Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ (ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَرَجْتَ) أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ (مِنَ النَّارِ) عُنِيَ بِسَبَبِ أَنَّكَ تَرَكْتَ الشِّرْكَ بِاللَّهِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَعَدَمِ تَصَرُّفِ الْوَالِدَيْنِ فِيهِ بِالشِّرْكِ، وَأَمَّا خَرَجْتَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفَاؤُلًا وَأَنْ يَكُونَ قَطْعًا ; لِأَنَّ كَلَامَهُ ﵇ حَقٌّ وَصِدْقٌ فَنَظَرُوا أَيِ: الصَّحَابَةُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ (فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْمُؤَذِّنُ (رَاعِي مِعْزًى) بِكَسْرِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْمَعِزِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَوَاحِدُ الْمِعْزَى مَاعِزٌ وَهُوَ خِلَافُ الضَّأْنِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ، وَقِيلَ بِتَرْكِهِ، وَقِيلَ كَلٌّ يُنَوِّنُونَهَا فِي النَّكِرَةِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: مِعْزًى مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ. وَقِيلَ: الْأَلِفُ الْمَحْذُوفُ لِلْإِلْحَاقِ لَا لِلتَّأْنِيثِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ السَّيِّدُ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: " إِلَّا أَغَارَ ".
стр. 1052
٦٦١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٦١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ» ) أَيْ صَوْتَهُ أَوْ أَذَانَهُ أَوْ قَوْلَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ حِينَ يَسْمَعُ تَشَهُّدَهُ الْأَوَّلَ أَوِ الْأَخِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ آخِرَ الْأَذَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَسْمَعُ: يُجِيبُ، فَيَكُونَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِجَابَةِ بِكَمَالِهَا مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ كَهَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ رُبَّمَا يَفُوتُهُ الْإِجَابَةُ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ الْآتِيَةِ. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا بِوَحْدَانِيَّتِهِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) قَدَّمَهُ إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَتَوَاضُعًا لِحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ (وَرَسُولُهُ) أَظْهَرَهُ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ، وَفِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِمَا لِلِاخْتِصَاصِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْفَرْدُ الْكَامِلُ الْمَوْصُوفُ بِهِمَا (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا) تَمْيِيزٌ أَيْ: بِرُبُوبِيَّتِهِ وَبِجَمِيعِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ حَالٌ أَيْ مُرَبِّيًا وَمَالِكًا وَسَيِّدًا وَمُصْلِحًا (وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) " أَيْ: بِجَمِيعِ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَبَلَّغَهُ إِلَيْنَا مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا (وَبِالْإِسْلَامِ) أَيْ: بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (دِينًا) أَيِ: اعْتِقَادًا أَوِ انْقِيَادًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا سَبَبُ شَهَادَتِكَ ; فَقَالَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ تَقَدُّمِ وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَتَأْخِيرِ وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا فَمُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَصْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ إِلَى مُطَابَقَةٍ لِلدِّرَايَةِ أَيْضًا فَإِنَّ حُصُولَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّهَادَتَيْنِ (غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ) أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا وَأَنْ يَكُونَ دُعَاءً قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَالْأَرْبَعَةُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَقْرِيرُ الذَّهَبِيِّ لَهُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِهِ قَالَهُ مِيرَكُ.
وَأَقُولُ: لَعَلَّ إِخْرَاجَ الْحَاكِمِ لَهُ بِغَيْرِ السَّنَدِ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ لِيُعْلَمَ مَا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: ( «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا، وَالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَالْكَعْبَةِ قِبْلَةً. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ شَهَادَتِي هَذِهِ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَشْهِدْ عَلَيْهَا مَلَائِكَتَكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَاءَكَ الْمُرْسَلِينَ، وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَاخْتِمْ عَلَيْهَا بِآمِينَ، وَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوفِنِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ - نُدِرَتْ إِلَيْهِ بِطَاقَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهَا أَمَانَةٌ مِنَ النَّارِ» ) .
стр. 1053
٦٦٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ (لِمَنْ شَاءَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٦٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ» ) أَيْ: أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فِيهِ تَغْلِيبٌ، أَوِ الْمَعْنَى بَيْنَ إِعْلَامَيْنِ (صَلَاةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: غَلَّبَ الْأَذَانَ عَلَى الْإِقَامَةِ وَسَمَّاهَا بِاسْمِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَمْلُ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ شَائِعٌ كَمَا قَالُوا: سِيرَةُ الْعُمَرَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ حَقِيقَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأَذَانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَالْأَذَانُ إِعْلَامٌ بِحُضُورِ الْوَقْتِ، وَالْإِقَامَةُ إِعْلَامٌ بِحُضُورِ فِعْلِ الصَّلَاةِ ( «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كُرِّرَ تَأْكِيدًا لِلْحَثِّ عَلَى النَّوَافِلِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا حَرَّضَ ﵇ أُمَّتَهُ عَلَى صَلَاةِ النَّفْلِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَهُمَا ; لِشَرَفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ أَكْثَرَ. قُلْتُ: وَلِلْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْلِصِ وَالْمُنَافِقِ، وَلِيَتَهَيَّأَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُصَلَّى بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ النَّفْلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ; لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ خَلَا صَلَاةِ الْمَغْرِبِ» ) كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا (ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ) لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمُؤَذِّنِ بَلْ عَامٌّ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، غَيْرُ وَاجِبَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْأَرْبَعَةُ. قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1054
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٦٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ ; اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ "
ــ
الْفَصْل ُ الثَّانِي
٦٦٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» ) أَيْ: مُتَكَفِّلٌ لِصَلَاةِ الْمُؤْتَمِّينَ بِالْإِتْمَامِ، وَمُتَحَمِّلٌ عَنْهُمُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ إِذَا أَدْرَكُوا رَاكِعِينَ، فَالضَّمَانُ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَرَامَةِ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَمَانُهُمْ إِمَّا لِنَحْوِ الْإِسْرَارِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا، أَوْ لِلدُّعَاءِ ; بِأَنْ يَعُمُّوا بِهِ وَلَا يَخُصُّوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا فِيمَا وَرَدَ ; كَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ لِتَحَمُّلِهُمْ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَسْبُوقِ وَالسَّهْوِ عَنِ السَّاهِي، أَوْ بِسُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَقْوَالٌ. (وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ) قَالَ الْقَاضِي: الْإِمَامُ مُتَكَفِّلٌ أُمُورَ صَلَاةِ الْجَمْعِ، يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ إِمَّا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ لَا يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَوْ إِذَا كَانُوا مَسْبُوقِينَ وَيَحْفَظُ عَلَيْهِمُ الْأَرْكَانَ وَالسُّنَنَ وَأَعْدَادَ الرَّكَعَاتِ، وَيَتَوَلَّى السِّفَارَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ إِذْ بِصَلَاحِ صَلَاتِهِ صَلَاحًا لِصَلَاتِهِمْ، وَبِالْعَكْسِ، وَالْمُؤَذِّنُ أَمِينٌ فِي الْأَوْقَاتِ يَعْتَمِدُ النَّاسُ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمُؤَقَّتَةِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُمْ يُرَاعُونَ وَيُحَافِظُونَ مِنَ الْقَوْمِ صَلَاتَهُمْ، لِأَنَّهَا فِي عُهْدَتِهِمْ كَالْمُتَكَلِّفِينَ لَهُمْ صِحَّةَ صَلَاتِهِمْ وَفَسَادَهَا وَكَمَالَهَا وَنُقْصَانَهَا بِحُكْمِ الْمَتْبُوعِيَّةِ وَالتَّابِعِيَّةِ، وَلِهَذَا الضَّمَانِ كَانَ ثَوَابُهُمْ أَوْفَرَ إِذَا رَاعَوْا حَقَّهَا، وَوِزْرُهُمْ أَكْثَرَ إِذَا خَلَوْا بِهَا، أَوِ الْمُرَادُ ضَمَانُ الدُّعَاءِ، وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَرْتَقُونَ فِي أَمْكِنَةٍ عَالِيَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرِفُوا عَلَى بُيُوتِ النَّاسِ لِكَوْنِهِمْ أُمَنَاءَ. ( «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ: ( «أَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: دُعَاءٌ أَخْرَجَهُ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ مُبَالَغَةً، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي ثِقَةً بِالِاسْتِجَابَةِ كَأَنَّهُ اسْتُجِيبَ فِيهِ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، وَالْمَعْنَى أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ لِلْعِلْمِ بِمَا تَكَفَّلُوهُ وَالْقِيَامِ بِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ مَا عَسَى يَكُونُ لَهُمْ تَفْرِيطٌ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمٍ عَلَى الْوَقْتِ، أَوْ تَأْخِيرٍ عَنْهُ سَهْوًا. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: " «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» عَلَى فَضْلِ الْأَذَانِ عَلَى الْإِمَامَةِ، لِأَنَّ حَالَ الْأَمِينِ أَفْضَلُ مِنْ حَالِ الضَّمِينِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَرُدَّ: بِأَنَّ هَذَا الْأَمِينَ يَتَكَفَّلُ الْوَقْتَ فَحَسْبُ، وَهَذَا الضَّامِنَ يَتَكَفَّلُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَيَتَعَهَّدُ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ ; وَكَيْفَ لَا وَالْإِمَامُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُؤَذِّنُ خَلِيفَةُ بِلَالٍ، وَأَيْضًا الْإِرْشَادُ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْغُفْرَانِ
стр. 1055
مَسْبُوقٌ بِالذَّنْبِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَذَكَرُهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، قَالَهُ مِيرَكُ. (وَالتِّرْمِذِيُّ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَصَحُّ. وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا. اهـ. نَقَلَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامَةِ، وَعِبَارَتُهُ: وَأُحِبُّ الْأَذَانَ لِحَدِيثِ: " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» " وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ، وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا، وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مَعَ ضَعْفِهِ لِأَنَّهُ اعْتَضَدَ بِرِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْعُقَيْلِيُّ، وَإِنْ أَعَلَّهَا ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ، «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ، وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْإِرْشَادِ أَعْلَى مِنَ الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ ; لِأَنَّ الْغُفْرَانَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ، وَالْإِرْشَادَ يَسْتَدْعِي وُصُولَ الْبُغْيَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " إِنَّهُ مَمْنُوعٌ فِيهِمَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ " - مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ خَفِيٍّ، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ جَلِيٌّ، بَلْ إِنَّهُ بَدِيهِيٌّ لَا نَظَرِيٌّ، وَأَغْرَبَ الْمَاوَرْدِيُّ. فِي تَوْجِيهِهِ حَيْثُ قَالَ: دَعَا لِلْإِمَامِ بِالْإِرْشَادِ خَوْفَ تَقْصِيرِهِ، وَلِلْمُؤَذِّنِ بِالْمَغْفِرَةِ لِعِلْمِهِ بِسَلَامَةِ حَالِهِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي فَضِيلَةِ الْأَذَانِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي، وَنَحْوَ خَبَرِ أَحْمَدَ: " «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا لَهُمْ فِي التَّأْذِينِ لَتَضَارَبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ» "، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ خِلَافًا لِمَا وَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا خَبَرُ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ شَاهِينَ: " «إِنَّ خِيَارَكُمْ عِبَادُ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ» "، فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِالْمُؤَذِّنِ عَلَى مَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ الْأَذَانَ مَعَ الْخَلِيفِيِّ لَأَذَّنْتُ، فَمُرَادُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَذَانِ كَمَا ذُكِرَ، بَلْ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْإِمَامِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: ( «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» ) . وَحَدِيثُ النَّسَائِيِّ: ( «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ» ) وَحَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ ( «لِيَؤُمَّكُمْ أَحْسَنُكُمْ وَجْهًا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا» ) . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ ( «يُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» ) فَالْمُرَادُ بِالْخِيَارِ الصُّلَحَاءُ، وَبِالْقُرَّاءِ الْعُلَمَاءُ، وَالْعُلَمَاءُ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ أَشَقُّ فَهُوَ أَفْضَلُ مَآبًا وَأَجْزَلُ ثَوَابًا، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ آخَرِينَ حَيْثُ قَالُوا: إِنْ قَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْأَذَانُ أَفْضَلُ، إِذْ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِطْلَاقُ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ حَرَّرَهُ وَقَرَّرَهُ. (وَالشَّافِعِيُّ) وَلَعَلَّ تَأْخِيرَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الْمُخَرِّجِينَ الْمَذْكُورِينَ، مَعَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْهُمْ رِوَايَةً وَدِرَايَةً بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ أَسَانِيدِ كُتُبِهِمْ وَاشْتِهَارِهَا وَقَبُولِ الْعَامَّةِ لَهَا. أَمَا تَرَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا يَتَقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى أُسْتَاذِهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِقُوَّةِ صِحَّةِ كِتَابَيْهِمَا، وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُمَا بِالْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِذَتِهِ، أَوْ تَلَامِذَةِ تَلَامِذَتِهِ، لِيُفِيدَ أَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى، وَلِذَا قَالَ: (وَفِي أُخْرَى) أَيْ: رِوَايَةٍ (لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ (بِلَفْظِ: الْمَصَابِيحِ) وَهُوَ: " «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الضُّمَنَاءُ جَمْعُ الضَّمِينِ بِمَعْنَى الضَّامِنِ، وَالْأُمَنَاءُ جَمْعُ أَمِينٍ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ لَفْظَ الْمَصَابِيحِ بِقَوْلِهِ: " وَهُوَ أَرْشَدَ اللَّهُ إِلَخْ " تَقْصِيرٌ مِنْهُ.
стр. 1056
٦٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا ;
كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ
ــ
٦٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ» ) : وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ (مُحْتَسِبًا) حَالٌ أَيْ: طَالِبًا لِلثَّوَابِ لَا لِلْأُجْرَةِ. فِي الْفَائِقِ: الِاحْتِسَابُ مِنَ الْحَسْبِ كَالِاعْتِدَادِ مِنَ الْعَدِّ، وَإِنَّمَا قِيلَ: احْتَسَبَ الْعَمَلَ لِمَنْ يَنْوِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَيِّدَ عَمَلَهُ، فَجُعِلَ فِي حَالِ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ، وَالْحِسْبَةُ: اسْمٌ مِنَ الِاحْتِسَابِ كَالْعِدَّةِ مِنَ الِاعْتِدَادِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ احْتَسِبُوا أَعْمَالَكُمْ، فَإِنَّهُ مَنِ
стр. 1057
احْتَسَبَ عَمَلَهُ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ حَسْبِهِ. (كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ) بِالْمَدِّ أَيْ: خَلَاصٌ (مِنَ النَّارِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَدْ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ كَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ لِقَوْلِ غَيْرِهِ: فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ ; لِأَنَّهُ اعْتَضَدَ (وَابْنُ مَاجَهْ) وَفِي: نُسْخَةٍ (وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي هَذِهِ النُّسْخَةِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ: «الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيدِ الْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ إِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ» .
стр. 1058
٦٦٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ لِلْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ
ــ
٦٦٥ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَعْجَبُ رَبُّكَ) (١) أَيْ: يَرْضَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: التَّعَجُّبُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ إِذْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْأَشْيَاءِ، وَالتَّعَجُّبُ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّا خُفِيَ سَبَبُهُ، فَالْمَعْنَى عَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَكَبُرَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الرِّضَا، وَالْخِطَابُ إِمَّا لِلرَّاوِي، أَوْ لِوَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ السَّمَاعُ لِفَخَامَةِ الْأَمْرِ، فَيُؤَكِّدُ مَعَ التَّعَجُّبِ (مِنْ رَاعِي غَنَمٍ) اخْتَارَ الْعُزْلَةَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِالنَّاسِ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ (فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ لِلْجَبَلِ) - بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ: قِطْعَةٍ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، وَقِيلَ: هِيَ الصَّخْرَةُ الْعَظِيمَةُ الْخَارِجَةُ مِنَ الْجَبَلِ كَأَنَّهَا أَنْفُ الْجَبِلِ. (يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَائِدَةُ تَأْذِينِهِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ لَهُمْ صَلَاةً أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ لِأَنَّهَا لِلْإِعْلَامِ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّي خَلْفَهُ حَتَّى يُقِيمَ لِإِعْلَامِهِ. اهـ.
وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالتَّأْذِينِ الْإِعْلَامُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، أَوْ يُقَدِّرَ الْإِقَامَةَ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَيُقِيمُ. وَفِي تَأْذِينِهِ فَوَائِدُ أُخَرُ مِنْ شَهَادَةِ الْأَشْيَاءِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَمُتَابَعَةِ سُنَّتِهِ، وَالتَّشَبُّهُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي جَمَاعَتِهِمْ، وَقِيلَ: إِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ تُصَلِّي الْمَلَائِكَةُ مَعَهُ، وَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (" فَيَقُولُ اللَّهُ أَيْ: لِمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ (انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا) تَعْجِيبٌ لِمَلَائِكَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بَعْدَ التَّعَجُّبِ لِمَزِيدِ التَّفْخِيمِ، وَكَذَا تَسْمِيَتُهُ بِالْعَبْدِ وَإِضَافَتُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا تَعْظِيمٌ عَلَى تَعْظِيمٍ (يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ) نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: لِلصَّلَاةِ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يُحَافِظُ وَيُدَاوِمُ عَلَيْهَا " (يَخَافُ مِنِّي) أَيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ عَذَابِي، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْحَالَ فَهُوَ كَالْبَيَانِ لِعِلَّةِ عُبُودِيَّتِهِ وَاعْتِزَالِهِ التَّامِّ عَنِ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " وَلِذَا آثَرَ الشَّظِيَّةَ بِالرَّعْيِ فِيهَا، وَالْمَعِزِ بِرِعَايَتِهَا ; لِأَنَّ الْأَعْيُنَ لَا تَتَشَوَّفُ إِلَيْهَا تَشَوُّفَهَا لِلضَّأْنِ " فَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْغَنَمَ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْمُنْفَرِدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا " (قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي) فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ) فَإِنَّهَا دَارُ الْمَثُوبَاتِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) ، وَأَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1059
٦٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبَدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى -، وَحَقَّ مَوْلَاهُ وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: أَشْخَاصٌ ( «عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: ( «ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ» ) أَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: يَغْبِطُهُمُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ. الْكُثْبَانُ - بِالضَّمِّ -: جَمْعُ كَثِيبٍ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الرَّمْلِ كَالتَّلِّ الصَّغِيرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُبِّرَ عَنِ الثَّوَابِ بِكُثْبَانِ الْمِسْكِ لِرِفْعَتِهِ، وَظُهُورِ فَوَحِهِ، وَرُوحِ النَّاسِ مِنْ رَائِحَتِهِ لِتُنَاسِبَ حَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مُتَجَاوِزَةٌ إِلَى الْغَيْرِ. اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ إِنْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الدَّارُ الْآخِرَةُ (عَبْدٌ) أَيْ: قَنٌّ لِتَدْخُلَ فِيهِ الْأَمَةُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ نَقَلَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا، وَالْمَعْنَى أَوْ لَهُمْ مَمْلُوكٌ (أَدَّى حَقَّ اللَّهِ) أَيْ: مَوْلَاهُ الْحَقِيقِيِّ (وَحَقَّ مَوْلَاهُ) أَيِ: الْمَجَازِيِّ (وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا) أَيْ: جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَإِمَامَتِهِ، وَقَوْمًا قَيْدٌ غَالِبِيُّ الْوُقُوعِ، وَإِلَّا فَيَكْفِي وَاحِدٌ، أَوِ الْمُرَادُ أَهْلُ الْمَحِلَّةِ، وَلِذَا قَالَ (وَهُمْ رَاضُونَ) فَبِرِضَاهُمْ يَكُونُ ثَوَابُ الْإِمَامِ أَكْثَرَ، وَلِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ حَالِهِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ هُوَ بِالرِّضَا دُونَ الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّ نَقْصَ صَلَاةِ الْإِمَامِ يَسْرِي لِنَقْصِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، وَكَذَا كَمَالُهَا بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ، ثُمَّ الْعِبْرَةُ بِرِضَا أَكْثَرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (وَرَجُلٌ يُنَادِي) أَيْ: يُؤَذِّنُ وَيُعْلِمُ (بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَفَهُ بِالْمُضَارِعِ تَقْرِيرًا لِفِعْلِهِ وَاسْتِحْضَارًا لَهُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ اسْتِعْجَابًا مِنْهُ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِيرَادَ الْمُضَارِعِ لِيُفِيدَ الِاسْتِمْرَارَ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَطِّ مَرْتَبَتِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الْإِمَامِ كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، وَلَا يُنَافِي تَقَدُّمَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ مَقَامَ التَّعَجُّبِ يَقْتَضِيهِ، وَلِذَا خُصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ كُلٍّ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ (كُلَّ يَوْمٍ) أَيْ: فِي كُلِّ يَوْمٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَلَيْلَةٍ) أَيْ: دَائِمًا لِجَمْعِهِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ، وَبَيْنَ نَفْعَيِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أُثِيبُوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ صَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى كُرَبِ الطَّاعَةِ، فَرَوَّحَهُمُ اللَّهُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بِأَنْفَاسٍ عَطِرَةٍ عَلَى تِلَالٍ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الْمِسْكِ إِكْرَامًا لَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ لِعِظَمِ شَأْنِهِمْ وَشَرَفِ أَفْعَالِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَفْظُهُ قَالَ ﷺ : ( «ثَلَاثَةٌ لَا يَهُولُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وَلَا يَنَالُهُمُ الْحِسَابُ، وَهُمْ عَلَى كُثُبٍ مِنْ مِسْكٍ حَتَّى يَفْرَغَ حِسَابُ الْخَلَائِقِ: رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَأَمَّ بِهِ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَدَاعٍ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَعَبَدٌ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوَالِيهِ» ) . وَرَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَلَفْظُهُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ لَمَا حَدَّثْتُ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَهُولُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَلَا يَفْزَعُونَ حِينَ يَفْزَعُ النَّاسُ: رَجُلٌ عَلِمَ الْقُرْآنَ فَقَامَ بِهِ يَطْلُبُ وَجْهَ اللَّهِ، وَمَا عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ ; يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَمَا عِنْدَهُ، وَمَمْلُوكٌ لَمْ يَمْنَعْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ» ) .
стр. 1060
٦٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ. وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: (كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ) ، وَقَالَ: (وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى)
ــ
٦٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ» ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ - أَيْ: نِهَايَتَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: أَيْ لَهُ مَغْفِرَةٌ طَوِيلَةٌ عَرِيضَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: يَسْتَكْمِلُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ إِذَا اسْتَوْفَى وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ، وَقِيلَ: يُغْفَرُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَتْ أَجْسَامًا لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَ الْجَوَانِبِ الَّتِي يَبْلُغُهَا، وَالْمَدَى عَلَى الْأَوَّلِ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، وَعَلَى الثَّانِي رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَدَى صَوْتِهِ أَيِ: الْمَكَانَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الصَّوْتُ، لَوٍ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ أَقْصَاهُ وَبَيْنَ مَقَامِ الْمُؤَذِّنِ ذُنُوبٌ لَهُ تَمْلَأُ تِلْكَ الْمَسَافَةَ لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ، فَيَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ تَمْثِيلًا. قِيلَ: مَعْنَاهُ: يُغْفَرُ لِأَجْلِهِ كُلُّ مَنْ سَمِعَ صَوْتَهُ فَحَضَرَ لِلصَّلَاةِ الْمُسَبِّبَةِ لِنِدَائِهِ، فَكَأَنَّهُ غُفِرَ لِأَجْلِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُغْفَرُ ذُنُوبُهُ الَّتِي بَاشَرَهَا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُغْفَرُ بِشَفَاعَتِهِ ذُنُوبُ مَنْ كَانَ سَاكِنًا أَوْ مُقِيمًا إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ، وَقِيلَ: يُغْفَرُ بِمَعْنَى يَسْتَغْفِرُ أَيْ: يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ. (وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ) أَيْ: نَاهٍ (وَيَابِسٍ) أَيْ: جَمَادٍ مِمَّا يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ، وَتُحْمَلُ شَهَادَتُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِنْطَاقِهِمَا أَوْ عَلَى الْمَجَازِ بِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. " (وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ) أَيْ: حَاضِرُهَا مِمَّنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ وَقْتِهَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: حَاضِرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسَبَّبَةِ عَنِ الْأَذَانِ. اهـ. فَيَكُونُ الْقَيْدُ غَالِبِيًّا وَإِلَّا فَحَاضِرُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لَهُ الْفَضِيلَةُ الْآتِيَةُ، سَوَاءٌ وَحَّدَ سَبَبِيَّةَ الْأَذَانِ أَمْ لَا. وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: " «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ» " أَيْ: وَالَّذِي يَحْضُرُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (يُكْتَبُ لَهُ) أَيْ: لِلشَّاهِدِ " (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ: ثَوَابُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (صَلَاةً) وَقِيلَ: بِعَطْفِ شَاهِدٍ عَلَى كُلِّ رَطْبٍ أَيْ: يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ حَاضِرُهَا يُكْتَبُ لَهُ أَيْ: لِلْمُؤَذِّنِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةٍ: " «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» .
قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: " بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً "، وَهِيَ لِلْمُطَابَقَةِ أَظْهَرُ، وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ بِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ: " «إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ صَلَّى بِأَذَانِهِ» " فَإِذَا كُتِبَ لِشَاهِدِ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانِهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَتْبِ مِثْلِهِ لِلْمُؤَذِّنِ، وَمِنْ ثَمَّ عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ يُغْفَرُ لَهُ لِبَيَانِ أَنَّ لَهُ ثَوَابَيْنِ الْمَغْفِرَةَ وَكِتَابَةَ مِثْلِ تِلْكَ الْكِتَابَةِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ شَاهِدَ الصَّلَاةِ عُطِفَ عَلَى كُلِّ رَطْبٍ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ ; لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ كَمَا اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي يَكْتُبُ لَهُ الشَّاهِدَ، وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا وَسِيَاقًا. أَوْ لِلْمُؤَذِّنِ وَهُوَ أَنْسَبُ مَعْنًى وَسِيَاقًا (وَيُكَفِّرُ عَنْهُ) أَيِ: الشَّاهِدُ أَوِ الْمُؤَذِّنُ (مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ شَهِدَهُمَا أَوْ مَا بَيْنَ أَذَانٍ إِلَى أَذَانٍ مِنَ الصَّغَائِرِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا: ( «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ لَتَضَارَبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ» ) وَلَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ( «يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مُنْتَهَى أَذَانِهِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ» ) جَمَعَهُ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: (وَيُجِيبُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ) . (وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَلَفْظُهُمَا: (يَشْهَدُ لَهُ) . وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: (وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ) . وَالطَّبَرَانِيُّ مِثْلُ هَذَا، وَلَهُ فِي الْأَوْسَطِ: ( «يَدُ الرَّحْمَنِ فَوْقَ رَأْسِ الْمُؤَذِّنِ وَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ أَيْنَ بَلَغَ» ) وَلَهُ فِيهِ: ( «إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُلَبِّينَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُلَبِّي الْمُلَبِّي» ) . (وَابْنُ مَاجَهْ) أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: (كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ) . وَقَالَ) أَيْ فَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُؤَذِّنِ (مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى) أَيْ: بِأَذَانِهِ.
стр. 1061
٦٦٨ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قَالَ: (أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ
ــ
٦٦٨ - ( «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قَالَ: (أَنْتَ إِمَامُهُمْ» ) أَيْ: جَعَلْتُكَ إِمَامَهُمْ، فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ: أَوْ أَنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَيَكُونُ لِلدَّوَامِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى إِثْبَاتِ إِمَامَتِهِ إِعْلَامًا بِتَأَهُّلِهِ فِي تَأْوِيلِ أَمَّ بِهِمْ، فَلِذَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ) أَيْ: تَابِعْ أَضْعَفَ الْمُقْتَدِينَ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْكَانِ، يُرِيدُ تَخْفِيفَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ حَتَّى لَا يَمَلَّ الْقَوْمُ، وَقِيلَ: لَا تُسْرِعْ حَتَّى يَبْلُغَكَ أَضْعَفُهُمْ، وَلَا تُطَوِّلْ حَتَّى لَا تُثْقِلَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اقْتَدِ جُمْلَةٌ إِنْشَائِيَّةٌ عُطِفَ عَلَى: " أَنْتَ إِمَامُهُمْ " ; لِأَنَّهُ بِتَأْوِيلِ أُمَّهُمْ، وَإِنَّمَا عُدِلَ إِلَى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ كَأَنَّ إِمَامَتَهُ ثَبَتَتْ وَيُخْبِرُ عَنْهَا يَعْنِي: كَمَا أَنَّ الضَّعِيفَ يَقْتَدِي بِصَلَاتِكَ فَاقْتَدِ أَنْتَ أَيْضًا بِضَعْفِهِ، وَاسْلُكْ سَبِيلَ التَّخْفِيفِ فِي الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَفِيهِ مِنَ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُقْتَدَى مُقْتَدِيًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذُكِرَ بِلَفْظِ الِاقْتِدَاءِ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ الْمَحْثُوثِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُقْتَدِي أَنْ يُتَابِعَ الْمُقْتَدَى بِهِ وَيَجْتَنِبَ خِلَافَهُ، فَعَبَّرَ عَنْ مُرَاعَاةِ الْقَوْمِ بِالِاقْتِدَاءِ مُشَاكَلَةً لِمَا قَبْلَهُ (وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا) أَمْرُ نَدْبٍ ( «لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» ) ، فَعَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَالِمًا عَامِلًا أَنَّ الْعَالِمَ الْفَاسِقَ لَيْسَ مِنَ الْخِيَارِ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ عَذَابًا مِنَ الْجَاهِلِ الْفَاسِقِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. كَمَا تَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي كَوْنِهِ خِيَارًا أَنْ لَا يَأْخُذَ أَجْرًا ; فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُؤَذِّنِ وَلَا لِلْإِمَامِ. قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يُشَارِطْهُمْ عَلَى شَيْءٍ، لَكِنْ عَرَفُوا حَاجَتَهُ، فَجَمَعُوا لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ شَيْئًا كَانَ حَسَنًا وَيَطِيبُ لَهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يَهْدُوا لَهُ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانَ: الْمُؤَذِّنُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لَا يَسْتَحِقُّ ثَوَابَ الْمُؤَذِّنِينَ اهـ. فَفِي أَخْذِ الْأَجْرِ أَوْلَى تَمَّ كَلَامُهُ.
لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ قَاضِي خَانَ عَلَى مُؤَذِّنٍ يُؤَذِّنُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى وَهُوَ مُؤَذِّنٌ، وَيَدْخُلُ فِي الْخِيَارِ أَيْضًا أَنْ لَا يُلَحِّنَ الْأَذَانَ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ مَطْلُوبٌ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا. قِيلَ: تُمْسِكُ بِهِ مِنْ مَنْعِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْأَذَانِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ أَخْذًا لِلْأَفْضَلِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَخْذُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى أَذَانِهِ مَكْرُوهٌ بِحَسَبِ مَذَاهِبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: أَخْشَى أَنْ لَا تَكُونَ صَلَاتُهُ خَالِصَةً، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: يُرْزَقُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ مُرْصَدٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ وُجِدَ عَدْلٌ تَبَرَّعَ بِأَذَانِهِ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ أَحَدًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا عَلَى أَذَانِهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، يَعْنِي الْإِمَامَ الرَّاتِبَ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّخْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ رِعَايَةً لِلضَّعِيفِ، وَقَدْ وَرَدَ: «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ» . (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْهُ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ، وَابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَفِي خَبَرٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» .
стр. 1062
٦٦٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: (اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ ; فَاغْفِرْ لِي» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)
ــ
٦٦٩ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ» ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ هَذَا بَعْدَ جَوَابِ الْأَذَانِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (اللَّهُمَّ هَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَهُوَ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالْخَبَرِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَذَانِ، لِقَوْلِهِ: وَأَصْوَاتُ (إِقْبَالُ لَيْلِكَ) أَيْ: هَذَا الْأَذَانُ أَوْ أَنَّ إِقْبَالَ لَيْلِكَ
стр. 1063
(وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ) أَيْ: فِي الْأُفُقِ " (وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ ") : أَيْ: فِي الْآفَاقِ جَمْعُ دَاعٍ، وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ (فَاغْفِرْ لِي) : بِحَقِّ هَذَا الْوَقْتِ الشَّرِيفِ وَالصَّوْتِ الْمُنِيفِ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَفْرِيعِ الْمَغْفِرَةِ وَمُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ لِلْبَابِ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَقْتُ الْأَذَانِ زَمَانَ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا تَكَلَّفَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ بَيْنَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَهُوَ يَقْتَضِي طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْمُقَايَسَةِ عَلَيْهِ، وَيُقَالَ: عِنْدَ أَذَانِ الصُّبْحِ أَيْضًا لَكِنْ بِلَفْظِ: هَذَا إِدْبَارُ لَيْلِكَ وَإِقْبَالُ نَهَارِكَ إِلَخْ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَكِنَّهُ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ لِهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْأَدْعِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ أَصْلِهَا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنَ الْأَلْفَاظِ النَّبَوِيَّةِ وَمَا ثَمَّ مِنَ الْمَحْذُورَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَحْظُورَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ خَارِجٌ عَنِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى صِحَّتِهِ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " الدَّعَوَاتِ ") أَيْ: كِتَابِ الدَّعَوَاتِ (الْكَبِيرِ) صِفَةٌ لِلْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَفِي رِوَايَةٍ «بَعْدَ دُعَاتِكَ وَصَلَوَاتِ مَلَائِكَتِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي» .
стр. 1064
٦٧٠ - وَعَنْ أَبَى أُمَامَةَ ﵁، أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» ". وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
ــ
٦٧٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ بِلَالًا أَخَذَ) أَيْ: شَرَعَ (فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا) شَرْطِيَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا تَسْتَدْعِي فِعْلًا، فَالتَّقْدِيرُ: فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَنْ قَالَ، وَاخْتُلِفَ فِي قَالَ ; أَنَّهُ مُتَعَدٍّ أَوْ لَازِمٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَصْدَرًا اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَمَّا ظَرْفِيَّةٌ وَأَنْ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧] (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَقَامَهَا اللَّهُ) أَيِ: الصَّلَاةَ يَعْنِي ثَبَّتَهَا (وَأَدَامَهَا) وَاشْتُهِرَ زِيَادَةُ: وَجَعَلَنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ) أَيْ: فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ غَيْرَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، أَوْ قَالَ فِي الْبَقِيَّةِ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُقِيمُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ) يُرِيدُ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، لِمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ (فِي الْأَذَانِ) يَعْنِي: وَافَقَ الْمُؤَذِّنَ فِي غَيْرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ أَيْضًا لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَقَالَ مِيرَكُ: فِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ اهـ. لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ، وَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ.
стр. 1065
٦٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ
ــ
٦٧١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» ) أَيْ: فَادْعُوا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَذَلِكَ لِشَرَفِ الْوَقْتِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ حَسَّنَهَا التِّرْمِذِيُّ ( «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» ) : قَالُوا: فَمَاذَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: ( «سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ) .
стр. 1066
٦٧٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» ) .
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَتَحْتَ الْمَطَرِ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ ; إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: (وَتَحْتَ الْمَطَرِ)
ــ
٦٧٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى [عَنْهُمَا] ، فَإِنَّ أَبَاهُ صَاحَبَنِي عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثِنْتَانِ) أَيْ: دَعْوَتَانِ ثِنْتَانِ (لَا تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -) : قَالَ فِي الْمُغْنِي: (مَا) زَائِدَةٌ كَافَّةٌ عَنِ الْعَمَلِ (الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ) أَيْ: حِينَ الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ (وَعِنْدَ الْبَأْسِ) أَيِ: الشِّدَّةِ وَالْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ (حِينَ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَعِنْدَ الْبَأْسِ أَوْ بَيَانٌ (يَلْحَمُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ أَيْ: يَقْتُلُ (بَعْضُهُمْ بَعْضًا) كَأَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَقْتُولَ لَحْمًا وَفِي نُسْخَةٍ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: يَخْتَلِطُ، وَسُمِّيَ اللَّحْمُ لَحْمًا لِاخْتِلَاطِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " وَفِي الْغَرِيبَيْنِ أَلْحَمَ الرَّجُلُ إِذَا نَشِبَ فِي الْحَرْبِ، فَلَمْ يَجِدْ مُخَلِّصًا، وَلَحَمَ إِذَا قَتَلَ ". وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَحَمَهُ إِذَا الْتَصَقَ بِهِ الْتِصَاقَ اللَّحْمِ بِالْعَظْمِ، أَيْ: حِينَ يَلْتَصِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، أَوْ يَهُمُّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِ بَعْضٍ، مِنْ لَحَمَ فُلَانٌ فَهُوَ مَلْحُومٌ إِذَا قُتِلَ كَأَنَّهُ جُعِلَ لَحْمًا. (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: بَدَلُ قَوْلِهِ. وَعِنْدَ الْبَأْسِ يَلْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ; فَإِنَّ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «سَاعَتَانِ يُفْتَحُ فِيهِمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّمَا تُرَدُّ عَلَى دَاعٍ دَعْوَتُهُ: عِنْدَ حُضُورِ النِّدَاءِ، وَوَقْتَ الْمَطَرِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَقَوْلُهُ (وَتَحْتَ الْمَطَرِ) أَيْ: عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَرُوِيَ فِي الْعَوَارِفِ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْغَيْثَ وَيَتَبَرَّكُ بِهِ وَيَقُولُ: حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ: الدَّارِمِيَّ (لَمْ يَذْكُرْ: (وَتَحْتَ الْمَطَرِ) .
стр. 1067
٦٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٦٧٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ: الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ( «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا» ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الضَّادِ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُمْ فَضْلٌ وَمَزِيَّةٌ عَلَيْنَا فِي الثَّوَابِ بِسَبَبِ الْأَذَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ يَعْنِي فَمَا تَأْمُرُنَا بِهِ مِنْ عَمَلٍ نَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِهِ ; (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قُلْ كَمَا يَقُولُونَ) أَيْ: إِلَّا عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، فَيَحْصُلُ لَكَ الثَّوَابُ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. أَيْ: مِثْلُهُ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ، ثُمَّ أَفَادَ زِيَادَةً عَلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا انْتَهَيْتَ) أَيْ: فَرَغْتَ مِنَ الْإِجَابَةِ (فَسَلْ) بِالنَّقْلِ أَيِ: اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حِينَئِذٍ مَا تُرِيدُ (تُعْطَ) أَيْ: يَقْبَلُ اللَّهُ دُعَاءَكَ وَيُعْطِيكَ سُؤَالَكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ: " «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَقَالَ مَا يَقُولُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» "، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْهُ ﵇: ( «مَنْ قَالَ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَارْضَ عَنِّي رِضًا لَا تَسْخَطُ بَعْدَهُ - اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ دَعْوَتَهُ» ) . وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ: ( «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَبَلِّغْهُ دَرَجَةَ الْوَسِيلَةِ عِنْدَكَ، وَاجْعَلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» ) .
стр. 1068
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٧٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ» ) . قَالَ الرَّاوِي: وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِينَةِ: عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٧٤ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الشَّيْطَانِ أَوْ رَئِيسُهُمْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ) لِكَرَاهَتِهِ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ، أَوِ الْإِجْمَاعَ فِي الطَّاعَةِ (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) أَيْ: يَبْعُدَ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمُصَلَّى بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَكُونَ الشَّيْطَانُ مِثْلَ الرَّوْحَاءِ فِي الْبُعْدِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (قَالَ الرَّاوِي) الْمُرَادُ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ الْمَكِّيُّ الرَّاوِي، عَنْ جَابِرٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِينَةِ) أَيْ: إِلَى مَكَّةَ (عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مَيْلًا) يَعْنِي اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1069
٦٧٥ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: «إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ، إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ، حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ; قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٦٧٥ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) هُوَ لَيْثِيٌّ، وَقَدْ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ كَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوهُ ﵇، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ) أَيِ: ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ (إِذْ) بِسُكُونِ الذَّالِ (أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ) أَيِ: الْخَاصُّ لَهُ أَوْ لِمَسْجِدِهِ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ. حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) بِالْهَاءِ عَلَى الْوَقْفِ (قَالَ) أَيْ: مُعَاوِيَةُ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (فَلَمَّا قَالَ) أَيْ: مُؤَذِّنُهُ (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ) أَيْ: مُعَاوِيَةُ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ زِيَادَةٌ نَادِرَةٌ فِي الرِّوَايَاتِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ: مِثْلَ قَوْلِهِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: مُعَاوِيَةُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ) أَيْ: بِالْفِعْلِ أَوِ الْأَمْرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
стр. 1070
٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ) . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ
ــ
٦٧٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي) أَيْ يُؤَذِّنُ (فَلَمَّا سَكَتَ) أَيْ: فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا) أَيِ: الْقَوْلِ مُجِيبًا أَوْ مُؤَذِّنًا أَوْ مُطْلِقًا (يَقِينًا) أَيْ: خَالِصًا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيِ: اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ أَوْ دَخَلَ مَعَ النَّاجِينَ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 1071
٦٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: (وَأَنَا وَأَنَا» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
ــ
٦٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ» ) أَيْ: صَوْتَهُ (يَتَشَهَّدُ) حَالٌ (قَالَ: (وَأَنَا وَأَنَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ بِتَقْدِيرِ الْعَامِلِ، أَيْ: وَأَنَا شَاهِدٌ كَمَا تَشْهَدُ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ، وَالتَّكْرِيرُ فِي أَنَا رَاجِعٌ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ وَأَشْهَدُ أَنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ فِيهِمَا، وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُكَلَّفًا بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى رِسَالَتِهِ كَسَائِرِ الْأُمَّةِ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الطِّيبِيِّ وَقَالَ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَشْهَدُ مِثْلَنَا أَوْ يَقُولُ: وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ كَتَشَهُّدِنَا كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ، «عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ فِي إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ» ؟ . ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، فَيَجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا تَارَةً وَذَاكَ أُخْرَى، فَلَوْ قَالَ الْمُجِيبُ مَا هُنَا هَلْ يَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ سُنَّةِ الْإِجَابَةِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ لِقَوْلِهِ: مَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ، وَالْمِثْلُ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ اللَّفْظِيَّةِ. نَعَمْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ لَنَا وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
стр. 1072
٦٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: ( «مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ; وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
ــ
٦٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (سَنَةً) وَلَعَلَّ هَذَا مِقْدَارُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أَيْ: يُصَادِقُ وَعْدَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ " (وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ) أَيْ: فَقَطْ دُونَ صَلَاتِهِ (فِي كُلِّ يَوْمٍ) أَيْ: لِكُلِّ أَذَانٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ (سِتُّونَ حَسَنَةً) فِيهِ حَذْفٌ، أَوْ كُتِبَ لَهُ بِسَبَبِ تَأْذِينِهِ كُلَّ مَرَّةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُهُ (وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ) أَيْ فِي كُلِّ يَوْمٍ (ثَلَاثُونَ حَسَنَةً) وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّصْنِيفِ فِي التَّضْعِيفِ أَنَّ الْإِقَامَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَاضِرِينَ، وَالْأَذَانَ عَامٌّ، أَوْ لِسُهُولَةِ الْإِقَامَةِ وَمَشَقَّةِ الْأَذَانِ بِالصُّعُودِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَالتُّؤَدَةِ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، أَوْ لِإِفْرَادِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " وَظَاهِرُهُ أَنَّ كِتَابَةَ سِتِّينَ حَسَنَةً لِكُلِّ أَذَانٍ وَثَلَاثِينَ لِكُلِّ إِقَامَةٍ خَاصٌّ بِمَنْ أَذَّنَ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْهَا لَا يُكْتَبُ لَهُ ذَلِكَ ". فَغَيْرُ ظَاهِرٍ إِذْ جَزَاءُ الشَّرْطِ تَمَّ بِقَوْلِهِ: وَجَبَتْ، وَقَوْلُهُ: (وَكُتِبَ) أَيْ أُثْبِتَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ بِتَأْذِينِهِ وَإِقَامَتِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُدَاوَمَةِ وَتَرْكِهَا فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ الثَّوَابِ، ثُمَّ هَذِهِ الْكِتَابَةُ زِيَادَةٌ عَلَى ثَوَابِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا مِنَ الْمُجِيبِ وَغَيْرِهِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُؤَذِّنِ، وَأَيْضًا لَوِ اعْتُبِرَ ثَوَابُ الْكَلِمَاتِ لَزَادَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
стр. 1073
٦٧٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) .
ــ
٦٧٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هَذَا الدُّعَاءَ مَا مَرَّ فِي حَدِيثِ أْمِّ سَلَمَةَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ") وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ. فَائِدَةٌ: جَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ ﵇ أَذَّنَ مَرَّةً فِي السَّفَرِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَبِهِ يُعْلَمُ اخْتِصَارُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَأَنَّ مَعْنَى أَذَّنَ فِيهَا، أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَذَانِ، كَبَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا بِلَفْظِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَالْمُفَصَّلُ يُقْضَى عَلَى الْمُجْمَلِ الْمُحْتَمَلِ.
стр. 1074
[بَابُ تَأْخِيرِ الْأَذَانِ]
стр. 1075
[٦] بَابُ تَأْخِيرِ الْأَذَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ) . قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٦] بَابُ تَأْخِيرِ الْأَذَانِ
بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هَذَا. وَقِيلَ: بِالسُّكُونِ عَلَى الْوَقْفِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: بَدَلَهُ فَصْلٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أُفْرِدَ هَذَا الْفَصْلُ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ كُلَّهَا صِحَاحٌ، وَلَيْسَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ مُنَاسِبَةٌ لِصِحَاحِ الْبَابِ السَّابِقِ، فَكَانَتْ مَظِنَّةَ الْإِفْرَادِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا بَابٌ فِي تَتِمَّاتٍ لِمَا سَبَقَ فِي الْبَابَيْنِ قَبْلَهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٨٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي) أَيْ: يَذْكُرُ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُؤَذِّنُ (بِلَيْلٍ) أَيْ: فِيهِ يَعْنِي لِلتَّهَجُّدِ أَوْ لِلسُّحُورِ، لِمَا وَرَدَ فِي خَبَرِ: " إِنَّهُ نُهِيَ عَنِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ " وَإِنْ قِيلَ بِضَعْفِهِ " (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ يُنَادِي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُنَادِي) أَيْ: لَا يُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ (حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ: دَخَلْتَ أَوْ قَارَبْتَ الدُّخُولَ فِي الصَّبَاحِ، يَعْنِي بَعْدَ تَحَقُّقِ الصُّبْحِ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَلَا يُنَافِي هَذَا خَبَرَ: " «إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ بِلَالٌ» " ; لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاوَبَةً، كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَعَلَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ مِنْ تَقْسِيمِ الْوَقْتَيْنِ بَيْنَهُمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ " حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ " يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ أَذَانِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَقَوْلُهُ: " «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» "، يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ. قُلْتُ: يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذِهِ ; لِاحْتِمَالِهَا دُونَ تِلْكَ لِصَرَاحَتِهَا، فَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسَنُّ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ لِخَبَرِ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا إِلَّا قَدْرُ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ يَرْقُبُ الْفَجْرَ فَإِذَا قَارَبَ طُلُوعُهُ نَزَلَ فَأَخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَتَأَهَّبَ ثُمَّ يَرْقَى وَيُسْرِعُ الْأَذَانَ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الشُّمُنِّيِّ ; قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ وَحْدَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» " وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَيَحْفَظُهُمَا» ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﵇ مَا كَانَ يَكْتَفِي بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ. وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالْفَجْرِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَحُرِمَ الطَّعَامَ، وَكَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُصْبِحَ» . وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَدَاوُدَ بْنِ شَبِيبٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ» ، زَادَ مُوسَى فَرَجَعَ فَنَادَى، لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنٌ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ ذَاكَ. قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَتَأْوِيلُ الطَّحَاوِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مِنْهُ كَانَ عَلَى ظَنِّ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَمْ يُصِبْ فِي طُلُوعِهِ. قَالَ: لِمَا رَوَيْنَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّ فِي بَصَرِهِ سُوءًا» . وَلِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا مِقْدَارُ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَصْعَدُ هَذَا. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا مِنَ الْقُرْبِ مَا ذَكَرْنَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْصِدَانِ طُلُوعَ الْفَجْرِ، لَكِنْ بِلَالٌ يُخْطِئُهُ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُصِيبُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْجَمَاعَةُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ: وَالتَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فِي سَائِرِ الْعَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ فِي رَمَضَانَ اهـ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا.
стр. 1076
٦٨١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيَّ.
ــ
٦٨١ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) : بِضَمِّهَا وَفَتْحِ الثَّانِي (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ) بِالتَّأْكِيدِ وَفِي أَصْلٍ صَحِيحٍ: لَا يَمْنَعُكُمْ عَلَى النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ (مِنْ سُحُورِكُمْ) بِضَمِّ السِّينِ مَصْدَرًا أَيْ: تَسَحُّرُكُمْ وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ أَيْ: مِنْ أَكْلِ سَحُورِكُمْ وَهُوَ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ (أَذَانُ بِلَالٍ) أَيْ: فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ كَمَا سَبَقَ " (وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ) أَيْ: وَلَا يَمْنَعُكُمُ الصُّبْحُ الَّذِي يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبَ السِّرْحَانِ، وَبِطُلُوعِهِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الصُّبْحِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ يَطْلُعُ أَوَّلًا مُسْتَطِيلًا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَغِيبُ وَبَعْدَ غَيْبُوبَتِهِ بِزَمَانٍ يَسِيرٍ يَظْهَرُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ، قِيلَ: وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَيَانُ أَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَّ بِلَالًا رُبَّمَا أَذَّنَ بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَهُوَ مُجْمَلٌ بَيَّنَهُ ﵇ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُسْتَطِيرُ لَا الْمُسْتَطِيلُ (وَلَكِنِ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (الْفَجْرُ) بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ (الْمُسْتَطِيرُ) " صِفَتُهُ أَيِ: الْمُنْتَشِرُ الْمُعْتَرِضُ (فِي الْأُفُقِ ") أَيْ: أَطْرَافِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ الَّذِي يَنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وَلَا يَزَالُ يَزْدَادُ ضِيَاؤُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مَعَ أَنَّهَا لَا يَمْنَعَانِهَا أَيْضًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا إِلَيْهِمَا لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا اهـ. أَوْ لِكَوْنِهِ يُعْلَمُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ مَعْنَاهُ، قَالَهُ مِيرَكُ، وَأَحْمَدُ. (وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ) وَقَالَ: حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَنْسَبُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ.
قُلْتُ: يُسْتَفَادُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ مَعَ الِاخْتِصَارِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَقُولُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا عَكَسَهُ، لِأَنَّهُ أَنْسَبُ لِلْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَأَبْعَدُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنَّفِ الْأَفْضَلِ.
стр. 1077
٦٨٢ - وَعَنْ مَالِكٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، فَقَالَ: (إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٨٢ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ) قِيلَ: هُوَ مِنْ قَبِيلَةِ اللَّيْثِ، وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي) بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ (فَقَالَ) أَيْ: لَنَا ( «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا فَأَقِيمَا» ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَأَقِيمَا) يَعْنِي: يُؤَذِّنُ أَحَدُكُمَا وَيُقِيمُ، وَالْخِيَارُ إِلَيْكُمَا عِنْدَ اسْتِوَائِكُمَا (وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) أَيْ: سِنًّا لِسَبْقِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ رُتْبَةً، إِذِ الْغَالِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِالْأَحْكَامِ أَيْ: أَفْضَلُكُمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ تَفْضِيلٌ لِلْإِمَامَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْبَرِ وَالْأَفْضَلِ، بِخِلَافِ الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ فِيهَا إِمَامَةُ الْأَكْبَرِ سِنًّا أَوْ رُتْبَةً، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ أَنَّ دَاوُدَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: " فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا " عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فَرْضَا عَيْنٍ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فَرْضَيْ عَيْنٍ لَأَتَى بِهِمَا كُلٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ فُعِلَ لَنُقِلَ إِلَيْنَا. ثُمَّ قَالَ: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ بِقَوْلِهِ ﵇: (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ) عَلَى أَنَّهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ، يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ لِمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ الْإِغَارَةِ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْفَرْضِيَّةَ لَا السُّنِّيَّةَ، إِذْ جُعِلَ شِعَارَ الْإِسْلَامِ وَبِتَرْكِهِ جُوِّزَ تَرَتُّبُ الِانْتِقَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ ( «إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنِ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرَ» ) وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ مَعَ عَدَمِ اسْتِيعَابِهِ الشُّرُوطَ، كَتَرْكِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى أَبِي دَاوُدَ، فَضْلًا عَنْ أَحْمَدَ، إِذِ الْأَذَانُ لَيْسَ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَلَا مِنَ الْأَرْكَانِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِإِسَاءَةٍ فِيهَا إِعَادَةُ
стр. 1078
الْأَذَانِ، مَعَ أَنَّ أَذَانَ غَيْرِهِ كَافٍ لَهُ عِنْدَ غَيْرِ دَاوُدَ. ثُمَّ قَالَ: وَلِقَوْلِهِ ﵇ (إِذَا «كَانَ أَحَدُكُمْ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ صَلَّى وَحْدَهُ، إِنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى مَعَهُ مَلِكٌ، وَإِنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ صَفٌّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوَّلُهُمْ بِالْمَشْرِقِ وَآخِرُهُمْ بِالْمَغْرِبِ» ) أَوْرَدَهُ الْفُقَهَاءُ.
قُلْتُ: وَلَوْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ لَمْ يَبْقَ مُجْمَلًا مَعَ أَنَّ لِأَحْمَدَ أَنْ يَخُصَّ الْحُكْمُ حَالَةَ الْجَمَاعَةِ لَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ الْحَدِيثُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ - عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ " الْأَذَانُ سُنَّةٌ " -: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَا الْإِقَامَةُ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَاجِبٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ قَاتَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ: بِكَوْنِ الْقِتَالِ لَمَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ اسْتِخْفَافُهُمْ بِالدِّينِ بِخَفْضِ إِعْلَامِهِ، لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ إِعْلَامِ الدِّينِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ وَلَا يُقَاتَلُونَ بِالسِّلَاحِ، كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ بِصُورَةِ نَقْلِ الْخِلَافِ، وَلَا يَخْفَى أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ وَعَدَمِ الْقَهْرِ لَهُمْ، وَالضَّرْبَ وَالْحَبْسَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ قَهْرِهِمْ، فَجَازَ أَنْ يُقَاتَلُوا إِذَا امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ الْأَمْرِ بِالْأَذَانِ، فَإِذَا قُوتِلُوا فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ ضُرِبُوا وَحُبِسُوا، وَقَدْ يُقَالُ: عَدَمُ التَّرْكِ مَرَّةً دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ، فَيَنْبَغِي وُجُوبُ الْأَذَانِ كَذَلِكَ وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَّا لَمْ يَأْثَمْ أَهْلُ بَلْدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ إِذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُضْرَبُوا وَلَمْ يُحْبَسُوا.
قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِعَدَمِ ظُهُورِ كَوْنِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَإِلَّا لَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا أَذَّنَ أَحَدٌ فِي بَلَدٍ سَقَطَ وُجُوبُهُ عَنِ الْبَاقِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي " الدِّرَايَةِ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبَى يُوسُفَ: لَوْ صَلَّوْا فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِلَا أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَأَثِمُوا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَهُ لِجَوَازِ كَوْنِ الْإِثْمِ لِتَرْكِهِمَا مَعًا فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتْرُكَهَا مَعَهُمْ لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجَابُ الْأَذَانُ لِظُهُورِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ مُتَقَارِبٌ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ.
стр. 1079
٦٨٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٨٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ) أَيْ: فِي مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ أَوْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: وَقْتُهَا " (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ) - بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ - (أَكْبَرُكُمْ) عِلْمًا أَوْ سِنًّا، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمُ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَبِالسِّنِّ: السِّنُّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَفْضِيلِ الْإِمَامَةِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الْمُنَازَعَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ السَّيِّدُ: لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» "، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مَحَلُّ بَحْثٍ. قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ مَحَلِّ الشَّاهِدِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخِلَافُ مِنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 1080
٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: (اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ. فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ.
فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (أَيْ بِلَالُ!) . فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. قَالَ (اقْتَادُوا) فَاقْتَادَوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: (مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] » ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ) أَيْ: رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْقَافِلَةِ لِلسَّيَّارَةِ مَرْجِعًا وَمَآلًا، أَوْ مُطْلَقًا تَفَاؤُلًا (مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ، أَقَامَ ﵇ يُحَاصِرُهَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْرَادٍ (سَارَ لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ النُّعَاسُ، وَقِيلَ: النَّوْمُ (عَرَّسَ) مِنَ التَّعْرِيسِ أَيْ: نَزَلَ آخِرَ اللَّيْلِ لِلِاسْتِرَاحَةِ (وَقَالَ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ) أَيِ: احْفَظْ وَاحْرُسْ (لَنَا اللَّيْلَ) أَيْ: آخِرَهُ لِإِدْرَاكِ الصُّبْحِ (فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ) مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ الصَّلَاةِ وَالْحِرَاسَةِ، أَوْ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ التَّهَجُّدِ (وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ
стр. 1081
الْمُتَّصِلِ فِي " نَامَ "، وَفِي نُسْخَةٍ: نَامَ وَنَامَ أَصْحَابُهُ اهـ. وَهَذَا إِعْرَابُ لَفْظِ الْمَصَابِيحِ، إِذْ لَفْظُهُ: وَنَامَ أَصْحَابُهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ (فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ، اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) لِغَلَبَةِ ضَعْفِ السَّهَرِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ (مُوَاجِهَ الْفَجْرِ) أَيْ: لِيَرْقُبَهُ حَتَّى يُوقِظَهُمْ عَقِبَ طُلُوعِهِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مُتَوَجِّهَ الْفَجْرِ يَعْنِي مَوْضِعَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ مُتَعَدٍّ، وَالْمُوَجَّهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِكُلِّ وُجْهَةٍ (فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عِبَارَةٌ عَنِ النَّوْمِ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ غَالَبَتَاهُ فَغَلَّبَتَاهُ عَلَى النَّوْمِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَامَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ (وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ عَدَمَ اضْطِجَاعِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ نَوْمِهِ ( «فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ» ) أَيْ: أَصَابَتْهُمْ، وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي اسْتِيقَاظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ النَّاسِ، إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ شَيْءٌ مِنَ الْحُجُبِ الْبَشَرِيَّةِ، لَكِنَّهَا عَنْ قَرِيبٍ سَتَزُولُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ هُوَ أَزْكَى كَانَ زَوَالُ حُجُبِهِ أَسْرَعَ. (فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنَ اسْتِيقَاظِهِ وَقَدْ فَاتَتْهُ الصُّبْحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ هَبَّ وَانْتَبَهَ كَأَنَّهُ مِنَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ ; لِأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ فَزَعٍ مَا (فَقَالَ: (أَيْ بِلَالٌ) وَالْعِتَابُ مَحْذُوفٌ وَمُقَدَّرٌ أَيْ: لِمَ نِمْتَ حَتَّى فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ ; (فَقَالَ بِلَالٌ) أَيْ: مُتَعَذِّرًا (أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ) أَيْ: كَمَا تَوَفَّاكَ فِي النَّوْمِ تَوَفَّانِي. نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الطِّيبِيِّ، وَقَالَ: وَفِيهِ أَيُّ تَأَمُّلٌ أَوْ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ غَلَبَ عَلَى نَفْسِي مَا غَلَبَ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ النَّوْمِ، أَيْ: كَانَ نَوْمِي بِطَرِيقِ الِاضْطِرَارِ دُونَ الِاخْتِيَارِ لِيَصِحَّ الِاعْتِذَارُ، وَلَيْسَ فِيهِ احْتِجَاجٌ بِالْقَدَرِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] الْآيَةَ (قَالَ: (اقْتَادُوا) أَمْرٌ مِنَ الِاقْتِيَادِ. يُقَالُ: قَادَ الْبَعِيرَ وَاقْتَادَهُ إِذَا جَرَّ حَبْلَهُ أَيْ: سُوقُوا رَوَاحِلَكُمْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ. (فَاقْتَادَوْا) مَاضٍ أَيْ: سَاقَوْا (رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا) يَسِيرًا مِنَ الزَّمَانِ أَوِ اقْتِيَادًا قَلِيلًا مِنَ الْمَكَانِ يَعْنِي قَالَ: أَذْهِبُوا رَوَاحِلَكُمْ، فَذَهَبُوا بِهَا مِنْ ثَمَّةَ مَسَافَةٍ قَلِيلَةٍ، وَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، أَوْ لِأَنَّ بِهِ شَيْطَانًا كَمَا فِي رِوَايَةِ: " «تَحَوَّلُوا بِنَا عَنْ هَذَا الْوَادِي فَإِنَّ بِهِ شَيْطَانًا» "، وَقِيلَ: أَخَّرَ لِيَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنْ جَوَّزَ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ قَالُوا: أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ هَذِهِ الْغَفْلَةُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ هَذِهِ الْغَفْلَةُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ رَأْسَ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ» "، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَهُوَ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ذُهِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَنَامَ عَنْهَا ; مَعَ قَوْلِهِ ﵇ فِي جَوَابِ عَائِشَةَ، «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ : إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . قُلْنَا: فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْأُمُورَ الْبَاطِنَةَ كَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانٌ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ: يَنَامُ الْقَلْبُ تَارَةً وَهِيَ نَادِرَةٌ، وَأُخْرَى لَا يَنَامُ، فَصَادَفَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ حَالَةَ النَّوْمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنِ انْتَصَرَ لَهُ الشَّارِحُ بِمَا لَا يُجْدِي.
قَالَ السَّيِّدُ نَقْلًا عَنِ الطِّيبِيِّ، أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَوْلَى لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵇ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَعَلَّلُوهُ بِقَوْلِهِ ﵇ ( «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ) قُلْتُ: يُرِيدُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ
стр. 1082
السَّلَامُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ تَوَضَّأَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَوْمَهُ تَارَةً يَكُونُ نَاقِضًا، وَأُخْرَى لَا بِحَسَبِ الْحَالَيْنِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ وَضَوْءَهُ كَانَ لِلتَّجْدِيدِ، أَوْ لِنَاقِضٍ غَيْرِ النَّوْمِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ يَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْحَدِيثُ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ نَسِيَ لِيَسُنَّ ; يَعْنِي الْحِكْمَةَ فِي نَوْمِهِ ﵇ ذُهُولُهُ بِالْحَضْرَةِ الْبَاطِنِيَّةِ عَنِ الطَّاعَةِ الظَّاهِرِيَّةِ، لِيُعْرَفَ حُكْمُ الْقَضَاءِ بِالدَّلِيلِ الْفِعْلِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الدَّلِيلِ الْقَوْلِيِّ، عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُؤَيِّدَ لِلدَّلِيلِ الْقَوْلِيِّ عَلَى قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَقْظَانَ، وَعَلِمَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ - فَبَاطِلٌ مَرْدُودٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ ﵇ كَيْفَمَا اخْتَلَفَ حَالُهُ مِنْ نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ فِي حَقٍّ وَتَحْقِيقٍ، وَمَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي كُلِّ طَرِيقٍ وَفَجٍّ عَمِيقٍ إِنْ نَسِيَ فَبِآكَدَ مِنَ الْمَنْسِيِّ اشْتَغَلَ، وَإِنْ نَامَ فَبِقَلْبِهِ وَنَفْسِهِ عَلَى اللَّهِ أَقْبَلَ، وَلِهَذَا قَالَ الصَّحَابَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَا نُوقِظُهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا هُوَ فِيهِ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ نِسْيَانُهُ لِشَيْءٍ مِنْهَا» لَمْ يَكُنْ عَنِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ بِالتَّصَرُّفِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ مِثْلِهَا لِيَكُونَ لَنَا سُنَّةً.
(ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ لَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِأَنَّ الْقَوْمَ حُضُورٌ. قُلْتُ: هُنَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ وَلَوْ كَانُوا حُضُورًا فَالْأَفْضَلُ إِتْيَانُ الْإِقَامَةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الْأَذَانِ، بَلْ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَهُمَا، فَالْمَعْنَى: فَأَقَامَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَذَانِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَائِتَةَ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ،. لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ هُوَ مَذْهَبُهُ الْقَدِيمُ أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا لِمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدْوَةِ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» ، وَلِقَوْلِهِ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَخْ. إِذِ الْإِقَامَةُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ بِشَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: كَمَا كَانَ إِلَخْ. مَعَ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - يَدْفَعُ احْتِمَالَ أَنْ يُرَادَ الْأَذَانُ فِيهِ الْإِقَامَةُ، فَاقْتِصَارُ مُسْلِمٍ عَلَيْهَا وَخَبَرُ: أَنَّهُ ﵇ «لَمَّا حُبِسَ عَنِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لِتِلْكَ الْفَوَائِتِ» ، لَا يُعَارِضُ مَا مَرَّ لِأَنَّهُ أَصَحُّ مِنْهُ وَمُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ: «أَنَّهُ ﵇ فِي قَضِيَّةِ الْخَنْدَقِ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ» ، وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهَا لِأَنَّ الْمُنْقَطِعَ يَصْلُحُ لِلتَّقْوِيَةِ اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي فَوَائِتِ الْخَنْدَقِ. أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَانَ فِي أُولَى الْفَوَائِتِ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْبَقِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا. (فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) أَيْ: قَضَاءً (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أَيْ: فَرَغَ مِنْهَا (قَالَ (مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) وَفِي مَعْنَى النِّسْيَانِ النَّوْمُ، أَوْ مَنْ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَلِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ سَبَقَتْ، " أَوْ نَامَ عَنْهَا " وَهِيَ الْمُنَاسِبَةُ هُنَا، وَعَلَى حَذْفِهَا فَاكْتَفَى بِالنِّسْيَانِ عَنِ النَّوْمِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ بِجَامِعِ مَا فِي كُلٍّ مِنَ الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ التَّقْصِيرِ (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٍ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْأَدَائِيَّةِ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ أَيْ: إِذَا ذَكَرْتَ صَلَاتِي بَعْدَ النِّسْيَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1083
٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٨٥ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ:، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: نَادَى الْمُؤَذِّنُ بِالْإِقَامَةِ، إِقَامَةً لِلسَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبِّبِ (فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ) أَيْ: مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُنَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْإِقَامَةِ عَلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ. نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَابْنُ الْمَلَكِ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ عَلَامَةٌ عَلَى خُرُوجِهِ كَفَتْحِ بَابٍ أَوْ كَشْفِ سِتَارَةٍ أَوْ سَمَاعِ صَوْتِ نَعْلٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " كَوْنُ الْإِقَامَةِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ لَا يَقْتَضِي حُضُورَهُ عِنْدَهَا، فَقَدْ يَأْمُرُ بِهَا وَهُوَ غَائِبٌ، ثُمَّ يَحْضُرُ عِنْدَ انْتِهَائِهَا أَوْ عَقِبَهُ " - فَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ الْكَلَامِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " قَدْ خَرَجْتُ " مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ. قُلْتُ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ الَّذِي بِدُونِهُ تَحْصُلُ الْإِفَادَةُ، فَكَانَ اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى لِمُسْلِمٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 1084
٦٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رِضَى اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَائْتُوهَا - تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ. فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ( «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» ) . وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
ــ
٦٨٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ» ) حَالٌ أَيْ: لَا تَأْتُوا إِلَى الصَّلَاةِ مُسْرِعِينَ فِي الْمَشْيِ، وَإِنْ خِفْتُمْ فَوْتَ الصَّلَاةِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يُقَالُ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ فِي الْآيَةِ الْقَصْدُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أَيِ: اشْتَغِلُوا بِأَمْرِ الْمَعَادِ، وَاتْرُكُوا أَمْرَ الْمَعَاشِ. قَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ السَّعْيُ مُنْحَصِرًا عَلَى الْأَقْدَامِ، لَكِنْ عَلَى النِّيَّاتِ وَالْقُلُوبِ. اهـ.
يَعْنِي: لَيْسَ السَّعْيَ الْكَامِلَ، أَوْ لَيْسَ السَّعْيُ مُنْحَصِرًا عَلَى الْأَقْدَامِ ; بَلِ الْمَدَارُ عَلَى تَحْصِيلِ الْإِخْلَاصِ فِي وُصُولِ الْمَرَامِ، وَالنَّهْيُ (إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْإِسْرَاعِ الْمُفْضِي إِلَى تَشَتُّتِ الْبَالِ وَعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ، وَلِذَا قَالَ: (وَائْتُوهَا تَمْشُونَ) أَيْ: بِالسَّكِينَةِ وَالطَّمَأْنِينَةِ الَّتِي مَدَارُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِمَا، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْعِبَادَةِ الْحُضُورُ مَعَ الْمَعْبُودِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ مِنْ: لَا تَسْعَوْا لِتَصْوِيرِهِ حَالَةَ سُوءِ الْأَدَبِ، وَأَنَّهُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقِبَهُ بِمَا يُنَبِّهُ عَلَى حُسْنِ الْأَدَبِ فَقَالَ: وَائْتُوهَا حَالَ كَوْنِكُمْ تَمْشُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقُلْ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَسْعَوْا لِظُهُورِ إِعْطَاءِ ظَاهِرِ الْمُعَارَضَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَكْبَرُكُمْ ") : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] وَلِإِبْهَامِ تَرْكِ الْإِتْيَانِ مُطْلَقًا، فَبَيَّنَ أَنَّ السَّعْيَ لَهُ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: الْإِتْيَانُ عَلَى طَرِيقَةِ الْهَرْوَلَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَثَانِيهُمَا: الْإِتْيَانُ عَلَى سَبِيلِ الْمَشْيِ وَالسَّكِينَةِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّعْيَ بِمَعْنَى الْجِدِّ وَالْجُهْدِ فِي الْأَمْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْعَوْا فِي آيَةِ الْجُمُعَةِ بِمَعْنَى: امْضُوا كَمَا قَرَأَ بِهِ، أَوْ بِمَعْنَى اقْصِدُوا كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ.
قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: إِنْ قُلْتَ قَوْلُهُ: " «فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا تَمْشُونَ» "، مَا هَذَا إِلَّا كَمَا تَقُولُ: لَا تَأْكُلْ لَحْمَ الْفَرَسِ، وَلَكِنْ كُلْ لَحْمَ الْحَيَوَانِ وَهُوَ كَلَامٌ ضَعِيفٌ قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ ضَعْفَهُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ لَحْمُ حَيَوَانٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ سَلِمَ فَالْقَيْدُ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) مَعَ أَنَّ السَّعْيَ قَدْ يَكُونُ مَشْيًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَدْ يَكُونُ عَدْوًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] وَقَدْ يَكُونُ عَمَلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ثُمَّ مَنْ خَافَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَقِيلَ: إِنَّهُ يُسْرِعُ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ سَمِعَ الْإِقَامَةَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُهَرْوِلُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى وَقَارٍ لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ الصَّلَاةَ فَكَأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ الْإِسْرَاعُ مَعَ السَّكِينَةِ دُونَ الْعَدْوِ إِحْرَازًا لِلْفَضِيلَتَيْنِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِذَا لَمْ تُدْرَكْ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِهَا الثَّانِي إِلَّا بِالسَّعْيِ فَإِنَّهُ يَجِبُ السَّعْيُ ; لِأَنَّ لِلْوَسِيلَةِ حُكْمَ الْمَقْصِدِ، وَهُوَ هُنَا وَاجِبٌ عَلَيْنَا، فَوَجَبَتْ وَسِيلَتُهُ كَذَلِكَ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَعَلَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَاسْعَوْا لِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ السَّكِينَةُ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهَا أَيِ: الْزَمُوا السَّكِينَةَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَمَعَ بَيْنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ فَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالْحَقُّ أَنَّ السَّكِينَةَ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابُ الْعَبَثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْوَقَارَ فِي الْهَيْئَةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى طَرِيقِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّكِينَةِ سُكُونُ الْقَلْبِ وَحُضُورُهُ وَخُشُوعُهُ وَخُضُوعُهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَبِالْوَقَارِ سُكُونُ الْقَالَبِ مِنَ الْهَيْئَاتِ الْغَيْرِ الْمُنَاسِبَةِ لِلسَّالِكِ (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِكُمْ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَيَحْصُلُ لَكُمُ الثَّوَابُ كَامِلًا، وَبِإِطْلَاقِهِ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُدْرَكُ بِأَيِّ جُزْءٍ أُدْرِكَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَيَحْصُلُ لِلْمَأْمُومِ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ السَّبْعُ وَالْعِشْرُونَ دَرَجَةً، لَكِنْ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنْ أَوَّلِهَا تَكُونُ دَرَجَتُهُ أَكْمَلَ. (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَرْءُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْإِمَامِ يَقَعُ عَلَى بَاقِي شَيْءٍ تَقَدَّمَ أَوَّلُهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. ٥٠
стр. 1085
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. قُلْتُ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا فِي الْقِرَاءَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَذْهَبُ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ لِرِوَايَةِ: " «مَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» "، وَرُدَّ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْقَضَاءِ هُنَا غَيْرُ مُتَأَتِّيَةٍ، فَتُعُيِّنَ حَمْلُهَا عَلَى رِوَايَةِ الْإِمَامِ الصَّرِيحَةِ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ (إِذَا كَانَ يَعْمِدُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: يَقْصِدُ (إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) : أَيْ: حُكْمًا وَثَوَابًا وَقَصْدًا وَمَآبًا، وَفِي نُسْخَةٍ: " فِي الصَّلَاةِ " كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حِينِ قَصْدِهَا ; لِأَنَّ الْمُشَارِفَ لِلشَّيْءِ كَأَنَّهُ فِيهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ فِي التَّأْخِيرِ اهـ. قُلْتُ: وَلَوْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ فِي التَّأْخِيرِ فَبِقَصْدِهِ يَرْتَفِعُ التَّقْصِيرُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ عَنِ الْمَعَائِبِ.
(وَهَذَا الْبَابُ) أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَبْوِيبِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْمَصَابِيحِ: فَصْلٌ (خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي السُّنَنِ أَحَادِيثَ حِسَانًا مُنَاسِبَةً لِهَذَا الْفَصْلِ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 1086
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٨٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁، قَالَ: «عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) . فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ لِلصَّلَاةِ - أَوْ يُقِيمَ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ; فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا) ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ» ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٨٧ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) تَابِعِيٌّ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً) فِيهِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ، فَإِنَّ التَّعْرِيسَ نُزُولُ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ غَيْرُ الْأُولَى، لِأَنَّ تِلْكَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَوَكَّلَ بِلَالًا) أَيْ: أَمَرَهُ (أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ) أَيْ: لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَخَصَّ بِلَالًا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ الَّذِي يَرْقُبُ الْوَقْتَ وَيَحْرُسُهُ (فَرَقَدَ بِلَالٌ) أَيْ: بَعْدَمَا سَهِرَ مُدَّةً وَغَلَبَهُ النَّوْمُ (وَرَقَدُوا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ اعْتِمَادًا عَلَى بِلَالٍ (حَتَّى اسْتَيْقَظُوا) أَيْ: كُلُّهُمْ جَمِيعًا، وَأَوَّلُهُمْ أَفْضَلُهُمْ (وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَرَّرَهُ لِيُنِيطَ بِهِ قَوْلَهُ (فَقَدْ فَزِعُوا) أَيْ: مِنْ فَوَاتِ الصُّبْحِ (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا) أَيْ: أَنْ يَرْحَلُوا (حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) أَيْ: مُسَلَّطٌ أَوْ شَيْطَانٌ عَظِيمٌ (فَرَكِبُوا) أَيْ: وَسَارُوا ( «حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ» ) أَيْ: يُؤَذِّنَ أَوْ يُعْلِمَ لِلصَّلَاةِ (- أَوْ يُقِيمَ -) أَيْ: بَعْدَ الْأَذَانِ، فَأَوْ لِلشَّكِّ، أَوْ بِمَعْنَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالْوَاوِ عَلَى مَا قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ وَالْجَرْمِيُّ كَمَا نَقَلَهُ [فِي] الْمُغْنِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قُلْتُ: لَا قَالَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الْمِشْكَاةِ: أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَأَكْمَلُ، وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ) أَيْ: قَضَى صَلَاةَ الصُّبْحِ جَمَاعَةً (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ) أَيْ: أَدْرَكَ بَعْضَ فَزَعِهِمْ، أَوْ رَأَى عَلَيْهِمْ بَعْضَ آثَارِ خَوْفِهِمْ وَهَيْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا حَسِبُوا أَنَّ فِي النَّوْمِ تَقْصِيرًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا كَمَا: انْظُرْ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ ح عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ مِنَ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ (فَقَالَ) تَسْلِيَةً لَهُمْ وَتَسْكِينًا لِفَزَعِهِمْ ( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا» ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]
стр. 1087
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْقَوْمِ مِمَّا فَزِعُوا مِنْهُ، وَأَنَّ تِلْكَ الْغَفْلَةَ كَانَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - قُلْتُ: هَذَا احْتِجَاجٌ بِالْقَدَرِ، وَحَسَنُهُ خَوْفُهُمْ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ فِي تَأْخِيرِهِمْ حَيْثُ لَا حَرَجَ فِي النَّوْمِ، سِيَّمَا مَعَ الِاحْتِرَاسِ بِأَمْرِ بِلَالٍ لِإِيقَاظِ النَّاسِ (وَلَوْ شَاءَ) أَيْ: أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ (لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا) بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ: غَيْرِ هَذَا الْحِينِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَيَكُونُ الْقَبْضُ وَالرَّدُّ كِلَاهُمَا مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا إِشَارَةً إِلَى الْمَوْتِ الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢] أَيِ: الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا. (فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: غَافِلًا وَذَاهِلًا (عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ تَنْوِيعًا فِي الْحَدِيثِ أَيْ: غَفَلَ عَنْهَا بِسَبَبِ النَّوْمِ أَوْ نَسِيَهَا بِأَمْرٍ آخَرَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ التَّنْوِيعُ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنْ لَوْ كَانَ لِلشَّكِّ لَقَالَ أَوْ نَسِيَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنْ رَقَدَ، أَوْ قَالَ: نَسِيَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْكُلِّ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ: " «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا» "، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ خِلَافُ النَّوْمِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا (ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِنَ (فَزِعَ) مَعْنَى الْتَجَأَ فَعُدِّيَ بِ (إِلَى) أَيِ: الْتَجَأَ إِلَى الصَّلَاةِ فَزَعًا يَعْنِي الْتَجَأَ مِنْ تَرْكِهَا إِلَى فِعْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] أَيْ: مِمَّا سِوَى اللَّهِ (فَلْيُصَلِّهَا) أَيْ: حِينَ قَضَاهَا (كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَيُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ عُلَمَائِنَا حَيْثُ قَالَ: وَخَافَتَ حَتْمًا إِنْ قَضَى (ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ (إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) فَإِنَّهُ لَهُمْ رَئِيسٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلِلنَّبِيِّ صِدِّيقٌ وَصَدِيقٌ، فَفِي الْتِفَاتِهِ غَايَةُ الْتِفَاتِ وَنِهَايَةُ نَوْعٍ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ (فَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: شَيْطَانَ الْوَادِي، أَوْ شَيْطَانَ بِلَالٍ، أَوِ الشَّيْطَانَ الْكَبِيرَ (أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ) أَيْ: أَسْنَدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اضْطَجَعَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا اللَّاحِقُ (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهْدِئُهُ) مِنَ الْإِهْدَاءِ أَيْ: يُسَكِّنُهُ وَيُنَوِّمُهُ. فِي النِّهَايَةِ: الْهُدُوءُ وَالسُّكُونُ عَنِ الْحَرَكَاتِ مِنَ الْمَشْيِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الطَّرِيقِ (كَمَا يُهْدَأُ الصَّبِيُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: أَهْدَأْتُ الصَّبِيَّ وَأَسْكَنْتُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَضْرِبَ كَفَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ وَيَنَامَ (حَتَّى نَامَ) .
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ أَسْنَدَ تِلْكَ الْغَفْلَةَ ابْتِدَاءً إِلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَفِي قَوْلِ بِلَالٍ: أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. ثُمَّ أَسْنَدَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَسْأَلَةُ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. أَيْ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ فِيهِمْ، فَمَكَّنَ الشَّيْطَانَ مِنَ اكْتِسَابِ مَا هُوَ جَالِبٌ لِلْغَفْلَةِ أَوِ النَّوْمِ مِنَ الْهُدُوءِ وَغَيْرِهِ.
( «ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ، وَلِذَا صَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ بِالشَّهَادَةِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي الْمُوَطَّأِ (مُرْسَلًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدًا تَابِعِيٌّ.
стр. 1088
٦٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ: ( «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٦٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ» ) : أَيْ: ثَابِتَتَانِ فِي ذِمَّتِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُعَلَّقَتَانِ صِفَةٌ لِخَصْلَتَانِ، وَقَوْلُهُ (لِلْمُسْلِمِينَ) : خَبَرٌ، وَقَوْلُهُ (صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ) : بَيَانٌ لِلْخَصْلَتَيْنِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمَا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَقَالَ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو الْبُيُوتِ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو بَيْتِ الْقُدْسِ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو مَسْجِدِي، ثُمَّ سَائِرُ الْمُؤَذِّنِينَ. قَالَ: وَمُؤَذِّنُ الْبَيْتِ بِلَالٌ ﵁» اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْوَالِهِمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ.
стр. 1089
[بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ]
ــ
(٧) بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْمَسْجِدُ لُغَةً مَحَلُّ السُّجُودِ، وَشَرْعًا: الْمَحَلُّ الْمَوْقُوفُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَقِيلَ: الْأَرْضُ كُلُّهَا لِخَبَرِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» . وَرُدَّ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ فِيهِ، مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ ; احْتِرَازًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنَامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا تَجُوزُ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبَى شَيْبَةَ: «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ ; تَضَمَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الرَّوْحَ وَالرَّحْمَةَ وَالْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ» ) . وَعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْمَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعَارِضُ خَبَرَ أَبِي دَاوُدَ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ أَيِ: الْمَكَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «وَأَنَّ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَدَارُهُ عَلَى تَمِيمِ بْنِ مَحْمُودٍ، وَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حُبَابٍ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ بِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ غَائِبُهُمْ» ) . وَالتَّبَشْبُشُ مَعْنَاهُ هُنَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَكَانٍ خَاصٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَالْفَضَائِلُ مَحْمُولَةٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَسْكَنًا لِلصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ.
стр. 1090
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٨٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٦٩٠ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٨٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ) أَيِ: الْكَعْبَةَ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَقِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ، وَأَفْضَلُ مَسَاجِدِ الْأَنَامِ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ مِنْ عَرْشِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. . (دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْضِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَحَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: فِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا مَنْعُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ الْفَرْضَ دُونَ النَّفْلِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ: قُبَالَتَهُ، وَمَنْ فِيهِ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِهِ، فَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الْفَرْضَ دَاخِلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى النَّفْلَ ; إِذْ يُسَامَحُ فِي النَّافِلَةِ مَا لَا يُسَامَحُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي تَصْوِيرِ اسْتِدْلَالِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ قُبَالَتَهُ، ثُمَّ رَدُّهُ وَتَزْيِيفُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَارِجَهَا وَاسْتَقْبَلَ بَعْضَهَا فَقَطْ جَازَ - فَمُدْخَلٌ وَمَعْلُولٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ أَيِ: الْمَعْهُودَةُ، يَعْنِي لَا اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا قِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اشْتُغِلَ بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا بِلَالٌ فَقَدْ تَحَقَّقَهَا. (فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ) أَيْ: صَلَّى (رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) : بِضَمِّهِمَا وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: مُقَدَّمِهَا، وَالْقُبُلُ خِلَافُ الدُّبُرِ يَعْنِي: مُسْتَقْبِلٌ بَابَ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ مَعْنَاهُ مُقَابِلَهَا، وَقِيلَ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْهَا، وَهُوَ وَجْهُهَا الَّذِي فِيهِ الْبَابُ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِهَا اقْتِدَاءً بِهِ ﵇ أَوْ لَا؟ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵇، إِنَّمَا صَلَّى لِيُبَيِّنَ انْحِصَارَ الْقِبْلَةِ فِي عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الرَّاوِي: (وَقَالَ: (هَذِهِ) أَيِ: الْكَعْبَةُ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا الْبِنَاءُ (الْقِبْلَةُ) سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا - يَعْنِي الْمُشَارَ إِلَيْهِ - الْقِبْلَةُ فَلَا يُنْسَخُ إِلَى غَيْرِهَا فَصَلُّوا إِلَى الْكَعْبَةِ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ هَذِهِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْقِبْلَةُ لَا غَيْرُهَا كَمَا أَفَادَهُ تَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ فِي الْآيَةِ، لَا الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا وَلَا كُلُّ الْحَرَمِ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ: «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ» ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ ضَعِيفٌ اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِنْ فِعْلِ الدَّاخِلِينَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بَعْدَ دُخُولِهَا فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ أَنْ يَطُوفُوا أَوَّلًا ثُمَّ يَدْخُلُوا ثَانِيًا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ ﵇ فِي مَقَامِ الْإِمَامِ، وَاسْتِقْبَالُهُ الْكَعْبَةَ مِنْ وَجْهِ الْكَعْبَةِ دُونَ أَرْكَانِهَا وَجَوَانِبِهَا الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ فِي الْجُمْلَةِ لَوْ كَانَ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ جَمَاعَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قِيلَ: فِي رِوَايَتِهِ تَوَهُّمُ إِرْسَالٍ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ فِي حِينِ دَخَلَ، وَلَعَلَّ الْعُذْرَ يُقَالُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَتَعَدُّدِ دُخُولِهِ ﵇، أَوْ أَنَّ الْكَاتِبَ أَسْقَطَ مِنْهُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ بِلَالٍ ; لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ، وَلِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ، وَالْكَثْرَةُ تُفِيدُ التَّرْجِيحَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلِاضْطِرَابِ تِلْكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَهُ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَلِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ فَهُوَ لَمْ يَرْوِ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ وَمُشَافَهَتِهِ، بَلْ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا بَحْثٌ.
٦٩٠ - (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
следующие страницы →