Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
٧٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) فِي الْقَامُوسِ: الشَّجَرُ مِنَ النَّبَاتِ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ أَوْ سَمَا بِنَفْسِهِ دَقَّ أَوْ جَلَّ، قَاوَمَ الشِّتَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، الْوَاحِدَةُ بِهَاءٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَغْلِيبًا غَيْرَ ظَاهِرٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ مَجَازًا كَانَ لَهُ وَجْهٌ، وَلِذَا قَالَ: إِذْ حَقِيقَتُهَا مَا لَهُ سَاقٌ وَأَغْصَانٌ وَخِلَافُهُ نَجْمٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] يَعْنِي عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الْكَوْكَبُ، وَسُجُودُهُ طُلُوعُهُ (الْمُنْتِنَةِ) أَيِ: الثَّوْمِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْبَصَلُ وَالْفُجْلُ، وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْكُرَّاثِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ بِهِ بَخْرٌ مُسْتَحْكِمٌ وَجُرْحٌ مُنْتِنٌ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) قِيلَ: النَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ الْمَسَاجِدِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْمِلْكِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مَسْجِدُ أَهْلِ مِلَّتِنَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (تَتَأَذَّى) أُرِيدَ بِهِمُ الْحَاضِرُونَ مَوْضِعَ الْعِبَادَاتِ عَامَّةً تُوجَدُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ، وَيَدُلُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا مِنَ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ مَلَائِكَةٍ، فَقَوْلُهُ: (مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ) : يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ( «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثَّوْمَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ
стр. 1122
مَسْجِدَنَا» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: (مَسَاجِدَنَا) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ) ، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ اخْتِصَاصَهُ بِمَسْجِدِهِ ﵇ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَهُ مِيرَكُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَقِيبَ حَدِيثِ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحًا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ» ، هَذَا فِيهِ إِخْرَاجُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحٌ نَحْوُ: الْبَصَلِ فِي الْمَسْجِدِ إِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ.
стр. 1123
٧٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبُزَاقُ) أَيْ: إِلْقَاؤُهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (إِلَى الْمَسْجِدِ) أَيْ: فِي أَرْضِهِ وَجُدْرَانِهِ (خَطِيئَةٌ) أَيْ: إِثْمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: سَيِّئَةٌ، وَكَالْبُزَاقِ الْمُخَاطِ بَلْ أَوْلَى (وَكَفَّارَتُهَا) : أَيْ: إِذَا فَعَلَهَا خَطَأً (دَفَنَهَا) : يَعْنِي: إِذَا أَزَالَ ذَلِكَ الْبُزَاقَ أَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ عَقِيبَ الْأَلْقَاءِ زَالَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَطِيئَةُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعْنَى كَوْنِ ذَلِكَ كَفَّارَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ قَاطِعٌ لِلتَّحْرِيمِ الْوَاقِعِ لَا أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُورَ، وَخَبَرَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إِيصَالَهُ بِهِ، وَحِكْمَةُ دَفْنِهِ بَيْنَهَا خَبَرُ: «إِذَا انْتَخَمَ أَحَدُكُمْ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ فَيُؤْذِيَهُ» . قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ بَصَقَ بِالْمَسْجِدِ اسْتِهَانَةً بِهِ كَفَرَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1124
٧٠٩ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ طَرِيقٍ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٧٠٩ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي) أَيْ: إِجْمَالًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ عَامِلِيهَا، وَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ (حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) : بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أَعْمَالٍ (فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا) : جَمْعِ حُسْنٍ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (الْأَذَى) : أَيِ: الْمُؤْذَى يَعْنِي إِزَالَتَهُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ لِلْجِنْسِ (يُمَاطُ) أَيْ: يُزَالُ (عَنِ الطَّرِيقِ) : صِفَةُ الْأَذَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ " (وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا) جَمْعِ سُوءٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْهَمْزَةِ (النُّخَاعَةَ) : بِضَمِّ النُّونِ أَيِ: الْبُزَاقَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِلْقَاؤُهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا الْبُصَاقُ، وَالنُّخَامَةُ هِيَ الْبَلْغَمُ (تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) صِفَةُ النُّخَاعَةِ (لَا تُدْفَنُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَتَانِ صِفَتَانِ أَوْ حَالَانِ أَيْ مُتَدَاخِلَتَانِ أَوْ مُتَرَادِفَتَانِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَابْنُ حِبَّانَ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1125
٧١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ ; فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» ) .
ــ
٧١٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ) : نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ مَعْنَاهُ النَّهْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ أَيْ: لَا يُسْقِطِ الْبُزَاقُ أَمَامَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَتَخْصِيصُ الْقِبْلَةِ اسْتِوَاءُ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَعْظِيمِهَا. (فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ) أَيْ: يُخَاطِبُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَمَنْ يُنَاجِي أَحَدًا مَثَلًا لَا يَبْصُقُ نَحْوَهُ. (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) : تَعْظِيمًا لِلْيَمِينِ وَزِيَادَةً لِشَرَفِهَا (فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) : يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الرَّحْمَةِ، فَهُوَ أَشْرَفُ وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ: إِنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى مَلَكِ الْيَسَارِ يَمْنَعُهُ مِنْ كِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الطَّاعَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ يَحْضُرُ عِنْدَ الصَّلَاةِ لِلتَّأْيِيدِ وَالْإِلْهَامِ وَالتَّامَّيْنِ عَلَى دُعَائِهِ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الزَّائِرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ فَوْقَ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِالْكَرَامَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَلَكَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ، كَمَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ. أَيْ: مِنَ الْقُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ، وَتَمْيِيزًا بَيْنَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّ بُصَاقَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ ﵇ عَنْ يَسَارِهِ اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عَنِ الْيَمِينِ أَوْلَى، تَمَّ كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَوِ الْحِجْرِ، فَيَتَعَيَّنُ تَحْتَ قَدَمِهِ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ يَأْخُذُهُ بِكُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ (لِيَبْصُقْ) وَفِي نُسْخَةٍ: بِوَاوِ الْعَطْفِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتُسَكَّنُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: عَلَى ثَوْبِهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) إِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَتَحْتَ قَدَمِهِ بِالْوَاوِ، وَفِي أُخْرَى: بِلَا وَاوٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ يَصِلِ الْبُزَاقُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَيُلْحَقُ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ خَارِجُهَا وَلَوْ غَيْرُ الْمَسْجِدِ، خِلَافًا لِلْأَذْرُعِيِّ كَالسُّبْكِيِّ، ثُمَّ قِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ هُوَ خَارِجُهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِكَرَاهَةِ إِمَامِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ. وَعَنْ مُعَاذٍ: مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ. قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَكَانَ الَّذِي خَصَّهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ أَخْذَهُ مِنْ تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إِنْ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ غَيْرُ الْكَاتِبِ، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتُشْكِلَ اخْتِصَاصُهُ يَعْنِي: بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَلَى الْيَسَارِ مَلَكًا آخَرَ، وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ: بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَمَلَكٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَالْبُصَاقُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (فَيَدْفِنُهَا) : - بِالرَّفْعِ وَيُجْزَمُ - لِدَفْعِ الْأَذَى.
стр. 1126
٧١١ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: (تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧١١ - (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: (تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّقَيُّدَ، وَيَحْتَمِلُ بَيَانَ الْأَفْضَلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1127
٧١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ( «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ; اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧١٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ ﵇ عَرَفَ أَنَّهُ مُرْتَحِلٌ، وَخَافَ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُعَظِّمُوا قَبْرَهُ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَعَرَّضَ بِلَعْنِهِمْ كَيْلَا يَعْمَلُوا مَعَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) : وَقَوْلُهُ: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) : سَبَبُ لَعْنِهِمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْجَلِيُّ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي
стр. 1128
مَدَافِنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالسُّجُودَ عَلَى مَقَابِرِهِمْ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى قُبُورِهِمْ حَالَةَ الصَّلَاةِ ; نَظَرًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ لِتَضَمُّنِهِ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ مَخْلُوقٍ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِمُشَابَهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ سُنَّةَ الْيَهُودِ، أَوْ لِتَضَّمُنِهِ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ: (يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) ، وَقَالَ الْقَاضِي: كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً، وَيَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا، فَقَدِ اتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا، فَلِذَلِكَ لَعَنَهُمْ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثلِ ذَلِكَ، أَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ، أَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ وَقَصَدَ الِاسْتِظْهَارَ بِرُوحِهِ، أَوْ وَصُولَ أَثَرٍ مَا مِنْ أَثَرِ عِبَادَتِهِ إِلَيْهِ، لَا لِلتَّعْظِيمِ لَهُ وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَرْقَدَ إِسْمَاعِيلَ ﵇ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْحَطِيمِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مَكَانٍ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي لِصَلَاتِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مُخْتَصُّ بِالْقُبُورِ الْمَنْبُوشَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَذِكْرَ غَيْرُهُ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ فِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَأَنَّ فِي الْحَطِيمِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَزَمْزَمَ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَغَيْرِهِ مُنْدَرَسَةٌ فَلَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنِ حَجَرٍ: أَشَارَ الشَّارِحُ إِلَى اسْتِشْكَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ، بِأَنَّهَا تُكْرَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَأَجَابَ: بِأَنَّ مَحِلَّهَا فِي مَقْبَرَةٍ مَنْبُوشَةٍ لِنَجَاسَتِهَا، وَكُلُّهِ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: يُسْتَثْنَى مَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُكَرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَجَوَابُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِمْ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُنْبَشْ لِأَنَّهُ مُحَاذٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَمُحَاذَاتُهَا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فَوْقَهُ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ مَا هُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ التُّرْبَةُ طَاهِرَةً وَالْمَكَانُ طَيِّبًا، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بِجَوَازِهَا فِيهَا، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْغَالِبَ مَنْ حَالِ الْمَقْبَرَةِ اخْتِلَاطُ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهَا، وَالنَّهْيُ لِنَجَاسَةِ الْمَكَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفِي الْقَارِعَةِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَارَّةِ يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بِالْمَقْبَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ؟ وَمَذْهَبُنَا الْأَوَّلُ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، بَلْ وَعَدَمُ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ فِي الْأَمْكِنَةِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ وَالْبُطْلَانَ كَالْأَزْمِنَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1129
٧١٣ - وَعَنْ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» ) ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٧١٣ - (وَعَنْ جُنْدَبٍ) : بِضَمِّهِمَا وَفَتَحِ الدَّالِّ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ) : بِالْكَسْرِ عَلَى تَقْدِيرِ أُنَبِّهُكُمْ وَأَقُولُ: إِنْ، وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ فَالتَّقْدِيرُ: تَنَبَّهُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) ، أَيِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَوْ أَعَمُّ مِنْهُمْ (كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ) : مِنْ مَشَايِخِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ (مَسَاجِدَ) ، أَيْ: بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) ، كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِإِقْحَامِ أَدَاتِهِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مُبَالَغَةً، وَكَرَّرَ النَّهْيَ أَيْضًا كَمَا كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1130
٧١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٧١٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ) ، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهِ (مِنْ صَلَاتِكُمْ) ، أَيْ: بَعْضَ صَلَاتِكُمُ الَّتِي هِيَ النَّوَافِلُ مُؤَدَّاةً فِي بُيُوتِكُمْ، وَقَوْلُهُ: مِنْ صَلَاتِكُمْ مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَفِي بُيُوتِكُمْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، قُدِّمَ عَلَى الْأَوَّلِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الْبُيُوتِ، وَإِنَّ مِنْ حَقِّهَا أَنْ يَجْعَلَ لَهَا نَصِيبًا مِنَ الطَّاعَاتِ لِتَصِيرَ مُنَوَّرَةً ; لِأَنَّهَا مَأْوَاكُمْ وَمُنْقَلَبُكُمْ، وَلَيْسَتْ كَقُبُورِكُمُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِصَلَاتِكُمْ، وَلِذَا قَالَ: (وَلَا تَتَّخِذُوهَا) ، أَيْ: بُيُوتَكُمْ (قُبُورًا) : بِأَنْ تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا كَمَا تَتْرُكُونَهَا فِي الْمَقَابِرِ، شَبَّهَ الْمَكَانَ الْخَالِيَ عَنِ الْعِبَادَةِ بِالْمَقْبَرَةِ وَالْغَافِلَ عَنْهَا بِالْمَيِّتِ، وَقِيلَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَوَاطِنَ النُّوَّمِ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَثَلَ ذَاكِرِ اللَّهِ وَمَثَلَ غَيْرِ ذَاكِرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ السَّاكِنِ فِي الْبُيُوتِ، وَالسَّاكِنِ فِي الْقُبُورِ، فَالَّذِي لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْرِ، كَمَا جَعَلَ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَدْفِنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ; لِئَلَّا يُكَدَّرَ عَلَيْكُمْ مَعَاشُكُمْ وَمَأْوَاكُمْ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1131
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: ( «لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ» ) ، ذِكْرَهُ مِيرَكُ، قِيلَ: الْأَفْضَلُ فِي النَّوَافِلِ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: ( «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ) ، وَلِسَلَامَتِهَا مِنَ الرِّيَاءِ وَلِعَوْدِ بِرْكَتِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَهْلِهِ، وَقِيلَ: فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: فِي النَّهَارِ، الْمَسْجِدُ أَفْضَلُ، وَفِي اللَّيْلِ، الْبَيْتُ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: إِنْ كَسِلَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَلُ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَرَدَ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى بَعْضَ النَّوَافِلِ فِي الْمَسْجِدِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَكَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ تَعْلِيقًا، وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ حُرْمَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ لِخَبَرِ: افْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ.
стр. 1132
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
٧١٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
" الْفَصْلُ الثَّانِي "
٧١٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» ) ، يُرِيدُ: مَا بَيْنَ مَشْرِقِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَهُوَ مَطْلَعُ قَلْبِ الْعَقْرَبِ، وَمَغْرِبِ الصَّيْفِ وَهُوَ مَغْرِبُ السِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَهِيَ إِلَى طَرَفِ الْغَرْبِيِّ أَمِيلُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: ( «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ) ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرِيدُ الْقَوْلَ بِالْجِهَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ، بَلْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّ خِلَافَهُ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَاسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَبِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ لَا يَقُولُ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا: بِحَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ دَانَاهُمْ ; لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَيْسَ قِبْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ قَطْعًا فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ اهـ.
وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ قِبْلَةَ مَنِ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، فَعَلَى أَيِّ جِهَةٍ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ كَفَتْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُتَنَقِّلُ عَلَى الدَّابَّةِ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ، وَفِي الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ، إِذْ لَا وَجْهَ فِيهِمَا لِلتَّقْيِيدِ بِمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَوَّلَ الْمَغَارِبِ وَهُوَ مَغْرِبُ الصَّيْفِيِّ عَنْ يَمِينِهِ، وَآخِرَ الْمَشَارِقِ وَهُوَ مَشْرِقُ الشِّتَاءِ عَنْ يَسَارِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَشْرِقِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَخُوزِسْتَانَ وَفَارِسَ وَعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : مَنْ طُرُقٍ وَصَحَّحَهَا، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1133
٧١٦ - «وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ. وَأَمَرَنَا، فَقَالَ: (اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا) ، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يُنْشَفُ، فَقَالَ: (مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا» ) ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٧١٦ - (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا) : الْوَفْدُ: جَمَاعَةٌ قَاصِدَةٌ عَظِيمًا لِشَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ فَهُوَ حَالٌ، أَيْ: قَاصِدِينَ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ) ، أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ) ، أَيْ: صَلَاةً أَوْ صَلَوَاتٍ (وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهِيَ مَعْبَدُ النَّصَارَى (لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ) : الْفَاءُ عَطَفَتْ مَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَجْمُوعِ، أَيْ: خَرَجْنَا وَفَعَلْنَا فَاسْتَوْهَبْنَاهُ (مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ، أَيْ: بَقِيَّةِ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبِ بَدَلِ اشْتِمَالٍ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ (فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَتَمَضْمَضَ) ، أَيْ: مِنْهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (ثُمَّ صَبَّهُ) ، أَيِ: الْمَاءَ الْمُتَمَضْمَضَ بِهِ زِيَادَةً عَلَى مَطْلُوبِهِمْ فَضْلًا (لَنَا فِي إِدَاوَةٍ) : وَيُمْكِنُ أَنْ
стр. 1134
يَكُونُ الْمَصْبُوبُ هُوَ الْمَاءَ الْبَاقِي الْمَطْلُوبَ، وَالْإِدَاوَةُ ظَرْفٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ (وَأَمَرَنَا) ، أَيْ: بِالْخُرُوجِ (فَقَالَ) : بَيَانُ الْأَمْرِ، أَوْ أَمَرَنَا بِمَعْنَى أَرَادَ أَمْرَنَا فَقَالَ: (اخْرُجُوا) ، إِذْنًا بِالْخُرُوجِ (فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ) ، أَيْ: دِيَارَكُمْ (فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ) ، أَيْ: غَيِّرُوا مِحْرَابَهَا، وَحَوِّلُوهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَقِيلَ: خَرِّبُوهَا (وَانْضَحُوا) : بِفَتْحِ الضَّادِ، أَيْ: رُشُّو (مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ) : لِيَصِلَ إِلَيْهَا بَرَكَةُ فَضْلِ وُضُوئِهِ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى فَضْلِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْمَاءِ، وَالْمُرَادُ تَطْهِيرُهَا وَغَسْلُهَا بِالْمَاءِ عَمَّا بَقِيَ فِيهِ (وَاتَّخِذُوهَا) ، أَيِ: الْبِيعَةَ يَعْنِي مَكَانَهُ (مَسْجِدًا) ، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ) : بِالنُّصْبِ وَيُرْفَعُ (شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ) : بِالْوَجْهَيْنِ (يُنْشَفُ) : بِالتَّخْفِيفِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، يُقَالُ: نَشِفَ الثَّوْبُ الْعَرَقَ بِالْكَسْرِ، وَنَشَّفَ الْحَوْضُ الْمَاءَ يُنَشِّفُهُ إِذَا شَرِبَهُ (فَقَالَ: (مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ) ، أَيْ: زِيدُوا فَضْلَ مَاءِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَاءِ غَيْرَهُ، وَحَاصِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ صُبُّوا عَلَيْهِ مَاءً آخَرَ (فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي فَإِنَّهُ إِمَّا لِلْمَاءِ الْوَارِدِ أَوِ الْمَوْرُودِ، أَيِ: الْوَارِدُ لَا يَزِيدُ الْمَوْرُودَ الطَّيِّبَ بِبَرَكَتِهِ (إِلَّا طِيبًا) : أَوِ الْمَوْرُودُ الطَّيِّبُ لَا يَزِيدُ بِالْوَارِدِ إِلَّا طِيبًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ بِالسِّيَاقِ أَقْرَبُ، وَبِنِسْبَةِ الزِّيَادَةِ أَنْسَبُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ عَكْسَهُ أَوْلَى إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا أَصَابَ بَدَنَهُ ﵇ لَا يَطْرُقُهُ تَغَيُّرٌ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى غَايَةِ كَمَالِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِوَاسِطَةِ مُلَامَسَتِهِ لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ، فَكُلُّ مَا مَسَّهُ أَكْسَبَهُ طِيبًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مِمَّا اشْتَرَكَ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَضَبْطُ طِيبًا بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِفَضْلِهِ ﵇، وَنَقْلُهُ إِلَى الْبِلَادِ، وَنَظِيرُهُ: مَاءُ زَمْزَمَ فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ يَسْتَهْدِيهِ مِنْ أَمِيرِ مَكَّةَ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فَضْلَةَ وَارِثِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَذَلِكَ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ، أَيْ: عَنْ هَنَّادٍ، عَنْ مُلَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا مُلَازِمٌ بِالسِّنْدِ قَالَ: «خَرَجْنَا سِتَّةً وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، خَمْسَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَسَادِسَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِأَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ نَمَّ قَالَ: (اذْهَبُوا بِهَذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، ثُمَّ انْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا) ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْمَاءُ يُنْشَفُ، قَالَ: (فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا) ، فَخَرَجْنَا فَتَشَاحَحْنَا عَلَى حَمْلِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا، وَرَاهِبُ ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعْوَةُ حَقٍّ ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ» ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
стр. 1135
٧١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيَطَيَّبَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٧١٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ) ، أَيْ: أَذِنَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ) : جَمْعُ دَارٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ وَالْمَحَلَّةِ، وَالْمُرَادُ الْمَحَلَّاتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا قَبِيلَةٌ دَارًا، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى اتِّخَاذِ بَيْتٍ فِي الدَّارِ لِلصَّلَاةِ، كَالْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْبَيْتِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمَحَلَّاتُ وَالْقَبَائِلُ، وَحِكْمَةُ أَمْرِهِ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ الذَّهَابُ لِلْأُخْرَى، فَيُحْرَمُونَ أَجْرَ الْمَسْجِدِ وَفَضْلَ إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، فَأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَتَيَسَّرَ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةِ الْعِبَادَةُ فِي مَسْجِدِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: قَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى
стр. 1136
عُمَرَ ﵁ الْأَمْصَارَ، أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ لَا يَبْنُوا مَسْجِدَيْنِ يُضَارُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَمِنَ الْمَضَارَّةِ فِعْلُ تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ يَسَعُهُمْ، فَإِنْ ضَاقَ سُنَّ تَوْسِعَتُهُ أَوِ اتِّخَاذُ مَسْجِدٍ يَسَعُهُمْ (وَأَنْ يُنَظَّفَ) ، بِإِزَالَةِ النَّتْنِ وَالْعَذِرَاتِ وَالتُّرَابِ (وَيُطَيَّبَ) ، بِالرَّشِّ أَوِ الْعِطْرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ وَأَمَرَ ﵇ أَيْضًا بِشَيْءٍ آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ، وَيَتَعَيَّنُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُطَيَّبَ وَيُنَظَّفَ اهـ.
وَتَقْدِيمُ " يُطَيَّبَ " لَيْسَ بِطَيِّبٍ، لِمُخَالَفَتِهِ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ الْمُوَافَقَةَ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، قَالَ مِيرَكُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ الْمَسْجِدِ بِالْبَخُورِ خِلَافًا لِمَالِكٍ حَيْثُ كَرِهَهُ، فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ إِذَا قَعَدَ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ تَخْلِيقَ الْمَسْجِدِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالطِّيبِ، وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ فِعْلَهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ سُنَّةٌ، وَأَخَرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ طَلَى حِيطَانَهَا بِالْمِسْكِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا كَنْسُ الْمَسْجِدِ وَتَنْظِيفُهُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَتَتَبَّعُ غُبَارَ الْمَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» .
стр. 1137
٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا أَمَرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَمَرْتُ) ، مَا: نَافِيَةٌ (بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ) ، أَيْ: بِرَفْعِهَا وَإِعْلَاءِ بِنَائِهَا أَوْ تَجْصِيصِهَا ; لِأَنَّهُمَا زَائِدَانِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) : بِفَتْحِ اللَّامِ، وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ، وَبِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَهِيَ نُونُ التَّأْكِيدِ، وَالزَّخْرَفَةُ: الزِّينَةُ وَأَصْلُ الزُّخْرُفِ الذَّهَبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَشَرَحَهُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي لِتُزَخْرِفُنَّهَا لَامُ التَّعْلِيلِ لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: مَا أَمَرْتُ بِالتَّشْيِيدِ لِيُجْعَلَ ذَرِيعَةً إِلَى الزَّخْرَفَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا جَوَابُ الْقَسَمِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ أَصْلًا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَفْصُولٌ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، (كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) : وَهَذَا بِدْعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ﵇، وَفِيهِ مُرَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي النِّهَايَةِ: الزُّخْرُفُ النُّقُوشُ وَالتَّصَاوِيرُ بِالذَّهَبِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تُزَخْرِفُ الْمَسَاجِدَ عِنْدَمَا حَرَّفُوا أَمْرَ دِينِهِمْ، وَأَنْتُمْ تَصِيرُونَ إِلَى مِثْلِ حَالِهِمْ فِي الْمَرْآةِ بِالْمَسَاجِدِ وَتَزْيِينِهَا، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ وَعُمُدُهُ خَشَبَ النَّخْلِ، زَادَ عُمَرُ ﵁ فِيهِ: فَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ وَعُمُدَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَبِالْجَصِّ وَالنَّوْرَةِ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَّقَ أَوَّلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ: «ابْنُوا الْمَسَاجِدَ وَاتَّخِذُوهَا جُمًّا» ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ: الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ شُرَفٌ بِضَمٍّ فَفَتَحٍ جَمْعُ شُرْفَةٍ كَغُرْفَةٍ، وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَانَا أَوْ نُهِينَا أَنْ نُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُشْرِفٍ» ، وَخَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ «إِذَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» ، وَخَبَرُ أَنَسٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» ، وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ: إِنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، وَمَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ بِمَسْجِدٍ مُزَخْرَفٍ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا.
стр. 1138
٧١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٧١٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) : جَمْعِ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ، قُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَزِيَادَةِ الْإِنْكَارِ عَلَى فَاعِلِهِ لَا لِلتَّخْصِيصِ وَلَا لِلْحَصْرِ، أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِ الْقِيَامَةِ (أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِهَا أَوْ بِنَائِهَا يَعْنِي: يَتَفَاخَرُ كُلُّ أَحَدٍ بِمَسْجِدِهِ وَيَقُولُ: مَسْجِدِي أَرْفَعُ أَوْ أَزْيَنُ أَوْ أَوْسَعُ أَوْ أَحْسَنُ ; رِيَاءً وَسُمْعَةً وَاجْتِلَابًا لِلْمِدْحَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 1139
٧٢٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دُوَادَ.
ــ
٧٢٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ ; عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلِيَّ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ (أُجُورُ أُمَّتِي) ، أَيْ: ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ (حَتَّى الْقَذَاةُ) ، بِالرَّفْعِ أَوِ الْجَرِّ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ وَسَخٍ، وَلَا بُدَّ فِي الْكَلَامِ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: أُجُورُ أَعْمَالِ أُمَّتِي، وَأَجْرُ الْقَذَاةِ، أَيْ: أَجْرُ إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ إِمَّا بِالْجَرِّ، وَحَتَّى بِمَعْنَى (إِلَى) ، وَالتَّقْدِيرُ إِلَى إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ وَعَلَى هَذَا (يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيَانِ، وَإِمَّا بِالرَّفْعِ عَمَّا عَلَى أُجُورٍ، فَالْقَذَاةُ مُبْتَدَأٌ أَوْ يُخْرِجُهَا خَبَرُهُ (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا) ، أَيْ: يَتَرَتَّبُ عَلَى نِسْيَانٍ (أَعْظَمُ مِنْ سُورَةٍ) ، مِنْ ذَنْبِ نِسْيَانِ سُورَةٍ كَائِنَةٍ (مِنَ الْقُرْآنِ) ، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا مُنَافٍ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْكَبَائِرِ، قُلْتُ: إِنْ سُلِّمَ أَنَّ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ مُتَرَادِفَانِ، فَالْوَعِيدُ عَلَى النِّسْيَانِ لِأَجْلِ أَنْ مَدَارَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْقُرْآنِ، فَنِسْيَانُهُ كَالسَّعْيِ فِي الْإِخْلَالِ بِهَا، فَإِنْ قُلْتَ: النِّسْيَانُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، قُلْتُ: الْمُرَادُ تَرَكُهَا عَمْدًا إِلَى أَنْ يُفْضِيَ إِلَى النِّسْيَانِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَعْظَمُ مِنَ الذُّنُوبِ الصِّغَائِرِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ عَنِ اسْتِخْفَافٍ وَقِلَّةِ تَعْظِيمٍ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ، (أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا) ، أَيْ: تَعَلَّمَهَا (رَجُلٌ) ، وَفِي نُسْخَةِ الرَّجُلِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (ثُمَّ نَسِيَهَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَطْرُ الْحَدِيثِ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] يَعْنِي عَلَى قَوْلٍ فِي الْآيَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا فِي الْمُشْرِكِ، وَالنِّسْيَانُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا قَالَ: أُوتِيهَا دُونَ حَفِظَهَا إِشْعَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ نِعْمَةً جَسِيمَةً أَوْلَاهَا اللَّهُ لِيَشْكُرَهَا، فَلَمَّا نَسِيَهَا فَقَدْ كَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَعْظَمَ جُرْمًا، وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مِنَ الْكَبَائِرِ عَجِيبٌ، مَعَ تَصْرِيحِ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّ نِسْيَانَ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَوْ حَرْفًا بِلَا عُذْرٍ كَمَرَضٍ وَغَيْبَةِ عَقْلٍ كَبِيرَةٌ اهـ.
وَالنِّسْيَانُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يَقْدِرَ أَنْ يَقْرَأَ بِالنَّظَرِ، كَذَا فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَلَمَّا عُدَّ إِخْرَاجُ الْقَذَاةِ الَّتِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ مِنَ الْجُحُورِ تَعْظِيمًا لِبَيْتِ اللَّهِ، عُدَّ أَيْضًا النِّسْيَانُ مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْمِ ; تَعْظِيمًا لِكَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَكَأَنَ فَاعِلَ ذَلِكَ عَدَّ الْحَقِيرَ عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَظِيمِ، فَأَزَالَهُ عَنْهُ، وَصَاحِبُ هَذَا عَدَّ الْعَظِيمَ حَقِيرًا فَأَزَالَهُ عَنْ قَلْبِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَالْمُنْذِرِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» .
стр. 1140
٧٢١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٢١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ) : جَمْعَ الْمَشَّاءِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَشْيِ (فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ) ، قِيلَ: لَوْ مَشَى فِي الظَّلَامِ بِضَوْءٍ لِدَفْعِ آفَاتِ الظَّلَامِ، فَالْجَزَاءُ بِحَالِهِ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (بِالنُّورِ) : مُتَعَلِّقٌ بِبَشِّرِ (التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَصْفِ النُّورِ بِالتَّامِّ وَتَقْيِيدِهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْمِيحٌ إِلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] وَإِلَى وَجْهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] اهـ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1141
٧٢٢ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ.
ــ
٧٢٢ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ) : قَالَ الْمُنْذِرُ: رِجَالُ إِسْنَادِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِهِ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيُضِيءُ لِلَّذِينِ يَتَحَلَّلُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِنُورٍ سَاطِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَقِيَ اللَّهَ بِنُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ: ( «مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ أَتَاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «بِشِّرِ الْمُدْلِجِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ» ) ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُ: ( «لِيُبَشَّرَ الْمَشَّاءُونَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1142
٧٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] » ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٧٢٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ» ) ، أَيْ: يَخْدِمُهُ وَيُعَمِّرُهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ التَّرَدُّدُ إِلَيْهِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَجَمَاعَتِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّعَهُّدُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ عِمَارَتُهُ صُورَةً وَمَعْنًى (فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ) ، أَيْ: بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلُهُ: فَاشْهَدُوا لَهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ إِنْكَارُهُ ﵇، قَوْلَهَا فِي طِفْلِ أَنْصَارِيٍّ مَاتَ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْإِيمَانِ ظَنًّا، وَمَا فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ ﵇ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَطَعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعَهُّدُ وَالتَّعَاهُدُ الْحِفْظُ بِالشَّيْءِ، وَفِي التَّعَاهُدِ الْمُبَالَغَةُ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا أُخْرِجَ عَلَى زِنَةِ الْمُبَالَغَةِ دَلَّ عَلَى قُوَّتِهِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلتِّرْمِذِيَ: يَعْتَادُ بَدَلَ يَتَعَاهَدُ، وَهُوَ أَقْوَى سَنَدًا وَأَوْفَقُ مَعْنًى لِشُمُولِهِ جَمِيعَ مَا يُنَاطُ بِهِ الْمَسْجِدُ مِنَ الْعِمَارَةِ، وَاعْتِيَادِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا أَشْهَدَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: فَاشْهَدُوا لَهُ، أَيِ: اقْطَعُوا لَهُ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَوْلٌ صَدَرَ عَنْ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلِ التَّعَهُّدُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مَعَ شُمُولِهِ لِذَلِكَ يَشْمَلُ تَعَهُّدَ مَا بِالْحِفْظِ وَالْعِمَارَةِ وَالْكَنْسِ وَالتَّطَيُّبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِشْهَادُهُ عَلَيْهِ
стр. 1143
السَّلَامُ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ (فَإِنَّ اللَّهَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] ، أَيْ: بِإِنْشَائِهَا أَوْ تَرْمِيمِهَا أَوْ إِحْيَائِهَا بِالْعِبَادَةِ وَالدُّرُوسِ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢] ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: عِمَارَتُهَا كَنْسُهَا وَتَنْظِيفُهَا وَتَنْوِيرُهَا بِالْمَصَابِيحِ، وَتَعْظِيمُهَا وَاعْتِيَادُهَا لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، وَصِيَانَتُهَا عَمَّا لَمْ تُبْنَ لَهُ الْمَسَاجِدُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الْحَدِيثِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ دَرَّاجٌ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّخْرِيجِ.
стр. 1144
٧٢٤ - «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَئْذَنُ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ) ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: (إِنْ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: (إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيَ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ» ، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٧٢٤ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) : وَهُوَ أَخٌ رِضَاعِيٌّ لَهُ ﵇ (قَالَ) : حِينَ أَرْسَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ لِيَسْتَأْذِنَ لَهُمْ فِي الِاخْتِصَاءِ ; لِأَنَّهُمْ يَشْتَهُونَ النِّسَاءَ وَلَا طُولَ لَهُمْ بِذَلِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ) ، أَيْ: سَلِّ الْخُصْيَتَيْنِ لِتَزُولَ عَنَّا شَهْوَةُ النِّسَاءِ، إِذْ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا تُقْطَعُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَتَجْلِبُ كُلَّ مِحْنَةٍ وَضَيْرٍ، وَلِذَا قِيلَ: ضَاعَ الْعِلْمُ فِي أَفْخَاذِ النِّسَاءِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (لَيْسَ مِنَّا) ، أَيْ: مِمَّنْ يَقْتَدِي بِسُنَّتِنَا وَيَهْتَدِي بِطَرِيقَتِنَا (مَنْ خَصَى) : بِفَتْحِ الصَّادِ، أَيْ: سَلَّ خُصْيَةَ غَيْرِهِ وَأَخْرَجَهَا (وَلَا اخْتَصَى) ، أَيْ: بِنَفْسِهِ بِحَذْفِ " مَنْ " لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ يَعْنِي: وَلَا مَنْ سَلَّ خُصْيَةَ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَاحْتِيجَ لِتَقْدِيرِ " مَنْ " لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لَا الْمُؤَكِّدَةَ لِلنَّفْيِ تَنْفِي ذَلِكَ الْوَهْمَ وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ حَرَامٌ وَفِي مَعْنَاهُ إِطْعَامُ دَوَاءٍ لِغَيْرِهِ أَوْ أَكْلُهُ إِنْ كَانَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَالنَّسْلَ دَائِمًا، وَكَذَا نَادِرًا إِنْ أَطْعَمَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ( «إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ» ) : فَإِنَّهُ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَضَرَرَهَا كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ ﵇: ( «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (، أَيْ: قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ النَّفْسِ مِنَ التَّعْذِيبِ وَقَطْعِ النَّسْلِ، وَمِنْ حُصُولِ الثَّوَابِ بِالصِّيَامِ الْمُقْتَضِي لِرِيَاضَةِ النَّفْسِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى طَاعَتِهَا لِأَمْرِ مَوْلَاهَا، (فَقَالَ) : أَيْ: عُثْمَانُ (ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: السِّيَاحَةُ مُفَارَقَةُ الْأَمْصَارِ، وَالذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ كَفِعْلِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اهـ، فَلَا يُنَافِي سِيَاحَةَ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ لِرُؤْيَةِ الْمَشَايِخِ وَتَحْصِيلِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَلِحُصُولِ الْخُمُولِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمَرْضِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ ( «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) : وَهُوَ أَفْضَلُ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ وَنَفْعُهُ مُتَعَدٍّ إِلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ (قَالَ ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ) ، أَيْ: فِي التَّعَبُّدِ وَإِرَادَةِ الْعُزْلَةِ وَالْفِرَارِ مِنَ النَّاسِ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ كَالرُّهْبَانِ، وَأَصْلُ التَّرَهُّبِ مِنَ الرَّهْبِ بِمَعْنَى الْخَوْفِ كَانُوا يَتَرَهَّبُونَ بِالتَّخَلِّي مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَى نَفْسَهُ ; وَوَضَعَ السِّلْسِةَ فِي عُنُقِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، (فَقَالَ: «إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ» ) بِالْإِضَافَةِ وَنَصْبُهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْجُلُوسِ) ، أَيْ: لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ التَّرَهُّبِ مَعَ زِيَادَةِ الْفَضَائِلِ، (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيِّ، «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ» ، وَسَاقَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ مُقَالٌ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1145
٧٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (رَأَيْتُ رَبِّيَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ; قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ) ، قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَتَلَا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] » رَوَاهُ الدِّرَامِيُّ مُرْسَلًا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْهُ.
ــ
٧٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَفِي التَّقْرِيبِ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ الْحَضْرَمِيِّ، يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ أَصْلَهُ يَاءٌ، وَفِي الْمُشْتَبِهِ لِلذَّهَبِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الرُّؤْيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَابِسٌ بِعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي: قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَرْوِيهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذٍ، ( «قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (رَأَيْتُ رَبِّيَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «احْتُبِسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْغَدْوَةِ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطَلُعُ، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدْوَةَ قَالَ: (إِنِّي صَلَّيْتُ اللَّيْلَةَ مَا قَضَى رَبِّي وَوَضَعْتُ جَنَبِيَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» ) ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَالٌ إِذِ الرَّائِي قَدْ يَرَى غَيْرَ الْمُتَشَكِّلِ مُتَشَكِّلًا، وَالْمُتَشَكِّلَ بِغَيْرِ شَكْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ بِخَلَلٍ فِي الرُّؤْيَا وَلَا فِي خُلْدِ الرَّائِي، بَلْ لَهُ أَسْبَابٌ أُخَرُ تُذْكَرُ فِي عِلْمِ الْمَنَامِ، أَيِ: التَّعْبِيرِ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَمَا افْتَقَرَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ ﵈ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ مَا رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ فِيهِ: ( «فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» ) ، الْحَدِيثَ، فَذَهَبَ السَّلَفُ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا صَحَّ أَنْ يُؤْمَنَ بِظَاهِرِهِ، وَلَا يُفَسَّرَ بِمَا يُفَسَّرُ بِهِ صِفَاتُ الْخَلْقِ، بَلْ يُنْفَى عَنْهُ الْكَيْفِيَّةُ وَيُوكَلُ عِلْمُ بَاطِنِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يُرِي رَسُولَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ وَرَاءِ أَسْتَارِ الْغَيْبِ مِمَّا لَا سَبِيلَ لِعُقُولِنَا إِلَى إِدْرَاكِهِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَظِنَّةَ الْفِتْنَةِ فِي عَقَائِدِ النَّاسِ لِفُشُوِّ اعْتِقَادَاتِ الضَّلَالِ، وَإِنْ تَأَوَّلَ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِمَالِ لَا الْقَطْعِ حَتَّى لَا يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا فَلَهُ وَجْهٌ، فَقَوْلُهُ: فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: رَأَيْتُ رَبِّيَ حَالَ كَوْنِي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَصْفَةٍ مِنْ غَايَةِ إِنْعَامِهِ وَلُطْفِهِ عَلَيَّ، أَوْ حَالَ كَوْنِ الرَّبِّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَصُورَةُ الشَّيْءِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَيْنَ ذَاتِهِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُمَيِّزِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ صِفَتِهِ الْمُمَيَّزَةِ، وَكَمَا يُطْلَقُ ذَلِكَ فِي الْجُثَّةِ يُطْلَقْ فِي الْمَعَانِي يُقَالُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَذَا، وَصُورَةُ الْحَالِ كَذَا، فَصُورَتُهُ تَعَالَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ذَاتُهُ الْمَخْصُوصَةُ الْمُنَزَّهَةُ عَنْ مُمَاثَلَةِ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَالِغَةِ إِلَى أَقْصَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، أَوْ صِفَتُهُ الْمَخْصُوصَةُ بِهِ، أَيْ: كَانَ رَبِّي أَحْسَنَ إِكْرَامًا وَلُطْفًا مِنْ وَقْتٍ آخَرَ كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَالتُّورِبِشْتِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَةَ: حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ تَصْحِيفٌ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنَّفُ حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ أَصَحُّ مِنْ هَذِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى رَأَيْتُ: عَلِمْتُهُ وَعَرَفْتُهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الشَّيْخَ عَطِيَّةَ السُّلَمِيَّ نَاقِلًا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تَجَلِّيَاتٍ صُورِيَّةً مَعَ تَنَزُّهِ ذَاتِهِ الْأَحَدِيَّةِ عَنِ الْمِثْلِيَّةِ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ) ، أَيْ: رَبِّي (فِيمَ) ، أَيْ: فِي أَيِّ شَيْءٍ (يَخْتَصِمُ) ، أَيْ: يَبْحَثُ (الْمَلَأُ) ، أَيِ: الْأَشْرَافُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ الْمَجَالِسَ وَالصُّدُورَ عَظَمَةً وَإِجْلَالَ (الْأَعْلَى؟) : يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ إِمَّا لِعُلُوِّ مَكَانِهِمْ وَإِمَّا لِعُلُوِّ مَكَانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِصَامِهِمْ، عِبَارَةٌ عَنْ تُبَادُرِهِمْ إِلَى إِثْبَاتِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَالصُّعُودِ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَإِمَّا عَنْ تُقَاوُلِهِمْ فِي فَضْلِهَا وَشَرَفِهَا، وَإِمَّا عَنِ اغْتِبَاطِهِمُ النَّاسَ بِتِلْكَ الْفَضَائِلِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَا وَشَبَّهَ تَقَاوُلَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ؛ إِيمَاءً إِلَى أَنْ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَفِي الْمَصَابِيحِ زِيَادَةُ - يَا مُحَمَّدُ - وَهُوَ زِيَادَةُ شَرَفٍ (قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ) ، أَيْ: بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرِهِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: أَيْ رَبِّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا نَادَى بِـ (أَيْ) ، دُونَ (يَا) ، أَدَبًا ; لِأَنَّ (يَا) ، يُنَادَى بِهِ الْعَبِيدُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النِّدَاءِ بِـ (يَا) : فِي الدَّعَوَاتِ فَلِهَضْمِ النَّفْسِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ عَنْ مَظَانِّ الْإِجَابَةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ فِي الْمَصَابِيحِ زِيَادَةُ - مَرَّتَيْنِ - قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فِيمَ يَخْتَصِمُ ; أَيْ جَرَى السُّؤَالُ مِنْ رَبِّهِ مَرَّتَيْنِ، وَالْجَوَابُ مِنْ مَرَّتَيْنِ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَوَضَعَ) ، أَيْ: رَبُّهُ (كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ) : بِتَشْدِيدِ
стр. 1146
الْيَاءِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ إِيَّاهُ بِمَزِيدِ الْفَضْلِ عَلَيْهِ وَإِيصَالِ الْفَيْضِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُتَلَطِّفِ بِمَنْ يَحْنُو عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَكْرِيمَهُ وَتَأْيِيدَهُ، (فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا) ، أَيْ: رَاحَةَ الْكَفِّ يَعْنِي: رَاحَةَ لُطْفِهِ (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) : بِالتَّثْنِيَةِ، أَيْ: قَلْبِي أَوْ صَدْرِي، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وُصُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ إِلَى قَلْبِهِ وَنُزُولِ الرَّحْمَةِ، وَانْصِبَابِ الْعُلُومِ عَلَيْهِ وَتَأَثُّرِهِ عَنْهُ، وَرُسُوخِهِ، فِيهِ وَإِتْقَانِهِ لَهُ يُقَالُ: ثَلَجَ صَدْرُهُ وَأَصَابَهُ بَرَدُ الْيَقِينِ لِمَنْ تَيَقَّنَ الشَّيْءَ وَتَحَقَّقَهُ (فَعَلِمْتُ) ، أَيْ: بِسَبَبِ وُصُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : يَعْنِي: مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا فِيهِمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَشْجَارِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ بَلْ وَمَا فَوْقَهَا، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ، " وَالْأَرْضِ " هِيَ بِمَعْنَى الْجِنْسِ، أَيْ: وَجَمِيعَ مَا فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، بَلْ وَمَا تَحْتَهَا، كَمَا أَفَادَهُ إِخْبَارُهُ ﵇ عَنِ الثَّوْرِ وَالْحُوتِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا الْأَرَضُونَ كُلُّهَا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاوَاتِ الْجِهَةُ الْعُلْيَا، وَبِالْأَرْضِ الْجِهَةُ السُّفْلَى، فَيَشْمَلُ الْجَمِيعَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إِذْ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، (وَتَلَا) : قِيلَ: التَّالِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ) ، أَيْ: كَمَا نُرِيَكَ يَا مُحَمَّدُ أَحْكَامَ الدِّينِ وَعَجَائِبَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ نُرِي إِبْرَاهِيمَ: مُضَارِعٌ فِي اللَّفْظِ، وَعَنَاهُ الْمَاضِي، وَالْعُدُولُ لِإِرَادَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ اسْتِعْجَابًا وَاسْتِغْرَابًا، أَيْ: أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: وَهُوَ فَعَلُوتَ مِنَ الْمُلْكِ وَهُوَ أَعْظَمُهُ، وَهُوَ عَالَمُ الْمَعْقُولَاتِ، أَيِ: الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَوَفَّقْنَاهُ لِمَعْرِفَتِهِمَا، وَقِيلَ التَّالِي هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِالْآيَةِ يَعْنِي: كَمَا أَنَّ اللَّهَ أَرَى إِبْرَاهِيمَ ﵊ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَشَفَ لَهُ ذَلِكَ فَتَحَ عَلِيَّ أَبْوَابَ الْغَيْبِ، قِيلَ: الْخَلِيلُ رَأَى الْمَلَكُوتَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الْإِيقَانُ بِوُجُودِ مَنْشَئِهَا، وَالْحَبِيبُ رَأَى الْمُنْشِئَ ابْتِدَاءً ثُمَّ عَلِمَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَائِنٌ لِأَنَّهُ شَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يُنْقَلُ مِنَ الْمُؤَثِّرِ إِلَى الْأَثَرِ وَعَكْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ عَارَضَهُ عَارِفٌ آخَرُ، بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] : عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا، (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : مُرْسَلًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: بَلْ مُعْضَلًا، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ مِنْهُ، بَلْ رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، (وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ) ، أَيْ: نَحْوُ هَذَا اللَّفْظِ، أَيْ: مَعْنَاهُ (عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
стр. 1147
٧٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃، وَزَادَ فِيهِ: (قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ) ، وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِبْلَاغِ الْوَضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) ، قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» ، وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٧٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : عُطِفَ عَلَى عَنْهُ (وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَزَادَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي نَحْوِهِ مِنَ الْحَدِيثِ (قَالَ) ، أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى سَائِلًا مَرَّةً أُخْرَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (يَا مُحَمَّدُ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: بِتَأْخِيرِ يَا مُحَمَّدُ (قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: بِدُونِ نَعَمِ، الرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدُ بِهَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَسُمِّيَتِ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ كَفَارَّاتٍ ; لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ (وَالْكَفَّارَاتِ) ، أَيِ: الَّتِي يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (الْمُكْثُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمُكْثُ مُثَلَّثًا وَيُحَرَّكُ، أَيِ: اللُّبْثُ (فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ) ، أَيْ: بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ انْتِظَارًا لِصَلَاةٍ أُخْرَى، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، أَوْ مُطْلَقُ التَّوَقُّفِ لِلِاعْتِزَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْحَقِّ (وَالْمَشْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ) : أَيْ تَوَاضُعًا (إِلَى الْجَمَاعَاتِ) ، أَيْ: وَلَوْ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ (وَإِبْلَاغِ الْوَضُوءِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتُضَمُّ (فِي الْمَكَارِهِ) ، أَيْ: فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتِفْهَامٌ عَنْ تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِظْهَارُ عِلْمِهِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَأَنْ يُخْبِرَ بِهَا أُمَّتَهُ لِتَفْعَلَهَا. قُلْتُ: الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ أَمَاكِنَهُ - جَمْعَ مَكَانٍ - وَالْوَضُوءُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - أَيْ: إِيصَالُ مَاءِ الْوُضُوءِ - بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ - مَوَاضِعَ الْفُرُوضِ وَالسُّنَنِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِالذِّكْرِ حَثًّا عَلَى فِعْلِهَا لِأَنَّهَا دَائِمَةٌ فَكَانَتْ مَظِنَّةَ أَنْ تُمَلَّ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ) : كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وَفُسِّرَتِ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ بِحَلَاوَةِ الطَّاعَةِ وَتَوْفِيقِ الْعِبَادَةِ، وَفَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّزْقِ الْحَلَّالِ، وَفُسِّرَتْ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِالْقِسْمَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَهُوَ نِهَايَةُ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَمَعْنَى إِجْزَاءِ الْأَجْرِ بِأَحْسَنِ الْعَمَلِ أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ الْمَفْضُولَةِ بِمَنْزِلَةِ عَمَلِهِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ غَايَةُ النِّعْمَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَمُقَدِّمَتُهَا الْمَوْتُ بِخَيْرٍ يَعْنِي: عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتُّرْبَةِ وَحَالَةِ الْبِشَارَةِ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَالْجَنَّةِ، (وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ) : وَلَفَظُ الْمَصَابِيحِ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ، وَيَكُونُ مِنْ خَطِيئَتِهِ إِلَخْ، (كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ) : مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمَاضِي، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمُضَارِعِ اخْتُلِفَ فِي بِنَائِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِثَالُ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] فَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَ مُبَرَّأً كَمَا كَانَ مُبَرَّأً يَوْمَ وَلَدَتْهُ، (أُمُّهُ) ، أَيْ: وَلَدَتْهُ فِيهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَكَانَ خَارِجًا كَخُرُوجِهِ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُقَابَلَةِ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ هُنَا، إِذِ الْمَوْلُودُ لَا ذُنُوبَ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ الشَّارِحُ بِمُبَرَّأٍ، وَآثَرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ عَبَّرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ( «مِنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ) ، أَيْ: بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا اهـ.
وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ تَقْدِيرُهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ وَتَرْكُهُ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، وَغَيْرُهُ: يَعْنِي مِنَ الصَّغَائِرِ (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بَعْدَ صَلَاتِكَ كَمَا أَفَادَهُ النَّظْمُ اهـ، وَالنَّظْمُ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ فِي آخِرِ صَلَاتِكَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْخَيْرَاتِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: (فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَقِيلَ الْأَوَّلُ اسْمٌ وَالثَّانِي مَصْدَرٌ، وَالْخَيْرَاتُ: مَا عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ، وَالْأَفْعَالِ السَّعِيدَةِ (وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) : لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَمَا قَبْلَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى
стр. 1148
الْمَفْعُولِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِدُخُولِهِ فِي الْخَيْرَاتِ الَّتِي قُوبِلَتْ بِالْمُنْكَرَاتِ اهْتِمَامًا بِهَذَا الْفَرْدِ مِنْهُ كَمَا خَصَّ الْفِتْنَةَ فِي جَانِبِ الْمُنْكَرَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً) ، أَيْ: ضَلَالَةً أَوْ عُقُوبَةً دُنْيَوِيَّةً (فَاقْبِضْنِي) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، أَيْ: تَوَفَّنِي (إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) ، أَيْ: غَيْرَ ضَالٍّ أَوْ غَيْرَ مُعَاقَبٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُضِلَّهُمْ فَقَدِّرْ مَوْتِيَ غَيْرَ مَفْتُونٍ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ (وَالدَّرَجَاتُ) : مُبْتَدَأٌ، أَيْ: مَا تُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ هُوَ (إِفْشَاءُ السَّلَامِ) ، أَيْ: بَذْلُهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ (وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ) ، أَيْ: إِعْطَاؤُهُ لِلْأَنَامِ مِنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ (وَالصَّلَاةُ ; بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ) : وَلَفَظُ الْمَصَابِيحِ: وَمِنَ الدَّرَجَاتِ - أَيْ مِمَّا يَرْفَعُهَا وَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا، فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ - إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَبَذْلُ السَّلَامِ وَأَنْ يُقَامَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا عُدَّتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهَا لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِنْهُ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَا جَرَمَ اسْتَحَقَّ بِهَا فَضْلًا وَهُوَ عُلُوُّ الدَّرَجَاتِ، قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِّبَاتِ، أَيِ: الْأَقْوَالَ وَالْأَحْوَالَ الصَّالِحَةَ، وَفِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فِي يَوْمٍ فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، (وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ) : كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ (لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
стр. 1149
٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيَدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٢٧ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْهُ: (ثَلَاثَةٌ) ، أَيْ: أَشْخَاصٍ (كُلُّهُمْ) ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالْأَفْرَادُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْكُلِّ (ضَامِنٌ) ، أَيْ: ذُو ضَمَانٍ، أَيْ: حِفْظٍ وَرِعَايَةٍ [كَلَابِنٍ وَعَامِرٍ] (عَلَى اللَّهِ) : أَوْ مَضْمُونٌ كَمَا يُقَالُ: هُوَ عَامِرٌ أَيْ مَعْمُورٌ كَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَدْفُوقٍ، يَعْنِي: وَعْدَ اللَّهِ وَعْدًا لَا خُلْفَ فِيهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مُرَادَهُمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّامِنُ بِمَعْنَى ذِي الضَّمَانِ، فَيَعُودُ إِلَى مَعْنَى الْوَاجِبِ، أَيْ: وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ أَنْ يَكْلَأَ مِنْ مُضَادِّ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، (رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِلْغَزْوِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) ، أَيْ: وَاجِبُ الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى كَالشَّيْءِ الْمَضْمُونِ (حَتَّى يَتَوَفَّاهُ) ، أَيْ: يَقْبِضَ رُوحَهُ إِمَّا بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ) ، أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ (أَوْ يَرُدَّهُ) : عَطْفٌ عَلَى يَتَوَفَّاهُ (بِمَا نَالَ) ، أَيْ: مَعَ مَا وَجَدَهُ (مِنْ أَجْرٍ) يَعْنِي: ثَوَابًا فَقَطْ (أَوْ غَنِيمَةٍ) ، أَيْ: مَعَ الْأَجَرِ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ هُمَا فَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ غَنِيمَةٌ بِلَا أَجْرٍ، وَهُوَ مَرْفُوضٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ زَلَلٍ وَخَطَلٍ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: «مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي فَأَنَا عَلَيْهِ ضَامِنٌ، أَوْ هُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ» ، شَكَّ الرَّاوِي، أَيْ: فَأَنَا عَلَيْهِ رَقِيبٌ وَحَفِيظٌ، أَوْ هُوَ عَلَيَّ وَاجِبُ الْحِفْظِ (وَرَجُلٌ رَاحَ) ، أَيْ: مَشَى (إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) ، أَيْ: يُعْطِيهِ الْأَجْرَ وَأَنْ لَا يَضَيِّعَ سَعْيَهُ، أَوْ وَاجِبُ الْوِقَايَةِ وَالرِّعَايَةِ (وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ) ، أَيْ: مُسَلِّمًا عَلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ: دَخَلَ بَيْتَهُ لِلسَّلَامَةِ، وَكُلٌّ مَعْنَاهُ سَالِمًا مِنَ الْفِتَنِ، أَيْ: طَالِبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَأْمَنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، أَيْ: سَالِمِينَ مِنَ الْعَذَابِ وَرَدَ بِأَنَّ آمِنِينَ يُفِيدُ ذَلِكَ، فَمَعْنَى بِسَلَامٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
стр. 1150
(فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يُعْطِيهِ الْبَرَكَةَ وَالثَّوَابَ الْكَثِيرَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِأَنَسٍ: (إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» ) ، اهـ.
أَوْ يُسَلِّمُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ أَحَدٌ إِذِ السُّنَّةُ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَعَلَّ السِّرَّ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَعْضِ الْجِنِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَضْمُونُ بِهِ فِي الْأَخِيرَيْنِ اكْتِفَاءً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ الْمُرَادُ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، وَالْمَضْمُونُ بِهِ أَنْ يُبَارِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ بَيْتَهُ طَالِبًا لِلسَّلَامَةِ وَهَرَبًا مِنَ الْفِتَنِ، وَهَذَا أَوْجَهُ ; لِأَنَّ الْمُجَاهَدَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَفَرًا، وَالرَّوَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ حَضَرًا، وَلُزُومَ الْبَيْتِ اتِّقَاءً مِنَ الْفِتَنِ أَخَذَ بَعْضُهَا بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَضْمُونُ بِهِ هُوَ رِعَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَجِوَارُهُ عَنِ الْفِتَنِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
стр. 1151
٧٢٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ» ) ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٢٨ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ) : حَالٌ، أَيْ: قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ مَثَلًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ (مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ) : مُضَاعَفٌ (كَأَجْرِ الْحَاجِّ) : أَوْ مِثْلُ أَجْرِهِ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَيْ كَأَصْلِ أَجْرِهِ وَقِيلَ كَأَجْرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرٌ كَالْحَاجِّ، وَإِنْ تَغَايَرَ الْأَجْرَانِ كَثْرَةً وَقِلَّةً أَوْ كَمِّيَّةً، وَكَيْفِيَّةً، أَوْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَالْحَاجِّ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ إِلَّا فِي عَرَفَةَ (الْمُحْرِمِ) : شُبِّهَ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمِ لِكَوْنِ التَّطَهُّرِ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا بِدُونِهِمَا، ثُمَّ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا كَانَ ثَوَابُهُ أَتَمَّ، فَكَذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا كَانَ ثَوَابُهُ أَفْضَلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَيْ قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْقَصْدَ حَالًا لِيُطَابِقَ الْحَجَّ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ الْخَاصُّ، فِي النِّيَّةِ مَعَ التَّطْهِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِحْرَامِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَتْ لِلتَّسْوِيَةِ، كَيْفَ وَإِلْحَاقُ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ يَقْتَضِي فَضْلَ الثَّانِي وُجُوبًا لِيُفِيدَ الْمُبَالَغَةَ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا فَشَّبَهَ ﷺ حَالَ الْمُصَلِّي الْقَاصِدِ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِحَالِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ فِي الْفَضْلِ مُبَالَغَةً وَتَرْغِيبًا، لِئَلَّا يَتَقَاعَدَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ.
(وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى) ، أَيْ: صَلَاةِ الضُّحَى، وَكُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ تَسْبِيحَةٌ وَسُبْحَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُسَبَّحُ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ النَّافِلَةَ جَاءَتْ بِهَذَا الِاسْمِ أَخَصَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ سُنَّةٌ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّافِلَةِ تَسْبِيحَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَذْكَارِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا قَوْلَهُمُ: السُّنَّةُ فِي الضُّحَى فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ خَبَرِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْمُدُنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ مَسْكَنٌ، أَوْ فِي مَسْكَنِهِ شَاغِلٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، فَالْمَعْنَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ أَوْ شُغْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى تَارِكًا أَشْغَالَ الدُّنْيَا (لَا يُنْصِبُهُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْصَابِ، وَهُوَ الْإِتْعَابُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِبَ بِالْكَسْرِ إِذَا تَعِبَ، وَأَنْصَبَهُ غَيْرُهُ أَيْ أَتْعَبَهُ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَصَبَهُ، أَيْ: أَقَامَهُ قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْفَتْحُ احْتِمَالٌ لُغَوِيٌّ لَا أُحَقِّقُهُ رِوَايَةً (إِلَّا إِيَّاهُ) ، أَيْ: لَا يُتْعِبُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا تَسْبِيحَ الضُّحَى، وَوَضْعُ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ، أَيْ: لَا يُخْرِجُهُ وَلَا يُزْعِجُهُ إِلَّا هُوَ كَالْعَكْسِ فِي حَدِيثِ الْوَسِيلَةِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ بَابِ الْمَيْلِ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَهُوَ بَابٌ جَلِيلٌ مِنْ
стр. 1152
عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَجَعَلَ الْكَشَّافُ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ بِالرَّفْعِ إِذْ مَعْنَى ذَلِكَ فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَكَذَا هُنَا إِذْ مَعْنَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ لَا يَقْصِدُ وَلَا يَطْلُبُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ يَعْنِي لَا يُتْعِبُهُ إِلَّا الْخُرُوجُ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى، (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ، (وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ السُّكُونِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: عَقِيبَهُ (لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بِكَلَامِ الدُّنْيَا (كِتَابٌ) ، أَيْ: عَمَلٌ مَكْتُوبٌ (فِي عِلِّيِّينَ) : وَهُوَ عِلْمُ الدِّيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ أَعْمَالُ الْأَبْرَارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ - كِتَابٌ مَرْقُومٌ - يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١] مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعِ عِلِّيٍّ فِعِّيلٍ مِنَ الْعُلُوِّ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَكْرِيمًا، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفَاعِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَالْعَلِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ: الْغُرْفَةُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفَ الْمَرَاتِبِ، أَيْ: مُدَاوَمَةُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَا يُنَافِيهَا لَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْلَى مِنْهَا، فَكَنَى عَنْ ذَلِكَ بِعِلِّيِّينَ، وَقِيلَ: أَيْ عَمَلُ كِتَابٍ، أَوْ مَرْفُوعٌ فِيهِ، أَوْ سَبَبٌ كُتِبَ اسْمُ عَامِلِهِ فِي عِلِّيِّينَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُكْتَبُ فِيهِ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي سَنَدِهِ الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِيهِ مَقَالٌ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1153
٧٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا) ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ; قَالَ: (الْمَسَاجِدُ) ، قِيلَ وَمَا الرَّتْعُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٧٢٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» ) ، أَيْ: لَا تَكُونُوا سَاكِتِينَ، بَلْ كُونُوا ذَاكِرِينَ إِمَّا بِالْجَنَانِ أَوْ بِاللِّسَانِ، وَالْجَمْعُ لِأَهْلِ الْعِرْفَانِ، أَوِ اغْتَنِمُوا الرَّتْعَ الْحَاصِلَ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَأَصْنَافِ الذِّكْرِ، وَفُنُونِ الْعُلُومِ، وَالْمَعَارِفِ، وَلِذَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْجَنَّةِ لَاخْتَرْتُ الْمَسْجِدَ، وَلَعَلَّهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى كَمَالِ الرُّتْبَةِ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ ; لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ، وَمُوَافَقَةَ الْقَلْبِ، وَرِضَا الرَّبِّ، (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) : السَّائِلُ فِي الْفَصْلَيْنِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ الرَّاوِي، وَهُوَ صَرِيحٌ، فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ قَالَهُ مِيرَكُ، (وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: (الْمَسَاجِدُ) : لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: حِلَقُ الذِّكْرِ، لِأَنَّهَا تَصْدُقُ بِالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ أَعَمُّ، وَخُصَّتِ الْمَسَاجِدُ هُنَا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ، وَجَعَلَ الْمَسَاجِدَ رِيَاضَ الْجَنَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا سَبَبٌ لِلْحُصُولِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، ( «قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ) : وَلِرِعَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى وُضِعَ الرَّتْعُ مَوْضِعَ الْقَوْلِ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَالرَّتْعُ هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْتَعُ﴾ [يوسف: ١٢] وَهُوَ أَنْ يَتَّسِعَ فِي أَكْلِ الْفَوَاكِهِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ، وَالْخُرُوجُ إِلَى التَّنَزُّهِ فِي الْأَرْيَافِ وَالْمِيَاهِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الرِّيَاضِ، ثُمَّ اتَّسَعَ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَتَلْخِيصُ مَعْنَى الْحَدِيثِ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِالْمَسَاجِدِ فَقُولُوا هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الرَّتْعَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ، بَلِ الْمَقْصُودُ هَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ وُصُولِ الرَّوْضَاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: لَوْ لُمِحَ فِي الرَّتْعِ تَنَاوُلُ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ الَّتِي غَرَسَهَا الذَّاكِرُ فِي رِيَاضِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا وَرَدَ: ( «لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غَرْسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ) ، لَجَاءَ أُسْلُوبًا بَدِيعًا وَتَلْمِيحًا عَجِيبًا.
стр. 1154
ثُمَّ فِي حِلَقِ الذِّكْرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ رَتْعٌ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ فِي الْآيَةِ مُفَسَّرَةٌ بِهَا، وَلِحَدِيثِ: إِنَّهَا أَفْضَلُ الْكَلَامِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ: ( «إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَسْجِدَ فَعَلَيْكُمْ بِالْإِرْتَاعِ» ) ، قَالُوا: وَمَا الْإِرْتَاعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَالَ: (الدُّعَاءُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَفِي سَنَدِهِ حُمَيْدٌ الْمَكِّيُّ، وَفِيهِ مَقَالٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَوَرَدَ: ( «الْمَسَاجِدُ سُوقُ الْآخِرَةِ، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ ضَيْفًا لِلَّهِ، وَجَزَاؤُهُ الْمَغْفِرَةُ، وَتَحِيَّتُهُ الْكَرَامَةُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْإِرْتَاعِ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْإِرْتَاعُ قَالَ: (الدُّعَاءُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» ) .
стр. 1155
٧٣٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ( «مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ، فَهُوَ حَظُّهُ» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٧٣٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ: (مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ) ، أَيْ: لِقَصْدِ حُصُولِ شَيْءٍ أُخْرَوِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ (فَهُوَ) ، أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (حَظُّهُ) : وَنُصِيبُهُ كَقَوْلِهِ ﵇: ( «إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ) ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ، لِئَلَّا يَكُونَ مُخْتَلِطًا بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَالتَّمْشِيَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ مَعَ الْأَصْحَابِ، بَلْ يَنْوِي الِاعْتِكَافَ، وَالْعُزْلَةَ، وَالِانْفِرَادَ، وَالْعِبَادَةَ، وَزِيَارَةَ بَيْتِ اللَّهِ، وَاسْتِفَادَةَ عِلْمٍ، وَإِفَادَتَهُ وَنَحْوَهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: قَدْ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَوَرَدَ: ( «مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ اللَّهُ » ) ، وَوَرَدَ أَيْضًا: ( «إِنَّ بُيُوتِي فِي أَرَاضِيَّ الْمَسَاجِدُ، وَإِنَّ زُوَّارِيَ مِنْهَا عُمَّارُهَا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي، فَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ» ) ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللَّهُ : أَيْنَ جِيرَانِي أَيْنَ جِيرَانِي ; فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاوِرَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَيْنَ زُوَّارُ الْمَسَاجِدِ؟» ) .
стр. 1156
٧٣١ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، ﵃، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) ، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى.
ــ
٧٣١ - (وَعَنْ فَاطِمَةَ) زَوْجِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ (بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) ، أَيِ: الْبَتُولِ الزَّهْرَاءِ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِكِبَرِ فَضْلِهَا وَشَأْنِهَا ﵂ : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُمْ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ» ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ حِكْمَتُهُ بَعْدَ تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِنَفْسِهِ، كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ، فَكَذَا طُلِبَ مِنْهُ تَعْظِيمُهَا بِالصَّلَاةِ مِنْهُ عَلَيْهَا، كَمَا طُلِبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ (وَقَالَ: (رَبِّ) : وَفِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: اللَّهُمَّ فَالْكُلُّ سُنَّةٌ (اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) : وَفِي تَقْدِيمِ الْغُفْرَانِ عَلَى الْفَتْحِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ( «رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» ) : وَتَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ نُكْتَةٌ فِي الْفَرْقِ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَخَطَرَ بِبَالِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ النُّكْتَةُ، هِيَ: أَنَّ الدَّاخِلَ لَمَّا كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْعِبَادَةِ فَطَلَبَ الرَّحْمَةَ النَّاشِئَةَ مِنْهَا، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، فَحِينَئِذٍ يُنَاسِبُ أَنْ يَطْلُبَ فَضْلَهُ تَعَالَى مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ عِبَادَةٍ وَسَبَبِ رَحْمَةٍ وَعِنَايَةٍ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا، قَالَتْ: «إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ، قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ» ) ، بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ،
стр. 1157
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ) : لِأَنَّ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى بِنْتَ حُسَيْنِ بَنِ عَلِيٍّ تَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى، وَهِيَ مَا أَدْرَكَتْهَا فَقَوْلُهُ: (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا جَمَعَتْ مِنْ أَبِيهَا عَنْهَا، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، فِي الدُّعَاءِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَأَحْسَبُ بَعْضَهُمْ وَصَلَهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 1158
٧٣٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٧٣٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) ، أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ) ، أَيِ: الْمَذْمُومَةِ (فِي الْمَسْجِدِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: التَّنَاشُدُ أَنْ يُنْشِدَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ نَشِيدًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ افْتِخَارًا وَمُبَاهَاةً، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّفَكُّهِ بِمَا يُسْتَطَابُ مِنْهُ تَرْجِيَةً لِلْوَقْتِ بِمَا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ فِي مَدْحِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَذَمِّ الْبَاطِلِ وَذَوِيهِ، أَوْ كَانَ مِنْهُ تَمْهِيدٌ لِقَوَاعِدِ الدِّينِ، أَوْ إِرْغَامٌ لِمُخَالِفِيهِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الذَّمِّ وَإِنْ خَالَطَهُ التَّشْبِيبُ، وَقَدْ كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَنْهَى عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِالْغَرَضِ الصَّحِيحِ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الشِّعْرِ الْحَسَنِ ; لِأَنَّ حَسَّانَ أَنْشَدَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَحْسِنًا لِمَا أَنْشَدَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ «أَنَّ حَسَّانَ وَكَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ كَانَا يُنْشِدَانِ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ ﵇» -، «وَمَرَّ عُمَرُ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ أَنْشُدُهُ وَفِيهِ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» ) .
وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: ( «الشِّعْرُ كَالْكَلَامِ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ» ) ، وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا أَيْضًا قَوْلَهُ ﵇: ( «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» ) ، وَقَوْلَهُ ﵇: ( «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ شِعْرًا فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ فَاكَ» ) ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: لَا يُفَضِّضُ اللَّهُ فَاكَ، أَيْ: لَا يُسْقِطُ أَسْنَانَكَ، وَالْفَضُّ: الْكَسْرُ، (وَعَنِ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ فِيهِ) : أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَوَّزَ عُلَمَاؤُنَا لِلْمُعْتَكِفِ الشِّرَاءَ بِغَيْرِ إِحْضَارِ الْمَبِيعِ، وَمِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ بَيْعُ ثِيَابِ الْكَعْبَةِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَبَيْعُ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَشْنَعُ مِنْهُ وَضَعُ الْمُخَلَّفَاتِ وَالْقِرَبِ وَالدَّبْشِ فِيهِ، سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَوَقْتَ ازْدِحَامِ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ أَمْرِ دِينِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا الْجُلُوسُ فِيهِ لِحِرْفَةٍ إِلَّا نَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَآلَتِهِ، وَلَوْ خَاطَ فِيهِ أَحْيَانًا فَلَا بَأْسَ، «وَرَأَى عُمَرُ ﵁ خَيَّاطًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّهُ يَكْنُسُ الْمَسْجِدَ وَيُغْلِقُ الْبَابَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (جَنِّبُوا صُنَّاعَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ» ) ، رَوَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَضَعَّفَهُ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ مَنْ يَبِيعُ فِي مَسْجِدٍ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا فَإِنَّ هَذَا سَوَّقُ الْآخِرَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ صَوْتَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ (وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ إِلَى الْمَسْجِدِ) ، أَيْ: فِي أَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ يُقَالُ: تَحَلَّقُ الْقَوْمُ إِذَا جَلَسُوا حَلْقَةً حَلْقَةً، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا تَحَلَّقُوا، فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ التَّكَلُّمُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ لَا يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِاسْتِمَاعِهَا كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّهْيُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا: أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ تُخَالِفُ اجْتِمَاعَ الْمُصَلِّينَ، وَالثَّانِيَ: أَنَّ
стр. 1159
الِاجْتِمَاعَ لِلْجُمُعَةِ خَطْبٌ جَلِيلٌ لَا يَسَعُ مَنْ حَضَرَهَا أَنْ يَهْتَمَّ بِمَا سِوَاهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَتَحَلُّقُ النَّاسِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُوهِمٌ لِلْغَفْلَةِ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي نُدِبُوا إِلَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، وَلَا بَأْسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْحِلَقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِي: نُهِيَ عَنِ الْحَلْقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ الْحِلَقُ بِفَتْحِهَا جَمْعُ حَلْقَةٍ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 1160
٧٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ» ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٧٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) ، أَيْ: يَشْتَرِي (فِي الْمَسْجِدِ) : وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَشْمَلُ ثَوْبَ الْكَعْبَةِ وَالْمَصَاحِفَ وَالْكُتُبَ وَالسُّبَحَ (فَقَالُوا) ، أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِاللِّسَانِ جَهْرًا أَوْ بِالْقَلْبِ سِرًّا (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ) : دُعَاءٌ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا جَعَلَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ذَاتَ رِبْحٍ وَنَفْعٍ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ، وَلَوْ قَالَ لَهُمَا مَعًا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكُمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ) ، أَيْ: يَطْلُبُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (ضَالَّةً) ، أَيْ: سَاقِطَةً (فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ لِقِلَّةِ أَدَبِكَ، حَيْثُ رَفَعْتَ صَوْتَكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَشَوَّشْتَ عَلَى الْمُصَلِّينَ، أَوِ الْمُعْتَكِفِينَ ذِكْرَهُمْ، أَوْ حُضُورَهُمْ، أَوْ قَالَهُمْ، أَوْ حَالَهُمْ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ شَطْرُهُ الثَّانِي عَنْ مُسْلِمٍ.
следующие страницы →