تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٧، ٣٨] وكانت النتيجة أن نجا نوح ومن آمن معه في السفينة التي صنعها، وغرق الباقون.
وقد علم الله نبيه داود مهارة الحدادة وصناعة الدروع الحربية: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، ويقول في شأن داود أيضا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ "دروع واسعة سابغة واقية" ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ "أي: اجعله بقدر يناسب المهمة التي عمل من أجلها" ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] ، وكان الرسول ﷺ يجيد مهنة التجارة، كما اشتغل بالرعي.
من كل ما سبق يتضح لنا ضرورة اهتمام محتوى منهج التربية بالعمل يدويا كان أو عقليا أو فنيا، وبالإتقان فيه، وبضرورة اشتمال محتوى منهج التربية على مواد كسب المهارة وتعلم الصناعات، وإتقان المهارات على اختلاف أنواعها، وبما يتفق مع قدرات المتعلمين واستعداداتهم.
стр. 212
معايير جودة المحتوى:
ومحتوى منهج التربية والتعليم ينبغي أن تحكمه مجموعة من المعايير التي يجب أن تتوافر فيه، وأهم هذه المعايير ما يلي:
أولا: أن يكون متسقا مع التصور الإسلامي شكلا ومضمونا، فلا يكون فيه ما يخالف القرآن والسنة نصا أو روحا, ولا يجوز أن يخالف تعاليم السماء.
ثانيا: أن يكون هذا المحتوى محققا للأهداف العامة التي سبق ذكرها والأهداف الخاصة المنبثقة منها.
ثالثا: أن تتكامل فيه علوم الوحي وعلوم الكون، فكلاهما من آيات الله، فهناك قدر ضروري من علوم الوحي لكل إنسان، فهو فرض عين، ودراسته إلزامية، وهذا القدر مختلف كما وكيفا باختلاف طبيعة كل مرحلة وأهدافها، أما دراسة علوم الكون فهي ضرورية وإجبارية عندما يحتاجها المجتمع، فإذا اكتفى منها فإنها تتحول إلى اختيارية وفرض كفاية.
وما سبق يعني ضرورة أن تكون الحقائق والمعايير والقيم الثابتة، وكذلك المعارف والخبرات والمهارات الإنسانية المتغيرة، متكاملة أفقيا: فما يقدم في كل عام وكل مادة في مرحلة معينة أو لمستوى معين لا بد أن يكون مترابطا ومتكاملا، يعضد بعضه بعضا، ويكمل بعضه بعضا، ولا بد أن يكون مترابطا رأسيا أيضا: بمعنى أن
стр. 213
ما يقدم في المراحل المتتابعة لا بد أن يكون شاملا ومتكاملا، ومتدرجا من العموم إلى الخصوص، ومن البسيط إلى العميق.
وخاصية الشمول هذه لا تتوافر بشكل صحيح إلا لمنهج مثل منهج الإسلام في التربية، الذي ينطلق من قاعدة واحدة وتصور واحد، ويهدف إلى غايات ومقاصد متعددة، مع اختلاف الأساليب والطرائق في تحقيقها.
رابعا: أن يكون المحتوى مناسبا لنوعيات المتعلمين الصغار والكبار، ففي المدرسة الابتدائية يكون التركيز على تكوين المفاهيم الجوهرية، كمفهوم حقيقة الألوهية، ومفهوم الكون، ومفهوم الإنسان والطبيعة الإنسانية، ومفهوم الحياة.
كما يجب أن يركز المحتوى أيضا على تربية الضمير والوجدان من خلال الحقائق والمعايير والقيم الإلهية الثابتة، وعن طريق القدوة، والتلقين، والتقليد، ثم التفكير الإسلامي المنظم.
وفي المدرسة الإعدادية، يبدأ تساؤل الطلاب عن مصدرهم ومصيرهم، وعلاقتهم بالكون من حولهم، ووظيفتهم في الحياة، وهنا تبرز أهمية تعميق التصور الإسلامي لحقيقة الألوهية، وحقيقة الكون والإنسان والحياة، وطبيعة موقف الإنسان من الكون وعلاقته بالحياة غيبها وشهودها.. وهنا يبدو التلاميذ مشتاقين إلى معرفة النظم التي تحكم العالم من حولهم، وطبيعة النظام الذي يعيشون فيه.
وهنا تبدو أهمية دراسة الشريعة والقانون، والاقتصاد والسياسة، والتاريخ والجغرافيا، والطبيعة الإنسانية في التصور الإسلامي، في هذه المرحلة العمرية يختل توازن عمليات النمو لدى التلاميذ.. ووظيفة المنهج هي محاولة إعادة التوازن، والتقليل من الاضطرابات، وتقبل الأوضاع التي تطرأ، والعمق في فهم فطرة الإنسان وطبيعته البشرية التي طبعه الله عليها.
وهنا مرحلة اختيار الأصدقاء والأصحاب، وتنمية الولاءات وتنمية مهارات العمل وقوانينه والإحسان فيه، وهنا تظهر أهمية غرس قيم الحرية والمسئولية، والعلم، والعدل، والوحدة، والجهاد، والتعاون، والتراحم، والتكامل.. في هذه المرحلة تظهر المسألة الجنسية بصورة حادة، ومن الخطأ القيام بأي شيء يؤدي إلى كبت الدوافع الجنسية أو استقذارها, والمطلوب من المنهج هو تهيئة الفرص أمام الطلاب لتصريف طاقاتهم بالانشغال في الأعمال المدرسية والاجتماعية الإيجابية البناءة، فالبيئة الغنية بالأعمال الصالحة تخفف من حدة الجنس إلى حد كبير، ومن المهم هنا أيضا إحاطة التلاميذ بجو نفسي واجتماعي فاضل وتهيئة الفرص أمامهم لتوجيه قواهم وطاقاتهم في الدراسات الجادة والأعمال النافعة.
стр. 214
خامسا: أن يكون المحتوى نظريا وتطبيقيا
إن التصور الصحيح للمعرفة، هو أن تكون نظرية وعملية معا، فالمعرفة "الذهنية" التي لا تتحول إلى سلوك عملي هي معرفة ميتة لا يعتد بها.
روى ابن سعد في طبقاته أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: "إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر، حتى يعلموا ما فيهن، ويعملوا بهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به.. وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز حلوقهم".
ودلالة هذا أن المعرفة النظرية المجردة، ليست هي المعرفة التي يعتد بها منهج التربية في التصور الإسلامي، لأنها معرفة سطحية وميتة، لا تفعل شيئا في واقع الحياة، ولا ترقي سلوك الإنسان، إذن فوجودها وعدمه سواء، إن هذا يعني أيضا أن محتوى منهج التربية يجب أن يزود المتعلمين بالحقائق والمفاهيم والمهارات والخبرات التي تزيد من إيجابيتهم وفاعليتهم في القيام بإعمار الأرض، وترقية الحياة على ظهرها، وهذا هو مقتضى العبادة، ومقتضى الخلافة في الأرض.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] ، إن الإسلام يبتغي الحركة من وراء المعرفة، ويبتغي أن يستحيل هذه المعرفة إلى قوة دافعة، لتحقيق مدلولها في عالم الواقع، وبذلك يرتبط الإيمان بالله بتنفيذ منهجه، وترتبط المعرفة بالعمل والسلوك في واقع الحياة.
стр. 215
الفصل السابع: طرائق وأساليب التدريس
عملية التدريس ومراحلها
...
الفصل السابع: طرائق أساليب التدريس
عملية التدريس ومراحلها:
تحدثنا في الفصول السابقة عن أسس المنهج، وعن عنصرين من عناصره، ألا وهما الأهداف والمحتوى، وفي هذا الفصل نتناول بالحديث عنصرا هاما آخر من عناصر المنهج ألا وهو طرائق التدريس، إننا نتصور أن عملية التدريس هي نظام أو نسق يتكون من مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها المدرس بقصد مساعدة التلاميذ على تحقيق أهداف تربوية معينة، أي: إن التدريس نشاط هادف يرمي إلى إحداث تأثير في شخصية التلميذ وأنه وسيلة، أما الغاية فهي التعلم أو تعديل سلوك التلاميذ تعديلا يساعد على نموهم المتكامل, ويستند هذا التصور على عدة مسلمات، أهمها:
١- أن الكون كله كتاب مفتوح لمنهج التربية لينهل منه، فجميع الطرائق والأساليب والوسائل المشروعة التي تمكن المربي من تحقيق أهداف منهج التربية بالحق والعدل، هي طرائق وأساليب سليمة، ويمكن اتباعها، سواء الموجود منها الآن، وما سوف يوجد فيما بعد.
٢- أن التدريس عملية ذات أبعاد ثلاثة، تتألف من مدرس وتلميذ ومادة تعليمية أو خبرة تربوية, يحاول الأول أن يحدث من خلالها تأثيرا في الثاني.
٣- أن التدريس سلوك اجتماعي لا ينشأ من فراغ، وأنه لا بد من وجود تفاعل بين المدرس والتلاميذ وبين التلاميذ والمادة التعليمية أو الخبرات التربوية، ومن هنا تظهر أهمية الدقة في اختيار المحتوى والخبرات التربوية المناسبة، وأيضا الدقة في اختيار الطريقة أو الطرائق المناسبة.
٤- أن التدريس سلوك يمكن ملاحظته وقياسه، وبالتالي يمكن ضبطه وتقويمه وتحسينه، ومن هنا فإننا نميل إلى اعتبار أن التدريس علم وفن, وأن المدرس الكفء يصنع ولا يولد. "انظر الشكل".
٥- أن التدريس يشتمل على بعد إنساني يتمثل في التفاعل بين المدرس والتلاميذ، وأن المدرس لا يمكن استبداله بآلة أو وسيلة مادية مهما
стр. 216
ارتفعت درجة كفاية هذه الآلة، ولذلك فإن ما يعرف بالوسائل التعليمية إنما هي أدوات معينة وليست بديلة.
٦- أن التدريس عملية دينامية فيها حركة وتفاعل وتأثر وتأثير وثقة، فالمدرس يسلم بأهمية تلميذه وضرورة مشاركته في الموقف التعليمي، والتلميذ يسلم بقدرة أستاذه على التأثير ومساعدته على تحقيق الأهداف التربوية.
٧- أن التدريس عملية اتصال، وأن وسيلتها الرئيسية هي اللغة، أي: إن المدرس يتعين عليه أن يستخدم لغة ما لتوصيل رسالة معينة إلى مستقبل معين.
٨- أن عملية التدريس ليست فقط ما يقوم به المدرس داخل الفصل، وإنما هي عملية تتضمن أنشطة كثيرة قبل وأثناء وبعد لقاء المدرس مع التلاميذ.
مراحل عملية التدريس:
ويمكن تقسيم عملية التدريس إلى ثلاث مراحل رئيسية هي:
أ- مرحلة التخطيط أو ما قبل التفاعل.
ب- مرحلة التنفيذ أو التفاعل.
جـ- مرحلة ما بعد التنفيذ أو مرحلة المتابعة.
أما المرحلة الأولى: وهي مرحلة التخطيط فهي مرحلة النشاط الذهني الذي يهدف إلى تحديد الأهداف واختيار أفضل السبل لتحقيقها، فهي مرحلة خالية من التفاعل؛ وذلك لأنها تتم خارج الفصل, كما أنها تمثل نشاطا منطقيا مقصودا, يبدو فيه الموقف التدريسي على أنه موقف سهل ومنسجم الحلقات.
أما المرحلة الثانية: وتبدأ بمواجهة المدرس بتلاميذه؛ ولذلك فهي مرحلة تفاعل حي، وهي مرحلة سريعة بأحداثها, وما كان يبدو منطقيا في مرحلة التخطيط يصبح موقفا سيكولوجيا معقدا.
أما المرحلة الثالثة: فإن المدرس يحاول فيها أن يقف على مدى تأثيره في التلاميذ, وبالتالي فإنه يكون نظرة دقيقة على مدى فاعلية التدريس, ويحاول أن يستفيد بهذه المتابعة في عملية التدريس. ويجب أن نؤكد هنا على نقطتين رئيسيتين: أولاهما أن هذه المراحل الثلاث متكاملة, وأن التقسيم هنا إنما هو بقصد الدراسة والتحليل فقط، وثانيتهما أنه إذا بدت مرحلة التنفيذ أو التفاعل على أنها أهم المراحل الثلاث وأكثرها ارتباطا بالتعليم إلا أن مرحلتي التخطيط والمتابعة لازمتان لنجاح عملية التعليم، فالتخطيط الجيد يعتبر مفتاحا للتعلم الجيد فهو أشبه بالرسم المعماري بالنسبة للمهندس, يحتوي على إرشادات وتوجيهات وتفصيلات يجب أن تترك للذاكرة أو لمهارة المدرس، وأما المتابعة فإنها تعطي خطا مستمرا من التعزيز ومن مراقبة أثر التدريس وفاعلية أنشطته.
стр. 217
الطريقة وعلاقتها بأسس المنهج وعناصره:
إن طريقة التدريس ذات صلة وثيقة بأسس المنهج السابق ذكرها، كما أن صلتها وثيقة أيضا بعناصر المنهج التي سبق الحديث عنها وما سوف يأتي منها، فالمنهج وحدة متكاملة البناء، ذات أجزءا مختلفة, ولكن بينها علاقات ذات تأثير وتأثر متبادل.
إن تحديد أهداف المنهج بطريقة مناسبة، واختيار المحتوى المناسب لهذه الأهداف، واختيار أفضل الطرائق للتعلم، كل هذا يعتمد على دراسة أسس المنهج ومصادر اشتقاقه، إن تربية الأطفال والشباب لا تتم في فراغ، وإنما تأخذ مكانها في مجتمع معين؛ ولهذا فإن بناء المنهج لا بد أن يعتمد على دراسة ثلاثة عوامل:
١- طبيعة المعرفة The Nature of Knowledge
٢ طبيعة الفرد في المجتمع The Nature of Man
٣- طبيعة المجتمع The Nature of Society وحاجاته ومشكلاته.
وهذا يشمل فيما يشمل، طبيعة المادة، وطبيعة عملية التعلم وكيفية حدوثه، وعلى هذا فإن تطوير المنهج -كما سنشير إلى ذلك في الفصل الأخير من هذا الكتاب- لا بد أن ينطلق من دراسة هذه الطبائع الثلاثة وعوامل التغيير واتجاهاته فيها.
إن مخطط المنهج مجبر على مسح وتفسير طبيعة مجتمعه، وقيمه الأساسية الثابتة والعناصر المتغيرة فيه، إن أية محاولة ناجحة لتخطيط منهج في فترة تغير اجتماعي سريع لا بد أن تفهم حاضر المجتمع وواقعه الذي هو عليه واتجاهاته نحو المستقبل، ولأن حاضر المجتمع متأثر بماضيه، إذ فلا بد من فهم الأسس الفلسفية والأحداث التاريخية التي أثرت في وجدان هذا المجتمع وساهمت في تكوين أنماطه السلوكية، إن تخطيط المنهج وتنفيذه بناء على هذا، سوف يتأثر إلى حد كبير بعقيدة المجتمع، وبالقيم الاجتماعية وبالحاجات الاجتماعية والمشكلات الاجتماعية، إن تحليل ماضي المجتمع، وحاجاته ومشكلاته الحاضرة وتطلعاته نحو المستقبل سوف يعين مخطط المنهج ومنفذيه على تحديد أي الأهداف يجب التأكيد عليها وأيها يمكن تركها،
стр. 218
وأي الخبرات ضروري وأيها يمكن تركه، وأي القيم يجب تدعيمه وأيها يجب إرساؤه، وأيها يجب القضاء عليه، وهذا يعني أي طرائق التدريس أكثر مناسبة لكل من الأهداف والمحتوى المختار، إن دراسة المجتمع لا بد أن تأخذ في اعتبارها الواقع كما هو عليه, وما يجب أن يكون عليه.
أساس آخر يجب أخذه في الاعتبار عند تحديد الأهداف التعليمية واختيار المحتوى وطرق التدريس المناسبة، هو طبيعة المتعلم، حاجات نموه، نتائج نموه، خبراته واهتماماته، ودوافعه، وطموحاته، وعلاقاته الاجتماعية، إن المنهج هو خطة للتعلم، ولهذا فإن معرفة المتعلم يجب أن تحدد أي الأهداف يمكن تحقيقها وتحت أي ظروف، يجب أيضا معرفة متى تصبح العملية التعليمية أكثر فاعلية وتحت أي شروط، وما العوامل التي يجب توافرها لإنجاحها.
أساس ثالث هو طبيعة الثقافة، وطبيعة المعرفة ومصادر المعرفة، والسمات الخاصة للإسهامات الفريدة للمواد الدراسية في تكوين محتوى المنهج، فالنظم التعليمية تختلف باختلاف ثقافاتها, وباختلاف فهمها لطبيعة المعرفة, والأهمية التي تعطيها للمواد الدراسية المختلفة، إن المواد الدراسية تختلف في تركيبها وطبيعة تكوينها وبالتالي تختلف في إسهاماتها في المناهج الدراسية، كما أنها تختلف في إسهامها في المنهج حسب الأهمية المعطاة لها في المجتمع، إن كل مادة دراسية تساهم بقدر مختلف في النمو العقلي والاجتماعي والجسماني للفرد، إننا اليوم بخاصة في عصر التدفق المعرفي بحاجة إلى إعادة دراسة المواد الأساسية التي تتكون منها موضوعات الدراسة للتأكد من المفاهيم التي تنظم حولها المواد الدراسية، وللتأكد من أنها تتفق مع التطورات في هذه المواد، وهكذا نرى أن هناك علاقات أساسية بين أساسيات المنهج وعناصره، ومنها طرق التدريس.
الطريقة كعنصر من عناصر المنهج:
يجب أن نبادر بالقول بأن الفصل بين المناهج وطرق التدريس هو فصل مصطنع, قصد به التنظيم وإتاحة الفرصة لدراسة طرق التدريس المختلفة وإستراتيجياتها وفلسفاتها، إن تحديد طريقة التدريس المناسبة تعتمد على وضوح العلاقات الأساسية بينها وبين كافة عناصر المنهج الأخرى، وبدون وضوح لهذه العلاقات تصبح طريقة التدريس مجرد جهد يبذله المدرس دون جدوى، والطريقة كعنصر من عناصر المنهج لها أهمية متميزة، فنحن حينما نقول إن هناك مستويين للمنهج أحدهما تخطيطي والآخر تنفيذي فإننا نقصد أن تناول المنهج على المستوى التخطيطي تقترن به عمليات التصميم والبناء وهو الأمر الذي يحمل الخبراء
стр. 219
مسئولية، كما نقصد بالمستوى التنفيذي مجموع المواقف التعليمية التي يشترك فيها المعلم مع تلاميذه في تنفيذ المنهج في الاتجاه المرغوب فيه, أي: في اتجاه ما حدد للمنهج من أهداف.
وعلى ذلك فإنه لمن الصعوبة بمكان أن نفصل محتوى المنهج عن الطرق المتبعة في تدريسه، كأن نقول هنا ينتهي المحتوى وتبدأ الطريقة، فمثلا لو أن التلاميذ يناقشون بعض الموضوعات، فإن الموضوعات وما يقوله التلاميذ أو المدرس عنها يعتبر محتوى، بينما المناقشة هي الطريقة المتبعة في هذا الموقف التعليمي, إن المحتوى والطريقة أو الطرق تأتي سويا مع التلاميذ والمدرس في الموقف التعليمي الذي يمكن أن يوصف بأنه علاقة مخططة ومحكمة بين التلاميذ والمدرس والمادة التعليمية، والوسائل المعينة وعوامل البيئة الاجتماعية بقصد تعديل سلوك التلاميذ في الاتجاه المرغوب إن الطريقة، كعنصر في الموقف التعليمي، تشمل العلاقات بين التلاميذ، والمدرس، والمواد التعليمية، وتنظيم محتوى المنهج، وطريقة عرض هذا، المحتوى إلى التلاميذ، والأنشطة التي يقوم بها المدرس والتلاميذ.
ومن الصعوبات الكبيرة التي تواجه المدرس في موقف تعليمي أنه لا يوجد تلميذان يكتسبان نفس الخبرة التعليمية بالضبط، فحتى عندما يتحدث المدرس مباشرة إلى التلاميذ، فإن بعضهم سوف يسمع أشياء مختلفة، وبعضهم سوف يفسر ما سمع بطريقة مختلفة، وبعضهم سوف يبقي على أشياء مما سمع ويحرص عليها تختلف عن الآخرين، إن كل تلميذ سوف يساهم في الموقف التعليمي بقدر وبطريقة تختلف عن الآخرين، وإن مسئولية المدرس هنا هي أن يلائم بين هذه الخبرات المختلفة ويوجهها بطريقة تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرغوبة والمحددة سابقا، إن الطفل الذي جاء من بيئة غنية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا سوف يساهم في الخبرات التعليمية بطريقة تختلف تماما عن الطفل الذي جاء من بيئة فقرة.
إن اختلاف التلاميذ باختلاف بيئاتهم وشخصياتهم يتطلب تنوعا في المحتوى التعليمي والخبرات المثيرة والطرق المناسبة أو ما يراه المدرس مناسبا، إن مناسبة المحتوى أو الخبرات أو طريقة التدريس أو عدم مناسبتها يمكن الحكم عليها عندما يقيس المدرس المخرجات التعليمية، أو عندما يكتب أو يقرأ أو يعمل أو يتكلم التلميذ، عندئذ سوف يحكم المدرس على مدى مناسبة طريقته أو مدى فاعلية الخبرات التي يعلمها للتلاميذ.
هل هناك طريقة مثلى؟
إن طرائق التدريس تلقى من العناية أكثر مما يلقى أي عنصر آخر من عناصر المنهج، فالكتب المتخصصة تهتم بها كل في ميدانه، ويتم تدريب المدرس عليها قبل
стр. 220
وأثناء الخدمة، وبالرغم من هذا فهناك سوء فهم للطرائق ووظيفتها ومكانها في المنهج، وربما بسبب الأهمية المعطاة لها في مؤسسات إعداد المعلمين، وفي برامج تدريس المدرسين أثناء الخدمة، فإن بعض المدرسين قد يعتبرونها أهم عنصر في المنهج، كما أن هذا الاتجاه قد قوي أيضا؛ لأن المدرسين الأوائل والموجهين يدخلون الفصول الدراسية ويلاحظون المدرس والطريقة التي يتبعها في عرض الدرس, حقيقة إن طرق التدريس هي أوضح عناصر المنهج عندما تذهب إلى المدرسة، ولكن لا يجب الحكم عليها منفصلة عن بقية العناصر، حيث إن قيمة الطريقة أو الطرق المتبعة تبرز من خلال مدى تحقيقها للأهداف المرغوبة.
إن هناك تعبيرا شائعا عن طرائق التدريس، فقد يقول مدرس أو تربوي: إن هذه الطريقة أفضل من ذاك، وقد يعتقد البعض أن طريقة النشاط، أو طرق الاستكشاف، أو الطرق التقدمية أو الطرق التقليدية أفضل من الطرق الأخرى، وهنا نرى أن الطريقة قد حكم عليها بمعزل عن بقية عناصر المنهج، وكأن لها قيمة في حد ذاتها وليس في علاقتها بنوعية المحتوى التعليمي ونوعية الأهداف المراد تحقيقها، إن هناك أنواعا معينة من الأهداف التعليمية يمكن تحقيقها أفضل وأسرع باستخدام طرق معينة، فمثلا تنمية الاتجاهات والقيم تعتمد في تحقيقها على الطرق المتبعة أكثر من اعتمادها على نوعية المحتوى المختار، وباختصار فإن نوعية الأهداف والمحتوى، ونوعيات التلاميذ، والوسائل التعليمية المتاحة، ونوعية المدرس وطريقة إعداده الأكاديمية والمهنية، وكذلك البيئة المحيطة، كل هذا يؤثر في اختيار الطريقة أو الطرائق.
إننا حتى الآن لم نفهم بطريقة كاملة أي الطرق أفضل في تحقيق أهداف معينة، إن هذه النقطة ما زالت في حاجة إلى بحوث ودراسات. إن كل ما نفعله هو أننا نختار طريقة أو أكثر على افتراض أنها قد تكون هي الأفضل في الأداء من أجل تحقيق أهداف معينة، وفي مرحلة التقويم قد نفهم ما إذا كانت افتراضاتنا صحيحة أم خاطئة.
إن هناك اتجاها لدى بعض المدرسين مؤداه أن طرقا معينة للتدريس قد تكون أفضل بالنسبة لتلاميذ معينين، وهذا نتيجة لاستعمال بعض الطرق كالطريقة غير المباشرة والطرق الحرة مع التلاميذ الضعاف، ولكن هذه الطرق تكون مناسبة لهؤلاء التلاميذ في ظروف معينة، وقد تكون مناسبة أيضا للتلاميذ القادرين.
وهكذا نرى أن تنوع المحتوى والخبرات التعليمية يؤدي إلى تحقيق الأهداف المختلفة، وأن تنوع الطرق يؤدي نفس الغرض، وبطريقة أخرى يمكن القول أن المنهج الذي يحتوي على مجموعة من الأهداف المتنوعة يحتاج من أجل تحقيق هذه الأهداف
стр. 221
إلى تنوع في المحتوى والخبرات وإلى تنوع في الطرق المستخدمة في التدريس إن تنوع طرق التدريس يزيد من اهتمام التلاميذ، ويزيد من احتمال تعلمهم جميعا، حيث إن كل التلاميذ لا يتعلمون بطريقة واحدة.
من كل ما سبق تتضح لنا المبادئ العامة التالية:
١- إن التدريس عملية معقدة لها أصولها العلمية ومهاراتها الفنية، وأنه يمكن أن يتعلم الفرد هذه الأصول ويتدرب على هذه المهارات حتى تزداد فاعليته، فالمدرس الكفء يصنع ولا يولد.
٢- إن عملية التدريس تقتضي أكثر من الإعداد الأكاديمي، فقد يكون الإنسان عالما في مادة ما ولكنه لا يعرف كيف يدرسها، ولذلك لا بد من الإعداد المهني بجانب الإعداد الأكاديمي.
٣- إن التدريس نشاط إنساني، يتكون من خلال علاقات إنسانية بين المدرس والطالب، ولذلك فالمدرس لا يمكن استبداله بآلة أو وسيلة مهما بلغت درجة دقتها وفاعليتها.
٤- إن التدريس عملية دينامية يتفاعل فيها المدرس مع التلميذ، ويسلم كل منهما بأهمية مشاركة الآخر في تحقيق الأهداف.
٥- إن التدريس عملية اتصال, وأن وسيلتها الرئيسية هي اللغة.
دور المدرس Role of the teacher:
إن التغير والتنوع في الطرق طبقا لنوعيات الأهداف وطبيعة المحتوى تخلق مشاكل للمدرسين, وخاصة هؤلاء الذين تعوزهم الخبرة في هذا المجال، وإحدى هذه المشكلات أن يفهم المدرس دوره المختلف حسب مقتضيات كل طريقة، فبينما الطريقة التقليدية تقتضي أن يحتل المدرس وضعا مركزيا، وأن يعرض محتوى المادة التعليمية، وأن يقود ويسيطر على ما يحدث في الفصل الدراسي نجد أن طريقة الاستكشاف Discovery Method تقتضي منه أن يلعب دورا مختلفا تماما، فإذا كانت الأهداف المطلوب تحقيقها تهتم بتعليم مفاهيم معينة، والقدرة على الاستقلال في الدراسة، والقدرة على العمل المنتج مع الآخرين، فإن على المدرس هنا أن يخطط المواقف التعليمية التي تتيح للتلاميذ أن يعملوا باستقلال، وأن ينشدوا المعرفة بأنفسهم، وأن يقوموا أفرادا وجماعات بالتخطيط والعمل، هنا نجد أن المدرس ليس هو محور الارتكاز وليس واسطة بين التلاميذ والمواد والخبرات التعليمية، هو هنا
стр. 222
ليس مفسرا أو متسلطا، وإنما هو مستشار أو ناصح، أو مكتب استشاري للتخطيط والإرشاد والأفكار.
إن العلاقة بين المدرس والتلاميذ سوف تتنوع أيضا حسب أوضاع التلاميذ أنفسهم، وهل هم يعملون في جماعات أم أفرادا، أم هم يكونون فصلا دراسيا، كما أن هذه العلاقة سوف تتنوع أيضا تبعا لمقدار لتوجيه والعناية التي يعطيها المدرس، ففي الموقف التعليمي الذي يسيطر فيه المدرس على مقدرات كل شيء، هنا المدرس ذو سلطان عظيم، وهو مصدر المعرفة الوحيد، فكره وحكمته غير قابلتين للمناقشة، ولكن الموقف يختلف في موقف تعليمي غير تقليدي، فإذا كان الموقف قد خطط كي يتعاون التلاميذ بتوجيه من المدرس على حل مشكلة ما, والبحث عن أساسها, واكتشاف العناصر التي أدت إلى تكوينها وتعقيدها ثم طرح البدائل لحلها، مع الأخذ في الاعتبار حساب النتائج التي قد تترتب على كل حل، في هذا الموقف يناقش المدرس مع تلاميذه عملهم، وقد يقترح عليهم بعض الأفكار، أو الوسائل, مع الأخذ في الاعتبار أن مقترحاته ليست دائما مقبولة، إن المدرس في الموقف التعليمي المرن لا بد أن يعترف بأنه يتعلم بجانب تلاميذه، وأن العملية التعليمية ذات اتجاهين is a tow-way process Learning إن المعلم في هذا الموقف لديه النية على إعطاء تلاميذه مسئولية أكبر في عملية تعلمهم، وعلى تدريبهم على إصدار الأحكام وحرية الاختيار، إن هذا لا يعني أن المدرس سوف يتنازل عن مسئوليته، بل على العكس من ذلك إن عليه دورا إيجابيا وهاما، ولكن ذو نوعية مختلفة، كما أنه سوف تبقى له الكلمة النهائية، ولكن سلطته سوف تكون أقل وضوحا وأقل ضغطا.
الإعداد Preparation:
سبق أن تحدثنا عن أن عملية التدريس ذات مراحل ثلاث، مرحلة الإعداد والتخطيط، ومرحلة التنفيذ والتفاعل، ثم مرحلة التقويم والمتابعة، إن الإعداد للطرائق المختلفة يخلق صعوبات للمدرس، فطبيعة الإعداد تختلف طبقا لاختلاف الطريقة المستخدمة والوقت المستخدمة فيه، فالإعداد للطريقة التقليدية إعداد مسبق للموقف التعليمي, وقد يشتمل هذا على اختيار المستخلصات من الكتب المقررة، واختيار الصور أو الأفلام أو أية وسائل معينة أخرى، كما يتضمن الإعداد هنا أيضا القرارات التي يتخذها المدرس لما سوف يقوم هو والتلاميذ بعمله بالفعل، مثل المناقشة، والقراءة، والكتابة، والتساؤلات والإجابات ... إلخ.
قد يحدث الإعداد لطريقة الاستكشاف مقدما أيضا، ومن المحتمل أن يشمل هذا الإعداد التأكد من وجود المواد التعليمية مثل الكتب والمراجع والأفلام والشرائط
стр. 223
والصور وكل الوسائل اللازمة والتي تتيح للمتعلم اكتشاف المفاهيم المرغوبة، إن مناقشة التلاميذ حول ما يجب أن يقوموا به لا يجب أن تحدث إلا بطريقة عامة جدا لا تتعرض للتفصيلات، إن مهمة الدرس هنا هي أن ينظم المواقف التعليمية بطريقة تساعد على تحقيق الأهداف التعليمية.
إن المدرس هنا يستخدم ذاته ويوظف كفاءته ويستخدم مهارته؛ لمساعدة التلاميذ على تحقيق أهدافهم، والعبرة هنا ليست بكمية التدريس أو حجم المادة التعليمية أو الجهد الذي بذله المدرس في عملية التدريس بقدر ما هو نتاج التدريس, وأثره في تحقيق الأهداف التربوية المنشودة، وهنا يجب أن نوضح أن المدرس لا يسبب التعلم بقدر ما يعمل على تسهيل تحقيقه أو مساعدة التلاميذ على تحقيقه، أي: إن التلميذ لا بد أن ينشط ما جانبه وتكون لديه حاجة إلى ما يدرس ودافعية لما يتعلم, وأن المدرس يقوم بعملية التوجيه والإرشاد، والتدريس بهذا المفهوم هو نشاط ملموس ملحوظ يمكن وصفه ويمكن تحليله, كما يمكن قياسه من خلال قياس أثره أو نتائجه بملاحظة التغيرات السلوكية التي يمر بها التلاميذ، وبالتالي فإن التدريس يمكن ضبطه وتقديمه، ويمكن تزويد المدرسين، قبل وأثناء الخدمة، بالحقائق والمفاهيم والتعميمات والمهارات التي تسهل من مهمتهم وتزيد من فاعليتهم.
حفظ السجلات Record Keeping:
إن تصميم سجل خاص بكل تلميذ يصبح أكثر صعوبة في المواقب التعليمية التي تتنوع فيها الطرائق المستخدمة، لأن التنوع يعني وجود قدر عظيم من المرونة والاهتمام بالفرد في الموقف التعليمي، ومع ذلك فإن الاهتمام بعمل سجل خاص بكل تلميذ أمر في غاية الأهمية، إنه مهم لتقويم تقدم التلميذ نحو الأهداف، كما أنه مهم لتوفير الدلائل التي سوف تتخذ القرارات الخاصة بالمنهج في المستقبل بناء عليها، وإذا كان تنوع الطرق وهجر الطريقة التقليدية إلى الطرق التي تركز على المناقشة المضبوطة والاكتشاف والابتكار يزيد من صعوبة عمل سجلات للتلاميذ، فإن لذلك ميزات أيضا، حيث إن المدرس هنا أكثر حرية في ملاحظة الأفراد، وفي مكان أفضل لمعرفة التلميذ جيدا، وبالتالي تقويم مدى تقدمه نحو الأهداف بدقة.
التجميع Grouping:
١- إن استخدام طرق متنوعة للتدريس من أجل تحقيق الأهداف المختلفة، قد يستلزم تجميع أو تصنيف التلاميذ في مجموعات مختلفة, إن حجم المجموعة يتراوح ما بين اثنين من التلاميذ إلى كل تلاميذ الفصل، وقد يكون التجميع على أساس القدرات المتماثلة أو القدرات المختلفة.
стр. 224
٢- والقاعدة هنا أن طريقة التدريس المتبعة هي التي سوف تستلزم نوعا معينا من التجميع، كما أن أسلوب التجميع قد يكون تحقيقا للأهداف المرغوبة.
٣- وقد يكون طبقا للجنس، أو على أساس الصداقة, أو على أساس المهارات المتكاملة.
٤- والتجميع عادة ما يتم على أساس أفقي، كأن يتم التجميع من فصل واحد، أو من تلاميذ سنة واحدة، ولكن قد يكون التجميع أيضا على أساس رأسي لخدمة بعض الأهداف التربوية، ففي كثير من المدارس الابتدائية يتم التجميع على هذا الأساس، أما التجميع الرأسي في المدارس الثانوية فهو ليس كثيرا, وإن كان من مظاهره النوادي العلمية والجماعات والرحلات والمعسكرات.. إلخ، إن المجموعات يجب أن تظل قائمة حتى ينتهي الغرض منها، ولكن يجب أن تكون هناك مرونة بين المجموعة بحيث تسمح لبعض أعضائها بالانتقال المؤقت أو الدائم إلى مجموعات أخرى إذا اقتضى الأمر ذلك.
إن التنظيم الجيد الهادف أمر في غاية الأهمية بالنسبة للمدرسة والفصل الدراسي، ولكن طبيعة التنظيم قد تختلف طبقا لنوعية الطريقة المستعملة، إن طريقة تنظيم الفصل الدراسي في صورة صفوف هي طريقة غير مجدية في كثير من الأحيان، حيث إن تلاميذ الصفوف الأولى هم الذين يشاركون في معظم الأنشطة والمناقشات، أما تلاميذ الصفوف الخلفية فهم غالبا في حالة ركود، حيث إنهم لا يسمعون حديث المدرس ولا حديث زملائهم، كما أنهم لا يرون إلا مؤخرة رءوس زملائهم، إذا حانت لهم فرصة الكلام اضطر الجميع للدوران نحو الخلف ليروا المتحدث، إن هذا النوع من النظام لا يساعد أبدا على التفاعل واشتراك كل التلاميذ في الأنشطة التعليمية.
стр. 225
الوسائل التعليمية:
لقد سبق أن قلنا: إن جميع التلاميذ لا يتعلمون جيدا من خلال طريقة واحدة للتدريس، وإننا يجب أن نتقدم نحو تخطيط منهج يمكن تعديله وتطويره ليناسب التلاميذ أفرادا وجماعات.
وعلى هذا فقد يكون من الحكمة عند تصميم برنامج أن يراعى وجود مجموعة من الحقائق, والمفاهيم والتعميمات, والمهارات كحد أدنى لجميع التلاميذ، ثم يراعى بعد ذلك بدائل, بحيث تشبع الرغبات والحاجات المتنوعة لكل تلميذ أو مجموعة من التلاميذ، إن الصعوبة تكمن في تصميم ذلك المنهج الذي يحتوي على مواد وخبرات أساسية للجميع, وأخرى متنوعة بحيث تلبي الحاجات المتنوعة طبقا لاختلاف الفروق الفردية بين التلاميذ، إن تصنيف التلاميذ في مجموعات متجانسة أو مختلفة عند التدريس لهم قد يكون حلا لهذه المشكلة.
وقد تحل هذه المشكلة أيضا عن طريق التنوع في الطرائق المستخدمة في الموقف التعليمي الواحد، واستخدام أفكار جديدة ذات صلة بحياة التلاميذ ومشكلاتهم، وأيضا استخدام الوسائل المعينة على المنهج, وتغيير السلوك في الاتجاه المرغوب، وعلى هذا فالمنهج المطلوب هنا هو الذي تتوازن فيه الأنشطة التي تنمي الجوانب المعرفية والوجدانية والحركية في التلميذ، ليس هناك مهرب من حقيقة أن عمل منهج مثل هذا وتطبيقه أمر في غاية الصعوبة، فهو يتطلب مدرسا معدا إعدادا أكاديميا ومهنيا جيدا، ولكن يمكن القول بأن تزايد الموجود من الوسائل السمعية والبصرية؛ قد يساعد المدرسين في مهمتهم، ولكن على المدرسين أن يكونوا مدربين أثناء إعدادهم على استخدام هذه الوسائل، هناك كثير من الوسائل التي أصبحت مستعملة بواسطة كثير من المدرسين مثل الكتب، والصور، والأفلام، والشرائح، والتسجيلات، والشرائط، والراديو، والتليفزيون.. إلخ، ولكن المشكلة ليست في استعمال هذه الوسائل بواسطة معظم المدرسين ولكن في طريقة استعمالها، إن التلاميذ أفرادا أو جماعات قد يستخدمون وسائل معينة لتحقيق أغراض معينة، كما أنهم قد يستخدمون بعض الوسائل بمهارة، فقد اعتادوا هذه الأيام على استخدام المعدات والمخترعات الحديثة في المنزل، مثل التليفزيون وأجهزة التسجيل، وماكينات الغسيل الأتوماتيكية وماكينات الخياطة الأتوماتيكية.. إلخ.
إن استخدام الوسائل السمعية والبصرية في التعليم ليس جديدا، فقد تم التوسع في استخدامها تدريجيا منذ العشرينات من هذا القرن, بحيث أصبح من الممكن لمدرس أن يستخدم العديد من هذه الوسائل لتعريف تلاميذه سمعيا وبصريا بأجزاء من العالم، إن عالم اليوم هو عالم الصور، عالم الأقمار الصناعية، والسينما والتليفزيون، ولا ريب أن إنشاء جسر بين عالم المعاني والأفكار النظرية وعالم المدركات الحسية من الأمور الأساسية في التعليم، كما أن سد هذه الفجوة من أهم الأمور التي يجب أن يقوم بها المنهج، على أن إدخال الوسائل المعينة في عملية التدريس ليس بالأمر اليسير، فهو يتطلب مراعاة الدقة في اختيار المادة العلمية والأجهزة المناسبة لها والطريقة الصحيحة لاستخدام هذه الأجهزة, ولا يستطيع المدرس بمفرده أن يقوم بكل هذه المسئوليات، فهذا يقتضي تعاون الخبرات في عملية
стр. 226
تخطيط المنهج، كما أنه يقتضي تعاون أعضاء هيئة التدريس في عملية تنفيذ المنهج وتوزيع العمل بينهم، كما يقتضي أيضا تعيين فني أو فنيين للإشراف على الأجهزة وإعدادها للاستخدام، كما أنهم يجب أن يكونوا معدين للعمل كمستشارين للمدرسين.
إن المدرسة لا تستطيع السيطرة الشاملة على الوسائل المعينة في التدريس داخل نطاق جدرانها، ذلك أن المشكلة تكمن في كيفية الإفادة في الحياة المدرسية بالتجارب التي اكتسبها التلاميذ في وقت فراغهم، كمشاهدين للتليفزيون وكمستمعين للراديو وكمستخدمين لأدوات أتوماتيكية كثيرة في منازلهم، كما تكمن أيضا في الطريقة التي يمكن بها للمدرسة أن تتحكم في اختيار ما يشاهده ويستمع إليه ويستخدمه التلاميذ الصغار في وقت فراغهم، وعلى هذا فانتقاء بعض البرامج، وتوجيه التلاميذ إليها، ومناقشتهم في مضمونها وما تعالجه من مشكلات، وما قدمته من حلول، كل هذا يقع في دائرة مسئوليات المدرسين كل في مجال تخصصه.
وعلى هذا فليس من نافلة القول إن الإذاعة المرئية والمسموعة ذات فائدة محققة في تعليم التلاميذ، يضاف إلى ذلك أن استخدام التليفزيون ذي الدائرة المغلقة يجمع بين المزايا الناجمة عن قيام المدرسة بإرسال البرامج, وإفادة عدد كبير من التلاميذ منه.
стр. 227
طرائق التدريس
مدخل
...
طرائق التدريس:
على أننا لا يجب أن نعلق كثيرا من الآمال على هذا، حيث إن طبيعة المادة التعليمية، وطريقة التدريس المتبعة سوف تحبذان نوع الوسائل التي تتوافر فيها الشروط الأساسية لعملية التعليم.
على أنه في كل حال يجب مراعاة ما يأتي:
١- سوف تظل الكتب المدرسية والمراجع، والمواد المكتوبة عموما مصدرا لا غنى عنه للدراسة الفردية، والتعلم الجماعي المقصود.
٢- يمكن أن تقدم وسائل الاتصال العامة كالراديو والتليفزيون كثيرا من المهام المتصلة بالعرض الموضوعي للمادة العلمية والخبرات التعليمية.
٣- يقوم المدرس أو المدرسون أثناء حوارهم وعملهم الخلاق المشترك مع التلاميذ بدور هام في مراجعة معلومات تلاميذهم وتصحيحها، وفي إرشادهم وتوجيههم إلى البرامج والمصادر التي يمكن الاستفادة منها في تنمية قدراتهم واستعداداتهم.
ونتناول فيما يلي أهم الطرائق والأساليب التي ينبغي أن تتبع في مواقف التعلم المختلفة، ومن أهمها: طريقة القدوة، وطريقة المحاضرة، وطريقة المناقشة، وطريقة حل المشكلات، وطريقة الملاحظة والتجربة.. إلخ.
стр. 228
طريقة القدوة:
القدوة هي أفضل وسائل التربية على الإطلاق، وأقربها إلى النجاح، فمن السهل تخيل منهج أو تأليف كتاب في التربية، لكن هذا المنهج يظل حبرا على ورق ما لم يتحول إلى حقيقة تتحرك في واقع الأرض، وإلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ هذا المنهج ومعانيه١، لذلك فعندما أراد الله لمنهجه أن يسود الأرض، ملأ به قلب الإنسان وعقله؛ كي يحوله إلى حقيقة في واقع الأرض، فكان أن بعث محمدا ﷺ ليكون قدوة للناس في تطبيق هذا المنهج: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] .
وهكذا، أرسل محمد ﷺ ليكون قدوة للناس في تطبيق منهج الله في واقع الأرض، فكان ﵊ هاديا ومربيا بسلوكه الشخصي، وليس فقط بالكلام الذي ينطق به قرآنا أو حديثا، وعن طريق القدوة، بالإضافة إلى القرآن والسنة، أنشأ محمد ﷺ الأمة التي قال الله فيها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وهكذا، يرى الإسلام أن القدوة هي أعظم طرق التربية، ويقيم منهجه التربوي على هذا الأساس، فلا بد للطفل من قدوة في والديه ومدرسته كي يتشرب المبادئ الإسلامية ويسير على نهجها، ولا بد للكبار من قدوة في مجتمعهم تطبعهم بطابع الإسلام وتقاليده النظيفة، ولا بد للمجتمع من قدوة في قيادته بحيث يتطلع إليها ويسير على منوالها، ولا بد أن تكون قدوة الجميع هي شخصية الرسول التي تتمثل فيها كل مبادئ الإسلام وقيمه وتعاليمه.
إن القدوة إذا كانت حسنة فإن الأمل يكون كبيرا في إصلاح الطفل، وإذا كانت القدوة سيئة فإن الاحتمال الأرجح هو فساد الطفل، وقدرة الطفل على المحاكاة الواعية وغير الواعية كبيرة جدا، فهو يلتقط بوعي وبغير وعي كل ما يراه حوله أو يسمعه، فالطفل الذي يرى أباه أو أمه تكذب لا يمكن أن يتعلم الصدق، والطفل الذي يرى أمه تغش أباه أو أخاه أو تغشه هو نفسه لا يمكن أن يتعلم الأمانة، والبنت التي
стр. 229
ترى أمها مستهترة لا يمكن أن تتعلم الفضيلة، والطفل الذي يقسو عليه أبواه لا يمكن أن يتعلم الرحمة.
وحين توجد القدوة الحسنة متمثلة في الأب المسلم، والأم ذات الدين، والمعلم الفاضل، فإن كثيرا من الجهد المطلوب لتنشئة الطفل على الإسلام يكون ميسورا وقريب الثمرة في ذات الوقت؛ لأن الطفل سيتشرب القيم الإسلامية من الجو المحيط به بطريقة تلقائة، وليس معنى هذا أن الطفل لن يحتاج إلى جهد على الإطلاق في عملية التربية، أو أنها ستتم تلقائيا عن طريق القدوة وحدها، ولكن الذي يمكن قوله هنا، إن القدوة الطيبة هي دائما قيمة موجبة، يحدث بإزائها قدر مساو من الجهد الذي يجب بذله.
هذه هي الطريقة التي ربى بها الرسول ﷺ أمة الإسلام الأولى ومن سار على نهجها من التابعين، وقد يكون من المناسب في هذا الصدد أن نذكر ما كتبه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان إلى مؤدب ولده، يقول له: "ليكن أول ما تبدأ له من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينيك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وروهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وجنبهم محادثة النساء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل الدواء حتى يعرف الداء، وإياك أن تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك"١.
стр. 230
طريقة المحاضرة:
إن عملية التدريس هي نظام يتكون من مجموعة الخبرات والأنشطة التي يقوم بها المدرس, من أجل مساعدة التلميذ على تحقيق أهداف معينة. إن هذا يعني أن عملية التدريس وسيلة لتعديل السلوك. ويستند هذا التصور إلى مجموعة من الأسس، وهي أن عملية التدريس تتألف من مدرس وتلميذ ومادة تعليمية، وأنها سلوك اجتماعي يمكن ملاحظته وقياسه، وبالتالي يمكن تعديله، وأنها عملية إنسانية يتم التفاعل فيها بين المدرس والتلميذ، كما أنها عملية تساءول وسيلتها الرئيسية اللغة، فالمحاضر يختار ألفاظا وجملا وتراكيب بقصد مساعدة طلابه على استحضار المعاني التي يريد توصيلها إليهم.
إن المحاضرة طريقة من طرق التدريس التقليدية، وهي لذلك طريقة قديمة يستخدمها المدرس في كل المستويات التعليمية منذ أمد بعيد، وقد ازدادت أهيمة المحاضرة بسبب الانفجار السكاني والتوسع الهائل في التعليم, وبالتالي زيادة أعداد الطلاب وازدحام الفصول الدراسية, ونقص المدرسين وأعضاء هيئات التدريس على جميع المستويات التعليمية.
وتعتمد طريقة المحاضرة، في شكلها التقليدي على مجموعة من المسلمات منها: أن التلميذ كالإناء الفارغ وأن المدرس خازن للمعرفة، وأن عملية التعليم هي عملية ملء هذا الإناء وحشوه بالمعارف. فالافتراض هنا هو أن التلميذ مستقبل سلبي، وأنه ولد كالصفحة البيضاء، وأن مهمة التدريس هي أعداد التلميذ للحياة عن طريق إمداده بالخبرات التي تساعده في مستقبله، فالافتراض هنا هو أن المدرس مرسل وأن التلميذ مستقبل، وأن المدرس يحرص على توصيل رسالته إلى المستقبل، وأن المحاضرة وسيلة هامة لذلك.
إن هذا الافتراض ليس صحيحا بالطبع؛ لأن التلميذ ليس إناء فارغا، وليس صفحة بيضاء، وإنما هو إنسان لديه خبرات سابقة، وهو ليس سلبيا؛ لأنه عندما يستمع للمحاضر فإنه يقوم بترجمة الرموز التي يستمع إليها, ويعطيها معاني معينة ثم يفهم الكلام ويحلله ويفسره وينتقده ويقومه، وعلى ذلك فالتلميذ ليس سلبيا بحال من الأحوال.
مزايا طريقة المحاضرة:
وبالرغم من عدم صدق معظم المسلمات التي تقوم عليها المحاضرة, فإن لها مميزات كثيرة، ومن هذه المميزات ما يلي:
١- أنها طريقة اقتصادية، حيث إن الانفجار السكاني وما أدى إليه من زيادة كثافة الفصول الدراسية والمدرجات الجامعية, جعل طريقة المحاضرة هي الحل الوحيد في هذا الموقف، حيث إنها تناسب الأعداد الكبيرة في الوقت الذي يتعذر فيه عقد حلقات دراسية في مجموعات صغيرة للمناقشة، وبالتالي تساعد على خفض التكاليف.
٢- أنها طريقة تعتمد على الإعداد المسبق، وتحديد الأهداف، وإعداد المادة التعليمية وتنظيمها بطريقة مناسبة، كما أنها تعتبر طريقة مناسبة تعرض أكبر قدر من المواد والخبرات التعليمية.
٣- أنها تجعل المحاضر يشعر بالامتياز والسيطرة وربما يدفعه هذا إلى محاولة تأكيد ذلك عن طريق تحسين مادته وتجويدها وتحسين طريقة عرضه لها، كما أنها تعطيه الحرية في إعداد هذه المادة وتنظيمها بالشكل الذي يراه مناسبا.
стр. 231
٤- إن المحاضرة الجيدة تسمح بالنقاش وتثير التساؤلات، وبذلك فالمحاضر الجيد هو الذي لا يتطرق إلى الجزئيات البسيطة والتفاصيل الدقيقة، وإنما يطرح قضايا تثير التساؤلات وتدفع إلى الدراسة والبحث.
٥- وبما أن هذه الطريقة تعتمد على الإعداد المسبق، فإنها تتيح الفرصة للمتعلمين للانتقال من البسيط المعروف إلى المعقد غير المعروف، كما أن المحاضر يستطيع أن يقوم محاضرته, ويقوم عرضه لها عن طريق طرحه لبعض التساؤلات وتلقي الإجابة عليها، وأيضا عن طريق تلقيه لبعض تساؤلات الطلاب واستخدام بعض التسجيلات الصوتية وغير ذلك.
عيوب طريقة المحاضرة:
وكما أن للمحاضرة مزايا فإن لها عيوبا نذكر منها ما يلي:
١- أنها تفترض سلبية المتعلم وأنه مستقبل فقط، كما أنها لا تحترم الفروق الفردية بين الطلاب، وذلك لأنها تفترض أن الجميع يفهمون بنفس السرعة, وبالتالي فهي لا تأخذ في الاعتبار الطلاب الضعاف, كما لا تتحدى قدرات الأقوياء منهم.
٢- ولأنها تفترض سلبية المتعلم وقصور دوره على تلقي المعرفة فقط، فإنها لا تشجع في معظم الأحيان على المناقشة والتساؤل, وتفاعل الطلاب مع المحاضر.
٣- أنها لا تناسب بعض أنواع التعلم, كتعلم المهارات Psychomotore Skills كما أنها إذا كانت تناسب المستويات الدنيا في التعلم المعرفي كالحفظ والتذكر, فإنها لا تناسب المستويات العليا منه كالتحليل والتفسير والتقويم.
ومع ذلك يمكن تقليل عيوب طريقة المحاضرة وزيادة فاعليتها في التدريس عن طريق بعض الإجراءات والوسائل، ومنها ما يأتي:
١- أن تثير المحاضرة التساؤل، أن يفتح المحاضر باب المناقشة المضبوطة، كما يجب عليه أيضا أن يثير العديد من التساؤلات التي تدرب الطلاب على التفكير النقدي، والتفكير الابتكاري.
٢ أن تقدم المادة التعليمية بطريقة مشوقة، وأن تحفزهم لمزيد من البحث والمعرفة، وتفتح أمامهم باب الاجتهاد، وتتحدى تفكيرهم وتعلمهم التفكير الابتكاري, وليس الحفظ والاستذكار.
стр. 232
٣- أن تكون معدة إعداد جيدا, من حيث تنظيم أفكارها وتتابع تلك الأفكار ومنطقيتها واستخلاص النتائج منها.
٤- أن يستعين المحاضر بما شاء من الوسائل المعينة كالسبورة، والأمثلة التوضيحية، وأن تحدد المحاضرة المراجع والأنشطة التي يمكن للطالب الرجوع إليها لمزيد من الفهم والتعلم.
٥- أن يوضح المحاضر الغرض من المحاضرة، والمشكلة الرئيسية التي تعالجها، ثم يعرض للأفكار والمعالجة، ثم ينتهي بالنتائج والعموميات.
٦- ألا يكون المحاضر رتيبا في أدائه، روتينيا في إلقائه، فلا بأس من جذب اهتمام التلاميذ بالفكاهة الخفيفة والدعابة البسيطة, والمزاح المطرب الذي يشرح صدور الطلاب ويجعلهم مقبلين عليه.
стр. 233
طريقة المناقشة:
إذا نظرنا إلى الموقف التعليمي، وجدنا أنه يقوم على أساس الاتصال اللغوي بالدرجة الأولى، وهذا الاتصال يمكن أن يتم في صور ثلاث: الصورة الأولى: يقوم فيها المعلم بتوجيه الحديث إلى المتعلمين، والصورة الثانية يقوم المتعلمين بتوجيه الحديث إلى المعلمين، والصورة الثالثة: يتبادل فيها المعلمون والمتعلمون الحديث والاستماع إلى بعضهم البعض، وهذه هي المناقشة١.
وهذه الطريقة من أفضل الطرق وأقربها إلى روح منهج التربية الإسلامية، وقد اتبع الرسول الكريم ﷺ هذه الطريقة في تبليغ رسالته بوحي من الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] .
والمناقشة هي أن يشترك المدرس مع المتعلمين في فهم وتحليل وتفسير وتقويم موضوع أو فكرة أو عمل أو مشكلة ما، وبيان مواطن الاختلاف والاتفاق فيما بينهم، من أجل الوصول إلى قرار، وعلى هذا فهي من أهم ألوان النشاط التعليمي للكبار والصغار على السواء، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تقتضيه الحياة الحديثة من اهتمام بالمناقشة والإقناع، وجدنا أنها يجب أن تحظى بمكانة كبيرة في المدرسة، فحياتنا بما فيها من تخطيط ومشاورات وانتخابات، ومجالس محلية، أو إقليمية، ونقابات، وما إلى ذلك، تقتضي أن يكون كل فرد قادرا على المناقشة, كي يستطيع أن يؤدي واجبه كإنسان في مجتمع كبير أو صغير على أساس من الحرية والعدالة الاجتماعية.
стр. 234
أنواع المناقشة:
تختلف المناقشة تبعا لاختلاف أهدافها، وعلى هذا فهي نوعان:
١- المناقشة الحرة.
٢- المناقشة الموجهة أو المضبوطة.
فالمناقشة الحرة تهدف إلى الحصول على الأفكار الجديدة والمبتكرة والمفائجة التي تأتي نتيجة للعصف الذهني Brainstorming في قضية ما, وتستخدم هذه الطريقة داخل حجرات الدراسة مع الصغار والكبار على السواء، وهذا النوع من المناقشة فعال في الوصول إلى التعميمات، والطرق المبتكرة لحل المشكلات.
وتمتاز هذه الطريقة بأنها طريقة الحركة الحرة للعقل، والتي ينتج عنها الكثير من الأفكار والمقترحات حول موضوع أو مشكلة ما، وقد يكون منها العملي جدا، وقد يكون منها الخيالي بعيد الاحتمال أو الحدوث، فالهدف هنا هو الحصول على كثير من الأفكار دون تدخل من أحد للسيطرة على المناقشة, أو توجيهها، ومن عيوب هذه الطريقة أنها تحتاج إلى وقت طويل نسبيا، وقد تأتي المناقشة إلى نهايتها دون الوصول إلى قرار.
وأما المناقشة الموجهة، فهي تهدف إلى الوصول إلى الأفكار والمعلومات أيضا عن طريق المتعلمين، ولكنها -بالمقابلة إلى المناقشة الحرة- تركز على موضوع معين، من أجل الوصول فيه إلى إقرار، وطبقا لهذا النوع من المناقشة، فإن المدرس قد يجعل الجماعة كلها تشترك في النقاش حيث الموضوع.
مزايا طريقة المناقشة:
وعلى كل حال فإن كثيرا من البحوث التربوية تميل إلى تفضيل طريقة المناقشة في التدريس للأسباب التالية:
١- أن طريقة المناقشة تسلم بإيجابية المتعلم وتفرده، وتؤمن بدوره في العملية التعليمية، وقدرته على التعلم من خلال المناقشة والمشاركة، فالعملية التعليمية هي عملية اتصال تعتمد على المشاركة والتفاعل.
٢- أن طريقة المناقشة تقتضي أن تكون علاقة المدرس بتلاميذه علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وإيمان المدرس بقدرة الدارسين على المشاركة الإيجابية، وبالطبع فإن المتعلم إذا أحس بذلك زاد نشاطه وزادت فاعليته.
٣- أن طريق المناقشة أكثر جدوى في تنمية القيم والاتجاهات العليا في الجانب المعرفي من طريقة المحاضرة.
стр. 235
٤- أن طريقة المناقشة تساعد أكثر على اكتساب مهارات الاتصال، وبخاصة مهارات الاستماع والكلام وإدارة الحوار، كما أنها تكسب الدارس أساليب وآداب النقاش القائمة على النظام واحترام الآراء، كما تتيح الفرصة للأفراد من ذوي الاستعدادات القيادية لتنمية هذه الاستعدادات وصقلها.
٥- أن طريقة المناقشة تتيح للمتعلم الفرصة كي يتحدث في موضوعات تهمه، ومشاكل تشغله، وبذلك فهو يشعر بقيمة التعلم وأهميته في حياته فيزداد إقباله عليه وتفاعله مع الأنشطة التعليمية.
٦- أن المناقشات في الفصل الدراسي يمكن أن تساعد الطلاب بقوة في تحليلهم لمشكلاتهم والتعامل معها، واستخلاصهم للنتائج المترتبة على مناقشاتهم، كما أنها تساعدهم أيضا على اتخاذ القرارات نحو ما يجب عليهم عمله، هنا يلعب المعلم دور قائد المناقشة المساعد والمعدل لا المستبد المملي على المتعلمين ما يجب عليهم أن يقولوا أو لا يقولوا، أن يفعلوا أو لا يفعلوا.
٧- أن طريقة المناقشة تجعل المعلم أكثر إدراكا لمدى انتباه الدارسين, ومدى تقبلهم أو عدم تقبلهم لموضوع المناقشة، فيعمل على تعديله، أو العدول عنه، أو التعامل معه بكيفية أخرى، وقد يساعد المعلم المتعلمين على تقويم ما يرون, آخذين في الاعتبار موضوع المناقشة الأساسي.
وجملة القول: إنه كلما طال حديث المدرس, واتجه إلى التأثير المباشر واستخدام السلطة في المناقشة، توقفت عملية الاتصال والتفاعل، وأنه كلما اتفق الإطار المرجعي لكل من المدرس والدارس ساعد ذلك على نجاح عملية الاتصال، وإن الثقة المتبادلة بين المدرس والدارس تساعد على التفاعل وإثراء الخبرات التعليمية١.
стр. 236
طريقة حل المشكلات:
المشكلة هي: سؤال محير أو موقف مربك يجابه الشخص، بحيث لا يستطيع الإجابة عن السؤال، أو التصرف في الموقف عن طريق ما لديه من معلومات أو مفهومات أو مهارات جاهزة، فالمشكلة توجد عندما يواجه الشخص بسؤال لم يواجهه من قبل، أو عندما يجابه بموقف غير عادي لم يتعود على مجابهته، وليست لديه معلومات أو مهارات أو طرق وأساليب جاهزة للرد عليه أو التصرف فيه بطريقة صحيحة، وعليه عندئذ أن يضع كل معلوماته ومهاراته ومفهوماته السابقة في قالب جديد لم يكن موجودا لديه من قبل، وعن طريق ذلك قد يستطيع الإجابة عن السؤال أو التصرف في الموقف، وقد يتطلب الأمر اكتساب معارف ومفهومات ومهارات جديدة من أجل الوصول إلى الإجابة الصحيحة، أو التصرف السديد في الموقف الجديد المربك١.
وعلى هذا فإن الشخص يكون مواجها بسؤال محير أو موقف مشكل، إذا توافرت الشروط التالية:
١- أن يكون لدى الشخص هدف واضح يعيه ويرغب في تحقيقه، وهذا يستلزم ضرورة أن يكون لدى الشخص دافع ورغبة للإجابة عن السؤال أو لحل الموقف، وإلا فليست هناك مشكلة.
٢- أن توجد عوائق وعقبات في طريقة تحقيق الهدف، وأن تكون أنماط السلوك والاستجابات الاعتيادية، وكذلك المعلومات والمهارات الجاهزة غير كافية لتخطي هذه العوائق والتخلص من العقبات.
٣- أن يفكر الشخص في الموقف أو في السؤال بترو وتأن، وأن يستعين في ذلك بإعادة تنظيم معارفه ومهاراته السابقة، أو بإضافة معارف ومهارات جديدة، حتى يصل إلى فهم أكثر دقة للسؤال أن الموقف.
٤- أن يضع الشخص مجموعة من الحلول أو الفرضيات المناسبة للموقف أو المشكلة ثم يقوم باختبارها لمعرفة مدى مناسبتها للمشكلة.
وكل ما سبق يعني أن موقفا ما قد يكون مشكلة لشخص ما, بينما لا يكون كذلك لشخص آخر، وذلك حسب رد الفعل الشخصي تجاه الموقف، والذي يتوقف بالتالي على خبرات الشخص ومعارفه، ومهاراته، وعلى مكونات شخصيته.
طبيعة عملية حل المشكلات:
وعلى كل حال، فإن المشكلة تتطلب من المتعلم استرجاع المعلومات والمهارات والمفهومات التي تعلمها من قبل، واستخدام كل ذلك في عمليات التحليل والتركيب والاستبصار، فالمتعلم يضع نفسه في قالب جديد كي يواجه الموقف المشكل الجديد أيضا.
وتعتبر عملية حل المشكلات من أعقد النشاطات الإنسانية إن لم تكن أعقدها على الإطلاق، فهي عملية نشاط عقلي عال؛ لأنها تحتوي على عمليات عقلية كثيرة ومعقدة، مثل التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والاستبصار، والتجريد،
стр. 237
والتعميم، وغير ذلك من العمليات العقلية والمهارية والانفعالية المتداخلة، ولذلك فليس غريبا أن يكون التغير والتطور السريع والمتلاحق في العلم والمعرفة وفي التطبيق التقني في العالم ما هو إلا نتيجة لمواجهة المشكلات وحلها.
ويسمى جون ديوي طريقة حل المشكلات -وهي الطريقة العملية المطبقة في حل المشكلات الإنسانية الممتدة من المشكلات البسيطة للحياة اليومية، إلى المشكلات الاجتماعية المعقدة، إلى المشكلات العقلية المجردة -بأنها طريقة التفكير المنتج.
أهمية طريقة حل المشكلات:
١- وتنبع أهمية طريقة المشكلات في التعليم والتعلم من أنها سلسلة من العمليات العقلية والمهارية والوجدانية التي نتعلم من خلالها أفكارا ومهارات وقيما ومفهومات جديدة، فالمدرس الواعي يستخدم طريقة حل المشكلات لا لتطبيق وإيضاح مفهومات أو تعميمات سابقة فقط، ولكن أيضا لاكتشاف مفهومات وتعميمات جديدة.
٢- طريقة حل المشكلات تزود المتعلم بالفرص المتنوعة لممارسة معلوماته ومهاراته ومفهوماته السابقة، فعن طريق حل المشكلات نتعلم كيف نحول أو نطور المفهومات والتعميمات السابقة, ونستعملها في مواقف أو مشكلات جديدة، فمما لا شك فيه أن انتقال أثر التعلم من خلال تطبيق ما تعلمه الفرد في حل المشكلات أيسر وأعمق من انتقال أثر التعلم من خلال تعلم معلومات ومفاهيم وتعميمات منفصلة ومجردة.
٣- كما أنها وسيلة لإثارة الفضول العقلي والمتعة، والرغبة لدى المتعلم في البحث عن الحل، وخاصة إذا كانت المشكلة متصلة بميل أو حاجة لدى المتعلم، أو تثير رغبته في التحدي.
٤- تنمي الشعور بالثقة والإيجابية، وتجعل المتعلم يثق بقدراته ومهاراته، وتنمي لديه القدرة على المناقشة، والتفكير النقدي، وتنمى العلاقة القائمة على الاحترام والثقة بين المدرس والمتعلم.
٥- هي طريقة تقوم أساس على خطوات البحث والتفكير العلمي، ويربط جون ديوي بين طريقة التفكير التام وبين طريقة حل المشكلات على أساس أنها عملية تعتمد على التفكير التام، ويرى أن هناك خمسة أطوار لإتمام عملية حل المشكلات التي تعتمد على الطريقة العلمية وهي كما يلي:
стр. 238
أ- تحديد المشكلة.
ب- التعرف على الحالات والشروط والظروف المحيطة بالمشكلة، عن طريق تحديد العوامل المؤثرة فيها والمتأثرة بها، وجمع كل المعلومات المتصلة بها، مما يؤدي إلى فهم المشكلة وتحديدها بصورة أكثر دقة.
جـ- وضع فرضيات للحلول الممكنة لهذه المشكلة.
د- دراسة كل فرضية من هذه الفرضيات على أساس القيمة المحتملة لكل منها، وعلى أساس التنبؤ بالنتائج المحتملة لكل حل.
هـ- اختبار صحة كل فرضية أو حل، على أساس السؤال الآتي: ماذا يمكن أن يحدث لو فعلنا كذا أو كذا؟ ثم اختيار الفرضية التي تنتج الحل الأمثل وفقا للإجابة عن هذا السؤال١.
стр. 239
طريقة الملاحظة والتجربة:
المنهج الإسلامي يستوعب كل وسيلة كريمة من الوسائل المعينة على التعليم والتعلم، قديمة أو حديثة، ما دامت تسهل عملية التعليم، وتساعد على تنفيذ المنهج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
ولا ريب أن إنشاء جسر بين عالم المعاني والأفكار النظرية وعالم المدركات الحسية من الأمور الأساسية في عملية التعلم، منهج استخدام الوسائل قديم، استخدمه الحق -سبحانه- في تعليم أبناء آدم، ويعرض لنا القرآن الكريم مشهدا من مشاهد استخدام الوسائل التعليمية في تعليم ابني آدم: قابيل وهابيل، فعندما قتل قابيل هابيل، أرسل الله له غرابا ليعلمه كيف يواري سوأة أخيه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣٠، ٣١] .
هذا الحادث وقع في فترة الطفولة الإنسانية، حيث كان أول حادث قتل متعمد, وكان الفاعل فيه لا يعرف طريقة دفن الموتى.
وفي هذه الحادثة خسر القاتل نفسه، فأوردها مورد الهلاك، وخسر أخاه؛ ففقد الناصر والرفيق، وخسر دنياه، فما تهنأ له حياة، وخسر آخرته، فباء بإثمه الأول، وإثمه الأخير.
стр. 240
والقصة تقدم نموذجا لطبيعة الشر والعدوان، ونموذجا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له، وتثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل.
وفي القصة هنا تمثيل لسوأة الجريمة في صورتها الحسية، صورة جثة فارقتها الحياة، وأصبحت لحما يسري فيه العفن، فهي سوأة لا تطيقها النفوس١.
وشاءت حكمة الله أن تضع القاتل أمام عجزه، فرغم أنه قاتل جبار، إلا أنه عاجز عن أن يواري سوأة أخيه، عاجز عن أن يكون كالغراب في أمة الطير.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] .
ومثال آخر في إبراز المعاني، وإنشاء التصور الصحيح للمنهج الإسلامي في ضمير المسلم عن طريق الحقائق الكونية التي تطالع الأنظار والمدارك كل يوم، نرى ذلك في الحوار الذي دار بين إبراهيم ﵇ وملك من ملوك أيامه يجادله في الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
فالآية -كما نرى- تمثل مشهدا لحوار إبراهيم ﵇ وأحد الملوك، والمشهد يعرض على الرسول ﷺ وجماعة المسلمين من خلال التعبير القرآني العجيب.
وهذا الملك الذي يجادل إبراهيم في ربه، ليس منكرا لوجود الله أصلا، إنما هو منكر لوحدانيته ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، كما كان الحال لدى بعض الناس في الجاهلية؛ يعترفون بوجود الله ولكنهم يجعلون له أندادا ينسبون إليها فاعلية وعملا في حياتهم: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ .
فالإحياء والإماتة ظاهرتان معروضتان لحس الإنسان وعقله في كل يوم وكل لحظة، فرد الملك على إبراهيم قائلا: أنا سيد هؤلاء القوم، وأنا المتصرف في شأنهم فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له، وتسلم بحاكميته:
﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ .
وعندئذ عدل إبراهيم عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ .. إلى طريقة التحدي، حتى يعرف الملك أن
стр. 241
الرب ليس حاكم قوم ما، في ركن من أركان الأرض، وإنما هو مصرف هذا الكون كله: قال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ .. وهذه حقيقة كونية تطالع الأنظار والمدارك كل يوم دون تخلف أو تأخر، وهو تحد يخاطب الفطرة، ويتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ .
والمثال القادم هو مشهد حي مرسوم بالكلمات، والمشهد تجسيد لمشاعر رجل مر على قرية محطمة، فجال في شعوره سؤال حائر: كيف تدب الحياة في هذا الموات؟ ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] .
إن المشهد هنا ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا، مشهد الموت والبلى والخواء.. يرتسم بالوصف ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ محطمة على قواعدها، ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية، هذه المشاعر المتجسمة في تعبيره: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كيف تدب الحياة في هذا الموات؟
﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ .
لم يقل له كيف، إنما أراه في عالم الواقع كيف، فالمشاعر قوية، وعنيفة لدرجة أنها لا يجب أن تعالج بالبرهان العقلي.. وإنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ بها الحس ويطمئن بها القلب، دون كلام!
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ، ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ .
وتبعا لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسية واقعية، فلا بد أن تكون هناك آثار محسوسة تصور مرور مائة عام، هذه الآثار لم تكن إلا في طعام الرجل وشرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ .
﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ .
стр. 242
لقد تعرت وتفسخت عظام الحمار، ثم كانت الخارقة هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض، وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن، ليكون هذا التباين في المصائر، والجميع في مكان واحد، معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة، آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد، وليدرك الرجل كيف يحيي هذه الله بعد موتها١!
ثم تجيء تجربة إبراهيم مع ربه:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
إن هذا السؤال من إبراهيم لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله في نفسه، وليس طلبا للبرهان أو تقوية الإيمان، بل هو تشوق إلى ملابسة سر الصنعة الإلهية: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ إنه الشوق إلى رؤية السر الإلهي أثناء وقوعه العملي، لقد أراد إبراهيم أن يرى يد القدرة وهي تعمل "ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيتروح بها، ويتنفس في جوها، ويعيش معها"٢، لم يكن السؤال إذا من أجل تأكيد الإيمان، فقد كان الله يعلم حقيقة الإيمان لدى عبده وخليله إبراهيم، ولقد استجاب الله لهذا الشوق والتطلع من قلب إبراهيم، ومنحه التجربة المباشرة، أو الخبرة المباشرة: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
لقد أمر الله إبراهيم أن يختار أربعة من الطير، فيقربهن منه, وينظر إليهن ليتأكد من أشكالهن وصفاتهن ومميزاتهن بحيث لا يخطئ في التعرف عليهن بعد ذلك، وأن يذبحهن ويمزق أجسادهن، ويفرق أجزاءهن على الجبال المحيطة، ثم يدعوهن، فتتجمع أجزاؤهن مرة أخرى، وترتد إليهن الحياة، ويعدن إليه ساعيات.. ففعل، وقد كان.
لقد رأى إبراهيم السر الإلهي يقع بين يديه، طيور فارقتها الحياة، وتفرقت أجزاؤها في أماكن متباعدة، تدب فيها الحياة مرة أخرى، وتعود إليه سعيا، وهو سر نحن نرى آثاره بعد تمامه كل يوم، ولكننا لا ندرك طبيعته، ولا نعرف طريقته، إنه أمر الله٣.
стр. 243
إن الصور والمشاهد والتجارب المباشرة السابقة تؤكد لنا أن الوسائل قد استخدمت منذ زمن مسرف في القدم.. منذ طفولة الإنسانية.
التصوير الفني:
القرآن كتاب الله الخالد إلى العالمين، وهو كتاب الله إلى الإنسانية جمعاء، ليهديها، ويرشدها، ويعلمها، فهو كتاب الله إلى الإنسان الفرد ليهديه ويعلمه ويزيح البلادة التي تزحف على عقله وقلبه من آن لآخر، لقد استخدم القرآن الوسيلة في عملية الهداية والتعلم، وضرب المثل، وقص القصة، وصور الوقائع، واستخدم الصور المجسمة، واللوحات الناطقة، والمشاهد المعبرة، والمواقف الصاخبة، وعبر عن الحالات النفسية، والنماذج الإنسانية، وأخرج المعاني المجردة في صور شاخصة متحركة، وعبر عن الفكرة الذهنية في صورة مرسومة مصورة.. نعم، فعل كل هذا وفعله بالكلمة فقط!
وهنا يحدثنا المرحوم الأستاذ سيد قطب عن "التصوير الفني في القرآن" وسنقتبس منه بعض النماذج التي عرضها في كتابه القيم "التصوير الفني في القرآن"١.
يقول: التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني، والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصور التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية، فأما الحوادث والمشاهد, والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوى لها كل عناصر التخيل، فما يكاد يبث العرض حتى يحيل المستمعين إلى نظارة، حتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول، الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، تتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة، فتنم عن الأحاسيس المضمرة.
"إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة، فإذا ما تذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية, وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المروي، إنما
стр. 244
هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في هذا اللون من تعبير القرآن".
إن التصوير هو الأداة المفضلة، في أسلوب القرآن، فليس هو حيلة أسلوب، ولا فلتة تقع حيثما اتفق، إنما هو مذهب مقرر، وخطة موحدة، وخصيصة شاملة.
"ويجب أن نتوسع في معنى التصوير، حتى ندرك آفاق التصوير الفني في القرآن، فهو تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين، والأذن، والحس والخيال، والفكرة والوجدان".
"وهو تصوير حي، منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس فيه الأبعاد والمسافات، بالمشاعر والوجدانات، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة"١.
والآن نختار بعض الأمثلة لتوضيح ما سبق:
إخراج المعاني الذهنية في صورة حسية:
١- يريد الله أن يبين أن قبول الذين كفروا عند الله، ودخولهم الجنة أمر مستحيل، هذا المعنى الذهني المجرد يعرضه الله -سبحانه- في أسلوب تصويري أخاذ كما يلي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠] .
ويدعك ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ "الجمل" في سم الخياط، ويدع للحس أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين معا, ليستقر في النهاية استحالة قبول الكفار عند الله، واستحالة دخولهم الجنة، ويستقر هذا المعنى في أعماق النفس، وقد ورد إليها -تصويرا- عن طريق العين والحس.
٢- ويريد الله أن يبين للناس أن الصدقة التي تبذل رياء، والتي يتبعها المن والأذى، لا تثمر شيئا ولا تبقى، فينقل إليهم هذا المعنى في صورة حسية متخيلة على النحو التالي:
стр. 245
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
فالمن والأذى يمحق الصدقة، ولا يبقي لها أثرا تماما كهيئة الحجر الصلب المستوى الذي غطته طبقة من التراب, فظن فيه الخصب والنماء، فإذا وابل من المطر يصيبه فيتركه صلدا، ثم يمضي القرآن في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء ومعنى الذهاب بالصدقة التي يتبعها المن والأذى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] .
هنا الوجه الثاني للصورة، فالصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة الله، هي في هذه المرة كالجنة، والجنة فوق ربوة عالية، ورغم أن الوابل مشترك بين الحالتين, إلا أنه في الحالة الأولى محا ومحق، وفي الحالة الثانية أربى وأخصب، وفي الحالة الأولى يصيب الصفوان فيكشف عن وجه كالح كالأذى، وفي الحالة الثانية يصيب الجنة، فيمتزج بتربتها الخصبة فيخرج الثمار الوفيرة، وهي يكفيها الندى القليل ليبعث فيه الحياة١.
٣- ومن يشرك بالله لا منبت له ولا جذور، ولا أمن له ولا استقرار، يصور القرآن هذا المعنى بصورة سريعة الخطوات، عنيفة الحركات:
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
هكذا في لحظة، يخر من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض، بل تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، حيث لا يدري أحد كذلك.
٤- ويصور الحالة النفسية للإنسان المتزعزع العقيدة، الذي لا يستقر على يقين ولا يحتمل ما يصادفه من الشدائد بقلب راسخ، ولا يبتعد بعقيدته عن ميزان الربح والخسارة, يرسم القرآن لهذه الحالة النفسية صورة تهتز وتترنح وتوشك على الانهيار: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .
стр. 246
التخييل الحسي والتجسيم:
وهكذا نرى أن قليلا من صور القرآن الذي يعرض صامتا ساكنا -لغرض فني يقتضي الصمت والسكون- أما أغلب الصور ففيها حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع فيها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها.. هذه الحركة.. حركة حية مما تنبض به الحياة الظاهرة للعيان أو الحركة المضمرة في الوجدان، هذه الحركة هي التي تسمى "التخييل الحسي" وهي التي يسير عليها التصوير في القرآن لبث الحياة في شتى الصور مع اختلاف الشيات والألوان.
"وظاهرة أخرى تتضح في تصوير القرآن الكريم وهي "التجسيم": تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات على العموم"١.
١- ومن التخييل ما يمكن تسميته "التشخيص"، ويتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعية، والانفعالات الوجدانية.
ومن المناظر الطبيعية المتحركة في الجو، في خطوات، تمثل كل منها مشهدا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨-٥٠] .
هكذا مشهد بعد مشهد: إرسال الرياح، إثارة السحاب، بسطه في السماء، جعله متراكما، خروج المطر من خلاله، نزول المطر، استبشار من يصيبهم بعد أن كانوا يائسين، إحياء الأرض بعد موتها.
وهذه هي الشمس والقمر والليل والنهار في سباق دائم لا يفتر ولا يتوقف: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
وهذه هي الأرض "هامدة" مرة، و"خاشعة" مرة، ينزل عليها الماء فتهتز وتحيا: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] .
стр. 247
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] .
وهكذا تستحيل الأرض الجامدة، كائنا حيا بلمسة واحدة في لقطة واحدة.
٢- أما التجسيم فهو لون من ألوان التصوير الفني في القرآن، ومنه كل التشبيهات التي جيء بها لإحالة المعاني والحالات صورا وهيئات، ومن هذا النوع: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٦] .
стр. 248
تفريد التعليم:
يختلف الناس في الطرق التي يتعلمون بها، فمنهم من يتعلم أكثر وأسرع عن طريق مشاركته الخبرة مع الآخرين، ومنهم من يتعلم أفضل عن طريق الانفراد، وعلى كل حال فإن كل فرد يتعلم عن طريق تفسير الخبرات من وجهة نظره الخاصة، وفي ضوء خبراته الخاصة، فالتعلم -إذن- عملية فردية لا يمكن فرضها على الجماعة، فكل شخص له نمط تعليمي خاص به.
وقد أشار أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري إلى أن المربي كالطبيب، فالطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، وكذلك المربي يجب أن يعامل كل تلميذ المعاملة التي تناسب سنه، ومستواه العقلي، وطاقاته ومقدرته، يقول الغزالي: "وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم، وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته".
وقد سار التعليم في مدارس الإسلام الشهيرة -كالأزهر في مصر، والمدرسة النظامية في بغداد وجامعة الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في المغرب- على أساس التعليم الفردي، فالطالب كان يتمتع بقسط كبير من الحرية، يختار من المواد الدراسية ما يناسب ميوله الفطرية واستعداداته العقلية، ويختار المعلم الذي يتلقى العلم عنده، يستمع إليه ويناقشه، ويسأله فيما صعب عليه من الأمور، وهو حر غير مقيد بنظام معين، ولا بجدول أوقات للدروس، ولم يكن مطالبا بامتحانات خاصة للنقل من صف إلى آخر أو من فرقة إلى أخرى.
стр. 249
ولقد زاد التعليم الفردي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، واستحدثت له استراتيجيات كثيرة كان من أهمها التعليم المبرمج والحقائب التعليمية والرزم التعليمية والوحدات والمديولات.. إلخ، ولكنها تقريبا تهدف إلى الاهتمام بالمتعلم الفرد وإعطائه دورا إيجابيا في عملية التعلم وفق ما تستطيعه قدراته.
стр. 250
التدريس بالفريق Team Teaching:
تقوم فكرة التدريس بالفريق على أساس مبدأ ضرورة التعاون بين أعضاء هيئة التدريس بالمدرسة، وتنفيذ هذا المبدأ ليس بالأمر السهل، فالتزام كل مدرس بمبادئ الجماعة، بالرغم من أنه ضروري، إلا أنه يتطلب قدرا من التضحية الشخصية.
إن التخلص -ولو وقتيا- من الروتين القائم على أساس مدرس لكل مادة إلى نسق منظم من المعرفة يستدعي استغلال كل الطاقات المادية والبشرية في المدرسة والتنسيق بينها بشكل دقيق، لكن هذا لا ينتظر أن يتم بسهولة، فحتى في المجتمعات التي تسود فيها الروح الجماعية، نجد كثيرا من المدرسين يحرصون على سيرتهم، والبعض لا يرحب بالتدريس أمام المدرسين الآخرين، وآخرون يخافون أن يفقدوا استقلالهم وحريتهم، لكن هذا كله يذوب أمام النتيجة العظيمة التي تظهر في ارتفاع مستوى فهم وتحصيل التلاميذ.
إن التدريس بالفريق يعني اشتراك مدرسين أو مجموعة من المدرسين -تحت قيادة أحدهم- في تدريس موضوع أو وحدة معينة، وقد يشتركون جميعا في وقت واحد أو على فترات متعاقبة، وذلك بهدف ربط وتكامل الأنشطة والخبرات التعليمية وتذويب الحدود والفواصل الجامدة بين المواد التعليمية، والخبرات الإنسانية المتكاملة أصلا.
إن نجاح التعليم بالفريق يعتمد أساسا على اتفاق مجموعة من المدرسين على الأهداف المطلوب تحقيقها في المتعلمين, من خلال الموضوع أو الوحدة التي سيقومون بتدريسها، كما يعتمد على اتفاق الجماعة على لغة مناسبة للاستعمال وطرق مناسبة للمعالجة وتحقيق الأهداف، فقد يقسم الفصل الواحد إلى مجموعات، وقد يضم أكثر من جماعة معا لمشاهدة برنامج، أو الاستماع إلى محاضرة أو ندوة لبعض الزائرين، وقد يتفق عدد من المدرسين على تدريس وحدة معينة أو موضوع معين لكل طلاب المدرسة على جميع مستوياتهم، أو على قصر نشاطهم على صف بعينه إلى آخره.