Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
٩٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: " لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٩٠٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا) أَيْ: فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِ ( «السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ» ) ، أَيْ: قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَهُوَ ظَرْفٌ، قُلْنَا: وَالسَّلَامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وُصِفَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقَائِصِ، أَوْ إِعْطَائِهِ السَّلَامَةَ، كَذَا قَالَهُ الْخَلْخَالِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 1402
قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ اهـ، وَالسَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى الِاعْتِرَافِ بِسَلَامَتِهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ نَقْصٍ فِعْلِيٍّ فِيهِ، بِمَعْنَى (اللَّامِ) .
(السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ) : فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَةٌ، (السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ) : فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، لَكِنْ أَحَدُهَا وَهُوَ مِيكَالُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ هُنَا (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) ، أَيْ: عَلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، يَعْنِي: كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِوَضًا عَنِ التَّحِيَّاتِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمِعْرَاجِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : يَعْنِي: لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ، وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مَنِ انْصَرَفَ وَجَوَابٌ لِمَا " قَوْلُهُ " (قَالَ: " «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ» ") : لِأَنَّ مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكَ هُوَ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ، أَيْ: سَلِمْتَ مِنَ الْمَكَارِهِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، أَيْ: هُوَ الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَ لِعِبَادِهِ، فَأَنَّى يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ؟ وَوَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ أَيِ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا غَيْرُكَ لِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ الدَّالِّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، أَيْ: حُصُولُهُ لَا مِنْ غَيْرِكَ، وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ، أَيْ: مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِكَ مِنَ السَّلَامِ، فَإِنَّمَا لَهُمْ صُورَةٌ، وَأَمَّا حَقَائِقُهُ فَرَاجِعَةٌ إِلَيْكِ، (فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ) : الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فَيَنْجَبِرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَكَذَا قُعُودُهُ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﵇ سَجَدَ لِتَرْكِهِ، وَأَمَّا قُعُودُهُ الْأَخَيْرُ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ عِنْدَنَا لِخَبَرِ إِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا: إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنْ كُلًّا مِنْهُمَا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، فَضَعِيفٌ بِاخْتِلَافِهِمْ، (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ") ، أَيْ: دُونَ غَيْرِهِ، قِيلَ: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالتَّبْقِيَةِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ: الْمَلِكُ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّ الْمَلِكَ سَبَبُ تَحِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وَأَسْلِمْ، وَأَنْعِمْ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ وَجُمِعَتْ لِإِرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ الْأَنْوَاعِ (" وَالصَّلَوَاتُ ") ، أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْعِبَادَاتُ أَيْ: هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَقِيلَ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْمَرْفُوعَةُ، أَوْ أَنْوَاعُ الرَّحْمَةِ، أَوِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ، (" وَالطَّيِّبَاتُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يُلَائَمُ وَيُسْتَلَذُّ بِهِ، وَقِيلَ: الْكَلِمَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْخَيْرِ: كَسَقَاهُ اللَّهُ وَرَعَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الطَّيِّبَاتُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقِيلَ: التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ الطَّاعَاتُ الْبَدَنِيَّةُ، وَالطَّيِّبَاتُ الْخَيْرَاتُ الْمَالِيَّةُ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ، وَهُوَ أَجْمَعُ الْأَقْوَالِ، قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَتَيْنِ عَلَى التَّحِيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهَا مَحْذُوفًا، وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا، وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالثَّانِيَةُ لِعِطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ اهـ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَيْنِ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْخَبَرُ فِيهِمَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ اللَّاحِقُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَحُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَارًا، وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ رِوَايَةَ عُمَرَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِأَيِّهَا شَاءَ الْمُصَلِّي، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَفِظَ الْكَلِمَةَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَبَعْضُهُمْ حَفِظَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ، وَكُلُّهُ ذِكْرٌ، وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ فِي الذِّكْرِ أَجْدَرَ اهـ.
وَفِيهِ إِيهَامٌ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا بِخِلَافِ نَقْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ فِي الْمِنْبَرِ، وَيَعْلَمُهُ النَّاسُ، وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ،
стр. 1403
الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا (" السَّلَامُ عَلَيْكَ ") : قِيلَ: مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ، أَيِ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعَانَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْآفَاتِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: السَّلَامُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَقِيلَ: السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا عَلَيْكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَاءَ فِي فَضْلِ السَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ أَحَادِيثُ، مِنْهَا: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ بُعِثْتُ مَا مَرَرْتُ بِشَجَرٍ وَلَا حَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْهَا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ وَإِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ، وَفِي لَفْظِهِ: إِنَّ بِمَكَّةَ لَحَجَرًا يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِ، قِيلَ: وَهُوَ الْحَجَرُ الْبَارِزُ الْآنَ بِزُقَاقِ الْمَوْقَفِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْجَائِزِ، (" أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ") : وَهِيَ لُغَةُ عَطْفٍ وَمَيْلٍ نَفْسَانِيٍّ، وَغَايَتُهَا التَّفَضُّلُ وَالْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، أَوْ إِرَادَةُ ذَلِكَ، وَلِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدَ بِهَا غَايَتُهَا الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ (" وَبَرَكَاتُهُ ") : وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَائِضٍ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الدَّوَامِ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْبَرَكَةُ دُونَ السَّلَامِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ (" السَّلَامُ عَلَيْنَا ") ، أَيْ: مَعْشَرَ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُصَلَّى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقُدِّمَ أَنْفُسُهُمْ لِأَنَّهُ أَدَبُ الدُّعَاءِ، وَقُدِّمَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ، (" وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ - فَإِنَّهُ ") ، أَيِ الشَّأْنَ أَوِ الْمَصْلَحَةَ (" إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ ") : فَاعِلُهُ ضَمِيرُ ذَلِكَ، أَيْ: أَصَابَ ثَوَابَ هَذَا الدُّعَاءِ أَوْ بَرَكَاتِهِ (" كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ ") : قُيِّدَ بِهِ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُفْسِدِ، وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ عَنِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ (فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لَهُمْ وَعَمَّهُمْ مَا يَعُمُّهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِإِفْرَادِهِ ﵇ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ جَبْهَتِهِ وَتَخْصِيصِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ الِاهْتِمَامَ بِهَا أَهَمُّ (" أَشْهَدُ ") ، أَيْ: أَعْلَمُ بِالْجِنَانِ وَأُبَيِّنُ بِاللِّسَانِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ (" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ") ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا عُرِجَ بِهِ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ ﵇: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» اهـ، وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ الْخِطَابِ، وَأَنَّهُ عَلَى حِكَايَةِ مِعْرَاجِهِ ﵇ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِينَ (" ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ") ، "، أَيْ: لِيَخْتَرْ (" مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ ") ، أَيْ: أَحَبَّ الدُّعَاءِ وَأَرْضَاهُ مِنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (" فَيَدْعُوهُ ") ، أَيْ: فَيَقْرَأُ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو بِهِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَيَدْعُو اللَّهَ بِهِ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الْأَعْجَبَ هُوَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ لِأَنَّهُ مُعَلِّمُ الْأَدَبِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ قَالَ فِي رِوَايَةٍ: سَلَامٌ عَلَيْنَا مُنَكِّرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ اهـ، وَنَقَلَ مُلَّا حَنَفِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْحِصْنِ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ، فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى وَأَتَمُّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ السِّمْنَانِيُّ.
стр. 1404
٩١٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ أَجِدْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " وَسَلَامٌ عَلَيْنَا " بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنِ التِّرْمِذِيِّ.
ــ
٩١٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ» ) : سُمِّيَ بِاسْمِ جُزْئِهِ الْأَشْرَفِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ فِي تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ (أَيْ يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ (فَكَانَ يَقُولُ: " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ ") ، أَيِ: النَّامِيَاتُ (" الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ") : قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُرَجِّحُ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَقَطَتْ فَإِنَّ مَا عَدَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ يَكُونُ صِفَةً لَهُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الثَّنَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ، وَحَذْفُ وَاوِ الْعَاطِفِ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ بِدُونِ تَقْدِيرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَشَدَّ صِحَّةً لِأَنَّهُ أَفْقَهُ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِلَّا فَعِنْدَ إِمَامِنَا هُوَ أَفْقَهُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِكِبَرِ سِنِّهِ فِي حَيَاتِهِ ﵊، وَكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ وَمُوَاظَبَةِ خِدْمَتِهِ مِنْ مُحَافَظَةِ النَّعْلِ وَالْمِخَدَّةِ وَالْمِطْهَرَةِ وَالسَّجَّادَةِ، قَالَ: وَلِاشْتِمَالِ مَا رَوَاهُ عَلَى زِيَادَةٍ، قُلْتُ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ لَا تُوجِبُ التَّرْجِيحَ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] قُلْتُ: الْمُوَافَقَةُ إِنَّمَا هِيَ لَفْظِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي السَّلَامِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْبُيُوتِ قَالَ: وَلِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» ، وَفِيهِ أَنَّ التَّعْلِيمَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَنَقْلُهُ هَذَا غَيْرُ دَالٍّ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِهِ، بَلْ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ مَا صَحَّ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إِلَخْ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُنَا كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ، وَلِهَذَا اخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ تَشَهُّدَ عُمَرَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ إِلَخْ، وَيُجَابُ بِأَنَّا لَا نُنَازِعُ فِي أَصْلِ الثُّبُوتِ عَنْهُ ﷺ ، بَلْ فِيمَا كَانَ يَعْتَنِي بِهِ أَكْثَرَ، أَوْ فِيمَا وَصَلَ إِلَيْنَا بِرِوَايَةٍ أَصَحَّ، وَهُوَ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ، وَالْجَوَازُ بِالْكُلِّ كَخِلَافِ الرِّوَايَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّشَهُّدَاتِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَبَّرَ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَأَقَرَّهُمْ ﵇ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الذِّكْرُ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ، بِمَا هُوَ عَجِيبٌ وَقَالَ: هُوَ غَرِيبٌ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُنَا اللَّفْظُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ كَلِمَةٍ مِنَ التَّشَهُّدِ الْوَاجِبِ بِرَدِيفِهَا، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ؟ (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَعْنِي (" «السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ") : حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهُ وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قُلْتُ: بَلْ فِي الصِّحَاحِ السِّتِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي ( «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» ") : انْفَرَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِذْ فِي سَائِرِ التَّشَهُّدَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كُلِّهَا بِلَفْظِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّ تَشَهُّدَهُ ﵇ كَتَشَهُّدِنَا، وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي
стр. 1405
الْإِحْيَاءِ: وَقِيلَ قَوْلُكَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَحْضَرْ شَخْصَهُ الْكَرِيمَ فِي قَلْبِكَ وَلِيَصْدُقْ أَمَلُكَ فِي أَنَّهُ يَبْلُغُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْكَ مَا هُوَ أَوْفَى مِنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَمَّا قُبِضَ ﵇ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ، فَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي عِوَانَةَ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْأَصَحُّ مِنْهَا بَيَّنَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بَلْ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَلَفْظُهَا: فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: سَلَامٌ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ، فَقَوْلُهُ قُلْنَا: سَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتَمْرَرْنَا بِهِ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَرْضَنَا عَنِ الْخِطَابِ، وَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، (وَلَمْ أَجِدْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي الْجَمْعِ) ، أَيْ: لِلْحُمَيْدِيِّ (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ عِلْمٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَغَيَّرُ (سَلَامٌ عَلَيْكَ وَسَلَامٌ عَلَيْنَا) بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ) ، أَيِ: ابْنُ الْأَثِيرِ (صَاحِبُ الْجَامِعِ) ، أَيْ: لِلْأُصُولِ السِّتِّ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا عَنْ مُسْلِمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ اهـ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ اهـ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ، ثُمَّ أَصْلُ سَلَامٌ عَلَيْكِ سَلَّمْتُ سَلَامًا عَلَيْكَ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ، وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهُ، وَعُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَإِنَّهُ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، ثُمَّ زِيدَتْ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيِ: السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَالسَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ لِصَالِحِي الْأُمَمِ عَلَيْنَا وَعَلَى إِخْوَانِنَا، قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا أَنْكَرَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
стр. 1406
الْفَصْلُ الثَّانِي
٩١١ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، قَالَ: «ثُمَّ جَلَسَ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٩١١ - (عَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (ثُمَّ جَلَسَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ هَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا تُرِكَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَيْفَ يُصَلِّي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقَبْلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ، بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فِي أَوَّلِ حِسَانِ بَابِ السُّجُودِ، ( «فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى» ) ، أَيْ: وَجَلَسَ عَلَى بَاطِنِهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى ( «وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ» ) : بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُشَدَّدَةَ الدَّالِ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ (مِرْفَقَهُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيَعْكِسُ ( «الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى» ) : قِيلَ: أَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَنَاهِي حُدُودَ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَ مِرْفَقِهِ وَجَنْبِهِ، وَمَنَعَ أَنْ يَلْتَصِقَا فِي حَالَةِ اسْتِعْلَائِهِمَا عَلَى الْفَخِذِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ رَفَعَ مِرْفَقَهُ عَنْ فَخِذِهِ وَجَعَلَ عَظْمَ مِرْفَقِهِ كَأَنَّهُ رَأَسُ وَتِدٍ، فَجَعَلَهُ مُشَدَّدَ الدَّالِ مِنَ الْحِدَّةِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَحَدَّ مَرْفُوعًا
стр. 1407
مُضَافًا إِلَى الْمِرْفَقِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى فَخِذِهِ، الْخَبَرَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَضَعَ، أَيْ: وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّ وَضْعَ حَدِّ الْمِرْفَقِ لَا يَثْبُتُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلَى مَا قِيلَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ «أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى» ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «وَحَدَّ مِرْفَقَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ» أَيْ جَعَلَهُ مُنْفَرِدًا عَنْ فَخِدِهِ، (قَبَضَ) : أَيْ مِنْ أَصَابِعِ يُمْنَاهُ (ثِنْتَيْنِ) ، أَيِ: الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ (وَحَلَّقَ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (حَلْقَةً) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ، أَيْ: أَخَذَ إِبْهَامَهُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى كَالْحَلْقَةِ ( «ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ» ) ، أَيِ: الْمُسَبِّحَةَ كَمَا تَقَدَّمَ (فَرَأَيْتُهُ) : كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (يُحَرِّكُهَا) : ظَاهِرُهُ يُوَافِقُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يُحَرِّكُهَا يَرْفَعُهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا بِدُونِ تَحْرِيكِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ إِذَا رَفَعَهَا لِلْإِشَارَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضَعُهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ (يَدْعُو بِهَا) : أَيْ: يُشِيرُ بِهَا، أَيْ: يَرْفَعُ أُصْبُعَهَا الْوَاحِدَةَ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى فِي دُعَائِهِ، أَيْ: تَشَهُّدِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَسُمِّيَ التَّشَهُّدُ دُعَاءً لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ: أَحِّدْ أَحِّدْ كَمَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ (وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.
стр. 1408
٩١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَا يُجَاوِزُهُ إِشَارَتَهُ.
ــ
٩١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا» ) ، أَيْ: إِذَا دَعَا اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُ الْأُصْبُعَ إِذَا رَفَعَهَا لِلْإِشَارَةِ، وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَهُوَ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، (وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ ( «وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ» ) ، أَيْ: بَلْ كَانَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ، لِأَنَّهُ الْأَدَبُ الْمُوَافِقُ لِلْخُضُوعِ، وَالْمَعْنَى لَا يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ الْإِشَارَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى أُصْبُعِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرَهُ عَنْهَا لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ تَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الصَّلَاةِ مَذْعَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ ضَعِيفٌ.
стр. 1409
٩١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحِّدْ أَحِّدْ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ "
ــ
٩١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا) : قَالَ مِيرَكُ " هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ (كَانَ يَدْعُو) ، أَيْ: يُشِيرُ (بِأُصْبُعَيْهِ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا الْمُسَبِّحَتَانِ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَحِّدْ أَحِّدْ» ) : كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ فِي التَّوْحِيدِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: أَشِرْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ الَّذِي تَدْعُوهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ، وَأَصْلُهُ: وَحِّدْ ; أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، كَمَا قِيلَ: أَحَدٌ وَإِحْدَى وَأُحَادُ، فَقَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْقَلْبَ مَضْمُومَةً وَمَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّ قَلْبَ الْمَضْمُومَةِ قِيَاسٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] " وَأَمَّا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ مِنَ الْوَاوِ الْغَيْرِ الْمَضْمُومَةِ فَسَمَاعِيٌّ، وَالْمَعْنَى ارْفَعْ أُصْبُعًا وَاحِدَةً لِأَنَّكَ تُشِيرُ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ مَنْ هُوَ وَاحِدٌ، لَا ثَانِيَ لَهُ لَا فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ، وَلَعَلَّ التَّكْرَارَ لِهَذَا الْمَعْنَى، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ) : أَيْ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ (الْكَبِيرِ) ، أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ.
стр. 1410
٩١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، فِي رِوَايَةٍ لَهُ: «نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» .
ــ
٩١٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِدٌ» ) ، أَيْ: مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِهِ: وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى يَدَيْهِ ; يَعْنِي بَلْ يَضَعُهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، فِي رِوَايَةٍ لَهُ) ، أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ) ، أَيْ: يَتَّكِئَ (الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ) ، أَيْ: قَامَ (فِي الصَّلَاةِ) : بَلْ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُرْسِلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ فَخِذَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ فِي الْهَوَى، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ، يَعْنِي وَالْأَخِيرُ هُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، إِذْ مَعْنَاهُ لَا يُلَائِمُ النَّهْيَ عَنِ الْجُلُوسِ، وَأَيْضًا لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ لَتَنَاقَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَمَعَ هَذَا قَالَ: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ قِيَامِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ، وَهُوَ أَوْفَى بِالتَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ أَصَحَّ رِوَايَةً لِاقْتِرَانِ رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " كَانَ ": الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ الْمُؤَيَّدِ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ مَوْضِعُ الِاعْتِمَادِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالَ السُّجُودِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَبِهِ يَزُولُ اسْتِوَاءُ الْجُلُوسِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ مَائِلًا عَلَى جَنْبِهِ فَغَيْرُ مُوَجَّهٍ، فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ أَئِمَّتُهُ، وَأَمَّا تَضْعِيفُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِضَعْفِهِ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، سِيَّمَا وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ.
стр. 1411
٩١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٩١٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ» ) ، أَيْ: فِيمَا بَعْدَهُمَا، وَهُوَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ مِنْ صَلَاةٍ ذَاتِ أَرْبَعٍ، أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (كَأَنَّهُ) : أَيْ جَالِسٌ ( «عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ» ) : بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَتُفْتَحُ وَبَعْدَهَا فَاءٌ: جَمْعُ رَضْفَةٍ وَهِيَ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ عَلَى النَّارِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الرَّضْفُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ رَضْفَةٍ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الضَّادِ - فَمُخَالِفٌ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَمُضَادٌّ لِمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ تَخْفِيفَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَسُرْعَةَ الْقِيَامِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالرُّبَاعِيَّةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي: لَا يَلْبَثُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَثِيرًا، بَلْ يُخَفِّفُهُ وَيَقُومُ مُسْرِعًا كَمَا هُوَ قَاعِدٌ عَلَى حَجَرٍ حَارٍّ، فَيَكُونُ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ عَلَى مَذْهَبِنَا، أَوْ مُكْتَفِيًا بِالتَّشَهُّدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَعْنِي: الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ، فَهُمَا الْأُولَيَانِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَقَعُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ هِيَ الْأُولَى مِنَ الشَّفْعِ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ دُونَ بَعْدِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: أَرَادَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ أَيْ: لَمْ يَكُنْ يَلْبَثُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْهَضَ قَائِمًا، قِيلَ: التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ، وَعُذْرُهُ فِي الثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا ذِكْرُ الصَّحَابِيِّ الرُّبَاعِيَّةَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْأُولَى مِنْ كُلِّ الرَّكْعَتَيْنِ - تَعَسُّفٌ، وَأَيْضًا هَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُوَافِقُ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَدْفَعُ الضَّعْفُ، بِمَا قَوَّيْنَاهُ، وَهُوَ عُذْرٌ فِيمَا أَوَّلْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْإِيرَادُ فَلَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ رَدَّهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ مُنْقَطِعٌ اهـ، وَوَافَقَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا نَدْبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِيهِ اهـ.
وَلَعَلَّ رَدَّ النَّوَوِيِّ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التِّرْمِذِيِّ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْفَى الِانْقِطَاعُ عَلَى مِثْلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ سَنَدَيْنِ عِنْدَهُ، وَالْمُنْقَطِعُ يَكُونُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ حَسَنًا فَمُرَادُهُ بِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ السَّنَدُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِهِ أَجَلُّ.
стр. 1412
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩١٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: " بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لَهُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩١٦ - (عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ» ) : أَيْ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ كَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا (" بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ ") : تَفَرَّدَ جَابِرٌ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ (" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ ") : بِحَذْفِ الْعَاطِفِ، وَفِي قَوْلِهِ لِلَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِخْلَاصِ (" السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ") : وَجَوَازُ الْخِطَابِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵇، إِذْ لَوْ قِيلَ لِغَيْرِهِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا السَّلَامُ عَلَيْكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (" «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ
стр. 1413
(" «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» ") : وَفِي هَذَا تَجْدِيدٌ لِلْإِيمَانِ، وَتَأْكِيدٌ لِلْإِتْقَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] وَقَالَ ﷺ : " «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ» " (" «أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ» ) : لِأَنَّهَا دَارُ الرِّضَا وَاللِّقَاءِ، (" «وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» ") : لِأَنَّهَا دَارُ السُّخْطِ وَالشَّقَاءِ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 1414
٩١٧ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ " يَعْنِي السَّبَّابَةَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٩١٧ - (وَعَنْ نَافِعٍ) ، أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ) : أَيْ لِلتَّشَهُّدِ: (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّشْرَ فِي الْيَدَيْنِ وَقَبَضَ الْيُمْنَى (وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ) ، أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَأَتْبَعَهَا) ، أَيِ: الْإِشَارَةَ أَوِ الْأُصْبُعَ (بَصَرَهُ) : حِينَ الْإِشَارَةِ (ثُمَّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَهِيَ» ) : أَيِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ (" «أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ» ") : إِذْ لَا يَتَأَثَّرُ مِنَ الْحَدِيدِ كَمَا يَتَأَثَّرُ مِنَ التَّوْحِيدِ (يَعْنِي) : هَذَا كَلَامُ الرَّاوِي، أَيْ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ بِالضَّمِيرِ فِي " لَهِيَ " (السَّبَّابَةَ) ، أَيِ: الْإِشَارَةَ بِهَا فَعَّالَةٌ مِنَ السَّبِّ، وَهُوَ الشَّتْمُ وَسَبُّهُ أَيْضًا قَطْعُهُ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْسَبُ لِذِكْرِ الْحَدِيدِ، كَأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا يَقْطَعُ طَمَعَ الشَّيْطَانِ مِنْ إِضْلَالِهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قُلْتُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِيهِ لِذِكْرِ الْحَدِيدِ أَظْهَرُ، فَكَأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ وَيَذُمُّ الشَّيْطَانَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْإِشْرَاكِ وَالْإِغْوَاءِ الْبَعِيدِ، وَيَتَأَثَّرُ هَذَا الْكَلَامُ الدَّالُّ عَلَى الصَّلَاحِ، مَا لَا يَتَأَثَّرُ بِآلَاتِ الْحَدِيدِ مِنَ السِّلَاحِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ مَنْ قَالَ:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ ... وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1415
٩١٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، كَانَ يَقُولُ مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٩١٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، أَوِ السُّنَّةُ كَذَا فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى سَنَّ كَذَا شَامِلٌ لِمَعْنَى قَالَ، وَفَعَلَ، وَقَرَّرَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 1416
[بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفَضْلِهَا]
стр. 1417
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفَضْلِهَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٩١٩ - «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ» .
ــ
[١٦] بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفَضْلِهَا.
أَيْ: بَابُ حُكْمِ الصَّلَاةِ وَثَوَابِهَا، اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، هَلْ هُوَ لِلنَّدْبِ أَوْ لِلْوُجُوبِ؟ ثُمَّ هَلِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ هَلْ تَتَكَرَّرُ كُلَّمَا جُمِعَ ذِكْرُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا تَكَرَّرَ هَلْ تَتَدَاخَلُ فِي الْمَجْلِسِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَرْضٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَبُسِطَ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي الْقَوْلِ الْبَدِيعِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّفِيعِ لِلسَّخَاوِيِّ، ﵀، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا الْوُجُوبُ وَالتَّدَاخُلُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٩١٩ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) : صَحَابِيٍّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ: أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ، اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ عُمَرَ (قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ لِقَوْلِهِ: بَلَى (سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : الْفَاءُ، لِلتَّفْسِيرِ إِذِ التَّقْدِيرُ: أَرَدْنَا السُّؤَالَ ( «فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ» ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ (أَهْلَ الْبَيْتِ؟) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ وَالِاخْتِصَاصِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُضَافٌ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ بِكَوْنِهِ عَطْفَ بَيَانٍ لِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَبِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْكُمْ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُبْدَلُ ظَاهِرٌ مِنْ مُضْمَرٍ بَدَلَ الْكُلِّ إِلَّا مِنَ الْغَائِبِ مِثْلَ: ضَرَبْتُهُ زَيْدًا كَمَا فِي الْكَافِيَةِ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَهَذَا مِنَ الْفُرُوقِ اللَّفْظَيَّةِ بَيْنَ عَطْفِ الْبَيَانِ وَبَدَلِ الْكُلِّ (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا) ، أَيْ: فِي التَّحِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ لِسَانِكَ (كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ) ، أَيْ: بِأَنْ نَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَخْ، كَذَا قِيلَ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهُمْ قَالَ: بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّتَهَا سَأَلُوهُ عَنْهَا مَقْرُونًا بِالْإِيمَاءِ، إِلَى أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلسَّلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِلِسَانِهِ، فَأَرَادُوا [تَعْلِيمَ] الصَّلَاةِ أَيْضًا عَلَى لِسَانِهِ [بِأَنَّ] ثَوَابَ الْوَارِدِ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى عَجْزِهِمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ﵇ فِي حَقِّ الْبَارِي: " «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ".
قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ غَيْرُ مُسْتَفَادَةٍ مِنَ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَفَادُ مِنْهَا الْأَمْرُ بِهِمَا، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، ( «قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ رِوَايَةٌ لِلشَّيْخَيْنِ: «أَلَا أُهْدِيَ لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ» ؟ وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا جَيِّدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
стр. 1418
النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» " الْحَدِيثَ، وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ ﵇ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يُسْأَلْ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» " إِلَخْ، وَفِي آخِرِهِ: " وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ "، أَيْ: بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَعَ تَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيِ النِّهَايَةُ: أَيْ عَظِّمْهُ فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارِ دَعَوْتِهِ وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَتَضْعِيفِ أَجْرِهِ وَمَثُوبَتِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا أَمَرَنَا اللَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَلِّمْنَا كَيْفِيَّتَهَا أُحِلْنَا عَلَى اللَّهِ فَقُلْنَا: اللَّهُمَّ صَلِّ أَنْتَ عَلَى مُحَمَّدٍ لِأَنَّكَ أَعْلَمُ، بِمَا يَلِيقُ بِهِ ﵊، (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ") : قِيلَ: الْآلُ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: كُلُّ تَقِيٍّ آلُهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآلِ جَمِيعُ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآلِ الْأَزْوَاجُ وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الذَّرِّيَّةُ، وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: أَوْلَادُ فَاطِمَةَ وَنَسْلُهُمْ، وَقِيلَ: أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ لِأَنَّهُمْ ذُكِرُوا جُمْلَةً فِي رِوَايَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: كُلُّ مُسْلِمٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَاخْتَارَهُ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِالْأَتْقِيَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى تَمَّامٌ فِي مَوَائِدِهِ، وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: " كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ» " زَادَ الدَّيْلَمِيُّ: «ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» ) : ذُكِرَ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِهِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: " عَلَى إِبْرَاهِيمَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
- وُجُوهٌ، أَظْهَرُهَا كَوْنُهُ جَدَّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أُمِرْنَا، بِمُتَابَعَتِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، أَوْ فِي التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ وَالِانْقِيَادِ الْمُحَقَّقِ (" وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ") : وَهُمْ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا. فِي التَّشْبِيهِ إِشْكَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَالْوَاقِعُ هُنَا عَكْسُهُ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَحْدَهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا: أَنَّ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ تَوَاضُعًا، وَمِنْهَا: أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْأَصْلِ لَا فِي الْقَدْرِ كَمَا قِيلَ فِي: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَكَمَا فِي ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] ، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وَمِنْهَا أَنَّ الْكَافَ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَمِنْهَا: أَنَّ التَّشْبِيهَ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهَا: أَنَّ التَّشْبِيهَ بِهَا هُوَ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ كَثِيرَةٌ وَهُوَ أَيْضًا مِنْهُمْ، وَمِنْهَا: أَنَّ التَّشْبِيهَ مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ مَا يُشْتَهَرُ، بِمَا اشْتُهِرَ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْمَذْكُورَةَ مَدْفُوعَةٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِالْمِثْلِ وَبِمَا دُونَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] (" إِنَّكَ حُمَيْدٌ ") : فَعِيلٌ، بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: مَحْمُودٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِأَلْسِنَةِ خَلْقِهِ، أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَإِنَّهُ يَحْمَدُ ذَاتَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْحَامِدُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ، (" مَجِيدٌ ") ، أَيْ: عَظِيمٌ كَرِيمٌ، (" «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» ") ، أَيْ: أَثْبِتْ وَأَدُمْ مَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ التَّشْرِيفِ وَالْكَرَامَةِ، وَأَصْلُهُ مِنْ (بَرَكَ الْبَعِيرُ) إِذَا أَنَاخَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَزِمَهُ، وَتُطْلَقُ الْبَرَكَةُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْأَوَّلُ (" «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» ) : وَصَحَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ زِيَادَةُ: " فِي الْعَالَمِينَ " هُنَا وَثَمَّةَ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ، بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ: أَظْهِرِ الصَّلَاةَ وَالْبَرَكَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ فِي الْعَالَمِينَ، كَمَا أَظْهَرْتَهُمَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ فِي الْعَالَمِينَ (" إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ ") : وَهُنَا زِيَادَةٌ عَلَى أَصْلِ السُّؤَالِ وَوَقَعَ تَتْمِيمًا لِلْكَمَالِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، (إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ " عَلَى إِبْرَاهِيمَ " فِي الْوَضْعَيْنِ) : وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الثَّانِي، وَقَالَ: وَبَارِكْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ اهـ.
فَالْآلُ مُقْحَمَةٌ أَوْ فِيهِ تَغْلِيبٌ، أَيْ: آلِ إِبْرَاهِيمَ مَعَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَهِيَ مِنْ زِيَادَاتِ الْبُخَارِيِّ هُنَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ كَعْبٍ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، فَعَجِيبٌ إِدْرَاجُ الْمُؤَلِّفِ وَأَصْلُهُ لَهَا فِي رِوَايَتَيْهِمَا.
стр. 1419
٩٢٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٩٢٠ - (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ (السَّاعِدِيِّ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟» ") : جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ وَلَفْظُهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنَا مَا هُوَ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُولُوا: اللَّهُمَّ» ") ، أَيْ: يَا أَلَلَّهُ فَالْمِيمُ عِوَضٌ عَنْ يَاءٍ، وَمِنْ ثَمَّ شَذَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْمِيمُ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى، أَيْ: يَا أَلَلَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ لِلتَّفْخِيمِ، وَقِيلَ: دَالَّةٌ عَلَى الْجَمْعِ كَالْوَاوِ، أَيْ: يَا مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: اللَّهُمَّ مُجْتَمَعُ الدُّعَاءِ، وَقَوْلُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَقَوْلُ أَبِي رَجَاءٍ: الْمِيمُ هَاهُنَا فِيهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى (" صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ") : هُوَ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنِ اسْمِ مَفْعُولٍ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِيَحْمَدَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يَقُولُ: كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ.
وَهُوَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ مِنَ الْمَحَامِدِ وَصِفَاتِ الْحَمْدِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ لِغَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ بِيَدِهِ لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَكَانَ صَاحِبَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَأُلْهِمَ مِنْ مَجَامِعِ الْحَمْدِ حِينَ يَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ لِلشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ الَّتِي هِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، مَا لَمْ يُفْتَحْ بِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَسُمِّيَتْ أُمَّتُهُ الْحَمَّادِينَ لِحَمْدِهِمْ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَلَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ قَطُّ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَكَذَلِكَ قَبْلَ أَوَانِ ظُهُورِهِ، وَبَعْدَهُ مَدَّ أُنَاسٌ أَعْنَاقَهُمْ إِلَى رَجَائِهِمْ، غَفْلَةً عَنْ أَنَّ ﴿اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ، فَسَمَّوْا أَبْنَاءَهُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى بَلَغُوا خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا، هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ زِيَادَةَ: " «وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا رَحِمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» " كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَرُبَّمَا يَقُولُونَ: تَرَحَّمْتَ بِالتَّاءِ، لَمْ يَرِدْ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لَا يُقَالُ: رَحِمْتَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ التَّرَحُّمَ فِيهِ مَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ، فَلَا يَحْسُنُ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، بَلْ نَقَلَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُ لَا مُجَوِّزَ؛ حَيْثُ قَالَ: قَالُوا: يَنْبَغِي لِمَنْ ذَكَرَهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ لِآيَةِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ [النور: ٦٣] ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، فَكَأَنَّهُ خَصَّ هَذَا اللَّفْظَ تَعْظِيمًا اهـ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ غَالِبًا مِنْ فِعْلِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ اهـ.
وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا رِوَايَةَ زِيَادَةِ: " «وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» " حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ عَمَدَ بَعْضُ حُفَّاظِ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى جَمْعِ مَا تَفَرَّقَ فِي الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ هُوَ أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ التَّلْفِيقَ يَسْتَلْزِمُ إِحْدَاثَ صِفَةٍ لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَهَكَذَا، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ") : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ كَسْرُهَا مِنَ الذَّرْءِ، أَيِ: الْخَلْقِ وَسَقَطَتِ الْهَمْزَةُ أَوْ مِنْ ذَرٍّ، أَيْ: فَرَقٍ، أَوْ مِنَ الذَّرِّ وَهُوَ النَّمْلُ الصَّغِيرُ لِخَلْقِهِمْ أَوَّلًا عَلَى صُورَتِهِ، أَيْ: أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسَانِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إِلَّا أَوْلَادَ بَنَاتِهِ ﵇ ; لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ فِي الْكَفَاءَةِ وَغَيْرِهَا، فَهُمْ هُنَا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ ﵂، وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ بَنَاتِهِ، لَكِنَّ بَعْضَهُنَّ لَمْ يُعَقِّبْ وَبَعْضَهُنَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ، (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) : كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.
стр. 1420
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: (كمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) ، كَيْفَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ، كَمَا ذُكِرَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ أَجَابَ الْقَاضِي: بِأَنَّ الْآلَ مُقْحَمٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي مُوسَى: " «أَنَّهُ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ آلٌ مَشْهُورٌ بِحُسْنِ الصَّوْتِ، وَفِيهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَهُ آلٌ مَشْهُورٌ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ يُسَاعِدُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَهْلِ، فَيَكُونَ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الْأَهْلِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ الْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ هُوَ الْأَهْلَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ فِي الصَّلَاةِ، وَآلُهُ تَبَعٌ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ مَا قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ابْتِدَاءً مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، لِأَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: السَّلَامُ كَالصَّلَاةِ، يَعْنِي: لَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ إِلَّا تَبَعًا، (" وَبَارِكْ ") ، أَيْ: زِدِ الْبَرَكَةَ وَهُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ (" «عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» ") : وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ذُكِرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الصَّلَاةِ وَذُكِرَ آلُهُ فِي الْبَرَكَةِ، وَفِيهَا مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] (" إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ") : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1421
٩٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً ; صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٩٢١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً) ، أَيْ: صَلَاةً وَاحِدَةً (" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ") ، أَيْ: عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَالْمَعْنَى رَحِمَهُ وَضَاعَفَ أَجْرَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَقَلُّ الْمُضَاعَفَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى ظَاهِرِهَا كَلَامًا يَسْمَعُهُ الْمَلَائِكَةُ تَشْرِيفًا لِلْمُصَلِّي وَتَكْرِيمًا لَهُ، كَمَا جَاءَ: " «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» "، قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْيِيدِ بِسَمَاعِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ جَاءَ: " «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» "، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1422
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٩٢٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً ; صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٩٢٢ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ (" «وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ» ") ، بِمَعْنَى كُفِّرَتْ وَسُتِرَتْ وَوُضِعَتْ، وَلَعَلَّهُ اخْتِيرَ لَفْظُ حُطَّتْ لِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: (" وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ ") : وَلَعَلَّ حِكْمَةَ إِيرَادِ الْمَجْهُولِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ فَاعِلَهُ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَإِيجَازِ الْكَلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّلَاةُ مِنَ الْعَبْدِ طَلَبُ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِجَنَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: فِي الْجَزَاءِ إِنْ كَانَتْ، بِمَعْنَى الْغُفْرَانِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَتْ، بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعْنَى الْغُفْرَانِ، أَيْ: مَعَ الْحَطِّ وَمَعْنَى الْأَعْدَادِ الْمَخْصُوصَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَزِيدِ، وَالْفَضْلِ فِي الْمَوْتِ الْمَطْلُوبِ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِيهِمَا اهـ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ: " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَذْكُرُنِي فَيُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ» "، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَالْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَبَعْضُهَا حَسَنٌ.
стр. 1423
٩٢٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٩٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَوْلَى النَّاسِ ") ، أَيْ: أَقْرَبُهُمْ (" بِي ") : أَوْ أَحَقُّهُمْ بِشَفَاعَتِي (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً ") : لِأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ مُنْبِئَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ الْمُقْتَضِي لِلْمُتَابِعَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ، عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ أَكْثَرَ صَلَاةً عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا.
стр. 1424
٩٢٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِيَ السَّلَامَ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٩٢٤ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً» ") ، أَيْ: جَمَاعَةً مِنْهُمْ (" سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ ") ، أَيْ: سَيَّارِينَ بِكَثْرَةٍ فِي سَاحَةِ الْأَرْضِ مِنْ سَاحَ: ذَهَبَ، فِي الْقَامُوسِ: سَاحَ الْمَاءُ جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، (" يُبَلِّغُونِي ") : مِنَ التَّبْلِيغِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِبْلَاغِ، وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، وَقِيلَ: بِتَشْدِيدِهَا عَلَى الْإِدْغَامِ، أَيْ: يُوَصِّلُونَ (" مِنْ أُمَّتِيَ السَّلَامَ ") : إِذَا سَلَّمُوا عَلَيَّ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ بَعُدَ عَنْ حَضْرَةِ مَرْقَدِهِ الْمُنَوَّرِ وَمَضْجَعِهِ الْمُطَهَّرِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَيَاتِهِ الدَّائِمَةِ وَفَرَحِهِ بِبُلُوغِ سَلَامِ أُمَّتِهِ الْكَامِلَةِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى قَبُولِ السَّلَامِ حَيْثُ قَبِلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَحَمَلَتْهُ إِلَيْهِ ﵇، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا " فِي الْأَرْضِ "، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَتَأَمَّلْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً وَحَسَّنَ بَعْضَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَجْهُولًا، " «حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» ".
стр. 1425
٩٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ ﵇» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ".
ــ
٩٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ نُطْقِي (" حَتَّى أَرُدَّ ﵇ ") ، أَيْ: أَقُولُ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّ رُوحَهُ الْمُقَدَّسَةَ فِي شَأْنِ مَا فِي الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِذَا بَلَغَهُ سَلَامُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ الْمُطَهَّرَةَ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ إِلَى رَدِّ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عَادَتْهُ فِي الدُّنْيَا يَفِيضُ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ سَبَحَاتِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، مَا أَفَاضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ فِي شَأْنِ أُمَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رَدُّ الرُّوحِ كِنَايَةٌ عَنْ إِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّ فُلَانًا صَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجَابَ السُّيُوطِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى فِي رِسَالَةٍ لَهُ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ تَقْيِيدِ السَّلَامِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِيمَا رَأَيْتُهُ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ.
стр. 1426
٩٢٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٩٢٦ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ ") : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (قُبُورًا) ، أَيْ: كَالْقُبُورِ الْخَالِيَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، بَلِ اجْعَلُوا لَهَا نَصِيبًا مِنَ الْعِبَادَةِ النَّافِلَةِ لِحُصُولِ الْبَرَكَةِ النَّازِلَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَرَدَّ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهُ ﵇ دُفِنَ فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ لِحَدِيثِ: " «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا وَدُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ» "، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا تَجْعَلُوا الْقُبُورَ مَسَاكِنَكُمْ لِئَلَّا تَزُولَ الرِّقَّةُ وَالْمَوْعِظَةُ وَالرَّحْمَةُ، بَلْ زُورُوهَا وَارْجِعُوا إِلَى بُيُوتِكُمْ، أَوْ لِئَلَّا تَحْصُلَ لَكُمُ الْجَذْبَةُ الْكَامِلَةُ وَيَنْقَطِعَ عَنْكُمْ نِظَامُ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى نِهُيَتِ النِّسَاءُ عَنْ كَثْرَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا ; لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ وَصَارَ فِي قَبْرِهِ لَمْ يُصَلِّ، وَقِيلَ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَطَنًا لِلنَّوْمِ فَقَطْ لَا تُصَلُّونَ فِيهَا، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَا يُصَلِّي، وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي بَيْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَيِّتِ، وَبَيَتَهُ كَالْقَبْرِ، اهـ.
وَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» "، فَالْمَعْنَى لَا تَكُونُوا كَالْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَهِيَ الْقُبُورُ، أَوْ لَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا حَتَّى تَصِيرُوا كَالْمَوْتَى وَتَصِيرَ هِيَ كَالْقُبُورِ، وَبِمَا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: " «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» "، وَقَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللَّطَائِفِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ كَالْقُبُورِ خَالِيَةً عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلزَّائِرِينَ، (" «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا» ") : هُوَ وَاحِدُ الْأَعْيَادِ، أَيْ: لَا تَجْعَلُوا زِيَارَةَ قَبْرِي عِيدًا، أَوْ لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي مَظْهَرَ عِيدٍ، فَإِنَّهُ يَوْمُ لَهْوٍ وَسُرُورٍ، وَحَالُ الزِّيَارَةِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْحَثَّ عَلَى كَثْرَةِ زِيَارَتِهِ، وَلَا يُجْعَلُ كَالْعِيدِ الَّذِي لَا يَأْتِي فِي الْعَامِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: نَهَاهُمْ عَنِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا اجْتِمَاعَهُمْ لِلْعِيدِ نُزْهَةً وَزِينَةً، وَكَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ، فَأَوْرَثَهُمُ الْغَفْلَةَ وَالْقَسْوَةَ، وَمِنْ عَادَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يُعَظِّمُونَ أَمْوَاتَهُمْ حَتَّى اتَّخَذُوهَا أَصْنَامًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ لِقَوْلِهِ: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» " فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا فِي قَبْرِهِ غَايَةَ التَّجَاوُزِ، وَلِهَذَا وَرَدَ: " «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» "، وَقِيلَ: الْعِيدُ اسْمٌ مِنَ الِاعْتِيَادِ يُقَالُ: عَادَهُ وَاعْتَادَهُ وَتَعَوَّدَهُ، أَيْ: صَارَ عَادَةً لَهُ، وَالْعِيدُ مَا اعْتَادَكَ مِنْ هَمٍّ أَوْ غَيْرِهِ، أَيْ: لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي مَحَلَّ اعْتِيَادٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سُوءِ الْأَدَبِ وَارْتِفَاعِ الْحِشْمَةِ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ دُعَاءَ الْغَائِبِ لَا يَصِلُ إِلَيَّ، وَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ( «وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ الْقُدُسِيَّةَ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ الْعَلَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ عَرَجَتْ وَوَصَلَتْ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا حِجَابٌ، فَتَرَى الْكُلَّ كَالْمُشَاهَدِ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِإِخْبَارِ الْمَلِكِ لَهَا، وَفِيهِ سِرٌّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَنْ تَيَسَّرَ لَهُ اهـ.
فَيَكُونُ نَهْيُهُ ﵇ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عَنْ أُمَّتِهِ رَحْمَةً [عَلَيْهِمْ] ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي الْأَذْكَارِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
стр. 1427
٩٢٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٩٢٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ ") : مُثَلَّثُ الْغَيْنِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ بِالْكَسْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ، وَمَعْنَاهُ لُصِقَ بِالرِّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ، أَيْ: ذُلَّ وَهَانَ ( «أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ) : وَهُوَ إِمَّا خَبَرٌ أَوْ دُعَاءٌ، أَيْ لَحِقَهُ ذُلٌّ مُجَازَاةً بِتَرْكِ تَعْظِيمِي، وَقِيلَ: خَابَ وَخَسِرَ مَنْ قَدَرَ بِأَنْ يَتَفَوَّهَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُوجِبُ لِنَفْسِهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ مِنَ اللَّهِ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَيُحَطُّ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ( «أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ) : وَهُوَ إِمَّا خَبَرٌ أَوْ دُعَاءٌ، أَيْ لَحِقَهُ ذُلٌّ مُجَازَاةً بِتَرْكِ
стр. 1428
تَعْظِيمِي، وَقِيلَ: خَابَ وَخَسِرَ مَنْ قَدَرَ بِأَنْ يَتَفَوَّهَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُوجِبَ لِنَفْسِهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ مِنَ اللَّهِ، وَيُرْفَعَ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَيُحَطَّ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، (" «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ» ") ، أَيِ: انْتَهَى أَوِ انْقَضَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ وَجْهُ الْإِتْيَانِ (بِثُمَّ) ، هُنَا أَنَّ بَيْنَ ابْتِدَاءِ رَمَضَانَ وَبَيْنَ انْقِضَائِهِ مُهْلَةً طَوِيلَةً، بِخِلَافِ سَمَاعِ ذِكْرِهِ ﵇ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا تُطْلَبُ عَقِبَ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ، وَكَذَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ عَقِبَ احْتِيَاجِهِمَا الْمُكَنَّى عَنْهُ بِالْكِبَرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (ثُمَّ) ، هَذِهِ اسْتِبْعَادِيَّةٌ كَمَا فِي قَوْلِكَ لِصَاحِبِكَ: بِئْسَ مَا فَعَلْتَ وَجَدْتَ مِثْلَ تِلْكَ الْفُرْصَةِ ثُمَّ لَمْ تَنْتَهِزْهَا، وَكَذَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَيُدْخِلَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ، وُرُودُ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ بَدَلَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَلَمْ يُدْخِلَاهُ) ، وَنَظِيرُ وُقُوعِ الْفَاءِ مَوْقِعَ ثُمَّ فِي الِاسْتِبْعَادِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧] فِي الْكَهْفِ، ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢] فِي السَّجْدَةِ اهـ.
فَجَاءَتْ ثُمَّ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الْقُرْآنِ لِإِفَادَةِ التِّبْيَانِ (" قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ") ، أَيْ: بِأَنَّ لَمْ يَتُبْ فِيهِ أَوْ لَمْ يُعَظِّمْهُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ، أَوْ لِسُوءِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ رِيَاءٍ وَنَحْوِهِ أَبْطَلَ عَمَلَهُ الْمُقْتَضِيَ لِلْمَغْفِرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ (وَلَمْ يُغْفَرْ) ، وَإِنَّمَا عَدَلَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ تَرَاخِيَ الْغُفْرَانِ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ قَبْلَ انْسِلَاخِهِ، (" «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ» ") ، أَيْ: أَوْ لَمْ يُدْخِلْهُ (" الْجَنَّةَ ") : الْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، فَإِنَّ الْمُدْخِلَ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ يَعْنِي لَمْ يَخْدِمْهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ بِسَبَبِهِمَا الْجَنَّةَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَبَعْضُهَا حَسَنٌ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ.
стр. 1429
٩٢٨ - وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: " إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا» ؟ "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٩٢٨ - (وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ) ، أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ) ، أَيْ: سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ (وَالْبِشْرُ) : أَيْ: آثَارُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ (فِي وَجْهِهِ) ، أَيْ: لَائِحٌ فِي بَشْرَتِهِ وَجُعِلَ ظَرْفًا وَمَكَانًا لَهُ إِعْلَامًا بِتَمَكُّنِهِ وَعَظَمَةِ وَقْعِهِ (فَقَالَ) : قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ: إِذْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ رَأَى عِنْدَهُ ﵇ مِنْ طِيبِ النَّفْسِ وَظُهُورِ السُّرُورِ الْبِشْرَ وَبَرْقَ الْأَسَارِيرِ، مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (" إِنَّهُ ") ، أَيِ: الشَّأْنَ (" «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا بَعْضُ مَا أُعْطِيَ مِنَ الرِّضَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ رَاجِعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَمَكَّنَ الْبِشْرُ فِي أَسَارِيرِ وَجْهِهِ ﵇ اهـ.
وَيُؤَيِّدُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ جَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: [" «بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَكَفَّرَ بِهَا عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ» "] ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ - يَعْنِي الْمُوَكَّلَ -: " وَأَنْتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ " ( «أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ
стр. 1430
مِنْ أُمَّتِكَ ") : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ (" إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا» ") ، أَيْ: أَمَا يُرْضِيكَ عَدَمُ صَلَاةِ أَحَدٍ إِلَّا مَقْرُونَةً بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ مِنِّي؟ (" «وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ» ") : عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ (" إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي آخِرِهِ: [" فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْرًا "] وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ.
стр. 1431
٩٢٩ - «وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: " مَا شِئْتَ "، قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ "، قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ "، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: " إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُكَفَّرُ لَكَ ذَنْبُكَ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٩٢٩ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ، بِمَا فِيهِ» (إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ) ، أَيْ: أُرِيدُ إِكْثَارَهَا (فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟) ، أَيْ: بَدَلَ دُعَائِي الَّذِي أَدْعُو بِهِ لِنَفْسِي (فَقَالَ: مَا شِئْتَ) ، أَيِ: اجْعَلْ مِقْدَارَ مَشِيئَتِكَ (قُلْتُ: الرُّبُعَ؟) : بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ، أَيْ: أَجْعَلَ رُبُعَ أَوْقَاتِ دُعَائِي لِنَفْسِي مَصْرُوفًا لِلصَّلَاةِ عَلَيْكَ؟ ( «قَالَ: " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: " مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟» ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَتُسَكَّنُ ( «قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا» ؟) ، أَيْ: أَصْرِفُ بِصَلَاتِي عَلَيْكَ جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كُنْتُ أَدْعُو فِيهِ لِنَفْسِي (قَالَ: " إِذَنْ ") : بِالنُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْأَلْفِ: مُنَوَّنًا (" تُكْفَى ") : مُخَاطَبٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (" هَمَّكَ ") : مَصْدَرٌ، بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ ثَانٍ لِتُكْفَى، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَرْفُوعُ، بِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ أَنْتَ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْأَزْهَارِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، أَيْ: إِذَا صَرَفْتَ جَمِيعَ زَمَانِ دُعَائِكَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ كُفِيتَ مَا يَهُمُّكَ اهـ.
وَفِي صَحِيحِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ يَكْفِي بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، وَهَمُّكَ بِرَفْعِ الْمِيمِ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَيُقَالُ: كَفَاهُ الشَّيْءُ كَمَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَيُقَالُ: كَفَاهُ الشَّيْءُ، كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ (" وَيُكَفَّرَ ") : بِالنَّصْبِ (" لَكَ ذَنْبُكَ ") : وَلَفْظُ الْحِصْنِ: وَيُغْفَرَ لَكَ ذَنْبُكَ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ كَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ دُعَائِي الَّذِي أَدْعُو بِهِ لِنَفْسِي؟ وَلَمْ يَزَلْ يُفَاوِضُهُ لِيُوقِفَهُ عَلَى حَدٍّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحُدَّ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ الْفَضِيلَةُ بِالْفَرِيضَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ لَا يُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابَ الْمَزِيدِ ثَانِيًا، فَلَمْ يَزَلْ يَجْعَلُ الْأَمْرَ إِلَيْهِ دَاعِيًا لِقَرِينَةِ التَّرْغِيبِ وَالْحَثِّ عَلَى الْمَزِيدِ، حَتَّى قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، أَيْ: أُصَلِّي عَلَيْكَ بَدَلَ مَا أَدْعُو بِهِ لِنَفْسِي، فَقَالَ: " إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ "، أَيْ: أَهَمَّكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَتَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَالِاشْتِغَالِ بِأَدَاءِ حَقِّهِ عَنْ أَدَاءِ مَقَاصِدِ نَفْسِهِ، وَإِيثَارِهِ بِالدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَعْظَمَهُ مِنْ خِلَالٍ جَلِيلَةِ الْأَخْطَارِ وَأَعْمَالٍ كَرِيمَةِ الْآثَارِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ نَقَلَهُ مِيرَكُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ عِنْدُ ابْنِ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَالرُّويَانِيِّ اهـ، وَلِلْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ بَدَلَ أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟) ، أَيْ: بَدَلَ (صَلَاتِي مِنَ اللَّيْلِ) .
стр. 1432
٩٣٠ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ "، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " أَيُّهَا الْمُصَلِّي، ادْعُ تُجَبْ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
٩٣٠ - (وَعَنْ فَضَالَةَ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ (ابْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ) ، أَيْ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَهَا: ( «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجِلْتَ» ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ، وَالتَّشْدِيدُ، قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، أَيْ حِينَ تَرَكْتَ التَّرْتِيبَ فِي الدُّعَاءِ، وَعَرَضْتَ السُّؤَالَ قَبْلَ الْوَسِيلَةِ، قَالَ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَارَعَةِ وَالْعَجَلَةِ، أَنَّ الْمُسَارَعَةَ تُطْلَقُ فِي الْخَيْرِ، أَيْ: غَالِبًا وَفِي الشَّرِّ أَيْ أَحْيَانًا وَالْعَجَلَةُ لَا تُطْلَقُ إِلَّا فِي الشَّرِّ، وَقِيلَ: الْمُسَارَعَةُ الْمُبَادَرَةُ فِي وَقْتِهِ وَأَوَانِهِ، وَالْعَجَلَةُ الْمُبَادَرَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَأَوَانِهِ، (" أَيُّهَا الْمُصَلِّي ") : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ السَّائِلِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى الْمَسْئُولِ مِنْهُ بِالْوَسَائِلِ قَبْلَ طَلَبِ الْحَاجَةِ، بِمَا يُوجِبُ الزُّلْفَى عِنْدَهُ، وَيَتَوَسَّلَ بِشَفِيعٍ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَكُونَ أَطْمَعَ فِي الْإِسْعَافِ، وَأَرْجَى بِالْإِجَابَةِ، فَمَنْ عَرَضَ السُّؤَالَ قَبْلَ الْوَسِيلَةِ فَقَدِ اسْتَعْجَلَ، وَلِذَا قَالَ ﷺ مُؤَدِّبًا لِأُمَّتِهِ: (" إِذَا صَلَّيْتَ ") : بِالْخِطَابِ الْخَاصِّ الْمُرَادِ بِهِ الْعَامُّ (" فَقَعَدْتَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا عَطَفَ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا صَلَّيْتَ وَفَرَغْتَ فَقَعَدْتَ لِلدُّعَاءِ فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَإِمَّا عَطْفٌ عَلَى الْمَذْكُورِ، أَيْ: إِذَا كُنْتَ مُصَلِّيًا فَقَعَدْتَ لِلتَّشَهُّدِ فَاحْمَدِ اللَّهَ، أَيْ: أَثْنِ عَلَيْهِ بِقَوْلِكَ التَّحِيَّاتُ اهـ.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ: (" فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ") : مِنْ كُلِّ ثَنَاءٍ جَمِيلٍ، وَاشْكُرْهُ عَلَى كُلِّ عَطَاءٍ جَزِيلٍ (" وَصَلِّ عَلَيَّ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ صَلِّ عَلَيَّ "، فَإِنِّي وَاسِطَةُ عِقْدِ الْمَحَبَّةِ، وَوَسِيلَةُ الْعِيَادَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ (" ثُمَّ ادْعُهُ ") : بَهَاءِ الضَّمِيرِ، وَقِيلَ: هَاءِ السَّكْتِ (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ) : قِيلَ: لَعَلَّهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لِلْحَدِيثِ الْآتِي عَقِبَ هَذَا (بَعْدَ ذَلِكَ) : فِي ذَلِكَ الْمُحَلَّى أَوْ بَعْدَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْ: وَلَمْ يَدْعُ ( «فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ» ") : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مَجْزُومًا عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، دَلَّهُمَا ﵇ عَلَى الْكَمَالِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ فَضَالَةَ أَيْضًا. [وَهُوَ] «أَنَّهُ ﵇ جَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﵇: " عَجِلَ هَذَا " ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو بَعْدُ، بِمَا شَاءَ» ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَا صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ.
стр. 1433
٩٣١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرَ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سَلْ تُعْطَهُ، سَلْ تُعْطَهُ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٩٣١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي) ، أَيِ: الصَّلَاةَ ذَاتَ الْأَرْكَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: فَلَمَّا جَلَسْتُ (وَالنَّبِيُّ ﷺ : حَاضِرٌ، أَوْ جَالِسٌ، وَنَحْوَهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ حَاضِرٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَحُذِفَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ فَقَدَّرَهُ خَبَرًا اهـ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ فَضْلًا عَنْ صَحِيحِهِ (وَأَبُو بَكْرَ وَعُمَرُ مَعَهُ) : جُمْلَةٌ أُخْرَى مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى وَهِيَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أُصَلِّي ( «فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ [تَعَالَى] ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سَلْ تُعْطَهُ» ": قَالَ الْمُظْهِرُ: الْهَاءُ إِمَّا لِلسَّكْتِ كَقَوْلِهِ: حِسَابِيَهْ وَإِمَّا ضَمِيرٌ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ لِدَلَالَةِ (سَلْ) عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَلَى حَدِّ: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ، أَيِ: الْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى اهـ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَنْ فِي: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ فَلَا يَكُونُ
стр. 1434
نَظِيرَ مَا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ نَظِيرُهُ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وَفِي كَلَامِهِ سَهْوٌ آخَرُ وَهُوَ زِيَادَةُ لَفْظِ (هُوَ) الْمُوهِمِ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ حَيْثُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: أَيِ الْعَفْوُ، وَلَفْظُ التَّنْزِيلِ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَالتَّقْدِيرُ فِيهِمَا: وَعَفْوُكُمْ أَقْرَبُ، وَصِيَامُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي (أَقْرَبُ) وَ (خَيْرٌ) إِلَى مَجْمُوعِ أَنْ وَالْفِعْلِ الْمُؤَوَّلِ بِالْمَصْدَرِ لَا إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِلْمِ بِالْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْجَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ، أَيْ: سَلْ لِتَصِيرَ مَقْضِيَّ الْحَاجَةِ، (سَلْ تُعْطَهُ) : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّكْثِيرِ أَوْ سَلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ فَإِنَّهُ مُعْطِيهِمَا، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 1435
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ; فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٩٣٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ ") ، أَيْ: أَعْجَبُهُ وَأَحَبَّ (" أَنْ يُكْتَالَ ") : بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يُعْطَى الثَّوَابَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ، أَيْ: يَأْخُذُ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، فَحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ (" بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى ") : عِبَارَةٌ عَنْ نَيْلِ الثَّوَابِ الْوَافِي عَلَى نَحْوِ: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٤١] ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْمِكْيَالِ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِلْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَالتَّقْدِيرَ بِالْمِيزَانِ يَكُونُ غَالِبًا لِلْأَشْيَاءِ الْقَلِيلَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الْأَوْفَى (" إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ") : بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لِلضَّمِيرِ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي (" فَلْيَقُلْ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: إِذَا صَلَّى شَرْطٌ جَزَاؤُهُ فَلْيَقُلْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِذَا ظَرْفًا وَالْعَامِلُ فَلْيَقُلْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ الْجَزَائِيَّةِ يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] فَإِنَّهُ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: فَلْيَعْبُدُوا (" اللَّهُمَّ صَلِّ ") ، أَيْ: أَنْزِلِ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَةَ، أَوْ أَثْنِ ثَنَاءً جَمِيلًا (" عَلَى مُحَمَّدٍ ") : وَبِمَا قَدَّرْنَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ إِنَّ عَلَى لِلضَّرَرِ كَمَا يُقَالُ: دَعَا لَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةُ. بِمَعْنَى الدُّعَاءِ فَهِيَ لَا تُنَاسِبُ الْمَقَامَ الْمَوْضُوعَ لِلْإِكْرَامِ (" النَّبِيِّ ") : يَجُوزُ فِيهِ الْهَمْزُ وَالْإِدْغَامُ، وَبِهِمَا قُرِئَ فِي السَّبْعَةِ، وَالْإِدْغَامُ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْهَمْزِ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ لِإِيهَامِهِ فِي عُرْفِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ لِمَنْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ، وَطُرِدَ عَنْ وَطَنِهِ، وَهُوَ فَعِيلٌ، بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْبِنَاءِ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ، أَوْ مِنَ النُّبُوَّةِ، بِمَعْنَى الرِّفْعَةِ، وَهُوَ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ أَمْ لَا، وَالرَّسُولُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَاللَّامُ هُنَا لِلْعَهْدِ، وَاخْتِيرَ النُّبُوَّةُ لِعُمُومِ أَحْوَالِهِ وَلِلْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَسْتَحِقُّ الصَّلَاةَ بِصِفَةِ النُّبُوَّةِ، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ بِصِفَةِ الرِّسَالَةِ، أَوْ لِأَنَّ وَصْفَ النُّبُوَّةِ شَامِلَةٌ لِوِلَايَتِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي هِيَ خَالِصَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، (" الْأُمِّيِّ ") ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ، كَأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ أُمِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكِتَابَةِ أَوْ نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ لِأَنَّهُ بِمِثْلِ حَالِهَا، إِذِ الْغَالِبُ مِنْ حَالِ النِّسَاءِ عَدَمُ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ كَانَ عَدَمُ الْكِتَابَةِ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّنَا ﵊، مَعَ مَا أُوتِيَهُ مِنَ الْعُلُومِ الْبَاهِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ، لِأَنَّهَا أَصْلُ الْأَرْضِ خِلْقَةً، فَإِنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ وَبُسِطَتْ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ، أَوْ لِأَنَّهَا بَلَدُهُ وَخُلِقَتْ مِنْ طِينَتِهِ، أَوْ لِأَنَّ فِيهَا قِبْلَةَ الْوَرَى فِي جَمِيعِ الْقُرَى، أَوْ لِأَنَّهَا وَسَطُ الدُّنْيَا، وَالْعَوَالِمُ كُلُّهَا حَوَالَيْهَا كَالْأَوْلَادِ حَوَالَيِ الْأُمِّ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْفَيْضَ وَالرَّحْمَةَ مِنْهَا ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ أَوَّلًا عَلَيْهَا ثُمَّ تَفِيضُ مِنْهَا فِي
стр. 1436
الْآفَاقِ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّةِ الَّتِي لَا تَقْرَأُ، وَلَا تَكْتُبُ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَهُمُ الْعَرَبُ، وَقِيلَ: إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِهَا، وَقِيلَ: إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أُصُولِهِ، وَهِيَ الْفَاتِحَةُ إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ صَدَّقَ بِهَا وَدَعَا إِلَى التَّصْدِيقِ بِهَا، وَقِيلَ: إِلَى الْأُمَّةِ، وَهِيَ الْعَامَّةُ ; لِأَنَّهُ بُعِثَ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، (" وَأَزْوَاجِهِ ") ، أَيْ: نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ (" أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ") ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ، وَالتَّكْرِيمِ (" وَذُرِّيَّتِهِ ") ، أَيْ: أَوْلَادِهِ، وَأَحْفَادِهِ (" وَأَهْلِ بَيْتِهِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ ﵇ دَاخِلٌ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا إِشْكَالَ فِي التَّشْبِيهِ، تَحْصُلُ لَهُ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِانْفِرَادِهِ، وَمَرَّةً تَحْتَ الْعُمُومِ، (" إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ ") : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] » .
стр. 1437
٩٣٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ــ
٩٣٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبَخِيلُ الَّذِي ") : وَفِي نُسْخَةٍ: الدَّنِيءُ: فَعِيلٌ مِنَ الدَّنَاءَةِ، بِمَعْنَى الرَّذَالَةِ (" مِنْ ") : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْصُولَيْنِ، وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ لَفْظَ " مِنْ " أَصْلًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ: الَّذِي (" «وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَوْصُولُ الثَّانِي مُقْحَمٌ بَيْنَ الْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ وَصِلَتِهِ تَأْكِيدًا كَمَا فِي قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أَيْ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَنْ شَرْطِيَّةً، وَالْجُمْلَةُ صِلَةً وَالْجَزَاءُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ اهـ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْبَخِيلُ) لِلْجِنْسِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْكَمَالِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَخِلَ، وَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يُكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى، فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَبْخَلَ مِنْهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: " الْبَخِيلُ كُلُّ الْبَخِيلِ "، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) : كَذَا فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ جَامِعِهِ زِيَادَةُ: غَرِيبٌ مُوهِمٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَأَطْنَبَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ، وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِهِ الْحُسَيْنِ، وَلَا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ.
стр. 1438
٩٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ» "، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٩٣٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ» ) : أَيْ [سَمْعًا] حَقِيقِيًّا بِلَا وَاسِطَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاعْتِيَادِ الدَّافِعِ عَنِ الْحِشْمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحُضُورِ أَفْضَلُ مِنَ الْغَيْبَةِ. انْتَهَى، لِأَنَّ الْغَالِبَ حُضُورُ الْقَلْبِ عِنْدَ الْحَضْرَةِ وَالْغَفْلَةُ عِنْدَ الْغَيْبَةِ، (" وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا ") ، أَيْ: مِنْ بَعِيدٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: أَيْ بَعِيدًا عَنْ قَبْرِي (" أُبْلِغْتُهُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بُلِّغْتُهُ مِنَ التَّبْلِيغِ، أَيْ: أُعْلِمْتُهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ صَلَّى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ: وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ: ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
стр. 1439
٩٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٩٣٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً) ، أَيْ: صَلَاةً وَاحِدَةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً) : وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ [إِذْ] وَرَدَ: أَنَّ الْأَعْمَالَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَلِهَذَا يَكُونُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ عَنْ سَبْعِينَ حَجَّةً، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي تَرْغِيبِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.
стр. 1440
٩٣٦ - وَعَنْ رُوَيْفِعٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٩٣٦ - (وَعَنْ رُوَيْفِعٍ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ ") : عَطْفٌ عَلَى صَلَّى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَا هُوَ التَّعْظِيمُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: (" اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ ") : وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَنْزِلْهُ (" الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ ") : هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ لِقَوْلِهِ: (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ فِي الْجَنَّةِ» "، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي هِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا تَكُونُ إِلَّا لَهُ ﵇، قِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَامُ حُلُولِ الشَّفَاعَةِ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَالثَّانِي: مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَنْزِلُهُ الَّذِي لَا مَنْزِلَةَ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ، وَأُرِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الدَّارُ الْآخِرَةُ (" وَجَبَتْ ") ، أَيْ: ثَبَتَتْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَلَّتْ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، أَيْ: وَقَعَتْ وَتَحَتَّمَتْ بِمُقْتَضَى وَعْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (" لَهُ شَفَاعَتِي ") ، أَيْ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ شَفَاعَاتِهِ ﵇ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ أُمَّتِهِ مِنْ رَفْعِ دَرَجَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَبَعْضُ أَسَانِيدِهِمْ حَسَنٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَابْنُ بَشْكُوَالَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَبَعْضُ أَسَانِيدِهِمْ حَسَنٌ.
следующие страницы →