهم، فإنه يدرسها "على أنها وجهات نظر متساوية القيمة". وأنها تعبر عن حاجات الناس ومطالب المجتمع في أزمنة وأمكنة مختلفة، فهي ليست ملزمة للناس بطريقة مطلقة في كل عصر ولكل مكان، وعلى هذا فهي تناقش، وتوزن "بحياد علمي وصدر مفتوح، لا مكان فيه للخصومة، والجفاء وتفريق الأمة".
مصادر التلقي في منهج التربية:
إن الحق يوجه الخطاب إلى رسول الله ﷺ فيقول له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] . ورسول الله ﷺ ما امترى يوما ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] .. قال: "لا أشك ولا أسأل".
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصية رسول الله ﷺ يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين. سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم، ومن يأتي بعده ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم.
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير؛ ونحن -في بلاهة منقطعة النظير- نروح نستفتي المستشرقين والشيوعيين في أمر ديننا. وقد يهون الأمر لو اقتصر تلقينا عنهم على العلوم البحتة كالرياضيات، والعلوم الطبيعية، وعلوم الصناعة، والزراعة وعلوم الحرب وفنون القتال.. إلى آخر ذلك من العلوم التي لا تتأثر كثيرا بالفلسفة وتفسير السلوك الإنساني.
ولكن الكارثة هي أننا نتلقى عنهم -أيضا- تاريخنا، وفنوننا، وآدابنا، وسياستنا، واقتصادنا، واجتماعنا وتربيتنا. ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا، وسيرة أوائلنا. ونرسل إليهم
стр. 153
بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم، ثم يعودون إلينا مدخولي العقل والضمير!
إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة الإسلامية. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعلمه وما تحذره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
والخلاصة: منهج التربية يجب أن يعتمد أساسا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو عندما يتعرض للاجتهادات الفقهية القديمة، لا يتحرج من وزنها على أساس موضوعي، فيقبل ما يراه مناسبا للاسترشاد به، ويدع ما لا يتناسب مع معطيات الزمان، والمكان، وحاجات الناس، والتلقي في هذا المنهج لا يتم فيما يتصل بعلوم الشريعة، والفنون والآداب والتربية، وكل العلوم الإنسانية -لا يتم إلا على يد مسلم يوثق في علمه وتقواه. أما فيما يتصل بالعلوم البحتة فيجوز التلقي فيها على يد غير المسلمين عند الضرورة.
стр. 154
١٩- إدراك الطلاب الفرق بين الإسلام والتراث الإسلامي:
يجب أن تفرق مناهج التربية بين الإسلام من جانب، وبين التراث عموما، والتراث الإسلامي على وجه الخصوص، من جانب آخر.
فالتراث عموما، بجميع جوانبه وألوانه -من آداب وفنون وآثار تاريخية وجغرافية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، مادية وفكرية، نظرية وعلمية- هو صناعة إنسانية، تاريخية ومتحفية.
والتراث الإسلامي هو كل ما تركه المسلمون من اجتهادات في الآداب، والفنون، والعلوم، والفقه، والتنظيمات والطرائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ. التي تتفق مع الإسلام نصا أو روحا، أو لا تختلف معه على الأقل.
والتراث في كلتا الحالتين السابقتين هو صناعة إنسانية تاريخية ومتحفية، نامية ومتطورة، والفرق بين التراث الإسلامي وغيره. هو أن التراث الإسلامي اجتهادات وابتكارات في جميع جوانب الحياة ووسائلها في ضوء التصور الإسلامي. فهو تراث على درجة عالية من الثبات في الاتجاه؛ فهو لا ينقل من النقيض إلى النقيض، بل يرتقي صعودا بالحياة الإنسانية وفق منهج الله. أما بالنسبة للتراث العام، فتراث كل أمة إنما ينمو ويتطور صعودا أو هبوطا -وقد ينتقل من النقيض
стр. 155
إلى النقيض- في ضوء معتقداتها المتغيرة، وفلسفاتها البشرية. ونظرياتها التي تتبناها لتوجيه حياتها.
أما الإسلام -قرآنا وسنة- فهو منهج الله لحكم الحياة كلها، في كل زمان، وفي كل مكان. ومن ثم فهو ليس صناعة إنسانية، وإنما هو وحي ثابت من الله. وهو لأنه صناعة ربانية، وليس صناعة إنسانية، فهو ليس آثارا متحفية أو تاريخية، يمكن أن نتعامل معه أو نقننه كوثائق متحفية يستشهد بها في المناسبات والمواسم، كما يريد المستشرقون. فالمستشرقون ومن هم على شاكلتهم يريدون أن يصبغوا الإسلام بهذه الصبغة، لتتم زخرفة الحياة رويدا رويدا بعيدة عنه.. وبذلك يمكن تحنيطه بعد ذلك، وتحويله إلى تراث متحفي!
والمهم هنا أن نفهم أن التراث عموما -بما في ذلك التراث الإسلامي- هو عملية ثقافية وحضارية نامية ومتطورة بصورة نسبية من مجتمع لآخر. فكل مجتمع يطور تراثه الثقافي والحضاري وينميه كما وكيفا وفقا لتصوراته الثابتة والمتغيرة.
أما الإسلام -قرآنا وسنة- فهو منهج إلهي، اكتمل بناؤه في ثلاث وعشرين سنة، ابتداء من إشراقه على رسول الله ﷺ في غار حراء، إلى وفاته ﵊، فالنقطة المركزية هنا هي أن الإسلام ليس ناميا ولا متطورا في ذاته، وإنما المسلمون، بل والبشرية كلها هي التي تنمو ويرقى فهمها للإسلام على مر العصور.
مما سبق يتضح لنا أننا يجب أن نصمم مناهجنا ونربي أجيالنا على أساس أن الإسلام -قرآنا وسنة- هو "أصول" إلهية، تشتمل على منهج إلهي لحكم الحياة، كل الحياة. وعليه فنحن ملزمون بهذه "الأصول" الإلهية إلزاما مطلقا في كل شيء، وفي كل زمان، وفي كل مكان.
وأما التراث الإسلامي بكل ما يحتويه من آداب وفنون وعلوم، وفقه، واجتهادات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، والتاريخ والجغرافيا والفلك.. إلخ، وكل الجوانب النظرية والممارسات العملية المتراكمة على مر العصور، هذه كلها يجب على مناهجنا أن تدرسها دراسة تحليلية تفسيرية تقويمية في ضوء المعايير والقيم الأصولية الثابتة لمنهج الله.
كما يجب دراسة التراث الإسلامي أيضا في ضوء معطيات العلوم الحديثة. فوظيفة معطيات هذه العلوم هي -بالإضافة إلى ترقية فهمنا لنظام الله ومنهجه ونواميسه الكونية -مساعدتنا على دراسة وفهم تراثنا وتقويمه من أجل تطويره وترقيته.
стр. 156
وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية والخطورة، وهي أننا يجب أن نفرق بين لي ذراع الأصول الإسلامية -كآيات القرآن مثلا- لتوافق معطيات العلوم الحديثة، وبين الاستفادة من المعطيات المتجددة لهذه العلوم في ترقية فهمنا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالموقف الأول خطأ في المنهج، وانهزام في المأخذ، لا يصح ولا يتناسب مع جلال كتاب الله وعالميته وشموله. أما الموقف الثاني فهو موقف المجتهدين الذين يتحلون باستعلاء الإيمان اللائق بمنهجهم الرباني، بينما هم يساهمون بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.
إذن فالغرض من دراساتنا لتراثنا هو أن نطور هذا التراث ونرقيه. ونستأنس ونسترشد بما فيه من أفكار حية، وقيم باقية، وطرائق وأساليب صالحة. فنحن قد نتفق مع بعض موضوعات هذا التراث، وقد نختلف مع بعضها الآخر؛ لذلك لسنا ملزمين به إلزاما، وذلك على العكس مع "الأصول" كما رأينا.
وليس معنى ما سبق أن نهمل دراسة التراث الإنساني العام. إذ لا بد من دراسة هذا التراث دراسة واعية ناقدة وفقا لمعايير الإسلام وقيمه الإنسانية الشاملة. وبذلك نستطيع أن نأخذ منه ما يتمتع بالمصداقية، ويتسق مع نواميس الله الكونية، وندع منه كل ما يتصل بتفسير السلوك الإنساني القائم على الولاءات المحدودة والانتماءات العنصرية المتصلة باللحم والدم، أو الأرض والطين.
ونحن إذ نقوم بدراسة التراث الإنساني، يجب أن نتمسك بعدة اعتبارات: الأول أن ديننا دين رباني، عالمي، ثابت، شامل، الثاني أن "الوسطية" و"الشهادة على الناس" قد عقدهما الله لهذه الأمة، ما دامت متمسكة بدين الله، وأن تدرك الأمة أن تمكين الله لها في الأرض، ومن ثم قيادتها وريادتها في مسيرة الارتقاء الإنساني مرهون بهذا التمسك بدين الله. الاعتبار الثالث هو أن تدرك الأمة أنها أمام تراث إنساني معاد للإسلام، وساع إلى ابتلاعه، فإذا لم تقم مناهج تربية الأجيال بدراسة هذا التراث دراسة علمية موضوعية على أساس من نواميس الله وسننه الكونية، فسوف تجد الأمة نفسها في حالة دفاع مستمر عن النفس. لا وسطية لها، ولا شهادة على الناس!
والخلاصة: أن مناهج التربية أمامها ثلاثة مستويات للدراسة والفهم:
المستوى الأول: هو مستوى الإسلام، أو "الأصول" الإسلامية غير التراثية، المتمثلة في القرآن والسنة. وهذا هو المستوى الرباني العالمي الثابت الشامل. ووظيفة مناهج التربية هي الاجتهاد في تنمية فهمنا له، وتجديد وترقية هذا الفهم دائما وأبدا.
стр. 157
والمستوى الثاني: هو مستوى التراث الإسلامي، الذي هو عبارة عن اجتهادات المسلمين على مر العصور في كل جوانب الحياة الإنسانية. وواجب مناهج التربية حيال هذا الجانب، هو أن تتناوله بالدراسة والتقويم في ضوء القيم والمعايير الأصولية، وفي ضوء المعطيات المتجددة للعلوم الحديثة، التي لا تتناقض مع الإسلام.
والمستوى الثالث: هو مستوى التراث الإنساني العام، ودور مناهج التربية حيال هذا التراث، هو دراسة أهم معالمه، وأبرز معطياته في ضوء قيم الإسلام ومعاييره الإنسانية، ونواميسه الكونية، والاستفادة من كل ما هو مفيد فيه.
стр. 158
٢٠- إدراك مفهوم الثقافة والحضارة:
إن إدراك الطلاب لمفهوم الثقافة والحضارة أمر في غاية الأهمية. وهنا يجدر الإجابة عن الأسئلة التالية:
ما معنى الثقافة؟ ومن هو المثقف؟ وما علاقة الثقافة بمناهج التربية؟
الثقافة هي الأسلوب الكلي لحياة المجتمع، الذي يتسق مع تصوره العام للكون والإنسان والحياة. وهذا المفهوم يشتمل على شقين رئيسيين:
الشق الأول عام لا يختلف باختلاف المجتمعات. فالثقافة هي طريقة المجتمع -أي مجتمع- في الحياة، فالطريقة التي يفكر بها الناس في مجتمع ما، ويعملون بها، وتقوم عليها نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والطريقة التي يتحدثون بها, ويسيرون بها في الشوارع، ويقودون بها السيارات، ويتعاملون بها مع بعضهم البعض داخليا، ومع الآخرين خارجيا، وعاداتهم وتقاليدهم.. إلخ كل هذا يطلق عليه الأسلوب الكلي لحياة الجماعة، فكل جماعة لها أسلوبها الكلي وطريقتها الشاملة في الحياة. وعند هذا الحد لا يختلف مجتمع عن آخر في أن له أسلوبا وطريقة للحياة.
ولكن ما الذي يجعل المجتمع المصري -مثلا- يختلف عن المجتمع الأمريكي أو المجتمع الروسي؟ الإجابة هي أن كل مجتمع له أسلوب للحياة وله طريقة للعيش تتسق مع عقيدته أو مع فلسفته، والفلسفات المختلفة هي سبب اختلاف الثقافات واختلاف أساليب الحياة وطرائق المعيشة. ووظيفة مناهج التربية هنا هي أن تعد أبناء المجتمع المصري -مثلا- لعيشوا الحياة المصرية التي تتسق مع الرؤية المصرية التي تتسق مع دستور مصر وعقيدتها ورؤيتها للكون والإنسان والحياة. وهذا الدور لا تقوم به مناهج التربية الدينية والتربية الوطنية فقط، وإنما ينبغي أن تقوم به أيضا مناهج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والإنسانيات خصوصا، والعلوم التطبيقية على وجه العموم.
стр. 159
ومفهوم الثقافة على النحو السابق يقودنا إلى الإجابة عن سؤال: من هو المثقف؟ فالمثقف -وفقا لما سبق- هو الشخص الذي يدرك بوضوح رؤية مجتمعه للألوهية والكون والإنسان والحياة ويؤمن بها، ويدافع بوعي عنها. ومفهوم المثقف هذا يعني ثلاثة أمور:
الأول: أن الشخص الذي ليس له رؤية لا يعد مثقفا، حتى لو كان عالما في مجال تخصصه الصرف في الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء أو التاريخ أو اللغات، حتى لو كان حائزا على أعلى الجوائز الدولية في مجال تخصصه، أو كان حائزا على شهادات عالية علمية أو ألقاب أكاديمية من جامعات عالمية شهيرة. فالمثقف شخص له رؤية.
الثاني: أن الإنسان السلبي أو المترف أو المتردد أو الصامت أو المنعزل لا يعد مثقفا مهما كان عالما؛ فالمثقف لا بد أن يسهم بفكره وعمله وعلمه ونشاطه في تغيير المجتمع وفقا لرؤيته, ورؤية المجتمع التي تتسق مع فلسفته وعقيدته. وعلى ذلك، فهؤلاء الذين يرفضون التدخل في القضايا غير العلمية البحتة في مجال تخصصهم والتي تمس الحياة العامة للناس، والذين يرفضون إبداء الرأي في المفاهيم الثقافية والفكرية والأيديولوجية، والذين يرفضون النزول إلى الشارع وإبداء الرأي في الأفكار والقيم والمشكلات والسلوكيات المطروحة ليسوا بمثقفين مهما كانت إنجازاتهم في تخصصاتهم العلمية البحتة.
الثالث: أن يكونوا قادرين على التعبير عن رؤى نظرية واجتماعية متقدمة، وفكرا وثقافيا متحددا في مستقبل مجتمعاتهم، وفي أبعاد نشاطهم -وبذلك يمكنهم الخروج عن إطار تخصصهم العلمي الضيق.
وواجب مناهج التربية هنا أن تسهم في إعداد المثقف الأصيل والمتجدد في نفس الوقت. فهي تعد المثقف القادر على الحفاظ على أصالته وأصالة مجتمعه، وعلى الحفاظ على هويته وهوية مجتمعه، وذلك عن طريق إمداده بأسس ثقافته من منابعها الأصيلة. وإمداده بمجموعة الحقائق والمعايير والخبرات والمهارات التي تجعل منه إنسانا متميزا في مجتمع متميز.
كما يجب أن تمده أيضا بمجموعة الخبرات والرؤى والتصورات التي تعينه على التفكير الابتكاري وعلى استشراف آفاق المستقبل وتحديد معالمه، وتعينه أيضا على المشاركة الإيجابية في القضايا والتحولات والمنجزات الكبرى التي تسهم في تغيير مجرى الحياة، وتؤثر في مسار واتجاه المجتمعات، وتقودهما نحو الحق والخير
стр. 160
والجمال، وأن على مناهج التربية أن تنمي شعور المتعلمين وإدراكهم للمسؤلية الاجتماعية بعناصرها الثلاثة: الاهتمام، والفهم، والمشاركة.
وتنمية الاهتمام تعني تنمية الارتباط العاطفي بالجماعة, بالحرص على استمرارها وتقدمها وتماسكها وبلوغها أهدافها.
أما تنمية المناهج للفهم فيكون عن طريق فهم الفرد لتاريخ الجماعة ولعقيدتها وفلسفتها، وعاداتها وقيمها وللظروف المؤثرة في حاضرها ومستقبلها، وتكون أيضا عن طريق إقدار الفرد على فهم المغزى الاجتماعي لأفعاله، وإدراكه لآثار أفعاله وتصرفاته وقراراته على الجماعة.
وعلى المناهج أن تنمي في الفرد الرغبة والقدرة على المشاركة مع آخرين في الجماعة, في إنجاز الأعمال التي يمليها الاهتمام ويتطلبها الفهم، بما يساعد الجماعة على إشباع حاجاتها وحل مشكلاتها، والوصول إلى أهدافها، والمحافظة على تقدمها واستمرارها.
стр. 161
٢١- إدراك الفرق بين الغزو الثقافي والتفاعل الثقافي:
لا بد أن يدرك الطلاب -على جميع مستوياتهم- الفرق بين الغزو الثقافي والتفاعل الثقافي. وذلك يقتضي التفكير فيما يلي:
أولا: إن الإسلام هو المنهج الوحيد الباقي بلا تحريف ولا تزييف, وأنه منهج كامل شامل، لا يحتاج إلى "قطع غيار" من خارجه؛ وذلك لأنه منهج رباني من خلق الله الذي خلق الكون، والإنسان، والحياة: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] إذن فلا عجب ألا يهزم الإسلام عقائديا ولا حضاريا، في الوقت الذي هزمت فيه أمته -المنحرفة عنه- سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا!
إن من سنن الله في الكون أن يقوم بناء النظم والمؤسسات المختلفة كالمصنع والمدرسة والمزرعة إلى آخره على أساس تصور معين للكون، والحياة والإنسان، ومركز الإنسان في الكون، ووظيفته في الحياة. والعقيدة والإنسان في هذا التصور هما أهم ما فيه. فالنظم والمؤسسات على أهميتها البالغة تظل فاقدة للوعي. قابلة للانهيار. إذا فقدت العقيدة التي توجهها والإنسان الذي يحرسها من الضياع والتلف والانهيار عن طريق حمايته للعقيدة التي تمثل القاعدة التي يقوم عليها بناء هذه المؤسسات.
стр. 162
وعليه فإننا عندما نبني نظاما من نظم الحياة في السياسة أو الاقتصاد أو التربية إلى آخره، فإننا لا يجب أن نخلط بين التصور الإسلامي ومنظومته الحضارية الربانية العالمية الثابتة، وبين غيره من التصورات ذات المنظومات الحضارية البشرية المتغيرة، التي تخضع في مسيرتها لكثير من نزوات البشر وشهواتهم.
لكن هذا لا يقتضينا أن نتطرف فننظر إلى مناهج الآخرين على أنها شر كلها لا ينبغي الاقتباس منها في شيء؛ فسنن الله في خلقه لا تتبدل ولا تتخلف، فمن أخذ بها وصل إلى نتائجها، وهذه السنن لا تجامل مسلما لإسلامه، ولا تعادي كافرا لكفره، كما لا ينبغي الاعتقاد أنه لا نهضة لأمتنا إلا بتقليد الغرب في كل شيء وقبول دور التابع له، فإن هذا من شأنه أن يذيب شخصية الإنسان المسلم، والأمة الإسلامية!
ثانيا: مما سبق يمكن القول: إننا نحن المسلمين لا نستطيع أن نعيش في عالم اليوم، وأن نتعامل مع الآخرين، مع الاحتفاظ في نفس الوقت بكامل كرامتنا الإنسانية، دون التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، أي: تصورا اعتقاديا، وتصورا اجتماعيا. إن هذا هو السبيل الوحيد الذي يجعل الأمة الإسلامية تقف في مصاف القوى الكبرى بمناهجها المتصارعة. وإلا فالبديل هو الذوبان في إحدى هذه القوى.
وفي اعتقادي أنه لن يصلح حاضر هذه الأمة ومستقبلها إلا بما صلح به ماضيها، مع الأخذ في الاعتبار عوامل الزمان والمكان، وحاجات الناس ومطالبهم في كل زمان ومكان.
وعليه فإن "التصور الاعتقادي" الإسلامي لا يمكن السماح بالخلط والتلبيس فيه، كما لا يمكن اقتباس شيء من خارجه لإدخاله فيه؛ وذلك لأنه تصور رباني، عالمي، ثابت، شامل. أما مناهج الآخرين الحالية، فأقل ما يمكن أن يقال فيها، إنها أزياء فصلت وطرزت لتناسب أقواما معينين في زمان ومكان معينين!
أما بالنسبة "للتصور الاجتماعي" النابع من "التصور الاعتقادي" الإسلامي فلا بد من النظر فيه: فما هو ثابت قد فصله الإسلام، وهذا لا مجال فيه للاقتباس من مناهج أخرى. وما هو متغير قد أجمله الإسلام، وهذا هو الباب المفتوح للاقتباس والتعلم من الآخرين.
ثالثا: إننا يجب أن نستعين بما يمكن الاستعانة به في مجال العلوم التقنية فقط، ودون التأثر بنمطه الحضاري العام. ويجب في هذا الإطار أن نفرق بدقة بين
стр. 163
الخصوصيات الحضارية وبين العموميات الإنسانية، وإلا فالنتيجة هي الإمعية الحضارية والتبعية الذليلة!
ومن العبث في هذا الصدد أن يقال: وماذا يملك المسلمون من خصوصيات حضارية كي يتعاملوا مع الآخرين من موقف القوة؟! ولنا في الماضي عبرة في الرد على هذا العبث المحبط اليائس: فماذا كان يملك ربعي بن عامر غير الإيمان، واستعلاء الإيمان، والرغبة في الموت في سبيل عقيدته، حينما دخل بثياب صفيقة وترس وقوس قصيرة على رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم قبيل موقعة القادسية، وكان رستم يجلس على سرير من الذهب، وقد زين مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير، واليواقيت واللآلئ الثمينة. وعندما أقبل ربعي على رستم، قالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا، وإلا رجعت. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام!
رابعا: إن الناس جميعا هم خلق الله، وقد جعلهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا، لا ليتصارعوا ويتباعدوا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] . ففكرة الإسلام هي أن الوجود واحد، وأن الإنسانية وحدة متكاملة. فالحكمة من وراء الاختلاف والتنوع، هي التعاون والتكامل وإلا فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] .
لكن الله لم يشأ أن يأخذ الناس قسرا إلى هذه الغاية، لكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهجا، وتركهم يستبقون، وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون.
إذن فتواصل الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم يجب أن يظل قائما، على أن يظل التقارب الوثيق أو التباعد إلى حد القطيعة محكوما بنواميس الهدى والضلال التي تمشي بها مشيئة الله في الناس. وعليه فإنه في سبيل إقامة علاقات تفاهم وتعاون مع الآخرين لحفظ السلام في العالم، لا يجب أن نتجاهل المبادئ والسنن الكونية في الحق والعدل في فلسطين وفي البوسنة وغيرهما، فمثل هذا التجاهل لا يؤدي إلى التفاهم الدولي ولا إلى الإسلام العالمي، بل إلى التنازل عن الحقوق
стр. 164
الإنسانية الضرورية، تنازل المقهور بقوة قاهره. وهذا -في النهاية- لن يؤدي إلى إقامة حق ولا عدل ولا سلام.
خامسا: إن الغرب يقيم تصوره للكون والإنسان والحياة على أساس السيطرة على الأرض واستغلال ثرواتها، واحتكار طاقات أبنائها، وقد تمت هذه السيطرة أولا عن طريق الاحتلال العسكري. وتتم هذه السيطرة الآن وتعمق تقنيا عن طريق وسائل السيطرة عن بعد كالراديو والتلفاز، والفيديو، والبث التليفزيوني الدولي المباشر عن طريق الأقمار الصناعية. كما تتم السيطرة الثقافية والفكرية عن طريق عرض النظريات العقائدية ذات النظم الاجتماعية الناجحة ماديا واقتصاديا، وعن طريق الاحتلال الثقافي والفكري بالواسطة، عن طريق من سبق تسميتهم في الغرب "بسلسلة القياد" وهم مجموعات الشباب والمثقفين الذين درسوا في الغرب، ثم عادوا إلى بلادهم -وهم ما يزالون يعيشون داخل المنظومة الغربية- ليحتلوا مواقع المسئولية، ويقودوا الحياة الاجتماعية بموجبات غربية!
إننا في هذا الصدد لا بد من أن نفرق بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي. فالتفاعل الثقافي يتم بين طرفين متعادلين، يأخذ كل منهما من الآخر ويعطيه. وهذا التفاعل مرغوب. بل ومطلوب. أما الغزو الثقافي فيتم بين طرفين أحدهما قوى غالب، والآخر ضعيف مغلوب على أمره. وهذا المغلوب -عادة- ما يتحول إلى مبهور، ثم إلى مقهور بقوة قاهره.. فيؤخذ منه كل شيء.. ما يريد، وما لا يريد.
إنه لا عاصم لنا اليوم من هذه الهجمة العاتية إلا العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة وتنظيما حياتيا كاملا. وإذا كان الآخرون متقدمين ماديا واقتصاديا، فهم مفلسون إلى حد كبير في عالم "القيم"، القيم التي يمكن أن تنشأ في ظلها حياة إنسانية كريمة، وتوظف في ظلها نتائج العلم في عمارة الأرض وترقية الحياة الإنسانية، وليس في السيطرة والاحتكار!
إننا في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط، نستطيع أن نتعامل مع الآخرين ليس من موقف الضعيف المغلوب، بل من موقف القوى العادل. إن الآخرين قد يعطوننا المنتجات الصناعية ولكنهم لن يعطونا المصانع، وقد يعطوننا الأجهزة التكنولوجية، ولكنهم لا يعطوننا أسباب التكنولوجيا؛ لأن هذه ببساطة إحدى أهم وسائلهم في السيطرة. إنني أومن إيمانا راسخا أننا لا نحتاج إلى التكنولوجيا أولا، بل نحتاج أولا إلى أن نحول الإسلام إلى عقيدة راسخة، وحركة إيجابية فاعلة في كل جوانب حياتنا، ساعتها، وساعتها فقط، سوف نملك أسباب التقانة في زمن قصير
стр. 165
جدا. وأمامنا الآن نماذج لبلدان كانت خرابا يبابا من عشرين سنة فقط، وقد تحولت في هذه الفترة القصيرة إلى عملاق اقتصادي وثقافي يهدد كل السابقين عليه!
سادسا: إذا كان الرسول ﵊ يقول: "الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها"؛ فقد يكون من الحكمة أن نرسل أبناءنا الآن إلى الغرب -بعد أن نسلحهم بفهم منهج الله للكون والإنسان والحياة- لدراسة العلوم البحتة والتطبيقية. كالرياضيات والعلوم، وكل علوم الصناعة والزراعة والإدارة، وعلوم الحرب وفنون القتال، وكل العلوم الأخرى التي ليس لها صبغة فلسفية، ولا علاقة لها بتفسير السلوك الإنساني.
لكن الأمر المجافي للحكمة تماما، ولا يتسامح فيه الإسلام هو أن يتلقى المسلم أصول عقيدته، أو مقومات تصوره، أو تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، أو منهج تاريخه وتربيته، أو تفسير نشاطه، أو مذهب مجتمعه، أو نظام حكمه، أو منهج سياسته، أو موحيات فنه وأدبه وتعبيره من مصادر غير إسلامية، أو يتلقى في كل هذا من غير مسلم يوثق في دينه وتقواه.
يقول الله -سبحانه- عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
مما سبق يمكن تلخيص موقف الأمة في مستقبل علاقاتها مع الآخرين فيما يلي:
١- الأمة الإسلامية -بحكم رسالتها، وبحكم وسطيتها وشهادتها على الناس لا بد من أن تتصل بالغرب وتتعامل معه. وهي إذ تقوم بذلك إما أن تكون بكامل إرادتها وسيادتها، فيكون لها التمكين والنصر والريادة، وإما أن يتم ذلك وهي مفككة، مسلوبة الإرادة فيكون مصيرها الانهيار والذوبان في الآخرين أو فقدان الشخصية الفاعلة على الأقل!
٢- ولكي تتعامل الأمة مع الغرب بكامل إرادتها، لا بد من أن تتوحد إرادة أبنائها من خلال تجسيد المنهج الإسلامي في مجتمعاتها، باعتبار المنهج الإنساني العالمي الأخير لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. إن هذا هو طريق العزة الوحيد لهذه الأمة، وقد صور ذلك عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: "لقد أعزكم الله بالإسلام، فإن ابتغيتم العزة في غيره أذلكم الله".
стр. 166
٣- لا بد أن يكون للأمة الإسلامية بأقطارها المتنوعة استراتيجية ثابتة في التعامل مع بعضها البعض، وفي التعامل مع الآخرين، بحيث يكون التعامل فيما بينها قائما على أساس الإيمان بالله، والاعتصام بحبل الله المتين، ويكون تعاملها مع الآخرين على أساس الأخوة في الإنسانية، والتعاون، والتكامل، والتآزر في إقامة العدل، ونبذ الاستغلال والاحتكار والربا والظلم في كل مكان. على أن يكون واضحا للجميع أن سلوك الأمة هذا نابع من تصورها العقدي، وتصورها الاجتماعي المشتق منه. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
стр. 167
٢٢- ترسيخ مفاهيم العدل والسلام في عقول الطلاب:
إنه لا بد من ترسيخ مفاهيم العدل والسلام في عقول الطلاب وضمائرهم وسلوكياتهم. إن إنسان هذا العصر يعاني من الفقر الشديد في السلام مع نفسه، ومن فقر مماثل في السلام مع الكون من حوله. ومن أوضح مظاهر الفقر في السلام مع النفس، انتشار الأمراض النفسية والعقلية والعصبية نتيجة عدم الإيمان بالله، وعدم وضوح المنهج والهدف، وكثرة الإضلال والتضليل. وما ترتب على ذلك من شيوع الإدمان، والانتحار والاغتصاب -رغم الإباحية الجنسية- والإيدز والمخدرات والتلوث ... إلخ.
ومن أوضح مظاهر الفقر في السلام مع الكون، الاختلال الواضح الآن في توازن البيئة، بسبب الكم الهائل من مخلفات المصانع والمواد الكيماوية المنطلقة في الجو، وما أدى إليه من تآكل طبقة "الأوزون" في الغلاف الجوي المحيط بالأرض مما يعتبر خطرا داهما يهدد البشرية كلها بآثار لا يفوقها في المخاطر والأهوال سوى النتائج المترتبة على قيام حرب نووية تبيد سكان هذا الكوكب، وتقضي على حضارة الإنسان. ويمكن الإضافة إلى هذا تلاحق الحوادث الخطيرة التي باتت تهدد الإنسان مثل كوارث المفاعلات النووية، ودفن النفايات الكيماوية السامة في قيعان البحار أو في بلاد العالم الفقيرة!
والحقيقة أنه إذا كان كل نذر الفوضى والخراب والدمار تندلع شرارتها من عقول البشر، فإن استحكامات العدل والأمن والسلام ودفاعاتها يمكن أن تبنى أيضا في عقول البشر وضمائرهم. ومنهج التربية في الإسلام هو المنهج الوحيد القادر على بناء قواعد العدل واستحكامات السلام في عقول البشر وضمائرهم. فالذي لا شك فيه أنه إذا اكتملت تربية الإنسان واكتمل تأهيله وفق منهج الله، فإن الاستقامة على العدل والسلام تصبح طابعه الحضاري.
стр. 168
إن إرساء قواعد العدل والسلام في العالم وإيقاف الحروب والصراعات والمؤامرات حفاظا على الأجيال الحالية من البشر، والحفاظ على البيئة ووقف استنزافها، وتجريم تخريبها حماية لمستقبل الإنسانية -كل هذا لا يمكن أن يتم دون تصحيح تصور الإنسان للكون والإنسان والحياة، وفهم مركز الإنسان في الكون ووظيفته في الحياة.
إن بناء قيم العدل والسلام في عقول البشر وضمائرهم لا يمكن أن يتم من خلال مناهج للتربية تقوم على أساس عدم الإيمان بالله، وإنكار حقيقة الألوهية، واعتبار الطبيعة خالقة، وأنها الجوهر الأول، وأصل كل شيء، ومصدر كل شيء كما يعتقد أنصار المدرسة المادية التي تنكر الغيب ولا تعترف بغير القوى المادية المحسوسة. كما لا يمكن أن يتم هذا من خلال مناهج تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، واعتبار أن للبشر ملكوت الأرض، ولله ملكوت السماء!
إنه لا ضمان لعدل ولا أمل في الإسلام عندما يعزل الدين عن الحياة، أو تغتصب الحاكمية والسيادة من شريعة الله لحساب النظام العالمي الجديد، أو لحساب الرغبة في الهيمنة والاحتكار والقهر كما تفعل ذئاب الكون المعاصرة.
إن شريعة الله التي سنها لتنظيم حياة البشر، هي شريعة كونية متصلة بناموس الكون العام، ومتناسقة معه؛ ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ عن ضرورة تحقيق التناسق بين حياة الإنسان، وحركة الكون الذي يعيش فيه، وبذلك فإن العمل بهذه الشريعة واجب حتمي لتحقيق هذا التناسق.
إن هذا التناسق يحقق للإنسان السلام مع نفسه، كما يحقق له السلام مع الكون المحيط به. أما السلام مع النفس فينشأ من توافق حركته مع دوافع فطرته الصحيحة، وبذلك تنتظم حركة الإنسان الظاهرة مع فطرته المضمرة.
وأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركة الإنسان مع حركة الكون المحيط به في الاتجاه والغاية. بذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق هدايتها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه، واستخدام هذا كله وفق شريعة الله لتحقيق الخير البشري العام، بلا تعارض ولا اصطدام.
ولهذا فإنه عندما يحيد الإنسان عن هذه الشريعة فإنه يحدث نوعا من الشقاق الذي يؤدي حتما إلى كوارث نفسية وكونية، فالحياد عن شريعة الله يحدث الشقاق بين الإنسان وفطرته السليمة التي فطره الله عليها، فيصاب بأبشع الأمراض النفسية والجسمية.
стр. 169
والحياد عن شريعة الله يحدث الشقاق بين الإنسان من جانب، وبين الكون من حوله الخاضع لله بفطرته من جانب آخر؛ فتحدث الكوارث الطبيعية التي تدمر الإنسان في كل مكان؛ حيث تنقلب طاقات الكون وذخائره وقواه من وسائل لتعمير الحياة وترقيتها إلى عوامل تدمير وخراب وشقاء للإنسان والبيئة والكون جميعا.
وعلى هذا فإننا إذا أردنا بناء العدل والسلام في عقول البشر وضمائرهم، فعلينا ألا نسمح بالحياد عن رابطة العقيدة في مناهج التربية لحساب الروابط والولاءات الجغرافية والتاريخية، والسياسية والاجتماعية والشعوبية.. وما إلى ذلك من الروابط المتصلة بنواحي العنصرية البغيضة والعصبية المنتنة.
إنه لا يمكن بناء معايير العدل والسلام في عقول البشر عندما تختفي من مناهج التربية قيمة إعداد "الإنسان" ليكون خليفة لله في عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها لحساب إعداد "المواطن" المقطوع الصلة بالله، الذي لا يتسع ولاؤه لأكثر من جماعة من الناس على رقعة ضيقة من الأرض في زمان ومكان معينين! إن هذا المواطن المقطوع الصلة بالله، مهما أتقن العمل وأقام المصانع والمزارع، ومهما اخترع وابتكر، فسوف تتحول نتائج أعماله وابتكاراته إلى عوامل تخريب وتدمير وشقاء؛ لأنه ابتغى العلم والعمل لغير وجه الله، والعلم يأبى أن يكون إلا الله.
إنه لا يمكن بناء العدل والسلام في عقول البشر وضمائرهم، عندما تختفي من مناهج التربية في العالم قيمة بناء الأسرة المتخصصة في العمل بين الزوجين. الأسرة التي تعتبر أن مهمتها الأساسية تربية الناشئة على أساس قويم من الإيمان بالله، والأخوة في الله، والأخوة في الإنسانية. إنه عمدما تختفي هذه القيمة لحساب العلاقات الجنسية "الحرة"! واختلاط الأنساب، وفقدان الولاء للأسرة، وإفراغ طاقة المرأة في الأعمال التي لا تناسب فطرتها.. إنه عندئذ لا ضمان لعدل، ولا أمل في سلام.
وباختصار إن العالم كله -ونحن في مقدمته- في حاجة إلى منهج الإسلام للتربية. فهذا المنهج هو المنهج الوحيد القادر على تربية الأجيال على أساس الإيمان بالله والأخوة في الله، والأخوة في الإنسانية، إنه المنهج الوحيد الذي يستطيع بناء عقول البشر وضمائرهم من خلال مفاهيم وقيم وسلوكيات إنسانية عادلة. وما ذلك إلا لأنه المنهج الوحيد الباقي، الذي يبدأ بسلام الإنسان مع الله، وسلامه مع نفسه، ومع المحيطين به.. وصولا للسلام مع البيئة والطبيعة والعالم كله من حوله، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
стр. 170
٢٣- الاهتمام بالسيطرة على مهارات اللغة العربية:
يجب أن تهتم المناهج بتعليم اللغة العربية وإعطائها الأولوية في التعليم قبل أية لغة أخرى، فاللغة العربية هي لغة مقدسة فوق أنها لغة قومية.
إننا عندما كنا ندرس في بلاد الإنجليز كنا نغبطهم بسبب غيرتهم على لغتهم. فكثيرا ما كانوا يصححون لنا لغتنا -بطريقة ذكية- ونحن نتحدث معهم. وفي العام الماضي حقق وزير التربية البريطاني انتصارا سياسيا بعد أن استجاب المسئولون عن التربية والتعليم في المدارس الابتدائية البريطانية لقراره الذي يدعو إلى ترك العاميات إلى اللغة السليمة، بحيث يصبح جميع تلاميذ المدارس الابتدائية قادرين على القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية الفصيحة.
وعلى العكس من ذلك نتصرف نحن مع لغتنا في بلادنا. فلا أعتقد أن أمة سوانا تمارس عدوانا على لغتها مثلما نفعل. وقد يكون مفهوما أن تجد العربية خارج حدودها أعداء يكيدون لها، لكن المؤلم حقا أن يكون بعض هؤلاء الأعداء من بنيها، عن قصد أو عن غير قصد، لذلك فالعربية اليوم تجاهد في جبهتين أقربهما أمرهما وأقساهما؛ لأنها تقاتل حينئذ قطعا من نفسها، وظلم ذوي القربى أشد مرارة على النفس. ولو كتب لها النصر في هذه المعركة فإن ما عداها يهون.
لقد أصبنا "بالإيدز اللغوي"؛ أي: فقدان المناعة اللغوية، لدرجة أن العدوان على لغتنا لا يستوقف معظمنا!
فهناك من صك الغرب عقولهم، وطبع على قلوبهم، ثم ابتعد وتركهم يؤدون دوره، وهم أناس من جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، لكنهم يحترمون كل تراث إلا التراث الإسلامي، ويؤثرون كل لغة إلا العربية، ويلوون ألسنتهم برطانات الغرب، ويفاخرون بها. هؤلاء هم من يؤدي الغرب عن طريقهم الدور المطلوب، البطيء الخطوات، الأكيد المفعول!
وهؤلاء عادة ما يصيحون -كما يقول الشيخ محمد الغزالي- ما للغة العربية وعلوم الطب والهندسة والصيدلة؟ إن تعريب هذه العلوم مستحيل! وهم -عادة- لا يعيرونك آذانا صاغية عندما تقول لهم: إن اللغة العربية يجب أن تعود لغة العلم والتأليف العلمي كما كانت من قبل. إن اليهود قد نقلوا العلوم الحديثة إلى العبرية، وهي لغة ميتة؛ استخرجت من المقابر، وحررت من الأكفان، فهل تعجز العربية -وهي لغة حية راقية- لغة الوحي الإلهي -عما حققته العبرية؟!
стр. 171
إننا نريد تعريب المعرفة لا دعم التغريب وتكريسه. وإذا فشلنا في تعريب العلوم وإنشاء مصطلحات جديدة تناسب الارتقاء العلمي في كل المجالات، فإن هذا يعني أمرا واحدا هو أننا متسولون في ميادين الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء.. إلخ. وسنبقى متسولين أبدا.
إننا نملك ناصية المعرفة عندما ننقلها إلى لساننا، أما عندما ننتقل نحن إلى ألسنة الآخرين، فسنكون عالة عليهم، وسنبقى أتباعا ضائعي الهوية، لا قيمة لنا في الأرض، ولا وزن لنا في السماء!
إن وضع اللغة العربية في أقطار العالم العربي مؤسف إلى حد الإبكاء. أقطار كاملة من أملاك العربية لا تكاد تسمع فيها العربية على الإطلاق، فقد أسلمت قيادها للهجة أو عدة لهجات محلية طاغية على كل ما فيها ومن فيها، في البيت والشارع ووسائل الإعلام والإعلان.. إلخ.
وليت الأمر يتوقف عنه هذا الحد، بل إنك لتجد المعلمين في المدارس، والأساتذة في الجامعات يدرسون ويحاضرون باللهجات العامية. فإذا سألت أحدهم: لماذا لا تدرس باللغة العربية؟ فإذا كان عربي التخصص فقد يعتذر بأنها "العادة" التي طغت على تدريسه، وقد يعد بأنه سوف يحاول. وإذا كان معلما لمادة غير العربية وآدابها، فربما جاء اعتذاره أقبح من الذنب قائلا: وما أهمية ذلك؟ أنا لست "بتاع" عربي! وهنا يحس المرء حقيقة أن اللغة العربية ليست بحاجة إلى الاهتمام بتعليمها وممارستها فقط، بل هي بحاجة إلى الحب أولا وقبل كل شيء. فهل نستطيع أن نعلم أبناءنا وشبابنا حب لغتهم والاعتزاز بها؟!
وهناك أقطار كاملة أخرى من أملاك العربية تحتلها رطانات أسيوسية وأوربية تصر على أن تملأ آذان الحياة بضوضائها ولغوها. وقد تسللت هذه الرطانات والضوضاء إلى داخل البيوت، والمخادع، وتولت تربية الأطفال، وفرضت أصواتها ونبراتها ولكنتها على الأسرة العربية، وروجت أذواقها وأفكارها، كما روجت بضائعها ومنتجاتها.. حتى ليتذكر المرء وهو ضائع بين هذه الرطانات والعناصر الثقافية الغربية قول المتنبي في شعب بوان:
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
إننا نتطلع إلى اليوم الذي يتحول فيه كل العرب إلى عشاق مغرمين بلسانهم، ذائبين في حرفه، يحسنون درسه، ويجيدون نطقه، ويلزمون غرزه، فلا ينطقون على أرض العرب إلا بالعربية، وعلى من أراد أن يعيش بين ظهرانيهم من الأجانب أن يتعلم لسانهم، ويعاملهم بكلامهم. عندئذ سوف تكون لنا مكانة في الأرض وذكر في السماء.
стр. 172
٢٤- إدراك أهمية التفكير العلمي وفهم مناهجه، والتدريب على أساليبه:
لا بد أن يدرك الطلاب أن المنهج الترجيبي قد نشأ على يد علماء المسلمين لخدمة أغراض البحث العلمي في العلوم الطبيعية والحيوية. وكانت مهمة البحث عن طريق هذا المنهج هي اكتشاف قوانين الله في الكون، ثم استخدام هذه القوانين في إعمار الأرض وترقية الحياة على ظهرها.
وقد انتقل هذا المنهج إلى أوربا، ثم انتشر هناك إبان عصر النهضة على يد مجموعة من العلماء وعلى رأسهم "روجرز بيكون". وقد غطى هذا المنهج على المنهج الذي كان سائدا هناك حتى ذلك الوقت، وهو المنهج القياسي لأرسطو.
لكن الفصام النكد بين الكنيسة والحياة -والذي حدث في بداية عصر النهضة في أوربا كرد فعل للهيمنة والمظالم التي فرضتها الكنيسة هناك بغيا وعدوا باسم الله- جعل الباحثين يفصلون بين هذا المنهج وأصله الاعتقادي، ويتحررون من المقولة الدينية وهي: أن غاية البحث فهم قوانين الله في الكون والإنسان والحياة، ويستبدلون بها مقولة أخرى مؤداها أن المعارف تأتي وتنمو عن طريق الملاحظة والتجربة وحدهما. وأن الطريق الصحيح لتكوين المعارف هو طريق التحليل، أي: الملاحظة والتجربة، لا التركيب؛ أي: الاستقراء والبرهنة. ويستوي في ذلك العلوم الطبيعية والحيوية، والعلوم المتصلة بتفسير السلوك الإنساني مثل علوم النفس والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية، واللغات والفنون والآداب ... إلخ.
وأخذ أنصار هذه المدرسة المحدثون يدعون إلى فهم حركة الكون على أساس أن في طبيعة الظواهر الطبيعية قوانين حتمية لا تتخلف وأن هناك "جبرية" طبيعية في خلق الكون وتسيير حركته. فالطبيعة هنا خالقة وليست مخلوقة لله! وغاية البحث في العلوم الطبيعية والحيوية هي كشف القوانين والنظريات التي تحكم الظواهر الحيوية والطبيعية بغية تفسير الأحداث، والتنبؤ بها والتحكم فيها.
لذلك فإن "المنهج التجريبي" لدى أصحاب النزعة الوضعية في أوربا هو المنهج الوحيد القادر على إثمار المعارف اليقينية، والصالح للبحث العلمي، والمستحق لاحترام العلماء والمفكرين. فأصحاب هذه النزعة قد اختزلوا الكون إلى الكون
стр. 173
المشهود، وأنكروا الكون المغيب، واختزلوا عالم الإنسان إلى "عالم الشهادة" وأنكروا الحياة الآخرة؛ واختزلوا مصادر المعرفة الصحيحة إلى الظواهر المادية فقط دون غيرها، ومن ثم اختزلوا أدوات المعرفة وقصروها على الحواس فقط.
لكن المنهج الإسلامي لا يقف بمصادر المعرفة عند المنهج التجريبي وحده.. إنه لا يهمله ولا يغض من شأنه، ولا من شأن ثمراته المعرفية -فهو أحد إبداعات الحضارة الإسلامية، فيها تبلور وأعطى ثمراته، قبل أن ينتقل ويتطور لدى الغرب- ولكنه لا يقول بتفرده كسبيل للمعرفة، ولا يرى أنه سبيل للمعرفة القطعية المطلقة، فهناك المعرفة اليقينية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهناك المنهج الاستقرائي الذي يستنبط به الإنسان من الجزئيات المادية معارف تقطع بضرورة وجود غير مادي١.
وهناك المنهج العلمي للنظر العقلي، ويسميه الغزالي بمنهج "التفكير"، ويحدث إذا غلب نور العقل على أوصاف الحس، وهنا يستغني العالم بقليل من التفكير على كثير من إدراكات الحواس.
ويتطلب المنهج العلمي للنظر العقلي من الباحث المسلم أو المفكر المسلم أن يعمل على تمحيص الحقيقة، وعدم التأثير بمقررات سابقة، ولا مقررات ذاتية لا برهان عليها، ولا بمجرد الظن: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ، "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" [رواه البخاري] .
وهو منهج يحث العقل على طلب الدليل في كل اعتقاد: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥] .. وقال ﷺ : "قيدوا العلم بالعقل، وقيدوا العقل بالكتاب".
كما يوجه العقل إلى عدم التسرع في إصدار الأحكام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
وإلى عدم نشر ما يسمع قبل دراسة المختصين له، وإصدار الحكم عليه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
стр. 174
وهناك "الإلهام" والإلهام هو تنبيه الله للنفس الإنسانية وإلهامها بالأفكار والعلاقات على قدر صفاتها وقبولها وقوة استعدادها، ومقدار سعيها، وتعلم الإنسان عن طريق إلهام الله له يمكن إدراكه في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالآية دعوة صريحة إلى المؤمنين بتقوى الله، فهو الذي يعلمهم ويرشدهم، وأن تقوى الله تفتح قلوبهم للمعرفة، وتهيئ عقولهم للتعلم. ويؤكد هذا أيضا قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] . فالإلهام -إذن- وسيلة من استعداداتها وطاقاتها المدركة إلى طريق الخير أو إلى طريق الشر.
إهمال دراسة المنهج العلمي للبحث في التصور الإسلامي:
لكن الباحثين والمفكرين المسلمين قد أهملوا في القرون الأخيرة -للأسف الشديد- دراسة مناهج البحث العلمي في التصور الإسلامي، وأهملوا بالتالي تطبيقاتها في حياتهم الفكرية والاجتماعية. وساروا بدلا من ذلك وراء المدارس الوضعية الغربية التي تنكر الوحي، وتتنكر لفكرة الرسالات والنبوات، وترفض التعامل مع الغيب، ولا تؤمن إلا بعالم الشهادة، وبذلك تسقط كل المعارف التي لا تخضع للتجريب المعملي وملاحظة المحسوسات!
ولقد كان من أهم آثار استخدام منهج البحث في العلوم الطبيعية والحيوية في العلوم الاجتماعية والتربوية، أن رسخ في أذهان الأجيال من العلماء والباحثين: "أن المعرفة العلمية المنضبطة في المجالات الاجتماعية والتربوية لا بد أن تكون نتاج التجريب والتحليل، وأن المعارف التي تفرزها عقول البشر وإبداعاتهم عن غير هذا الطريق ليست معارف، وأن ما تركب منها ليس علما"١. ولا شك أن هذا يمثل مفهوما متخلفا للعلم والمعرفة على سواء.
والذين يشجعون استخدام منهج التجريب والتحليل في البحوث الاجتماعية والتربوية يبنون نظريتهم على افتراضات أساسية يصعب الدفاع عنها، كالحياد العلمي، وموضوعية الحقيقة، وصدق الملاحظة، إلخ.
وقد سبق أن قلنا إن "الحقائق العلمية" ليست أكثر من مجرد افتراضات راجحة، ليست قطعية الدلالة ولا مطلقة الدلالة، وقد بدأ كثير من علماء الغرب يقللون من شأن التجريب ويؤكدون أنه لا توجد نظرية محايدة، وأن ملاحظة أي باحث تتأثر إلى درجة كبيرة بنظريته، وفروضه، وإطار عمله، وخلفيته المعرفية. وأن الحياد العلمي والملاحظة الموضوعية اللذين كثر الكلام عنهما أمران مشكوك فيهما. وقد أكد "جون
стр. 175
ديوي" أن الإدراك وهو أول ثمرة الملاحظة الحسية، ولا يمكن أن يكون محايدا، وإنما هو متأثر -دائما- بالمعرفة السابقة للملاحظ وذكائه. وبدون هذا يكون الإدراك مجرد استثارة حسية يستوي فيها الإنسان والحيوان.
ثم إن الصيغة التجريبية التحليلية إذا كان من الممكن الاعتماد عليها -كما يقول الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم- في الحصول على المعارف الخاصة بالماهيات "Know What "S والكيفيات "Know how "S، فإنها تحمل تحديد المسارات والأهداف والغايات، وبذلك تهمل المعتقدات والقيم الإنسانية والقيم الخلقية النابعة منها.
ولقد أدى تبني هذا المنهج في البحث التربوي إلى مساوئ كثيرة من أهمها ما يلي١:
١- تركيز البحث على اكتشاف العلاقة بين متغيرين أو ثلاثة -غالبا- في ظاهرة من الظواهر التربوية، مع أن الظواهر التربوية معقدة، ولا يمكن اختزال المتغيرات فيها إلى عاملين أو ثلاثة.
٢- إن الإجراءات المفتعلة في التحديد المسبق لمتغيرات التصميم التجريبي في العلوم الاجتماعية والتربوية منها على وجه الخصوص، قد أدى إلى تسييد تقنيات البحث وأدواته، وإلى أن تتم مواءمة مشكلات الدراسة لتخدم هذه التقنيات والأدوات، وليس العكس، وهو ما يجب أن يكون. وبذلك أصبحنا نرى بحوثا تجرى لخدمة صنعة البحث وأدواته وتقنياته، أكثر مما تخدم الإنسان أو المجتمع الذي أجري البحث من أجله أصلا. وقد أدى شيوع هذا في مجال البحث التربوي إلى الفصام النكد الموجود حاليا بين البحوث التربوية والممارسات التربوية.
٣- لقد أدى استخدام هذا المنهج إلى التأكيد على المغزى الإحصائي للفروق، بدلا من التركيز على المعنى الاجتماعي والتربوي، ولقد أدى هذا بدوره إلى نماء الاتجاه نحو الاستخدام الإحصائي على حساب التفكير والمناقشة والبرهنة.
٤- لقد أدى هذا الاتجاه في البحث التربوي والاجتماعي عموما إلى عدم الإيمان بقيمة البحث إلا إذا كان إمبريقيا، وإلى تركيز الجهود والطاقات في البحث على دراسة الواقع بطريقة مباشرة، والتحديد الإجرائي للمصطلحات، ودراسة العلاقة بين متغيرين أحدهما مستقل والآخر تابع، وتصميم الاستبانات على هيئة تحقيقات جنائية في معظمها!
стр. 176
ولقد أدى كل هذا إلى إهمال التنظير، فلا البحوث تبدأ من نظرية معينة، ولا هي تنتهي إلى بلورة نظرية خاصة بنا.. وبمرور الوقت نمت الاتجاهات المعادية للتنظير، على أساس أنه "كلام إنشائي" أو "عبارات خطابية"! "واعتبرت دراسة الماجستير والدكتوراه تدريبا على استخدام أدوات البحث، كأن التنظير لا يحتاج إلى تدريب، ولهذا اختلطت الأمور، واتجهت البحوث إلى معالجة الأعراض على أنها الأمراض، واهتمت بالموضوعات المحدودة الصغيرة، لأنها أكثر مناسبة لاستخدام أدوات البحث١.
والخلاصة: أن التصور الإسلامي لمناهج البحث العلمي لا يقف بمصادر المعرفة عند المنهج التجريبي وحده، إنه لا يهمله، ولا يقلل من شأنه ولا من شأن ثمراته المعرفية وإنجازاته التقانية الرائعة، فهو أحد ثمرات الحضارة الإسلامية الرائعة للإنسانية كلها. لكنه لا يقول بأنه السبيل الوحيد للمعرفة؛ فهناك المعرفة الربانية اليقينية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهناك المنهج الاستقرائي الاستنباطي، وهناك المنهج العلمي للنظر العقلي، وهو منهج التفكير القائم على العلم والخبرة، وتمحيص الحقائق، وعدم التأثر بمقررات سابقة لا برهان عليها، وعدم الاعتماد على الظن، وطلب الدليل في كل اعتقاد.
стр. 177
٢٥- إدراك الطلاب لمفهوم الفن والأدب:
الفنون تجارب شعورية نقلت إلينا عبر تجارب لفظية أو عملية بطريقة موحية. والتجارب الفنية هي تعبير عن تصور الفنان لحقائق الألوهية والإنسان والحياة. فإن كانت التجارب الفنية -أدبية كانت أو غير ذلك- متسقة مع التصور الإسلامي فهذه فنون إسلامية، وإن كانت غير ذلك فهي بحسب ذلك. والأدب في ذلك كالفنون الأخرى؛ حسنه حسن، وقبيحه قبيح. إن الفن الحقيقي إحياء للوقت وليس قتلا للوقت، وهو ثقافة فنية وليس مجرد تسلية.
ولقد يكون الأدب أشد المؤثرات في تكوين فكرة وجدانية عن الحياة، وفي طبع النفس البشرية بطابع خاص، ومن هنا يجب أن يكون لنا أدب نابع من التصور الإسلامي.
ومن العبث محاولة تجريد الأدب أو الفنون عامة من القيم التي تحاول الذود عنها، كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للوجود والحياة. ولو أفلحنا في هذا الفصل -وهذا مستحيل- فلن نجد سوى عبارات خاوية، أو جوفاء، أو أصوات غفل، أو إشكال بلا معنى.
стр. 178
والإسلام تصور معين للحياة، تنبثق منه قيم خاصة لها. فمن الطبيعي إذن أن يكون التعبير عن هذه القيم، أو عن وقعها في نفس الفنان، ذا لون خاص١.
وأهم خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة، تملأ فراغ النفس والحياة، وتستنفد الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات.
وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق، فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية وتوكيد الصلة بين الخالق والمخلوق، أو بين مفردات هذا الوجود. وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف، أو لتحقيق هدف، مهما علا واستطال.
وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها، لا للرضى بواقعها في زمان ما أو في مكان ما، ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح، ومن نزعات وقيود، سواء في فترة خاصة أو في المدى الطويل.
مهمة الإسلام دائما أن يدفع بالحياة إلى التجديد والنمو والترقي، وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع.
ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة، قد لا يحفل كثيرا بتصوير لحظات الضعف البشري، ولا يتوسع في عرضها، وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبررها، فضلا عن أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع، فلا ضرورة لإنكاره أو إخفائه.
إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفا، ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة. ويدرك أن مهمته هي تغليب القوة على الضعف، ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها، لا تبرير ضعفها أو تزيينه.
والنظرية الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض، ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تجديد الحياة وترقيتها. ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه، ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية، أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلب، إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة، ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تجدد الحياة وترقيها، سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة.
стр. 179
كذلك ليست وظيفة هذا الأدب تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي، وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها. بل الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان، والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة بعالم البشر، لا بقطيع من الذئاب.
والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي أدب أو فن موجه باتجاه أن الإسلام حركة تجديد وترقية مستمرة للحياة، فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل، ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع، فمهمته الرئيسية تطهير هذا الواقع وتحسينه، والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة.
إنه لمن الأهمية بمكان "أن نقرر هنا أن الأدب أو الفن الإسلامي أدب أو فن موجه، موجه بطبيعة التصور الإسلامي للحياة وارتباطات الكائن البشري فيها، وموجه بطبيعة المنهج الإسلامي ذاته، وهي طبيعة حركية دافعة للإنشاء والإبداع، وللترقي والارتفاع. ولست أعني التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ، وإنما أعني أن تكيف النفس البشرية بالتصور الإسلامي للحياة، هو وحده سيلهمها صورا من الفنون غير التي يلهمها إياها التصور المادي، أو أي تصور آخر، لأن التعبير الفني لا يخرج عن كونه تعبيرا عن النفس كتعبيرها بالسلوك في واقع الحياة.
وأخيرا فالإسلام لا يحارب الفنون ذاتها، ولكنه يعارض بعض التطورات والقيم "المنحرفة" التي تعبر عنها هذه الفنون. ويقيم مكانها -في عالم النفس- تصورات وقيما أخرى، قادرة على الإيحاء بحركات جمالية إبداعية، وعلى إبداع صور فنية أكثر جمالا وطلاقة، تنبثق انبثاقا ذاتيا من طبيعة التصور الإسلامي، وتتكيف بخصائصه.
ولا ينبغي أن نفهم من هذا تحريم الآداب الأوربية على الناشئة المسلمة. فالذي نعنيه هو مجرد الاختيار والانتقاء. ففي هذه الآداب ما تلتئم روحه من بعض الجوانب مع الروح الإسلامية، لا لأنه حث على الفضائل وتقبيح للرذائل، فالأدب ليس منبرا خطابيا للوعظ والإرشاد. ولكن لأنه ينظر إلى الحياة نظرة روحية أرفع من المادة، ولأنه يعترف بالقيم المعنوية للحياة. فهذا اللون من الأدب يتفق في روحه مع المنهج الإسلامي في عمومه. ويمكن دراسته مع حسن الاختيار.
стр. 180
٢٦- بناء الشخصية القوية الكادحة لا الشخصية المترفة:
يلفت القرآن الكريم النظر بشدة إلى كراهية الإسلام للترف، وحبه للكد والكدح، فبالمقارنة بين الكد والكدح، والإحسان في العمل، والإتقان فيه، وعمارة الأرض وترقية الحياة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ما يؤدي إلى بناء الحياة النظيفة من جانب، وبين الربا، وقلة الإنتاج، والترف، والكسل، والترهل، والنعومة؛ وقلة الرجولة، وسقوط الهمة، وسيطرة الشهوات، وشيوع العداوات.. إلى آخر القائمة البغيضة التي تؤدي إلى هدم الحياة النظيفة من جانب آخر ... بالمقارنة تتضح مفارقات عجيبة:
لقد اتضح أن تنمية مجموعة المفاهيم الأولى في نفوس الناشئة بواسطة مناهج التربية تعتبر المهمة الرئيسية لهذه المناهج؛ لأن في ذلك تحقيقا لمقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة، وهي: الحفاظ على الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال.
كما أن هذه المفاهيم تتسق مع طبيعة مركز الإنسان في الكون، ومع مقتضيات وظيفته في الحياة. لقد كرم الله الإنسان، وفضله على سائر خلقه، وآية ذلك أنه -سبحانه- جعل الإنسان خليفته في الأرض؛ ليقوم على عمارتها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله.
والخلافة في الأرض تقتضي الحركة الإيجابية، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والحياة والناس.
وعمارة الأرض وترقية الحياة فيها تتطلب العمل والكد بصورة مستمرة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] . ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] .
والمطلوب في عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها ليس مجرد العمل والكد والكدح، بل الإحسان في العمل؛ أي: المهارة والإتقان فيه، والاتجاه به إلى الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] . ويقول الرسول الكريم ﵊: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
"إن الإسلام دين للواقع. دين للحياة. دين للحركة. دين للعمل والإنتاج والنماء، دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان، بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله، وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له، عن طريق الحركة والعمل، وتلبية الطاقات والأشواق، لا كبتها أو كفها عن العمل، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها.."١.