← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٨٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁، قَالَ: «عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ، وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) . فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ لِلصَّلَاةِ - أَوْ يُقِيمَ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ; فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا) ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ» ) . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٨٧ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) تَابِعِيٌّ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً) فِيهِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ، فَإِنَّ التَّعْرِيسَ نُزُولُ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ غَيْرُ الْأُولَى، لِأَنَّ تِلْكَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَوَكَّلَ بِلَالًا) أَيْ: أَمَرَهُ (أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ) أَيْ: لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَخَصَّ بِلَالًا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ الَّذِي يَرْقُبُ الْوَقْتَ وَيَحْرُسُهُ (فَرَقَدَ بِلَالٌ) أَيْ: بَعْدَمَا سَهِرَ مُدَّةً وَغَلَبَهُ النَّوْمُ (وَرَقَدُوا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ اعْتِمَادًا عَلَى بِلَالٍ (حَتَّى اسْتَيْقَظُوا) أَيْ: كُلُّهُمْ جَمِيعًا، وَأَوَّلُهُمْ أَفْضَلُهُمْ (وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَرَّرَهُ لِيُنِيطَ بِهِ قَوْلَهُ (فَقَدْ فَزِعُوا) أَيْ: مِنْ فَوَاتِ الصُّبْحِ (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا) أَيْ: أَنْ يَرْحَلُوا (حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) أَيْ: مُسَلَّطٌ أَوْ شَيْطَانٌ عَظِيمٌ (فَرَكِبُوا) أَيْ: وَسَارُوا ( «حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ» ) أَيْ: يُؤَذِّنَ أَوْ يُعْلِمَ لِلصَّلَاةِ (- أَوْ يُقِيمَ -) أَيْ: بَعْدَ الْأَذَانِ، فَأَوْ لِلشَّكِّ، أَوْ بِمَعْنَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالْوَاوِ عَلَى مَا قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ وَالْجَرْمِيُّ كَمَا نَقَلَهُ [فِي] الْمُغْنِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قُلْتُ: لَا قَالَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الْمِشْكَاةِ: أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَأَكْمَلُ، وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ) أَيْ: قَضَى صَلَاةَ الصُّبْحِ جَمَاعَةً (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ) أَيْ: أَدْرَكَ بَعْضَ فَزَعِهِمْ، أَوْ رَأَى عَلَيْهِمْ بَعْضَ آثَارِ خَوْفِهِمْ وَهَيْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا حَسِبُوا أَنَّ فِي النَّوْمِ تَقْصِيرًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا كَمَا: انْظُرْ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ ح عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ مِنَ السِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ (فَقَالَ) تَسْلِيَةً لَهُمْ وَتَسْكِينًا لِفَزَعِهِمْ ( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا» ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]

стр. 1087

قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْقَوْمِ مِمَّا فَزِعُوا مِنْهُ، وَأَنَّ تِلْكَ الْغَفْلَةَ كَانَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - قُلْتُ: هَذَا احْتِجَاجٌ بِالْقَدَرِ، وَحَسَنُهُ خَوْفُهُمْ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ فِي تَأْخِيرِهِمْ حَيْثُ لَا حَرَجَ فِي النَّوْمِ، سِيَّمَا مَعَ الِاحْتِرَاسِ بِأَمْرِ بِلَالٍ لِإِيقَاظِ النَّاسِ (وَلَوْ شَاءَ) أَيْ: أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ (لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا) بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ: غَيْرِ هَذَا الْحِينِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَيَكُونُ الْقَبْضُ وَالرَّدُّ كِلَاهُمَا مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا إِشَارَةً إِلَى الْمَوْتِ الْمَجَازِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢] أَيِ: الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا. (فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: غَافِلًا وَذَاهِلًا (عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ تَنْوِيعًا فِي الْحَدِيثِ أَيْ: غَفَلَ عَنْهَا بِسَبَبِ النَّوْمِ أَوْ نَسِيَهَا بِأَمْرٍ آخَرَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ التَّنْوِيعُ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنْ لَوْ كَانَ لِلشَّكِّ لَقَالَ أَوْ نَسِيَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنْ رَقَدَ، أَوْ قَالَ: نَسِيَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ لِيَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْكُلِّ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ: " «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ أَوْ نَامَ عَنْهَا» "، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ خِلَافُ النَّوْمِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا (ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِنَ (فَزِعَ) مَعْنَى الْتَجَأَ فَعُدِّيَ بِ (إِلَى) أَيِ: الْتَجَأَ إِلَى الصَّلَاةِ فَزَعًا يَعْنِي الْتَجَأَ مِنْ تَرْكِهَا إِلَى فِعْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] أَيْ: مِمَّا سِوَى اللَّهِ (فَلْيُصَلِّهَا) أَيْ: حِينَ قَضَاهَا (كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَيُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ عُلَمَائِنَا حَيْثُ قَالَ: وَخَافَتَ حَتْمًا إِنْ قَضَى (ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ (إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) فَإِنَّهُ لَهُمْ رَئِيسٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلِلنَّبِيِّ صِدِّيقٌ وَصَدِيقٌ، فَفِي الْتِفَاتِهِ غَايَةُ الْتِفَاتِ وَنِهَايَةُ نَوْعٍ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ (فَقَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ: شَيْطَانَ الْوَادِي، أَوْ شَيْطَانَ بِلَالٍ، أَوِ الشَّيْطَانَ الْكَبِيرَ (أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ) أَيْ: أَسْنَدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ اضْطَجَعَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا اللَّاحِقُ (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُهْدِئُهُ) مِنَ الْإِهْدَاءِ أَيْ: يُسَكِّنُهُ وَيُنَوِّمُهُ. فِي النِّهَايَةِ: الْهُدُوءُ وَالسُّكُونُ عَنِ الْحَرَكَاتِ مِنَ الْمَشْيِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الطَّرِيقِ (كَمَا يُهْدَأُ الصَّبِيُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: أَهْدَأْتُ الصَّبِيَّ وَأَسْكَنْتُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَضْرِبَ كَفَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ وَيَنَامَ (حَتَّى نَامَ) . فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ أَسْنَدَ تِلْكَ الْغَفْلَةَ ابْتِدَاءً إِلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَفِي قَوْلِ بِلَالٍ: أَخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. ثُمَّ أَسْنَدَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَسْأَلَةُ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. أَيْ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ فِيهِمْ، فَمَكَّنَ الشَّيْطَانَ مِنَ اكْتِسَابِ مَا هُوَ جَالِبٌ لِلْغَفْلَةِ أَوِ النَّوْمِ مِنَ الْهُدُوءِ وَغَيْرِهِ. ( «ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ، وَلِذَا صَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ بِالشَّهَادَةِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي الْمُوَطَّأِ (مُرْسَلًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدًا تَابِعِيٌّ.

стр. 1088

٦٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ: ( «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٦٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ» ) : أَيْ: ثَابِتَتَانِ فِي ذِمَّتِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُعَلَّقَتَانِ صِفَةٌ لِخَصْلَتَانِ، وَقَوْلُهُ (لِلْمُسْلِمِينَ) : خَبَرٌ، وَقَوْلُهُ (صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ) : بَيَانٌ لِلْخَصْلَتَيْنِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمَا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَقَالَ: إِنَّهُ غَرِيبٌ، «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو الْبُيُوتِ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو بَيْتِ الْقُدْسِ، ثُمَّ مُؤَذِّنُو مَسْجِدِي، ثُمَّ سَائِرُ الْمُؤَذِّنِينَ. قَالَ: وَمُؤَذِّنُ الْبَيْتِ بِلَالٌ ﵁» اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْوَالِهِمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ.

стр. 1089

[بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ] ــ (٧) بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْمَسْجِدُ لُغَةً مَحَلُّ السُّجُودِ، وَشَرْعًا: الْمَحَلُّ الْمَوْقُوفُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، وَقِيلَ: الْأَرْضُ كُلُّهَا لِخَبَرِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» . وَرُدَّ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ فِيهِ، مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ ; احْتِرَازًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنَامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا تَجُوزُ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبَى شَيْبَةَ: «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَهُ ; تَضَمَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الرَّوْحَ وَالرَّحْمَةَ وَالْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الْجَنَّةِ» ) . وَعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْمَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعَارِضُ خَبَرَ أَبِي دَاوُدَ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْرِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ أَيِ: الْمَكَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «وَأَنَّ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرَ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَدَارُهُ عَلَى تَمِيمِ بْنِ مَحْمُودٍ، وَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حُبَابٍ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ بِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ غَائِبُهُمْ» ) . وَالتَّبَشْبُشُ مَعْنَاهُ هُنَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ اتِّخَاذِ مَكَانٍ خَاصٍّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَالْفَضَائِلُ مَحْمُولَةٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَسْكَنًا لِلصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحُظُوظِ النَّفْسِيَّةِ.

стр. 1090

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٨٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٦٩٠ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. ــ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٨٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ) أَيِ: الْكَعْبَةَ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَقِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ الْعِظَامِ، وَأَفْضَلُ مَسَاجِدِ الْأَنَامِ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ مِنْ عَرْشِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. . (دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ; لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْضِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَحَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: فِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا مَنْعُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ الْفَرْضَ دُونَ النَّفْلِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ: قُبَالَتَهُ، وَمَنْ فِيهِ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِهِ، فَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الْفَرْضَ دَاخِلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى النَّفْلَ ; إِذْ يُسَامَحُ فِي النَّافِلَةِ مَا لَا يُسَامَحُ فِي الْفَرِيضَةِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي تَصْوِيرِ اسْتِدْلَالِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ قُبَالَتَهُ، ثُمَّ رَدُّهُ وَتَزْيِيفُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَارِجَهَا وَاسْتَقْبَلَ بَعْضَهَا فَقَطْ جَازَ - فَمُدْخَلٌ وَمَعْلُولٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ أَيِ: الْمَعْهُودَةُ، يَعْنِي لَا اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا قِيلَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اشْتُغِلَ بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا بِلَالٌ فَقَدْ تَحَقَّقَهَا. (فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ) أَيْ: صَلَّى (رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) : بِضَمِّهِمَا وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: مُقَدَّمِهَا، وَالْقُبُلُ خِلَافُ الدُّبُرِ يَعْنِي: مُسْتَقْبِلٌ بَابَ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ مَعْنَاهُ مُقَابِلَهَا، وَقِيلَ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْهَا، وَهُوَ وَجْهُهَا الَّذِي فِيهِ الْبَابُ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِهَا اقْتِدَاءً بِهِ ﵇ أَوْ لَا؟ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵇، إِنَّمَا صَلَّى لِيُبَيِّنَ انْحِصَارَ الْقِبْلَةِ فِي عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الرَّاوِي: (وَقَالَ: (هَذِهِ) أَيِ: الْكَعْبَةُ وَهِيَ الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا الْبِنَاءُ (الْقِبْلَةُ) سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا - يَعْنِي الْمُشَارَ إِلَيْهِ - الْقِبْلَةُ فَلَا يُنْسَخُ إِلَى غَيْرِهَا فَصَلُّوا إِلَى الْكَعْبَةِ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ هَذِهِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْقِبْلَةُ لَا غَيْرُهَا كَمَا أَفَادَهُ تَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ فِي الْآيَةِ، لَا الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا وَلَا كُلُّ الْحَرَمِ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ: «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ» ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ ضَعِيفٌ اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِنْ فِعْلِ الدَّاخِلِينَ أَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بَعْدَ دُخُولِهَا فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِمْ إِذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ أَنْ يَطُوفُوا أَوَّلًا ثُمَّ يَدْخُلُوا ثَانِيًا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ ﵇ فِي مَقَامِ الْإِمَامِ، وَاسْتِقْبَالُهُ الْكَعْبَةَ مِنْ وَجْهِ الْكَعْبَةِ دُونَ أَرْكَانِهَا وَجَوَانِبِهَا الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ فِي الْجُمْلَةِ لَوْ كَانَ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ جَمَاعَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قِيلَ: فِي رِوَايَتِهِ تَوَهُّمُ إِرْسَالٍ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ فِي حِينِ دَخَلَ، وَلَعَلَّ الْعُذْرَ يُقَالُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَتَعَدُّدِ دُخُولِهِ ﵇، أَوْ أَنَّ الْكَاتِبَ أَسْقَطَ مِنْهُ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِالصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ نَظَرٌ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدَّمُوا رِوَايَةَ بِلَالٍ ; لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ، وَلِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ، وَالْكَثْرَةُ تُفِيدُ التَّرْجِيحَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلِاضْطِرَابِ تِلْكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ» . وَالدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَهُ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَلِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ فَهُوَ لَمْ يَرْوِ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ وَمُشَافَهَتِهِ، بَلْ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا بَحْثٌ. ٦٩٠ - (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) : قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1091

٦٩١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا مِنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةِ، ثُمَّ صَلَّى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ» ) بِرَفْعِ أُسَامَةَ عَلَى الْعَطْفِ، وَهُوَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ) الْحَاجِبُ: الْبَوَّابُ، الْجَمْعُ حَجَبَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَاتِحُ بَيْتِ اللَّهِ (وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ ; مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَأَغْلَقَهَا) أَيِ: الْكَعْبَةَ يَعْنِي بَابَهَا، وَالْفَاعِلُ بِلَالٌ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ أَوْ عُثْمَانُ فَإِنَّهُ أَنْسَبُ، (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ هُوَ النَّبِيَّ ﵇ بِمَعْنَى الْآمِرِ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ (وَمَكُثَ فِيهَا) : بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَيْ: تَوَقَّفَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتُغِلَ بِالدُّعَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَغْلَقَ ﵇ الْبَابَ ; لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَبْهَرِيَّ قَالَ: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي أَغْلَقَهَا عَائِدٌ إِلَى عُثْمَانَ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَغْلَقَاهَا، فَالضَّمِيرُ لِعُثْمَانَ وَبِلَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: فَأَغْلَقُوا وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ، فَأَمَّا ضَمُّ بِلَالٍ فَلَعَلَّهُ سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ غَيْرَهُمَا أُمِرَ بِذَلِكَ اهـ. وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ بِمُسَاعَدَةِ أُسَامَةَ وَبِأَمْرِهِ ﵇، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ إِنَّمَا أَغْلَقَهُ ; خَوْفًا مِنَ الزَّحْمَةِ وَوُقُوعِ الضُّرِّ، وَلِيَكُونَ أَسْكَنَ لِقَلْبِهِ وَأَجْمَعَ لِخُشُوعِهِ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ النَّوَوِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَغْلَقَهُ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إِلَى جِدَارٍ مِنْ جُدْرَانِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إِلَى الْبَابِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ، وَلَمْ تَكُنْ عَتَبَتُهُ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ تَعْلِيلٌ غَرِيبٌ وَتَفْرِيعٌ عَجِيبٌ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَغْلَقَهُ لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَ شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِذَا أُغْلِقَ صَارَ كَأَنَّهُ جِدَارُ الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمَّا هَدَمَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَضَعَ أَعْمِدَةً وَسَتَرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ لِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَقْبِلِينَ وَطَوَافِ الطَّائِفِينَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كُنْتَ هَادِمَهَا فَلَا تَدَعِ النَّاسَ لَا قِبْلَةَ لَهُمْ أَيْ: لَا عَلَامَةَ لِلْقِبْلَةِ، فَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ بُقْعَةَ الْبَيْتِ لَيْسَتْ عِنْدَهُمَا كَالْبَيْتِ، كَمَا فَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِقْبَالِ إِلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ مِنَ الْخَارِجِ، وَلِهَذَا قَالَ جَابِرٌ: صَلُّوا إِلَى مَوَاضِعِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِ الْهَوَاءِ لِلْخَارِجِ دُونَ الدَّاخِلِ. (فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; أَيْ: دَاخِلَ الْبَيْتِ (فَقَالَ) أَيْ: بِلَالٌ (جَعَلَ) ﷺ (عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْجَمْعُ عَلَى تَعَدُّدِ الدُّخُولِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى عَدَمِهِ يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَوْقِفِ الصَّلَاةِ وَالْآخَرُ عَلَى مَوْقِفِ الدُّعَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ) أَيْ: خَلْفَهُ، وَقِيلَ: قُدَّامَهُ (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) وَأَمَّا الْآنَ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَعْمِدَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ اهـ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَجَّاجَ إِنَّمَا غَيَّرَ جِدَارَ الْحَجَرِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ صَلَّى) أَيْ: مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ الْمُقَابِلِ لِلْجِدَارِ الشَّرْقِيِّ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ تَقْرِيبًا، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ بِلَالٍ الْمُثْبِتِ لِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ أُسَامَةَ النَّافِي لِصَلَاتِهِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرَاوِيَةِ بِلَالٍ، لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهُ، وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ أَغْلَقُوا الْبَابَ وَاشْتُغِلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو، فَاشْتُغِلَ هُوَ بِالدُّعَاءِ أَيْضًا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ، وَالرَّسُولُ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَبِلَالٌ قَرِيبٌ مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ مَعَ خِفَّةِ الصَّلَاةِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَاشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ، وَجَازَ لَهُ نَفْيُهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵇ دَخَلَ مَرَّتَيْنِ فَمَرَّةً صَلَّى فِيهِ وَمَرَّةً دَعَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، فَلَمْ تَتَضَادِ الْأَخْبَارُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ. قَالَ مِيرَكُ: وَأَقُولُ احْتِمَالُ تَعَدُّدِ الدُّخُولِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ دُخُولَهُ ﵇ الْكَعْبَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً اهـ.

стр. 1092

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ حَمْلُهُمَا عَلَى دُخُولَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ، أَحَدِهِمَا: يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَلَّى فِيهِ، وَالْآخَرِ: فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، دَخَلَهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَدَخَلَهَا مِنَ الْغَدِ وَصَلَّى فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ نَفْيَ أُسَامَةَ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ - لِيَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَاءٍ فِي الدَّلْوِ، حَتَّى يَمْحُوَ بِهِ الصُّوَرَ الَّتِي فِي الْكَعْبَةِ، فَوَقَعَتِ الصَّلَاةُ فِي غَيْبَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَقَعَ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنَّهُ نَازَعَ فِي خَبَرِ بِلَالٍ بِمَا يُعْلَمُ رَدُّهُ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَلِلشَّارِحِ كَلَامٌ نَحْوَ كَلَامِهِ، وَزَعْمُهُ أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارَضَا، - فَيُحْمَلُ عَلَى النَّسْخِ - فِي غَايَةِ التَّهَافُتِ لِمَا مَرَّ مِنْ خَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ هُوَ الصَّلَاةُ فَتَكُونُ هِيَ النَّاسِخَةَ لِلنَّفْيِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ النَّسْخَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الْجَوَازِ، وَعَلَى نَفْيِهِ عَلَى عَدَمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَدَمَ صَلَاتِهِ بِالْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ جَوَازِهَا هَذَا وَيُسْتَفَادُ مِنْ دُخُولِهِ ﵇ الْكَعْبَةَ وَصَلَاتِهِ بِهَا، أَنَّهُ يُسَنُّ دُخُولُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ وَقَالَ: فِيهِ مَنْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَجَعَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَإِنْ قُلْتَ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَةَ دُخُولِهَا لِخَبَرِ: «صَنَعْتُ الْيَوْمَ شَيْئًا لَوْ كُنْتُ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا كُنْتُ صَنَعْتُهُ» . «قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَخَشِيتُ أَنْ يَأْتِيَ الْآتِي مِنْ بَعْدِي يَقُولُ: حَجَجْتُ وَلَمْ أَدْخُلِ الْبَيْتَ، وَأَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا دُخُولُهُ، وَإِنَّمَا كُتِبَ عَلَيْنَا طَوَافُهُ» . قُلْتُ: الْحَدِيثُ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، فِي إِسْنَادِهِ ضَعِيفٌ، عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمُطْلَقِ الْكَرَاهَةِ، بَلْ لِخُصُوصِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي دُخُولُهُ مَرَّاتٍ. مَرَّةً يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعًا، وَمَرَّةً رَكْعَتَيْنِ، وَمَرَّةً يَدْعُو لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَحَمَلَهَا الْمُحَقِّقُونَ عَلَى دُخُولِهِ مَرَّاتٍ، وَلِيَجْتَنِبَ دَاخِلُهُ الزَّحْمَةَ وَالْمُزَاحَمَةَ مَا أَمْكَنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ دَاخِلِيهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ رِبْحُهُمْ أَقَلُّ مِنْ خُسْرَانِهِمْ، وَطَاعَتُهُمْ أَقَلُّ مِنْ عِصْيَانِهِمْ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا مِنْ مِنَّةِ الشَّيْبِيَّةِ بِإِخْرَاجِ الْحَجَرِ مِنَ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ «قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ سَأَلَتْ دُخُولَ الْكَعْبَةِ: صَلِّي فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْهَا» ، وَإِذَا دَخَلَهَا، فَلْيَدْخُلْ بِأَدَبٍ وَخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ، وَيَدْعُو بِدَعَوَاتِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَيُزِيدُ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] الْآيَةَ. وَلَا يَنْظُرُ إِلَى سَقْفِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ، فَعَنْ عَائِشَةَ: «عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَدَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ إِجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامًا ; دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا» . صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، «أَنَّهُ جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ نِسْبَةَ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ لِلشَّيْخَيْنِ فِيهَا نَظَرٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَرَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ وَيَجْعَلَ الْبَابَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي يَلِي وَجْهَهُ حِينَ يَدْخُلُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، فَيُصَلِّيَ وَهُوَ يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الذَّكِيَّ. أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى فِيهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ بِلَالًا أَخْبَرَهُ، «قَالَ: صَلَّى ﵇ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ الْبَابَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ حِينَ يَلِجُ الْبَيْتَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ» . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَسَبَبُ وُصُولِ السِّدَانَةِ - بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ خِدْمَةُ الْبَيْتِ - لَهُمْ أَنَّ جُرْهُمَ لَمَّا اسْتَخَفَّتْ بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ شَرَّدَهُمُ اللَّهُ، وَوَلِيَتْهُ خُزَاعَةُ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ وُلِّيَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ الْحِجَابَةَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ الْحِجَابَةَ وَهِيَ: السِّدَانَةُ، وَاللِّوَاءُ، وَدَارُ النَّدْوَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِاجْتِمَاعِ النَّدَى فِيهَا وَهُمُ: الْأَشْرَافُ لِإِبْرَامِ أُمُورِهِمْ، وَأَعْطَى وَلَدَ عَبْدِ مُنَافٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ، ثُمَّ جَعَلَ عَبْدُ الدَّارِ الْحِجَابَةَ إِلَى

стр. 1093

ابْنِهِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي أَوْلَادِهِ حَتَّى وَلِيَ الْحَجَبَةَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: «كُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ، فَنِلْتُ مِنْهُ وَحَلَمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا عُثْمَانُ: لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ. فَقُلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ. قَالَ ﵇: بَلْ عَزَّتْ، وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، وَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا قُومِي يَزْبُرُونِي زَبْرًا شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضَاءِ أَيْ: سَنَةَ سَبْعٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي، وَأَدْخَلَنِي الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يَعْزِمْ لِي أَنْ آتِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَزَمَ لِيَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَأَدْلَجْتُ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَاصْطَحَبْنَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَايَعْتُهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ أَيْ: سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ قَالَ ﷺ : يَا عُثْمَانُ ; ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ مِنِّي ثَمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: (خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ» ) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «لَمَّا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ، فَهَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقَايَةِ، فَكَفَّ عُثْمَانُ يَدَهُ مَخَافَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعَبَّاسَ، فَقَالَ ﵇: (أَرِنِي الْمِفْتَاحَ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، فَقَالَ: هَاكِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَأَخَذَ ﵇ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يَلِي فَتْحَ الْبَيْتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَدُفِعَ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَبَقِيَتِ الْحِجَابَةُ فِي بَنِي شَيْبَةَ» .

стр. 1094

٦٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (صَلَاةٌ) : التَّنْكِيرُ لِلْوِحْدَةِ: أَيْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ (فِي مَسْجِدِي هَذَا) : أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لَا مَسْجِدِ قُبَاءٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي أَنْ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ فِيمَا كَانَ مَسْجِدًا فِي حَيَاتِهِ ﵇، لَا فِيمَا زِيدَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ. وَوَافَقَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَأَطَالَ فِيهِ، وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَأَوْرَدَا آثَارًا اسْتَدَلَّا بِهَا، وَبِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ ﷺ ، وَبِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هِيَ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ ﵇، وَبِأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِعَدَمِ الْخُصُوصِيَّةِ وَقَالَ: لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، فَعَلِمَ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، وَلَوْلَا هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنْ يَسْتَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ: لَوِ انْتَهَى إِلَى الْجَبَّانَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ لَكَانَ الْكُلُّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَوْ زِيدَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مَا زِيدَ كَانَ الْكُلُّ مَسْجِدِي» ) وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» . هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» ) : فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي لَا تَفْضُلُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَلْفٍ بَلْ بِدُونِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ، وَيَحْتَمِلُ الْمُسَاوَاةَ أَيْضًا. قُلْتُ: لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآتِيَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي، يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِلطَّرَفَيْنِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1095

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَهِمَ مِنْهُ الْمَالِكِيَّةُ أَفْضَلِيَّةَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، قَالُوا: وَمَعْنَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ بِدُونِ الْأَلِفِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمُبْطِلَةِ لِمَا فَهِمُوهُ، بَلْ مَعْنَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ تَفْضُلُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي خَبَرِ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ. وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ حَبِيبِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ) . وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَلِمَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إِنَّهُ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ إِلَّا الْمُتَعَسِّفَ لَا يُعْرَجُ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَمْدَحُهُ وَيُوَثِّقُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَغَيْرُهُمْ - يَرْوُونَ عَنْهُ، وَهُمْ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِالِاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ ; لِأَنَّ قَوْمًا يَرْوُونَهُ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَآخَرِينَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَآخَرِينَ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذَا عِلَّةً فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ هُوَ الْوَاقِعُ كَمَا يَأْتِي، وَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَدْفَعَ خَبَرَ نَقْلِهِ الْعُدُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: إِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمِائَةٍ، إِلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ. وَقَدْ تَابَعَ حَبِيبًا الْمُعَلِّمَ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: إِسْنَادُهُ صَالِحٌ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ فِي بَعْضِ رِجَالِهِ لِينٌ: ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» ) . وَخَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: رِجَالُ إِسْنَادِهِ عُلَمَاءُ أَجِلَّاءُ، وَلَفْظُهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ بِلَفْظِ: (إِلَّا «الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ» ) . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ: ( «فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ» ) . وَخَبَّرَ ابْنُ مَاجَهْ ( «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ) . وَخَبَّرَ الطَّبَرَانِيُّ: ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِعَشَرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ» ) . قُلْتُ: يُحْمَلُ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَوَّلًا عَلَى الْفَرْضِ، وَثَانِيًا عَلَى النَّفْلِ ; لِئَلَّا يَتَعَارَضَا أَوْ عَلَى الْعُذْرِ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ. - قَالَ ابْنُ حَزْمٍ بِسَنَدٍ كَالشَّمْسِ فِي الصِّحَّةِ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ » ، وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَفْضُلُ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ بِمِائَةِ ضِعْفٍ» .

стр. 1096

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ: فَهَذَانِ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ يَقُولَانِ بِفَضْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ. وَفِي رِسَالَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى الرَّجُلِ الزَّاهِدِ الَّذِي أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ رَكْعَتَيْنِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي مَسْجِدِي أَلْفَ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْبُلْدَانِ» ) إِذَا تَأَمَّلْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ ضَعْفَ مَا قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ «صَلَاةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ، تَبْلُغُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فِيهِ عُمُرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَصَلَاةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِيهِ تَبْلُغُ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَسَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَعَشْرَ لَيَالٍ اهـ. وَضَعَّفَ مَا قِيلَ أَيْضًا: صَلَاةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ. كَمَا وَرَدَ: كُلُّ صَلَاةٍ فِيهِ جَمَاعَةً بِأَلْفَيْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِيهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ صَلَاةٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كُلُّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ، وَكُلُّ أَلْفِ سَنَةٍ بِأَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ صَلَاةً وَاحِدَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَمَاعَةً، يَفْضُلُ ثَوَابُهَا عَلَى ثَوَابِ مَنْ صَلَّى فِي بَلَدِهِ فُرَادَى، حَتَّى بَلَغَ عُمُرَ نُوحٍ بِنَحْوِ الضِّعْفِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ تُسَاوِي رِحْلَةً اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ غَفْلَةٌ عَنِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ: صَلَاةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَسْجِدِهِ ﵇، وَإِلَّا فَالْحَسَنَاتُ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، ثُمَّ لَا تَنَافِيَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي التَّضْعِيفِ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدِيثَ الْأَقَلِّ قَبْلَ حَدِيثِ الْأَكْثَرِ، ثُمَّ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِالْأَكْثَرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفَاوُتُ الْأَعْدَادِ لِتَفَاوُتِ الْأَحْوَالِ ; لِمَا جَاءَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِينَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. وَوَرَدَ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ بِلَفْظِهِ: «فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» ، مِنْ كَلَامِ السِّرِّيِّ السَّقْطِيِّ. قُلْتُ: ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» ، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلِ: أَنَّهُ الْحَرَمُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: التَّفْضِيلُ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ فَإِنَّهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَجَعَلُوا حُكْمَ الْبَيْتِ غَيْرَ حُكْمِ الْمَسْجِدِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُمْكِنُ إِبْقَاءُ حَدِيثِ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ، عَلَى عُمُومِهِ، فَتَكُونُ النَّافِلَةُ فِي بَيْتِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ، تُضَاعَفُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ مَكَّةُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ: «صَلَاةٌ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ» . وَالرَّابِعِ: أَنَّهُ الْكَعْبَةُ وَهُوَ أَبْعَدُهَا. قِيلَ: وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ كُلَّهَا الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ حَسَنَةَ الْحَرَمِ مُطْلَقًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، لَكِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَا قِيلَ: بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي، وَلَمْ يَقُلْ حَسَنَةً. وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِهِ ﵇ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، كُلُّ صَلَاةٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِهِ ﵇ بِعَشَرَةِ آلَافِ حَسَنَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بَعْضُ الْحَسَنَاتِ بِبَعْضٍ، أَوْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ لِمَعْنًى فِيهَا الْكَعْبَةُ وَحْدَهَا. الرِّوَايَةُ إِلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: إِلَّا الْمَسْجِدَ وَالْكَعْبَةَ، وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ الْمُضَاعَفَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ، بَلْ تَعُمُّ النَّفْلَ أَيْ تَعُمُّ النَّفْلَ أَيْضًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْفَرْضِ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً، وَلَا يُنَافِي عُمُومَ التَّضْعِيفِ لِلنَّفْلِ كَوْنُهُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ حَتَّى فِي الْكَعْبَةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: ( «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ) ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى الْمُضَاعَفَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ: صَلَاةُ الظُّهْرِ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْمُضَاعَفَةَ مُخْتَصَّةً بِهِ لَمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ. وَالْمُضَاعَفَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِزَمَنِهِ ﵇ عَلَى الْمُخْتَارِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالتَّضْعِيفِ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَجْرِ دُونَ الْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَالصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ

стр. 1097

الثَّلَاثَةِ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِجْمَاعًا، وَمَا اشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَكُونُ قَضَاءَ الدَّهْرِ، بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. ثُمَّ الْمُضَاعَفَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ بَلْ تَعُمُّ سَائِرَ الطَّاعَاتِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ: صَوْمُ يَوْمٍ بِمَكَّةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَصَدَقَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ بِسَنَدٍ حَسَنٍ خِلَافًا لِمَنْ ضَعَّفَ: «إِنَّ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ خَبَرَ: «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ، وَكُتِبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ حِمْلُ فَرَسَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَرَوَى الْبَزَّارُ خَبَرَ: «رَمَضَانُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ» ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَالْحَسَنَاتِ مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، ثُمَّ قِيلَ: تَضْعِيفُهَا كَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ بِالْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَخَارِجِهِ، وَأَخَذَ الْجُمْهُورُ بِالْعُمُومَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَحَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِالْمُضَاعَفَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُضَاعَفَةُ الْكَيْفِيَّةِ لَا الْكَمِّيَّةِ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ جَزَاؤُهَا سَيِّئَةٌ، لَكِنَّ السَّيِّئَاتِ مُتَفَاوِتَةٌ إِذْ لَيْسَ مَنْ عَصَى الْمَلِكَ عَلَى بِسَاطِ مُلْكِهِ كَمَنْ عَصَاهُ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ بَلَدِهِ، قِيلَ: يَرْجِعُ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ الْحَمْلِ أَيْضًا إِذْ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ سَيِّئَةٍ مُعَظَّمَةٍ تُقَدَّرُ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَبَيْنَ سَيِّئَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيِّئَةٍ عَدَدًا ; وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْحَرَمِ الْمُقْتَضِي لِتَعْظِيمِ السَّيِّئَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ كَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الْهَمِّ فِيهِ بِالسَّيِّئَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ لِأَفْضَلِيَّةِ الْمَدِينَةِ بِخَبَرِ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَخَبَرِ: ( «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ» ) وَهُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: بَلْ مَوْضُوعٌ، وَخَبَرِ: ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» ) يَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقَدْ صَحَّ فِي فَضِيلَةِ مَكَّةَ أَحَادِيثُ أَيْضًا مِنْهَا خَبَرُ: ( «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ» ) ، وَخَبَرُ: ( «مَا أَطْيَبَكِ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» ) . وَمِنْهَا خَبَرُ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُمْ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: ( «أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً» ؟) قَالُوا: لَا إِلَّا بَلَدَنَا الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا يَشْهَدَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ النَّاسَ: ( «أَيُّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً» ؟) فَأَجَابُوا بِأَنَّهُ مَكَّةُ. وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِلَادِ، وَأَقَرَّهُمْ ﵇، هَذَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ الْمُنِيفَةِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهُ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ الْفَاكِهَانِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ قَالَ: بَلِ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيِّنُ تَفْضِيلُ جَمِيعِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَاءِ لِحُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَكْثَرِينَ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ: مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا عَدَا الْكَعْبَةَ، فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، مَا عَدَا مَوْضِعَ قَبْرِهِ الْمُقَدَّسِ وَمَحَلِّ نَفْسِهِ الْأَنْفَسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا دَامَ الصُّبْحُ تَنَفَّسَ وَاللَّيْلُ إِذَا عَسْعَسَ.

стр. 1098

٦٩٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٣ - (وَعَنْ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ» ) : جَمْعُ رَحْلٍ، وَهُوَ كَوْرُ الْبَعِيرِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ فَضِيلَةِ شَدِّهَا وَرَبْطِهَا (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) : قِيلَ: نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ أَيْ: لَا تَشُدُّوا إِلَى غَيْرِهَا لِأَنَّ مَا سِوَى الثَّلَاثَةِ مُتَسَاوٍ فِي الرُّتْبَةِ غَيْرُ مُتَفَاوِتٍ فِي الْفَضِيلَةِ، وَكَانَ التَّرَحُّلُ إِلَيْهِ ضَائِعًا وَعَبَثًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَحْرُمُ شَدُّ الرَّحْلِ إِلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الرِّحْلَةِ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَقُبُورِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا تَبَيَّنَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، بَلِ الزِّيَارَةُ مَأْمُورٌ بِهَا لِخَبَرِ: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» ) . وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ نَهْيًا عَنِ الشَّدِّ لِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِتَمَاثُلِهَا، بَلْ لَا بَلَدَ إِلَّا وَفِيهَا مَسْجِدٌ، فَلَا مَعْنَى لِلرِّحْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ فَلَا تُسَاوِي بَلْ بَرَكَةُ زِيَارَتِهَا عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَمْنَعُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ شَدِّ الرَّحْلِ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَيَحْيَى، وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْإِحَالَةِ، وَإِذَا جُوِّزَ ذَلِكَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءُ فِي مَعْنَاهُمْ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَغْرَاضِ الرِّحْلَةِ، كَمَا أَنَّ زِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَيَاةِ مِنَ الْمَقَاصِدِ. (مَسْجِدِ الْحَرَامِ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَوَجْهُهُمَا ظَاهِرٌ (وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) : وَصَفَهُ بِالْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِتَقَدُّمِهِ وُجُودًا (وَمَسْجِدِي هَذَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَزِيَّةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لِكَوْنِهَا أَبْنِيَةَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَمَسَاجِدَهُمْ. قُلْتُ: وَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَرْجَحِيَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] هُوَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ مَسْجِدُ قُبَاءٍ تَابِعٌ لِمَسْجِدِهِ، أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ لِمَا يَأْتِي، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَيْهِ غَالِبًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1099

٦٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي» ) : الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ بَيْتُ سُكْنَاهُ، وَقِيلَ: قَبْرُهُ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: ( «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي» ) : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ قَبْرَهُ فِي بَيْتِهِ، قِيلَ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَهُمَا الْمِحْرَابَ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ بَيْتِهِ، لِأَنَّ بَابَ حُجْرَتِهِ كَانَ مَفْتُوحًا إِلَى الْمَسْجِدِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: مَا بَيْنَ حُجْرَتِي وَمُصَلَّايَ. (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) : قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذِّكْرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ( «الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» ) وَفِي الْحَدِيثِ: ( «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» ) أَيْ: بِرُّهَا وَصِلَتُهَا، وَالتَّحَمُّلُ عَنْهَا يُوَصِّلُ إِلَى دَارِ اللَّذَّاتِ. وَفِي حَدِيثٍ: ( «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا) قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: (الْمَسَاجِدُ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: (حِلَقُ الذِّكْرِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا سَمَّى تِلْكَ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ رَوْضَةً ; لِأَنَّ زُوَّارَ قَبْرِهِ وَعُمَّارَ مَسْجِدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَمْ يَزَالُوا مُكَبِّينَ فِيهَا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَعِبَادَتِهِ إِذَا صَدَرَ عَنْهَا فَرِيقٌ وَرَدَ عَلَيْهَا آخَرُونَ، كَمَا جَعَلَ حِلَقَ الذِّكْرِ رِيَاضَ الْجَنَّةِ قَالَ: (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) : أَيْ: عَلَى حَافَّتِهِ، فَمَنْ شَهِدَهُ مُسْتَمِعًا إِلَيَّ أَوْ مُتَبَرِّكًا بِذَلِكَ الْأَثَرِ شَهِدَ الْحَوْضَ، وَنَبَّهَ ﵇ عَلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ مَوْرِدُ الْقُلُوبِ الصَّادِئَةِ فِي بَيْدَاءِ الْجَهَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْحَوْضَ مَوْرِدُ الْأَكْبَادِ الظَّامِئَةِ فِي حَرِّ الْقِيَامَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْكَلَامُ مَا لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ عُقُولُنَا، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَدِيثُ بَاقٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالرَّوْضَةُ قِطْعَةٌ نُقِلَتْ

стр. 1100

مِنَ الْجَنَّةِ وَسَتَعُودُ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ كَسَائِرِ الْأَرْضِ تَفْنَى وَتَذْهَبُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَهِيَ مِنَ الْجَنَّةِ الْآنَ حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَحْوَ الْجُوعِ لِاتِّصَافِهَا بِصِفَةِ دَارِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: يُعِيدُ اللَّهُ مِنْبَرَهُ عَلَى حَالِهِ فَيَنْصِبُهُ عَلَى حَوْضِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُمْكِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَرُوِيَ: وَمِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةِ حَوْضِي، وَالتُّرْعَةُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ: الرَّوْضَةُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: هِيَ الدَّرَجَةُ، وَقِيلَ: الْبَابُ، وَقِيلَ: تُرْعَةُ الْحَوْضِ مَفْتَحُ الْمَاءِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ﵇ فِي الْآخِرَةِ مِنْبَرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْبَرُهُ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِمْدَادِهِ ﵇ مِنَ الْحَوْضِ الزَّاخِرِ النَّبَوِيِّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْآخَرِ لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي الْآخَرِ دُونَ الِاتِّعَاظِ بِالْأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: ظَنَّ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ أَنَّ تِلْكَ الرَّوْضَةَ قِطْعَةٌ مُقْتَطَعَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْأَنْهَارَ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ وَالْفُرَاتَ وَالنِّيلَ مُهْبَطَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْجَنَّةِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تُجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا الرَّوْضَةَ، فَصَحَّ أَنَّ قَوْلَهُ: مِنَ الْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِفَضْلِهَا، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَنْهَارَ لِطِيبِهَا وَبَرَكَتِهَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ، وَكَمَا قِيلَ فِي الضَّأْنِ: إِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حِلَقَ الذِّكْرِ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ لَهُ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ لَمَّا نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ أُعْطِيَتْ أَحْكَامَهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ حَلَفَ دَاخِلُهَا أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ حَنِثَ وَاعْتَرَى مَنْ بِهَا الْجُوعُ وَنَحْوُهُ، وَمُجَرَّدُ سَلْبِ ذَلِكَ عَنْهَا لَا يَقْتَضِي سَلْبَ كَوْنِهَا مِنَ الْجَنَّةِ عَنْهَا، وَفَائِدَةُ كَوْنِهَا مِنْهَا - مَعَ نَفْيِ أَوْصَافِهَا عَنْهَا - غَايَةُ تَشْرِيفِ مَسْجِدِهِ ﵇ بِأَنَّ فِيهِ قِطْعَةً مِنْ نَفْسِ أَرْضِ الْجَنَّةِ، كَمَا صَحَّ «فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ: أَنَّهَا يَاقُوتَتَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا مَا طُمِسَ مِنْ نُورِهِمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» . وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ يَعْنِي فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ: «أَنَّ الْحَجَرَ نَزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ، وَأَنَّ اللَّهَ غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ» يَعْنِي: لِيَكُونَ الْإِيمَانُ غَيْبِيًّا لَا عَيْنِيًّا، وَأَنَّهُ أُنْزِلَ فِي مَحَلِّ الْكَعْبَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا لِيَتَأَنَّسَ بِهِ آدُمُ، وَحَرَسَهُ بِصَفٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِئَلَّا يَنْظُرَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْجَنَّةِ دَخَلَهَا، فَكَمَا أَنَّ هَذَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً، وَلَا يُمْكِنُ لِابْنِ حَزْمٍ تَأْوِيلُهُمَا، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا زَعَمَهُ فِي تِلْكَ الْأَنْهَارِ - وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً، لَكِنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ اكْتَسَبَتْ أَوْصَافَهَا أَيْضًا - وَقَوْلُهُ كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ إِلَخْ. لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي تِلْكَ الْمُثُلِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ نَحْوِ: «الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» . مُسْتَحِيلَةٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1101

٦٩٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ» ) : مَمْدُودٌ يُصْرَفُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ مَقْصُورٌ وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقِيلَ: أَصْحَابُ الصُّفَّةِ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ (كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا) : حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) يَعْنِي: تَارَةً وَتَارَةً (فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) : أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ بِالْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصُّلَحَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الزِّيَارَةَ يَوْمَ السَّبْتِ سُنَّةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّ «صَلَاةً فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَةٍ» ، وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَرَكَعَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَانَ ذَلِكَ عَدْلَ عُمْرَةٍ» ، وَيَجْمَعُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ثَوَابَ الْعُمْرَةِ رُتِّبَ أَوَّلًا عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَرَتَّبَهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَصَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبَى وَقَّاصٍ: لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قُبَاءٍ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْإِبِلِ.

стр. 1102

وَمِنْ هُنَا قَالُوا: عَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى قَاصِدَ مَسْجِدِهِ ﵇ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَمْرَيْنِ وَعُدَّ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ الثَّوَابُ، أَمَّا الْحَجُّ فَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِسْنَادِهِ، وَابْنُ النَّجَّارِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: ( «مَنْ خَرَجَ عَلَى طُهْرٍ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ حَجَّةٍ» ) . وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَزِيَارَةُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ» ) .

стр. 1103

٦٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ) : جَمْعُ الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ مَأْوَى الْإِنْسَانِ (مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) : الْمُرَادُ بِحُبِّ اللَّهِ الْمَسَاجِدَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِأَهْلِهَا وَبِالْبُغْضِ خِلَافُهُ، وَهَذَا بِطَرِيقِ الْأَغْلَبِيَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ بِقَصْدٍ نَحْوَ الْغِيبَةِ، وَقَدْ يَدْخُلُ السُّوقَ لِطَلَبِ الْحَلَالِ، وَلِذَا قِيلَ: كُنْ مِمَّنْ يَكُونُ فِي السُّوقِ وَقَلْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا بِالْعَكْسِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ فِي الْمَسْجِدِ أَكْمَلُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ بِالْبِلَادِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف: ٥٨] الْآيَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مُضَافٌ أَيْ: بِقَاعُ الْبِلَادِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسَاجِدَ مَحَلُّ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَسْوَاقَ مَحَلُّ أَفْعَالِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَفْلَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] الْآيَةَ. وَقَالَ ﷺ : ( «الْمَسَاجِدُ مَوَاطِنُ الْمُتَّقِينَ» ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَابْنُ حِبَّانَ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1104

٦٩٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٧ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا) : أَيْ مَعْبَدًا، فَيَتَنَاوَلُ مَعْبَدَ الْكَفَرَةِ فَيَكُونُ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بَنَى مَعْبَدًا لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ عَلَى بَابِهِ وَيَكُونَ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بُنِيَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى بِنَائِهِ دَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى عَدَمِ إِخْلَاصِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ نَحْوَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ، وَفِيهِ: أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ يَحْصُلُ مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، فَلَا يُحْتَاجُ تَعْيِينٌ إِلَى الِاسْمِ (بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا) : وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ: مِثْلَهُ (فِي الْجَنَّةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (مَسْجِدًا) لِلتَّقْلِيلِ، وَفِي (بَيْتًا) لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِيُوَافِقَ مَا وَرَدَ: (مَنْ بَنَى لِلَّهِ وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ) الْحَدِيثَ اهـ. قُلْتُ: وَلِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى زِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ; لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي فَتَاوِيهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيْتًا فَضْلُهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوتِ الدُّنْيَا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِثْلَهُ فِي مُسَمَّى الْبَيْتِ، وَأَمَّا الصِّفَةُ فِي السَّعَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) . قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) . وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَمَفْحَصُ الْقَطَاةِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ مَحَلٌّ تَبْحَثُهُ بِرِجْلِهَا وَتُصْلِحُهُ لِتَبِيضَ بِهِ بِالْأَرْضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَحْصِ وَهُوَ الْبَحْثُ، وَلَوْ هُنَا لِلتَّقْلِيلِ كَمَا أَثْبَتَهُ مِنْ مَعَانِيهَا ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ، وَجَعَلَ مِنْهُ: ( «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ) . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْلِيلَ مُسْتَفَادٌ مِنْ بَعْدِ (لَوْلَا) مِنْ (لَوْ) قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِفَادَةَ مِنْ بَعْدِ لَوْ لَكِنْ بِإِعَانَةِ لَوْ، فَإِنَّ الْكَلَامَ بِدُونِهَا لَا يُفِيدُ الْإِفَادَةَ الَّتِي مَعَهَا، وَالتَّقْلِيلُ هُنَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ فِي مَسْجِدٍ تَنْزِيلًا لِتَتْمِيمِهِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهِ حَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِثْلَهُ) فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمِثْلِيَّةُ بِحَسَبِ الْكِمِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ بَيْتٍ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مِثْلُهُ فِي الِاسْمِ لَا فِي

стр. 1105

الْمِقْدَارِ، أَيْ: بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ كَمَا بَنَى بَيْتًا، فَجَزَاءُ هَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنْ جِنْسِ الْبِنَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ التَّفَاوُتَ حَاصِلٌ قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضِيقِ الدُّنْيَا وَسَعَةِ الْعُقْبَى، وَمِنْ ثَمَّ رَوَى أَحْمَدُ: (بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: (أَوْسَعَ) ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ حَدِيثُ: ( «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ) . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . قُلْتُ: - يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ. قَالَ: (وَتِلْكَ) . وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَطَاةَ ; لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ مَحَلًّا لِبَيْضِهَا عَلَى بُسَيْطِ الْأَرْضِ عَلَى نَحْوِ شَجَرٍ أَوْ جَبَلٍ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الطُّيُورِ.

стр. 1106

٦٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ) : أَيْ: ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الْغَدْوَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ (أَوْ رَاحَ) : ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الرَّوَاحِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ (أَعَدَّ اللَّهُ) أَيْ: هَيَّأَ (لَهُ نُزُلَهُ) : بِضَمِّ النُّونِ وَالزَّايِ وَتُسَكَّنُ، وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ إِلَى الضَّيْفِ مِنَ الطَّعَامِ (مِنَ الْجَنَّةِ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ: النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ الْمَكَانُ الْمُهَيَّأُ لِلنُّزُولِ وَبِسُكُونِ الزَّايِ مَا يُهَيَّأُ لِلْقَادِمِ مِنْ نَحْوِ الضِّيَافَةِ، فَمِنْ عَلَى الْأَوَّلِ لِلتَّبْعِيضِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّبْيِينِ (كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) ; قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّازِلِ، وَكُلَّمَا غَدَا ظَرْفٌ، وَجَوَابُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَامِلٌ فِيهِ، وَالْمَعْنَى كُلَّمَا اسْتَمَرَّ غُدُوُّهُ وَرَوَاحُهُ اسْتَمَرَّ إِعْدَادُ نُزُلِهُ فِي الْجَنَّةِ، فَالْغُدُوُّ وَالرَّوَاحُ فِي الْحَدِيثِ كَالْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] الْمُرَادُ بِهِمَا الدَّوَامُ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ سَبَبَ الْبَرَكَةِ، وَالذَّهَابُ مُوجِبَ الثَّوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الذَّهَابُ إِلَى الطَّاعَةِ عَلَامَةَ إِعْدَادِ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1107

٦٩٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ، أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٩٩ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَعْظَمُ النَّاسِ) : أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي الْإِتْيَانِ إِلَيْهَا (أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ) الْفَاءُ لِلِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: (مَمْشَى) : مَصْدَرٌ أَوْ مَكَانٌ كَذَا قِيلَ، وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ ( «وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي» ) أَيْ: مُنْفَرِدًا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مَعَ إِمَامٍ آخَرَ قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. (ثُمَّ يَنَامُ) أَيْ: وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، لَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَنْتَظِرِ الْإِمَامَ، وَيُحْتَمَلُ مَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ، فَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَفِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يَنَامُ غَرَابَةٌ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ نَوْمًا، وَالْمُنْتَظِرُ وَإِنْ نَامَ فَهُوَ يَقْظَانُ وَغَيْرُهُ نَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ يَقْظَانَ لِأَنَّهُ يُضَيِّعُ تِلْكَ الْأَوْقَاتَ كَالنَّائِمِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1108

٧٠٠ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) . قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ، تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ، تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٧٠٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَضَبْطُ بَعْضِهِمْ بِالضَّمِّ سَهْوُ قَلَمٍ (حَوْلَ الْمَسْجِدِ) أَيْ: أَطْرَافَهُ قَرِيبًا مِنْهُ (فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ) كَسْرُ اللَّامِ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ (أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى مَكَانٍ بِقُرْبِهِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيِ: انْتِقَالُهُمُ الْمَفْهُومُ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلُوا (النَّبِيَّ ﷺ : بِالْإِخْبَارِ أَوِ الْوَحْيِ (فَقَالَ لَهُمْ: (بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) . قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيِ: الْزَمُوا دِيَارَكُمْ (تُكْتَبْ) يُرْوَى بِالْجَزْمِ عَلَى

стр. 1109

جَوَابُ الْزَمُوا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوِ الْحَالُ لِبَيَانِ الْمُوجَبِ (آثَارُكُمْ) : جَمْعُ أَثَرٍ، وَأَثَرُ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] أَيْ: أَجْرُ خُطَاكُمْ، وَثَوَابُ أَقْدَامِكُمْ، لِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةٌ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخُطَا أَكْثَرَ يَكُونُ الْأَجْرُ أَكْثَرَ (دِيَارَكُمْ، تُكْتَبُ آثَارُكُمْ) : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَنُو سَلِمَةَ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرَهُمْ، كَانَتْ دِيَارُهُمْ عَلَى بُعْدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُجْهِدُهُمْ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَعِنْدَ وُقُوعِ الْأَمْطَارِ وَاشْتِدَادِ الْبَرْدِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُعَرَّى جَوَانِبُ الْمَدِينَةِ فَرَغَّبَهُمْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى نَقْلِ الْخُطَا، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ أَنْ تُكْتَبَ فِي صُحُفِ الْأَعْمَالِ أَيْ كَثْرَةُ الْخُطَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ، أَوْ أَنْ تُكْتَبَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَيْ: تُكْتَبَ قِصَّتُكُمْ وَمُجَاهَدَتُكُمْ فِي الْعِبَادَةِ فِي كُتُبِ سِيَرِ السَّلَفِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِحِرْصِ النَّاسِ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ ( «وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَةً لَهُ ﵇، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّكْرَارَ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ بِشَارَةٌ إِلَى الْكِتَابَتَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَرِيبًا مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، لَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مَا وَرَدَ: مِنْ أَنَّ شُؤْمَ الدَّارِ عَدَمُ سَمَاعِهَا لِلْأَذَانِ، لِأَنَّ الشَّآمَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوِ الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ الْخُطَا الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ، فَالْحَيْثِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الدَّارَ الْبَعِيدَةَ أَفْضَلُ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا هُنَا، وَبِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ جَابِرٍ: كَانَتْ دِيَارُنَا بَائِنَةً عَنِ الْمَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقْرُبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً) » . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا: «أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَبْعَدَهُمْ دَارًا فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْكَبُ؟ قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّ مَنْزِلِي بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ فِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ ﵇: (قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ: فَضْلُ الدَّارِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَرِيبَةِ كَفَضْلِ الْفَارِسِ عَلَى الْقَاعِدِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَفُتْهُ بِبُعْدِ دَارِهِ مُهِمٌّ دِينِيٌّ كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ وَتَعَلُّمِهِ، وَنَحْوِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَإِلَّا فَالْقَرِيبَةُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ كَالضَّعِيفِ عَنِ الْمَشْيِ.

стр. 1110

٧٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَبْعَةٌ) : أَيْ: أَشْخَاصٌ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، إِذْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ (يُظِلُّهُمُ اللَّهُ) : أَيْ: يُدْخِلُهُمْ (فِي ظِلِّهُ) أَيْ: رَحْمَتِهِ (يَوْمَ لَا ظِلَّ) " أَيْ: لَا قُدْرَةَ وَلَا رَحْمَةَ (إِلَّا ظِلُّهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَيْ يُدْخِلُهُمْ فِي حِرَاسَتِهِ وَرِعَايَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ظِلُّ الْعَرْشِ إِذْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ اهـ. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ دُنُوِّ الشَّمْسِ مِنَ الرُّءُوسِ الْمُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ الْمُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ الظِّلِّ، إِذْ لَا يَظْهَرُهُ إِلَّا الشَّمْسُ. وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ بِمَنْعِ دَعْوَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُهُ إِلَّا هِيَ، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَنَّةَ لَا شَمْسَ فِيهَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇: ( «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا كَذَا» ) فَكَمَا جَازَ لِلشَّجَرَةِ ظِلٌّ مَعَ عَدَمِ الشَّمْسِ، فَكَذَلِكَ الْعَرْشُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الظِّلَّ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَا يَحْجُبُ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ، بَلْ عَامٌّ فِي كُلِّ نُورٍ كَنُورِ الْقَمَرِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْوَارِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى، لَكِنْ لَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ ظُهُورِ الْجَوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِأَنْ يَرْتَفِعَ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ مِنْ حَضِيضِ الْفَرْشِ، أَوْ ظِلِّ الْعَرْشِ يَغْلِبُ عَلَى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا يَبْقَى لَهُ تَأْثِيرُ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ خَبَرُ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهِيبِي. قَالَ الرَّاغِبُ: الظِّلُّ ضِدُّ الضِّحِّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَيْءِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ يُقَالُ: أَظَلَّنِي أَيْ: حَرَسَنِي

стр. 1111

جَعَلَنِي فِي ظِلِّهِ أَيْ فِي عِزِّهِ وَمَنَعَتِهِ، قِيلَ: فِي ظِلِّهِ تَأْكِيدٌ وَتَقْرِيرٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يُظِلُّهُمْ لَا يَحْتَمِلُ ظِلَّ غَيْرِهِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْرُسُهُمْ مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ وَيَكْنِفُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ. (إِمَامٌ عَادِلٌ) : مَنْ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي ظِلِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَجُوزِيَ بِنَظِيرِهِ فِي الْآخِرَةِ جَزَاءً وِفَاقًا وَقَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ السَّبْعَةِ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ ظِلِّهِ، (وَشَابٌّ نَشَأَ) أَيْ: نَمَا وَتَرَبَّى (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) أَيْ: لَا فِي مَعْصِيَتِهِ، فَجُوزِيَ بِظِلِّ الْعَرْشِ لِدَوَامِ حِرَاسَةِ نَفْسِهِ عَنْ مُخَالَفَةِ رَبِّهِ (وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ) وَفِي نُسْخَةٍ: فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ قَوْلُهُ: مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ هَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِمِثْلِ الْقِنْدِيلِ إِشَارَةً إِلَى طُولِ الْمُلَازَمَةِ بِقَلْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحُبِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، فَجُوزِيَ لِدَوَامِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ وَمُلَازَمَتِهِ بَيْتَهُ بِظِلِّ عَرْشِهِ. (إِذَا خَرَجَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ) : لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمَسْجِدِ كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَالْمُنَافِقَ فِي الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ (وَرَجُلَانِ) : مَثَلًا (تَحَابَّا فِي اللَّهِ) أَيْ: لِلَّهِ أَوْ فِي مَرْضَاتِهِ (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْحُبِّ فِي اللَّهِ إِنِ اجْتَمَعَا (" وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أَيْ: إِنْ تَفَرَّقَا يَعْنِي يَحْفَظَانِ الْحُبَّ فِي الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَفَرَّقَا عَلَيْهِ مِنْ مَجْلِسِهِمَا، وَقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يَحْرُسُ صَاحِبَهُ عَنْ مُخَالَفَةِ رَبِّهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ فَجُوزِيَا بِذَلِكَ (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا) أَيْ: مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الرِّيَاءِ، أَوْ مِمَّا سِوَى اللَّهِ (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أَيْ: سَالَتْ وَجَرَتْ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ. وَفِي الْإِسْنَادِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى، فَجَازَاهُ اللَّهُ عَلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ) : أَيْ: إِلَى الزِّنَا بِهَا (ذَاتُ حَسَبٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ، وَقِيلَ: الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ لَهُ وَلِآبَائِهِ (وَجَمَالٍ) أَيْ: فِي غَايَةِ كَمَالٍ (فَقَالَ) بِلِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ (إِنِّي) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَخَافُ اللَّهَ) أَيْ: مُخَالَفَتَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ أَوْ سُخْطَهُ، وَمَنْ خَافَ سَلِمَ (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ ; لِأَنَّ إِعْلَانَ الزِّيَادَةِ أَفْضَلُ (حَتَّى لَا تَعْلَمَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا (شِمَالُهُ) قِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ أَيْ: لَا يَعْلَمُ مَنْ بِشَمَالِهِ، وَقِيلَ يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي إِخْفَائِهَا وَأَنَّ شِمَالَهُ لَوْ تَعْلَمُ لَمَا عَلِمَتْهَا، وَلَمَّا بَالَغَ فِي إِخْفَاءِ عَمَلِهِ لِلَّهِ جَازَاهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِ فَضْلِهُ (مَا تُنْفِقُ) : وَجُوِّزَ فِي الْفِعْلَيْنِ التَّذْكِيرُ (يَمِينُهُ) : وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ: لَا تَعْلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَهُوَ مَقْلُوبُ سَهْوٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 1112

٧٠٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ; فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ( «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ» ) . وَزَادَ فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ ( «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ. مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (صَلَاةُ الرَّجُلِ) أَيْ: ثَوَابُ صَلَاتِهِ (فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ) بِالتَّشْدِيدِ، وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ، قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ، أَيْ: تُزَادُ (عَلَى صِلَاتِهِ) يُقَالُ: ضُعِّفَ الشَّيْءُ إِذَا زَادَ، وَضَعَّفْتُهُ وَأَضْعَفْتُهُ وَضَاعَفْتُهُ بِمَعْنًى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِسْنَادُ الزِّيَادَةِ إِلَيْهَا مَجَازٌ عَنْ ثَوَابِهَا، أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ: ثَوَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ عَلَى ثَوَابِ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ (فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) : عَطَفَ بِإِعَادَةِ الْجَارِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلْ وَفِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إِذَا فَاتَ مَنْ بِهِمَا وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مُلَازَمَتِهِمَا فَمَنْ بِغَيْرِهِمَا أَوْلَى بِأَنْ يَفُوتَهُ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا كَوْنُ الْغَالِبِ أَنْ تُوجَدَ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَهُمَا ; وَلِذَا أُطْلِقَ تَعْلِيلُ التَّضْعِيفِ الْآتِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِجَمَاعَةٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَفِي السُّوقِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقَابَلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ فِي

стр. 1113

غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا (خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) أَيْ: مِثْلًا، وَفِي رِوَايَةٍ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي مَبْحَثِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ لَا الْحَصْرُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَقَوْلُهُ: ضِعْفًا كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَيُؤَوَّلُ الضِّعْفُ بِالدَّرَجَةِ أَوْ بِالصَّلَاةِ، (وَذَلِكَ) أَيِ: التَّضْعِيفُ الْبَعِيدُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ (أَنَّهُ) أَيْ: لِأَنَّهُ أَوْ بِأَنَّهُ يَعْنِي الرَّجُلَ أَوِ الشَّأْنَ (إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ) : أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ (إِلَّا الصَّلَاةُ) أَيْ: قَصَدَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ لَا شُغْلٌ آخَرُ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَسِّسَةٌ لَا مُؤَكِّدَةٌ كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ كَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ، كَأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الصَّلَاةَ إِلَى الرَّجُلِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ، أَفَادَ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْكَامِلِ الَّذِي لَا يُلْهِيهِ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي بَيْتِ اللَّهِ تُضَعَّفُ أَضْعَافًا ; لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَصِّرُ فِي شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَآدَابِهَا، فَإِذَا تَوَضَّأَ أَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِمَّا يُكَدِّرُهُ، وَإِذَا صَلَّى لَمْ يَتَعَجَّلْ لِلْخُرُوجِ، وَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ فَجَدِيرٌ بِأَنْ يُضَاعَفَ ثَوَابُ صَلَاتِهِ. (لَمْ يَخْطُ) قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءَ، وَقَوْلُهُ (خُطْوَةً) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ (إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ (وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) أَيْ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْحَطِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْفَضْلُ وَاسِعٌ. (فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ) بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ: تَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَتَسْتَغْفِرُ مِنْ ذُنُوبِهِ (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِقَوْلِهِ: تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ فَخَامَةٌ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: طَلَبُ الرَّحْمَةِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ لَهُمْ (وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ) أَيْ: حُكْمًا أُخْرَوِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ (مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ) أَيْ: مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، بَلْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: (إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ) أَيْ: لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ غَيْرُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ( «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ» ) أَيْ: لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحِكَايَاتِ: أَنَّ عَبْدًا اسْتَأْذَنَ سَيِّدَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَيُصَلِّيَ، فَأَذِنَ لَهُ وَوَقَفَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُهُ، فَأَبْطَأَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ، فَقَالَ: مَا يُخَلِّينِي أَخْرُجُ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: الَّذِي لَا يُخَلِّيكَ تَدْخُلُ. (وَزَادَ) أَيْ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فِي دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أَيْ: وَفِّقْهُ لِلتَّوْبَةِ أَوِ اقْبَلْهَا مِنْهُ أَوْ ثَبِّتْهُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ دَاعِينَ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ أَوْ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) : أَيْ: أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ ; فَإِنَّهُ حَدَثٌ مَعْنَوِيٌّ، وَمِنْ ثَمَّةَ أَتْبَعَهُ بِالْحَدَثِ الظَّاهِرِيِّ فَقَالَ: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) أَيْ: حَدَثًا حَقِيقِيًّا، وَهُوَ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِّ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: مَا لَمْ يَبْطُلْ وُضُوؤُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: وَمَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ; قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَلَعَلَّ سَبَبَ الِاسْتِفْسَارِ إِطْلَاقُ الْحَدَثِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، أَوْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِحْدَاثَ بِمَعْنَى الِابْتِدَاعِ، وَتَشْدِيدُ الدَّالِ خَطَأٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَا لَمْ يُؤْذِ بِحَدَثٍ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: بِحَدَثٍ فِيهِ بِلَفْظِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِـ يُؤْذِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ يُحْرَمُ بِهَا الْمُحْدِثُ اسْتِغْفَارَ الْمَلَائِكَةِ وَدُعَاءَهُمُ الْمَرْجُوَّ بَرَكَتُهُ، وَقِيلَ: إِخْرَاجُ الرِّيحِ مِنَ الدُّبُرِ لَا يَحْرُمُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ، كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَإِنْ مَنَعَ دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ، لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ

стр. 1114

وَادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ كَالْجُنُبِ يَمُرُّ فِيهِ وَلَا يَجْلِسُ، وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ لِعِبَادَةٍ كَاعْتِكَافٍ أَوِ انْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَإِلَّا فَمُبَاحًا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِخَبَرِ: إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ النَّوْمُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا يُدِيمُونَ النَّوْمَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلْمُقِيمِ دُونَ الْغَرِيبِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ بِكَرَاهَتِهِ مُطْلَقًا، وَخَبَرُ: إِنَّهُ ﵇ خَرَجَ عَلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ رُقُودٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: انْقَلِبُوا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ مَرْقَدًا. إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ مُنْقَطِعٌ، «وَخَبَّرَ أَبُو ذَرٍّ: رَآنِي ﵇ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: لَا أَرَاكَ نَائِمًا فِيهِ» . فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ أَيْضًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ اهـ. وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُقَالَ: يُكْرَهُ لِمَنْ لَهُ مَسْكَنٌ دُونَ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَوْلَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، بَلْ يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِ مَاجَهْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ إِلَخْ. مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا تَأْمَّلْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1115

٧٠٣ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٧٠٣ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَسْمَاءُ الرِّجَالِ لِلْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ: بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ لَا ضَمٍّ وَفَتَحٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنْصَارِيٌّ سَاعِدِيٌّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ السِّرَّ فِي تَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ بِالدُّخُولِ، وَالْفَضْلِ بِالْخُرُوجِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ اشْتُغِلَ بِمَا يُزْلِفُهُ إِلَى ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهُ، فَيُنَاسِبُ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ، وَإِذَا خَرَجَ اشْتُغِلَ بِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ، فَنَاسَبَ ذِكْرَ الْفَضْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَكِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ أَبِي أُسَيْدٍ عَلَى الشَّكِّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبَى حُمَيْدٍ وَحْدَهُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الصَّحِيحِ، وَفِي خَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: ( «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ) . وَعَنِ ابْنِ السُّنِّيِّ: ( «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودُ إِبْلِيسَ - أَجَلَبَتْ وَاجْتَمَعَتْ - كَمَا يَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَا يَضُرُّهُ» ) .

стр. 1116

٧٠٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠٤ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ) أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا وُجُوبٍ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ (رَكْعَتَيْنِ) يَعْنِي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي غَيْرِ وَقْتٍ مَكْرُوهٍ عِنْدَنَا، أَوْ طَوَافٍ (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ، وَاسْتَثْنَى الْخَطِيبَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَوَقَعَ فِي الْمَشَارِقِ لِلصَّغَانِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَقَّمَ لَهُ بِعَلَامَةِ (خ) فَوَهِمَ فِي مَوْضِعَيْنِ. قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ نَسَبَ الْحَدِيثَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ، وَبِالثَّانِي أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَطْ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الْعُقَيْلِيِّ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ( «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فِي بَيْتِهِ خَيْرًا» ) وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» ، وَفِي

стр. 1117

رِوَايَةٍ: « (أَعْطُوا الْمَسَاجِدَ حَقَّهَا) . قَالُوا: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (أَنْ تُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسُوا» ) . وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ مِنَ الْجُلُوسِ أَوَّلًا ثُمَّ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ ثَانِيًا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ نَدْبِهَا بِمُرِيدِ الْجُلُوسِ، وَيُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِالْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَمَنْ دَخَلَهُ وَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ أَوْ وَهُوَ مُحْدِثٌ قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ ذَلِكَ يَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ - الْإِمَامِ الْكَبِيرِ التَّابِعِيِّ - أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَاذْكُرِ اللَّهَ، فَكَأَنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَأَرَادَ الطَّوَافَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ وَإِلَّا فَلْيُصَلِّ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ طَوَافُهُ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ «عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَصَحَّحَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةٌ وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا» ) . قَالَ: فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهَمَا، وَبِهِ أُخِذَ أَنَّ الزَّائِرَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ يُصَلِّي أَوَّلًا، ثُمَّ يَزُورُهُ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ عَلَى حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكْرِيمِهِ.

стр. 1118

٧٠٥ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ( «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠٥ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ: لَا يَرْجِعُ (مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى) : وَهُوَ وَقْتُ تَشْرُقُ الشَّمْسُ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقْتُ نَشَاطٍ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ نِصْفِ النَّهَارِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَرَاحَةٍ، وَبِخِلَافِ أَوَاخِرِهِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ اشْتِغَالٍ بِأَسْبَابِ الْعَشَاءِ وَنَحْوِهُ، وَبِخِلَافِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ الْحَرَكَةُ فِيهِ. (فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) : أَيْ: بِدُخُولِهِ (فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) : تَعْظِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ (ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ) : قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ لِيَزُورَهُ الْمُسْلِمُونَ شَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ. وَرَوَى عَبْدُ الْحَقِّ وَضَعَّفَهُ خَبَرُ: «وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» .

стр. 1119

٧٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ ; فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٧٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) : بِوَزْنِ يَطْلُبُ وَمَعْنَاهُ (ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ يَنْشُدُ. أَيْ: يَطْلُبُهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: نَشَدْتُ الضَّالَّةَ أَنْشُدُهَا نَشْدَةً وَنِشْدَانًا طَلَبْتُهَا، وَأَنْشَدْتُهَا بِالْأَلِفِ إِذَا عَرَّفْتَهَا مِنَ النَّشْدِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ أَمْرٍ لَمْ يُبْنَ لَهُ الْمَسْجِدُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ لَا يَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى السَّائِلِ الْمُتَعَرِّضِ فِي الْمَسْجِدِ. (فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ) تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ (لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) أَيْ: لِنِشْدَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِ، بَلْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ، حَتَّى كَرِهَ مَالِكٌ الْبَحْثَ الْعِلْمِيَّ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَجْمَعُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلْأَمْرِ بِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1120

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵇ «سَمِعَ مَنْ يَنْشُدُ فِي الْمَسْجِدِ جَمَلًا أَحْمَرَ فَقَالَ: (لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» ) . وَحَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ خَبَرَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» ) . قَالَ: وَكَذَا يَنْدُبُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ أَنْشَدَ شِعْرًا مَذْمُومًا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ ثَلَاثًا ; لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ السَّائِلِ فِيهِ شَيْئًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، ( «هَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ» ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَائِلًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَحِلُّ إِعْطَاؤُهُ فِيهِ لِمَا فِي بَعْضِ الْآثَارِ: يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَقُمْ بَغِيضُ اللَّهِ، فَيَقُومُ سُؤَّالُ الْمَسْجِدِ. وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِالْمُرُورِ وَنَحْوِهُ، فَيُكْرَهُ إِعْطَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَمْنُوعٍ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يُؤْذِي فَيُسَنُّ إِعْطَاؤُهُ ; لِأَنَّ السُّؤَّالَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ، فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا الْآيَةِ أَنَّ إِعْطَاءَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ خِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ ; لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1121

٧٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) فِي الْقَامُوسِ: الشَّجَرُ مِنَ النَّبَاتِ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ أَوْ سَمَا بِنَفْسِهِ دَقَّ أَوْ جَلَّ، قَاوَمَ الشِّتَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، الْوَاحِدَةُ بِهَاءٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَغْلِيبًا غَيْرَ ظَاهِرٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ مَجَازًا كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَلِذَا قَالَ: إِذْ حَقِيقَتُهَا مَا لَهُ سَاقٌ وَأَغْصَانٌ وَخِلَافُهُ نَجْمٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] يَعْنِي عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الْكَوْكَبُ، وَسُجُودُهُ طُلُوعُهُ (الْمُنْتِنَةِ) أَيِ: الثَّوْمِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْبَصَلُ وَالْفُجْلُ، وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْكُرَّاثِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ بِهِ بَخْرٌ مُسْتَحْكِمٌ وَجُرْحٌ مُنْتِنٌ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) قِيلَ: النَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْمَسَاجِدِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْمِلْكِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مَسْجِدُ أَهْلِ مِلَّتِنَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (تَتَأَذَّى) أُرِيدَ بِهِمُ الْحَاضِرُونَ مَوْضِعَ الْعِبَادَاتِ عَامَّةً تُوجَدُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ، وَيَدُلُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا مِنَ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ مَلَائِكَةٍ، فَقَوْلُهُ: (مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ) : يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ( «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثَّوْمَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ

стр. 1122

مَسْجِدَنَا» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: (مَسَاجِدَنَا) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ) ، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ اخْتِصَاصَهُ بِمَسْجِدِهِ ﵇ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَهُ مِيرَكُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَقِيبَ حَدِيثِ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحًا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ» ، هَذَا فِيهِ إِخْرَاجُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحٌ نَحْوُ: الْبَصَلِ فِي الْمَسْجِدِ إِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ.

стр. 1123

٧٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٧٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبُزَاقُ) أَيْ: إِلْقَاؤُهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (إِلَى الْمَسْجِدِ) أَيْ: فِي أَرْضِهِ وَجُدْرَانِهِ (خَطِيئَةٌ) أَيْ: إِثْمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: سَيِّئَةٌ، وَكَالْبُزَاقِ الْمُخَاطِ بَلْ أَوْلَى (وَكَفَّارَتُهَا) : أَيْ: إِذَا فَعَلَهَا خَطَأً (دَفَنَهَا) : يَعْنِي: إِذَا أَزَالَ ذَلِكَ الْبُزَاقَ أَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ عَقِيبَ الْأَلْقَاءِ زَالَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَطِيئَةُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعْنَى كَوْنِ ذَلِكَ كَفَّارَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ قَاطِعٌ لِلتَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ لَا أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورَ، وَخَبَرَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إِيصَالَهُ بِهِ، وَحِكْمَةُ دَفْنِهِ بَيْنَهَا خَبَرُ: «إِذَا انْتَخَمَ أَحَدُكُمْ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَيُؤْذِيَهُ» . قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ بَصَقَ بِالْمَسْجِدِ اسْتِهَانَةً بِهِ كَفَرَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1124

٧٠٩ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ طَرِيقٍ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٧٠٩ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي) أَيْ: إِجْمَالًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ عَامِلِيهَا، وَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ (حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) : بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أَعْمَالٍ (فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا) : جَمْعِ حُسْنٍ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (الْأَذَى) : أَيِ: الْمُؤْذَى يَعْنِي إِزَالَتَهُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ لِلْجِنْسِ (يُمَاطُ) أَيْ: يُزَالُ (عَنِ الطَّرِيقِ) : صِفَةُ الْأَذَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ " (وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا) جَمْعِ سُوءٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْهَمْزَةِ (النُّخَاعَةَ) : بِضَمِّ النُّونِ أَيِ: الْبُزَاقَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِلْقَاؤُهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْبُصَاقُ، وَالنُّخَامَةُ هِيَ الْبَلْغَمُ (تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) صِفَةُ النُّخَاعَةِ (لَا تُدْفَنُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَتَانِ صِفَتَانِ أَوْ حَالَانِ أَيْ مُتَدَاخِلَتَانِ أَوْ مُتَرَادِفَتَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَابْنُ حِبَّانَ قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1125

٧١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ ; فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» ) . ــ ٧١٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ) : نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ مَعْنَاهُ النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ أَيْ: لَا يُسْقِطِ الْبُزَاقُ أَمَامَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَتَخْصِيصُ الْقِبْلَةِ اسْتِوَاءُ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَعْظِيمِهَا. (فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ) أَيْ: يُخَاطِبُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَمَنْ يُنَاجِي أَحَدًا مَثَلًا لَا يَبْصُقُ نَحْوَهُ. (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) : تَعْظِيمًا لِلْيَمِينِ وَزِيَادَةً لِشَرَفِهَا (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) : يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ أَشْرَفُ وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ: إِنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى مَلَكِ الْيَسَارِ يَمْنَعُهُ مِنْ كِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الطَّاعَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ يَحْضُرُ عِنْدَ الصَّلَاةِ لِلتَّأْيِيدِ وَالْإِلْهَامِ وَالتَّامَّيْنِ عَلَى دُعَائِهِ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الزَّائِرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ فَوْقَ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِالْكَرَامَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَلَكَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ، كَمَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ. أَيْ: مِنَ الْقُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ، وَتَمْيِيزًا بَيْنَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّ بُصَاقَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ ﵇ عَنْ يَسَارِهِ اهـ. وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عَنِ الْيَمِينِ أَوْلَى، تَمَّ كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَوِ الْحِجْرِ، فَيَتَعَيَّنُ تَحْتَ قَدَمِهِ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ يَأْخُذُهُ بِكُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ (لِيَبْصُقْ) وَفِي نُسْخَةٍ: بِوَاوِ الْعَطْفِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتُسَكَّنُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: عَلَى ثَوْبِهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَتَحْتَ قَدَمِهِ بِالْوَاوِ، وَفِي أُخْرَى: بِلَا وَاوٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ يَصِلِ الْبُزَاقُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَيُلْحَقُ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ خَارِجُهَا وَلَوْ غَيْرُ الْمَسْجِدِ، خِلَافًا لِلْأَذْرُعِيِّ كَالسُّبْكِيِّ، ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ هُوَ خَارِجُهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِكَرَاهَةِ إِمَامِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ. وَعَنْ مُعَاذٍ: مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَكَانَ الَّذِي خَصَّهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ أَخْذَهُ مِنْ تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إِنْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ غَيْرُ الْكَاتِبِ، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتُشْكِلَ اخْتِصَاصُهُ يَعْنِي: بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَلَى الْيَسَارِ مَلَكًا آخَرَ، وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ: بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَمَلَكٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَالْبُصَاقُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (فَيَدْفِنُهَا) : - بِالرَّفْعِ وَيُجْزَمُ - لِدَفْعِ الْأَذَى.
следующие страницы →