Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٣٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٣٤ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَتُفْتَحُ (قَالَا: قَالَ رَسُولُ ﷺ : صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ) : لِأَنَّهَا وُسْطَى بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ، وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّ السُّوقَ كَانَتْ تَقُومُ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَكَانَتْ مَظِنَّةَ الِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْهَا، فَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 1017
٦٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ، قَالَ: (تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٣٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] : أَيْ: صَلَاةَ الْفَجْرِ سُمِّيَتْ قُرْآنًا وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، لِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْهَا كَمَا سُمِّيَتْ رَكْعَةً وَسَجْدَةً وَهُوَ فِي آخِرِ دِيوَانِ اللَّيْلِ وَأَوَّلِ دِيوَانِ النَّهَارِ، وَفَائِدَةُ تَسْمِيَتِهِ بِالْقُرْآنِ الْحَثُّ عَلَى طُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] : أَيْ: مَحْضُورًا (قَالَ: (تَشْهَدُهُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ أَيْ: تَحْضُرُهُ (مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : كَانَ مُقْتَضَى دَأْبِهِ أَنْ يَقُولَ -: رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 1018
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٣٦ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ ﵄، قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَعْلِيقًا.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٣٦ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ) : أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ) : لِأَنَّهَا وَسَطَ طَرَفَيِ النَّهَارِ (رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ) : أَيْ: وَحْدَهُ (وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمْ) : أَيْ: عَنْ زَيْدٍ وَعَائِشَةَ جَمِيعًا (تَعْلِيقًا) : التَّعْلِيقُ. يُسْتَعْمَلُ فِيمَا حُذِفَ مِنْ مَبْدَأِ إِسْنَادِهِ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ، كَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفِ كُلِّ إِسْنَادٍ كَقَالَ ﵊ كَذَا.
стр. 1019
٦٣٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا. فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وَقَالَ إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٦٣٧ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ: أَيْ: فِي شِدَّةِ الْحَرِّ عَقِبَ الزَّوَالِ (وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ) : أَيْ: أَشَقَّ وَأَصْعَبَ (عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا) : وَلِذَا كَانُوا يَسْجُدُونَ عَلَى ثِيَابِهِمْ فِيهَا مَعَ أَنَّ عَادَتَهُمُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ رِعَايَةً لِلْأَفْضَلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّذَلُّلِ فِي الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ فَتَنَزَّلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُضَيِّعُوهَا لِثِقَلِهَا عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهَا الْوُسْطَى أَيِ الْفُضْلَى اهـ. إِذِ الْأَوْسَطُ الْأَفْضَلُ، وَوَاسِطَةُ الْعَقْدِ أَشْرَفُ مَا فِيهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ وَصُلِّيَتْ، مَعَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَوَاتِ كَانَ لَيْلًا، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا. (وَقَالَ) : أَيِ الرَّاوِي وَهُوَ زَيْدٌ، أَوْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ قَالَهُ السَّيِّدُ (إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ) : أَيْ: إِحْدَاهُمَا نَهَارِيَّةٌ وَأُخْرَى لَيْلِيَّةٌ (وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ) : أَيْ: كَذَلِكَ أَوْ هِيَ وَاقِعَةٌ وَسَطَ النَّهَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ نَشَأَ مِنْ ظَنِّهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الظُّهْرِ، فَلَا يُعَارِضُ نَصَّهُ ﵊ أَنَّهَا الْعَصْرُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1020
٦٣٨ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ. رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ.
ــ
٦٣٨ - (وَعَنْ مَالِكٍ، بَلَغَهُ) : أَيْ: وَصَلَ إِلَيْهِ (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ) : لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَيْنَ صَلَاتَيِ اللَّيْلِ وَصَلَاتَيِ النَّهَارِ، أَوْ لِدُخُولِ وَقْتِهَا، وَالنَّاسُ فِي أَطْيَبِ نَوْمٍ فَخُصَّتْ بِالْمُحَافَظَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَيْضًا اجْتِهَادٌ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّصُّ الْمَذْكُورُ عَنْهُ ﵊، أَوْ قَالَا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ (رَوَاهُ) : أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) : بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْأَلِفِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْحَلُ الْكَلَامَ إِلَى أَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْحَزَازَةِ، فَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ إِلَخْ. ثُمَّ يَقُولَ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَاغًا، فَإِنَّ مَالِكًا لَيْسَ مِنَ الرُّوَاةِ بَلْ مِنَ الْمُخَرِّجِينَ.
стр. 1021
٦٣٩ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقًا) .
ــ
٦٣٩ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ تَعْلِيقًا) .
стр. 1022
٦٤٠ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٦٤٠ - (وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ غَدَا) : أَيْ: ذَهَبَ فِي الْغُدْوَةِ (إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الْإِيمَانِ) : أَيْ: بِعَلَمِهِ وَلِوَائِهِ وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَمْثِيلٌ لِبَيَانِ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ أَصْبَحَ يَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ يَرْفَعُ أَعْلَامَ الْإِيمَانِ، وَيُظْهِرُ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ، وَيُوهِنُ أَمْرَ الْمُخَالِفِينَ، وَفِي ذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ: (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) . وَمَنْ أَصْبَحَ يَغْدُو إِلَى السُّوقِ فَهُوَ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ يَرْفَعُ أَعْلَامَهُ وَيُشِيدُ مِنْ شَوْكَتِهِ، وَهُوَ فِي تَوْهِينِ دِينِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: غَدَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّبْكِيرَ إِلَى السُّوقِ مَحْظُورٌ، فَمَنْ رَاجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ وَظَائِفِ طَاعَتِهِ لِطَلَبِ الْحَلَالِ، وَمَا يَتَقَوَّمُ بِهِ طَلَبُهُ لِلْعِبَادَةِ، وَيَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤَالِ كَانَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ تَعَالَى (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 1023
[بَابُ الْأَذَانِ]
стр. 1024
(٤) بَابُ الْأَذَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٤١ - «عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُهُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ــ
[٤] بَابُ الْأَذَانِ
أَيْ: مَشْرُوعِيَّتِهِ كَيْفِيَّةً وَكَمِّيَّةً، وَالْأَذَانُ هُوَ الْإِعْلَامُ، أَمَّا الْأَذَانُ الْمُتَعَارَفُ مِنَ التَّأْذِينِ كَالسَّلَامِ
كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَشَرْعًا قَوْلٌ مَخْصُوصٌ يُعْلَمُ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَخَرَجَ بِهَا الْأَذَانُ الَّذِي يُسَنُّ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُمْنَى، وَالْإِقَامَةِ فِي الْيُسْرَى، وَيُسَنُّ أَيْضًا عَنِ الْهَمِّ وَسُوءِ الْخُلُقِ لِخَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ، «عَنْ عَلِيٍّ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ حَزِينًا فَقَالَ: (يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ إِنِّي أَرَاكَ حَزِينًا فَمُرْ بَعْضَ أَهْلِكَ يُؤَذِّنْ فِي أُذُنِكَ، فَإِنَّهُ دَرَأُ الْهَمِّ) قَالَ: فَجَرَّبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ كَذَلِكَ» . وَقَالَ: كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ إِلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ جَرَّبَهُ، فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ. وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ فَأَذِّنُوا فِي أُذُنِهِ» ) اهـ. وَالْأَذَانُ: سُنَّةُ الْفَرَائِضِ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا وَاحِدٌ لَضَرَبْتُهُ وَحَبَسْتُهُ) ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ قَالَ أَيْضًا: لَوْ تَرَكَ أَهْلُ بَلْدَةٍ سُنَّةً لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا وَاحِدٌ لَضَرَبْتُهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٤١ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا) : أَيِ: الصَّحَابَةُ لِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ (النَّارَ وَالنَّاقُوسَ) : أَيْ: ذَكَرَ جَمْعٌ مِنْهُمْ إِيقَادَ النَّارِ وَجَمْعٌ ضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَهُوَ خَشَبَةٌ طَوِيلَةٌ يَضْرِبُهَا النَّصَارَى بِأُخْرَى أَقْصَرَ مِنْهَا لِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ (فَذَكَرُوا) : أَيِ: الصَّحَابَةُ (الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) : أَيِ: التَّشَبُّهَ بِهِمَا. قِيلَ: أَيْ ذَكَرُوا أَنَّ النَّارَ وَالنَّاقُوسَ لَهُمَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَنْفُخُونَ فِي قَرْنٍ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَذَانِ، وَلَمْ تُذْكَرِ النَّارُ إِلَّا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، فَلَعَلَّهُمْ صَنَعُوا الْأَمْرَيْنِ، أَوْ كَانُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ يُوقِدُ النَّارَ، وَفَرِيقٌ يَنْفُخُ فِي الْقَرْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْوَصْفِ، وَالْفَاءُ فِي الثَّانِي السَّبَبِيَّةُ يَعْنِي: وَصَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِعْلَامِ النَّاسِ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِيقَادَ النَّارِ لِظُهُورِهَا، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ لِصَوْتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِذِكْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قَالَ الْقَاضِي: لَمَّا قَدِمَ ﵇ الْمَدِينَةَ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَمًا لِلْوَقْتِ، فَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، وَذَكَرَ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَنَّ النَّارَ شِعَارُ الْيَهُودِ، وَالنَّاقُوسَ مِنْ شِعَارِ النَّصَارَى، فَلَوِ اتَّخَذْنَا أَحَدَهُمَا الْتَبَسَتْ أَوْقَاتُنَا بِأَوْقَاتِهِمْ فَتَفَرَّقُوا مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ عَلَى شَيْءٍ فَاهْتَمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَامَ فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ قَائِلًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَخْ: فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ﵊ فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا حَقٌّ قُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَذِّنَا، فَإِنَّهُ أَنْدَى أَيْ أَرْفَعُ صَوْتًا مِنْكَ) فَلَمَّا أَذَّنَا وَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا قَالَ: قَالَ ﵊ (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) . رُوِيَ أَنَّهُ رَأَى الْأَذَنَ فِي الْمَنَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَأُمِرَ بِلَالٌ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَمَرَهُ ﵇ أَيْ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ: أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِأَلْفَاظِهِ شَفْعًا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يَقُولَ كُلَّ كَلِمَةٍ مَرَّتَيْنِ سِوَى آخِرِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ) : أَيْ: وَيَقُولَ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ مَرَّةً مَرَّةً سِوَى التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ فُرَادَى وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ اهـ.
وَسَيَأْتِي دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) : أَيِ: ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَهُ مِيرَكُ (فَذَكَرْتُهُ) : أَيِ: الْحَدِيثَ (لِأَيُّوبَ) : هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ، وَفِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ رَأَى أَنَسًا (فَقَالَ) : أَيْ: أَيُّوبُ (إِلَّا الْإِقَامَةَ) : أَيْ إِلَّا لَفْظَةَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّ بِلَالًا يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1025
٦٤٢ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁، قَالَ: «أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ. فَقَالَ: " قُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ تَعُودَ فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٤٢ - (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ) : اسْمُهُ: سَمُرَةُ أَوْ سَلَمَةُ بْنُ مُغِيرَةَ قَالَهُ مِيرَكُ (قَالَ: أَلْقَى) : أَيْ: أَمْلَى (عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَقَّنَنِي كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي أَبُو مَحْذُورٍ تَصْوِيرَ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلِهَذَا عَدَلَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ تَعُودُ فَتَقُولُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الْأَمْرِ إِلَى الْمُضَارِعِ لِقَوْلِهِ (فَقَالَ: (قُلْ) : وَبَيَانُهُ أَنَّ (ثُمَّ تَعُودُ) عَطْفٌ عَلَى (قُلْ) لَا عَلَى (أَلْقَى) فَتَأَمَّلْ (اللَّهُ أَكْبَرْ) : بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَتُرْفَعُ ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْغَرِيبَيْنِ: أَنَّ الرَّاءَ فِي أَكْبَرَ سَاكِنَةٌ فِي الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ كَذَا سُمِعَ مَوْقُوفًا غَيْرَ مُعْرَبٍ فِي مَقَاطِعِهِ كَقَوْلِهِمْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُسَنُّ لِلْمُؤَذِّنِ الْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَكَذَا مَا بَعْدَ مَا لِأَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا وَإِنْ وُصِلَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ ضَمُّ الرَّاءِ وَاخْتَارَ الْمُبَرِّدُ فَتْحَهَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْفَتْحَ أَخَفُّ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ تَفْخِيمَ لَامِ الْجَلَالَةِ كَمَا حَقَّقَ فِي: (الم اللَّهُ) وَإِلَّا فَالْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّ السَّاكِنَ إِذَا حُرِّكَ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ كَمَا فِي لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ وَ (قُلِ اللَّهُمَّ) (اللَّهُ أَكْبَرُ) : أَيْ: أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَوْ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَوْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي الْغَرِيبَيْنِ قِيلَ: مَعْنَاهُ اللَّهُ كَبِيرٌ، وَبَيَّنَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ أَفْعَلَ قَدْ يُقْطَعُ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ قَصْدًا إِلَى نَفْسِ الزِّيَادَةِ وَإِفَادَةِ الْمُبَالِغَةِ وَنَظِيرُهُ: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ أَيْ: تُوجَدُ حَقِيقَتُهُمَا فِيهِ، وَإِفَادَةُ الْمُبَالِغَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَوْصُوفَ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَانْتَهَى أَمْرُهُ فِيهِ إِلَى أَنْ لَا يَتَصَوَّرَ لَهُ مَنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ أَوْصَافِ الْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - نَحْوَ: أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ أَفْعَلَ وَفَعِيلًا صِفَاتِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِأَكْبَرَ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ فِي صِفَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الْمُشَارَكَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيهِ أَحَدٌ فِي أَصْلِ الْكِبْرِيَاءِ، فَكَانَ أَفْعَلُ بِمَعْنَى فَعِيلٍ، لَكِنْ فِي الْمَغْرِبِ: اللَّهُ أَكْبَرُ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَفْسِيرُهُمْ إِيَّاهُ بِالْكَبِيرِ ضَعِيفٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ كَوْنِ كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ وَاحِدًا فِي صِفَاتِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَبِيرِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ الْكِبْرِيَاءَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا سِوَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَيْسَ بِكَبِيرٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ بِأَكْبَرَ فَتَدَبَّرْ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَكْبَرَ أَظْهَرَ لَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهُمْ فِي التَّحْرِيمَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ) : أَيْ: أَكْبَرُ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، وَابْتُدِئَ بِهِ، لِأَنَّ فِي لَفْظَةِ اللَّهِ أَكْبَرَ مَعَ اخْتِصَارِهَا إِثْبَاتَ الذَّاتِ وَسَائِرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ، وَلِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ مَقَامٍ عَالٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْأَذَانَ يَكُونُ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَكْرِيرِهِ أَرْبَعًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ جَارٍ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَسَارٍ فِي تَطْهِيرِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ النَّاشِئَةِ عَنْ طَبَائِعِهَا الْأَرْبَعِ، (أَشْهَدُ) : أَيْ: أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ (أَنْ لَا إِلَهَ) : أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ (إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ تَعُودُ) : أَيْ: تَرْجِعُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ (فَتَقُولُ) : بِالْخِطَابِ فِيهِمَا وَهُمَا فِعْلَانِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْجِيعِ وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْخَفْضِ بِهِمَا، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ يَعْنِي فَإِنَّهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَعْلِيمًا فَظُنَّ تَرْجِيعًا أَيْ: قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّرْجِيعَ مُؤَوَّلًا عَلَى أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَمُ الْإِيمَانِ وَمَنَارُ التَّوْحِيدِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) : حَيَّ: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَفُتِحَتْ يَاؤُهُ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَلُمُّوا إِلَيْهَا وَأَقْبِلُوا عَلَيْهَا، وَتَعَالَوْا مُسْرِعِينَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّعَلَا لِعُمَرَ أَيِ: ابْدَأْ بِهِ وَاعْجَلْ بِذِكْرِهِ، وَهُمَا كَلِمَتَانِ جُعِلَتَا كَلِمَةً وَاحِدَةً. أَقُولُ: لَمَّا قِيلَ حَيَّ أَيْ أَقْبِلْ قِيلَ لَهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ أُجِيبَ: عَلَى الصَّلَاةِ. ذَكَرَ نَحْوَهُ الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
стр. 1026
(حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) : أَيِ: الْخَلَاصُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَالظَّفَرُ بِكُلِّ مُرَادٍ. وَقِيلَ: الْفَلَاحُ الْبَقَاءُ أَيْ أَسْرِعُوا إِلَى مَا هُوَ سَبَبُ الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ وَالظَّفَرِ بِالثَّوَابِ وَالْبَقَاءِ فِي دَارِ الْمَآبِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِالْجَمَاعَةِ (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ) : كَرَّرَهُ بِمَا خَتَمَ بِهِ اقْتِصَارًا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : خَتَمَ بِهِ إِشَارَةً إِلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ اخْتِصَارًا، وَلِيُوَافِقَ النِّهَايَةَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَالْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ قَالَهُ مِيرَكُ.
اعْلَمْ أَنَّهُ فِي مَتْنِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذَانَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ، أَيْ بِالْغِيبَةِ فِيهِمَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّتَيْنِ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ. حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ. زَادَ إِسْحَاقُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ فِي أَوَّلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعًا، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْفَارِسِيِّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَبِالتَّرْبِيعِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَبِالتَّثْنِيَةِ قَالَ مَالِكٌ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِالسُّنَنِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَبِأَنَّ التَّرْبِيعَ عَمَلُ أَهْلِ مَكَّةَ وَهِيَ مَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَوَاسِمِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ يَقُولُ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَخْ. وَلَمْ يَذْكُرْ تَرْجِيعًا فَتَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا، وَيَبْقَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ سَلِمَا مِنَ الْمُعَارِضِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ فِي حَدِيثٍ لَا يُعَدُّ مُعَارِضًا لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، نَعَمْ لَوْ صَرَّحَ بِالنَّفْيِ كَانَ مُعَارِضًا، مَعَ أَنَّ الْمُثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَكَأَنَّهُ ﵀ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ النَّقْلَةَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ تَعَارُضًا، وَلِذَا قَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ زَيْدٍ سَلِمَا مِنَ الْمُعَارَضَةِ، وَإِلَّا فَهُمَا لَا يَخْلُوَانِ مِنَ الْمُعَارِضِ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: التَّرْجِيعُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَذَا الْحَدِيثُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنْ لَا تَرْجِيعَ فِي أَذَانِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَا، وَأَوَّلْنَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ تَعْلِيمَهُ ﵇ أَبَا مَحْذُورَةَ الْأَذَانَ كَانَ عُقَيْبَ إِسْلَامِهِ، فَأَعَادَ ﵇ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَكَرَّرَهَا، لِتَثْبُتَ فِي قَلْبِهِ، فَظَنَّ أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّهُ مِنَ الْأَذَانِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْوِيلَ أَوْلَى مِنَ التَّسَاقُطِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ سَابِقًا عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1027
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٤٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٤٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْأَذَانُ) : أَيْ: أَلْفَاظُهُ مِنَ الْجُمَلِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ: فِي عَهْدِهِ عُدِّيَ بِعَلَى لِمَعْنَى الظُّهُورِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) : خُصَّ التَّكْبِيرُ عَنِ التَّكْرِيرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ، فَإِنَّهُ أَرْبَعُ خِلَافًا لِمَالِكٍ لِمَا تَقَدَّمَ، وَخُصَّ التَّهْلِيلُ عَنْهُ فِي آخِرِهِ عِنْدَ الْكُلِّ فَإِنَّهُ وَتْرٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ التَّرْجِيعِ (وَالْإِقَامَةُ) : أَيْ: كَلِمَاتُهَا الْمُفِيدَةُ (مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ) : أَيِ: الْمُؤَذِّنَ (كَانَ يَقُولُ) : أَيْ: فِي الْإِقَامَةِ (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) : أَيْ: مَرَّتَيْنِ، وَالْمَعْنَى قَارَبَتْ قِيَامَهَا، وَفِي النِّهَايَةِ: قَامَ أَهْلُهَا أَوْ حَانَ قِيَامُ أَهْلِهَا، وَقِيلَ عُبِّرَ بِالْمَاضِي إِعْلَامًا بِأَنَّ فِعْلَهَا الْقَرِيبَ الْوُقُوعِ كَالْمُحَقَّقِ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ وَيُبَادِرَ إِلَيْهِ، وَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ التَّكْبِيرِ أَيْضًا أَوَّلًا وَآخِرًا، فَإِنَّهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَالِحٌ عِنْدَهُ قَالَهُ مِيرَكُ. (وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 1028
٦٤٤ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٦٤٤ - (وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ أَيْ: مَعَ التَّرْجِيعِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ (كَلِمَةً) : الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ (وَالْإِقَامَةَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَانِ أَيْ: وَعَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ (سَبْعَ عَشْرَةَ) : بِالْوَجْهَيْنِ (كَلِمَةً) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيعَ فِيهَا فَانْحَذَفَ عَنْهَا كَلِمَتَانِ، وَزِيدَتِ الْإِقَامَةُ شَفْعًا تَفْصِيلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثٌ مِنْهَا تَوْكِيدٌ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَرَّتَانِ. الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ، وَكَذَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتَانِ. وَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَانِ. وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَانِ. وَقَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَانِ. وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَلِمَتَانِ. وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالْإِقَامَةُ عِنْدَ مَالِكٍ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً، لِأَنَّهُ يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَّا كَلِمَةَ التَّكْبِيرِ، وَالْإِقَامَةَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 1029
٦٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ، قَالَ: فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ. قَالَ: (تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ. ثُمَّ تَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٦٤٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: أَبِي مَحْذُورَةَ (قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ) : أَيْ: طَرِيقَتَهُ فِي الشَّرْعِ (قَالَ) : أَيِ الرَّاوِي (فَمَسَحَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (مُقَدَّمَ رَأْسِهِ) : أَيْ: رَأَسَهُ ﵇. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ عَلَى الرَّأْسِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، إِذْ فِي الْعَادَةِ يُقَالُ: عَلَى الرَّأْسِ لَا أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الرَّأْسِ، وَأَيْضًا هَذَا يَصْدُرُ مِنَ الْأَصَاغِرِ لِلْأَكَابِرِ دُونَ الْعَكْسِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِعْلُ اتِّفَاقٍ ذَكَرَهُ الرَّاوِي اسْتِحْضَارًا لِلْقَضِيَّةِ بِكَمَالِهَا، أَوْ رَأْسُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَمَسَحَ رَأْسِيَ، لِيَحْصُلَ لَهُ بَرَكَةُ يَدِهِ الْمُوصَلَةِ إِلَى الدِّمَاغِ وَغَيْرِهِ، فَيَحْفَظُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ، وَيُمْلَى عَلَيْهِ (قَالَ: (تَقُولَ ") : بِتَقْدِيرٍ أَنْ؛ أَيِ الْأَذَانَ قَوْلَكَ، وَقِيلَ: أُطْلِقَ الْفِعْلُ، وَأُرِيدَ بِهِ الْحَدَثُ عَلَى مَجَازِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، أَوْ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَيْ قُلْ: " (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ ") : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ " (ثُمَّ تَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ ") : هَذَا بِظَاهِرِهِ يُنَافِي التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ أَنْ يُقَالَ بِتَرْجِيحِ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ حَيْثُ لَا تَرْجِيحَ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ وَقَعَ أَوَّلًا، وَسَائِرَ الْأَحَادِيثِ آخِرًا، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ مَنْسُوخًا (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. فَإِنْ كَانَ) : أَيِ: الْوَقْتُ أَوْ مَا يُؤَذَّنُ لَهَا " (صَلَاةَ الصُّبْحِ ") : بِالنَّصْبِ أَيْ وَقْتَهُ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ فَكَانَ تَامَّةٌ (قُلْتَ) : أَيْ: فِي أَذَانِهَا " (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) : أَيْ: لَذَّتُهَا خَيْرٌ مِنْ لَذَّتِهِ عِنْدَ أَرْبَابِ الذَّوْقِ وَأَصْحَابِ الشَّوْقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِنَدْبِ مَا ذُكِرَ فِي الصُّبْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا كَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ اطِّلَاعٍ عَلَى مَذْهَبِهِ. (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ: حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
стр. 1030
٦٤٦ - وَعَنْ بِلَالٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
ــ
٦٤٦ - (وَعَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ) : التَّثْوِيبُ لُغَةً إِعْلَامٌ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أُخْرَى (إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) : فِي الْفَائِقِ: الْأَصْلُ فِي التَّثْوِيبِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ مُسْتَصْرِخًا لَوَّحَ بِثَوْبِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دُعَاءً وَإِنْذَارًا ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى سُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا، وَقِيلَ: هُوَ تَرْدِيدُ الدُّعَاءِ تَفْعِيلٌ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِصَوْتِ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ التَّثْوِيبُ وَزَادَ فِي النِّهَايَةِ: الْمُؤَذِّنُ إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ دَعَاهُمْ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى كَلَامٍ مَعْنَاهُ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: أَوْ يَرْجِعُ النَّاسُ عَنِ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَخَصُّوا بِهِ الْفَجْرَ فَكَرِهُوهُ فِي غَيْرِهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مُؤَذِّنًا يَثُوبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: قُمْ حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ إِنْكَارُهُ بِقَوْلِهِ: أَخْرِجُوا هَذَا الْمُبْتَدِعَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ ﵇ اهـ.
وَاسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ التَّثْوِيبَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ; أَبُو إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) : وَقِيلَ: كَانَ رَافِضِيًّا يَشْتِمُ الصَّحَابَةَ، وَعُثْمَانَ ﵃ تَرَكَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ أَئِمَّتِنَا يُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ فِي الْكَرَاهَةِ، بَلْ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ) .
стр. 1031
٦٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: (إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ مَا بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ
إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ.
ــ
٦٤٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: (إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ) : أَيْ: تَمَهَّلْ، وَافْصِلِ الْكَلِمَاتِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: أَيْ تَأَنَّ وَلَا تَعْجَلْ. يُقَالُ: تَرَسَّلَ فُلَانٌ فِي كَلَامِهِ وَمِشْيَتِهِ إِذَا لَمْ يَعْجَلْ وَهُوَ التَّرْسِيلُ سَوَاءٌ وَفِي الْفَائِقِ: حَقِيقَةُ التَّرَسُّلِ طَلَبُ الرَّسَلِ وَهُوَ الْهَيِّنَةُ وَالسُّكُونُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَأَنَّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِكَلِمَاتٍ مُبِينَةٍ مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ مُجَاوِزٍ لِلْحَدِّ، وَمِنْ ثَمَّ تَأَكَّدَ عَلَى الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يَحْتَرِزُوا مِنْ أَغْلَاطٍ يَقَعُونَ فِيهَا، فَإِنَّ بَعْضَهَا كُفْرٌ لِمَنْ تَعَمَّدَهُ كَمَدِّ هَمْزَةِ أَشْهَدُ، فَيَصِيرُ اسْتِفْهَامًا وَمَدِّ بَاءِ أَكْبَرُ فَيَصِيرُ جَمْعَ كَبْرٍ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَمِنَ الْوَقْفِ عَلَى إِلَهَ وَالِابْتِدَاءِ بِاللَّهِ، وَبَعْضُهَا لَحْنٌ خَفِيٌّ كَتَرْكِ إِدْغَامِ دَالِ مُحَمَّدٍ فِي رَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَمَدِّ أَلِفِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ، وَقَلْبِ الْأَلِفِ هَاءً مِنَ اللَّهِ، وَعَدَمِ النُّطْقِ بِهَاءِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ دُعَاءً إِلَى النَّارِ اهـ.
وَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ مَدُّ هَمْزَةِ أَكْبَرَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ بِاللَّهِ لَيْسَ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ، بَلِ الْوَقْفُ عَلَى إِلَهٍ فَقَطْ فَذِكْرُهُ لَغْوٌ، وَقَوْلُهُ إِدْغَامُ دَالِ مُحَمَّدٍ أَيْ تَنْوِينُ دَالِهِ وَإِلَّا فَإِدْغَامُ دَالِهِ مِنْ أَكْبَرِ اللُّحُونِ، وَإِطْلَاقُ مَدِّ أَلِفِ اللَّهِ وَمَا بَعْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَصْرُهُ وَتَوَسُّطُهُ وَمَدُّهُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ حَالَةَ الْوَقْفِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: قَلْبِ الْأَلِفِ قَلْبَ الْهَمْزَةِ فَفِي عِبَارَتِهِ مُسَامَحَةٌ. (وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ ") : بِضَمِّ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا أَيْ: أَسْرِعَ فِي التَّلَفُّظِ بِهَا وَصِلْ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ دَرْجٍ وَدَمْجٍ، وَلَا تَسْكُتْ بَيْنَهَا (وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ) : أَيْ: زَمَانًا يَسِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ (قَدْرَ مَا يَفْرَغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ) : قِيلَ: كَأَنَّهُ فِي الْعِشَاءِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ (وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ) : بِتَثْلِيثِ الشِّينِ، وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ. كَأَنَّهُ فِي الْمَغْرِبِ لِضِيقِ وَقْتِهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﵇ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي قَدْ بَاشَرَهَا مُرِيدُ الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِصَلَاةٍ دُونَ صَلَاةٍ " (وَالْمُعْتَصِرُ) : أَيْ: وَيَفْرَغُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْغَائِطِ وَيَعْصُرُ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ، كَنَّى بِذَلِكَ حَذَرًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِالتَّصْرِيحِ بِمَا
стр. 1032
يَسْتَوْحِشُ بِذِكْرِهِ صَرِيحًا، وَهُوَ مِنَ الْعَصْرِ أَوِ الْمُعْصِرِ وَهُوَ الْمَلْجَأُ. وَقِيلَ: هُوَ الْحَاقِنُ أَيِ: الَّذِي يُؤْذِيهِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ (إِذَا دَخَلَ) : أَيِ: الْخَلَاءَ (لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ) : يَعْنِي: فَاصْبِرْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَأَنَّهُ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِتَقَارُبِ أَوْقَاتِهَا (وَلَا تَقُومُوا) : أَيْ: لِلصَّلَاةِ إِذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ (حَتَّى تَرَوْنِي) : أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْقِيَامَ قَبْلَ مَجِيءِ الْإِمَامِ تَعَبٌ بِلَا فَائِدَةٍ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَعَلَّهُ ﵇ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْحُجْرَةِ بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ، وَيَدْخُلُ فِي مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلِذَا قَالَ أَئِمَّتُنَا: وَيَقُومُ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ عِنْدَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَشْرَعُ عِنْدَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ ﷺ يَخْرُجُ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُقِيمِ مِنْ إِقَامَتِهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَقُومَ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُقِيمُ مِنْ جَمِيعِ إِقَامَتِهِ اهـ.
وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ رَفْعِهِ إِلَيْهِ ﵇، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُؤَذِّنِينَ أَيْ: لَا تَقُومُوا لِلْإِقَامَةِ حَتَّى تَرَوْنِي أَخْرُجُ مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ) : أَيْ: إِسْنَادُهُ (إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحَّحَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ الْأَمْرَ بِتَرَسُّلِ الْأَذَانِ وَإِدْرَاجِ الْإِقَامَةِ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» .
стр. 1033
٦٤٨ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْ أَذِّنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) فَأَذَّنْتُ. فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٦٤٨ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ) : هُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (الصُّدَائِيِّ) : بِضَمِّ الصَّادِ مَنْسُوبٌ إِلَى صُدَاءَ مَمْدُودًا، وَهُوَ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْ أَذِّنْ) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي أَمَرَ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ (فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ) : وَلَعَلَّهُ كَانَ بِلَالٌ غَائِبًا فَحَضَرَ (فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ) : عَلَى عَادَتِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَخَا صُدَاءَ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) : أَيِ: الْإِقَامَةَ فَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رُبَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ بِلَالٌ، وَرُبَّمَا كَانَ عَكْسَهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَحِقَهُ الْوَحْشَةُ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ لِأَجْلِ الْإِفْرِيقِيِّ، وَحَسَّنَهُ الْحَازِمِيُّ، وَقُوَّاهُ الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ خَبَرِ: «إِنَّ بِلَالًا أَذَّنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرَى الرُّؤْيَا وَيُؤَذِّنُ بِلَالٌ. قَالَ: أَقِمْ أَنْتَ» . لِمَا فِي إِسْنَادِ هَذَا وَمَتْنِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَقْوَمُ إِسْنَادًا مَعَ تَأَخُّرِهِ. وَالْأَخْذُ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ الْحَازِمِيَّ وَغَيْرَهُ حَسَّنُوا إِسْنَادَ خَبَرِ الصُّدَائِيِّ هَذَا.
стр. 1034
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٤٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ لِلصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا بِلَالُ! قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٤٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ) : أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (فَيَتَحَيَّنُونَ) : أَيْ: يُقَدِّرُونَ حِينَ الصَّلَاةِ، وَيُعَيِّنُونَ وَقْتَهَا بِالتَّقْدِيرِ وَالتَّخْمِينِ، لِيَأْتُوا فِيهِ (لِلصَّلَاةِ) : أَيْ: لِتَحْصِيلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ (وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا) : أَيْ: بِالصَّلَاةِ (أَحَدٌ فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ) : أَيْ: فِي إِشْكَالِهِ أَوْ مُعَالَجَتِهِ (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا) : أَيْ:، بَلِ اتَّخِذُوا قَرْنًا (مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ) : وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَالَ: اتَّخِذُوا نَارًا مِثْلَ نَارِ بَعْضِ الْيَهُودِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ) الْوَاوُ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: تَقُولُونَ. بِمُوَافَقَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا تَبْعَثُونَ وَالْهَمْزَةُ لِإِنْكَارِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَمُقَرِّرَةٌ لِلثَّانِيَةِ حَثًّا وَبَعْثًا أَيْ: أَرْسِلُوا (رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) : أَيْ: بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ لِمَا فِي مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُنَادِي بِقَوْلِهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ شَرَعَ الْأَذَانَ» . وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِعْلَامٌ وَإِخْبَارٌ بِحُضُورِ وَقْتِهَا، وَلَيْسَ عَلَى صِفَةِ الْأَذَانِ الشَّرْعِيِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ لِمَا يُؤْذِنُ بِوَجْهِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، فَيَكُونُ الْوَاقِعُ أَوَّلًا الْإِعْلَامَ، ثُمَّ رُؤْيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، فَشَرَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِمَّا بِوَحْيٍ أَوِ اجْتِهَادٍ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ عَلَيْهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَلَيْسَ هُوَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ الْمَنَامِ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِذْ رُؤْيَةُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ بِالِاجْتِهَادِ أَوِ الْوَحْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّازِقِ وَأَبِي دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ بَعْضِ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ: «أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى الْأَذَانَ جَاءَ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَجَدَ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَهُ إِلَّا أَذَانُ بِلَالٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (فَذَلِكَ الْوَحْيُ) » وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا حَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. وَأَجَابَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ حِكْمَةِ تَرَتُّبِ الْأَذَانِ دُونَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَى رُؤْيَا بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهَا رُؤْيَا حَقٍّ بِأَنَّهُ ﷺ أُرِيَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنْ عَلِيٍّ: «لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَلِّمَ رَسُولَهُ الْأَذَانَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْبُرَاقِ، فَلَمَّا اخْتَرَقَ الْحُجُبَ خَرَجَ لَهُ مَلَكٌ، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أَنَا أَكْبَرُ، وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَذَانِ» . قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الْوَحْيِ، فَلَمَّا تَأَخَّرَ الْأَذَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ إِعْلَامَ النَّاسِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، فَلَبِثَ الْوَحْيُ حَتَّى رَأَى عَبْدُ اللَّهِ الرُّؤْيَا، فَوَافَقَتْ مَا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلِذَلِكَ قَالَ: رُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أَرَاهُ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فِي الْأَرْضِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 1035
٦٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ ; لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى. قَالَ: فَقَالَ: تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِلَى آخِرِهِ، وَكَذَا الْإِقَامَةُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ. فَقَالَ: (إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ) . فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُسَمِّعُهُ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ. قَالَ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أَرَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ; إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ قِصَّةَ النَّاقُوسِ.
ــ
٦٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: ابْنِ ثَعْلَبَةَ (ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ) : ﵁، الْأَنْصَارِيِّ، الْخَزْرَجِيِّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَبَدَرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ أَبَوَاهُ صَحَابِيَّيْنِ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ. (قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ) : لَعَلَّ مَعْنَاهُ أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ (يُعْمَلُ) : حَالٌ، وَهُوَ مَجْهُولٌ كَقَوْلِهِ (لِيُضْرَبَ بِهِ) : أَيْ: بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ (لِلنَّاسِ) : أَيْ: لِحُضُورِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ: لِيَضْرِبَ بِهِ النَّاسُ، أَيْ: أَحَدُهُمْ (لِجَمْعِ الصَّلَاةِ) : أَيْ: لِأَدَائِهَا جَمَاعَةً (طَافَ بِي) : جَوَابُ لَمَّا أَيْ مَرَّ بِي (وَأَنَا نَائِمٌ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ طَيْفُ الْخَيَالِ مَجِيئُهُ فِي
стр. 1036
النَّوْمِ يُقَالُ: مِنْهُ طَافَ الْخَيَالُ يَطِيفُ طَيْفًا وَمَطَافًا. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ (رَجُلٌ) : فِي الْحَدِيثِ فَاعِلٌ وَهُوَ الْخَيَالُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: جَاءَ رَجُلٌ فِي عَالَمِ الْخَيَالِ (يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ) : الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرَجُلٍ (فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (قُلْتُ: نَدْعُو) : أَيِ: النَّاسَ (بِهِ) : أَيْ: بِسَبَبِ ضَرْبِهِ وَحُصُولِ الصَّوْتِ بِهِ (إِلَى الصَّلَاةِ) : أَيْ: صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ: (أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى. قَالَ) : أَيِ: الرَّاوِي، وَهُوَ الرَّائِي (فَقَالَ) : أَيِ: الْمَرْئِيُّ (تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ) : أَيْ: إِلَى آخِرِ الْأَذَانِ بِالْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ (وَكَذَا) : أَيْ: وَمِثْلُ الْأَذَانِ (الْإِقَامَةُ) : وَظَاهِرُهُ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا أَيْ: أَعْلَمَهُ إِيَّاهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَيْ بَعْدَمَا عَلَّمَهُ الْأَذَانَ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ تَقُولَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِ الْإِقَامَةِ. (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ) : أَيْ: مِنَ الرُّؤْيَا (فَقَالَ: " إِنَّهَا) : أَيْ: رُؤْيَاكَ (لَرُؤْيَا حَقٍّ) : أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ صَادِقَةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْوَحْيِ، أَوْ مُوَافِقَةٌ لِلِاجْتِهَادِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) : تَعَالَى لِلتَّبَرُّكِ أَوْ لِلتَّعْلِيقِ (فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ، فَأَلْقِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: أَمْلِ (عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَيُؤَذِّنَ (بِهِ) : أَيْ: بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ (فَإِنَّهُ) : أَيْ: بِلَالًا (أَنْدَى) : أَيْ: أَرْفَعُ (صَوْتًا مِنْكَ) : قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ النِّدَاءِ مِنَ النَّدَى أَيِ الرُّطُوبَةِ يُقَالُ: صَوْتٌ نَدِيٌّ أَيْ رَفِيعٌ، وَاسْتِعَارَةُ النِّدَاءِ لِلصَّوْتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَنْ تَكْثُرُ رُطُوبَةُ فَمِهِ حَسُنَ كَلَامُهُ، وَيُعَبَّرُ بِالنَّدَى عَنِ السَّخَاءِ. يُقَالُ: فُلَانٌ أَنْدَى كَفًّا مِنْ فُلَانٍ أَيْ: أَسْخَى اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ يُؤْخَذُ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْمُؤَذِّنِ رَفِيعَ الصَّوْتِ حَسَنَهُ (فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ) : أَيْ: أُلَقِّنُهُ لَهُ (وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ) : أَيْ: بِصَوْتِ الْأَذَانِ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَخَرَجَ) : أَيْ: مُسْرِعًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَعَلَ (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) : أَيْ: وَرَاءَهُ (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أَرَى) : وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ عَنْهُ بَعْدَمَا حَكَى لَهُ بِالرُّؤْيَا السَّابِقَةِ، أَوْ كَانَ مُكَاشَفَةً لَهُ ﵁، وَهَذَا ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلِلَّهِ) : أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ " الْحَمْدُ ": حَيْثُ أَظْهَرَ الْحَقَّ ظُهُورًا، وَازْدَادَ فِي الْبَيَانِ نُورًا. (رَوَاهُ، أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ: ابْنَ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ) : أَيِ: التِّرْمِذِيَّ (لَمْ يُصَرِّحْ قِصَّةَ النَّاقُوسِ) : وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَلَوْ قُلْتَ إِنِّي لَمْ أَكُنْ نَائِمًا لَصَدَقْتَ. رَأَيْتُ شَخْصًا عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ رُؤْيَاهُ كَانَتْ لَيْلَةَ شِتَاءٍ، وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى أَيْضًا - وَفِي وَسِيطِ الْغَزَالِيِّ: رَآهُ بِضْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ، ثُمَّ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ فِي ثَانِي سِنِيِّ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ فِي أَوَّلِهَا، وَالرِّوَايَاتُ الْمُصَرِّحَةُ بِأَنَّهُ شُرِعَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ. وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ «أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ جِبْرِيلُ أَذَّنَهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَسَمِعَهُ بِلَالٌ وَعُمَرُ، فَسَبَقَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ﵇: سَبَقَكَ بِهَا عُمَرُ» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقَظَةً، وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ يَرُدُّ ذَلِكَ.
стр. 1037
٦٥١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٦٥١ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : هُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّقَفِيُّ. (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْوَاوِ (لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: أَعْلَمَهُ بِهَا لَفْظًا، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْأَذَانِ ; لِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا تَعَاطَى النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ بِنَفْسِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ أَبْلَغُ حَثٍّ عَلَى الْأَذَانِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ التَّثْوِيبِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مُنَاسَبَتُهُ لِلْبَابِ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ (أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا كَانَ مَشْغُولًا بِنَوْمٍ وَنَحْوِهُ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى إِيقَاظِ النَّائِمِ وَنَحْوِهُ لِلصَّلَاةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَحْرِيكِهِ بِرِجْلِهِ جَوَازُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَلَا نَظَرٍ إِلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْحَمْقَى وَالْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ تَحْقِيرٌ أَوْ إِهَانَةٌ لِلنَّائِمِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1038
٦٥٢ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا. فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ.
ــ
٦٥٢ - (وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: بَلَغَنِي (أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ) : بِهَمْزَةٍ وَيُبْدَلُ مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: بِالتَّخْفِيفِ أَيْ يُعْلِمُهُ (لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا) : أَيْ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ (فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ: أَيْ: فِي أَذَانِ الصُّبْحِ فَقَطْ، وَلَا يَجْعَلَهَا لِإِيقَاظِ النَّائِمِ فِي غَيْرِ الْأَذَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ هَذَا إِنْشَاءَ أَمْرٍ ابْتَدَعَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ كَانَتْ سُنَّةً سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، كَأَنَّهُ ﵁ أَنْكَرَ عَلَى الْمُؤَذِّنِ اسْتِعْمَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضُرُوبِ الْمُوَافَقَةِ كَمَا مَرَّ آنِفًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ» ) .
قُلْتُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بَعِيدٌ جِدًّا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَجِيءِ الْمُؤَذِّنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ فِي أَيَّامِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الْمُوَافَقَةَ، وَيُبْعِدُ عَدَمَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ سَابِقًا، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَصْلُ التَّثْوِيبِ مُطْلَقًا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، أَوِ الْمَخْصُوصُ بِالصُّبْحِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ مِنَ النَّوْمِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَوْمَ الْقَيْلُولَةِ، أَوِ الْمَخْصُوصُ بِالْخَلِيفَةِ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامِ عَلَى رَأْيِ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ تَحْرِيرُ الْمُوَافِقَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِهِ أَوَّلًا، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَمَرَ بِهِ صَارَ سَبَبًا لِأَمْرِهِ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ السَّابِقُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ اجْتِهَادًا فَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ النَّصَّ عَلَى عَادَتِهِ، كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي ذَاتِ عِرْقٍ وَغَيْرِهَا، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ بَلَغَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ، فَمَا جَمَعَهُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَذَكَّرَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَمَرْدُودَانِ لِلُزُومِ أَنَّهُ كَانَ مَتْرُوكًا مِنَ الْأَذَانِ فِي الْمَدِينَةِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ ﷺ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَعُولُ أَنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ بِلَالٍ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ رَاقِدًا فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَقَالَ ﵊: (مَا أَحْسَنَ هَذَا اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» ) (رَوَاهُ) : أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) : وَقَدْ سَبَقَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنَّفِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 1039
٦٥٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ قَالَ: (إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ) » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
ــ
٦٥٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ) : أَيْ: سَعْدٍ الْقُرَظِيِّ، وَكَانَ مُؤَذِّنَ قُبَاءٍ فِي عَهْدِهِ ﵇، وَخَلِيفَةَ بِلَالٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ عَهْدِهِ (مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ سَعْدٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ (قَالَ) : أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ (حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) : أَيْ: جَدِّ أَبِي (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا، أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ) : أَيْ: أُنْمُلَتَيْ مِسْبَحَتَيْهِ، وَالْأُصْبُعُ مُثَلَّثُ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (فِي أُذُنَيْهِ) : أَيْ: فِي صِمَاخَيْهِمَا (وَقَالَ: " إِنَّهُ ") : أَيْ: جَعْلَهُمَا فِي الْأُذُنَيْنِ (أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ) : أَيْ: مِنْ حَالَةِ عَدَمِ جَعْلِهِمَا فِيهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ أَنَّهُ إِذَا سَدَّ صِمَاخَيْهِ لَا يَسْمَعُ إِلَّا الصَّوْتَ الرَّفِيعَ، فَيَتَحَرَّى فِي اسْتِقْصَائِهِ كَالْأُطْرُوشِ، قِيلَ: وَبِهِ يَسْتَدِلُّ الْأَصَمُّ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُسَنُّ ذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى أَبْلَغِيَّةِ الْإِعْلَامِ لِحُضُورِ السَّامِعِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ قَوْلِهِ ﵇: إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَوْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ وَأَرَادَ إِسْمَاعَهَا فَقَطْ لَمْ يُسَنَّ لَهُ جَعْلُهُمَا فِي أُذُنَيْهِ اهـ. وَهُوَ مُحْتَمَلٌ اهـ. وَأَقْرَبُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ لِأَنَّ الرَّفْعَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ حَدِيثِ: ( «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَنَّ بِلَالًا فَعَلَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 1040
[بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ]
стр. 1041
(٥) بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٥٤ - عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[٥]
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ
عَطْفٌ عَلَى الْأَذَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٥٤ - (عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ " (يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : أَيْ: أَكْثَرُهُمْ أَعْمَالًا يُقَالُ: لِفُلَانٍ عُنُقٌ مِنَ الْخَيْرِ، أَيْ: قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمْ رَجَاءً، لِأَنَّ مَنْ يَرْجُو شَيْئًا طَالَ عُنُقُهُ إِلَيْهِ، فَالنَّاسُ يَكُونُونَ فِي الْكَرْبِ، وَهُمْ فِي الرُّوحِ يَشْرَئِبُّونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ طُولَ الْعُنُقِ يَدُلُّ غَالِبًا عَلَى طُولِ الْقَامَةِ، وَطُولُهَا لَا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ، بَلْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَمَيُّزِهِمْ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَارْتِفَاعِ شَأْنِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: طُولُ الْعُنُقِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّشَوُّقِ وَالْخَجَالَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ التَّقْصِيرِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ لَا يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ يَوْمَ يَبْلُغُ أَفْوَاهَ النَّاسِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَالْوَصْفُ بِطُولِ الْقَامَةِ لَيْسَ لِذَاتِهِ هُنَا أَيْضًا، بَلْ لِلنَّجَاةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ رُؤَسَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ السَّادَةَ بِطُولِ الْعُنُقِ كَمَا قَالَ: الرُّءُوسُ وَالنَّوَاصِي وَالصُّدُورُ، وَقِيلَ: الْأَعْنَاقُ الْجَمَاعَاتُ يُقَالُ: جَاءَ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، أَيْ: جَمَاعَةٌ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ جَمْعَ الْمُؤَذِّنِينَ يَكُونُ أَكْثَرَ، فَإِنَّ مَنْ أَجَابَ دَعْوَتَهُمْ يَكُونُ مَعَهُمْ، فَالطُّولُ مَجَازٌ عَنِ الْكَثْرَةِ ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا تَوَجَّهُوا لِمَقْصَدِهِمْ يَكُونُ لَهُمُ امْتِدَادٌ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: طُولُ الْعُنُقِ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرَحِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، كَمَا أَنَّ خُضُوعَ الْعُنُقِ كِنَايَةٌ عَنِ الْهَمِّ وَالْهَوَانِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَعِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِطُولِ الْأَعْنَاقِ اسْتِقَامَتَهُمْ طُمَأْنِينَةً لِقُلُوبِهِمْ وَإِظْهَارًا لِكَرَامَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ وَاقِفِينَ مَوْقِفَ الْهَوَانِ وَالذِّلَّةِ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ وَلَا نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ كَالْمُجْرِمِينَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَدِّ أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَذَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ: (إِعْنَاقًا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ: إِسْرَاعًا مِنْ أَعْنَقَ إِذَا أَسْرَعَ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: وَقَدْ بَالَغَ مَنْ ضَبَطَ (إِعْنَاقًا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَيْ إِسْرَاعًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَخَالَفَ الرِّوَايَةَ وَحَرَّفَ الْمَعْنَى، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1042
٦٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ
فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ; يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أَيْ: بِالْأَذَانِ (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أَيْ: عَنْ مَوْضِعِ الْأَذَانِ (لَهُ ضُرَاطٌ) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ - كَغُرَابٍ وَهُوَ رِيحٌ مِنْ أَسْفَلِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا لِثِقَلِ الْأَذَانِ عَلَيْهِ، كَمَا لِلْحِمَارِ مِنْ ثِقَلِ الْحِمْلِ (حَتَى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) : تَعْلِيلٌ لِإِدْبَارِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شُبِّهَ شَغْلُ الشَّيْطَانِ نَفْسَهُ، وَإِغْفَالُهُ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأُ السَّمْعَ، وَيَمْنَعُهُ عَنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ اهـ.
стр. 1043
وَقِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ، فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَوْفًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أَوِ الْمُرَادُ اسْتِخْفَافُ اللَّعِينِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَرَطَ بِهِ فُلَانٌ إِذَا اسْتَخَفَّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَإِذَا قَضَى) مَجْهُولٌ، وَقِيلَ: مَعْرُوفٌ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: (حَتَّى إِذَا قَضَى) (حَتَّى) هِيَ وَاللَّتَانِ بَعْدَهَا دَاخِلَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَلَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ - خَطَآنِ ; إِذْ صَوَابُهُ: فَإِذَا قُضِيَ عَلَى مَا فِيهِ النُّسَخُ الْمُصَحَّحَةُ (النِّدَاءَ) أَيْ: فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْهُ (أَقْبَلَ) أَيِ: الشَّيْطَانُ (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) : مِنَ التَّثْوِيبِ ; وَهُوَ الْإِعْلَامُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ (أَدْبَرَ) حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْإِقَامَةَ (حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ، أَقْبَلَ) أَيِ: الشَّيْطَانُ (حَتَّى يَخْطِرَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَتُضَمُّ، وَحَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أَيْ: قَلْبِهِ، وَالْمَعْنَى: حَتَّى يَحُولَ وَيَحْجِزَ بَيْنَهُمَا بِوَسْوَسَةِ الْقَلْبِ، وَحَدِيثِ النَّفْسِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الْأَسَاسِ: خَطَرَ الرَّجُلُ بِرُمْحِهِ إِذَا مَشَى بِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَهُوَ يَخْطُرُ فِي مِشْيَتِهِ يَهْتَزُّ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَخْطُرُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْكَسْرِ يُوَسْوِسُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَهُ، وَبِالضَّمِّ يَدْنُو مِنْهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: وَبِالْكَسْرِ هُوَ الْوَجْهُ وَلَا يُنَافِي إِسْنَادُ الْحَيْلُولَةِ إِلَيْهِ إِسْنَادَهَا إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] لِأَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنْهَا حَتَّى يَتِمَّ ابْتِلَاءُ الْعَبْدِ بِهِ، وَأَيْضًا الْأَوَّلُ أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ مَقَامُ شَرٍّ، وَلِذَا عَبَّرَ عَنْ قَلْبِهِ بِنَفْسِهِ، وَالثَّانِي مَقَامُ الْإِطْلَاقِ كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ: خَالِقُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ أَدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : ( «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ) مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. (يَقُولُ) : بِالرَّفْعِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مَنْ يَخْطُرُ (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) كِنَايَةٌ عَنْ أَشْيَاءَ غَيْرِ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أَيْ: لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنِ الْمُصَلِّي يَذْكُرُهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ ذِكْرِ مَالٍ وَحِسَابِهِ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ (حَتَّى) قَالَ الطِّيبِيُّ: كُرِّرَ (حَتَّى) فِي الْحَدِيثِ خَمْسَ مَرَّاتٍ الْأُولَى وَالْأَخِيرَتَانِ بِمَعْنَى (كَيْ) وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ دَخَلَتَا عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَلَيْسَتَا لِلتَّعْلِيلِ، وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى سَهْوِ ابْنِ حَجَرٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ (يَظَلُّ الرَّجُلُ) بِفَتْحِ الظَّاءِ مِنَ الطُّولِ أَيْ: كَيْ يَصِيرَ مِنَ الْوَسْوَسَةِ بِحَيْثُ (لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أَيْ: يَقَعُ فِي الشَّكِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1044
٦٥٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٥٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ) أَيْ: غَايَتَهُ وَهُوَ صَوْتٌ مُجَرَّدٌ مِنْ غَيْرِ فَهْمِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ (جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ) تَنْكِيرُهُمَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِتَعْمِيمِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ سَبَبُ تَقْدِيمِ الْجِنِّ التَّرَقِّيَ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْءٌ) ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنِّ مَا يَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ، وَقُدِّمَ لِكَثْرَتِهِمْ، أَوْ لِفَضِيلَةِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى أَكْثَرِ الْإِنْسِ (وَلَا شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ النَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ لِلْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ عِلْمًا وَإِدْرَاكًا وَتَسْبِيحًا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَمِنْ حَدِيثِهِ ﵇: ( «يَقُولُ الْجَبَلُ لِلْجَبَلِ: هَلْ مَرَّ عَلَيْكَ أَحَدٌ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَإِذَا قَالَ: نَعَمِ، اسْتَبْشَرَ» ) . قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الذِّئْبِ وَالْبَقْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ. وَيَشْهَدُ لَهُ مُكَاشَفَةُ أَهْلِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْأَسْرَارِ الَّتِي هِيَ كَالْأَنْوَارِ ; فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ ; بِأَنْ يَخْلُقَ تَعَالَى فِيهِمَا فَهْمًا وَسَمْعًا، حَتَّى تَسْمَعَ أَذَانَهُ وَتَعْقِلَهُ (إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بِلِسَانِ الْحَالِ بِفَضْلِهِ وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يَفْضَحُ أَقْوَامًا وَيُهِينُهُمْ بِشَهَادَةِ الْأَلْسِنَةِ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ بِخَسَارِهِمْ وَبَوَارِهِمْ اهـ.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمُعْتَقَدِ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَعْضَاءِ بِلِسَانِ الْمَقَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] سِيَّمَا وَالدَّارُ الْآخِرَةُ مَحَلُّ خَرْقِ الْعَادَاتِ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ ذَهَلَ وَغَفَلَ مِمَا كَرَّرَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَا وَرَدَ عَنِ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صَارِفٌ، وَلَا صَارِفَ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى - فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَنْسَى - وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى رَفْعِ الْمُؤَذِّنِ صَوْتَهُ لِتَكْثُرَ شُهَدَاؤُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وَرَدَ الْبَيَانُ عَلَى الْغَايَةِ مَعَ حُصُولِ الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ: " لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ " تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ آخِرَ مَنْ يَنْتَهِي إِلَيْهِ صَوْتُ الْمُؤَذِّنِ يَشْهَدُ لَهُ الْأَوَّلُونَ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ، وَالْمُرَادُ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدِينَ لَهُ - وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا - اشْتِهَارُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْفَضْلِ وَالْعُلُوِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُهِينُ قَوْمًا وَيَفْضَحُهُمْ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِينَ، فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ قَوْمًا تَكْمِيلًا لِسُرُورِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: غَايَةُ الصَّوْتِ تَكُونُ أَخْفَى فَإِذَا شَهِدَ مَنْ سَمِعَ الْأَخْفَى كَانَ غَيْرُهُ بِالشَّهَادَةِ أَوْلَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1045
٦٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ; فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ ; فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٥٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ) أَيْ: صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ (فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) أَيْ: إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا فِي قَوْلِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ وَبِالْحَقِّ نَطَقْتَ، وَبَرِرْتَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: صِرْتَ ذَا بِرٍّ، أَيْ: خَيْرٍ كَثِيرٍ (ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ) " أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِكُمْ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أَيْ: وَاحِدَةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: أَعْطَاهُ (بِهَا عَشْرًا) أَيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا " بَلْ أَكْثَرُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَمَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْآنَ عَقِبَ الْأَذَانِ مِنَ الْإِعْلَانِ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مِرَارًا أَصْلُهُ سُنَّةٌ، وَالْكَيْفِيَّةُ بِدْعَةٌ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ فِيهِ كَرَاهَةٌ، سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِتَشْوِيشِهِ عَلَى الطَّائِفِينَ
стр. 1046
وَالْمُصَلِّينَ وَالْمُعْتَكِفِينَ (ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ) أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ بِالْهَمْزِ عَلَى النَّقْلِ وَالْحَذْفِ وَالِاسْتِغْنَاءِ، أَوْ مِنْ سَالَ بِالْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ الْهَمْزِ أَوِ الْوَاوِ أَوِ الْيَاءِ (لِيَ الْوَسِيلَةَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةُ مِنَ الْجَنَّةِ بِهَا لِأَنَّ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَائِزًا بِلِقَائِهِ، مَخْصُوصًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الدَّرَجَاتِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ قِيلَ: كَالْوَصْلَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الزُّلْفَى، وَأَمَّا الْوَسِيلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الدُّعَاءِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ﷺ بَعْدُ فَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَشْهَدُ لَهُ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ: " حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي "، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ بَحْثٌ. (فَإِنَّهَا) أَيِ: الْوَسِيلَةَ (مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ") أَيْ: مِنْ مَنَازِلِهَا، وَهِيَ أَعْلَاهَا وَأَغْلَاهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ (لَا تَنْبَغِي) أَيْ: لَا تَتَسَيَّرُ وَلَا تَحْصُلُ وَلَا تَلِيقُ (إِلَّا لِعَبْدٍ) أَيْ: وَاحِدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ (مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) أَيْ: جَمِيعِهِمْ (وَأَرْجُو) : قَالَهُ تَوَاضُعًا ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ الْأَنَامِ، فَلِمَنْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَقَامُ غَيْرَ ذَلِكَ الْهُمَامِ ﵇، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) قِيلَ: هُوَ خَبَرُ كَانَ وُضِعَ مَوْضِعَ إِيَّاهُ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ بَابِ وَضْعِ الضَّمِيرِ مَوْضِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: كَوْنُ ذَلِكَ الْعَبْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَا مُبْتَدَأً لَا تَأْكِيدًا وَهُوَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أَكُونَ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمِيرَ وَحْدَهُ وُضِعَ مَوْضِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ (فَمَنْ سَأَلَ لِيَ) أَيْ: لِأَجْلِي، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ لِي كَمَا فِي رِوَايَةٍ - غَفْلَةٌ عَنْ أَصْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ عَلَى النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (الْوَسِيلَةَ) سَيَأْتِي بَيَانُ كَيْفِيَّةِ سُؤَالِ ذَلِكَ (حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ) : أَيْ: صَارَتْ حَلَالًا لَهُ غَيْرَ حَرَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ وَجَبَتْ، فَعَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: مِنَ الْحُلُولِ بِمَعْنَى النُّزُولِ، يَعْنِي اسْتَحَقَّ أَنْ أَشْفَعَ لَهُ مُجَازَاةً لِدُعَائِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1047
٦٥٨ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ; فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ; قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ; قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ; قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ; قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٦٥٨ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) شَرْطِيَّةٌ جَزَاؤُهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ) عَطْفٌ عَلَى فِعْلِ الشَّرْطِ (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ) وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَرْبَعَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ اثْنَيْنِ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ وَاحِدًا مِنَ الِاثْنَيْنِ فِيمَا بَعْدُ كَمَا قَالَ (ثُمَّ قَالَ) عَطْفٌ عَلَى قَالَ الْأَوَّلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْطُوفَاتُ بِثُمَّ مُقَدَّرَاتٌ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، وَالْفَاءُ فِي فَقَالَ أَيْ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ) أَيْ فَقَالَ أَحَدُكُمْ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ) أَيْ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ: فَقَالَ السَّامِعُ (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ) أَيْ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ) أَيْ: فَقَالَ الْمُجِيبُ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: لَا حِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ عَنْ مَوَانِعِ الطَّاعَةِ وَلَا حَرَكَةَ عَلَى أَدَائِهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى قَالَهُ الْمُظْهِرُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا حِيلَةَ وَلَا خَلَاصَ عَنِ الْمَكْرُوهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْحَالُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَغَيِّرَةِ فِي نَفْسِهِ وَجِسْمِهِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَالْحَوْلُ مَا لَهُ مِنَ الْقُوَّةِ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَمِنْهُ قِيلَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ اهـ.
стр. 1048
وَالْأَحْسَنُ فِي تَفْسِيرِهِ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا: «لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ» " (ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَعَا بِحَيْعَلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَقْبِلْ بِوَجْهِكَ وَشَرَاشِرِكَ عَلَى الْهُدَى عَاجِلًا، وَالْفَلَاحِ آجِلًا، فَأَجَابَ: بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطْبٌ جَسِيمٌ، وَهِيَ الْأَمَانَةُ الْمَعْرُوضَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَحْمِلْنَهَا، فَكَيْفَ أَحْمِلُهَا مَعَ ضَعْفِي وَتَشَتُّتِ أَحْوَالِي ; وَلَكِنْ إِذَا وَفَّقَنِي اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ لَعَلِّي أَقُومُ بِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِالْمِثْلِ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُتَطَهِّرٍ وَمُحْدِثٍ وَجُنُبٍ وَحَائِضٍ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الْإِجَابَةِ، فَمِنْ أَسْبَابِ الْمَنْعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَلَاءِ أَوْ جِمَاعِ أَهْلِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ فَلَا مُوَافَقَةَ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَتَى بِمِثْلِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولُ عِنْدَ سَمَاعِ كُلِّ مُؤَذِّنٍ أَمِ الْأَوَّلِ فَقَطْ ; (ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ) قَيْدٌ لِلْأَخِيرِ أَوْ لِلْكُلِّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الْمَوْعُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ، وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ النَّاجِينَ وَإِلَّا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهَا وَإِنْ سَبَقَهُ عَذَابٌ بِحَسَبِ جُرْمِهِ، إِذَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ إِلَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ بِقَلْبِهِ حَقِيقَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهِ. اهـ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَانِعٌ مِنْ دُخُولِهَا، أَوْ مَعْنَاهُ: اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ أَوْ دَخَلَ مُوجِبَ دُخُولِهَا، وَسَبَبَ وُصُولِهَا وَحُصُولِهَا، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ الْمَعْنَوِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ الشَّهَادَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْمُشَاهَدَةِ الْعُظْمَى، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِي الْجَنَّةِ لِلْعَهْدِ أَيْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ الْمَوْعُودَةَ لِمُجِيبِ الْأَذَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا الْحَوْقَلَةُ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ، فَهُوَ وَإِنْ خَالَفَ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﵇: " فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ "، لَكِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَحَمَلُوا ذَلِكَ الْعَامَّ عَلَى مَا سِوَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَتَعْلِيلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ إِعَادَةَ الْمَوْعُودِ دُعَاءَ الدَّاعِي يُشْبِهُ الِاسْتِهْزَاءَ، كَمَا يُفْهَمُ فِي الشَّاهِدِ بِخِلَافِ مَا سِوَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ يُثَابُ عَلَيْهِ مَنْ قَالَهُ، إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ اعْتِبَارِ الْمُجِيبِ بِهِمَا دَاعِيًا لِنَفْسِهِ مُحَرِّكًا مِنْهَا السَّوَاكِنَ مُخَاطِبًا لَهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ طَلَبًا صَرِيحًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْهُ ﵇: « (إِذَا نَادَى الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ) فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ الْمُنَادِيَ إِذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإِذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْحَقَّةِ الْمُسْتَجَابَةِ الْمُسْتَجَابِ لَهَا، دَعْوَةِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ التَّقْوَى أَحْيِنَا عَلَيْهَا وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا مَحْيَانَا وَمَمَاتَنَا ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي يَعْلَى وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَكِنْ نُظِرَ فِيهِ بِضَعْفِ أَبِي عَائِدٍ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ حَسَنٌ وَلَوْ ضَعُفَ، فَالْمَقَامُ يَكْفِي فِيهِ فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ عُمُومَ الْأَوَّلِ مُعْتَبَرٌ، وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ مَشَايِخِ السُّلُوكِ مَنْ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَيَدْعُو نَفْسَهُ، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ لِيَعْمَلَ بِالْحَدِيثَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنْ لَا يَسْبِقَ الْمُؤَذِّنَ، بَلْ يُعْقِبُ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنْهُ بِجُمْلَةٍ مِنْهُ.
стр. 1049
٦٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ - حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٥٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ» ) أَيِ الْأَذَانَ يَعْنِي وَيُجِيبُهُ ( «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ» ) أَيِ: الْكَامِلَةِ الْفَاضِلَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَصَفَ الدَّعْوَةَ بِالتَّامَّةِ لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ يُدْعَى بِهَا إِلَى عِبَادَتِهِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ، وَمَا وَالَاهَا هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا يَعْرِضُ بِهِ النَّقْصُ وَالْفَسَادُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَصْفٌ بِالتَّمَامِ لِكَوْنِهَا مَحْمِيَّةً عَنِ النَّسْخِ، وَقِيلَ: التَّامَّةُ أَيْ فِي إِلْزَامِ الْحُجَّةِ وَإِيجَابِ الْإِجَابَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ الْأَذَانُ دَعْوَةً لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ ") أَيِ: الدَّائِمَةِ لَا تُغَيِّرُهَا مِلَّةٌ وَلَا تَنْسَخُهَا شَرِيعَةٌ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِقِيَامِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا فَتَكُونُ هِيَ قَائِمَةً (آتِ) " أَيْ: أَعْطِ (" مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ ") أَيِ: الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ وَالْمَرْتَبَةَ الْمَنِيعَةَ (وَالْفَضِيلَةَ) أَيِ: الزِّيَادَةَ الْمُطْلَقَةَ وَالْمَزِيَّةَ الْغَيْرَ الْمُنْتَهِيَةِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ: " وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ " الْمُشْتَهَرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَقَالَ السَّخَاوِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ (وَابْعَثْهُ) أَيْ: أَرْسِلْهُ ; وَأَوْصِلْهُ (مَقَامًا مَحْمُودًا) أَيْ: مَقَامَ الشَّفَاعَةِ (الَّذِي وَعَدْتَهُ) : الْمَوْصُولُ إِمَّا بَدَلٌ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَحَلِّ أَوْ نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي، أَوْ رُفِعَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ هُوَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ النَّكِرَةِ، وَإِنَّمَا نَكْسِرُ الْمَقَامَ لِلتَّفْخِيمِ أَيْ: مَقَامًا يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، مَحْمُودًا يَكِلُّ عَنْ أَوْصَافِهِ أَلْسِنَةُ الْحَامِدِينَ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الْمُرَادُ بِوَعْدِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَقَامًا يَحْمَدُكَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَتُشْرِفُ فِيهِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، تَسْأَلُ فَتُعْطَى وَتَشْفَعُ فَتُشَفَّعُ، لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِكَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ: الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ» "، وَأَمَّا زِيَادَةُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ فَلَا وُجُودَ لَهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ. قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَعَسَى فِي الْآيَةِ لِلتَّحْقِيقِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وَتَلَذُّذًا بِحُصُولِ مَرْتَبَتِهِ وَرَجَاءً لِشَفَاعَتِهِ. (حَلَّتْ) أَيْ: وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ لَهُ (شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَالْأَرْبَعَةُ. قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1050
٦٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ ; فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَلَى الْفِطْرَةِ) .
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ) . فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزًى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٦٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُغِيرُ) مِنَ الْإِغَارَةِ (إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ) لِيَعْلَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ أَوْ كُفَّارٌ، وَفِيهِ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣] صِيغَةُ الْمُضَارَعَةِ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ أَيْ: كَانَ عَادَتَهُ وَدَأْبَهُ، وَالْإِغَارَةُ: كَبْسُ الْقَوْمِ عَلَى غَفْلَةٍ وَهِيَ بِاللَّيْلِ أَوْلَى، وَلَعَلَّ تَأْخِيرَهَا إِلَى الصُّبْحِ لِاسْتِمَاعِ الْأَذَانِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِيهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الِاسْتِمْرَارُ مُسْتَفَادٌ مِنْ كَانَ، لَا مِنَ الْمُضَارَعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ) أَيْ: يَطْلُبُ سَمَاعَهُ لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ بِهِ (فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا) وَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ وَكَوْنِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الدِّينَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَهْلِهِ (أَمْسَكَ) أَيْ: عَنِ الْإِغَارَةِ وَتَرَكَهَا (وَلَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الْأَذَانَ (أَغَارَ) مِنَ الْإِغَارَةِ، وَهُوَ النَّهْبُ. قِيلَ: اسْتِمَاعُهُ ﵇ لِلْأَذَانِ وَانْتِظَارُهُ إِيَّاهُ كَانَ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ فَيُغِيرَ عَلَيْهِ غَافِلًا عَنْ حَالِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مُقَاتَلَةِ الْكُفَّارِ، وَالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَالْإِنْذَارِ، إِلَّا أَنَّ الدَّعْوَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ مُقَاتَلَتِهِمْ قَبْلَهَا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَسَمِعَ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ: لَمَّا كَانَ عَادَتُهُ ذَلِكَ اسْتَمَعَ فَسَمِعَ ( «رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَلَى الْفِطْرَةِ» ) أَيْ: أَنْتَ أَوْ هُوَ عَلَى الدِّينِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ الْأَذَانَ لَا يَكُونُ
стр. 1051
إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَرَجْتَ) أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ (مِنَ النَّارِ) عُنِيَ بِسَبَبِ أَنَّكَ تَرَكْتَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَعَدَمِ تَصَرُّفِ الْوَالِدَيْنِ فِيهِ بِالشِّرْكِ، وَأَمَّا خَرَجْتَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفَاؤُلًا وَأَنْ يَكُونَ قَطْعًا ; لِأَنَّ كَلَامَهُ ﵇ حَقٌّ وَصِدْقٌ فَنَظَرُوا أَيِ: الصَّحَابَةُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ (فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْمُؤَذِّنُ (رَاعِي مِعْزًى) بِكَسْرِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْمَعِزِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَوَاحِدُ الْمِعْزَى مَاعِزٌ وَهُوَ خِلَافُ الضَّأْنِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ، وَقِيلَ بِتَرْكِهِ، وَقِيلَ كَلٌّ يُنَوِّنُونَهَا فِي النَّكِرَةِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: مِعْزًى مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ. وَقِيلَ: الْأَلِفُ الْمَحْذُوفُ لِلْإِلْحَاقِ لَا لِلتَّأْنِيثِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ السَّيِّدُ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: " إِلَّا أَغَارَ ".
стр. 1052
٦٦١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٦١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ» ) أَيْ صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ أَوْ قَوْلَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ حِينَ يَسْمَعُ تَشَهُّدَهُ الْأَوَّلَ أَوِ الْأَخِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ آخِرَ الْأَذَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَسْمَعُ: يُجِيبُ، فَيَكُونَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِجَابَةِ بِكَمَالِهَا مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ كَهَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ رُبَّمَا يَفُوتُهُ الْإِجَابَةُ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ الْآتِيَةِ. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا بِوَحْدَانِيَّتِهِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) قَدَّمَهُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَتَوَاضُعًا لِحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ (وَرَسُولُهُ) أَظْهَرَهُ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ، وَفِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِمَا لِلِاخْتِصَاصِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْفَرْدُ الْكَامِلُ الْمَوْصُوفُ بِهِمَا (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا) تَمْيِيزٌ أَيْ: بِرُبُوبِيَّتِهِ وَبِجَمِيعِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ حَالٌ أَيْ مُرَبِّيًا وَمَالِكًا وَسَيِّدًا وَمُصْلِحًا (وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) " أَيْ: بِجَمِيعِ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَبَلَّغَهُ إِلَيْنَا مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا (وَبِالْإِسْلَامِ) أَيْ: بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (دِينًا) أَيِ: اعْتِقَادًا أَوِ انْقِيَادًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا سَبَبُ شَهَادَتِكَ ; فَقَالَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ تَقَدُّمِ وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَتَأْخِيرِ وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا فَمُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَصْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ إِلَى مُطَابَقَةٍ لِلدِّرَايَةِ أَيْضًا فَإِنَّ حُصُولَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّهَادَتَيْنِ (غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا وَأَنْ يَكُونَ دُعَاءً قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَالْأَرْبَعَةُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَقْرِيرُ الذَّهَبِيِّ لَهُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِهِ قَالَهُ مِيرَكُ.
وَأَقُولُ: لَعَلَّ إِخْرَاجَ الْحَاكِمِ لَهُ بِغَيْرِ السَّنَدِ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ لِيُعْلَمَ مَا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: ( «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا، وَالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَالْكَعْبَةِ قِبْلَةً. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ شَهَادَتِي هَذِهِ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَشْهِدْ عَلَيْهَا مَلَائِكَتَكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَاءَكَ الْمُرْسَلِينَ، وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَاخْتِمْ عَلَيْهَا بِآمِينَ، وَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوفِنِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ - نُدِرَتْ إِلَيْهِ بِطَاقَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهَا أَمَانَةٌ مِنَ النَّارِ» ) .
стр. 1053
٦٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ (لِمَنْ شَاءَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٦٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ» ) أَيْ: أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فِيهِ تَغْلِيبٌ، أَوِ الْمَعْنَى بَيْنَ إِعْلَامَيْنِ (صَلَاةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: غَلَّبَ الْأَذَانَ عَلَى الْإِقَامَةِ وَسَمَّاهَا بِاسْمِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَمْلُ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ شَائِعٌ كَمَا قَالُوا: سِيرَةُ الْعُمَرَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ حَقِيقَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأَذَانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَالْأَذَانُ إِعْلَامٌ بِحُضُورِ الْوَقْتِ، وَالْإِقَامَةُ إِعْلَامٌ بِحُضُورِ فِعْلِ الصَّلَاةِ ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كُرِّرَ تَأْكِيدًا لِلْحَثِّ عَلَى النَّوَافِلِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا حَرَّضَ ﵇ أُمَّتَهُ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَهُمَا ; لِشَرَفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ أَكْثَرَ. قُلْتُ: وَلِلْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْلِصِ وَالْمُنَافِقِ، وَلِيَتَهَيَّأَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُصَلَّى بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ النَّفْلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ; لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ خَلَا صَلَاةِ الْمَغْرِبِ» ) كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا (ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ) لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمُؤَذِّنِ بَلْ عَامٌّ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، غَيْرُ وَاجِبَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْأَرْبَعَةُ. قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1054
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٦٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ ; اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ "
ــ
الْفَصْل ُ الثَّانِي
٦٦٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» ) أَيْ: مُتَكَفِّلٌ لِصَلَاةِ الْمُؤْتَمِّينَ بِالْإِتْمَامِ، وَمُتَحَمِّلٌ عَنْهُمُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ إِذَا أَدْرَكُوا رَاكِعِينَ، فَالضَّمَانُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَرَامَةِ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَمَانُهُمْ إِمَّا لِنَحْوِ الْإِسْرَارِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا، أَوْ لِلدُّعَاءِ ; بِأَنْ يَعُمُّوا بِهِ وَلَا يَخُصُّوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا فِيمَا وَرَدَ ; كَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ لِتَحَمُّلِهُمْ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَسْبُوقِ وَالسَّهْوِ عَنِ السَّاهِي، أَوْ بِسُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَقْوَالٌ. (وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ) قَالَ الْقَاضِي: الْإِمَامُ مُتَكَفِّلٌ أُمُورَ صَلَاةِ الْجَمْعِ، يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ إِمَّا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَوْ إِذَا كَانُوا مَسْبُوقِينَ وَيَحْفَظُ عَلَيْهِمُ الْأَرْكَانَ وَالسُّنَنَ وَأَعْدَادَ الرَّكَعَاتِ، وَيَتَوَلَّى السِّفَارَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ إِذْ بِصَلَاحِ صَلَاتِهِ صَلَاحًا لِصَلَاتِهِمْ، وَبِالْعَكْسِ، وَالْمُؤَذِّنُ أَمِينٌ فِي الْأَوْقَاتِ يَعْتَمِدُ النَّاسُ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمُؤَقَّتَةِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُمْ يُرَاعُونَ وَيُحَافِظُونَ مِنَ الْقَوْمِ صَلَاتَهُمْ، لِأَنَّهَا فِي عُهْدَتِهِمْ كَالْمُتَكَلِّفِينَ لَهُمْ صِحَّةَ صَلَاتِهِمْ وَفَسَادَهَا وَكَمَالَهَا وَنُقْصَانَهَا بِحُكْمِ الْمَتْبُوعِيَّةِ وَالتَّابِعِيَّةِ، وَلِهَذَا الضَّمَانِ كَانَ ثَوَابُهُمْ أَوْفَرَ إِذَا رَاعَوْا حَقَّهَا، وَوِزْرُهُمْ أَكْثَرَ إِذَا خَلَوْا بِهَا، أَوِ الْمُرَادُ ضَمَانُ الدُّعَاءِ، وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَرْتَقُونَ فِي أَمْكِنَةٍ عَالِيَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرِفُوا عَلَى بُيُوتِ النَّاسِ لِكَوْنِهِمْ أُمَنَاءَ. ( «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ: ( «أَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: دُعَاءٌ أَخْرَجَهُ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ مُبَالَغَةً، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي ثِقَةً بِالِاسْتِجَابَةِ كَأَنَّهُ اسْتُجِيبَ فِيهِ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، وَالْمَعْنَى أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ لِلْعِلْمِ بِمَا تَكَفَّلُوهُ وَالْقِيَامِ بِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ مَا عَسَى يَكُونُ لَهُمْ تَفْرِيطٌ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمٍ عَلَى الْوَقْتِ، أَوْ تَأْخِيرٍ عَنْهُ سَهْوًا. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: " «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» عَلَى فَضْلِ الْأَذَانِ عَلَى الْإِمَامَةِ، لِأَنَّ حَالَ الْأَمِينِ أَفْضَلُ مِنْ حَالِ الضَّمِينِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَرُدَّ: بِأَنَّ هَذَا الْأَمِينَ يَتَكَفَّلُ الْوَقْتَ فَحَسْبُ، وَهَذَا الضَّامِنَ يَتَكَفَّلُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَيَتَعَهَّدُ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ ; وَكَيْفَ لَا وَالْإِمَامُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُؤَذِّنُ خَلِيفَةُ بِلَالٍ، وَأَيْضًا الْإِرْشَادُ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْغُفْرَانِ
стр. 1055
مَسْبُوقٌ بِالذَّنْبِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَذَكَرُهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، قَالَهُ مِيرَكُ. (وَالتِّرْمِذِيُّ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَصَحُّ. وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا. اهـ. نَقَلَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامَةِ، وَعِبَارَتُهُ: وَأُحِبُّ الْأَذَانَ لِحَدِيثِ: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» " وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ، وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مَعَ ضَعْفِهِ لِأَنَّهُ اعْتَضَدَ بِرِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْعُقَيْلِيُّ، وَإِنْ أَعَلَّهَا ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ، «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ، وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْإِرْشَادِ أَعْلَى مِنَ الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ ; لِأَنَّ الْغُفْرَانَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ، وَالْإِرْشَادَ يَسْتَدْعِي وُصُولَ الْبُغْيَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " إِنَّهُ مَمْنُوعٌ فِيهِمَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ " - مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ خَفِيٍّ، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ جَلِيٌّ، بَلْ إِنَّهُ بَدِيهِيٌّ لَا نَظَرِيٌّ، وَأَغْرَبَ الْمَاوَرْدِيُّ. فِي تَوْجِيهِهِ حَيْثُ قَالَ: دَعَا لِلْإِمَامِ بِالْإِرْشَادِ خَوْفَ تَقْصِيرِهِ، وَلِلْمُؤَذِّنِ بِالْمَغْفِرَةِ لِعِلْمِهِ بِسَلَامَةِ حَالِهِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي فَضِيلَةِ الْأَذَانِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي، وَنَحْوَ خَبَرِ أَحْمَدَ: " «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا لَهُمْ فِي التَّأْذِينِ لَتَضَارَبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ» "، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ خِلَافًا لِمَا وَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا خَبَرُ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ شَاهِينَ: " «إِنَّ خِيَارَكُمْ عِبَادُ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ» "، فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِالْمُؤَذِّنِ عَلَى مَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الْأَذَانَ مَعَ الْخَلِيفِيِّ لَأَذَّنْتُ، فَمُرَادُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ كَمَا ذُكِرَ، بَلْ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْإِمَامِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: ( «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» ) . وَحَدِيثُ النَّسَائِيِّ: ( «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ» ) وَحَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ ( «لِيَؤُمَّكُمْ أَحْسَنُكُمْ وَجْهًا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا» ) . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ ( «يُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» ) فَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ الصُّلَحَاءُ، وَبِالْقُرَّاءِ الْعُلَمَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ أَشَقُّ فَهُوَ أَفْضَلُ مَآبًا وَأَجْزَلُ ثَوَابًا، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ آخَرِينَ حَيْثُ قَالُوا: إِنْ قَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْأَذَانُ أَفْضَلُ، إِذْ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِطْلَاقُ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ حَرَّرَهُ وَقَرَّرَهُ. (وَالشَّافِعِيُّ) وَلَعَلَّ تَأْخِيرَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الْمُخَرِّجِينَ الْمَذْكُورِينَ، مَعَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْهُمْ رِوَايَةً وَدِرَايَةً بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ أَسَانِيدِ كُتُبِهِمْ وَاشْتِهَارِهَا وَقَبُولِ الْعَامَّةِ لَهَا. أَمَا تَرَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا يَتَقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى أُسْتَاذِهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِقُوَّةِ صِحَّةِ كِتَابَيْهِمَا، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُمَا بِالْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِذَتِهِ، أَوْ تَلَامِذَةِ تَلَامِذَتِهِ، لِيُفِيدَ أَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى، وَلِذَا قَالَ: (وَفِي أُخْرَى) أَيْ: رِوَايَةٍ (لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ (بِلَفْظِ: الْمَصَابِيحِ) وَهُوَ: " «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الضُّمَنَاءُ جَمْعُ الضَّمِينِ بِمَعْنَى الضَّامِنِ، وَالْأُمَنَاءُ جَمْعُ أَمِينٍ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ لَفْظَ الْمَصَابِيحِ بِقَوْلِهِ: " وَهُوَ أَرْشَدَ اللَّهُ إِلَخْ " تَقْصِيرٌ مِنْهُ.
следующие страницы →