← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8175

مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها

على أحمد مدكور

Полный текст (302 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التخييل الحسي والتجسيم: وهكذا نرى أن قليلا من صور القرآن الذي يعرض صامتا ساكنا -لغرض فني يقتضي الصمت والسكون- أما أغلب الصور ففيها حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع فيها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها.. هذه الحركة.. حركة حية مما تنبض به الحياة الظاهرة للعيان أو الحركة المضمرة في الوجدان، هذه الحركة هي التي تسمى "التخييل الحسي" وهي التي يسير عليها التصوير في القرآن لبث الحياة في شتى الصور مع اختلاف الشيات والألوان. "وظاهرة أخرى تتضح في تصوير القرآن الكريم وهي "التجسيم": تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات على العموم"١. ١- ومن التخييل ما يمكن تسميته "التشخيص"، ويتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعية، والانفعالات الوجدانية. ومن المناظر الطبيعية المتحركة في الجو، في خطوات، تمثل كل منها مشهدا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ، فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨-٥٠] . هكذا مشهد بعد مشهد: إرسال الرياح، إثارة السحاب، بسطه في السماء، جعله متراكما، خروج المطر من خلاله، نزول المطر، استبشار من يصيبهم بعد أن كانوا يائسين، إحياء الأرض بعد موتها. وهذه هي الشمس والقمر والليل والنهار في سباق دائم لا يفتر ولا يتوقف: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . وهذه هي الأرض "هامدة" مرة، و"خاشعة" مرة، ينزل عليها الماء فتهتز وتحيا: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] .

стр. 247

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩] . وهكذا تستحيل الأرض الجامدة، كائنا حيا بلمسة واحدة في لقطة واحدة. ٢- أما التجسيم فهو لون من ألوان التصوير الفني في القرآن، ومنه كل التشبيهات التي جيء بها لإحالة المعاني والحالات صورا وهيئات، ومن هذا النوع: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٦] .

стр. 248

تفريد التعليم: يختلف الناس في الطرق التي يتعلمون بها، فمنهم من يتعلم أكثر وأسرع عن طريق مشاركته الخبرة مع الآخرين، ومنهم من يتعلم أفضل عن طريق الانفراد، وعلى كل حال فإن كل فرد يتعلم عن طريق تفسير الخبرات من وجهة نظره الخاصة، وفي ضوء خبراته الخاصة، فالتعلم -إذن- عملية فردية لا يمكن فرضها على الجماعة، فكل شخص له نمط تعليمي خاص به. وقد أشار أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري إلى أن المربي كالطبيب، فالطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، وكذلك المربي يجب أن يعامل كل تلميذ المعاملة التي تناسب سنه، ومستواه العقلي، وطاقاته ومقدرته، يقول الغزالي: "وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم، وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته". وقد سار التعليم في مدارس الإسلام الشهيرة -كالأزهر في مصر، والمدرسة النظامية في بغداد وجامعة الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في المغرب- على أساس التعليم الفردي، فالطالب كان يتمتع بقسط كبير من الحرية، يختار من المواد الدراسية ما يناسب ميوله الفطرية واستعداداته العقلية، ويختار المعلم الذي يتلقى العلم عنده، يستمع إليه ويناقشه، ويسأله فيما صعب عليه من الأمور، وهو حر غير مقيد بنظام معين، ولا بجدول أوقات للدروس، ولم يكن مطالبا بامتحانات خاصة للنقل من صف إلى آخر أو من فرقة إلى أخرى.

стр. 249

ولقد زاد التعليم الفردي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، واستحدثت له استراتيجيات كثيرة كان من أهمها التعليم المبرمج والحقائب التعليمية والرزم التعليمية والوحدات والمديولات.. إلخ، ولكنها تقريبا تهدف إلى الاهتمام بالمتعلم الفرد وإعطائه دورا إيجابيا في عملية التعلم وفق ما تستطيعه قدراته.

стр. 250

التدريس بالفريق Team Teaching: تقوم فكرة التدريس بالفريق على أساس مبدأ ضرورة التعاون بين أعضاء هيئة التدريس بالمدرسة، وتنفيذ هذا المبدأ ليس بالأمر السهل، فالتزام كل مدرس بمبادئ الجماعة، بالرغم من أنه ضروري، إلا أنه يتطلب قدرا من التضحية الشخصية. إن التخلص -ولو وقتيا- من الروتين القائم على أساس مدرس لكل مادة إلى نسق منظم من المعرفة يستدعي استغلال كل الطاقات المادية والبشرية في المدرسة والتنسيق بينها بشكل دقيق، لكن هذا لا ينتظر أن يتم بسهولة، فحتى في المجتمعات التي تسود فيها الروح الجماعية، نجد كثيرا من المدرسين يحرصون على سيرتهم، والبعض لا يرحب بالتدريس أمام المدرسين الآخرين، وآخرون يخافون أن يفقدوا استقلالهم وحريتهم، لكن هذا كله يذوب أمام النتيجة العظيمة التي تظهر في ارتفاع مستوى فهم وتحصيل التلاميذ. إن التدريس بالفريق يعني اشتراك مدرسين أو مجموعة من المدرسين -تحت قيادة أحدهم- في تدريس موضوع أو وحدة معينة، وقد يشتركون جميعا في وقت واحد أو على فترات متعاقبة، وذلك بهدف ربط وتكامل الأنشطة والخبرات التعليمية وتذويب الحدود والفواصل الجامدة بين المواد التعليمية، والخبرات الإنسانية المتكاملة أصلا. إن نجاح التعليم بالفريق يعتمد أساسا على اتفاق مجموعة من المدرسين على الأهداف المطلوب تحقيقها في المتعلمين, من خلال الموضوع أو الوحدة التي سيقومون بتدريسها، كما يعتمد على اتفاق الجماعة على لغة مناسبة للاستعمال وطرق مناسبة للمعالجة وتحقيق الأهداف، فقد يقسم الفصل الواحد إلى مجموعات، وقد يضم أكثر من جماعة معا لمشاهدة برنامج، أو الاستماع إلى محاضرة أو ندوة لبعض الزائرين، وقد يتفق عدد من المدرسين على تدريس وحدة معينة أو موضوع معين لكل طلاب المدرسة على جميع مستوياتهم، أو على قصر نشاطهم على صف بعينه إلى آخره.

стр. 251

وعلى كل حال فإن هناك بعض المبادئ الموجهة للتدريس بالفريق لعل من أهمها ما يأتي: ١- أن يخطط التعليم بالفريق على أساس التعاون والتكامل، ووجود قدر كبير من الوئام وتبادل المسئوليات. ٢- أن يكون حجم الجماعة ونوعها مناسبين لأهداف العمل، فقد تقتضي الأهداف أن تكون الجماعة صغيرة أو كبيرة، وقد تقتضي أن تكون الجماعة مختلفة القدرات أو متجانسة القدرات. ٣- أن يكون الوقت المحدد مناسبا لكمية ونوعية العمل ولتحقيق الأهداف. ٤- أن تكون البيئة التعليمية مناسبة للأنشطة التي تقوم بها الجماعة، فليست حجرة الدراسة مناسبة لكل الأنشطة؛ فقد يقتضي الأمر خروج الطلاب إلى المعامل أو المكتبات أو الورش أو المختبرات أو المصانع أو المزارع.. إلى آخره. ٥- أن تكون المسئوليات الملقاة على عاتق كل مدرس مناسبة لمؤهلاته وقدراته، فكل مدرس يأخد الدور الذي يستطيع القيام به على أكمل وجه. ٦- أن يكون مستوى ونمط التعليم مناسبا لكل متعلم في الجماعة.

стр. 252

التدريس المصغر Microteaching: سمي بالتعليم "المصغر" لأنه عبارة عن موقف تعليمي عادي، لكنه يتناول فكرة واحدة أو جزئية أو مهارة يتم تعليمها والتدريب عليها حتى يحدث التعلم، فالتعليم المصغر إذن عبارة عن صورة مصغرة للدرس التقليدي العادي، وكل ما هناك أن الوقت أقصر، وعدد التلاميذ أقل، والمعلومة أو المهارة أو المفهوم الذي يتم التدريب عليه بسيط. والجدير بالملاحظة هنا أن التعليم المصغر عبارة عن موقف تعليمي جزئي داخل إطار كلي، فالموقف التعليمي الكبير قد يتناول كثيرا من المعارف والمهارات والمفهومات والتعميمات, التي قد لا يتيسر تعلمها والتدريب عليها في موقف واحد، وعلى هذا فالتعليم المصغر هو تدريب على هذه الجزئيات والمهارات في عدة مواقف. إن التعليم المصغر -شأنه شأن كل طرائق التدريب الأخرى- يتطلب تحديدا دقيقا وإجرائيا للأهداف المرغوب تحقيقها، ثم تحديد الجزئية أو المفهوم أو التعميم أو المهارة التي سيتم تناولها وتحقيق الأهداف من خلالها، وذلك عن طريق تخليصها من

стр. 253

الأمور الثانوية والفرعية المتعلقة بها، كما يتطلب إعداد الموقف التعليمي بحيث يناسب الأهداف المحددة سلفا، ويناسب طبيعة المادة التعليمية التي ستتم معالجتها وتدريب المتعلم عليها، وقد يقتضي الأمر انتقال المعلم والمتعلمين إلى المكتبة أو المختبر أو الورشة أو المصنع أو المزرعة.. إلى آخره. ويستلزم الأمر في التعليم المصغر وجود وسائل تعليمية وتقنية على مستوى عال من الكفاءة والدقة. ويستند التعليم المصغر إلى نتائج كثير من الدراسات والبحوث التي أثبتت عدم قدرة طريقة التعليم التقليدي على تغطية كل المعارف والمهارات والمفهومات المتضمنة في محتوى المنهج، وتناقص قدرة المتعلم على الفهم كلما طال الموقف التعليمي، وزيادة فاعلية التدريب الموزع على التدريب المركز، كما يعتمد على مبدأ الاهتمام بالتغذية المرتجعة، ومساعدة المتعلم على تقويم ذاته، وتعديل المسار التعليمي كلما انحرف عن اتجاه الأهداف، ويمتاز التعليم المصغر بالمساعدة على توفير الوقت، والتركيز في التعليم عن طريق تجنب المسائل الفرعية والثانوية، ففيه -إذن- اقتصاد في الوقت والجهد والنفقات. وبعد أن عرضنا لأكثر الطرائق والأساليب شيوعا في التدريس، ولبعض الطرائق والأساليب المقترحة الأخرى التي نعتقد في أهميتها وفائدتها، نود أن نؤكد أن فاعلية أية طريقة وتأثيرها يختلف باختلاف أنواع ومستويات الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، وباختلاف طبيعة المادة أو المحتوى الذي نتناوله، وبمدى كفاءة المعلم وحذقه في استخدام الطريقة، وباختلاف نوعيات وأعداد التلاميذ، وبمدى توافر البيئة المدرسية المناسبة والتجهيزات المناسبة. ولكل ما سبق، فنحن نعتقد أنه لا توجد طريقة مثلى تصلح في كل المواقف ولتحقيق كل الأهداف، فطريقة المناقشة -مثلا- قد تصلح لبعض المواقف التي لا تنفع فيها طريقة المحاضرة، والتعليم المصغر قد يصلح في مواقف لا يفيد فيها استخدام التعليم بالفريق، ولا بد من اختيار الطريقة المناسبة لنوعية ومستويات الأهداف، ونوعيات ومستويات المتعلمين، ونوعية وطبيعة المادة التعليمية.. إلى آخره، ولو بشيء من المزج بين أكثر من طريقة حسب متطلبات الموقف التعليمي.

стр. 254

الفصل الثامن: طرائق وأساليب التقويم مفهوم التقويم: إن مهمة هذا الفصل هي استعراض مفهوم التقويم بمعناه العلمي الحديث، مع بيان أنواعه، وأهدافه، ومستوياته، ووسائله، فلقد تغير النظام المدرسي، وتغيرت العملية التعليمية، وكثرت أعداد التلاميذ، وحدثت انفجارات علمية، وتقنية ومعرفية، وأصبحت أولى ضرورات هذه الانفجارات في العلم والمعرفة، هي التغيير والتطوير المستمرين، وأولى مراحل التطوير هي التقويم. والتقويم هو "عملية تشخيص وعلاج لموقف التعلم أو أحد جوانبه أو للمنهج كله في ضوء الأهداف التربوية المنشودة١. ويتضح لنا من هذا التعريف أن التقويم ليس نشاطا بسيطا، ولكنه عملية معقدة تحتوي على الكثير من الأنشطة وتسير في عدة خطوات: ١- تحديد الأهداف العامة والخاصة التي هي محكات عملية التقويم. ٢- تحديد المواقف التي يمكننا أن نجمع منها المعلومات المتصلة بالأهداف. ٣- تحديد كمية ونوعية المعلومات التي نحتاج إليها. ٤- اختيار، ثم تصميم أساليب وأدوات التقويم المناسبة. ٥- جمع البيانات بواسطة الأدوات والأساليب المختارة, ومن المواقف التي سبق تحديدها. ٦- تصنيف البيانات والمعلومات عن طريق تحليلها وتسجيلها في صورة يمكن منها الاستدلال والاستنتاج، ويمكن الاستعانة في هذه الخطوة بالأساليب الإحصائية والتوضيحية المختلفة. ٧- تفسير البيانات في صورة تتضح بها المتغيرات والبدائل المتاحة تمهيدا للوصول منها إلى حكم أو قرار. ٨- إصدار للحكم أو القرار. ٩- متابعة تنفيذ الحكم أو القرار حتى يمكن معرفة مدى جدوى المعلومات التقويمية في تحسين العمل أو الموقف أو الظاهرة أو السلوك الذي نقومه، وتعرف هذه الخطوة باسم المتابعة؛ لأنها تؤكد على الطبيعة الدائرة لعملية التقويم التربوي٢.

стр. 255

أسس التقويم: والتقويم بهذا المفهوم يستند على مجموعة من الأسس والمبادئ أهمها ما يلي: ١- أن التقويم ليس وسيلة للحكم على فاعلية العملية التربوية فقط، بل هو أيضا خطة أساسية لعملية التغيير والتطوير التربوي. فالتقويم هو أولى وأهم خطوات التطوير، كما سبق أن قلنا، فالقيادة التربوية وهي بصدد اتخاذ قرارات بالتطوير تحتاج إلى معلومات تقف عن طريقها على مستويات الأداء، والظروف والإمكانات المتاحة، ومدى توافر الطاقات البشرية المدربة واللازمة لعملية التطوير، وغير ذلك من المعلومات التي يحتاج إليها صناع القرارات حتى تتضح أمامهم البدائل والمتغيرات، فيتمكنوا من اتخاذ القرارات السليمة والدقيقة، فيبدأ التطوير في الاتجاه الصحيح. ٢- أن التقويم عملية مرتبطة ارتباطا مباشرا بالأهداف التعليمية التي نسعى إلى تحقيقها، فالتقويم هو العملية التي نحكم بها على مدى نجاحنا في تحقيق الأهداف التربوية التي ننشدها، بل إنه العملية التي نحكم بها على قيمة هذه الأهداف ذاتها. ٣- التقويم هو عملية تعزيز لأداء الأفراد والجماعات؛ فهو ينمي لديهم الدوافع لمزيد من العمل والإنتاج، فتعزيز السلوك الإيجابي يدعمه ويثبته، ويؤدي في نفس الوقت إلى تصحيح السلوك الخاطئ؛ ولذلك لا بد من عرض نتائج التقويم على من يقع عليهم التقويم سواء كانوا تلاميذ أو مدرسين أو مديرين أو مصممي مناهج، فالتلميذ يحتاج إلى معرفة مدى تقدمه في تحقيق الأهداف المنشودة ومدى تعلمه، والمدرس يحتاج إلى معرفة مدى نجاحه في مساعدة التلاميذ على تحقيق أهدافهم، ومدى توفيقه في اختيار الطرق والأساليب المناسبة، ومدير المدرسة يحتاج إلى معرفة مدى نجاحه في إدارة المدرسة، وتوفير المناخ المناسب والظروف التي تحفز المدرسين والتلاميذ على التعليم والتعلم، وواضع المنهج يحتاج إلى معرفة مدى توفيقه في تحديد أهداف المنهج، واختيار محتواه، واختيار طرائق وأساليب تدريسه، وطرائق وأساليب تقويمه، ومدى مناسبة كل هذا لحاجات التلاميذ وميولهم ومستوياتهم العقلية والوجدانية والحركية والاجتماعية، ومدى مناسبة المنهج -أيضا- للإمكانيات والطاقات المادية والبشرية المتاحة، ويستفيد المنهجون من كل هذا في إعادة بناء المناهج في ضوء كل المتغيرات, والبدائل المتاحة التي قدمتها لهم نتائج التقويم "انظر الشكل".

стр. 256

٤- أن التقويم عملية شاملة، وشمول عملية التقويم تتجلى في عدة صور، من أهمها ما يلي: أولا: أن التقويم ليس مرادفا للامتحانات والاختبارات، وليس مرادفا للقياس، فالامتحانات والاختبارات وسائل للقياس، والقياس إحدى وسائل التقويم، فالتقويم أشمل منها جميعا. ثانيا: أن التقويم ليس مجرد "تقييم" أي: الحكم على قيمة العمل أو الموقف أو الظاهرة أو السلوك؛ بل يتعدى هذا إلى بيان جوانب القوة والضعف وأسبابها وعلاجها. فهو تشخيص وعلاج. ثالثا: أن التقويم عملية شاملة لجميع أنواع السلوك، ومستوياتها، أما أنه شامل لجميع أنواع السلوك؛ فهذا يعني أن التقويم شامل للسلوك المعرفي، والسلوك الوجداني، والسلوك الحركي. أما أنه شامل لجميع مستويات السلوك أو التعلم، فهو لا يركز على المستويات الدنيا للسلوك المعرفي -مثلا- كالتذكر والحفظ والفهم، مع إغفال المستويات العليا للتفكير كالتطبيق والتحليل والتركيب والتقويم. رابعا: أن التقويم ليس عملية ختامية، تأتي في آخر مراحل تنفيذ الدرس أو المنهج، بل هو عملية مستمرة تصاحب العملية التعليمية تخطيطا وتنفيذا ومتابعة١. خامسا: أن التقويم شامل لجميع جوانب العملية المنهجية؛ فهو يشمل تقويم الأهداف، وتقويم المحتويات والخبرات التعليمية، وتقويم طرائق وأساليب التدريس، وتقويم نتائج التعلم، وتقويم طرائق وأساليب التقويم المتبعة نفسها. ٥- أن تكون الأدوات المستخدمة في التقويم متنوعة، فكلما تنوعت أدوات التقويم زادت معلوماتنا عن العمل أو الظاهرة أو الموقف أو السلوك أو التلميذ الذي نقومه، وبالتالي تكون أحكامنا دقيقة وعلاجنا شافيا، فلا يجب الاقتصار مثلا على اختبار المقال من ضمن الاختبارات التحصيلية المختلفة، فهناك اختبارات: الاختيار من متعدد، والمزاوجة، والصواب والخطأ ... إلى آخره، كما أنه لا يجب الاقتصار في تقويم التلميذ -مثلا- على الاختبارات التحصيلية السابقة، بل يجب أن نستخدم الاختبارات التي نتعرف من خلالها على ملامح شخصيته، وسماته المزاجية، ودرجة ذكائه وابتكاره، وهذا يقتضي استخدام أساليب: الملاحظة المباشرة للسلوك، ورصد ملاحظتنا بطريقة منظمة، واستخدام الاختبارات المقننة، وغير ذلك من الأساليب التي تزيد من قدرة المقوم على مساعدة التلميذ أو تطوير العمل.

стр. 257

٦- أن تكون عملية التقويم صادقة، وثابتة، وموضوعية، والمقصود بالصدق أن تقيس أداة التقويم ما وضعت لقياسه، والمقصود بالثبات أنه إذا أعيد تطبيق الأداة على نفس العينة أو عينة أخرى مكافئة، فإننا نحصل على نفس النتائج تقريبا، والمقصود بالموضوعية، عدم تأثر نتائج الاختبار بالعوامل الشخصية للمقوم، وتحليل وتفسير نتائج الاختبار وفق معايير موضوعية واضحة. ٧- أن تكون عملية التقويم اقتصادية من حيث الجهد والوقت والتكلفة، فالاختبارات المكلفة والطويلة، قد تستغرق الإجابة عليها وقتا طويلا، وبذلك تمثل عبئا ثقيلا على كل من التلميذ أو المدرس أو المدرسة، والاختبارات التي تطول الإجابة عنها وتكون غير محددة، يصعب أن تكون صادقة وثابتة وموضوعة. ٨- أن تراعي عملية التقويم خاصية الفروق الفردية بين التلاميذ، واختلاف مستويات الأداء بينهم، فالاختبار الجيد هو الذي يكشف عن الفروق بين التلاميذ، وعن القدرات التي يتمتع بها كل منهم، وبذلك يسهل توجيهه في الاتجاهات المناسبة لهذه القدرات والميول. ٩- يجب التأكيد على أن عملية التقويم هي عملية إنسانية، فالتقويم ليس عقابا للتلميذ أو ثأرا منه، ولكنه عملية إيجابية فعالة للتعرف على النفس، وتحقيق الذات عن طريق معالجة جوانب النقص وتنمية جوانب القوة. فالتقويم إذن عملية يجب أن تنمي مشاعر المحبة والإقدام بين المتعلمين وأولئك الذين يساعدونهم على التعلم وتحقيق الذات١.

стр. 258

أنواع التقويم ومستوياته ... أنواع التقويم: يفرق المتخصصون في علم المناهج بين ثلاثة أنواع للتقويم هي: ١- التقويم المبدئي Initial Evaluation ٢- التقويم البنائي Formative Evaluation ٣- التقويم الختامي١ Summative Evaluation التقويم المبدئي: إن التقويم المبدئي هو ذلك النوع من التقويم الذي يزود مصمم المنهج أو الكتاب أو الوحدة بمجموعة من المعلومات والبيانات "كمية وكيفية" عن مستويات التلاميذ العقلية والوجدانية والجسمية والاجتماعية، ويزوده أيضا بمعلومات عن الخبرات السابقة التي تمت سيطرتهم عليها، ويزوده أيضا بمدى استعداد هؤلاء

стр. 259

التلاميذ أو المتعلمين لتقبل الموضوعات الجديدة، ومعرفة ميولهم واهتماماتهم وخصائصه العقلية والنفسية والاجتماعية.. إلى آخره. وبذلك يحدد أهداف المنهج أو البرنامج، ويختار المحتوى، وطرائق وأساليب التدريس والتقويم بما يتفق مع الخصائص والسمات السابقة، وبما يتفق أيضا مع الإمكانات والطاقات المادية والبشرية المتاحة١، والتقويم المبدئي هو لون من ألوان التقويم التشخيصي. التقويم البنائي: أما التقويم البنائي، فهو الذي يصاحب الأداء أو التنفيذ، ويهدف إلى تصحيح المسار، عن طريق التشخيص والعلاج الفوري لكل ما يعترض عملية التعليم والتعلم من عقبات، ولذلك يطلق على هذا النوع من التقويم أداء التصحيح الذاتي Correcting Mechanim Self والمقوم هنا يضع عينه دائما على مدى مطابقة الأداء للأهداف المحددة سلفا٢، إذن فهذا اللون من التقويم هو عملية تشخيص وعلاج معا. والتقويم البنائي يزود المدرس والتلميذ معا بالتغذية المرتجعة Feed Back عن أخطاء التلميذ، ومستوى تحصيله، ومدى تحقيقه للأهداف السابقة، كما أنه يزود المعلم والمتعلم أيضا بما يجب على كل منهما فعله، ويمكن تسمية هذا بالتغذية الإمامية Feed Forward. إذا تبين لكل من المعلم والمتعلم جوانب القوة والضعف، فيحدد كل منهما الطرق والأساليب التي يمكن أن يستخدمها في تعديل الأهداف أو تطويرها، وتعديل المحتوى أو الخبرات التعليمية التي يتم تناول المحتوى من خلالها، أو أساليب التدريس المتبعة، أو كل ذلك إذا اقتضى الأمر. وهكذا نجد أن التقويم التشخيصي يبدأ قبل وضع المنهج أو الوحدة، ويستمر بعد ذلك أثناء التنفيذ، لكن يصاحبه أثناء التنفيذ، ما يسمى بالتقويم العلاجي، أو البنائي. التقويم الختامي: التقويم الختامي هو أكثر أنواع التقويم ألفة لدى المعلمين والمتعلمين على السواء، فالمعلمون يعتمدون عليه غالبا في تقويم تلاميذهم، ويحدث هذا النوع من التقويم بعد الانتهاء من دراسة المنهج المقرر أو الوحدة، وهو يستهدف الحصول على تقدير عام لتحصيل التلاميذ، وتحديد مستوياتهم النهائية، وهو -بصفة عامة- يخدم عدة أغراض لعل من أهمها:

стр. 260

١- تقدير مدى تحصيل التلاميذ, ومدى تحقيقهم لأهداف المنهج. ٢- تزويد المعلمين بأساس لوضع الدرجات أو التقديرات بطريقة موضوعية وعادلة. ٣- تزويد المعلمين والإدارة أو القائمين على العملية التعليمية عموما بالبيانات التي على أساسها ينتقل التلاميذ من صف إلى آخر، ويصنفون حسب درجات تقدمه١. ٤- تزويد القائمين على العملية التعليمية بالبيانات والمعلومات المناسبة عن المنهج؛ مما قد يؤدي إلى إعادة النظر فيه وتعديله أو تطويره، كله، أو بعض أجزائه، وقد يقوم التقويم الختامي مقام التقويم المبدئي في تزويد القائمين على العملية التعليمية بالبيانات التي تمكنهم من وضع برنامج جديد تماما، وبذلك تصبح العملية التقويمية عملية دائرية. مستويات التقويم: سبق أن أوضحنا أن من أهم أسس التقويم ارتباطه بالأهداف العامة والخاصة التي نريد تحقيقها، لقد صنف "بلوم" الأهداف التعليمية إلى ثلاثة أنواع: وهي وفقا للطبيعة الإنسانية ومكوناتها كالآتي: أ- الجانب المعرفي: ويتعلق بالسلوك العقلي وله ستة مستويات هي: فمستويات الجانب المعرفي هي: التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، ويسمى أحيانا بالقياس، والتقويم هو أعلى مستويات المجال المعرفي، والمستويات الثلاثة الأولى هي المستويات الدنيا، أما المستويات الثلاثة الأخيرة فهي المستويات العليا للجانب المعرفي في الإنسان، وكل مستوى من هذه المستويات يعتمد

стр. 261

على المستوى الأقل منه وليس العكس، فالفهم يعتمد على التذكر والتطبيق يعتمد على الفهم والتذكر.. وهكذا. ب- الجانب الوجداني: وهو يتعلق بالسلوك الوجداني أو الانفعالي كإبداء مشاعر الحب والتقدير والميول والتذوف الأدبي والجمالي، والإيمان بالله وبمنهجه في الكون، والإقناع بالعقيدة السماوية، والقيم الخلقية الفاضلة.. إلخ. وتحت هذا النوع من السلوك نجد خمسة مستويات هي: ١- الرضا والقبول. ٢- الاستجابة. ٣- التقييم. ٤- التنظيم القيمي. ٥- التخصص القيمي. وتشيع الأهداف الوجدانية عموما في القرآن والسنة، وعلوم الشريعة، والآداب والفنون. جـ- الجانب الحركي: ويتعلق بالسلوك أو المهارات، وله ثلاثة مستويات: ١- المهارة البسيطة أو الحركة البسيطة، وأحيانا تكون لا إرادية، مثل: رفع الأصبع أو إغماض العين. ٢- المهارة المركبة، مثل المشي والجري والاستماع والكلام والقراءة والكتابة. ٣- مهارة التناول، مثل لعب الكرة، وقيادة السيارة أو الطائرة، والعزف على البيانو وغيره من الآلات. وتشيع الأهداف الحركية في مناهج التربية الرياضية، والاقتصاد المنزلي، وتعليم اللغات، وخاصة تعليم مهارات الاستماع والحديث والقراءة والكتابة والمواد المهنية عموما: الصناعية والزراعية والتجارية. مما سبق يتضح أن الأهداف التعليمية يجب أن تشمل جميع جوانب السلوك الإنساني: المعرفية، والوجدانية، والحركية، وبالمثل فإن عملية التقويم يجب أن تكون شاملة لجميع أنواع ومستويات التعلم أو السلوك. لكن الخطأ الشائع هو تركيز الامتحانات والاختبارات المدرسية وغير المدرسية على النواحي المعرفية فقط، بل وعلى المستويات الدنيا منها كالتذكر والفهم مما يدفع التلاميذ إلى الحفظ والاستظهار وإغفال المستويات العليا للتفكير كالتحليل والتركيب والتقويم، كذلك لا بد عند تقويم التلاميذ أن نهتم بطريقة التفكير حتى يتحول التعلم من اختزان واسترجاع إلى استكشاف واكتشاف، وإلى عملية من النشاط الذاتي الذي يساعد الفرد على تحقيق ذاته, لكي يصبح فردا ذكيا منتجا يفكر ويبتكر ويضيف ويخترع, وليس إنسانا يستمع ويسترجع ويأخذ من فم المدرس ليمتص ويحفظ.

стр. 262

الاختبارات التحصيلية: سبق أن قلنا إن التقويم عملية أوسع من القياس، وأن القياس عملية أوسع من الاختبارات؛ لأن الاختبار أداة من أدوات القياس. والاختبارات إما أن تكون شكلية أو غير شكلية، فالاختبارات غير الشكلية هي تلك التي تتم عن طريق الملاحظة والمقابلة والمناقشة وغير ذلك، والاختبارات الشكلية هي التي تتم عن طريق اختبارات محددة، في زمن محدد، ولتحقيق أهداف معينة، وهي إما أن تكون مقننة أو غير مقننة، وقد تكون لقياس الاتجاهات والاستعدادات، أو لقياس الدقة والسرعة، أو لقياس نتائج التعلم. الاختبار التحصيلي: والاختبار التحصيلي هو وسيلة لقياس نتائج التعلم، أو الحصول على عينة من سلوك التلاميذ، وهو أنواع عدة من أهمها: اختبار المقال، والاختيار من متعدد، واختبارات الصواب والخطأ، والمزاوجة، والتكملة. وتعتبر الاختبارات التحصيلية أو الامتحانات هي أقدم أنواع القياس وأكثرها شيوعا في مدارسنا في العالم العربي بصفة عامة، فعن طريق الامتحانات ينتقل الطالب من صف إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، وتكاد تقتصر عملية التقويم على نوع واحد هو القياس، وعلى نوع واحد من القياس وهو الاختبارات التحصيلية، وعلى نوع واحد من الاختبارات التحصيلية وهو اختبار المقال في أغلب الأحيان، وفي اختبار المقال تهتم بالمستويات الدنيا في الجانب المعرفي، وهي التذكر والحفظ. وهكذا بدأ المتعلمون الكبار والصغار على السواء ينظرون إلى عملية التقويم على أنها لون من ألوان الثواب والعقاب. وأنها غاية في ذاتها، وبذلك انصرف جهدهم التعليمي إلى المذاكرة من أجل الامتحان لا من أجل التعلم، وتغير السلوك في الاتجاه

стр. 263

التربوي المنشود، فإذا أضفنا إلى ذلك هذه المناهج الموسوعية المحشوة بالمعلومات والمعارف، استطعنا تفسير ظاهرة لجوء المتعلمين إلى الحفظ والاستظهار والاعتماد على الذاكرة، بدلا من التحليل والتفسير والنقد والتقويم والابتكار. سبق أن قلنا إن المنهج الدراسي "نظام" مكون من مجموعة من الأجزاء، وكل جزء من هذه الأجزاء يؤثر في السلوك العام للنظام كله، والمنهج أو "النظام" يصمم حول هدف أو مجموعة من الأهداف، والأهداف هي مجموعة من الأوصاف المتوقع حدوثها من التلاميذ نتيجة لمرورهم بخبرات معينة وتفاعلهم معها. والأهداف هذه لا بد أن تتحقق من خلال محتوى مخطط ومنظم بطريقة معينة، بحيث توجد فيه استجابة لكل هدف من الأهداف السابقة. ولكي نحصل على نتائج التعلم أو نقيس السلوك المتوقع حدوثه من التلاميذ، لا بد أن نتبع خطة منهجية في إعداد وبناء الاختبار، وتسير خطة بناء الاختبار في الخطوات التالية: ١- تحديد الأهداف التعليمية في صورة أنماط نتوقع حدوثها من التلاميذ في نهاية عملية التعليم. ٢- تحديد المحتوى الذي تمت تغطيته أثناء عملية التدريس. ٣- عمل جدول لتصنيف أنماط السلوك الذي نريد قياسه في العينة. ٤- وضع مفردات الاختبار التي تقيس أنماط السلوك الموضحة في جدول التصنيف١. اختبار المقال: يعتبر اختبار المقال من أكثر الاختبارات شيوعا على كافة المستويات التعليمية في بلادنا، وسمي "اختبار مقال" لأن المتعلم يطلب منه كتابة "مقال" في الموضوع أو المشكلة التي يطرحها السؤال. ومن مميزات اختبار المقال أنه يمكن بواسطته قياس قدرات كثيرة ومتنوعة، كالقدرة على بيان الأسباب والعلل، والقدرة على إدراك العلاقات، والقدرة على توضيح المفهومات والمصطلحات، والقدرة على التحليل والتفسير، والقدرة على تطبيق المبادئ والقوانين والمفهومات في مواقف جديدة، والقدرة على النقد، والقدرة على إعادة تنظيم الحقائق وتركيبها في كل جديد، والقدرة على التمييز والمقارنة، والقدرة على التقويم، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على التعبير بطلاقه ووضوح.

стр. 264

ورغم هذه القدرات والمهارات الكثيرة والمتنوعة التي يمكن أن يقيسها اختبار المقال، إلا أن من أهم عيوبه أنه لا يمكن قياس كل هذه القدرات والمهارات باختبار مقال واحد، وهو صعب التصحيح نظرا لطول الكتابة فيه، وتزداد هذه الصعوبة إذا كان المختبر رديء الخط والأسلوب، وهو غير اقتصادي لما يحتاج إليه من أوراق كثيرة، ووقت طويل، وأماكن كثيرة وغير ذلك. واختبار المقال -فوق كل هذا- من الصعب أن يكون شاملا لكل موضوعات المنهج وخبراته، ولذلك تنقصه خاصية الشمول والصدق، وقد يدفع الطالب إلى التخمين، والاهتمام ببعض موضوعات المنهج دون بعضها الآخر، كما أنه قليل الموضوعية والثبات، نظرا لغموض الأسئلة في بعض الأحيان، ولكل هذا فإن هذا الاختبار يثير الشعور بالرهبة والخوف من الامتحانات، ويظل هذا الشعور ملازما الطلاب طوال العام الدراسي مما يجعلهم يفكرون طوال الوقت في كيفية الإجابة على الامتحانات. وللتخلص من بعض عيوب اختبار المقال، فإنه يمكننا عمل الآتي: ١- أن نحدد أهداف الاختبار والقدرات والمهارات التي نريد قياسها بدقة قبل صياغة أسئلة المقال. ٢- أن يحتوى الاختبار على عدد كبير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات قصيرة وموجزة، بحيث يقيس كل سؤال قدرة واحدة أو مهارة واحدة. ٣- صياغة أسئلة الاختبار بطريقة محددة وواضحة مع الابتعاد عن المفهومات والمصطلحات الغامضة وغير المفهومة. ٤- تدريب المتعلم -كبيرا كان أم صغيرا- على أسئلة المقال، أثناء الدراسة، ومناقشتهم في الصعوبات التي واجهتهم والأخطاء الشائعة التي وقعوا فيها ليمكن تجنبها بعد ذلك، ويستحسن بيان الدرجة المخصصة لكل سؤال، والزمن الذي يجب أن يستغرقه الطالب في الإجابة عنه. ٥- مناقشة نتائج الاختبار مع المتعلمين بعد تصحيحه مباشرة، وبذلك يستعين كل من المتعلم والمعلم بالنتيجة في تقويم نفسه وتقويم أسلوبه في التعليم والتعلم. اختبار الاختيار من متعدد: يمتاز هذا الاختبار -مع اختبار الصواب والخطأ، والمزاوجة، والتتمة -بأنه أكثر سهولة، حيث يحتوي على المثير والاستجابة معا. وما على المستجيب إلا أن يميز الإجابة الصحيحة بوضع علامة مناسبة أمامها أو في المربع المخصص لذلك.

стр. 265

واختيار الإجابة الصحيحة في اختيار الاختيار من متعدد، له صورة هي: ١- اختيار الإجابة الصحيحة من بين الإجابات الأخرى الخاطئة، وهذا ما يعرف باسم "البحث عن الصواب". ٢- اختيار الإجابة الخاطئة من بين الأخرى الصحيحة وهذا ما يعرف باسم "البحث عن الخطأ"، ويلاحظ في هذا النوع وجود أداة استثناء مثل "ما عدا" و"إلا". ٣- اختيار الإجابة الأكثر أهمية أو قوة من بين إجابات كلها صحيحة، ولكنها متفاوتة من حيث أهميتها وقوتها وفقا لمعيار موضوعي تم الاتفاق عليه أثناء الدراسة مع الطلاب، ويعرف هذا باسم "البحث عن الأهمية"١. ويمتاز هذا النوع من الاختبارات بالميزات التالية: ١- ارتفاع درجة الموضوعية، فدرجة الإجابة عن السؤال لا يمكن أن تختلف من طالب إلى آخر أو من مصحح إلى آخر. ٢- سهولة التصحيح، حيث يستطيع أي شخص أن يقوم بعملية التصحيح، ورصد الدرجات عن طريق استخدام مفتاح للتصحيح من البلاستيك أو الورق المقوى، إلى آخره. ٣- ارتفاع درجة شمول الاختبار، حيث يستطيع هذا الاختبار أن يغطي مساحة كبيرة من محتويات المنهج، نظرا للعدد الكبير من الأمثلة التي يمكن أن يحتويها الاختبار. ٤- يمتاز الاختبار بدرجة عالية من الموضوعية، وبالتالي فإن معدلات الصدق والثبات فيه عالية. ٥- يمتاز هذا الاختبار بالقدرة على قياس مهارات الفهم، وإدراك العلاقات، والمقارنة والتمييز. ومن أهم عيوب هذا الاختبار ما يلي: ١- يتطلب وقتا كبيرا وجهدا فنيا عظيما في إعداده، وهذا قد لا يتوافر حاليا لدى معظم المدرسين. ٢- يتطلب إلماما بكل جزئيات وتفاصيل المنهج المقرر وأولوياتها، وعلاقاتها بأهداف المنهج العامة والخاصة.

стр. 266

٣- يتطلب من المعلم قدرة لغوية فائمة تتمثل في: الدقة في اختيار الألفاظ والتراكيب، والمعرفة الجيدة بقواعد اللغة، والدقة في الفهم والتمييز بين المصطلحات والمفهومات، وقد لا يتوافر هذا أيضا لدى معظم المدرسين حاليا١. ٤- قصور هذا الاختبار في قياس مجموعة كبيرة من القدرات والمهارات، مثل: القدرات والمهارت اللغوية، والقدرة على التحليل، والتفسير، والنقد، والتقويم، وحل المشكلات. اختبار الصواب والخطأ: هو مجموعة من العبارات أو الجمل التي تتضمن حقائق أو آراء أو وجهات نظر تتصل بمحتوى المنهج أو البرنامج أو الوحدة أو الدرس المراد تقويم سلوك المتعلم بالنسبة له، ويطلب من المتعلم أن يضع أمام كل منها علامة صواب أو خطأ حسب وجهة نظره. ومن أهم مميزات هذا الاختبار أنه سهل الوضع، كما أنه لا يحتاج إلى مساحة كبيرة من الورق، ولا يحتاج إلى وقت طويل للإجابة عليه، كما يمتاز أيضا بالشمول، إذ أنه يمكن وضع اختبار من هذا النوع يغطي كل محتوى البرنامج أو الدرس أو الوحدة، ولا يستغرق وقتا طويلا في التصحيح. ومن أهم عيوب هذا الاختبار أنه يشجع الطلاب على حفظ الحقائق من أجل تذكرها، كما أنه لا يقيس أكثر القدرات والمهارات أهمية، وهي القدرة على التطبيق، والتحليل، والتركيب، وإدراك العلاقات، والتقويم، كما أنه لا يقيس القدرة على استعمال اللغة في عرض الأفكار أو الآراء ومناقشتها، وربما كان من أهم عيوب هذا الاختبار أنه يسمح بدرجة كبيرة من التخمين تصل إلى نسبة ٥٠%، ولا شك أنه كلما ارتفعت درجة التخمين ارتفعت درجة الذاتية وعدم الموضوعية فيه، وقلت بذلك درجة ثباته، والمتعلم الذي يخمن الإجابة -صحيحة كانت أم خاطئة- لا يعرف سببها ولا تفسيرا لها. ولذلك فإنه يحسن -تفاديا لذلك العيب في اختبار الصواب والخطأ- أن يطلب من المتعلم بيان ما إذا كانت العبارة صحيحة أم خاطئة، فإذا كانت صحيحة، فليذكر تفسيرا لذلك أو أسبابا له، وإذا كانت خاطئة، فليذكر الإجابة الصحيحة٢. اختبار المزاوجة: يعتبر اختبار المزاوجة من أكثر أنواع الاختبارات الموضوعية استعمالا، وخاصة في مناهج المراحل التعليمية الأولى، وذلك لسهولة وضعه بواسطة المعلمين،

стр. 267

والإجابة عنه بواسطة المتعلمين، وهو اختبار مهم أيضا، لأنه تقل فيه نسبة التخمين عند اختبار الصواب والخطأ، كما أنه يعتبر نوعا متطورا من الاختبار متعدد الاختيارات، ونظرا لانخفاض نسبة التخمين فيه فإنه أكثر موضوعية وثباتا من الاختبارات الأخرى١. وفي هذا الاختبار يقوم المتعلم بالتوفيق أو المزاوجة بين عمودين من العبارات، وذلك بأن يختار عبارة واحدة من العمود الثاني توافق أو تكمل عبارة في العمود الأول، وهنا يجب أن تكون عبارات العمود الثاني أكثر عددا من عبارات العمود الأول، حتى يصبح الخيار دائما من متعدد. ومن أهم مميزات هذا الاختبار أنه سهل الإعداد والتصحيح، وأنه تقل فيه نسبة التخمين -كما سبق أن ذكرنا- ولذلك فهو أكثر موضوعية وثباتا من الاختبارات الأخرى، وهو مناسب للمتعلمين في كل المراحل التعليمية، وهو مفيد في جعل المتعلمين يتذكرون الأحداث بتفاصيلها، كما أنه يدرب المتعلم على مهارات التمييز والتصنيف وإدراك العلاقات بين الحقائق والمفهومات والتعميمات وغير ذلك. وربما كانت أهم عيوب هذا الاختبار هو أنه يعطي القدرة على تذكر الحقائق أهمية أكبر من اللازم، كما أنه لا يقيس بعض القدرات العقلية العليا مثل: البرهنة والقياس والتقويم. وعلى كل حال فإنه يجب على معد هذا الاختبار أن يأخذ في اعتباره الأمور التالية: - أن تكون عبارات العمود الثاني أكثر من عبارات العمود الأول، حتى يظل الاختيار دائما من متعدد حتى آخر عبارة، وبذلك تقل نسبة التخمين. - أن تكون عبارات الاختبار واضحة ومحددة، وأن تكون لكل عبارة في العمود الأول إجابة واحدة صحيحة في العمود الثاني. - أن تكون العبارات قصيرة، وأن يتم اختيار ألفاظها بدقة لا تحتمل اللبس. اختبار التتمة: يقول رشدي طعيمة: إن مصطلح التتمة Cloze قد صاغه ميلسون تايلور، وقدمه في مقال له نشر عام ١٩٥٣، بعنوان: أسلوب التتمة، وهو أداة حديثة لقياس الانقرائية والتحصيل.

стр. 268

ويعرف تايلور أسلوب التتمة بأنه أسلوب معين يتم عن طريقه تعديل نص معين أو تغيير أنماطه اللغوية بحذف بعض أجزائه، ثم تقديمه إلى بعض القراء أو المستمعين، ومطالبتهم بإكمال الفراغات التي أحدثت فيه، وتعديله بحيث يعود إلى ما كان عليه مرة أخرى. وقد اشتق تايلور مصطلح "التتمة" من مفهوم الإغلاق Closure الذي يشيع في نظرية الجشتالت Cestalt. ومفهوم الإغلاق هذا يشير إلى ما لدى الإنسان من استعداد فطري لإكمال النقص الذي يراه، والنظر إلى الأشياء كوحدة وليس كأجزاء منفصلة، فكثيرا ما تعرض لنا كلمة ينقصها حرف معين أو تخلو من بعض النقط، ومع ذلك نقرؤها وندرك المقصود منها، وقد لا ننتبه إلى ما اعتورها من نقص أو شابها من خطأ. "وفي اختبار التتمة يقدم إلى الطالب نص محذوفة بعض كلماته وفق نظام معين يكلف بأن يملأ الفراغات التي أحدثها حذف الكلمات، والتنبؤ على قدر الإمكان بالكلمات الأصلية التي استعملها مؤلف النص، ويحصل الطالب على درجة لكل كلمة ينجح في التنبؤ بها وفق نظام التقدير الذي يحدده واضع الاختبار، ويمثل مجموع الإجابات الصحيحة درجة الطالب"١. واختبار التتمة سهل الإعداد والصياغة والتصحيح؛ ولذلك فقد استخدم لقياس تحصيل المتعلمين على جميع مستوياتهم، وفي هذا الاختبار قد يطلب المعلم من المتعلم إكمال العبارات أو النصوص الناقصة بكلمة أو برقم من عنده، وقد يعطى المعلم المتعلم مجموعة من الخيارات ليختار من بينها الكلمة أو العدد المناسب، كما أن الجمل الناقصة المطلوب إكمالها قد تكون ناقصة البداية، أو الوسط، أو النهاية وذلك حسب نوع القدرة المراد قياسها. ومن أهم مميزات هذا الاختبار أنه يمكن أن يغطي قدرا كبيرا من محتوى المنهج، كما أنه يقيس قدرات كثيرة ومتنوعة نسبيا، إذ يمكن عن طريقه قياس قدرة المتعلم على التذكر، والفهم، والتطبيق والاستنتاج، وإدراك العلاقات. ومن أهم عيوب هذا الاختبار أنه يسمح بدرجة من التخمين؛ لأن الإجابة قد يتم اختيارها من متعدد، كما أنه يركز إلى حد كبير على حفظ الحقائق وتذكرها, حيث لا يسمح بالمناقشة وعرض الآراء؛ لأن المتعلم ليست لديه حرية الكتابة والانطلاق في التعبير. ويجب على معد هذا الاختبار أن يكون دقيقا في اختيار العبارات والألفاظ بحيث يمكن تحاشي الغموض واللبس، كما يجب عليه تحاشي التركيز على أسئلة التذكر والحفظ، والعناية بتلك التي تتطلب مهارات عليا مثل التحليل والتفسير والابتكار.

стр. 269

تفسير الدرجات: يتم تفسير الدرجة التي حصل عليها المتعلم في الاختبار التحصيلي إما على أساس التقويم مرجعي المعيار، وإما على أساس التقويم مرجعي المحك. ففي الأدبيات التربوية يوجد اتجاهان متمايزان في تفسير درجات التلاميذ في الاختبارات التحصيلية: الاتجاه الأول يعتمد على تفسير درجة المتعلم بمقارنتها بدرجات أقرانه وزملائه، أي: جماعة الصف التي ينتمي إليها المتعلم، ويتفق معها في الخصائص الأساسية: كالسن، والصف الدراسي، والمستوى الاحتماعي والاقتصادي وغير ذلك، وتعرف هذه الجماعة في الاختبارات المقننة -كاختبارات الذكاء مثلا- باسم الجماعة المعيارية، ومن هنا سمي هذا النوع من التقويم "بالتقويم مرجعي المعيار" Norm Referenced Evaluation. والاتجاه الثاني هو ذلك الذي يعتمد في تفسير درجة المتعلم في الاختبار التحصيلي بمقارنتها بمحك أو مستوى محدد للأداء، أي: بمدى تحقيقها للأهداف المحددة سلفا. فالمحك يتحدد على ضوء الأهداف التربوية التي يسعى المعلم والمتعلم إلى تحقيقها، وكلما كان تحديد المحك دقيقا، كلما يسر ذلك عملية التقويم، ويسمى هذا النوع من التقويم "بالتقويم مرجعي المحك" enced evaiuation Critrion refer. التقويم مرجعي المعيار: والتقويم مرجعي المعيار إما أن يكون في صورة اختبارات مقننة: كاختبارات الذكاء، واختبارات الاستعداد العقلي، واختبارات الشخصية، والميول والاتجاهات.. إلى آخره، وإما أن يكون في صورة اختبارات تحصيلية غير مقننة كالتي سبق ذكرها١. فبالنسبة لبناء اختبار مقنن، لا بد لوضعه من إعداد "معايير في صورة مئويات أو نسب ذكاء أو درجات معيارية، يستمدها من الجماعة التي يطبق عليها الاختبار أثناء عملية التقنين، والتي تمثل المجتمع الأصلي الذي سوف يستخدم فيه الاختبار

стр. 270

تمثيلا جيدا.. وحين يستخدم الفاحص هذا النوع من الاختبارات، فإنه يفسر درجة المفحوص بتحديد موقعها في المتغير، أو الصفة التي يقيسها بالنسبة للجماعة المعيارية "أي: جماعة التقنين"، هل يقع عند المئوى ٢٠ أم ٥٠ أم ٧٠.. إلخ. وحينما نقول إن درجة التلميذ تقع عند المئوى ٢٠ أو المئوى ٥٠، فإننا نعني أنه أفضل من ٢٠% أو ٥٠% من زملائه"١. ومن الخصائص الأساسية للاختبارات مرجعية المعيار، والمعدة بطريقة جيدة، أنها تكشف عن الاختلاف الملحوظ أو التباين في استجابات الأفراد، فإذا جاء التباين "أي: الاختلاف" في أداء الأفراد الذين يجيبون على الاختبار ضعيفا، فإنه يصعب المقارنة بينهم، وهذا يعني أن إعداد أسئلة الاختبار لم يكن دقيقا، ومن هنا فإن صلاحية أي سؤال من أسئلة الاختبار تتحدد في ضوء قدرته على التمييز بين الأفراد، لذلك تعتبر الأسئلة التي يبلغ مستوى صعوبتها ٥٠% "بمعنى أنها يجيب عليها ٥٠% من الأفراد إجابة صحيحة، ويخطئ فيها ٥٠% منهم" أفضل الأسئلة، أما الأسئلة التي يجيب عليها ١٠٠% من الأفراد إجابة صحيحة، وتلك التي يخطئ فيها ١٠٠% منهم، أو ما يقرب من هذه النسبة، فإنها تعتبر أسئلة غير صالحة؛ لعدم قدرتها على التمييز بين أفراد الجماعة، ولذلك يجب استبعادها من الاختبار٢. وليس المطلوب من المدرس الذي يتبع التقويم مرجعي المعيار أن يضع اختبارات مقننة, كتلك التي يقوم ببنائها الأخصائيون في القياس النفسي والتربوي كاختبارات الذكاء والميول والاستعدادات.. إلخ. وكل المطلوب منه -في هذه الحالة- أن يضع اختبارات تحصل كتلك التي سبق تفصيل القول فيها، واتخاذها أساسا للمقارنة بين الفصل أو الصف الدراسي، فدرجة أي تلميذ تفسر بمقارنتها بدرجة زملائه في نفس حجرة الدراسة أو الصف الدراسي. على أن مقارنة درجة التلميذ بدرجات زملائه في الفصل، تتطلب من المدرس استخدام بعض المفهومات الإحصائية البسيطة، كالمتوسط الحسابي، والانحراف المعياري. ويحسب المتوسط الحسابي عن طريق جمع درجات جميع التلاميذ، وقسمة حاصل الجمع على عدد التلاميذ٣:

стр. 271

وبمعرفة المتوسط الحسابي يستطيع المدرس معرفة المستوى العام لمجموعة معينة بمقارنته بمتوسط مجموعة أو أكثر من المجموعات الأخرى المتفقة معها في الخصائص الأساسية، كما يمكنه من معرفة وضع تلميذ معين بالنسبة لباقي تلاميذ المجموعة التي ينتمي إليها، ومعرفة مدى تقدمه بالنسبة للآخرين أو العكس بمقارنة درجاته في الاختبارات المتتالية، وحساب مدى التباين أو الاختلاف بينها، وعلى كل حال فإن مقدار تفوق التلميذ أو ضعفه يقاس بمدى بعد درجته عن المتوسط ارتفاعا أو انخفاضا. على أنه يهم المدرس أن يحدد مقدار تفوق التلميذ أو ضعفه بصورة أدق، وهو في هذه الحالة في حاجة إلى معرفة مقدار تشتت درجات التلاميذ، والمقصود بالتشتت، هو مقدار الفروق الموجودة بين الدرجات، وقد اصطلح على قياس التشتت بالانحراف المعياري. والانحراف المعياري ببساطة هو الجذر التربيعي لمتوسط مربعات الانحراف، وهناك طرق متعددة لحسابه، ولكن يكفي أن نشرح لك طريقة بسيطة لحسابه، وتتم وفق الخطوات التالية: ١- احسب متوسط الدرجات بالطريقة التي شرحناها سابقا، أي: بجمع درجات التلاميذ، وقسمة حاصل الجمع على عدد التلاميذ. ٢- احسب انحراف كل درجة عن المتوسط، وذلك بطرح المتوسط من كل درجة من درجات التلاميذ. ٣- ربع جميع الانحرافات الناتجة من الخطوة السابقة بقسمتها على عدد التلاميذ، فتحصل على متوسط مربعات الانحرافات. ٤- احسب الجذر التربيعي لناتج الخطوة رقم٣، تحصل على الانحراف المعياري. "ويعطيك الانحراف المعياري، كما أشرنا سابقا، مقياسا لتشتت الدرجات في الفصل، فإذا كان لديك فصلان مثلا، وحسبت متوسط الدرجات لكل فصل على حدة، فوجدت أن المتوسطين متساويان، أمكنك أن تستنتج بصفة عامة أن مستوى الفصلين واحد، على أن هذا الاستنتاج غير دقيق تماما، حيث إن الانحراف المعياري

стр. 272

قد يختلف، فإذا وجدت الانحراف المعياري في أحد الفصلين ٧، وفي الفصل الثاني ٤، على سبيل المثال، يمكن أن تستنتج أن الفصل الثاني أكثر تجانسا من الفصل الأول، بمعنى أن الفروق بين درجات تلاميذه أقل من الفروق بين درجات تلاميذ الفصل الأول.. كذلك يفيدك الانحراف المعياري مع المتوسط في تحديد الوضع الدقيق بالنسبة لكل تلميذ في الفصل.."١. لكن التقويم مرجعي الميعار يتمتع بعيوب كثيرة، لعل أهمها ما يأتي: أولا: يكمن أهم عيب من عيوب هذا اللون من التقويم في أهم سمة من سماته، وهي قدرة أسئلته على التمييز، أي: أن يكون السؤال متوسطا بحيث يستطيع ٥٠% من التلاميذ الإجابة عنه إجابة صحيحة و٥٠% منهم يعجزون عن الإجابة الصحيحة عنه، وهذا يعني أن الأسئلة التي يجيب عنها المتعلمون جميعا تقريبا إجابة صحيحة، لأنها تتناول معارف أو مفاهيم هامة، قد اهتم المدرس بمناقشتها مع المتعلمين، وتلك التي يجيب عنها المتعلمون جميعا تقريبا إجابة خاطئة، لأنها تتناول حقائق أو مفاهيم هامة لكن المدرس أهملها؛ هذان النوعان من الأسئلة لا قيمة لهما في الاختبار الذي يتبع فلسفة التقويم المرجعي المعيار، واستبعاد هذين النوعين من الأسئلة يفقد الاختبار قيمته وأهميته كأداة للتقويم والكشف عن نواحي القوة ونواحي القصور في تحصيل تلاميذه، وفي طرق وأساليب تدريسه، وفي كل مكونات المنهج بصفة عامة، كما أن الاهتمام بقصر أسئلة الاختبار على الأسئلة المميزة، قد يدفع واضع الاختبار إلى التركيز على التفاصيل التافهة, وإهمال الأساسيات والمفهومات التي من خلالها تتحقق أهداف المنهج، وبذلك يفقد الاختبار أهم الصفات التي يجب توافرها فيه وهي الصدق والشمول. ثانيا: يقوم هذا اللون من التقويم على أساس مقارنة التلميذ بأقرانه في حجرة الدراسة أو في الصف الدراسي، وهذا قد يكون له انعكاساته الضارة على تحصيله وتقدمه، فالتلميذ الذي يحتل مركزا متفوقا في حجرة الدراسة بشكل مستمر قد يدفعه هذا إلى التراخي والكسل, وعدم بذل مزيد من الجهد والعمل، والتلميذ الذي يحتل مركزا متوسطا ومتدنيا قد يدفعه هذا إلى اليأس والقنوط والكف عن بذل الجهد والعمل. ثالثا: إن قصر تقويم التلاميذ على أساس مقارنتهم بزملائهم دون نظر إلى المستوى الذي وصلت إليه المجموعة ككل، يعني الرضا بنجاح التلاميذ دون الوصول إلى مستوى الأداء الجيد أو الممتاز، وهو مستوى الإتقان للمهارة أو فهم المعلومات

стр. 273

والمفهومات فهما جيدا والقدرة على تطبيقها وتحليلها وتفسيرها وتقويمها، وهذه هي المستويات الضرورية لرفع مستوى التعلم وحسن الأداء١. التقويم مرجعي المحك: لكل ما سبق، فإن التقويم مرجعي المحك هو الذي يستطيع المدرس والمنهج، بل والنظام التعليمي كله، التغلب به على العيوب السابقة وتلافيها. ففي هذا النوع من التقويم تفسر درجة التلميذ وفقا لوصفها لسلوكه، ومدى قرب هذا السلوك أو بعده من مستوى الأداء المطلوب، فالأداء بشكل معين، وتحقيق الأهداف هما المعيار الذي نفسر درجة المتعلم في ضوئه، وفي هذا اللون من التقويم أيضا، لا يقارن التلميذ بزملائه، وإنما يقارن بنفسه، لمعرفة مدى تقدمه من اختبار لآخر وفقا لأهداف المنهج المحددة سلفا. وتقاس دقة أسئلة الاختبار هنا بمدى صدقها في قياس أداء المتعلم، لمعرفة مدى قربه أو بعده عن مستويات الأداء المطلوبة، والتي تمثل الأهداف التعليمية للمنهج أو البرامج أو الوحدة أو الدرس، وفي ضوء هذه المستويات أو الأهداف ينجح المتعلم أو يرسب. فإذا جاز لنا أن نقارن ونختار بين الأسلوبين السابقين في ضوء موجهات السلوك الإنساني في منهج التربية في التصور الإسلامي، فإننا نختار التقويم مرجعي المحك، الذي يقوم المتعلم عن طريقه، وفقا لمدى قربه أو بعده من درجة الإتقان في العمل وحسن الأداء، وتحقيق الأهداف. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] فالمطلوب من الإنسان -طبقات لهذا المنهج الرباني- ليس مجرد العمل، وإنما الإحسان في العمل، والإحسان في الأداء. ويؤكد هذا -أيضا- قول الرسول ﵊: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" , فالمطلوب ليس مجرد العمل، وإنما المطلوب هو الوصول إلى درجة الإتقان في العمل. ويتفق هذا كله مع وظيفة الإنسان ووضعه في النظام الإسلامي العام، فالإنسان خليفة الله في الأرض، وقيام الإنسان بحق الخلافة، إنما يكون بعمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله، وعمارة الأرض وترقيتها لا يكون بمجرد العمل والأداء، بل يكون بإتقان العمل، وحسن الأداء.

стр. 274

الخلاصة: مما سبق يتضح لنا أن منهج التربية الذي ننشده إنما يهدف إلى بناء الإنسان من الداخل كي يكون صالحا لتقوى الله، وعمارة الأرض وترقية الحياة، وأداء الالتزامات المترتبة على استخلاف الله له فيها، فالتربية في هذا المنهج ليست من أجل اجتياز الامتحانات، وأداء الاختبارات، بل من أجل اكتساب المعارف والمفهومات والمهارات, واستخدامها في عمارة الأرض وترقية الحياة بما يتفق مع منهج الله. ونظام التربية في هذا المنهج فردي وجماعي، جماعي في دراسة علوم المقاصد والغايات، وهو فردي في دراسة ما بعد ذلك من العلوم، والمتعلم في هذا المنهج يتمتع بقسط كبير من الحرية، فهو بعد دراسة علوم المقاصد يختار من المواد الدراسية الأخرى ما يناسب فطرته واستعداداته وميوله المختلفة، فالهدف من التربية في هذا المنهج هو النمو الكامل: جسميا وعقليا، ووجدانيا، وليس حفظ المعلومات وحشو الذهن بها بقصد اجتياز الامتحانات ثم نسيانها بعد ذلك. وكانت ممارسة المسلمين التربوية إلى ما قبل قرنين من الزمان تقريبا تسير وفق هذا المفهوم لعملية التربية، فلم يكن يطلب من المتعلمين تأدية امتحان بعد الانتهاء من الدراسة, كالامتحانات التي تعقد في أيامنا هذه، ولم يكن الطالب مقيدا بنظام معين، ولا بجدول أوقات للدروس والمحاضرات. وقد ذكر ابن أبي أصيبعة حالة واحدة جاء فيها أنه عقد امتحان لأطباء بغداد في عهد الخليفة المقتدر "في القرن العاشر الميلادي" بحضرة سنان بن ثابت الذي كان يمتحن الأطباء شفويا١. وقد كان الأساتذة يكتفون بمعرفتهم الوثيقة لكل طالب من خلال مناقشاته ومحاوراته ومناظراته أثناء الدراسة، فبدلا من الامتحانات كان الأساتذة يتابعون طلابهم باستمرار بالحوار والمناقشة، ثم يعطون طلبتهم الأكفاء شهادة أو إجازة ينصون فيها على أن الطالب قد أتم دراسة منهج معين، تحت إشراف الأستاذ فلان، وذلك دون أن يؤدي الطالب امتحانا بالطريقة الشكلية المعروفة, واعتمادا على معرفتهم العملية بالطالب أثناء الدراسة، وكان الغرض من الإجازة، الإقرار بكفاءة الطالب وفهمه واستيعابه لعلم أو مادة معينة، وقدرته على البحث، وكانت الإجازة العلمية شهادة شخصية من الأستاذ للطالب، ليس فيها عنوان معهد معين، ولا لقب خاص، وبذلك كان التقويم بنائيا ومستمرا.

стр. 275

فالمحك في منهج الله هو "التقوى": ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ولا شك أن التقوى تشتمل ضمن ما تشتمل عليه إتقان العمل وحسن الأداء، فهذان محكان رئيسيان يقوم عمل الإنسان على أساسهما، فمن حاد عنهما، فقد حاد عن منهج الله.

стр. 276

الفصل التاسع: تطوير المناهج بين التغيير والتحسين والتطوير ... الفصل التاسع: تطوير المناهج يرتبط مفهوم التطوير بمفهوم المنهج ذاته والنظرة إليه، فالتطوير يشمل جميع عناصر المنهج من الأهداف إلى التقويم١، فالتطوير عملية شاملة لأنها تتناول جميع الجوانب والعوامل التي تتصل بالمنهج وتؤثر فيه وتتأثر به، فهي تتناول أهداف المنهج والخبرات الدراسية سواء منها ما يتصل بالكتب والمقررات الدراسة أو الأنشطة الأخرى كالمعامل والتجارب والرحلات والمعسكرات والندوات.. إلخ. وتتناول أيضا طرائق التدريس والوسائل المعينة والإدارة المدرسية والمكتبات ووسائل التقويم المتبعة ومدى دقتها ومناسبتها للأهداف المحددة سلفا. إن عملية التطوير تستلزم أيضا دراسة الفلسفة التربوية التي تستند إليها الممارسة الحقيقية، كما تستلزم دراسة التلميذ دراسة متكاملة، وتحديد كل مطالبه وحاجاته، ودراسة البيئة التي يعيش فيها التلميذ ومطالبها، وأيضا دراسة طبيعة المادة الدراسية ومتطلباتها، إن أية تغيرات تحدث في أي أو في كل من هذه العوامل، تتطلب بالتالي تغيرا مناسبا في المنهج. بين التحسين والتغيير والتطوير: إذا أردنا أن نضع خطة ذات خطوط محددة لتطوير المنهج فإننا يجب أن نفرق أولا بين ما يسمى بتحسين المنهج Curriculum Improvement، وتغيير المنهج Curriculum Change، وتطوير المنهج Curriculum Development، حيث إن هناك خلطا في الاستعمال, والمناقشات الجارية بين هذه المفاهيم، ومع ذلك فينبغي أن ندرك أن هناك تداخلا بينها، فكل من التحسين والتطوير يتطلب تغييرا، مع اختلاف في الحجم والعمق. وعلى أية حال فإن تحسين المنهج يمكن فهمه على أنه تغيير مظاهر معينة في المنهج, ولكن دون تغيير المفاهيم الأساسية فيه أو في نظامه٢, فالتحسين يعني توسيع الإدراك الحالي للمنهج ونظامه، وذلك كالتغيير في الأهداف وفي طريقة صياغتها، أو إضافة بعض الأفكار والخبرات إلى المحتوى المنهجي، أو إعادة تنظيم خبراته ومواده Sequence، أو إيجاد الروابط بين هذه الخبرات بعضها والبعض, أو بينها وبين خبرات من مادة دراسية أخرى Integration، أو تحسين طرائق التدريس المتبعة وإضافة طرائق جديدة إليها، أو تحسن نظام التقويم المتبع.. إلخ.

стр. 277

تغيير المنهج: إن المنهج نتاج منظم لفكر وعمل الإنسان، فكلما تغيرت أفكار الإنسان تغيرت أفعاله، وهذا هو ما يحدث للمنهج، فالإنسان أحيانا يريد أن يتغير، وأحيانا لا يريد، فهناك أناس لديهم الرغبة في التغير، وهناك آخرون لا يرون أية ضرورة لذلك، فإذا كان المنهج لا بد أن يتغير، إذن لا بد أن يتغير الناس, وعندئذ سوف يتغير المنهج، وهذا ينطبق على قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وهذا يعني أيضا أن تغير المنهج عملية مستمرة، لأنه مرتبط بالإنسان الذي يعيش في زمان ومكان معينين. إن تغيير المنهج يعني بطريقة ما تغيير مؤسسة An Institution, وتغيير المؤسسات يعني كما يقول "مرتون Merton"، تغيير كل من الأهداف والوسائل١ ومع ذلك، فإن تغيير الأهداف والوسائل لا يعني أن الأهداف سوف تتحقق، فقد يحدث أن يتم اختيار الوسائل التي لا تتفق مع طبيعة الأهداف ومتطلباتها وبالتالي لا تتحقق الأهداف، أي: إن الأهداف والوسائل قد لا يكونان متناسبين، فقد يحدث التأكيد على الأهداف ولكن دون تأكيد على الوسائل التي تحقق هذه الأهداف، فهناك أهداف تربوية مثل "تعليم الطفل وتدريبه على التفكير النقدي"، أو "خلق المواطن الديمقراطي"، أو "الاهتمام بجماع شخصية التلميذ بكل جوانبها العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية"، نقول إن مثل هذه الأهداف قد تكون طموحا أو مثالية، أو من قبيل الطموحات أو الشعارات التي لا تهتم بها المؤسسات التي تعمل على تحقيقها. إن تغيير المنهج، بناء على هذا، يعني أيضا تغيير الأفراد المهتمين به، كالتلاميذ والآباء والمدرسين ولجان التخطيط والتطوير والقائمين على النظام بصفة عامة، إذن فهو يعتمد على التغيرات الإنسانية، فالتغير السليم هو الذي يحدث في أفكار الناس ومعتقداتهم ونظمهم المعيارية والقيمية، ثم ينتقل إلى مؤسساتهم وأنظمتهم، فالتغيير في الأنماط المعيارية والقيمية للمجتمع يؤدي إلى تغيير في المؤسسات التابعة له، ولكن يجب أن يكون واضحا هنا أن التغيير عملية متكاملة، فالتغير في القيم والمعايير لا بد أن يؤدي إلى تغيير في المؤسسات، وذلك من أجل الحفاظ على توازن النظام الاجتماعي٢. ولكن هل هناك نظام اجتماعي متكامل ومتوازن تماما؟ طبعا الإجابة بالنفي؛ وذلك لأن التغيرات تقع بطرق مختلفة، وفي أوقات مختلفة، وبمستويات مختلفة، كما أن هناك تغيرات مفاجئة وأخرى تحدث بالتدريج، ولذلك فإن توازن النظم الاجتماعية

стр. 278

وتكاملها عملية نسبية تعتمد على مدى قدرة هذا المجتمع أو ذلك على التكيف مع المتغيرات الجديدة، وعلى مدى نشاطه في تكييفها بما يناسبه. وعلى كل حال فإن النظام الاجتماعي المتكيف النشيط The Adaptive and active Social System هو الذي عندما تقع بعض التغيرات المقبولة في بعض أفكاره وقيمه وأنماطه المعيارية فإنه يكيف الأفكار والقيم والأنماط المعيارية الباقية للأولى، وعندما تقع بعض التغيرات المقبولة في بعض مؤسساته فإنه يستجيب لذلك بتكييف المؤسسات الأخرى لمتطلبات التغيرات الجديدة، فتبني نظاما اقتصاديا يقوم على العرض والطلب، مثلا يتطلب تغيرات معينة في نظام التعليم ومناهجه، كما أن الاقتناع بنظام اقتصادي يقوم على التخطيط يتطلب إجراء تغييرات معينة في النظام والمناهج، والتغير في الكوادر العمالية, ونظم العمالة في المجتمع لا بد أن يصاحبه تغيير في النظام التربوي. عوائق التغيير: إن تغيير المنهج يشتمل أولا على تغيير الأفراد، وتغيير الأفراد يتضمن نوعين من التغيرات: النوع الأول هو تغيير النظرة التي يرى الفرد بها العالم من حوله، ماذا يدرك وماذا يتوقع؟ وهذه هي المظاهر المعرفية, النوع الثاني هو تغيير المظاهر الانفعالية، فما الأشياء التي يشعر الفرد بأنها مهمة، وما دوافعه لفعلها؟ فالمدرس قد يشعر بأهمية التغير وضرورته ولكنه لا يسلك سلوكا يؤدي إلى التغير أو يتدخل بإرادته لإحداث هذا التغير وجعله واقعا١. على أن هناك مجموعة من العوامل التي قد تقف عائقا أمام عملية تغيير المنهج منها: ١- القصور الذاتي، وقد يكون القصور بين المدرسين أو الموجهين أو المهتمين بالعملية التربوية، وقد يكون أيضا بين الإداريين، أو بين أعضاء المجتمع أو بين هؤلاء جميعا، فعندما يشعر هؤلاء أنهم راضون عن الأشياء كما هي، فلا يجب أن يتوقع أحد أي تغيير. ٢- الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان، فكثيرا ما يصاحب التغير بالخوف وعدم الشعور بالأمن ورهبة المجهول، وقد يتجسد ذلك في صورة الشعور بعدم مناسبة الجديد أو عدم أهميته، وقد يشعر بعض الناس بأن الجديد هذا اعتداء على خبراته

стр. 279

٢- إن خطة تغيير المنهج تتطلب أيضا خلق الظروف, وتحديد العلاقات بين العاملين، وتحديد ما إذا كانوا سيعملون كلجان، أو جماعات، أو تجارب فردية، وتحديد كيفية تتابع الخطوات المختلفة. ٣- إن التغير الفعال للمنهج يتطلب قدرا كبيرا من التعليم والتدريب، فهناك معارف ومفاهيم وتعميمات ومهارات جديدة مطلوب تعلمها، كما أن هناك أساليب جديدة للتفكير تحتاج إلى التدرب عليها، وهناك تجارب مطلوب إجراؤها، كل هذا يتطلب أن تكون هناك مبادئ نظرية يجري العمل على هديها. ٤- إن التغير، كما قلنا يتضمن قدرا كبيرا من العوامل الإنسانية، كتغيير أفكار الناس، وعلى الأخص المهتمون بشئون التعليم، نحو دور المنهج في العملية التربوية، وكيفية تنفيذه، وهذا ربما يتطلب هدما لبعض العادات والممارسات القديمة، وتدريبا على الأساليب الحديثة. ٥- إن تغيير المنهج عملية معقدة، تتطلب الكثير من الخبرات والمهارات في كل خطوة من خطوات العمل، وعلى هذا فتوفر الخبراء والمتخصصين من البداية أمر هام، كما أن توزيع الأدوار، والنقطة التي يبدأ منها كل خبير أمر هام أيضا، إن الأمر يحتاج إلى إداريين، وخبراء في التصميم، وآخرين في تحديد المحتوى وتنظيمه، ولا يصح أن يشارك كل الخبراء في كل شيء دفعة واحدة. ٦- إن تغيير المناهج يتطلب قيادة ماهرة، كما يتطلب أيضا توزيع القيادة في كل جزء من أجزاء العمل وفي كل مجال من مجالاته.

стр. 280

تطوير المنهج: التطور هو التغير التدريجي الآلي الذي يحدث في بنية الكائنات الحية وسلوكها، ويطلق أيضا على التغير التدريجي الذي يحدث في تركيب المجتمع أو العلاقات أو النظم أو القيم السائدة فيه، أما التطوير فهو التغيير المتعمد لتحقيق أهداف معينة، وعلى هذا فإن التطوير هو تغيير على أساس علمي موضوعي ودراسة لكل العوامل المؤثرة والمتأثرة به، فالتطوير يستلزم التغيير الواعي، بينما التغيير قد يؤدي أو لا يؤدى إلى التطوير١، كما أن التغيير قد يحدث بإرادة الإنسان، وقد يحدث دون إرادته، وذلك عندما تكون العوامل المؤدية إليه خارجة عن إرادة الإنسان وليس له دخل في إحداثها، أما التطوير فلا يمكن أن يحدث إلا بإرادة الإنسان ورغبته، والتغيير قد يكون جزئيا ينصب على جانب معين أو مظهر خاص، بينما تطوير

стр. 281

المنهج عملية شاملة لجميع جوانبه١، فتطوير المنهج عملية تهدف إلى الوصول به إلى الصورة التي تمكنه من تحقيق أهدافه على أفضل وجه في أقصر وقت وأقل جهد. والتطوير عملية شاملة ترتبط أشد الارتباط لا بما تقدمه المدرسة إلى التلميذ فحسب، بل تشمل التلميذ وبيئته وظروف حياته والمجتمع الذي توجد فيه المدرسة، كما أن التطوير عملية ديناميكية لأن العوامل التي تدخل فيها في تفاعل، وكل عامل يؤثر في العوامل الأخرى ويتأثر بها، ولذلك فإن الحركة والتأثير لا ينقطعان، وهذا بدوره يؤدي إلى تغير مستمر، والتغيير السليم هو الذي يؤدي إلى التطوير٢. لكن المنهج له عدة أسس تعتبر مصادر يشتق منها أهدافه ومحتواه، والتغيرات التي تحدث في هذه المصادر تعتبر قوة محركة وعاملا يستلزم ضرورة تطوير المنهج ليوائم هذه التغيرات التي حدثت في مصادره، هذا وإلا أصبح المنهج شيئا منفصلا عن جذوره وأسسه، وأهم هذه الأسس هي: ١- طبيعة المعرفة. ٢- الطبيعة الإنسانية وطبيعة التعلم. ٣- طبيعة المجتمع والحياة. إن تحديد أهداف المنهج, واختيار الخبرات التعليمية المناسبة, واختيار طرائق وأساليب التدريس المناسبة، كل هذا يتوقف على معرفة التلميذ ومرحلة النمو التي يمر بها ومطالب هذه المرحلة، كما أن تحديد أفضل الطرق لإرشاد التلاميذ، وتحديد مجالات النشاط المناسبة لهم, واستغلال طاقاتهم وإمكاناتهم، كل هذا يتوقف على معرفة مخطط المنهج بهؤلاء التلاميذ، إن التلميذ سوف يصير إنسانا أو مواطنا في المجتمع، فإذا لم يؤخذ في الاعتبار صفات المواطنة الصالحة التي يتطلبها المجتمع من أفراده، وإذا لم يؤخذ في الاعتبار المشكلات التي يواجهها التلميذ في حاضره، والآمال التي يرجوها في مستقبله، فإن هذا المنهج سوف يصبح قاصرا عن تحقيق أهدافه. إن لكل مجتمع طبيعته الخاصة، فلكل مجتمع معاييره وقيمه الخاصة، مثل الأهداف التربوية العامة والنظرية الاقتصادية والرؤية السياسية والمعتقدات الدينية ومفهوم العلاقات والطبقات الاجتماعية الخاصة به، إن لكل مجتمع أيضا مؤسساته سواء كانت مؤسسات اقتصادية أو سياسية أو تربوية أو اجتماعية أو دينية.. إلخ، كما أن لكل مجتمع جغرافيته الخاصة، ومظاهر خاصة للنمو السكاني فيه، وله أيضا مصادره الطبيعية كل هذه الأمور الخاصة بالمجتمع منها ما هو ثابت ومنها ما هو

стр. 282

متغير ومتطور وأي تغير أو تطور يطرأ عليها يستلزم بالضرورة تطورا في المنهج الدراسي. إن طبيعة المعرفة، والفكر السائد في المجتمع، ومدى تأثره بالأفكار التي تفد عليه من الخارج، وطبيعة كل مادة دراسية، كل هذا أيضا يمثل أساسا من أسس المنهج، وأي تطور فيه يستلزم بالضرورة تطورا في المنهج، فالتدفق المعرفي والثورة التكنولوجية في العصر الحديث، والاكتشافات الجديدة في مجال علم النفس، والنظريات التربوية الحديثة التي ظهرت وأثرت على الفكر التربوي في القرن العشرين، كل هذا يشكل أساسا يقوم عليه بناء المنهج، وأي تغيير يطرأ عليه لا بد أن يقابله تغيير مناسب في أهداف المنهج ومحتواه وطرق تعليمه وتقويمه. ويمكن تلخيص التطوير كما يلي: ١- الاستناد إلى دراسة علمية للفرد. ٢- الاستناد إلى دراسة علمية للمجتمع١. ٣- الاستناد إلى دراسة طبيعة المعرفة، وطبيعة المادة، وما حدث للمعرفة الإنسانية من تطور، ودراسة انعكاسات هذه التغيرات على المنهج. إن دراسة طبيعة الفرد وحاجاته ومشكلاته وطبيعة المجتمع وحاجاته ومشكلاته، وطبيعة المعرفة ومصادرها، يكون الأساس الذي يجب الاعتماد عليه في اشتقاق فلسفة تربوية ونظرية منهجية خاصة بكل مجتمع ونابعة منه وعاكسه لسماته وخصائص الأفراد فيه. بعد تحديد الفلسفة التربوية الخاصة بالمجتمع، يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ الخاصة بالفرد في هذا المجتمع، وما يجب مراعاته لإقدار الفرد على مواجهة مشكلات حياته الحاضرة والاستعداد للحياة في المستقبل وما قد يطرأ من تغيرات، كما يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ ليهتدي بها المنهج أيضا في إقدار التلاميذ على المساهمة في حل مشكلات مجتمعهم في حاضره ومستقبله، واستخلاص مجموعة من المبادئ الخاصة بطبيعة المعرفة الإنسانية وطبيعة المادة. إن هذه المبادئ التي تم استخلاصها والخاصة بالفرد والمجتمع والمعرفة تمثل النظرية المنهجية التي يمكن الاسترشاد بها في تطوير الأهداف المنهجية, والمحتوى التعليمي وطرائق التدريس وأساليب التقويم، إن أي تغيير له قيمة في المجتمع أو في

стр. 283

أفراده أو في المعرفة الإنسانية يتطلب تغييرا مناسبا في المناهج الدراسية, وإلا أصبحت مناهج عديمة القيمة والنفع لكل من المجتمع والأفراد على السواء. وعلى هذا فكل تغير أو حراك اجتماعي Social Mobility لا بد أن يقابله تغير مناسب وتطوير في المناهج، كما أن عملية تطوير المنهج لا بد أن تعكس اهتماما خاصا بالمتعلم, عن طريق احتوائها على مواد تعليمية ووسائل وخبرات وطرق مناسبة لمرحلة نموه، إن مرحلة التطوير هذه لا بد أن تهتم بالمراجعة والتمحيص الدقيقين حتى تصل إلى مستويات مقنعة للأراء، وهذا يتطلب أيضا تقويما مستمرا للإجراءات المستخدمة في عملية التطوير، لكن عملية المراجعة والتقويم لا بد لها من معايير، ومعايير التقويم هنا هي مدى فاعلية المناهج المطورة ومدى تحقيقها لأهدافها١.

стр. 284

مراحل تطوير المنهج مرحلة وضع المبررات لمشروع التطوير ... مراحل تطوير المنهج: إن عملية التطوير كما نتصورها هنا تحتوي على ست مراحل: ١- مرحلة وضع المبررات للتطوير. ٢- مرحلة تحديد الأهداف. ٣- مرحلة اختيار المحتوى, ومنهجيات التعلم البديلة. ٤- مرحلة الاختبار الميداني. ٥- مرحلة المراجعة. ٦- مرحلة التنفيذ. وسوف نتناول كل مرحلة من هذه المراحل الست بالتفصيل. ١- مرحلة وضع المبررات لمشروع التطوير: إن المرحلة الأولى في مشروع تطوير المنهج هي مرحلة التكوين أو البناء، وأولى الخطوات في هذه المرحلة هي إعداد تقرير مبدئي يصف التطوير, ويصف الفئات المقصودة بالتعليم The Target Population of learners، كما يصف أهمية مشروع التطوير المقترح ومبرراته١. وقد تكون هذه المبررات هي نتائج بحوث تكشف عن عجز المنهج الموجود عن الاستجابة للمتعلمين، وقد تكون ظروفا اجتماعية مستجدة، أو مشكلات استحدثتها عوامل التغير، وقد يشعر المدرسون بقصور منهج المادة التي يدرسونها كالمواد الاجتماعية أو الفنون اللغوية مثلا، ويرون ضرورة تطوير وحدات جديدة لها كل

стр. 285

خصائص المنهج الجيد، وعلى هذا تكون الخطوة الثانية في هذه المرحلة هي تكوين وحدات دراسية جديدة في التنظيمات المعرفية التي يتم التطور فيها. إن المدرسين في مختلف التنظيمات المعرفية يجب أن يسهموا في ذلك، كما يجب عدم تكرار المشروع الجديد أو النتاج الجديد للموجود بالفعل، ولكن لا بأس من الاستعانة بالخبرات والمواد الموجودة والصالحة للممارسة، وتفاديا للتكرار وعمل البناء الجديد على أسس سليمة، فإنه يمكن الاستعانة بنتائج ما يسمى بالتقويم المبدئي Initial Evaluation، فهذا النوع من التقويم يساعد في إعطاء المطور خلفية مفيدة عن الموجود بالفعل، كما أنه يسهم في تقويم عملية التطوير في هذه المرحلة. ومن العوامل التي تبدأ في هذه المرحلة من التطوير وتستمر إلى نهاية عملية التطوير ما يلي: ١- لا بد من أن تكون هناك فلسفة تربوية واضحة المعالم, يتحرك المطورون للمناهج في ضوئها وعلى هديها. ٢- أن توضع إجراءات للمراجعة المنظمة. ٣- أن يقوم بالمراجعة أفراد ليسوا من المشتركين في عملية التطوير. ٤- أن يدلي المستفيدون من الإنتاج الجديد "أي: المنهج المطور" برأيهم فيه، ونقصد بالمستفيدين هنا المدرسين والتلاميذ والنظار، ويقتصر رأيهم في هذه المرحلة على الخطة أو التصميم فقط. ٥- لا بد أن يؤخذ رأي الخبراء في ميدان تخطيط وتصميم المناهج، ورأي الخبراء في التنظيم أو التنظيمات المعرفية التي يتم بناء المنهج فيها، من غير المشتركين في عملية التطوير. ٦- على الذين يقومون بعملية التقويم والمراجعة أن يكونوا مسئولين عن تحديد أوجه القصور في العملية, واقتراح الحلول لها. ٧- إن تحليل خطة مشروع التطوير, ومراجعة أوجه القصور فيها, واقتراح الحلول لها، يجب أن يكون معدا في صورة تقرير مكتوب للعرض على لجان المناقشة. وأخيرا فإن الذين يقومون بعمل إجراءات البناء, والتكوين للخبرات والأنشطة والمواد التعليمية، يجب أن يكونوا خبراء على مستوى عال في التخصص في التنظيم أو التنظيمات المعرفية التي توضع لها المناهج الجديدة، وأن يقوم بالمراجعة ممثلون عن المدرسين والتلاميذ وخبراء المناهج وعلماء النفس والمتخصصون أكاديميا في التنظيم أو المادة.
следующие страницы →