← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الْآفَاقِ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّةِ الَّتِي لَا تَقْرَأُ، وَلَا تَكْتُبُ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَهُمُ الْعَرَبُ، وَقِيلَ: إِلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِهَا، وَقِيلَ: إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أُصُولِهِ، وَهِيَ الْفَاتِحَةُ إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ صَدَّقَ بِهَا وَدَعَا إِلَى التَّصْدِيقِ بِهَا، وَقِيلَ: إِلَى الْأُمَّةِ، وَهِيَ الْعَامَّةُ ; لِأَنَّهُ بُعِثَ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، (" وَأَزْوَاجِهِ ") ، أَيْ: نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ (" أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ") ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ، وَالتَّكْرِيمِ (" وَذُرِّيَّتِهِ ") ، أَيْ: أَوْلَادِهِ، وَأَحْفَادِهِ (" وَأَهْلِ بَيْتِهِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ ﵇ دَاخِلٌ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا إِشْكَالَ فِي التَّشْبِيهِ، تَحْصُلُ لَهُ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِانْفِرَادِهِ، وَمَرَّةً تَحْتَ الْعُمُومِ، (" إِنَّكَ حُمَيْدٌ مَجِيدٌ ") : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] » .

стр. 1437

٩٣٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ــ ٩٣٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبَخِيلُ الَّذِي ") : وَفِي نُسْخَةٍ: الدَّنِيءُ: فَعِيلٌ مِنَ الدَّنَاءَةِ، بِمَعْنَى الرَّذَالَةِ (" مِنْ ") : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَوْصُولَيْنِ، وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ لَفْظَ " مِنْ " أَصْلًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ: الَّذِي (" «وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَوْصُولُ الثَّانِي مُقْحَمٌ بَيْنَ الْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ وَصِلَتِهِ تَأْكِيدًا كَمَا فِي قِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أَيْ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَنْ شَرْطِيَّةً، وَالْجُمْلَةُ صِلَةً وَالْجَزَاءُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ اهـ. وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْبَخِيلُ) لِلْجِنْسِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْكَمَالِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَخِلَ، وَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يُكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى، فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَبْخَلَ مِنْهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: " الْبَخِيلُ كُلُّ الْبَخِيلِ "، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) : كَذَا فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ جَامِعِهِ زِيَادَةُ: غَرِيبٌ مُوهِمٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَأَطْنَبَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ، وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِهِ الْحُسَيْنِ، وَلَا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ.

стр. 1438

٩٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْتُهُ» "، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٩٣٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ» ) : أَيْ [سَمْعًا] حَقِيقِيًّا بِلَا وَاسِطَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِاعْتِيَادِ الدَّافِعِ عَنِ الْحِشْمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحُضُورِ أَفْضَلُ مِنَ الْغَيْبَةِ. انْتَهَى، لِأَنَّ الْغَالِبَ حُضُورُ الْقَلْبِ عِنْدَ الْحَضْرَةِ وَالْغَفْلَةُ عِنْدَ الْغَيْبَةِ، (" وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا ") ، أَيْ: مِنْ بَعِيدٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: أَيْ بَعِيدًا عَنْ قَبْرِي (" أُبْلِغْتُهُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بُلِّغْتُهُ مِنَ التَّبْلِيغِ، أَيْ: أُعْلِمْتُهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ صَلَّى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ: وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ: ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.

стр. 1439

٩٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٩٣٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً) ، أَيْ: صَلَاةً وَاحِدَةً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً) : وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ [إِذْ] وَرَدَ: أَنَّ الْأَعْمَالَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَلِهَذَا يَكُونُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ عَنْ سَبْعِينَ حَجَّةً، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي تَرْغِيبِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.

стр. 1440

٩٣٦ - وَعَنْ رُوَيْفِعٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٩٣٦ - (وَعَنْ رُوَيْفِعٍ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ ") : عَطْفٌ عَلَى صَلَّى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَا هُوَ التَّعْظِيمُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: (" اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ ") : وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَنْزِلْهُ (" الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ ") : هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ لِقَوْلِهِ: (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ فِي الْجَنَّةِ» "، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي هِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا تَكُونُ إِلَّا لَهُ ﵇، قِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَامُ حُلُولِ الشَّفَاعَةِ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَالثَّانِي: مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَنْزِلُهُ الَّذِي لَا مَنْزِلَةَ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ، وَأُرِيدَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الدَّارُ الْآخِرَةُ (" وَجَبَتْ ") ، أَيْ: ثَبَتَتْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَلَّتْ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، أَيْ: وَقَعَتْ وَتَحَتَّمَتْ بِمُقْتَضَى وَعْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (" لَهُ شَفَاعَتِي ") ، أَيْ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ شَفَاعَاتِهِ ﵇ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ أُمَّتِهِ مِنْ رَفْعِ دَرَجَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَبَعْضُ أَسَانِيدِهِمْ حَسَنٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَابْنُ بَشْكُوَالَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَبَعْضُ أَسَانِيدِهِمْ حَسَنٌ.

стр. 1441

٩٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا، فَسَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَوَفَّاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: " مَا لَكَ؟ " فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرَكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً، صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ، سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٩٣٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا» ) ، أَيْ: بُسْتَانَ نَخْلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ فَدَخَلَ فَاسْتَقَبْلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِدًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ حَائِطًا مِنَ الْأَسْوَاقِ» ، وَهُوَ بِالْفَاءِ، مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، خَوْضًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (فَسَجَدَ) : أَيْ: سَجْدَةً كَمَا فِي رِوَايَةٍ ( «فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَوَفَّاهُ» ) ، أَيْ: قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ، أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ (فَجِئْتُ أَنْظُرُ) : هَلْ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَطَالَ السَّجْدَةَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا، فَدَنَوْتُ مِنْهُ» (فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ) ﷺ : (" مَا لَكَ؟ ") ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ عَرَضَ لَكَ حَتَّى ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحُزْنِ وَالْفَزَعِ عَلَيْكَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " مَنْ هَذَا " قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) ، أَيِ: الْخَوْفَ الْمُرَادِفَ لِلْخَشْيَةِ الَّتِي مُسْتَفَادَةٌ مَنْ خَشِيتُ (لَهُ) : ﵇، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَجَدْتَ سَجْدَةً حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا، (قَالَ: فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ » ) : بِفَتْحِ أَنَّ، وَقِيلَ: بِكَسْرِهَا ; لِأَنَّ فِي الْبِشَارَةِ مَعْنَى الْقَوْلِ (" يَقُولُ لَكَ ") : وَفِي (لَكَ) ، إِيمَاءٌ لَكَ (" مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ ") ، أَيْ: صَلَاةً كَمَا فِي نُسْخَةٍ (" «صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا نَحْوَهُ، وَزَادَ أَحْمَدُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: " لَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ " انْتَهَى، قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ عَنِ الْحَاكِمِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ أَصَحَّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى، وَلَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ ذَكَرَهَا السَّخَاوِيُّ فِي الْقَوْلِ الْبَدِيعِ.

стр. 1442

٩٣٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٩٣٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) : ﵁ (قَالَ) ، أَيْ: مَوْقُوفًا (إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ: وَقِيلَ: بِضَمِّهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْفَتْحِ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِالضَّمِّ، (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنَ الدَّعَوَاتِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " مِنْهُ "، أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ جِنْسِهِ (شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ، فَيَكُونَ مَوْقُوفًا، وَأَنْ يَكُونَ نَاقِلًا كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحِينَئِذٍ فِيهِ تَجْرِيدٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْخِطَابُ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِمُخَاطَبٍ دُونَ مُخَاطَبٍ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي قُرَّةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ، لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قَبْلِ الرَّأْيِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا اهـ. وَفِي الْحِصْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إِذَا سَأَلْتَ اللَّهَ حَاجَةً فَابْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ادْعُ بِمَا شِئْتَ، ثُمَّ اخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِكَرَمِهِ يَقْبَلُ الصَّلَاتَيْنِ، وَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا بَيْنَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَنْسَبُ أَنْ يُقَالَ: النَّبِيُّ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ بِمَعْنَى الرِّفْعَةِ، أَيْ: لَا يُرْفَعُ الدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَسْتَصْحِبَ الرَّافِعَ مَعَهُ، يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى الْإِجَابَةِ.

стр. 1443

[بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، - يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ "، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ: حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٧]- بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ. أَيْ: فِي آخِرِهِ أَوْ عَقِبَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَفِي كَيْفِيَّةِ الِانْصِرَافِ عَنْهُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ. ٩٣٩ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) ، أَيْ: آخِرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي عَقِبَ هَذَا، (يَقُولُ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (" اللَّهُمَّ إِنِّي ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا (" أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ") : وَمِنْهُ شِدَّةُ الضَّغْطَةِ وَوَحْشَةُ الْوَحْدَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ لَهُ، وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِهِمْ لَهُ، حَتَّى وَقَعَ لِسُنِّيٍّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعْتَزِلِيٍّ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَذِقْهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيُبَالِغُ فِي نَفْيِهِ وَيُخَطِّئُ مُثْبِتَهُ اهـ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعَامَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِمُقْتَضَى مُعْتَقَدِهِ، بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَحْرُومًا مِنْهَا، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ مُعَذَّبٌ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ» ") ، أَيِ: ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ (" الدَّجَّالِ ") ، أَيِ: الْخَدَّاعِ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مُفْسِدٍ مُضِلٍّ، وَقِيلَ: سُمِّيَ مَسِيحًا ; لِأَنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ مَمْسُوحَةٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: عَيْنُهُ ذَاهِبَةٌ، أَوْ هُوَ مَمْسُوحٌ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أَيْ: مُبْعَدٌ عَنْهُ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنَ الْمَسَاحَةِ ; لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ، أَيْ: يَقْطَعُهَا بِتَرَدُّدِهِ فِيهَا فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمَاهُمَا مِنْهُ بِفَضْلِهِ، أَوْ يُقَدِّرُهَا بِالذِّرَاعِ وَالشِّبْرِ،

стр. 1444

وَيَقْطَعُهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَلَدٌ إِلَّا دَخَلَهُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَآخِرُ الْأَمْرِ يَقْتُلُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فِي مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ لَقَبُ عِيسَى فَأَصْلُهُ الْمَسِيحَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَهُوَ الْمُبَارَكُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْمَسْحَ يَمْسَحُ ذَا آفَةٍ فَيَبْرَأُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ سَيَّاحًا كَثِيرَ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أُرِيدَ بِهِ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: الْمِسِّيحُ بِالتَّثْقِيلِ الدَّجَّالُ، وَبِالتَّخْفِيفِ عِيسَى، قَالَ الشَّيْخُ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَحُكِيَ عَنِ الْبَعْضِ أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّالِ، وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ، قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَطْ، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ") : مَفْعَلٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِتْنَةُ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءُ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ، وَالرِّضَا وَالْوُقُوعِ فِي الْآفَاتِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ مَعَ الْحَيْرَةِ، وَالْخَوْفِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ الِابْتِلَاءَ عِنْدَ النَّزْعِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْفِتْنَتَيْنِ عَذَابَ الدُّنْيَا وَعِقَابَ الْعُقْبَى، وَالْأَشَدُّ مِنْهُمَا حِجَابُ الْمَوْلَى، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَقُدِّمَ عَذَابُ الْقَبْرِ عَلَى فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، لِأَنَّهُ أَطْوَلُ زَمَانًا وَأَعْظَمُ شَأْنًا وَأَعَمُّ امْتِحَانًا، (" «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ» ") : إِمَّا مَصْدَرُ أَثِمَ الرَّجُلُ، أَوْ مَا فِيهِ الْإِثْمُ، أَوْ مَا يُوجِبُ الْإِثْمَ (" وَالْمَغْرَمِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: " مِنَ الْمَغْرَمِ " وَهُوَ كُلُّ مَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَدَاؤُهُ؛ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَرَامَةِ، وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَالْغُرْمِ، بِمَعْنَى الدَّيْنِ، وَيُرِيدُ بِهِ مَا اسْتُدِينَ فِيمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، أَوْ فِيمَا يَجُوزُ، ثُمَّ عَجَزَ عَنْهُ، وَإِمَّا دَيْنٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فَلَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ الدَّيْنَ شَيْنِ الدِّينِ ; لِأَنَّ فِيهِ الذُّلَّ حَالًا، وَخَطَرَ عَدَمِ الْوَفَاءِ اسْتِقْبَالًا، وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) ، أَيْ: عَائِشَةُ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (مَا أَكْثَرَ) : بِالنَّصْبِ وَمَا تَعَجُّبِيَّةٌ (مَا تَسْتَعِيذُ) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيِ: اسْتِعَاذَتُكَ (مِنَ الْمَغْرَمِ! فَقَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ ") : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَغَالِبُ حَالِهِ إِذَا أُغْرِمَ، أَيْ: لَزِمَهُ دَيْنٌ، وَالْمُرَادُ اسْتَدَانَ وَاتَّخَذَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ (حَدَّثَ) أَيْ: أَخْبَرَ عَنْ مَاضِي الْأَحْوَالِ لِتَمْهِيدِ عُذْرٍ فِي التَّقْصِيرِ (" فَكَذَبَ ") : لِأَنَّهُ إِذَا تَقَاضَاهُ رَبُّ الدَّيْنِ وَلَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنُهُ يَكْذِبُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ يَدِهِ، وَيَقُولَ: لِي مَالٌ غَائِبٌ إِذَا حَضَرَ أُؤَدِّي دَيْنَكَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ حَدَّثَ النَّاسَ عَنْ حَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، فَكَذَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَحْمِلَهُمْ عَلَى إِدَانَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا، أَوِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لِيَرْبَحَ فِيهِ شَيْئًا يَبْقَى لَهُ قَبْلَ وَفَائِهِ (" وَوَعَدَ ") ، أَيْ: فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ يَقُولَ: أُعْطِيكَ غَدًا أَوْ فِي الْمُدَّةِ الْفُلَانِيَّةِ (" فَأَخْلَفَ ") ، أَيْ: فِي وَعْدِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَعَدَ بِالْوَفَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَأَخْلَفَ طَمَعًا فِي بَقَاءِ الْمَالِ فِي يَدِهِ، أَوْ لِسُوءِ تَدْبِيرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ (غَرِمَ) ، شَرْطٌ وَ (حَدَّثَ) جَزَاءٌ وَ (كَذَبَ) مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْجَزَاءِ (وَوَعَدَ) ، عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَ (وَحَدَّثَ) لَا عَلَى (غَرِمَ) خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَ (أَخْلَفَ) مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1445

٩٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٤٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَإِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ» ") أَيْ: آخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ أَوَّلًا قَالَ الطِّيبِيُّ: تَصْرِيحٌ بِاسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْفِيفِ اهـ ; وَلِأَنَّ مَحَلَّ الدُّعَاءِ هُوَ وَقْتُ الِانْتِهَاءِ، لِمَنْ طَلَبَ الْأَمَلَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، (" فَلْيَتَعَوَّذْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: فَلْيَسْتَعِذْ (بِاللَّهِ) : وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: لِلْوُجُوبِ (" وَمِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ") : قُدِّمَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ وَأَبْقَى، بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ (" «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ") ، أَيْ: عِنْدَ النَّزْعِ (" وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ") : مِنَ الدَّجَلِ، وَهُوَ الْحِيلَةُ أُخِّرَ هُنَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ آخِرَ الزَّمَانِ قُرْبَ السَّاعَةِ قِيلَ: لَهُ شَرٌّ وَخَيْرٌ، فَخَيْرُهُ: أَنْ يَزْدَادَ الْمُؤْمِنُ إِيمَانًا، وَيَقْرَأَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَافِرٌ فَيَزِيدَ إِيقَانًا، وَشَرُّهُ: أَنْ لَا يَقْرَأَهُ الْكَافِرُ وَلَا يَعْلَمَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَاصِلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ، وَالتَّسْلِيمِ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالتَّسْلِيمِ، قَالَ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1446

٩٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) ، أَيْ: أَصْحَابَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ (هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " قُولُوا ") : قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ لِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ حِينَ لَمْ يَدْعُ هَذَا الدُّعَاءَ فِيهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، (" «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» ") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَخَلُّصَ مِنْ عَذَابِهَا إِلَّا بِالِالْتِجَاءِ إِلَى بَارِئِهَا، (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ") : فِيهِ اسْتِعَاذَةٌ لِلْأُمَّةِ أَوْ تَعْلِيمٌ لَهُمْ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُعَذَّبُونَ (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ") ، أَيْ: عَلَى تَقْدِيرِ لُقِيِّهِ (" «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ") : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَكَرَّرَ أَعُوذُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ إِظْهَارًا لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا، وَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ بِإِعَاذَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ تَكْرَارِ: " «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» "، وَسُقُوطِ: " «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» "، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ جَمِيعًا، ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فِي تَوْجِيهِهِ وَقَالَ: اقْتَصَرَ عَلَيْهَا، أَيْ: عَلَى فِتْنَةِ الْمَسِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ; لِأَنَّهَا أَعْظَمُ فِتَنِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَلِذَا كَرَّرَهَا إِعْلَامًا بِعِظَمِ شَأْنِهَا حَتَّى يُكَرِّرَ النَّاسُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْهَا، فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ بَقِيَّةِ فِتَنِ الدُّنْيَا لِسُهُولَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، كَمَا اسْتُغْنِيَ بِالْأَوَّلَيْنِ عَنْ بَقِيَّةِ فِتَنِ الْآخِرَةِ لِسُهُولَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1447

٩٤٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٤٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي» ) ، أَيْ: عَقِبَ التَّشَهُّدِ كَمَا قَيَّدَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا ( «قَالَ: " قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» ") : فِي الْأَذْكَارِ: فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالَ: كَثِيرًا كَبِيرًا "، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ بَيْنَ سُبْحَانَكَ وَبَيْنَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، أَوْ يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ بِالْمُخْتَارِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَبِلَفْظِ: " كَثِيرًا " عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي النَّوَافِلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّوَوِيِّ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَالِاتِّبَاعُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا بِالْجَمْعِ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا، (" «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ") : لِأَنَّ غُفْرَانَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لَا يُتَصَوَّرُ، إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (" فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً ") : التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: غُفْرَانًا لَا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: (" مِنْ عِنْدِكَ ") ، مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِالتَّنْكِيرِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّعْظِيمَ ; لِأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْفُ وَاصِفٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ مَحْضِ فَضْلِكَ لَا بِاسْتِحْقَاقٍ مِنِّي، (" «وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ") : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْجَوَامِعِ ; لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِغَايَةِ التَّقْصِيرِ وَطَلَبَ غَايَةِ الْأَنْعَامِ، فَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا، وَالرَّحْمَةُ إِيصَالُ الْخَيْرَاتِ، فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ، وَفِي الثَّانِي: طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ مَعَ الْأَبْرَارِ، وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ، رَزَقَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ الْكَرِيمِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

стр. 1448

٩٤٣ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٤٣ - (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ» ) ، أَيْ: أَوَّلًا (وَعَنْ يَسَارِهِ) ، أَيْ: ثَانِيًا (حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ) ، أَيْ: صَفْحَةَ وَجْهِهِ، وَهُوَ كَذَا بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ خَدَّيْهِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَصْلًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ: " خَدَّهُ "، وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ فِي الْأُولَى، وَالْأَيْسَرِ فِي الثَّانِيَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي: «كَانَ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنَ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» اهـ. وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمُطَابَقَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى صِيغَةِ الْإِفْرَادِ ظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، بِخِلَافِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ مَعَ إِيهَامِ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُرَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا خَدُّهُ لَا خَدَّاهُ، ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّهُ ﵊ لَمَّا عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ قَالَ لَهُ: " «إِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هُوَ الْقَائِلُ إِنْ شِئْتَ. . .، إِلَخْ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ. قُلْتُ: عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَمَا قَبْلَهُ حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ فَمَعْنَى قَضَيْتَ قَارَبْتَ أَوْ قَضَيْتَ مُعْظَمَهَا - فَمُنَاقِضٌ لِأَوَّلِ كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ مَا قِيلَ إِنْ شِئْتَ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعِيدٌ مَعَ عَدَمِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا خَبَرُ: " «إِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأَسَهُ مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ وَقَعَدَ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» " فَضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ فَحُمِلَ عَلَى مَا بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى. قُلْتُ: هُوَ صَحِيحٌ وَيَأْبَى قَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْبُعْدِ، عَلَى أَنَّهُ جَاءَ صَرِيحًا فِي خَبَرِ: «إِذَا أَحْدَثَ وَقَدْ قَعَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ» ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «إِذَا جَلَسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ تَرْتَقِي إِلَى حَدِّ الْحَسَنِ، وَيَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ أَصْلِهِ تَعَلُّقُ الْمُجْتَهِدِ بِهِ، وَلَا يَضُرُّ حُصُولُ الضَّعْفِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهُمَا ضَعِيفَانِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ مُجَرَّدُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، هَذَا وَرُوِيَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طُرُقٍ، وَكَذَا، الْإِتْيَانُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ عَلَى اقْتِصَارِ الرَّاوِي، وَفِي خَبَرِ عَائِشَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَيُرْوَى: (حَتَّى يُرَى) ، مَجْهُولًا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: أَيْ وَجْنَتَهُ الْخَالِيَةَ عَنِ الشَّعَرِ، وَكَانَ مُشْرَبًا بِالْحُمْرَةِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِقَاءَهُ، كَذَا فِي الْأَصْلِ مُكَرَّرًا وَلَعَلَّهُ قَصَدَ لِقَاءَ الصَّحَابِيِّ وَلِقَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَلِقَاءَهُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1449

٩٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٩٤٤ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الدَّالِّ وَيُفْتَحُ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقَبْلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا عِنْدَ التَّسْلِيمِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَقَبْلَ الْمَأْمُومِينَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّسْلِيمِ جَعَلَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَمِينَهُ إِلَيْهِمْ، وَيَسَارَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مُطَوَّلًا وَمُقَطَّعًا، مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، كُلُّهُمْ فِي الرُّؤْيَا مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 1450

٩٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٤٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: أَحْيَانًا (يَنْصَرِفُ) ، أَيْ: عَنْ مُصَلَّاهُ (عَنْ يَمِينِهِ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ حَاجَتُهُ عَنْ يَمِينِهِ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَسَارِهِ أَخَذَ عَنْ يَسَارِهِ» ، فَقُلْتُ: إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي لَهُ حَاجَةٌ يَنْصَرِفُ إِلَى جَانِبِ حَاجَتِهِ، فَإِنِ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ فَيَنْصَرِفُ إِلَى أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، وَالْيَمِينُ أَوْلَى ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بِوَجْهِهِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ - أَعْنِي: حَدِيثَ عَامِرٍ، وَسَمُرَةَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ - دَخِيلَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْبَابِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1451

٩٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٤٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا " يَجْعَلَنَّ "، ( «أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: يَظُنَّ أَحَدُكُمْ أَوْ يَعْتَقِدْ، وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ، كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ يَجْعَلُ أَحَدُنَا حَظًّا لِلشَّيْطَانِ مِنْ صَلَاتِهِ؟ فَقَالَ: يَرَى (أَنَّ حَقًّا) ، أَيْ: وَاجِبًا (عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ) ، أَيْ: يَذْهَبَ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ (إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: جَانِبِ يَمِينِهِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَابَعَ الشَّيْطَانَ فِي اعْتِقَادِهِ أَحَقِّيَّةَ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ كَمَالُ صَلَاتِهِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: " أَنْ لَا يَنْصَرِفَ " مَعْرِفَةٌ إِذْ تَقْدِيرُهُ عَدَمُ الِانْصِرَافِ، وَقَدْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَعْرِيفِ مِثْلِهِ، فَكَيْفَ وَقَعَ خَبَرًا لِأَنَّ، وَاسْمُهُ نَكِرَةٌ؟ قُلْتُ: إِمَّا لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَخْصُوصَةَ كَالْمُعَرَّفِ، أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، أَيْ: يَرَى أَنَّ عَدَمَ الِانْصِرَافِ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنْ بِغَيْرِ التَّشْدِيدِ، فَهِيَ إِمَّا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَحَقًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَفِعْلُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: قَدْ حَقَّ حَقًّا، وَ " أَنْ لَا يَنْصَرِفَ " فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وَإِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، ( «لقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِه» : هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اطِّلَاعِ الرَّاوِي عَلَى أَحْوَالِهِ ﷺ ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَرَّ عَلَى أَمْرٍ مَنْدُوبٍ، وَجَعَلَهُ عَزْمًا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِالرُّخْصَةِ فَقَدْ أَصَابَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِضْلَالِ فَكَيْفَ مَنْ أَصَرَّ عَلَى بِدْعَةٍ أَوْ مُنْكَرٍ؟ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» اهـ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ ; وَإِنْ كَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧] ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1452

٩٤٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ ; يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٤٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ» ) : لِكَوْنِ يَمِينِ الصَّفِّ أَفْضَلَ، وَلِكَوْنِهِ ﵊ (يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : أَيْ عِنْدَ السَّلَامِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُقْبِلُ عَلَيْنَا عِنْدَ الِانْصِرَافِ (قَالَ) ، أَيِ: الْبَرَاءُ (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) ، أَيْ: بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَهُ فِي الصَّلَاةِ (" رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ ") ، أَيِ: احْفَظْنِي مِنْهُ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ، وَهُوَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، أَوْ تَوَاضُعٌ مَعَ رَبِّهِ (" يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادَكَ ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 1453

٩٤٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي بَابِ الضَّحِكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٩٤٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) ، أَيْ: زَمَانِهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ) : لِلرُّجُوعِ إِلَى بُيُوتِهِنَّ (وَثَبَتَ) ، أَيْ: عَلَى الْقُعُودِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِيَنْصَرِفَ النِّسَاءُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الرِّجَالُ بِهِنَّ (وَمَنْ صَلَّى) : عُطِفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: وَثَبَتَ مَنْ صَلَّى (مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ) ، أَيْ: زَمَانًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثُوا فِيهِ ( «فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا ثَبَاتُ الْإِمَامِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَاسْتِحْبَابُ عَدَمِ الْقِيَامِ لِلْمَأْمُومِينَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : يَعْنِي: الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هُنَا بِلَفْظِ: " وَكَانَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ بِمَا جَرَى فِي الْإِسْلَامِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﷺ » " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِ كَلَامٍ مُبَاحٍ يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: كَلَامُهُمْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا عَنِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَاحِ الْمُجَرَّدِ، (فِي بَابِ الضَّحِكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) ، لَا يَخْفَى أَنَّ إِبْقَاءَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ تَغْيِيرِ الْمُصَنِّفِ الْمُفْتَقِرِ إِلَى الِاعْتِذَارِ الْمُتَضَمِّنِ لِلِاعْتِرَاضِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ إِذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى أُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ بَابٍ إِيرَادُهُ فِيهِ لِمُنَاسَبَةِ أَمْرٍ مَا، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابِهِ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى بِهَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ، وَهُوَ الْهَادِي بِالْإِلْهَامِ.

стр. 1454

الْفَصْلُ الثَّانِي ٩٤٩ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ " فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ ; إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مُعَاذُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٩٤٩ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَأَنَّهُ عَقْدُ مَحَبَّةٍ وَبَيْعَةُ مَوَدَّةٍ، (فَقَالَ: " إِنِّي لَأُحِبُّكَ ") : لَامُهُ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: لِلْقَسَمِ (" يَا مُعَاذُ ") : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُ (فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مُخَاطَبَتُهُ ﷺ بِالْمَحَبَّةِ لِمُعَاذٍ أَشَدُّ تَأْكِيدًا مِنْ مُخَاطَبَةِ مُعَاذٍ لَهُ بِهَا، قُلْتُ: لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ التَّأْكِيدُ مِنْ جَانِبِ مُعَاذٍ إِذْ لَا يُمْكِنُ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ لَهُ ﵊، وَلَعَلَّ مُعَاذًا مَا كَانَ بَلَغَهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْجَوَابِ: " أَحَبَّكَ اللَّهُ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ " أَوِ اخْتَصَرَ الرَّاوِي، (قَالَ: " فَلَا تَدَعْ ") ، أَيْ: إِذَا كُنْتَ تُحِبُّنِي، أَوْ إِذَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ تَحَابُبٌ، أَوْ إِذَا أَرَدْتَ ثَبَاتَ هَذِهِ الْمُحَابَبَةِ فَلَا تَتْرُكْ (" أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، أَيْ: عَقِبَهَا وَخَلْفَهَا، أَوْ فِي آخِرِهَا (" رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ") : مِنْ طَاعَةِ اللِّسَانِ (" وَشُكْرِكَ ") : مِنْ طَاعَةِ الْجَنَانِ (" وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ") : مِنْ طَاعَةِ الْأَرْكَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ اللَّهِ مُقَدِّمَةُ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَشُكْرُهُ وَسِيلَةُ النِّعَمِ الْمُسْتَجْلَبَةِ وَحُسْنُ الْعِبَادَةِ الْمُطْلُوبُ مِنْهُ التَّجَرُّدُ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، (إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مُعَاذٌ) : فِيهِ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى (وَأَنَا أُحِبُّكَ) : قَالَ السَّخَاوِيُّ: فِي بَحْثِ الْمُسَلْسَلِ مِنْ أُصُولِ الْحَدِيثِ كَحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِمُعَاذٍ: " «إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» "، فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا بِقَوْلِ كُلٍّ مِنْ رُوَاتِهِ: وَإِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلْ، إِلَخْ.

стр. 1455

٩٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ "، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ. ــ ٩٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ، قَالَ: إِنَّ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ) ، أَيْ: مِنْ صَلَاتِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ (عَنْ يَمِينِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مُجَاوِزًا نَظَرُهُ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ عَلَى مَنْ فِي يَمِينِهِ، وَقَوْلُهُ: (" وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ") : إِمَّا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أَيْ: يُسَلِّمُ قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ عَلَى تَقْدِيرِ: مَاذَا كَانَ يَقُولُ؟ اهـ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَزَالُ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ مَعَ سَلَامِهِ كَذَلِكَ (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ) ، أَيْ: وَكَانَ يُسَلِّمُ مُلْتَفِتًا بِخَدِّهِ عَنْ يَسَارِهِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ") : قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ زِيَادَةُ: " وَبَرَكَاتُهُ "، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ مَا قَالُوهُ شَاذٌّ نَقْلًا وَدَلِيلًا (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ) ، أَيْ: فِي الْوَجْهَيْنِ.

стр. 1456

٩٥١ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. ــ ٩٥١ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) ، أَيْ: لَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، الظَّاهِرُ أَنَّ مَرْوِيَّهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ لَا بَعْضُهُ، كَالتِّرْمِذِيِّ لِإِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1457

٩٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ» ، رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٩٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ انْصِرَافُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ بَابُ حُجْرَتِهِ مَفْتُوحًا إِلَى الْمَسْجِدِ عَنْ يَسَارِ الْمِحْرَابِ، فَهُوَ يَنْصَرِفُ إِلَى جَانِبِ يَسَارِهِ وَيَدْخُلُ حُجْرَتَهُ، (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.

стр. 1458

٩٥٣ - وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ. ــ ٩٥٣ - (وَفِي عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى ") ، أَيِ: الْفَرْضَ (" فِيهِ ") : قِيلَ: هَذَا فِي صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لَا رَاتِبَةَ بَعْدَهَا كَالصُّبْحِ فَلَا، وَقِيلَ: ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَزْهَارِ: لَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالْإِمَامِ لِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ، بَلْ يَعُمُّ الْمَأْمُومَ، وَقَالَ الْقَاضِي: نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ بَعْدُ فِي الْمَكْتُوبَةِ، وَقَوْلُهُ: (" حَتَّى يَتَحَوَّلَ ") ، أَيْ: يَنْتَقِلَ إِلَى مَوْضِعٍ، جَاءَ لِلتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ صَلَّى - فِيهِ أَفَادَ مَا أَفَادَهُ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: وَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لِيَشْهَدَ لَهُ الْمَوْضِعَانِ بِالطَّاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَكْثِيرُ الْعِبَادَةِ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ) ، أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا بَيَانُ وَجْهِ تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ضَعَّفَ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعَهُ: لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ " وَلَمْ يَصِحَّ، " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ، وَقَالَ

стр. 1459

٩٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٩٥٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ) ، أَيْ: حَثَّهُمْ وَرَغَّبَهُمْ، يُقَالُ: حَضَّهُ وَحَضَضَهُ، (عَلَى الصَّلَاةِ) ، أَيْ: عَلَى مُلَازَمَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، (وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عِلَّةُ نَهْيِهِ ﵊ أَصْحَابَهُ عَنِ انْصِرَافِهِمْ قَبْلَهُ أَنْ تَذْهَبَ النِّسَاءُ اللَّاتِي يُصَلِّينَ خَلْفَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيَقُومُ الرِّجَالُ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِانْصِرَافِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِالسَّلَامِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الِانْصِرَافِ قِيَامَ الْمَسْبُوقِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا حَرَامٌ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ.

стр. 1460

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٥٥ - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ الْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٥٥ - (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ) ، أَيْ: بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي آخِرِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: فِيهَا أَوْ دُبُرَهَا، (" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ") ، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْرِ الدِّينِ، (" وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ") : وَهِيَ كَالْعَزْمِ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ، وَقَدَّمَ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَزِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْقَلْبِ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ، وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْغَايَاتِ مُقَدَّمَةٌ فِي الرُّتْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي الْوُجُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣] كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الصِّحَاحِ: عَزَمْتُ عَلَى الْأَمْرِ عَزْمًا وَعَزِيمَةً إِذَا أَرَدْتَ فِعْلَهُ وَقَطَعْتَ عَلَيْهِ اهـ. وَالرُّشْدُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهِمَا، بِمَعْنَى الْهِدَايَةِ، وَالْمُرَادُ لُزُومُهَا وَدَوَامُهَا، (" وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ") ، أَيِ: التَّوْفِيقَ عَلَى شُكْرِهَا بِصَرْفِ النِّعْمَةِ فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ، (" وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ") : بِأَدَاءِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقِيَامِ بِإِخْلَاصِهَا (" وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مِنَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ ; فَإِنَّهَا مَرَضُ الْقَلْبِ، وَصِحَّتُهُ الْعِلْمُ وَالْأَخْلَاقُ الْفَاضِلَةُ اهـ، أَوِ الْمُرَادُ سَلِيمًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ، وَالْأَحْوَالِ الدَّنِيَّةِ، أَوْ قَلْبًا مُنْقَادًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ، أَوْ خَالِيًا عَمَّا سِوَاهُ، (" وَلِسَانًا صَادِقًا ") : نِسْبَةُ الصِّدْقِ إِلَى اللِّسَانِ مَجَازٌ بِأَنَّهُ لَا يَبْرُزُ عَنْهُ إِلَّا الْحَقُّ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، (" وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَمَنْ يُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَزِيدُهَا فِي الْإِثْبَاتِ، أَوْ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَسْأَلُكَ شَيْئًا هُوَ خَيْرُ مَا تَعْلَمُ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ - سَأَلَهُ إِظْهَارًا لِهَضْمِ النَّفْسِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا يَسِيرًا مِنَ الْخَيْرِ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (اهْدِنَا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، عَلَى أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقْلِيلِ، ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ ") ، أَيِ: أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِأَجْلِ مَا تَعْلَمُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالتَّقْصِيرَاتِ، وَالْمُشْغِلَاتِ، وَفِي الْحِصْنِ: بِمَا تَعْلَمُ وَزَادَ: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ) : وَفِي الْحِصْنِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَزَادَ الْحَاكِمُ: " وَخُلُقًا مُسْتَقِيمًا "، أَيْ: بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَقَلْبًا سَلِيمًا "، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

стр. 1461

٩٥٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: " أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٩٥٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) ، أَيْ: أَحْيَانًا (فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: " أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ ") ، أَيِ: السِّيرَةِ وَالطَّرِيقَةِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا وَيُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا، (" هَدْيُ مُحَمَّدٍ ") : مَدْحُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَدْحٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِالنُّطْقِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْعِبْرَةُ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ فِي الصَّلَاةِ: مَاتَ فُلَانٌ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى جَوَابٌ لِكَلَامِ الْقَائِلِ مَعَ كَوْنِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: لَا يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ، بِمَا يُطْلَبُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي مَالًا أَوْ جَارِيَةً تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغْنِنِي وَزَوِّجْنِي الْحُورَ الْعِينَ، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 1462

٩٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا،» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٩٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) : كَذَا فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَعَنْهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَنْ عَائِشَةَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نُسْخَتَهُ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً، (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) ، أَيْ: يَبْدَأُ بِالتَّسْلِيمِ مُحَاذَاةَ وَجْهِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: يَبْتَدِئُ بِهَا وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ، (ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا) ، أَيْ: يَسِيرًا حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، يَعْنِي ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ شَيْئًا يَسِيرًا حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 1463

٩٥٨ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٩٥٨ - (وَعَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ) ، أَيْ: نَنْوِيَ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِالْأُولَى مِنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَهُمَا مِنْ عَلَى مُحَاذَاتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: رَدُّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ سَلَامُهُ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ ثَلَاثَ تَسْلِيمَاتٍ: تَسْلِيمَةٌ يَخْرُجُ بِهَا مِنَ الصَّلَاةِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيَتَيَامَنُ يَسِيرًا، وَتَسْلِيمَةٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَتَسْلِيمَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ، (وَنَتَحَابَّ) : تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ، أَيْ: وَأَنْ نَتَحَابَّ مَعَ الْمُصَلِّينَ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَفْعَلَ كُلٌّ مِنَّا مِنَ الْخَلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَالْأَفْعَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ الصَّادِقَةِ، وَالنَّصَائِحِ الْخَالِصَةِ، مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، (وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ وَمَا قَبْلَهُ مُعْتَرِضَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَلَفْظُهُ: وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَئِمَّتِنَا، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ: يَنْوِيَ الْمُصَلِّي مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَكَذَا مِنَ الْمَلَكِ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ الْمُشْعِرِ بِالتَّعْظِيمِ، قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: هَذِهِ سُنَّةٌ تَرَكَهَا النَّاسُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ التَّحَابَّ أَشْمَلُ مَعْنًى مِنَ التَّسْلِيمِ لِيُؤْذَنَ بِأَنَّهُ فَتَحَ بَابَ الْمَحَبَّةِ وَمُقَدِّمَتَهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَكَانَ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ، وَمِنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اهـ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى تَسْلِيمِ التَّشَهُّدِ حَيْثُ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ عِنْدَ التَّسْلِيمِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ لَا يَنْوِي الْأَنْبِيَاءَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

стр. 1464

[بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ]

стр. 1465

بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٥٩ - «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٨]- بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ أَعَمُّ مِنَ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٥٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيِ: انْتِهَاءَهَا (بِالتَّكْبِيرِ) : مُتَعَلِّقٌ بِ (أَعْرِفُ) يَعْنِي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ الْأَشْرَفُ: يَعْنِي كَانَ يُكَبِّرُ اللَّهَ فِي الذِّكْرِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعِيدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ إِلَّا فِي التَّكْبِيرِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ بَدْؤُهُ بِالتَّكْبِيرِ لِمَا وَرَدَ: " لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ "، أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُهُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّةً، وَقِيلَ: مُكَرَّرًا، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي وَرَدَ مَعَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ عَشْرًا أَوْ أَكْثَرَ قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ كُلِّ هَيْئَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى أُخْرَى بِتَكْبِيرَةٍ أَسْمَعُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لَكِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ يُخَالِفُ الْبَابَ، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ الصَّلَاةِ بِانْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ، أَيْ: لِأَنَّهُ آلَةُ الْإِعْلَامِ بِأَفْعَالِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكُنْ آلَةَ الْإِعْلَامِ بِفَرَاغِهِ مِنْهَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرَادَ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقَ الذِّكْرِ، وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ جَهْرَهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِأَجْلِ تَعَلُّمِ الْمَأْمُومِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ لِطَلَبِ الْإِسْرَارِ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَقَالَ: " «إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» " اهـ. وَيُسَنُّ الْإِسْرَارُ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ أَيْضًا، إِلَّا فِي التَّلْبِيَةِ وَالْقُنُوتِ لِلْإِمَامِ، وَتَكْبِيرِ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْأَنْعَامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ مِنَ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ السُّوقِ الْوَارِدِ وَعِنْدَ صُعُودِ الْهَضْبَاتِ وَالنُّزُولِ مِنَ الشُّرُفَاتِ.

стр. 1466

٩٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) : ﵂ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ) : أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سُنَّةٌ (لَمْ يَقْعُدْ) ، أَيْ: بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةُ (إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ) : لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَقْعُدُ بَعْدَ أَدَاءِ الصُّبْحِ عَلَى مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ الْقَاضِي: وَدَلَّ حَدِيثُ أَنَسٍ أَيِ الْآتِي عَلَى اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ وَفَضْلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ كَانَ يَفْعَلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَفِي بَعْضِهَا كَانَ يَقُومُ عَقِبَ سَلَامِهِ، وَالْمَعْنَى إِلَّا قَدْرَ زَمَانٍ يَقُولُ هُوَ أَوِ الْقَائِلُ (" اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ") : أَيْ مِنَ الْمَعَائِبِ

стр. 1467

وَالْحَوَادِثِ وَالتَّغَيُّرِ وَالْآفَاتِ: (" وَمِنْكَ السَّلَامُ ") ، أَيْ: مِنْكَ يُرْجَى وَيُسْتَوْهَبُ وَيُسْتَفَادُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلَامُ، أَنْتَ: السَّلَامُ مِنْكَ بَدْؤُهُ وَإِلَيْكَ عَوْدُهُ فِي حَالَتَيِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ، وَأَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ: مِنْكَ السَّلَامُ وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلَامُ وَارِدٌ مَوْرِدَ الْبَيَانِ ; لِقَوْلِهِ: أَنْتَ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالسَّلَامَةِ فِيمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ لِمَا كَانَ هُوَ الذِّكْرَ تَعْرِضُهُ الْآفَةُ، وَهَذَا لِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى، فَهُوَ السَّلَامُ، بِمَعْنَى الَّذِي يُعْطِي السَّلَامَةَ وَيَمْنَعُهَا، وَقِيلَ: الْقَرِينَةُ الْأَخِيرَةُ أَعْنِي: وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلَامُ مَا وَجَدْنَاهَا فِي الرِّوَايَاتِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: وَأَمَّا مَا يُزَادُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمِنْكَ السَّلَامُ مِنْ نَحْوِ وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ وَأَدْخِلْنَا دَارَكَ دَارَ السَّلَامِ - فَلَا أَصْلَ لَهُ بَلْ مُخْتَلَقُ بَعْضِ الْقُصَّاصِ، (" تَبَارَكْتَ ") ، أَيْ: تَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أَوْ تَعَالَتْ صِفَاتُكَ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، (" يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ") ، أَيْ: يَا مُسْتَحَقَّ الْجَلَالِ وَهُوَ الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ: الْجَلَالُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ، وَقِيلَ: الْجَلَالُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا لِلَّهِ، وَالْإِكْرَامُ: الْإِحْسَانُ، وَقِيلَ: الْمُكْرِمُ لِأَوْلِيَائِهِ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1468

٩٦١ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦١ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ) ، أَيْ: فَرَغَ (مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا) ، أَيْ: قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كَمَا فِي الْحِصْنِ، وَلَعَلَّ اسْتِغْفَارَهُ لِرُؤْيَةِ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ ; فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَلِذَا قَالَتْ رَابِعَةُ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ، (وَقَالَ) ، أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِغْفَارِ (" اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ") : فَطَاعَتُنَا لَا تَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ (" وَمِنْكَ السَّلَامُ ") : بِأَنْ تَقْبَلَهَا وَتَجْعَلَهَا سَالِمَةً وَتَغْفِرَ تَقْصِيرَنَا الْمُعَدَّ مِنَ الذُّنُوبِ (" تَبَارَكْتَ ") ، أَيْ: تَعَالَيْتَ أَنْ تُعْبَدَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَأَنْ تُطَاعَ حَقَّ طَاعَتِكَ، (" يَا ذَا الْجَلَالِ ") ، أَيْ: صَاحِبَ الِانْتِقَامِ مِنَ الْفُجَّارِ (" وَالْإِكْرَامِ ") ، أَيْ: صَاحِبَ الْإِنْعَامِ عَلَى الْأَبْرَارِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

стр. 1469

٩٦٢ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٦٢ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) ، أَيْ: عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ: (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ") ، أَيْ: مُنْفَرِدًا فِي ذَاتِهِ (" لَا شَرِيكَ لَهُ ") ، أَيْ: فِي أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ، بِمَقَامِ التَّوْحِيدِ (" لَهُ الْمُلْكُ ") ، أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ (" وَلَهُ الْحَمْدُ ") : فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، (" وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ") : بَالِغٌ فِي الْقُدْرَةِ، كَامِلٌ فِي الْإِرَادَةِ، (" اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ") : مِنَ التَّوْفِيقِ عَلَى الطَّاعَةِ (" وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ") : مِنَ الْعِصْمَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ (" وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ ") : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ، أَيْ: صَاحِبَ الْحَظِّ فِي الْعِبَادَةِ، أَوْ صَاحِبَ الْجَدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَضْلًا عَنِ الْجَاهِ وَالْمَالِ، (" مِنْكَ ") ، أَيْ: مِنْ عَذَابِكَ أَوْ عِنْدَكَ أَوْ بَدَلَ لُطْفِكَ (" الْجَدُّ ") ، أَيْ: جَدُّهُ أَوْ جَدُّهُ، بَلْ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا فَضْلُكَ وَكَرَمُكَ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْكَ إِلَّا رَحْمَتُكَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَا فِيهِ: " يُحْيِي وَيُمِيتُ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَلَهُ الْحَمْدُ "، وَزَادَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: " لِمَا أَعْطَيْتَ: وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ "، أَيْ: لِمَا حَكَمْتَ وَأَمَرْتَ أَوْ كَتَبْتَ، وَقَدَّرْتَ، وَأَسْقَطَ: " وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ".

стр. 1470

٩٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦٣ - (وَعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى) : تَعْلِيمًا لِمَنْ حَضَرَ مَعَهُ مِنَ الْمَلَأِ (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ") : فِي الْأُلُوهِيَّةِ (" لَا شَرِيكَ لَهُ ") : فِي الرُّبُوبِيَّةِ (" لَهُ الْمُلْكُ ") : ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (" وَلَهُ الْحَمْدُ ") : أَوَّلًا وَآخِرًا (" وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ") : مِنَ الْإِيجَادِ، وَالْإِعْدَامِ، وَالْإِنْعَامِ، وَالْإِيلَامِ، (" لَا حَوْلَ ") ، أَيْ: لَا تَحَوُّلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، (" وَلَا قُوَّةَ ") : عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ (" إِلَّا بِاللَّهِ ") ، أَيْ: بِعِصْمَتِهِ وَإِعَانَتِهِ (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : لِأَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْكَوْنِ قَدْ أَبْدَاهُ وَأَبْقَاهُ (" وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ ") : إِذْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ (" لَهُ النِّعْمَةُ ") : أَيْ: جِنْسُهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أَوَّلُهُ نِعْمَةُ التَّوْفِيقِ، (" وَلَهُ الْفَضْلُ ") : بِالْقَوْلِ أَوِ التَّفَضُّلِ عَلَى عِبَادِهِ، (" وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ ") : عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَنِعَمِهِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ (" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ (" مُخْلِصِينَ ") : رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ (" لَهُ الدِّينَ ") ، أَيِ: الطَّاعَةَ (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، أَيْ: وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ جَمِيعُهُمْ، حَالَ كَوْنِنَا مُخْلِصِينَ دِينَ اللَّهِ، وَكَوْنِنَا عَابِدِينَ وَمُوَحِّدِينَ اللَّهَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مُخْلِصِينَ حَالٌ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى مَفْعُولِ كَرِهَ؛ أَيْ: نَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَالَ كَوْنِنَا مُخْلِصِينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ قَوْلَنَا (الدِّينَ) : مَفْعُولٌ بِهِ لِمُخْلِصِينَ، وَلَهُ: ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ " قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ تَكَلُّفٌ وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ نَعْبُدُ الْمَذْكُورِ اهـ، وَفِيهِ بُعْدٌ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1471

٩٦٤ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجِنِّ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٩٦٤ - (وَعَنْ سَعْدٍ) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ) ، أَيْ: أَوْلَادَهُ، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) ، أَيِ: الْآتِيَةَ (وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ) : تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أَوْ تَذَلُّلًا، لِلرَّبِّ لِلزِّيَادَةِ فِي الْقُرْبِ، (" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ ") : بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ، أَيِ: الْبُخْلُ فِي النَّفْسِ، وَعَدَمُ الْجَرَاءَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ ") : بِضَمِّ الْبَاءِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَبِفَتْحِهِمَا، أَيْ: مِنْ عَدَمِ النَّفْعِ إِلَى الْغَيْرِ بِالْمَالِ أَوِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ بِالنَّصِيحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُودُ إِمَّا بِالنَّفْسِ، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ وَيُقَابِلُهُ الْجُبْنُ، وَإِمَّا بِالْمَالِ وَهُوَ السَّخَاوَةُ وَيُقَابِلُهُ الْبُخْلُ، وَلَا تَجْتَمِعُ الشَّجَاعَةُ وَالسَّخَاوَةُ إِلَّا فِي نَفْسٍ كَامِلَةٍ، وَلَا يَنْعَدِمَانِ إِلَّا مِنْ مُتَنَاهٍ فِي النَّقْصِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ، وَأَرَادَ بِهِ الْهَرَمَ بِحَيْثُ يَنْقُصُ عَقْلُهُ وَتَضْعُفُ قُوَّتُهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعُمُرِ التَّفَكُّرُ فِي آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ، وَالْقِيَامُ بِمُوجِبِ شُكْرِهِ، وَهُوَ يَفُوتُ فِي أَرْذَلِ الْعُمُرِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا ") : بِأَنْ تَتَزَيَّنَ لِلسَّالِكِ وَتَغُرَّهُ وَتُنْسِيَهُ الْآخِرَةَ، وَيَأْخُذَ مِنْهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (" وَعَذَابِ الْقَبْرِ ") ، أَيْ: مِنْ مُوجِبَاتِ عَذَابِهِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1472

٩٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً "، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا» " بَدَلَ: " ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ". ــ ٩٦٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ) : مِنْ أَرْبَابِ الصِّفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَفْظُ الْأَرْبَعِينَ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) : بِضَمِّ الدَّالِ، جَمْعُ دَثْرٍ بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَسُكُونِ الثَّاءِ: وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ، (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى) ، أَيِ: الْعَالِيَةِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: ذَهَبَ أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَاسْتَصْحَبُوهَا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَلَمْ يَذْرُوَا لَنَا شَيْئًا فَمَا حَالُنَا؟ (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) ، أَيْ: وَبِالْعَيْشِ الدَّائِمِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ زِيَادَةُ النِّعْمَةِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ الطَّاعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالنَّعِيمِ الْعَاجِلِ فَإِنَّهُ عَلَى وَشْكِ الزَّوَالِ، (" قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ ") ، أَيْ: مَا سَبَبُهُ (" قَالُوا: ") ، لِأَنَّهُمْ (" يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ") ، أَيْ: فَرْضًا وَنَفْلًا (وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) : وَلَفْظُ " مَا " كَافَّةٌ تُصَحِّحُ دُخُولَ الْجَارِّ عَلَى الْفِعْلِ، وَتُفِيدُ تَشْبِيهَ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ كَقَوْلِكَ: يَكْتُبُ زَيْدٌ كَمَا يَكْتُبُ عَمْرٌو، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥] ، أَيْ: صَلَاتُهُمْ مِثْلُ صَلَاتِنَا وَصَوْمُهُمْ مِثْلُ صَوْمِنَا، (وَيَتَصَدَّقُونَ) : وَفِي الْأَرْبَعِينَ: بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، أَيْ: بِزَوَائِدِهَا، وَيَتَرَجَّحُونَ عَلَيْنَا فِي الثَّوَابِ وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ، (وَلَا نَتَصَدَّقُ) : وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيُجَاهِدُونَ كَمَا نُجَاهِدُ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْنَا بِأَنَّهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَنَحْنُ لَا نَتَصَدَّقُ مُوهِمٌ أَنَّ جُمْلَةَ: وَيُجَاهِدُونَ كَمَا نُجَاهِدُ لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، (وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ) : لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْمَالِ، وَلَا مَالَ لَنَا، فَلَهُمْ فَضْلٌ عَلَيْنَا بِزِيَادَةِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ ") : قُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ لِلصَّدَارَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَا أُسَلِّيكُمْ أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ، (" شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ ") ، أَيْ: مِنْ مُتَقَدِّمِي الْإِسْلَامِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ تُدْرِكُونَ بِهِ كَمَالَ مَنْ سَبَقَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ: " مَنْ قَبْلَكُمْ "، أَيْ: فِي الثَّوَابِ (" وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ ") ، أَيْ: تَسْبِقُونَ بِهِ أَمْثَالَكُمُ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ هَذِهِ الْأَذْكَارَ، فَتَكُونُ الْبُعْدِيَّةُ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ يَعْنِي: يُقَيَّدُ الْكَلَامُ بِالْوَصْفِ الْمُقَدَّرِ، بِمَعُونَةِ السِّيَاقِ وَالسِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِدْرَاكُهُمْ مَنْ سَبَقَهُمْ، وَسَبْقُهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ يَكُونُ بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ ﵇، وَكَوْنِهِمْ مِنْ قَرْنِهِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِسْلَامِ عَنْكُمْ، أَوِ الْوُجُودِ عَنْ عَصْرِكُمْ، قَالَ مِيرَكُ: إِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا يَحْصُلُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ ثَوَابُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمُ اسْتِثْنَاءً مِنْهُ أَيْضًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَعَقِّبَ لِلْجُمَلِ عَائِدٌ إِلَى كُلِّهَا، فَقَوْلُهُ: إِلَّا مَنْ صَنَعَ أَيْ: إِلَّا الْغَنِيَّ الَّذِي يُسَبِّحُ، فَإِنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ أَوْ مِثْلُكُمْ، نَعَمْ إِذَا قُلْنَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَيْضًا يَلْزَمُ قَطْعًا كَوْنُ الْأَغْنِيَاءِ أَفْضَلَ، إِذْ مَعْنَاهُ إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَالْأَغْنِيَاءُ إِذْ سَبَّحُوا يَتَرَجَّحُونَ فَيَبْقَى مَجَالُهُ مَا شَكَا الْفُقَرَاءُ مِنْهُ، وَهُوَ رُجْحَانُهُمْ مِنْ جِهَةِ التَّصَدُّقِ وَالْإِعْتَاقِ، وَسَائِرِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِسَبَبِ إِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ، قُلْتُ: مَقْصُودُ الْفُقَرَاءِ تَحْصِيلُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ لَهُمْ، لَا نَفْيُ زِيَادَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَفِيهِ أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، كَذَا أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْفُقَرَاءِ نَفْيُ رُجْحَانِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِمْ صُورَةُ تَأَمُّلٍ، (" وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ ") ، أَيْ: مِنَ الْأَغْنِيَاءِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ، (" أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ") .

стр. 1473

قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الْأَفْضَلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: " لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ "، مَعَ قَوْلِهِ: " إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ " ; فَإِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ، وَالْمِثْلِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ يَعْنِي: إِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، فَتَحْصُلُ الْأَفْضَلِيَّةُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيهَا، فَإِذَنْ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، هَذَا عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُسَاوُونَكُمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِأَحَدِ الْأَغْنِيَاءِ، أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ، (قَالُوا: بَلَى) ، أَيْ: عَلِّمْنَا ذَلِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ ") : إِخْبَارٌ بِمَعْنَى الْأَوَامِرِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ: " تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ "، (" دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، أَيْ: مَكْتُوبَةٍ (" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَبْلُغُ هَذَا الْعَدَدَ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ عَشْرٌ اهـ، الْأَنْسَبُ التَّأْيِيدُ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ. (قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ، أَيْ: رَاوِي أَبِي هُرَيْرَةَ (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) : بَدَلٌ، وَفَائِدَةُ الْبَدَلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ غِبْطَةٌ لَا حَسَدٌ (بِمَا فَعَلْنَا) : ضَمَّنَ سَمِعَ مَعْنَى الْإِخْبَارِ، فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ (فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) ، أَيْ: مِثْلَ مَا فَعَلْنَا وَإِطْلَاقُ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ شَائِعٌ سَائِغٌ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَلِكَ ") ، أَيِ: الزَّائِدُ مِنَ الثَّوَابِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ عَلَى الْجُودِ بِأَمْوَالِهِمْ مُنْضَمًّا إِلَى فِعْلِهِمْ مَا فَعَلَهُ الْفُقَرَاءُ، (" فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، نَعَمْ لَا يَخْلُو الْغَنِيُّ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْخَطَرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ آمَنُ اهـ. قَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ: " وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الْجُنَيْدُ وَالْخَوَّاصُ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى فَضْلِ الْفَقْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ الْقَائِمُ بِحَقِّهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْجُنَيْدَ دَعَا عَلَى ابْنِ عَطَاءٍ لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ فِي هَذَا، فَأَصَابَتْهُ مِحْنَةٌ "، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى إِذَا أُخِذَا مُطْلَقًا لَمْ يَسْتَرِبْ مَنْ قَرَأَ الْأَخْبَارَ وَالْآثَارَ فِي تَفْضِيلِ الْفَقْرِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ فَنَقُولُ: إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ فِي مَقَامَيْنِ، أَحَدِهِمَا: فَقِيرٌ صَابِرٌ لَيْسَ بِحَرِيصٍ عَلَى الطَّلَبِ، بَلْ هُوَ قَانِعٌ وَرَاضٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى غَنِيٍّ مُنْفِقٍ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ، لَيْسَ حَرِيصًا عَلَى إِمْسَاكِ الْمَالِ. الثَّانِي: فَقِيرٌ حَرِيصٌ مَعَ غَنِيٍّ حَرِيصٍ ; إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الْحَرِيصِ الْمُمْسِكِ، وَأَنَّ الْغَنِيَّ الْمُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ الْحَرِيصِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَرُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ الْغِنَى أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ، لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي ضَعْفِ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ، وَالْغَنِيُّ مُتَقَرِّبٌ بِالصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، وَالْفَقِيرُ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ظَنَّهُ ابْنُ عَطَاءٍ فِيمَا نَحْسَبُهُ، فَأَمَّا الْغَنِيُّ الْمُتَمَتِّعُ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَى الْفَقِيرِ الْقَانِعِ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ مَا رُوِيَ

стр. 1474

" فِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْفُقَرَاءَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْقَ الْأَغْنِيَاءِ بِالْخَيْرَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، فَعَلَّمَهُمْ كَلِمَاتٍ فِي التَّسْبِيحِ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَنَالُونَ بِهَا مَا فَوْقَ مَا نَالَهُ الْأَغْنِيَاءُ، فَعَلِمَ الْأَغْنِيَاءُ بِذَلِكَ، فَكَانُوا يَقُولُونَهُ فَعَادُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ ﵇: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " قَالَ: " وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ وَرَدَ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ ثَوَابَ الْفَقِيرِ فِي التَّسْبِيحِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْغَنِيِّ، وَأَنَّ فَوْزَهُمْ بِذَلِكَ الثَّوَابِ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. فَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ الْفُقَرَاءُ [رَسُولًا] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَسُولُ الْفُقَرَاءِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: " «مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ جِئْتَ مِنْ عِنْدَهُمْ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ أَحَبَّهُمُ اللَّهُ "، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ ذَهَبُوا بِالْجَنَّةِ، يَحُجُّونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَعْتَمِرُونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضُوا بَعَثُوا بِفَضْلِ أَمْوَالِهِمْ ذَخِيرَةً لَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " بَلِّغْ عَنِ الْفُقَرَاءِ أَنَّ لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَيْسَتْ لِلْأَغْنِيَاءِ، أَمَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ، كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَى نُجُومِ السَّمَاءِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَقِيرٌ، أَوْ شَهِيدٌ فَقِيرٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ. وَالثَّانِيَةُ: يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ الْغَنِيُّ: [سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ] ، وَقَالَ الْفَقِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْحَقِ الْغَنِيُّ بِالْفَقِيرِ، وَلَوْ أَنْفَقَ فِيهَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا "، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: رَضِينَا رَضِينَا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» "، أَيْ: مَزِيدُ ثَوَابِ الْفُقَرَاءِ عَلَى ذِكْرِهِمْ اهـ، كَلَامُهُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، مِنْهَا: أَنَّ الْكَفَافَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَقِيرَ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَمِنْهَا: أَنَّ التَّسْلِيمَ وَالرِّضَا تَحْتَ الْقَضَاءِ بِحُكْمِ الْمُولَى فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى هُوَ الْأَفْضَلُ، وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: الْغِنَى وَالْفَقْرُ مَطِيَّتَانِ لَا أُبَالِي أَيَّهُمَا أَرْكَبُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] نَعَمِ اخْتَارَ اللَّهُ الْفَقْرَ لِأَكْثَرِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، وَاخْتَارَ الْغِنَى لِأَكْثَرِ أَعْدَائِهِ، وَقَلِيلٍ مِنْ أَحِبَّائِهِ، فَاخْتَرْ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، أَوِ اخْتَرْ أَنْ لَا تَخْتَارَ، فَإِنَّ رَبَّكَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ " مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ. (وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ) : قَالَ مِيرَكُ: الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " «وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ إِلَخْ، (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (" «تُسَبِّحُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا " بَدَلَ: ثَلَاثًا» ") : نُصِبَ عَلَى الْحِكَايَةِ (" وَثَلَاثِينَ ") .

стр. 1475

٩٦٦ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦٦ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مُعَقِّبَاتٌ ") ، أَيْ: كَلِمَاتٌ يَأْتِي بَعْضُهَا عَقِبَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: كَلِمَاتٌ يُعَقِّبْنَ الثَّوَابَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهَا ; لِأَنَّهُنَّ يُعَقِّبْنَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَادَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقِيلَ: نَاسِخَاتٌ لِلذُّنُوبِ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] ، أَيْ: لَا نَاسِخَ لَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُعَقِّبَاتُ اللَّوَاتِي يَقُمْنَ عِنْدَ أَعْجَازِ الْإِبِلِ، الْمُعْتَرِكَاتُ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ نَاقَةٌ دَخَلَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَهِيَ النَّاظِرَاتُ لِلْعَقِبِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّسْبِيحَاتُ كُلَّمَا مَرَّتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ نَابَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى اهـ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ، أَوْ قَوْلُهُ: (" لَا يَخِيبُ ") ، أَيْ: لَا يَخْسَرُ (" قَائِلُهُنَّ ") : مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ الْجَزَاءِ (" - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْقَوْلُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ (" دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ") : ظَرْفُ الْقَوْلِ (" مَكْتُوبَةٍ ") ، أَيْ: مَفْرُوضَةٍ (" ثَلَاثٌ ") : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُنَّ ثَلَاثٌ (" وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (" مُعَقِّبَاتٌ ") : إِمَّا صِفَةُ مُبْتَدَأٍ أُقِيمَتْ، أَيْ: فِي الِابْتِدَائِيَّةِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ، أَيْ: كَلِمَاتٌ مُعَقِّبَاتٌ، وَ " لَا يَخِيبُ ": خَبَرُهُ، وَ " دُبُرَ ": ظَرْفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَائِلِهِنَّ، وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ، وَ " لَا يَخِيبُ ": صِفَتُهُ، وَالدُّبُرُ: صِفَةٌ أُخْرَى، وَثَلَاثٌ وَ " ثَلَاثُونَ خَبَرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُنَّ أَوْ هِيَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، (" وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ، وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ; لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ لَا يُقَاوِمُونَ مَنْ وَقَفَهُ فِي الْحِفْظِ اهـ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مَرْفُوعَةٌ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مَنْ طُرُقٍ أُخْرَى مَرْفُوعَةٍ مِنْ جِهَةِ مَنْصُورٍ وَشُعْبَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمَا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ، إِذَا رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا يَحْكُمُ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْهُمُ: الْبُخَارِيُّ وَالْآخَرُونَ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَاقِفُونَ أَكْثَرَ مِنَ الرَّافِعِينَ حُكِمَ بِالرَّفْعِ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا وَلَا تُرَدُّ بِتَقْصِيرٍ أَوْ نِسْيَانٍ حَصَلَ مِنْ وَاقِفِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
следующие страницы →