← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8175

مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها

على أحمد مدكور

Полный текст (302 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولقد أدى كل هذا إلى إهمال التنظير، فلا البحوث تبدأ من نظرية معينة، ولا هي تنتهي إلى بلورة نظرية خاصة بنا.. وبمرور الوقت نمت الاتجاهات المعادية للتنظير، على أساس أنه "كلام إنشائي" أو "عبارات خطابية"! "واعتبرت دراسة الماجستير والدكتوراه تدريبا على استخدام أدوات البحث، كأن التنظير لا يحتاج إلى تدريب، ولهذا اختلطت الأمور، واتجهت البحوث إلى معالجة الأعراض على أنها الأمراض، واهتمت بالموضوعات المحدودة الصغيرة، لأنها أكثر مناسبة لاستخدام أدوات البحث١. والخلاصة: أن التصور الإسلامي لمناهج البحث العلمي لا يقف بمصادر المعرفة عند المنهج التجريبي وحده، إنه لا يهمله، ولا يقلل من شأنه ولا من شأن ثمراته المعرفية وإنجازاته التقانية الرائعة، فهو أحد ثمرات الحضارة الإسلامية الرائعة للإنسانية كلها. لكنه لا يقول بأنه السبيل الوحيد للمعرفة؛ فهناك المعرفة الربانية اليقينية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهناك المنهج الاستقرائي الاستنباطي، وهناك المنهج العلمي للنظر العقلي، وهو منهج التفكير القائم على العلم والخبرة، وتمحيص الحقائق، وعدم التأثر بمقررات سابقة لا برهان عليها، وعدم الاعتماد على الظن، وطلب الدليل في كل اعتقاد.

стр. 177

٢٥- إدراك الطلاب لمفهوم الفن والأدب: الفنون تجارب شعورية نقلت إلينا عبر تجارب لفظية أو عملية بطريقة موحية. والتجارب الفنية هي تعبير عن تصور الفنان لحقائق الألوهية والإنسان والحياة. فإن كانت التجارب الفنية -أدبية كانت أو غير ذلك- متسقة مع التصور الإسلامي فهذه فنون إسلامية، وإن كانت غير ذلك فهي بحسب ذلك. والأدب في ذلك كالفنون الأخرى؛ حسنه حسن، وقبيحه قبيح. إن الفن الحقيقي إحياء للوقت وليس قتلا للوقت، وهو ثقافة فنية وليس مجرد تسلية. ولقد يكون الأدب أشد المؤثرات في تكوين فكرة وجدانية عن الحياة، وفي طبع النفس البشرية بطابع خاص، ومن هنا يجب أن يكون لنا أدب نابع من التصور الإسلامي. ومن العبث محاولة تجريد الأدب أو الفنون عامة من القيم التي تحاول الذود عنها، كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للوجود والحياة. ولو أفلحنا في هذا الفصل -وهذا مستحيل- فلن نجد سوى عبارات خاوية، أو جوفاء، أو أصوات غفل، أو إشكال بلا معنى.

стр. 178

والإسلام تصور معين للحياة، تنبثق منه قيم خاصة لها. فمن الطبيعي إذن أن يكون التعبير عن هذه القيم، أو عن وقعها في نفس الفنان، ذا لون خاص١. وأهم خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة، تملأ فراغ النفس والحياة، وتستنفد الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات. وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق، فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية وتوكيد الصلة بين الخالق والمخلوق، أو بين مفردات هذا الوجود. وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف، أو لتحقيق هدف، مهما علا واستطال. وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها، لا للرضى بواقعها في زمان ما أو في مكان ما، ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح، ومن نزعات وقيود، سواء في فترة خاصة أو في المدى الطويل. مهمة الإسلام دائما أن يدفع بالحياة إلى التجديد والنمو والترقي، وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع. ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة، قد لا يحفل كثيرا بتصوير لحظات الضعف البشري، ولا يتوسع في عرضها، وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبررها، فضلا عن أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع، فلا ضرورة لإنكاره أو إخفائه. إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفا، ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة. ويدرك أن مهمته هي تغليب القوة على الضعف، ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها، لا تبرير ضعفها أو تزيينه. والنظرية الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض، ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تجديد الحياة وترقيتها. ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه، ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية، أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلب، إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة، ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تجدد الحياة وترقيها، سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة.

стр. 179

كذلك ليست وظيفة هذا الأدب تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي، وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها. بل الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان، والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة بعالم البشر، لا بقطيع من الذئاب. والأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي أدب أو فن موجه باتجاه أن الإسلام حركة تجديد وترقية مستمرة للحياة، فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل، ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع، فمهمته الرئيسية تطهير هذا الواقع وتحسينه، والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصور متجددة من الحياة. إنه لمن الأهمية بمكان "أن نقرر هنا أن الأدب أو الفن الإسلامي أدب أو فن موجه، موجه بطبيعة التصور الإسلامي للحياة وارتباطات الكائن البشري فيها، وموجه بطبيعة المنهج الإسلامي ذاته، وهي طبيعة حركية دافعة للإنشاء والإبداع، وللترقي والارتفاع. ولست أعني التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ، وإنما أعني أن تكيف النفس البشرية بالتصور الإسلامي للحياة، هو وحده سيلهمها صورا من الفنون غير التي يلهمها إياها التصور المادي، أو أي تصور آخر، لأن التعبير الفني لا يخرج عن كونه تعبيرا عن النفس كتعبيرها بالسلوك في واقع الحياة. وأخيرا فالإسلام لا يحارب الفنون ذاتها، ولكنه يعارض بعض التطورات والقيم "المنحرفة" التي تعبر عنها هذه الفنون. ويقيم مكانها -في عالم النفس- تصورات وقيما أخرى، قادرة على الإيحاء بحركات جمالية إبداعية، وعلى إبداع صور فنية أكثر جمالا وطلاقة، تنبثق انبثاقا ذاتيا من طبيعة التصور الإسلامي، وتتكيف بخصائصه. ولا ينبغي أن نفهم من هذا تحريم الآداب الأوربية على الناشئة المسلمة. فالذي نعنيه هو مجرد الاختيار والانتقاء. ففي هذه الآداب ما تلتئم روحه من بعض الجوانب مع الروح الإسلامية، لا لأنه حث على الفضائل وتقبيح للرذائل، فالأدب ليس منبرا خطابيا للوعظ والإرشاد. ولكن لأنه ينظر إلى الحياة نظرة روحية أرفع من المادة، ولأنه يعترف بالقيم المعنوية للحياة. فهذا اللون من الأدب يتفق في روحه مع المنهج الإسلامي في عمومه. ويمكن دراسته مع حسن الاختيار.

стр. 180

٢٦- بناء الشخصية القوية الكادحة لا الشخصية المترفة: يلفت القرآن الكريم النظر بشدة إلى كراهية الإسلام للترف، وحبه للكد والكدح، فبالمقارنة بين الكد والكدح، والإحسان في العمل، والإتقان فيه، وعمارة الأرض وترقية الحياة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ما يؤدي إلى بناء الحياة النظيفة من جانب، وبين الربا، وقلة الإنتاج، والترف، والكسل، والترهل، والنعومة؛ وقلة الرجولة، وسقوط الهمة، وسيطرة الشهوات، وشيوع العداوات.. إلى آخر القائمة البغيضة التي تؤدي إلى هدم الحياة النظيفة من جانب آخر ... بالمقارنة تتضح مفارقات عجيبة: لقد اتضح أن تنمية مجموعة المفاهيم الأولى في نفوس الناشئة بواسطة مناهج التربية تعتبر المهمة الرئيسية لهذه المناهج؛ لأن في ذلك تحقيقا لمقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة، وهي: الحفاظ على الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال. كما أن هذه المفاهيم تتسق مع طبيعة مركز الإنسان في الكون، ومع مقتضيات وظيفته في الحياة. لقد كرم الله الإنسان، وفضله على سائر خلقه، وآية ذلك أنه -سبحانه- جعل الإنسان خليفته في الأرض؛ ليقوم على عمارتها، وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله. والخلافة في الأرض تقتضي الحركة الإيجابية، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والحياة والناس. وعمارة الأرض وترقية الحياة فيها تتطلب العمل والكد بصورة مستمرة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] . ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] . والمطلوب في عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها ليس مجرد العمل والكد والكدح، بل الإحسان في العمل؛ أي: المهارة والإتقان فيه، والاتجاه به إلى الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] . ويقول الرسول الكريم ﵊: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". "إن الإسلام دين للواقع. دين للحياة. دين للحركة. دين للعمل والإنتاج والنماء، دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان، بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله، وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له، عن طريق الحركة والعمل، وتلبية الطاقات والأشواق، لا كبتها أو كفها عن العمل، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها.."١.

стр. 181

لذلك يقول الرسول ﷺ : "ما أكل أحدكم طعاما قط خيرا من عمل يده". "رواه البخاري". والإسلام يقدر العمل وبذل الجهد، ويجعلهما السبب الأساسي للتملك والربح، ويحرم أن يلد المال المال، وإنما يلد المال الجهد والعمل. وعلى أساس هذه القاعدة حرم الربا. لأن المرابي يمتص نتيجة عرق الآخرين وجهدهم بينما هو قاعد لم يكد ولم يكدح ولم يبذل جهدا، مما يورث العداوة والبغضاء، ويؤدي إلى هدم الحياة النظيفة. وقد روي أن سعد بن معاذ كان يواري كفية في ثوبه كلما تقابل مع رسول الله فقال ﷺ له: "يا سعد، ألا تريد أن تسلم علي؟ " قال سعد: والله يا رسول الله، ما هناك شيء أحب إلي من ذلك، ولكني أخاف أن تؤذي يداي يديك. فقال الرسول ﷺ : "أرني يديك يا سعد"، فأخرج سعد كفين خشنين كخفي بعير من كثرة العمل.. فرفعهما الرسول إلى فمه، وقبلهما، وقال: "هذه يد يحبها الله ورسوله, ولن تمسها النار أبدا". ولأن الإسلام يقدس العمل وبذل الجهد، والكد والكدح، ويجعل ذلك أساس عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها، فهو يحاول دائما أن يربي الإنسان بحيث يكون قويا دائما، فالمؤمن الذي لم يجاهد ولم يحدث نفسه بجهاد يموت على شعبة من شعب النفاق. وهو دائما يقظ، فالمؤمن -كما يقول رسول الله ﷺ : "ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها". لذلك فإن من الحكمة للإنسان تعريضه للهزات النفسية التي توقظه، وتدريبه على مواجهة المحن والتمرس بأعباء المقاومة. ففي التصور الإسلامي أن الله إذا أحب عبدا لم يدلله، بل يقذف به ساحة النضال ليستكشف بنفسه مواهب نفسه.. وبذلك يعده لرسالته التي لا يطيق تحملها ذوو النفوس الخرعة، والقلوب الهلعة! والجندي الذي لا يستعمل قواه في العديد من المناورات، لن يكون جديرا باقتحام الساحات. ولكي يكون المؤمن قويا، يقظا، قادرا على العمل وبذل الجهد، فاعلا إيجابيا في إعمار الحياة، فإنه يجب أن يبتعد عن الترف والترهل. فالإسلام يكره الإسراف والترف والترهل كراهية شديدة، ويعدها مصدر شر للفرد والجماعة. فالترف منكر يجب على الجماعة نبذه وتغييره، وإلا كانت عرضة للهلاك بسببه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .

стр. 182

إن هذا يفسر لنا حرص الإسلام على تربية المسلم كي يكون قادرا دائما على العمل والجهاد، بعيدا عن الإسراف والترف. فالمترف مترهل، ضعيف الإرادة، ناعم، قليل الرجولة، لم يعتد العمل وبذل الجهد، فسقطت همته، وسيطرت عليه شهواته الحيوانية الرخيصة، لذلك كان المترفون على مر التاريخ يقفون في سبيل الهدى لأنفسهم ولأتباعهم من المستضعفين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤] . ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] . ولأنهم مترفون فهم كذابون رافضون للهداية: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤١-٤٦] . ولأنهم غارقون في ترفهم ومتعهم في الدنيا، فهم ينكرون لقاء الآخرة: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ، أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ، إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٣-٣٧] . وما دام هناك مترفون فهناك مستضعفون يمالقونهم، ويحققون شهواتهم، ويفنون فيهم فناء الحشرات، وإذا كانت الديانات السماوية ترفع قيم الناس وفقا لعملهم وتقواهم، وتحرم المترفين من متعهم الرخيصة، فلا يكون لهم ذلك السلطان المطلق على المستضعفين، فإن هذا يفسر لنا لماذا كان الدين والهدى مرفوضين دائما من المترفين. والترف الطويل الموروث ينسي الذكر، ويؤدي إلى التفاهة والضحالة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨] .

стр. 183

والتعبير بأنهم ﴿كَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ تعبير مصور عجيب، عميق الدلالة؛ فالأرض البور هي الأرض المجدبة، التي لا تثمر ولا تنتج، وكذلك قلوب المترفين ونفوسهم وحياتهم جدبة، بائرة، صلبة، لا تنبض فيها حياة. وليس معنى ما تقدم أن نجعل المدارس أماكن كريهة للناشئة، ولا أن نجعل المناهج صعبة ممقوتة، فهذا من شأنه أن يضيع كل شيء. لكن المؤكد هو أن الأمر يحتاج إلى تفكير وتدبير، على أساس أن الهدف الأساسي لمناهج التربية في التصور الإسلامي، هو إيصال المتعلم إلى درجة كماله التي هيأه الله لها. فوصول كل إنسان إلى درجة كماله الخاصة به هو الذي يهيئه بحق الخلافة في الأرض وتنفيذ منهج الله فيها. وإعداد الإنسان للقيام بحق الخلافة في الأرض يقتضي من مناهج التربية في التصور الإسلامي أن تعمل على تحقيق أهدافها الكبرى في شخصية المسلم، وذلك كترسيخ مفهوم الإيمان بالله والأخوة في الله، وإعداد الإنسان للمساهمة في تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس، والعمل على تحقيق تميز الأمة في عقيدتها ومنهجها، وإعلاء قيم الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على تحقيق ذات المتعلم وفق فطرة الله فيه، وإقداره على ترقية الحياة من حوله، وقيادتها إلى الحق والعدل والخير. إن كل هذا لا يتحقق -بالطبع- عن طريق غرس عادات الترف، والترهل، والنعومة، وقلة الرجولة، وسيطرة الشهوات، بل يتم عن طريق إعلاء قيم الكد والكدح، والإحسان في العمل، والإتقان فيه، والاتجاه به كله إلى الله. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

стр. 184

٢٧- فهم النظرية التاريخية: تقوم النظرية التاريخية الإسلامية على أساس "أن الواقع التاريخي الإسلامي" هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه. هذا وحده هو الواقع التاريخي "الإسلامي". أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام، خارجا عن أصوله وموازينه، فلا يجوز أن يحسب منه؛ لأنه انحراف عنه. إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في كل جيل. فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام، وإنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين. الإسلام هو الأصل. والمسلمون فروع منه، ونتاج من نتاجه. ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي، إلا أن يكون مطابقا للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم، والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفومهم، ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام. إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ من تصورات البشر، ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم.. ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ، والأوضاع المتطورة في أنظمتهم، هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم، وطبقوها على أنفسهم. فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم، وإنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم. فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه. فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي "الإسلامي" وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية، فليس هذا واقعا تاريخيا للإسلام، وإنما هو انحراف عن الإسلام. فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية، وهي تختلف تماما عن سائر النظريات التاريخية الأخرى، التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي، هو التفسير العملي للنظرية أو المذاهب، وتبحث عن "تطور" النظرية أو المذاهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه، وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة. على أساس هذه النظرية يجب أن تعاد كتابة التاريخ الإسلامي، وأن يعاد النظر إلى الحياة الإسلامية بكل عناصرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية، بحيث تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها، وتنكشف بكل خصائصها ومقوماتها.

стр. 185

٢٨- فهم الطلاب لطبيعة المجتمع: لقد فطر الله الإنسان على الاجتماع، فليس بوسع إنسان أن يعيش وحده أو ينفرد بنفسه انفرادا تاما، وليس هناك حادثة نفسية واحدة يمكن أن تتم دون أن يكون لها صلة بأفراد المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، فكل حادثة نفسية لا بد لها من مجال اجتماعي تتم فيه، والعكس صحيح أيضا، فكل حادثة اجتماعية لا بد لها من أصل نفسي١. إن الصلة قوية بين علم النفس وعلم الاجتماع. فعلم النفس يدرس خصائص الأفراد من حيث إنهم أفراد لهم سلوك، وهذه الخصائص وذاك السلوك كل منهما لا يمكن أن يتم إلا في محيط اجتماعي، أما علم الاجتماع فيدرس الصلات بين الأفراد من وجهة النظر الاجتماعية، مع أخذ أسسها النفسية، ومعاييرها العقائدية في الاعتبار. مما سبق يمكن القول أن المجتمع يقوم على أربعة عناصر: العنصر الأول: هو الأفراد الذين يكونون الجماعة. والعنصر الثاني: هو ما ينشأ بالضرورة عن وجود الجماعة من الصلات بين أفرادها، فالمجتمع نسيج مكون من صلات اجتماعية. والعنصر الثالث: هو النظام، فالصلات الاجتماعية تنظم وتنسق وفق نظام غايته أن يضبط سلوك الجماعة ويوجهه، وتتخذ الجماعة وسائل شتى لاحترام نظامها وتطبيقه، ومهمة هذا النظام أن يطلق نشاط الأفراد في مجالات ويحبسه في مجالات أخرى، وأن يضع لهم معايير للسلوك تقوم الأمور وفقا لها، فيحرم بعض الأمور ويحل بعضها الآخر. والعنصر الرابع: هو العقيدة، وهو أعظم العناصر السابقة على الإطلاق وأكبرها خطرا، ذلك أنها تتحكم فيها كلها، وتوجهها جميعا الوجهة التي ترضاها، فهي التي تحدد الصلات الاجتماعية، وهي التي توجد الشعور بالانتماء، وهي التي ترسم نهج السلوك، وهي التي تضع قواعد المجتمع وتقيم نظمه وتهدي إلى مثله. والعقيدة تتمثل في التصور الإسلامي كما هو الحال في الإسلام، كما تتمثل في الفلسفات الوضعية والنظريات السياسية والاقتصادية التي توجه السلوك والعمل في كثير من المجتمعات الأخرى. وقد نفى الإسلام كل نعرة عنصرية أو جنسية، أو قومية، أو إقليمية، وما يترتب على ذلك من اختلاف اللغات والألوان، وجعل الأفضلية في ميزان الله الثابت هي تقوى الله، والعمل الصالح لخير عباده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، "ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". ومنهج التربية الإسلامية معني بإفهام الأجيال بحقيقة الفلسفات والنظريات الوضعية المعاصرة كالبراجماتية والماركسية والوجودية والواقعية.. إلى آخره، وذلك لبيان حقيقة وزيف هذه الفلسفات وما ترتب عليها من تيارات عالمية فكرية واجتماعية، ولبيان الأوضاع الاجتماعية المتردية نتيجة الأخذ بهذه الفلسفات، فعرض هذه الفلسفات وما ترتب عليها صورة موضوعية وواقعية وفقا للمعايير الإسلامية هو الضمان الوحيد لفهم حقيقة هذه الفلسفات، وعدم الانبهار ببريقها الزائف.

стр. 186

٢٩- فهم أساسيات النظام السياسي: إذا كانت وظيفة العلم هي عمارة المجتمع الإنساني وترقيته، فإن العلم إذا لم يكن مستندا إلى عدل الله ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله! فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم، نحو خير الإنسان والبشرية جميعا. والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع، فإن العمل بها إذن هو تحقيق للعدل الذي أمر الله به، ويندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة، فهناك العدل في الحكم، والعدل في النظام الاجتماعي للدولة، والعدل في القضاء، والعدل الاقتصادي، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات والمعاملة.. إلخ. أسس النظام: يقوم نظام الحكم في التصور الإسلامي على أربعة أسس: - اختيار المحكومين للحكام. - العدل من الحكام. - الطاعة من المحكومين. - الشورى بين الحكام والمحكومين١. ١- يقوم النظام السياسي الإسلامي على أساس اختيار المحكومين للحكام، فقد تم اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وقال بعد اختيار الناس له: لقد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وهكذا تم اختيار عمر وعثمان وعلي ﵃. ٢- العدل من الحكام فرض لا يقوم الحكم الإسلامي إلا به، ولذلك ورد الأمر بالعدل في القرآن صريحا، فحثت عليه آيات كثيرة، وجعله الله غاية الحكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وقد ورد في تفسير الرازي لهذه الآية قوله: "أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل" واستشهد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، وقوله:

стр. 187

﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وقوله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] . وهذه الآية الأخيرة تدل على أن العدل واجب حتى على الأنبياء، والعدل واجب حتى للأعداء، وهذه من أعظم فضائل الإسلام، وقد ورد النص على ذلك صريحا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . ٣- والطاعة من المحكومين للحكام واجبة إذا سار الحكام وفق منهج الله وشريعته، وحكموا بالعدل المفروض عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . فإذا لم يعترف الحكام بأن الحاكمية لله، ولم ينفذوا شريعة الله, سقطت طاعتهم، ولم يجب لأمرهم النفاذ. ٤- والشورى بين الحكام والمحكومين هي الأساس الرابع لنظام الإسلام في الحكم قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] . فلأن الإسلام دين ودولة، ونظام كامل للحياة، فقد كفل لأتباعه حريتهم السياسية، وهي أن يكون لكل إنسان قادر الحق في الاشتراك في توجيه سياسة أمته، ومراقبة السلطة فيها. وقد كفل الإسلام للإنسان هذا الحق حين جعل نظام الحكم قائما على الشورى.

стр. 188

٣٠- فهم أساسيات النظام الاقتصادي: وتقوم السياسة الاقتصادية في الإسلام على ثلاثة أسس: أولا: إن المال مال الله، والناس مستخلفون فيه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] ، ويقول الله في شأن المكاتبين من الأرقاء: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] . ثانيا: كراهية أن يحبس المال في أيدي فئة قليلة من الناس يتداول بينهم بينما يمنع عن الآخري: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] ، حتى إن الإسلام قد أجاز للحاكم بشريعة الله أن يأخذ بعض المال من الأغنياء ويملكه للفقراء، وذلك عندما يرى أن المجتمع قد اختل توازنه بظهور آفة الغنى إلى حد الترف الشديد

стр. 189

في جانب، والفقر المدقع في جانب آخر، وهذا ما فعله الرسول ﵊ حين أعطى فيء بني النضير كله للمهاجرين. ومن أجل منع المال من أن يحبس في أيدي فئة قليلة، لجأ الإسلام إلى وسائل أهمها الزكاة، والإرث، والصدقات، والمال العام أو الملكية العامة، وتربية الضمير الإنساني. ثالثا: الملكية الفردية، فالمال مال الله، والناس مستخلفون في ملكية التصرف فيه والانتفاع به، لكنه التصرف والانتفاع الذي لا يصل إلى السفه، والناس يملكون المال بالعمل والكسب: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] ، وبالإرث: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] . العدالة بين الفرد والمجتمع: كما أن الفرد كل له أجزاء فهو أيضا جزء من كل هو المجتمع، وقد جسم الرسول ﵊ العلاقة بين الفرد والجماعة في حديثه الشريف. "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" "أخرجه الشيخان". فالعدالة تقتضي أن يسهم الفرد في حركة عمارة المجتمع وترقيته، لأنه لن يصلح أمر الفرد إذا ساءت أحوال المجتمع، وحركة العمارة في حياة المجتمع ليست واحدة، فالمجتمع لا يريد أفراده أطباء أو مهندسين أو قضاة أو مدرسين أو عمالا أو مزارعين، بل يريد كل هؤلاء، ومن رحمة الله بالناس أن جعل لهم مواهب وميولا ومهارات واهتمامات مختلفة ومتعددة، لأن حركة المجتمع تحتاج إلى هذا التنوع والاختلاف في الاهتمامات والمهارات والقدرات حتى تتكامل الحركة فيه، فحركة الأجزاء في المجتمع الواحد، كحركة الأعضاء في الجسد الواحد، فلكل فرد مهمة، كما أن لكل عضو مهمة، وبتكامل عمل الأعضاء يصح الإنسان ويقوى، وكذلك الحال في المجتمع. أما فيما يتصل بحركة كل فرد ونوعيتها، وعلاقتها بغيرها داخل المجتمع، فيصورها القرآن تصويرا دقيقا في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] .

стр. 190

وهنا لا يجب أن نفهم أن أساس الرفعة هو المال فقط، فالصحيح أن كل فرد في المجتمع مرفوع مرة، ومرفوع عليه مرة أخرى، فالفرد في المجتمع مرفوع فيما يجيد وفيما يحسن، ومرفوع عليه غيره فيما لا يجيده ولا يحسنه, إذن فكل فرد فاضل في جهة ومفضول عليه في جهة أخرى، والمفضول عليه يسخر الفاضل لخدمته. إذن فكل فرد في الكون مسخر لكل فرد, وعلى هذا فلا يجب تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] على أساس أن الطبقة الأعلى تسخر الطبقة الأدنى. إن المجتمع الإسلامي مجتمع غير طبقي، والقرآن دقيق في تعبيره، فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] جعلك لا تستطيع أن تحدد البعض المرفوع، ولا البعض المرفوع عليه، لأن كلمة "بعض" مبهمة، فكل بعض مرفوع وكل بعض مرفوع عليه، والاختلاف والتفاوت إنما هو في قدر الدرجات في كل زاوية وفي كل علم وفي كل فن، وفي كل مهارة، فالفاضل مرفوع بقدر مهارته في العلم ودرجة إتقانه له. وبذلك ينسجم المجتمع ولا يتصارع، وإنما يتعاون ويتعاضد، فلو تساوى الناس في علم واحد أو فن واحد أو مهارة واحدة لتدافعوا وتصارعوا. ولكن كلا منهم يحتاج إلى الآخر، وعجز هذا تكمله قدرة ذاك، وخير الناس أنفعهم للناس، وهذه واحدة من أجل معاني العدالة.

стр. 191

٣١- إدراك الطلاب لأهمية نظام الأسرة: الأسرة هي قاعدة البناء الاجتماعي، وهي تقوم على أساس "التخصص" بين الزوجين في العمل، ورعاية الجيل الناشئ هي أهم وظائف الأسرة، فالمجتمع الذي هذا شأنه هو المجتمع المتحضر.. ذلك أن الأسرة على هذا النحو -في ظل المنهج الإسلامي "تكون هي البيئة التي تنشأ وتنمى فيها القيم والأخلاق "الإنسانية". ممثلة في الجيل الناشئ، والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة. فأما حين تكون العلاقات الجنسية "الحرة كما يسمونها" والنسل "غير الشرعي" هو قاعدة المجتمع، حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأسرة.. حين تصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنة.. وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد، وتؤثر هي -أو يؤثر لها المجتمع "أن تكون عاملة في أي مكان، بالنهار أو بالليل". حين تنفق طاقتها في "الانتاج المادي" و"صناعة

стр. 192

الأدوات"، ولا تنفقها في "صناعة الإنسان" لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من "الإنتاج الإنساني" عندئذ يكون هذا هو "التخلف الحضاري" بالقياس الإنساني.. أو تكون هي الجاهلية بالمصطلح الإسلامي"١. لقد شاءت فطرة الله أن يكون ميدان إنشاء العنصر الإنساني وتنشئته هو ميدان عمل المرأة بالدرجة الأولى، ويقارن الشيخ محمد متولي الشعراوي بين ميدان عمل المرأة هذا وبين ميدان عمل الرجل خارج البيت، ويرى أن ميدان عمل المرأة أهم وأدق من ميدان عمل الرجل؛ لأن الرجل -بحكم عمله خارج البيت- إنما يتعامل مع "أشياء" هي كلها مسخرة لخدمة الإنسان، الذي هو أكرم ما في الوجود كله، أما المرأة فمهمتها هي التعامل مع هذا المخلوق الراقي، الكريم على الله، وهو الإنسان، تتعامل معه كزوج فيسكن إليها، وتتعامل معه جنينا في بطنها، وووليدا في حضنها، ورضيعا تغذيه وتحنو عليه، وطفلا، وصبيا، وشابا تربيه وترعاه وتضرب له المثل. إن ترك المرأة لهذا الميدان الذي هو مجال عملها الرئيسي -والذي خلقها الله وفطرها لتحسن الأداء فيه- إلى ميدان آخر، لهو مأساة بكل المقاييس يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: "إن المجتمع الذي يتزاحم فيه الرجال والنساء على عمل واحد في المصانع والأسواق، لن يكون مجتمعا صالحا، مستقيما على سواء الفطرة مستجمعا لأسباب الرضى والاستقرار بين بناته وبنيه؛ لأنه مجتمع يبذر جهوده تبذير السرف والخطل، على غير طائل، ويختل فيه نظام العمل والسوق، كما يختل فيه نظام الأسرة والبيت"٢. فالمرأة لم تزود بالعطف والحنان والرفق بالطفولة، والقدرة على فهمها وإفهامها، والسهر على رعايتها في أطوارها الأولى لتهجر البيت، وتلقي بنفسها في غمار الأسواق والدكاكين. وسياسة الدولة كلها ليست بأعظم شأنا، ولا بأخطر عاقبة، من سياسة البيت؛ لأنهما عالمان متقابلان: عالم العراك والجهاد، يقابله عالم السكينة والاطمئنان؛ وتدبير الجيل الحاضر يقابله تدبير الجيل المقبل. وكلاهما في اللزوم وجلالة الخطر سواء٣. وإذا كان ميدان المرأة الحقيقي هو البيت بمن فيه وما فيه، فإن تركها لهذا الميدان وخروجها للعمل في المجتمع الخارجي على اتساعه يعد تخريبا للميدان الحقيقي الذي تركته، وللميدان الجديد الذي لم تعد له بالفطرة والاستعداد والدربة. "ولولا مركب النقص، لكان للمرأة فخر بمملكة البيت، وتنشئة "المستقبل" فيه، لا يقل

стр. 193

عن فخر الرجل بسياسة "الحاضر"، وحسن القيام على مشكلات المجتمع التي تحتاج إلى الجهد والكفاح. وهي لو رجعت إلى سليقتها، لأحست أن زهوها بالأمومة، أغلى لديها، وألصق بطبعها من الزهو بولاية الحكم ورئاسة الديوان, فليس في العواطف الإنسانية شعور يملأ المرأة، كما يملؤه الشعور بالتوفيق في الزواج، والتوفيق في إنماء البنين الصالحين، والبنات الصالحات.."١. إذن فقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين، قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع، فالمجتمعات التي تسود فيها النزعات الحيوانية لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي. إن هذه المجتمعات متخلفة أو جاهلية.. من وجهة نظر "الإسلام" وبمقياس خط التقدم "الإنساني"، مهما كانت درجة تفوقها العلمي أو الاقتصادي. والخلاصة: أن الإسلام هو الحضارة، والمجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر، لأنه يؤمن أن إعداد جيل يترقى في خصائص "الإنسانية"، ويبتعد عن خصائص "الحيوانية"، لا يمكن أن يتم إلا في محضن "أسرة" قائمة على أساس الواجب والتخصص، ومحوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي، فهذا ما يوفر للمجتمع مقومات الترقي على خط التقدم الإنساني، لذلك جعل الله الزوجة شق النفس، ومحضن السكينة والأمن والاستقرار، فهذا هو المحضن "الإنساني" الوحيد الذي يعد الأجيال التي تسير صعدا على خط التقدم الإنساني، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .

стр. 194

٣٢- إدراك الطلاب لمهمة الإعلام الحقيقية في المجتمع: بالرغم من أن كل نظام إعلامي مخطط على أساس سليم، يقوم على أساس فلسفة أو نظرية معينة، وأن أجهزة الإعلام في معظم دول العالم تقوم على خدمة الفلسفات والنظريات والمناهج التي تتبناها تلك الدول، إلا أن الإعلام عندنا نحن المسلمين، ليس "نظاما" ولا يتبع خطة مرسومة بعناية، وإنما هو جهود مبعثرة، ومتناقضة في كثير من الأحيان؛ وأن معظم أنشطته ليست ذات صبغة فنية موحية ومشوقة، بل يغلب عليها الوعظ والتوجيه المباشر؛ وأن أغلبه ليس صادرا عن عقيدة الإسلام وتشريعاته ونظمه الإنسانية والخلقية، وأنه بعيد -إلى حد كبير- عن تحقيق غايات الإسلام ومقاصده، بل إنه يقوم -في معظم الأحيان- بالترويج للفلسفات والنظريات والنماذج الاجتماعية التي سعت جيوش الاحتلال في الماضي إلى خلعها على الحياة الاجتماعية والثقافية الإسلامية! إن وظيفة الإعلام هي المساهمة بجدية وفاعلية في استعادة "وسطية" الأمة الإسلامية و"شهادتها على الناس"، وفي الحفاظ على "تميز" الأمة الإسلامية بعقيدتها ومنهجها، والإعلام في هذه الحالة -وفي هذه الحالة فقط- يحافظ على هوية الأمة ويحميها من الذوبان في أمم أخرى، قد أخرجت هي أصلا لهديها وقيادتها. إن المؤسسات الإعلامية هي مؤسسات منهجية وتربوية ملتزمة، وهي تفوق في تأثيرها -خاصة هذه الأيام- المدرسة والجامعة والمناهج التربوية المقصودة، لذلك فإنها إذا لم تكن مخططة ومنظمة على أساس من الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، والمعارف والمهارات والخبرات الإنسانية المتغيرة بتغير الزمان والمكان وحاجات الناس، فإنها تتحول، لا محالة، إلى كارثة محققة، وتصبح طريقا معبدا إلى الهاوية. إن مهمة الإعلام الآن هي تقويم واقعنا المنحرف عن منهج الله, ونظامه للكون والإنسان والحياة، ورده بالحسنى إلى الطريق المستقيم، إن ذلك يتطلب المساهمة في تحرير الإنسان من عبودية غير الله، والخوف من غير الله، ولن يكون ذلك كذلك إلا بعودة الإعلام إلى المضمون الإسلامي، وتكوين رأي إسلامي مستنير. ولن يستطيع الإعلام تكوين رأي عام مستنير إلا إذا تخلص من الضغوط الفلسفية والمنهجية للغرب بصفة عامة ولأمريكا على وجه الخصوص. إن الحرية الواعية المسئولة هي أثمن هدايا الإسلام إلى الإنسانية، فالحرية فطرة في الطبيعة الإنسانية، يختل نشاط الإنسان، ويسوء عمله، وتهبط أخلاقه، ويتدهور حال مجتمعه كله، إذا حوصر الإنسان، أو منع من ممارسة حريته، أو إذا انفلت في ممارستها دون ضبط أو تنظيم وفق معايير المنهج الإلهي. إنه عندما يكون المجتمع محكوما بمنهج الله، وعندما يكون الإسلام -عقيدة وشريعة- هو أساس التصور الاعتقادي والتصور الاجتماعي، والمنهج التربوي، والنظام الإعلامي.. عندئذ يتحرر الإنسان من الخوف إلا من الله، ويكون النشاط الاجتماعي كله حركة واحدة في اتجاه واحد لتنفيذ منهج الله، عندئذ لن يكون هناك "رأي عام زائف" ولا "رأي عام كامن" لأنه خائف؛ لأن الإنسان في هذه الحالة لن يخاف إلا من الله.

стр. 195

إذن فقيام نظام إعلامي إسلامي مخطط ومتكامل أمر مرهون بتنفيذ منهج الله في المجتمع، سياسة واقتصادا واجتماعا وتربية، لكن هذا لا يعني إيقاف النشاط الإعلامي الجاد, الذي يقوم به الأفراد والجماعات والهيئات الآن هنا وهناك, إلى أن يتغير نظام المجتمع ومنهجه العام لحكم الحياة فيه، بل يجب أن يستمر هذا النشاط ويتسع وفق خطة فنية واعية. وفي ضوء الإطار السابق، فإن الإعلام الإسلامي في حاجة ماسة إلى ما يلي: ١- العودة إلى مجموعة المبادئ والتوجيهات التي وردت بشأنه في القرآن والسنة، ثم في اجتهادات علماء المسلمين ومفكريهم قديما وحديثا، مع الاستعانة بالخبرات الإنسانية والمتجددة في هذا المقام. ٢- إعداد الكوادر الإعلامية الإسلامية من خلال مناهج وبرامج نابعة من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة, إن هؤلاء هم الأمل -بعد الله- في هداية "المغتربين" الذين ينكرون كل ما هو إسلامي في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والإعلام، ويقبلون كل ما دون ذلك! ٣- تجسيد المنهج الإسلامي، والروح الإسلامية، والقيم الإسلامية، والسلوك الإسلامي في كل فقرة من فقرات أجهزة الإعلام بطريقة علمية وفنية غير متكلفة ولا مصطنعة. ٤- مقاومة التدفق الإعلامي الزاحف عن طريق البث المباشر وغير المباشر، وذلك عن طريق تدعيم الإعلام الإسلامي المضاد، وغربلة ما يذاع وينشر، لاستئصال كل ما يضر بالمنهج الإسلامي وقيمه ومعاييره، ويساعد على نشر الفساد والعنف والجريمة، وفي هذا السياق لا بد من إعادة النظر في مضمون الإعلان التجاري، وطرقه وأساليبه التي تتعارض مع الإسلام، وتهدر كرامة الأسرة المسلمة، والمرأة المسلمة، عن طريق ابتزاز مشاعر الجنس الرخيصة لدى المشاهدين والقراء. ٥- العناية بمهارات القراءة الواعية، والاستماع الناقد لدى القراء والمستمعين، إن التطور في وسائل الاتصال -وخاصة البث التليفزيوني الدولي المباشر الذي يحمل في طياته غزوا ثقافيا مقصودا لمن لا منهج لهم ولا هوية- لا يتطلب "كفاية" المستمع أو المشاهد فقط، أي: سيطرته على الحد المقبول من مهارات الاستماع والفهم، بل يستلزم "كفاءة" المستمع أو المشاهد، أي: سيطرته على الحد الأعلى لمهارات الاستماع والقراءة، من فهم، وتحليل وتفسير، ونقد وتقويم، واستخدامه لهذه المهارات بأكبر قدر من الإيجابية والفاعلية١. وعلى هذا فإن إعداد القارئ الكفء، والمستمع الكفء، هو أحد أهم العوامل الحاسمة في مواجهة الغزو الثقافي الداهم عبر ثورة الاتصالات، وهو أمر يجب أن يعمل حسابه بالتخطيط والتنسيق بين مناهج التربية ونظام الإعلام.

стр. 196

٣٣- الاهتمام بالمدخل الحضاري في تعليم الكبار: لقد بدأ منهج الله للبشرية بالكبار، وبدأ بهم من المستوى الحضاري، لقد بدأ بتأسيس العقيدة في نفوسهم بعد أن محا كل الخرافات والأوهام والمعتقدات الباطلة السائدة لديهم، وبعد إقامة العقيدة خالصة، صافية في نفوس المسلمين في مكة انتقل إلى المدينة ليقيم عليها نظاما اجتماعيا متحضرا. وعلى هذا النحو يحتاج منهج تربية الكبار في زماننا هذا إلى البداية بتصحيح المفاهيم في نفوس الكبار، وتنقيتها من الشوائب، مثل مفاهيم: لا إله إلا الله، والخلافة في الأرض، وعلاقة الإنسان بالكون والحياة، ومفاهيم: العبادة والحرية، والشورى، والحضارة، والثقافة ... إلخ١. ومن خلال هذا العمل، وفي أثنائه يأتي التدريب على المهارات الهجائية، والتقانية المتصلة بالجانب الوظيفي وليس العكس كما هو حادث. إن مناهج تربية الكبار الواعية هي التي ترسخ فكرة أو تعليم الكبير، وتربيته ليست مجرد لون من ألوان الوجاهة الاجتماعية، وليست فقط ضرورة أساسية للتنمية والتحديث، وإنما هي فوق كل هذا فرض فرضه الله على كل إنسان، من أجل أن يكون قادرا على ترقية نفسه، وترقية الحياة من حوله؛ فهذا هو مقتضى العبادة، ومقتضى الخلافة في الأرض. ومنهج التربية الرشيد هو الذي يحاول المساهمة في إقدار الأمة على استعادة وسطيتها، وشهادتها على الناس، والحفاظ على تميزها، ووحدتها، ويكون ذلك عن طريق تعديل اتجاهات الدارسين، وتوجيه اهتماماتهم نحو العلم، على أساس أنه فريضة، وأن طلبه عبادة، وأنه يهدي النفس إلى الإيمان بالله، والأخوة في الله، عن طريق تزويدها بالحقائق والمعايير الإلهية الثابتة والخبرات الإنسانية المتغيرة، التي تزيد من إيجابية الإنسان وفاعليته في القيام بدوره كخليفة لله في الأرض. بل إن هذا المنهج ينمي لدى الكبار الرغبة المتزايدة في الاستمرار في طلب العلم، حيث إن ذلك من مقتضيات المطالب المتنوعة للحياة الراقية، وحتى لا يصاب الكبير "بالقدم المعنوي" ويصبح من مخلفات الزمن.

стр. 197

إن منهج تربية الكبار الواعي هو المنهج الذي يقدر الدارسين على إحداث التغيرات المناسبة لإعمار الحياة، كما يكسبهم المرونة الإيجابية في مواجهة المتغيرات الوافدة بالدراسة والتحليل، وقبول ما يتفق منها مع منهج الله، ورفض المتغيرات الأخرى التي تتصادم مع الأصول والقيم الثابتة في هذا المنهج، وبذلك يرتقي المجتمع الإسلامي مع الحفاظ على بنيته الأساسية والإقلال من عوامل الاضطراب وعدم التوازن بين العناصر المكونة له. ومنهج تربية الكبار السليم يساعدهم على تحقيق ذواتهم الإنسانية وفق فطرة الله التي فطر الناس عليها، فهو يعين الرجال كما يعين النساء على إشباع حاجاتهم، واهتماماتهم، وحل مشكلاتهم، كما يساعدهم على تحقيق أغراضهم الوظيفية في الحياة كل على حسب ما هو مؤهل له، داخل الأسرة، وخارجها. إن منهج تربية الكبار الرشيد هو الذي يرسخ في نفوس الكبار أولا قواعد المجتمع المتحضر، فهو يبدأ بها، ولا يبدأ بألف، باء، تاء ... إلخ. إنه يقيم في نفوس الكبار معاني مثل: معنى أن تكون "الحاكمية" في المجتمع لله؛ ومعنى أن تكون "آصرة العقيدة" هي رابطة التجمع الأساسية في المجتمع؛ ومعنى أن تكون "قيمة الإنسان" هي العليا في هذا المجتمع، وألا تعلو قيمة أي شيء على قيمته؛ ومعنى أن تكون "الأسرة المتخصصة" هي الوحدة الأساسية في بناء هذا المجتمع؛ ومعنى أن "الإحسان في العمل" هو أساس العمارة والترقي في هذا المجتمع.. إلخ. ومن خلال كل هذا تأتي المهارات الهجائية، والمهارات الوظيفية الأخرى.. وليس العكس.

стр. 198

٣٤- تنمية شعور الطلاب وإدراكهم للمسئولية الاجتماعية: إن الهدف الذي ينبغي أن تعمل المناهج التعليمية على تحقيقه هنا هو تنمية شعور الناشئة وإدراكهم للمسئولية الاجتماعية. لقد اتضح لنا مما سبق أن الحرية والمسئولية وجهان لعملة واحدة، فالإنسان حر لأنه مسئول، وهو لا يصح أن يكون مسئولا إلا إذا كان حرا، فالمسئولية تتطلب الحرية، والحرية تستتبع المسئولية. وهناك فرق بين المسئولية الجماعية وبين المسئولية الاجتماعية، فالمسئولية الجماعية إحساس الجماعة ككل بمسئوليتها عن أفكارها وأفعالها وأفرادها، أما المسئولية الاجتماعية فهي المسئولية الذاتية نحو الجماعة، فالمسئولية هنا مسئولية ذاتية, والإنسان مسئول أمام ذاته عن الجماعة. وإذا كانت المسئولية الاجتماعية تكوينا ذاتيا، كما يقول الدكتور سيد عثمان، فإنها في جانب كبير من نشأتها ونموها نتاج اجتماعي، أي: إنها اكتساب وتعلم، وهنا يأتي دور الجماعة عن طريق مؤسساتها المتنوعة، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة في تنمية المسئولية الاجتماعية. وتتكون المسئولية الاجتماعية من عناصر ثلاثة: الاهتمام، والفهم، والمشاركة، وجميعها لا بد من تنميتها وتعميقها لدى الناشئة١. والمقصود بالاهتمام الارتباط العاطفي بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد، صغيرة كانت أم كبيرة، ذلك الارتباط الذي يخالطه الحرص على استمرار تقدمها وتماسكها وبلوغها أهدافها، والخوف بأن تصاب بأي عامل أو ظرف يؤدي إلى إضعافها أو تفككها. فالإحساس بالمسئولية الاجتماعية هنا يأتى من خلال الانفعال مع الجماعة والانفعال بها، وإدراك الذات من خلالها، والتوحد معها بحيث تصبح الجماعة داخل الفرد عقليا ووجدانيا. أما الفهم فذو شقين: الأول فهم الفرد لتاريخ الجماعة، الذي بدونه لا يتم فهم حاضرها ومستقبلها، وفهمه لفلسفتها وعقيدتها، ولروابطها وصلاتها، ولنظمها ومؤسساتها، وعاداتها وقيمها ووضعها الثقافي، وللظروف والقوى المؤثرة، وحاضرها الواقع ومستقبلها المحتمل. أما الشق الثاني من الفهم، فهو فهم الفرد للمغزى الاجتماعي لأفعاله وإدراكه لآثار أفعاله وتصرفاته وقراراته على الجماعة، أي: فهم القيمة الاجتماعية لأي فعل أو تصرف يصدر عنه. أما العنصر الثالث فهو المشاركة، والمقصود به اشتراك الفرد مع الآخرين في الجماعة في إنجاز الأعمال التي يمليها الاهتمام ويتطلبها الفهم، بما يساعد الجماعة في إشباع حاجاتها وحل مشكلاتها، والوصول إلى أهدافها، والمحافظة على تقدمها واستمرارها. وهذه العناصر الثلاثة: متكاملة، فالاهتمام بالجماعة يحرك الإنسان إلى فهمها وكلما زاد فهمه زاد اهتمامه، والاهتمام والفهم معا يؤديان إلى المشاركة الإيجابية الناقدة.

стр. 199

الفصل السادس: محتوى مناهج التربية مفهوم المحتوى ومصادره ... الفصل السادس: محتوى مناهج التربية إذا كان الهدف النهائي لمناهج التربية هو بناء الإنسان الصالح المؤمن بالله وبالأخوة في الله، والقادر على المساهمة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقية الحياة على ظهرها وفق منهج الله، وبذلك يحقق للأمة وسطيتها، وشهادتها على الناس، ويحقق لها وحدتها، وتميزها؛ أقول: إذا كان هذا هو الهدف، فإنه لا يتم إلا من خلال محتوى يتم اختياره بعناية ودقة لهذا الغرض "انظر الشكل". مفهوم المحتوى ومصادره: والمحتوى هو مجموعة الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، والمعارف والمهارات والخبرات الإنسانية المتغيرة بتغير الزمان، والمكان، وحاجات الناس، التي يحتك المتعلم بها، ويتفاعل معها، من أجل تحقيق الأهداف التربوية المنشودة فيها. ولما كان الكون من حولنا محسوسا، وغير محسوس، أي: غيبا وشهودا، فإن العلم تختلف مصادره في منهج التربية باختلاف نوع المعلوم. فالغيب مصدر العلم به هو الوحي الصادق من صاحب الغيب، ، أي: من القرآن والسنة: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] ، "لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم له لن تضلوا أبدا: كتاب الله، وسنتي" "متفق عليه". أما المحسوس أو الشهود فسبيله الملاحظة، والتجربة، والخبر أيضا؛ لأن المحسوس الذي غاب عنا لا مصدر للعلم به إلا الخبر عنه، وهذا هو أحد أهداف قراءة التاريخ، وتصحيح العلم عن طريق الخبر يكون بالاحتكام إلى قوانين الله ونواميسه التي تحكم الأشياء، كما يكون تحقيق الخبر عن طريق الاستقراء والاستنباط، والملاحظة والتجربة.. إلخ.

стр. 200

طرائق اختيار المحتوى ... طرق اختيار المحتوى: يتم اختيار المحتوى بطرائق ثلاث: الطريقة الأولى: هي الطريقة التي تعتمد على تحديد حاجات الدارسين ومشكلاتهم، والمعارف والمهارات التي يحتاجون إليها في حياتهم وأعمالهم، وبناء على ذلك يتم اختيار المحتوى الذي يحقق هذه الحاجات للدارسين ويساعدهم على تحقيق ذواتهم وفق فطرة الله فيهم ذكورا وإناثا.

стр. 201

والطريقة الثانية: هي التي تهتم بتحديد مطالب المادة التعليمية، كاللغة، أو الرياضيات.. إلخ. أكثر من اهتمامها بحاجات الدارسين، فالترتيب المنطقي للمواد الدراسية وكل المعارف والمعلومات والتطورات التي حدثت للمادة الدراسية يجب أن يكون متضمنا في محتوى المنهج، هذه الطريقة غالبا ما ترفع قيمة المادة الدراسية والمعرفة، والمعلومات على قيمة الإنسان المتعلم، وحاجاته ومشكلاته ومطالبه. والطريقة الثالثة: هي طريقة اختيار محتوى المنهج عن طريق الخبراء في كل مجال من مجالات المعرفة. فهؤلاء يستخدمون خبراتهم الطويلة في اختيار محتوى المنهج, كل في مجال تخصصه. ومنهج التربية والتعليم يجب أن يركز على الطريقة الأولى التي تهتم بالإنسان المتعلم، وتعتبر أن قيمته تعلو على كل شيء، وأنه سبب المنهج، والمقصد من بنائه، وأن كل شيء يجب أن يسخر لخدمته، فالله ، قد سخر الكون كله لخدمته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . إن الإنسان هو الخليفة في الأرض، وهو المكلف بتنفيذ منهج الله فيها، وهو المخلوق الوحيد الذي يعبد الله بإرادته الحرة، ولذلك لا يجب أن تعلو قيمة أي شيء على قيمته.. بل ويجب أن يسخر كل شيء لخدمته، فحتى نزول القرآن من رب العالمين، جاء محققا لهذا المعنى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] فقد نزل القرآن، مقسطا، على مكث.. حلا لمشكلات الحياة وتبيانا لقوانينها، ووضعا لنظامها، فالناس، وحياة الناس، لا الأشياء، هي مهمة المنهج، ولذلك فإن تلبية مطالب وحاجات الإنسان الذي يقوم على تنفيذ منهج الله، هي المعيار الأساسي في اختيار محتوى المنهج. لكن مناهج التربية والتعليم إذ تركز على الطريقة الأولى التي تهتم بالإنسان المتعلم، فهي تسخر مميزات الطريقتين الأخريين لتحقيق هذا الغرض، فمنهج التربية لا بد أن يعتمد على المتخصصين أو "أهل الذكر" في كل مجال من مجالات المعرفة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، وأهل الخبرة: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] .

стр. 202

كما أنه يبحث عن كل معرفة مفيدة مهما كان مصدرها: "فالحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحق الناس بها" كما قال الرسول ﵊. تنظيم المحتوى: البدائل المطروحة لتنظيم محتوى المنهج يمكن تصنيفها فيما يلي: أولا: هناك التنظيم الذي يخضع لخصائص منهج المواد الدراسية المنفصلة، حيث يتم التركيز على المواد الدراسية، ويتكون المحتوى من عدد من المواد الدراسية المنفصلة التي خططت ووضعت مقدما، ونظمت تنظيما منطقيا وفقا لطبيعة كل مادة، ويغلب على هذا التنظيم الطابع النظري، ويوضع في صورة موضوعات بحيث يتم تناول كل موضوع في حصة، وغالبا ما يترجم هذا المحتوى في صورة "كتاب"، يتم تناوله بطريقة تلقينية بمعزل عن نشاط التلاميذ وفاعليتهم، كما يعتبر هذا التنظيم السائد غالبا عندنا في مصر، وفي معظم أقطار الأمة. ثانيا: هناك التنظيم القائم على أساس منهج النشاط، وهو تنظيم قام كرد فعل للتنظيم القديم السابق، فجاء على العكس منه، فميول التلاميذ وأغراضهم هو المحور الذي ينظم على أساسه المحتوى، كما أن هذا التنظيم يقوم على أساس إيجابية التلاميذ ونشاطهم، فالتلاميذ يشاركون في اختيار المحتوى وتخطيطه وتنفيذه، وبذلك فإن المحتوى لا يتم اختياره مقدما، ولا يتقيد بالحواجز الفاصلة بين المواد الدراسية، ويعتمد في تنفيذه على أسلوب حل المشكلات، وتخطيط وتنفيذ المشروعات؛ لذلك فإن التقويم في هذا التنظيم يقوم على أساس نشاط الطلاب وسلوكياتهم، وعلاقاتهم. ثالثا: إذا كان منهج النشاط قد نقل الاهتمام في التربية من المادة إلى ميول التلاميذ وأغراضهم، ورفض تخطيط المنهج مقدما، فكلاهما قد أهمل معيار التكامل بين مكونات المحتوى التعليمي، وقد أهمل أيضا التعامل مع حاجات المجتمع ومطالبه ومشكلاته. ومن هنا جاء التنظيم المحوري للمناهج مستفيدا من مزايا التنظيمين السابقين ومتخطيا عيوبهما؛ لذلك نادى بأن يكون محور الدراسة هو حاجات الدارسين لا مجرد ميولهم؛ على اعتبار أن الحاجة ذات شقين: شق شخصي يتصل بالطالب مباشرة، وشق اجتماعي يتصل بالنظامل الاجتماعي ومطالب الحياة الاجتماعية التي يعيشها الطلاب ومشكلاتهم. وهكذا انبثقت فكرة التنظيم المحوري، فهو تنظيم يدور حول مشكلات الحياة وحاجات الدارسين بقصد إعدادهم للمواطنة ومسئوليات الحياة١.

стр. 203

إذن فالتنظيم المحوري يدور حول الأمور العامة المشتركة التي ينبغي أن يدرسها جميع الطلاب في صف معين أو في مرحلة معينة. وهناك بالتأكيد أمور أخرى تتصل بالميول والقدرات والاستعدادات الخاصة لكل طالب، وهذه تأتي خارج الدائرة المحورية. وبذلك فالتنظيم ذو شقين: - شق إجباري، يلتزم به جميع الطلاب في صف معين أو مرحلة معينة. - وشق اختياري تطرح فيه مجموعة من المواد الاختيارية والمناشط المدرسية يختار الطلاب من بينها ما يتسق مع حاجاتهم وميولهم وقدراتهم واستعداداتهم الخاصة. ويتضح من هذا التنظيم المنهجي أنه يقوم على أساس تحديد المشكلات والحاجات بشقيها الشخصي والاجتماعي عن طريق البحث العلمي، وقيام التنظيم المحوري حولها، دون الالتزام بالمنهج التخصصي الذي يفرض طبيعة المادة التعليمية, ومنطقها وتسلسلها في المقام الأول. وهذا التنظيم المحوري بشقيه الإجباري والاختياري يعتبر الإرشاد والتوجيه الطلابي ركنا أساسيا فيه١، حيث إن هذا ضروري للوقوف على حاجات الطلاب ومشكلاتهم وقدراتهم واستعداداتهم، كما أنه ضروري أيضا لمشاركتهم المعلم في وضع الخطة واقتراح التفاصيل، كما أنه تنظيم يعتمد أسلوب حل المشكلات وسيلة للتعليم الفعال، كما يمكن تطبيقه بنجاح في المرحلتين: الإعدادية والثانوية. رابعا: تنظيم الوحدات، وهو تنظيم قصد به تنظيم المحتوى في صورة معلومات مترابطة وخبرات متكاملة حول المحاور الأساسية المراد دراستها، وبذلك يتم القضاء على ظاهرة التفتيت والتجزيء الشائعة, خاصة في تنظيم المواد الدراسية المنفصلة، وتنظيم منهج النشاط والمشروعات الذي لم يكتب له البقاء والاستمرار طويلا. ويقوم تنظيم الوحدات على أساس تكامل المعرفة الإنسانية، فالمعرفة الإنسانية متكاملة في مصدرها؛ فهي من خلق الله، ومتكاملة في وظيفتها في الحياة، ومتكاملة في غاياتها، كما يقوم هذا التنظيم على أساس التكامل في شخصية الإنسان، فالإنسان بروحه وعقله وجسمه كل واحد لا يتجزأ، ومصدره واحد وهو الله، ووظيفته هي إعمار الحياة، والمعرفة المتكاملة هي وسيلته في القيام بوظيفته

стр. 204

وطريقة الوحدات يمكن استخدامها عن طريق المنهج المحوري، فالتنظيم المحوري يمكن أن يقدم في صورة واحدة أو محاور أساسية، فمثلا يمكن أن يقوم محور حول "الماء ووظيفته في الحياة" ويمكن دراسة هذا المحور من خلال القرآن، والسنة، والفقه، والطبيعة، والكيمياء، والأحياء، والتاريخ والجغرافيا، والبيئة المحلية, كما يمكن دراسة موضوع مثل "النظام الاقتصادي" من خلال القرآن والسنة والفقه، والتاريخ والجغرافيا، والمعلومات السكانية، والتربية.. وهكذا يمكن دراسة الهواء، والبيئة، ونظام الأسرة، والصلاة، والزكاة، والزراعة، والصناعة، والعلاقات الدولية.. إلخ. وهكذا فإن أسلوب الوحدات يقوم على أساس ترابط المعرفة الإنسانية والخبرة الإنسانية، وعلى أساس التكامل بين المدرسة والحياة، والإيجابية والفاعلية بين الطلاب والمعلمين وبقية عناصر المنهج؛ وعلى أساس المشاركة والتعاون والعمل الجماعي. ويعتمد تنظيم الوحدات أيضا على أسلوب حل المشكلات والمناقشة, وفن إدارة المعلومات المتكاملة للوصول إلى القدرة على الابتكار, واستشراف آفاق المستقبل والاستعداد له، من أجل القدرة على التعامل مع معطياته. وهكذا يتضح أن التنظيم المحوري للمنهج, وأسلوب الوحدات يتسقان مع طبيعة التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة.

стр. 205

أنواع المحتوى: إذن فقد يكون تنظيم المحتوى على أساس منهج المواد الدراسية المفصلة أو على أساس المنهج المحوري أو الوحدات، فهذا هو التنظيم الخارجي لمحتوى المنهج.. ولكن كيف تكون العلاقة بين العلوم الشرعية وبين العلوم الكونية في التصور الإسلامي لمنهج التربية؟ من خلال التصور السابق لمفهوم التربية, ومفهوم المنهج, ومفهوم الدين, ومفهوم العبادة, ومفهوم التعلم, يرى معظم المفكرين ضرورة تكامل العلوم الشرعية والعلوم الكونية في منهج التربية، فهذه العلوم جميعها مظهر للكلمات الإلهية، فإذا كانت العلوم الشرعية هي علوم المقاصد والغايات -كما يقول ابن خلدون- فإن العلوم الكونية أو العقلية هي علوم الوسائل والأدوات. وقد نعى ابن تيمية على الفلاسفة والمذهبيين عدم فهمهم لوظيفة كل نوع من النوعين السابقين للعلوم، فقد أدى انشقاقهم وتعصبهم إلى إشاعة الجبرية والكسل، وركود العلم والإنتاج، وتفرق الناس في ميادين العقيدة والشريعة.

стр. 206

وانطلاقا من فكرة التكامل هذه يمكن القول إن محتوى منهج التربية الذي تتحقق من خلاله الأهداف التي سبق عرضها في الفصل الثالث، يشتمل على أربعة مجالات: ١- مجال علوم العقيدة والشريعة: وهو يشتمل على جانب إجباري وجانب اختياري، فالجوانب الإجبارية هي ما تتصل بالقدر الضروري لكل فرد وهي ما تعلقت بالعقيدة، والأصول، والأخلاق والقيم والمعايير الثابتة، والاختيارية ما تعلقت بالتشريعات والتنظيمات التشريعية في مختلف المجالات. ٢- مجال العلوم الحربية والعسكرية: وهذه إجبارية لارتباطها بالجهاد، وهي تتشكل وتتنوع حسب مهارات العصر وأدواته ووسائله. ويعلل ابن تيمية التكامل بين العلوم العقيدية والشرعية وعلوم الحرب والجهاد فيقول: "ودين الإسلام يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، كان السيف تابعا للكتاب. كان أمر الإسلام قائما.. أما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه، كان دين الله من هو كذلك بحسب ذلك"١. ويسوي ابن تيمية بين المتخصيين في العلوم العسكرية والمتخصصين في علوم القرآن، فيقول: "وتعلم هذه الصناعات من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله ، فمن علم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به، لا ينقص أحدهما من الأجر شيئا، كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم"٢. ٣- مجال العلوم الكونية والعقلية: مثل العلوم الرياضية، والطب، والفلك، والعلوم الحيوية، والفيزيائية والكيماوية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية عموما، وثمرة هذه العلوم الكشف عن آيات الله في الأنفس وفي الآفاق: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . ٤- مجال المهن والصناعات المختلفة والمتنوعة: وأفضل الصناعات هي الصناعات الحربية والعسكرية؛ لأنها وسيلة الجهاد وعدته، والجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، ومصداق ذلك قول الرسول ﷺ : "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد له" "رواه أبو داود". والمهن والصناعات كالعلوم الكونية والعقلية، إجبارية واختيارية، فما كان مفقودا في المجتمع وسببا في ضعفه وتدهوره صار إجباريا، وفرض عين، فإذا وجد إلى الحد الذي يكفي حاجة المجتمع صار اختياريا وفرض كفاية

стр. 207

لكن الأزمة الحقيقية في مجتمعاتنا الآن هي أن نظم التربية الحديثة فيها قدمت المهم على الأهم، وحولت ما كان إجباريا وفرض عين، إلى اختياري وفرض كفاية، فتضخمت بذلك مناهج العلوم العقلية والكونية، واحتلت المرتبة الأولى في المناهج والجداول الدراسية، وأزيحت علوم العقيدة والشريعة إلى المراتب المتأخرة، وأصبحنا لا نرى للقرآن والحديث والفقه إلا حصة واحدة في الأسبوع. في حين تحتفظ الرياضيات غالبا بسبع حصص والفيزياء بأربعة، والكيمياء بأربعة، واللغة الإنجليزية بمثل ذلك، أما العلوم العسكرية والتدريب على فنون الحرب والجهاد فقد رفعت من الجداول المدرسية تماما! وهذا -في الغالب- أثر من آثار تحول الأمة عن منهج الله إلى المناهج الدخيلة الأخرى، وتبني شرائع غير شريعة الله لحكم الحياة، وبذلك تم زحزحة الشريعة الإسلامية من مناهج التربية لتحل محلها دراسة الفلسفات الوضعية التي تأخذ مكانها الحاكم في توجيه كيان الأمة، فأقسام الفلسفة ومقرراتها تحتل مكانا مرموقا في معظم كليات علوم الإنسان، وخاصة كليات إعداد المعلمين. علوم الدين هي علوم للدنيا: إن كل علم يصمم ويدرس على أساس أن إسهامه في بناء الإنسان القادر على المشاركة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله، هو علم ديني من وجهة نظر الإسلام، يستوي في ذلك علوم الشريعة والعلوم الحديثة، كالرياضيات، والطبيعة، والكيمياء، وعلوم التقنية الحديثة.. إلى آخره. وقد قرر هذه الحقيقة كثير من المفكرين المسلمين الفاهمين لنص الإسلام وروحه، أن تقسيم العلوم إلى "دينية" وأخرى "دنيوية" يقوم على أساس نظرية الفصل بين الدين والحياة، وتعتبر مثل هذه النظرية متعارضة تعارضا تاما مع الإسلام الحنيف، ذلك أن الدين في نظر الإسلام ليس شيئا منفصلا عن الحياة، وعلى هذا فإن اعتبار العالم ملك "لله" ﵎، واعتبار الناس فيه عبادا لله، يحيون وفق مشيئته، وحسب تعاليمه، لهو "الدين" بمعناه الصحيح، وهو في نفس الوقت الأساس الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية، وهكذا فإن مثل هذا التصور للحياة البشرية على هذه الأرض يؤدي إلى تحويل جميع العلوم "الدنيوية" إلى علوم "دينية"، أما تقسيم العلوم إلى قسمين: "ديني" يدرس من وجهة النظر الإلهية، وآخر "دنيوي" يدرس من وجهة النظر الأخرى المقابلة فإنه يفضي بأجيالنا إلى الاعتقاد بأن الدين شيء والحياة شيء آخر، وأن كلا منهما يسير في مجرى لا صلة له بالآخر، وهكذا

стр. 208

يصبح التوفيق بينهما بغية إخراج الجماعة المؤمنة التي يريدها القرآن الكريم إذ يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] أمرا صعبا للغاية بالنسبة لهذه الأجيال"١. إن العلوم الحديثة لا يجب تدريسها بالحالة التي هي عليها كما وردت إلينا من الغرب، وإنما يجب إعادة صياغتها بعد تخليصها من أوشابها, وما قد يكون كامنا في ثناياها من نظريات وفلسفات عن الكون والإنسان والحياة؛ بحيث تحقق أهداف منهج التربية الإسلامية. أما إذا أضفنا هذه العلوم إلى منهج التربية الإسلامية بالحالة التي أتت بها من الخارج فإنها سوف تهدم -دون شك- في نفوس الناشئة وعقولهم كل ما تبنيه علوم الشريعة من عقائد وقيم، وسوف تعمل ضد كل تفسير إسلامي للكون والحياة والسلوك الإنساني. ويلقى بعض المفكرين مزيدا من الإيضاح على هذه النقطة فيقول: "إننا بتعليمنا التاريخ، والجغرافيا، وعلم الطبيعة والفيزياء، وعلوم النباتات والحيوان، وعلم طبقات الأرض، والفلك، والاقتصاد والعلوم السياسية، وسائر العلوم الحديثة الأخرى بطريقة ليس "لله" فيها أثر أو نصيب؛ فلن نتوقع أن تبدو في حياة الناس أية علامات تدل على احترامهم لشرائع الله, أو إذعانهم لمشيئته, إن القوانين التي تتحكم في الطبيعة لا تفسر في ظل هذه الطريقة على أساس أنها قوانين تنظمها قوة الخالق المبدع، ولا ينظر إلى الأحداث الكونية الكبرى على أنها مظاهر لإرادة الله في ملكوته، أما مشاكل الحياة ومعضلاتها فتحل دون السماح للحلول التي قدمتها الشريعة السماوية أن تؤدي وظيفتها في حلها، وهكذا لا يصبح ثمة مجال لرأي الأديان في بدء الكون ونهاية العالم أن تجد لها مكانا في كتاب الحياة". "إن مجموعة العلوم التي تنصب في عقلية الطالب الصغير خليقة -والحالة هذه- أن تخلق في ذهنه تصورا للحياة خاليا من كل أثر للقدرة الإلهية فيها، لأن كل شيء يقدم إليه دون الإشارة إلى هذه القدرة التي خلقت كل شيء وأحسنت خلقه، فليس من الغرابة في شيء بعد ذلك أن يسلك في حياته العلمية مسالك ليس للدين فيها نصيب.. لكن الطالب ينصت من آن لآخر لصوت "الله" من ضميره وفي فطرته ويتعلم شيئا من الكتب السماوية عن بدء الخليقة ونهاية العالم، ولكنه يجد نفسه في حيرة أين يضع "الله" من هذه العلوم التي تقدمها له برامج التعليم اليوم، وقد يدفعه الشك الذي تنمي بذوره العلوم الحديثة إلى أن يطلب إثبات الله, ثم يتطرق إلى

стр. 209

مناقشة مسألة "الوحي" وهل الإيمان به ضرورة أم لا؟، وبعد أن يكد الذهن في الاهتداء للحقيقة وتقبلها, يظل على حاله من الحيرة والقلق، كيف يستطيع التوفيق بين العلوم الحديثة التي تعلمها وبين ما يقدمه الدين من نظريات عن الكون والحياة، ومهما يكن إيمانه بالله قويا، واحتماله بعقيدته راسخا لا يتزعزع، فإن الدين يظل في معزل عن حياته لا يؤثر فيها، ولا يهيمن عليها كما ينبغي"١. إن الفصل التعسفي بين علوم الشريعة، على أنها علوم للدين، وبين العلوم الحديثة على أنها علوم للدنيا، قد أحدث كثيرا من المتاعب التي تعاني منها الأجيال الحديثة، وهذا الفصل لا يقره الإسلام على الإطلاق، لكن الواجب عليهم أن يعيدوا صياغة العلوم الحديثة: كما سبق أن ذكرنا، بحيث تتعاون مع بقية مواد المنهج على تحقيق أهداف منهج التربية "وتحقيق أهداف الحياة السعيدة للمجموعة البشرية وفق تعاليم السماء"٢. والجهاد من أجل عمارة الأرض وتطبيق منهج الله، ومن هنا ترتبط في نفوسهم الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، والفكر بالعمل. محور المحتوى بين الذكور والإناث: ومنهج التربية -كما سبق أن ذكرنا- يجب أن يعد الفتاة لمهمتها العظيمة المرتقبة، وهي تربية الناشئة، وإدارة البيت وتدبير شئونه بطريقة حسنة, حتى إذا جاءت الخطبة، وجاء الزوج، كانت مهيأة لدورها الطبيعي العظيم في الحياة. ولا شك أن هناك علوما مشتركة في منهج التربية بين البنين والبنات صغيرهم وكبيرهم على السواء، وهذا القدر المشترك من محتوى المنهج هو ما يتصل بالجانب الثابت في حياة الإنسان، وهو العلم بالدين، ابتداء من قضية الألوهية، وما يتفرع عنها، وما يترتب عليها من مبادئ وقيم, وعلوم شرعية, وعلوم المعاملات بما تشتمل عليه من نظم وأخلاقيات وسلوك، ولا شك أن هناك قدرا آخر مشتركا، وهو ذلك الخاص بتاريخ المسلمين، وجغرافية العالم الإسلامي، واللغة العربية وآدابها، وبعض العلوم العامة. وإلى جانب هذا القدر المشترك في المناهج، هناك "التربية النسوية" التي تعد الفتاة لوظيفتها، وتعلمها أصول هذه الوظيفة من إدارة شئون البيت، وتربية الأطفال، وتحول مشاعر الجنس الفطرية إلى تهيؤ عملي لاستقبال الحياة الزوجية المرتقبة. ولا شك أن للفتاة بعد ذلك أن تتعلم من العلوم الأخرى ما تميل إليه، ولا قيد عليها في ذلك إلا قيد واحد هو ألا يصرفها عن وظيفتها الرئيسية التي تتفق مع فطرتها التي فطر الله الناس عليها.

стр. 210

الإعداد للمهن والحرف: ومحتوى منهج التربية الإسلامية ترتبط فيه النظرية بالتطبيق، والقول بالعمل، وذلك انطلاقا من أن الدين الإسلامي لا يفرق بين المثال والواقع، لأن مثله موضوعة بحيث يمكن تطبيقها في الحياة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن: ١٦] ، وعلى هذا فالإسلام ليست فيه تلك الفجوة المعهودة بين المثال والواقع، أو بين النظرية والتطبيق كما يعبر عنها في أوربا. لا بد إذن أن يكون محتوى المناهج الدراسية -إذا أردنا أن تكون مناهجنا في الشكل والمضمون- نظرية وعملية معا، لا نظرية فقط، وأن توجد في مدرسة البنين "ورشة" أو "معمل" أو "مختبر" لتدريب المتعلمين فيها، وربط الأفكار النظرية بتطبيقاتها العلمية، وأن توجد في مدرسة البنات "بيت" يدرن شأنه ويدبرن أموره، بالإضافة إلى كل الخبرات التي تعدهن للقيام بأعباء الزوجية وتربية الأطفال على خير وجه. ويجب أن يشتمل محتوى منهج التربية الإسلامية على مواد كسب المهارة، وتعلم الصناعات المختلفة، والإعداد للحياة العملية والعمل الجاد، الذي يعين الإنسان على عمارة الأرض بمقتضى منهج الله، كما يشتمل على مواد ترقية الوجدان، وإبراز دقة الله في الخلق كالآداب والفنون والموسيقى, وزخرف الخط, وغير ذلك من الفنون. لقد وضع الإسلام دستورا شاملا للعمل هو جزء من محتوى منهج التربية، فسواء كان العمل يدويا أو عقليا أو فنيا فالخبرة والمهارة فيه مطلوبة، فالمجتمع يحتاج إلى العامل الماهر كما يحتاج إلى الطبيب الماهر يقول الرسول ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" , "رواه أبو يعلى والعسكري". ويقول: "من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له" , "أخرجه الطبراني". ويقول: "إن الله يحب المؤمن المحترف" , "أخرجه الطبراني والبيهقي". ويقبل الرسول ﷺ يدا تورمت من كثرة العمل ويقول: "هذه يد يحبها الله ورسوله"، كما روي أنه ﷺ قال: "الحرفة أمان من الفقر". وقد تعلم نوح صناعة السفن، إذ أمره الله بصنعها في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا

стр. 211

تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٧، ٣٨] وكانت النتيجة أن نجا نوح ومن آمن معه في السفينة التي صنعها، وغرق الباقون. وقد علم الله نبيه داود مهارة الحدادة وصناعة الدروع الحربية: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، ويقول في شأن داود أيضا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ "دروع واسعة سابغة واقية" ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ "أي: اجعله بقدر يناسب المهمة التي عمل من أجلها" ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] ، وكان الرسول ﷺ يجيد مهنة التجارة، كما اشتغل بالرعي. من كل ما سبق يتضح لنا ضرورة اهتمام محتوى منهج التربية بالعمل يدويا كان أو عقليا أو فنيا، وبالإتقان فيه، وبضرورة اشتمال محتوى منهج التربية على مواد كسب المهارة وتعلم الصناعات، وإتقان المهارات على اختلاف أنواعها، وبما يتفق مع قدرات المتعلمين واستعداداتهم.

стр. 212

معايير جودة المحتوى: ومحتوى منهج التربية والتعليم ينبغي أن تحكمه مجموعة من المعايير التي يجب أن تتوافر فيه، وأهم هذه المعايير ما يلي: أولا: أن يكون متسقا مع التصور الإسلامي شكلا ومضمونا، فلا يكون فيه ما يخالف القرآن والسنة نصا أو روحا, ولا يجوز أن يخالف تعاليم السماء. ثانيا: أن يكون هذا المحتوى محققا للأهداف العامة التي سبق ذكرها والأهداف الخاصة المنبثقة منها. ثالثا: أن تتكامل فيه علوم الوحي وعلوم الكون، فكلاهما من آيات الله، فهناك قدر ضروري من علوم الوحي لكل إنسان، فهو فرض عين، ودراسته إلزامية، وهذا القدر مختلف كما وكيفا باختلاف طبيعة كل مرحلة وأهدافها، أما دراسة علوم الكون فهي ضرورية وإجبارية عندما يحتاجها المجتمع، فإذا اكتفى منها فإنها تتحول إلى اختيارية وفرض كفاية. وما سبق يعني ضرورة أن تكون الحقائق والمعايير والقيم الثابتة، وكذلك المعارف والخبرات والمهارات الإنسانية المتغيرة، متكاملة أفقيا: فما يقدم في كل عام وكل مادة في مرحلة معينة أو لمستوى معين لا بد أن يكون مترابطا ومتكاملا، يعضد بعضه بعضا، ويكمل بعضه بعضا، ولا بد أن يكون مترابطا رأسيا أيضا: بمعنى أن

стр. 213

ما يقدم في المراحل المتتابعة لا بد أن يكون شاملا ومتكاملا، ومتدرجا من العموم إلى الخصوص، ومن البسيط إلى العميق. وخاصية الشمول هذه لا تتوافر بشكل صحيح إلا لمنهج مثل منهج الإسلام في التربية، الذي ينطلق من قاعدة واحدة وتصور واحد، ويهدف إلى غايات ومقاصد متعددة، مع اختلاف الأساليب والطرائق في تحقيقها. رابعا: أن يكون المحتوى مناسبا لنوعيات المتعلمين الصغار والكبار، ففي المدرسة الابتدائية يكون التركيز على تكوين المفاهيم الجوهرية، كمفهوم حقيقة الألوهية، ومفهوم الكون، ومفهوم الإنسان والطبيعة الإنسانية، ومفهوم الحياة. كما يجب أن يركز المحتوى أيضا على تربية الضمير والوجدان من خلال الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، وعن طريق القدوة، والتلقين، والتقليد، ثم التفكير الإسلامي المنظم. وفي المدرسة الإعدادية، يبدأ تساؤل الطلاب عن مصدرهم ومصيرهم، وعلاقتهم بالكون من حولهم، ووظيفتهم في الحياة، وهنا تبرز أهمية تعميق التصور الإسلامي لحقيقة الألوهية، وحقيقة الكون والإنسان والحياة، وطبيعة موقف الإنسان من الكون وعلاقته بالحياة غيبها وشهودها.. وهنا يبدو التلاميذ مشتاقين إلى معرفة النظم التي تحكم العالم من حولهم، وطبيعة النظام الذي يعيشون فيه. وهنا تبدو أهمية دراسة الشريعة والقانون، والاقتصاد والسياسة، والتاريخ والجغرافيا، والطبيعة الإنسانية في التصور الإسلامي، في هذه المرحلة العمرية يختل توازن عمليات النمو لدى التلاميذ.. ووظيفة المنهج هي محاولة إعادة التوازن، والتقليل من الاضطرابات، وتقبل الأوضاع التي تطرأ، والعمق في فهم فطرة الإنسان وطبيعته البشرية التي طبعه الله عليها. وهنا مرحلة اختيار الأصدقاء والأصحاب، وتنمية الولاءات وتنمية مهارات العمل وقوانينه والإحسان فيه، وهنا تظهر أهمية غرس قيم الحرية والمسئولية، والعلم، والعدل، والوحدة، والجهاد، والتعاون، والتراحم، والتكامل.. في هذه المرحلة تظهر المسألة الجنسية بصورة حادة، ومن الخطأ القيام بأي شيء يؤدي إلى كبت الدوافع الجنسية أو استقذارها, والمطلوب من المنهج هو تهيئة الفرص أمام الطلاب لتصريف طاقاتهم بالانشغال في الأعمال المدرسية والاجتماعية الإيجابية البناءة، فالبيئة الغنية بالأعمال الصالحة تخفف من حدة الجنس إلى حد كبير، ومن المهم هنا أيضا إحاطة التلاميذ بجو نفسي واجتماعي فاضل وتهيئة الفرص أمامهم لتوجيه قواهم وطاقاتهم في الدراسات الجادة والأعمال النافعة.

стр. 214

خامسا: أن يكون المحتوى نظريا وتطبيقيا إن التصور الصحيح للمعرفة، هو أن تكون نظرية وعملية معا، فالمعرفة "الذهنية" التي لا تتحول إلى سلوك عملي هي معرفة ميتة لا يعتد بها. روى ابن سعد في طبقاته أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: "إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر، حتى يعلموا ما فيهن، ويعملوا بهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به.. وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز حلوقهم". ودلالة هذا أن المعرفة النظرية المجردة، ليست هي المعرفة التي يعتد بها منهج التربية في التصور الإسلامي، لأنها معرفة سطحية وميتة، لا تفعل شيئا في واقع الحياة، ولا ترقي سلوك الإنسان، إذن فوجودها وعدمه سواء، إن هذا يعني أيضا أن محتوى منهج التربية يجب أن يزود المتعلمين بالحقائق والمفاهيم والمهارات والخبرات التي تزيد من إيجابيتهم وفاعليتهم في القيام بإعمار الأرض، وترقية الحياة على ظهرها، وهذا هو مقتضى العبادة، ومقتضى الخلافة في الأرض. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] ، إن الإسلام يبتغي الحركة من وراء المعرفة، ويبتغي أن يستحيل هذه المعرفة إلى قوة دافعة، لتحقيق مدلولها في عالم الواقع، وبذلك يرتبط الإيمان بالله بتنفيذ منهجه، وترتبط المعرفة بالعمل والسلوك في واقع الحياة.

стр. 215

الفصل السابع: طرائق وأساليب التدريس عملية التدريس ومراحلها ... الفصل السابع: طرائق أساليب التدريس عملية التدريس ومراحلها: تحدثنا في الفصول السابقة عن أسس المنهج، وعن عنصرين من عناصره، ألا وهما الأهداف والمحتوى، وفي هذا الفصل نتناول بالحديث عنصرا هاما آخر من عناصر المنهج ألا وهو طرائق التدريس، إننا نتصور أن عملية التدريس هي نظام أو نسق يتكون من مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها المدرس بقصد مساعدة التلاميذ على تحقيق أهداف تربوية معينة، أي: إن التدريس نشاط هادف يرمي إلى إحداث تأثير في شخصية التلميذ وأنه وسيلة، أما الغاية فهي التعلم أو تعديل سلوك التلاميذ تعديلا يساعد على نموهم المتكامل, ويستند هذا التصور على عدة مسلمات، أهمها: ١- أن الكون كله كتاب مفتوح لمنهج التربية لينهل منه، فجميع الطرائق والأساليب والوسائل المشروعة التي تمكن المربي من تحقيق أهداف منهج التربية بالحق والعدل، هي طرائق وأساليب سليمة، ويمكن اتباعها، سواء الموجود منها الآن، وما سوف يوجد فيما بعد. ٢- أن التدريس عملية ذات أبعاد ثلاثة، تتألف من مدرس وتلميذ ومادة تعليمية أو خبرة تربوية, يحاول الأول أن يحدث من خلالها تأثيرا في الثاني. ٣- أن التدريس سلوك اجتماعي لا ينشأ من فراغ، وأنه لا بد من وجود تفاعل بين المدرس والتلاميذ وبين التلاميذ والمادة التعليمية أو الخبرات التربوية، ومن هنا تظهر أهمية الدقة في اختيار المحتوى والخبرات التربوية المناسبة، وأيضا الدقة في اختيار الطريقة أو الطرائق المناسبة. ٤- أن التدريس سلوك يمكن ملاحظته وقياسه، وبالتالي يمكن ضبطه وتقويمه وتحسينه، ومن هنا فإننا نميل إلى اعتبار أن التدريس علم وفن, وأن المدرس الكفء يصنع ولا يولد. "انظر الشكل". ٥- أن التدريس يشتمل على بعد إنساني يتمثل في التفاعل بين المدرس والتلاميذ، وأن المدرس لا يمكن استبداله بآلة أو وسيلة مادية مهما
следующие страницы →