← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٩٦٤ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجِنِّ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٩٦٤ - (وَعَنْ سَعْدٍ) ، أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ) ، أَيْ: أَوْلَادَهُ، وَفِيهِ تَغْلِيبٌ (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) ، أَيِ: الْآتِيَةَ (وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ) : تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أَوْ تَذَلُّلًا، لِلرَّبِّ لِلزِّيَادَةِ فِي الْقُرْبِ، (" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ ") : بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ، أَيِ: الْبُخْلُ فِي النَّفْسِ، وَعَدَمُ الْجَرَاءَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ ") : بِضَمِّ الْبَاءِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ، وَبِفَتْحِهِمَا، أَيْ: مِنْ عَدَمِ النَّفْعِ إِلَى الْغَيْرِ بِالْمَالِ أَوِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ بِالنَّصِيحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُودُ إِمَّا بِالنَّفْسِ، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ وَيُقَابِلُهُ الْجُبْنُ، وَإِمَّا بِالْمَالِ وَهُوَ السَّخَاوَةُ وَيُقَابِلُهُ الْبُخْلُ، وَلَا تَجْتَمِعُ الشَّجَاعَةُ وَالسَّخَاوَةُ إِلَّا فِي نَفْسٍ كَامِلَةٍ، وَلَا يَنْعَدِمَانِ إِلَّا مِنْ مُتَنَاهٍ فِي النَّقْصِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ، وَأَرَادَ بِهِ الْهَرَمَ بِحَيْثُ يَنْقُصُ عَقْلُهُ وَتَضْعُفُ قُوَّتُهُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعُمُرِ التَّفَكُّرُ فِي آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ، وَالْقِيَامُ بِمُوجِبِ شُكْرِهِ، وَهُوَ يَفُوتُ فِي أَرْذَلِ الْعُمُرِ، (" وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا ") : بِأَنْ تَتَزَيَّنَ لِلسَّالِكِ وَتَغُرَّهُ وَتُنْسِيَهُ الْآخِرَةَ، وَيَأْخُذَ مِنْهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (" وَعَذَابِ الْقَبْرِ ") ، أَيْ: مِنْ مُوجِبَاتِ عَذَابِهِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1472

٩٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً "، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا» " بَدَلَ: " ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ". ــ ٩٦٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ) : مِنْ أَرْبَابِ الصِّفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَفْظُ الْأَرْبَعِينَ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) : بِضَمِّ الدَّالِ، جَمْعُ دَثْرٍ بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَسُكُونِ الثَّاءِ: وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ، (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى) ، أَيِ: الْعَالِيَةِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: ذَهَبَ أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَاسْتَصْحَبُوهَا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَلَمْ يَذْرُوَا لَنَا شَيْئًا فَمَا حَالُنَا؟ (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) ، أَيْ: وَبِالْعَيْشِ الدَّائِمِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ زِيَادَةُ النِّعْمَةِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ الطَّاعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالنَّعِيمِ الْعَاجِلِ فَإِنَّهُ عَلَى وَشْكِ الزَّوَالِ، (" قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ ") ، أَيْ: مَا سَبَبُهُ (" قَالُوا: ") ، لِأَنَّهُمْ (" يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ") ، أَيْ: فَرْضًا وَنَفْلًا (وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) : وَلَفْظُ " مَا " كَافَّةٌ تُصَحِّحُ دُخُولَ الْجَارِّ عَلَى الْفِعْلِ، وَتُفِيدُ تَشْبِيهَ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ كَقَوْلِكَ: يَكْتُبُ زَيْدٌ كَمَا يَكْتُبُ عَمْرٌو، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥] ، أَيْ: صَلَاتُهُمْ مِثْلُ صَلَاتِنَا وَصَوْمُهُمْ مِثْلُ صَوْمِنَا، (وَيَتَصَدَّقُونَ) : وَفِي الْأَرْبَعِينَ: بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، أَيْ: بِزَوَائِدِهَا، وَيَتَرَجَّحُونَ عَلَيْنَا فِي الثَّوَابِ وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ، (وَلَا نَتَصَدَّقُ) : وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيُجَاهِدُونَ كَمَا نُجَاهِدُ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْنَا بِأَنَّهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَنَحْنُ لَا نَتَصَدَّقُ مُوهِمٌ أَنَّ جُمْلَةَ: وَيُجَاهِدُونَ كَمَا نُجَاهِدُ لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، (وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ) : لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْمَالِ، وَلَا مَالَ لَنَا، فَلَهُمْ فَضْلٌ عَلَيْنَا بِزِيَادَةِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ ") : قُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ لِلصَّدَارَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَا أُسَلِّيكُمْ أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ، (" شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ ") ، أَيْ: مِنْ مُتَقَدِّمِي الْإِسْلَامِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ تُدْرِكُونَ بِهِ كَمَالَ مَنْ سَبَقَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ: " مَنْ قَبْلَكُمْ "، أَيْ: فِي الثَّوَابِ (" وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ ") ، أَيْ: تَسْبِقُونَ بِهِ أَمْثَالَكُمُ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ هَذِهِ الْأَذْكَارَ، فَتَكُونُ الْبُعْدِيَّةُ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ يَعْنِي: يُقَيَّدُ الْكَلَامُ بِالْوَصْفِ الْمُقَدَّرِ، بِمَعُونَةِ السِّيَاقِ وَالسِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِدْرَاكُهُمْ مَنْ سَبَقَهُمْ، وَسَبْقُهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ يَكُونُ بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ ﵇، وَكَوْنِهِمْ مِنْ قَرْنِهِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِسْلَامِ عَنْكُمْ، أَوِ الْوُجُودِ عَنْ عَصْرِكُمْ، قَالَ مِيرَكُ: إِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا يَحْصُلُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ ثَوَابُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمُ اسْتِثْنَاءً مِنْهُ أَيْضًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَعَقِّبَ لِلْجُمَلِ عَائِدٌ إِلَى كُلِّهَا، فَقَوْلُهُ: إِلَّا مَنْ صَنَعَ أَيْ: إِلَّا الْغَنِيَّ الَّذِي يُسَبِّحُ، فَإِنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ أَوْ مِثْلُكُمْ، نَعَمْ إِذَا قُلْنَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَيْضًا يَلْزَمُ قَطْعًا كَوْنُ الْأَغْنِيَاءِ أَفْضَلَ، إِذْ مَعْنَاهُ إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَالْأَغْنِيَاءُ إِذْ سَبَّحُوا يَتَرَجَّحُونَ فَيَبْقَى مَجَالُهُ مَا شَكَا الْفُقَرَاءُ مِنْهُ، وَهُوَ رُجْحَانُهُمْ مِنْ جِهَةِ التَّصَدُّقِ وَالْإِعْتَاقِ، وَسَائِرِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِسَبَبِ إِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ، قُلْتُ: مَقْصُودُ الْفُقَرَاءِ تَحْصِيلُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ لَهُمْ، لَا نَفْيُ زِيَادَتِهِمْ مُطْلَقًا، وَفِيهِ أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، كَذَا أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْفُقَرَاءِ نَفْيُ رُجْحَانِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِسُؤَالِهِمْ صُورَةُ تَأَمُّلٍ، (" وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ ") ، أَيْ: مِنَ الْأَغْنِيَاءِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ، (" أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ") .

стр. 1473

قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الْأَفْضَلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: " لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ "، مَعَ قَوْلِهِ: " إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ " ; فَإِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ، وَالْمِثْلِيَّةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ يَعْنِي: إِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، فَتَحْصُلُ الْأَفْضَلِيَّةُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيهَا، فَإِذَنْ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، هَذَا عَلَى مَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُسَاوُونَكُمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِأَحَدِ الْأَغْنِيَاءِ، أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ، (قَالُوا: بَلَى) ، أَيْ: عَلِّمْنَا ذَلِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ ") : إِخْبَارٌ بِمَعْنَى الْأَوَامِرِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ: " تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ "، (" دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، أَيْ: مَكْتُوبَةٍ (" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَبْلُغُ هَذَا الْعَدَدَ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ عَشْرٌ اهـ، الْأَنْسَبُ التَّأْيِيدُ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ. (قَالَ أَبُو صَالِحٍ) ، أَيْ: رَاوِي أَبِي هُرَيْرَةَ (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) : بَدَلٌ، وَفَائِدَةُ الْبَدَلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ غِبْطَةٌ لَا حَسَدٌ (بِمَا فَعَلْنَا) : ضَمَّنَ سَمِعَ مَعْنَى الْإِخْبَارِ، فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ (فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) ، أَيْ: مِثْلَ مَا فَعَلْنَا وَإِطْلَاقُ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ شَائِعٌ سَائِغٌ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَلِكَ ") ، أَيِ: الزَّائِدُ مِنَ الثَّوَابِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ عَلَى الْجُودِ بِأَمْوَالِهِمْ مُنْضَمًّا إِلَى فِعْلِهِمْ مَا فَعَلَهُ الْفُقَرَاءُ، (" فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، نَعَمْ لَا يَخْلُو الْغَنِيُّ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الْخَطَرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ آمَنُ اهـ. قَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ: " وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الْجُنَيْدُ وَالْخَوَّاصُ وَالْأَكْثَرُونَ إِلَى فَضْلِ الْفَقْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ الْقَائِمُ بِحَقِّهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْجُنَيْدَ دَعَا عَلَى ابْنِ عَطَاءٍ لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ فِي هَذَا، فَأَصَابَتْهُ مِحْنَةٌ "، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى إِذَا أُخِذَا مُطْلَقًا لَمْ يَسْتَرِبْ مَنْ قَرَأَ الْأَخْبَارَ وَالْآثَارَ فِي تَفْضِيلِ الْفَقْرِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ فَنَقُولُ: إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ فِي مَقَامَيْنِ، أَحَدِهِمَا: فَقِيرٌ صَابِرٌ لَيْسَ بِحَرِيصٍ عَلَى الطَّلَبِ، بَلْ هُوَ قَانِعٌ وَرَاضٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى غَنِيٍّ مُنْفِقٍ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ، لَيْسَ حَرِيصًا عَلَى إِمْسَاكِ الْمَالِ. الثَّانِي: فَقِيرٌ حَرِيصٌ مَعَ غَنِيٍّ حَرِيصٍ ; إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الْحَرِيصِ الْمُمْسِكِ، وَأَنَّ الْغَنِيَّ الْمُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ الْحَرِيصِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَرُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ الْغِنَى أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ، لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي ضَعْفِ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ، وَالْغَنِيُّ مُتَقَرِّبٌ بِالصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، وَالْفَقِيرُ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ظَنَّهُ ابْنُ عَطَاءٍ فِيمَا نَحْسَبُهُ، فَأَمَّا الْغَنِيُّ الْمُتَمَتِّعُ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَى الْفَقِيرِ الْقَانِعِ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ مَا رُوِيَ

стр. 1474

" فِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْفُقَرَاءَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْقَ الْأَغْنِيَاءِ بِالْخَيْرَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، فَعَلَّمَهُمْ كَلِمَاتٍ فِي التَّسْبِيحِ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَنَالُونَ بِهَا مَا فَوْقَ مَا نَالَهُ الْأَغْنِيَاءُ، فَعَلِمَ الْأَغْنِيَاءُ بِذَلِكَ، فَكَانُوا يَقُولُونَهُ فَعَادُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ ﵇: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " قَالَ: " وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ وَرَدَ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ ثَوَابَ الْفَقِيرِ فِي التَّسْبِيحِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْغَنِيِّ، وَأَنَّ فَوْزَهُمْ بِذَلِكَ الثَّوَابِ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. فَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَ الْفُقَرَاءُ [رَسُولًا] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَسُولُ الْفُقَرَاءِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: " «مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ جِئْتَ مِنْ عِنْدَهُمْ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ أَحَبَّهُمُ اللَّهُ "، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ ذَهَبُوا بِالْجَنَّةِ، يَحُجُّونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَعْتَمِرُونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضُوا بَعَثُوا بِفَضْلِ أَمْوَالِهِمْ ذَخِيرَةً لَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " بَلِّغْ عَنِ الْفُقَرَاءِ أَنَّ لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَيْسَتْ لِلْأَغْنِيَاءِ، أَمَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ، كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَى نُجُومِ السَّمَاءِ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَقِيرٌ، أَوْ شَهِيدٌ فَقِيرٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ. وَالثَّانِيَةُ: يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ الْغَنِيُّ: [سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ] ، وَقَالَ الْفَقِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْحَقِ الْغَنِيُّ بِالْفَقِيرِ، وَلَوْ أَنْفَقَ فِيهَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا "، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: رَضِينَا رَضِينَا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» "، أَيْ: مَزِيدُ ثَوَابِ الْفُقَرَاءِ عَلَى ذِكْرِهِمْ اهـ، كَلَامُهُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، مِنْهَا: أَنَّ الْكَفَافَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَقِيرَ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَمِنْهَا: أَنَّ التَّسْلِيمَ وَالرِّضَا تَحْتَ الْقَضَاءِ بِحُكْمِ الْمُولَى فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى هُوَ الْأَفْضَلُ، وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: الْغِنَى وَالْفَقْرُ مَطِيَّتَانِ لَا أُبَالِي أَيَّهُمَا أَرْكَبُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] نَعَمِ اخْتَارَ اللَّهُ الْفَقْرَ لِأَكْثَرِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، وَاخْتَارَ الْغِنَى لِأَكْثَرِ أَعْدَائِهِ، وَقَلِيلٍ مِنْ أَحِبَّائِهِ، فَاخْتَرْ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، أَوِ اخْتَرْ أَنْ لَا تَخْتَارَ، فَإِنَّ رَبَّكَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ " مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ. (وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ) : قَالَ مِيرَكُ: الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " «وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ إِلَخْ، (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (" «تُسَبِّحُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا " بَدَلَ: ثَلَاثًا» ") : نُصِبَ عَلَى الْحِكَايَةِ (" وَثَلَاثِينَ ") .

стр. 1475

٩٦٦ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦٦ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مُعَقِّبَاتٌ ") ، أَيْ: كَلِمَاتٌ يَأْتِي بَعْضُهَا عَقِبَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: كَلِمَاتٌ يُعَقِّبْنَ الثَّوَابَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهَا ; لِأَنَّهُنَّ يُعَقِّبْنَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَادَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقِيلَ: نَاسِخَاتٌ لِلذُّنُوبِ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] ، أَيْ: لَا نَاسِخَ لَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُعَقِّبَاتُ اللَّوَاتِي يَقُمْنَ عِنْدَ أَعْجَازِ الْإِبِلِ، الْمُعْتَرِكَاتُ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ نَاقَةٌ دَخَلَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَهِيَ النَّاظِرَاتُ لِلْعَقِبِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّسْبِيحَاتُ كُلَّمَا مَرَّتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ نَابَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى اهـ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ، أَوْ قَوْلُهُ: (" لَا يَخِيبُ ") ، أَيْ: لَا يَخْسَرُ (" قَائِلُهُنَّ ") : مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ الْجَزَاءِ (" - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْقَوْلُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ (" دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ") : ظَرْفُ الْقَوْلِ (" مَكْتُوبَةٍ ") ، أَيْ: مَفْرُوضَةٍ (" ثَلَاثٌ ") : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُنَّ ثَلَاثٌ (" وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (" مُعَقِّبَاتٌ ") : إِمَّا صِفَةُ مُبْتَدَأٍ أُقِيمَتْ، أَيْ: فِي الِابْتِدَائِيَّةِ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ، أَيْ: كَلِمَاتٌ مُعَقِّبَاتٌ، وَ " لَا يَخِيبُ ": خَبَرُهُ، وَ " دُبُرَ ": ظَرْفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَائِلِهِنَّ، وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ، وَ " لَا يَخِيبُ ": صِفَتُهُ، وَالدُّبُرُ: صِفَةٌ أُخْرَى، وَثَلَاثٌ وَ " ثَلَاثُونَ خَبَرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُنَّ أَوْ هِيَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، (" وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ، وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ; لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ لَا يُقَاوِمُونَ مَنْ وَقَفَهُ فِي الْحِفْظِ اهـ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا مَرْفُوعَةٌ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مَنْ طُرُقٍ أُخْرَى مَرْفُوعَةٍ مِنْ جِهَةِ مَنْصُورٍ وَشُعْبَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمَا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ، إِذَا رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَمَوْقُوفًا يَحْكُمُ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْهُمُ: الْبُخَارِيُّ وَالْآخَرُونَ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَاقِفُونَ أَكْثَرَ مِنَ الرَّافِعِينَ حُكِمَ بِالرَّفْعِ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ، فَوَجَبَ قَبُولُهَا وَلَا تُرَدُّ بِتَقْصِيرٍ أَوْ نِسْيَانٍ حَصَلَ مِنْ وَاقِفِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1476

٩٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، أَيْ: فَرِيضَةٍ (" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ") : بِكَسْرِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ (" ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ") ، أَيْ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَحَذْفُهُ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ الْأَوَّلِ. (" فَتِلْكَ ") ، أَيِ: التَّسْبِيحَاتُ وَالتَّحْمِيدَاتُ وَالتَّكْبِيرَاتُ (" تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ") : عِلْمُ الْجُمْلَةِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، وَيُسَمَّى فَذْلَكَةً لِيُحَاطَ بِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَيَتَأَكَّدَ الْعِلْمُ، إِذْ عِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَقَالَ) : وَفِي الْحِصْنِ: ثُمَّ قَالَ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقِيلَ: ذَلِكَ الْقَائِلُ يَعْنِي ذِكْرَ (تَمَامَ الْمِائَةِ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَقِيلَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (" وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ

стр. 1477

أَنَّ لَفْظَ: " تَمَامَ " إِمَّا مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِقَالَ، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى جُمْلَةٌ، إِذْ مَا بَعْدَهُ عَطْفُ بَيَانٍ، أَوْ بَدَلٌ أَوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، فَصَحَّ كَوْنُهُ مَقُولَ الْقَوْلِ، وَالْمُرَادُ مِنْ " تَمَامَ الْمِائَةِ " مَا تُتِمُّ بِهِ الْمِائَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِالظَّرْفِيَّةِ، أَيْ: فِي وَقْتِ تَمَامِ الْمِائَةِ، أَيْ: عِنْدَ إِرَادَةِ تَمَامِهَا، وَالْعَامِلُ فِيهِ لَفْظُ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَفْظَةُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَلٌ مِنْ سَبَّحَ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ وَالْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى مَنْ سَبَّحَ، أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَخْ، فَيَكُونُ تَمَامُ مَعَ خَبَرِهِ حَالًا مِنْ ضَمِيرٍ سَبَّحَ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: حَالَ كَوْنِ تَمَامِ مِائَةٍ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ، فَلَفْظَةُ قَالَ عَلَى هَذَا تَكُونُ لِلرَّاوِي، وَضَمِيرُهُ عَائِدٌ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَعَلَيْهِمَا الْجَزَاءُ، إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّرْطِ إِذَا وَقَعَ تَمَامُ الْمِائَةِ التَّهْلِيلُ الْمَذْكُورُ، (" وَحْدَهُ ") : جَوَّزَ الْكُوفِيَّةُ كَوْنَ الْحَالِ مَعْرِفَةً، وَالْبَصْرِيَّةُ أَوَّلُوهَا بِالنَّكِرَةِ وَقَالُوا: مَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا أَيْ بِالْأُلُوهِيَّةِ، (" لَا شَرِيكَ لَهُ ") : فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ (" لَهُ الْمُلْكُ ") : جِنْسُ الْمُلْكِ، يُعْطَى مِنْهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ (" وَلَهُ الْحَمْدُ ") : الْمَصْدَرِيَّةُ الشَّامِلَةُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِيَّةِ فَهُوَ الْحَامِدُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ، وَتَقْدِيمُ لَامِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَقَامَيْنِ لِمُرِيدِ مُقَامِ الْخَوَاصِّ (" وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ") : مِنَ الْمُمْكِنَاتِ (" قَدِيرٌ ") : لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ تَعَلَّقَتْ بِهِ قُدْرَتُهُ (" غُفِرَتْ خَطَايَاهُ ") : هَذَا جَزَاءُ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَطَايَا الذُّنُوبُ الصَّغَائِرُ، وَيُحْتَمَلُ الْكَبَائِرُ، (" وَإِنْ كَانَتْ ") : أَيْ فِي الْكَثْرَةِ أَوْ فِي الْعَظَمَةِ (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ") : وَهُوَ مَا يَعْلُو عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ وَتَمَوُّجِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً ذُكِرَ بَعْضُهَا وَنَذْكُرُ بَاقِيهَا، فَنَقُولُ: وَرَدَ التَّسْبِيحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَعَشَرَةً، وَثَلَاثًا، وَمَرَّةً وَاحِدَةً، وَسَبْعِينَ وَمِائَةً، وَوَرَدَ التَّحْمِيدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَعَشَرَةً، وَمِائَةً وَوَرَدَ التَّهْلِيلُ عَشَرَةً، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَمِائَةً، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَمَا زَادَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ صُدُورَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، أَوْ يَفْتَرِقُ بِافْتِرَاقِ الْأَحْوَالِ اهـ.

стр. 1478

وَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ، وَوَرَدَ: أَنَّهُ قَالَ " «وَاعْقِدُوهُ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» " وَجَاءَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: «نِعْمَ الْمُذَكِّرُ الْمِسْبَحَةَ» ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفُ عُقْدَةٍ فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يُسَبِّحُ بِالنَّوَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالرِّوَايَاتُ فِي التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى كَثِيرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَبَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ رَآهَا ﵇، وَأَقَرَّ عَلَيْهَا، قِيلَ: وَعَقْدُ التَّسْبِيحِ بِالْأَنَامِلِ أَفْضَلُ مِنَ الْمِسْبَحَةِ، وَقِيلَ: إِنْ أَمِنَ الْغَلَطَ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِلَّا فَهِيَ أَوْلَى.

стр. 1479

الْفَصْلُ الثَّانِي ٩٦٨ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: «يَا رَسُولُ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٩٦٨ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟) ، أَيْ: أَوْفَقُ إِلَى السَّمَاعِ أَوْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ (قَالَ: " جَوْفُ اللَّيْلِ ") : رُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ مَرْفُوعًا، أَيْ: دُعَاءُ جَوْفِ اللَّيْلِ أَسْمَعُ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ جَوْفٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ: فِي جَوْفِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى حَذْفَ الْمُضَافِ وَتَرْكَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى إِعْرَابِهِ اهـ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ الرِّوَايَةُ، ثُمَّ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي السُّؤَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَيُّ السَّاعَاتِ أَسْمَعُ مِنْ بَابِ نَهَارَهُ صَائِمٌ، يَعْنِي أَسْمَعُ فِيهَا الدُّعَاءُ وَأَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، فَالرَّفْعُ حِينَئِذٍ فِي الْجَوَابِ بِتَقْدِيرِ هُوَ وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ الْإِعْرَابِ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ يَرَى تَقْدِيرَ مُضَافٍ فِي الْجَوَابِ كُلِّهِ قِيلَ دُعَاءُ حَرْفِ اللَّيْلِ، (وَالْآخِرِ ") : صِفَةُ جَوْفٍ، فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِعْرَابِ، قِيلَ: وَالْجَوْفُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ هُوَ وَسْطُ النِّصْفِ الْآخِرِ مِنَ اللَّيْلِ بِسُكُونِ السِّينِ لَا بِالتَّحْرِيكِ. (" وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ") : عَطْفٌ عَلَى (جَوْفُ) ، تَابِعٌ لَهُ فِي الْإِعْرَابِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: السُّكُوتُ عَنِ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ رِضَاءً بِمَا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: يَدْعُو بِلِسَانِهِ وَيَرْضَى بِجَنَانِهِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْأَوْقَاتُ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِي بَعْضِ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ بِأَنْ يَجِدَ فِي قَلْبِهِ إِشَارَةً إِلَيْهِ وَهُوَ الْأَدَبُ، وَفِي بَعْضِ السُّكُوتِ أَفْضَلُ بِأَنْ يَجِدَ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَدَبُ أَيْضًا، قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَصِيبٌ، أَوْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَالدُّعَاءُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ لِنَفْسِ الدَّاعِي فِيهِ حَظٌّ، فَالسُّكُوتُ أَتَمُّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ - غَيْرُ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

стр. 1480

٩٦٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ» ، رَوَاهُ احْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". ــ ٩٦٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ وَتُفْتَحُ (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) : وَفِي الْحِصْنِ: " دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ "، قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: " أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ "، قَالَ الطِّيبِيُّ: " فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ: " بِالْمُعَوِّذَاتِ "، وَفِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ، " بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ "، فَعَلَى الْأَوَّلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ وَالْكَافِرُونَ إِمَّا تَغْلِيبًا " يَعْنِي: لِأَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَكْثَرُ " أَوْ ; لِأَنَّ فِي كِلْتَيْهِمَا " - يَعْنِي الْإِخْلَاصَ وَالْكَافِرُونَ " بَرَاءَةً مِنَ الشِّرْكِ، وَالْتِجَاءً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى " يَعْنِي: فَفِيهِمَا مَعْنَى التَّعَوُّذِ أَيْضًا، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

стр. 1481

٩٧٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ: اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٩٧٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأَنْ أَقْعُدَ ") ، أَيْ: لَقُعُودِي وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ لِلْقَسَمِ، (" مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ") : وَهُوَ يَعُمُّ الدُّعَاءَ وَالتِّلَاوَةَ وَمُذَاكَرَةَ الْعِلْمِ وَذِكْرَ الصَّالِحِينَ (" مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ") ، أَيِ: الصُّبْحِ (" حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ ") ، أَيْ: أَفْضَلُ: (" إِلَيَّ ") ، أَيْ: عِنْدِي (" مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ") : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِضَمِّ الْأَوَّلِ وَسُكُونٍ الثَّانِي، خَصَّصَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِشَرَفِهِمْ وَإِنَافَتَهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ، وَلِقُرْبِهِمْ مِنْهُ ﵇ وَمَزِيدِ اهْتِمَامِهِ بِهِمْ، (" «وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً» ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِطْلَاقُ الْأَرِقَّا وَالْعِتْقِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، يَعْنِي فَلَا يَصْلُحُ كَوْنُهُ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ضَرْبُ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ ; إِذْ لَوِ امْتَنَعَ رِقُّهُمْ لَمْ يَقُلْ ﵇ إِنَّ هَذَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ عِتْقِهِمْ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: فِيهِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ لِلشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاضِحٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَوْضَحَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَخْصِيصُ الْأَرْبَعَةِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْهُ ﵇ وَيَجِبُ عَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِانْقِسَامِ الْعَمَلِ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةً، وَقِيلَ فِي بَيَانِهِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ أَرْبَعَةٍ لِأَنَّ الْمُفَضَّلَ مَجْمُوعُ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: ذِكْرُ اللَّهِ، وَالْقُعُودُ لَهُ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِمْرَارُ بِهِ إِلَى الطُّلُوعِ أَوِ الْغُرُوبِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْقُعُودُ أَيْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَكَوْنِهِ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الْغَدْوَةِ أَوِ الْعَصْرِ وَاسْتِمْرَارُهُ إِلَى الطُّلُوعِ أَوِ الْغُرُوبِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُعُودِ مَعَهُمُ اسْتِمْرَارُهُ مَعَهُمْ فَلَا يُنَافِي قِيَامَهُ تَعْظِيمًا لِبَعْضِهِمْ حَيًّا أَوْ لِجِنَازَتِهِمْ مَيِّتًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَرْبَعَةٌ أَوَّلًا مَعْرِفَةٌ وَفِي الثَّانِي نَكِرَةٌ ; لِتُفِيدَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ هُنَا غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ ثَمَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّ إِعَادَةَ النَّكِرَةِ بِعَيْنِهَا تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بِخِلَافِ الْمَعْرِفَةِ اهـ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ مَبْنًى وَمَعْنًى مَعَ أَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى أَيْضًا، وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: " أَرْبَعَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ دِيَةُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، فَانْدَفَعَ تَرْدِيدُ ابْنِ حَجَرٍ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ حَيْثُ قَالَ: وَلَمْ يَقُلْ هُنَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُرَادٌ، وَحُذِفَ مِنَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَوَائِلَ النَّهَارِ أَحَقُّ بِأَنْ تُسْتَغْرَقَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ النَّشَاطَ فِيهَا أَكْثَرُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ صَحَّ فِيهِ أَنَّ إِحْيَاءَهُ بِالذِّكْرِ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ يَرِدْ نَظِيرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ اهـ، وَقَدْ يُقَالُ آخِرُ النَّهَارِ أَوْلَى بِأَنْ يُسْتَغْرَقَ بِالذِّكْرِ تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ نَفْيُ مَا عَدَاهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ.

стр. 1482

٩٧١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ - كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ "، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٩٧١ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ» ) ، أَيِ: اسْتَمَرَّ فِي مَكَانِهِ وَمَسْجِدِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، فَلَا يُنَافِيهِ الْقِيَامُ لِطَوَافٍ أَوْ لِطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ مَجْلِسِ وَعْظٍ فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ وَكَذَا لَوْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الذِّكْرِ، ( «وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ تُسَمَّى صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ وَهِيَ أَوَّلُ الضُّحَى (" كَانَتْ ") ، أَيِ: الْمَثُوبَةُ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ هَذِهِ الْحَالَةُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ كُلِّهَا (" لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ " قَالَ) : أَيْ: أَنَسٌ ( «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» ) : صِفَةٌ لِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: أَعَادَ الْقَوْلَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالتَّمَامِ وَتَكْرَارِهِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا التَّشْبِيهُ مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ تَرْغِيبًا، أَوْ شَبَّهَ اسْتِيفَاءَ أَجْرِ الْمُصَلِّي تَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ أَجْرِ الْحَاجِّ تَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا وَصْفُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالتَّمَامِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَالَغَةِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 1483

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٧٢ - وَعَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى أَبَا رِمْثَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ، أَوْ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَقَامَ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ، فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَاتِهِمْ فَصْلٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَصَرَهُ، فَقَالَ: " أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٩٧٢ - (عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدِّدُ (أَبَا رِمْثَةَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ (قَالَ) ، أَيْ: أَبُو رِمْثَةَ (صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ) : الْإِشَارَةُ هُنَا لَيْسَتْ لِلْخَارِجِ ; لِأَنَّ عَيْنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ الْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ لَمْ يُصَلِّهِ مَعَهُ ﵇، وَإِنَّمَا الَّذِي صَلَّاهُ مَعَهُ نَظِيرُهُ، فَتَعَيَّنَتِ الْإِشَارَةُ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْخَارِجِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَا قَالَ (أَوْ) : عَلَى الشَّكِّ (مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ) ، أَيْ: أَبُو رِمْثَةَ (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ) : لِقَوْلِهِ ﵇: " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ» "، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَ ذَلِكَ اسْتِطْرَادًا إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْقِصَّةُ، وَفِيهِ إِفَادَةُ الْحَثِّ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَحَرِّي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ تَحَرِّي يَمِينِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ أَفْضَلُ (وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى) ، أَيْ: تَكْبِيرَةَ التَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهَا الْأُولَى حَقِيقَةً أَوْ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهَا تَكْبِيرَةُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى (مِنَ الصَّلَاةِ) : احْتِرَازٌ مِنَ التَّكْبِيرِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، أَيْ: تَكْبِيرَةُ التَّحْرِيمَةِ، وَوَجْهُ ذِكْرِهَا مَزِيدُ بَيَانِ أَنَّ مُدْرِكَهَا إِنَّمَا قَامَ عَقِبَ صَلَاتِهِ لِصَلَاةِ السُّنَّةِ لَا لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقُومُ لِإِكْمَالِهِ، ( «فَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ » ) ، أَيْ: صَلَاتَهُ (ثُمَّ سَلَّمَ) ، أَيْ: مَائِلًا وَمُنْصَرِفًا (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ) : وَلَيْسَ فِيهِ سَلَامٌ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ (حَتَّى رَأَيْنَا) : مُتَعَلِّقٌ بِالْمُقَدَّرِ الْمَذْكُورِ (بَيَاضَ خَدَّيْهِ) ، أَيْ: مِنْ طَرَفَيْ وَجْهِهِ، أَيْ: خَدَّهُ الْأَيْمَنَ فِي الْأُولَى وَالْأَيْسَرَ فِي الثَّانِيَةِ (ثُمَّ انْفَتَلَ) : أَيِ انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ (كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ) ، أَيْ: كَانْفِتَالِي جَرَّدَ عَنْ نَفْسِهِ أَبَا رِمْثَةَ وَوَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ مَزِيدًا لِلْبَيَانِ كَمَا بَيَّنَهُ الطِّيبِيُّ، وَلِذَا قَالَ الرَّاوِي، (- يَعْنِي) ، أَيْ: يُرِيدُ أَبُو رِمْثَةَ بِقَوْلِهِ أَبِي رِمْثَةَ (نَفْسَهُ -) ، أَيْ: ذَاتَهُ لَا غَيْرَهُ ( «فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ

стр. 1484

الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ» ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، أَيْ: يُرِيدُ يُصَلِّي شَفْعًا مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّفْعُ ضَمَّ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ يَعْنِي: قَامَ الرَّجُلُ يَشْفَعُ الصَّلَاةَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى (فَوَثَبَ [إِلَيْهِ] عُمَرُ) ، أَيْ: قَامَ بِسُرْعَةٍ (فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: بِمَنْكِبِهِ عَلَى الْإِفْرَادِ (فَهَزَّهُ) : بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: حَرَّكَهُ بِعُنْفٍ (ثُمَّ قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (اجْلِسْ، فَإِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنَ ( [لَمْ] يُهْلِكْ) : بِضَمِّ الْيَاءِ يَجُوزُ فَتْحُهَا (أَهْلَ الْكِتَابِ) : بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَرَفْعِ أَهْلِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنَ (لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَاتِهِمْ) ، أَيْ: (بَيْنَ) ، صَلَوَاتِهِمْ، إِذْ بَيْنَ لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى مُتَعَدِّدٍ (فَصْلٌ) ، أَيْ: فَرْقٌ بِالتَّسْلِيمِ أَوِ التَّحْوِيلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا أُمِرُوا بِالْفَصْلِ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ فَاعْتَقَدُوا اتِّصَالَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَصَلَّوْا، أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤَهِّلُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ عَقِبَ صَلَاتِهِمْ، فَأَدَّى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ الْمُودِيَةِ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ، قَالَ الطَّيْبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْفَصْلِ تَرْكُ الذِّكْرِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَالتَّقْدِيرُ لَنْ يُهْلِكَهُمْ شَيْءٌ إِلَّا عَدَمُ الْفَصْلِ، وَاسْتِعْمَالُ لَنْ فِي الْمَاضِي مَعْنًى دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِمْرَارِ هَلَاكِهِمْ. الْجَوْهَرِيُّ: هَلَكَهُ يُهْلِكُهُ وَهَلَكَ بِنَفْسِهِ هَلَاكًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: هَلَكَ كَضَرَبَ وَمَنَعَ وَعَلِمَ هُلْكًا بِالضَّمِّ، وَمَهْلَكَةً وَتَهْلُكَةً مُثَلَّثَيْ اللَّامِ: مَاتَ وَأَهْلَكَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ وَهَلَكَهُ يُهْلِكُهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. انْتَهَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لَازِمًا فِي الْحَدِيثِ، فَالتَّقْدِيرُ مَا هَلَكُوا إِلَّا لِعَدَمِ كَوْنِ الْفَصْلِ بَيْنَ صَلَاتِهِمْ يَعْنِي فَأَدَّى إِلَى الشُّبْهَةِ فِي مَعْرِفَةِ عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلَاتِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِشَيْءٍ فَعَلُوهُ عَقِبَ صَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ هَلَكُوا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ (غَيْرِهِ) ، هَذَا، فَتَعَيَّنَ رِعَايَةُ خُصُوصِ مَا قَدَّرْتَ خِلَافًا لِمَنْ قَدَّرَهُ عَامًّا بِسَائِرِ أَحْوَالِهِ. انْتَهَى، وَيُرِيدُ بِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الطِّيبِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْهَلَاكَ مُخْتَصٌّ بِمُصِلِّيهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ، أَوِ الْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ لِلْمُبَالَغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَصَرَهُ» ) : أَيْ إِلَيْهِمَا ( «فَقَالَ: " أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ» ") : قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَصَابَ اللَّهُ بِكَ الرُّشْدَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، أَيْ: أَصَبْتَ الرُّشْدَ فِيمَا فَعَلْتَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يُرْوَى أَصَابَ اللَّهُ رَأْيَكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَنَظِيرُهُ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّقْدِيرُ أَصَابَكَ اللَّهُ الْحَقَّ، أَيْ: جَعَلَكَ مُصِيبًا لَهُ فِي سَائِرِ أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1485

٩٧٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُتِيَ رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَبِّحُوا فِي كُلِّ صَلَاةٍ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَافْعَلُوا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٩٧٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أُمِرْنَا) ، أَيْ: أَمْرَ نَدْبٍ ( «أَنْ نُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ» ) ، أَيْ: فَرِيضَةٍ، وَالدُّبُرُ بِضَمِّ الدَّالِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ آخِرِ أَوْقَاتِهَا. (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) ، أَيْ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ (وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) ، أَيْ: تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ (فَأُتِيَ رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْأَنْصَارِ) ، أَيْ: أَتَاهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا أَوْ غَيْرُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هَذَا الْآتِيَ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ بِنَحْوِ مَا كَانَ يَأْتِي لِتَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، وَلِذَلِكَ قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ أَيِ الْآتِي (فَافْعَلُوهُ) ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَجْمَعُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّهْلِيلِ أَيْضًا، وَالْعَدَدِ (الْعَدَدِ) . انْتَهَى، وَالْإِلْهَامُ يُغَايِرُ الْمَنَامَ كَمَا لَا يَخْفَى، (فَقِيلَ لَهُ) : أَيْ قَالَ الْآتِي فِي الْمَنَامِ لِلرَّجُلِ النَّائِمِ (أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (أَنْ تُسَبِّحُوا لِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ كَذَا وَكَذَا؟) ، أَيْ: مِنَ

стр. 1486

الْعَدَدِ (قَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ، نَعَمْ قَالَ) : أَيِ الْآتِي: إِذَا كُنْتُمْ تَأْتُونَ بِمِائَةٍ وَلَا بُدَّ (فَاجْعَلُوهَا) ، أَيِ: الْأَذْكَارَ الثَّلَاثَةَ (خَمْسًا وَعِشْرِينَ) : أَيْضًا لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ وَأَوْلَاهَا بِالِاعْتِبَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ (لِلتَّسَبُّبِ) ، مُقَرِّرَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُغَيِّرَةٌ مِنْ وَجْهٍ أَيْ: إِذَا كَانَتِ التَّسْبِيحَاتُ هَذِهِ وَالْعَدَدُ مِائَةً فَقَرِّرُوا الْعَدَدَ وَأَدْخِلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقَبْلِيَّةِ، وَالْأَظْهَرُ مَعَ مُبَادَرَةِ امْتِثَالِهِمُ الْبُعْدِيَّةَ، نَعَمِ الْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ التَّهْلِيلُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ الْمَشْهُورِ الْوَارِدِ فِي: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظَةُ " فِيهَا ". (فَلَمَّا أَصْبَحَ) ، أَيِ: الْأَنْصَارِيُّ (غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْ: ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الْغُدُوِّ، أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ (فَأَخْبَرَهُ) : مِمَّا رَآهُ فِي النَّوْمِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَافْعَلُوا ") : لَعَلَّ الْمُرَادَ فَاعْمَلُوا بِهِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ رَأَيْتُمْ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ فَافْعَلُوا، وَمَرَّ أَنَّ ذَلِكَ - أَعْنِي الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ - سُنَّةٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ هِيَ قَوْلُهُ ﵇: " فَافْعَلُوا "، لَا مُجَرَّدَ ذَلِكَ الْمَنَامِ، لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِخَوَاطِرِ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ لَا فِي الْيَقَظَةِ وَلَا فِي النَّوْمِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لَهُ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 1487

٩٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَعْوَادِ هَذَا الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ، وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ، آمَنَهُ اللَّهُ عَلَى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ، وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ» "، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. ــ ٩٧٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : حَالَ كَوْنِهِ (عَلَى أَعْوَادِ هَذَا الْمِنْبَرِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: " كَانَ حِكْمَتُهُ بَعْدَ الدَّلَالَةِ بِهِ عَلَى مَزِيدِ الْبَيَانِ " وَالِاسْتِحْضَارُ لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى تَأَخُّرِ هَذَا الْأَمْرِ عَنْ وَضْعِ الْمِنْبَرِ الْخَشَبِ، فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ أَوَّلًا يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى عُمِلَ لَهُ مِنْبَرٌ مِنْ خَشَبِ الطُّرَفَاءِ لَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ لِيَخْطُبَ عَلَيْهِ وَيُسْمِعَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانَ عَمَلُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ جَمْعٍ، وَقِيلَ فِي السَّابِعَةِ (يَقُولُ: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، أَيْ: مَكْتُوبَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ (" لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ ") ، أَيْ: مَانِعٌ (" إِلَّا الْمَوْتُ ") ، أَيْ: عَلَى الشَّقَاوَةِ أَوْ إِلَّا عَدَمُ الْمَوْتِ، قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: أَيِ الْمَوْتُ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ وَانْقَضَى حَصَلَ دُخُولُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ " وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ " وَقَالَ الْمُحَقِّقُ الصَّمَدَانِيُّ الْمَوْلَى سَعْدُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ شَرَائِطِ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ، فَكَأَنَّ الْمَوْتَ يَمْنَعُ وَيَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِي أَوَّلًا لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ (الْمَقْصُودُ) ، أَنَّهُ (لَا يَمْنَعُ مِنْ) دُخُولِ الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُوجِبًا لِدُخُولِهَا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ: " وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ". الْبَيْتَ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ فَلَا عَيْبَ فِيهِمْ أَصْلًا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] أَيْ: مَا كَرِهُوا وَعَابُوا ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ

стр. 1488

إِلَّا أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَائِرَ الْمَعَاصِي لَمْ يَمْنَعْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (" وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ ") ، أَيْ: مَكَانَهُ لِلنَّوْمِ (" آمَنَهُ اللَّهُ ") ، أَيْ: جَعَلَهُ آمِنًا، أَيْ: أَمِنَ خَوْفُهُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ (وَعَلَى دَارِهِ ") ، أَيْ: عَلَى مَا فِي دَارِهِ (" وَدَارِ جَارِهِ ") ، أَيْ: مَالًا وَنَفْسًا وَغَيْرَهَا (" وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ ") : جَمْعُ دُوَيْرَةٍ تَصْغِيرُ دَارٍ (" حَوْلَهُ ") : بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُلَاصِقْ دَارَهُ فَأُرِيدَ بِالْجَارِ هُنَا حَقِيقَتُهُ وَهُوَ الْمُلَاصِقُ، وَإِنْ كَانَ عُرْفًا يَشْمَلُهُ وَغَيْرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْخَوْفِ بِالْأَمْنِ وَعَدَّاهُ بِعَلَى، أَيْ: لَمْ يُخَوِّفْهُ عَلَى أَهْلِ دَارِهِ (وَأَهْلِ دُوَيْرَاتِ جَارِهِ) ، حَوْلَهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَكْرُوهٌ أَوْ سُوءٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] الْكَشَّافِ: لِمَ تَخَافُنَا عَلَيْهِ، (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) . اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مَعَ أَنَّ صَدْرَ الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ فِي الْحِصْنِ، وَرَمَزَ لِلنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، وَقَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحَةٌ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: " وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَإِسْنَادُهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَيِّدٌ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي فَضْلِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ اهـ، وَتَعَدُّدُ الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا صَحِيحًا.

стр. 1489

٩٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَثْنِيَ رِجْلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ إِلَّا الشِّرْكُ وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٩٧٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ ") ، أَيْ: مِنْ مَكَانِ صَلَاتِهِ (" وَيَثْنِيَ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: وَقَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ (" رِجْلَيْهِ ") ، أَيْ: يَعْطِفَهُمَا وَيُغَيِّرَهُمَا عَنْ هَيْئَةِ التَّشَهُّدِ (وَمِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ ") : تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ وَفِي رِوَايَةٍ: " مَنْ قَالَ دُبُرَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ "، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مَنْ قَالَ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ أَيْ عَاطِفَهُ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ، وَمَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ هَذَا ضِدُّ الْأَوَّلِ فِي اللَّفْظِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ أَرَادَ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَ رِجْلَهُ عَنْ حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فِي التَّشَهُّدِ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَيَثْنِي بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ (" «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ» ) ، أَيْ: فِي قُدْرَتِهِ أَوْ بِسَبَبِهَا كُلُّ خَيْرٍ وَمُلَائِمٍ لِلنَّفْسِ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ وَحُذِفَ تَأَدُّبًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي: وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ (" يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ") ، أَيْ: مِنَ الْمَرَّاتِ (" عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ ") : وَالْمَحْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْغُفْرَانِ (" وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ ") : وَالتَّأْنِيثُ لِاكْتِسَابِ الْعَشْرِ مِنَ الْإِضَافَةِ (" وَكَانَتْ ") ، أَيِ: الْكَلِمَاتُ (" لَهُ ") : كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (" حِرْزًا ") ، أَيْ: حِفْظًا لَهُ (" مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ") : مِنَ الْآفَاتِ (" وَحِرْزًا ") ، أَيْ: تَعْوِيذًا (" مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ") : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِكَمَالِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ (" وَلَمْ يَحِلَّ ") : أَيْ لَمْ يَجُزْ، وَفِي رِوَايَةٍ، " لَمْ يَنْبَغِ " (" لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ ") ، أَيْ: يُهْلِكَهُ وَيُبْطِلَ عَمَلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (" إِلَّا الشِّرْكُ ") ، أَيْ: إِنْ وَقَعَ مِنْهُ وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فَإِنَّهُ فِي حِصْنِ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ وَرَدَ " «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، وَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي فَقَدْ أَمِنَ مِنْ عَذَابِي» ". وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِعَارَةٌ مَا أَحْسَنَ مَوْقِعَهَا، فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِذَا دَعَا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَقَدْ أَدْخَلَ نَفْسَهُ حَرَمًا آمِنًا، فَلَا يَسْتَقِيمُ لِلذَّنْبِ أَنْ يَحِلَّ وَيَهْتِكَ حُرْمَةَ اللَّهِ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ حَرَمِ التَّوْحِيدِ أَدْرَكَهُ الشِّرْكُ لَا مَحَالَةَ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لِذَنْبٍ يُذْنَبُ أَنْ يُدْرِكَ

стр. 1490

الْقَائِلَ وَيُحِيطَ بِهِ وَيَسْتَأْصِلَهُ، سِوَى الشِّرْكِ، (" وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ ") : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَفْضُلُهُ وَقَوْلُهُ: (" أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ ") : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْعُو بِهِ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِدُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 1491

٩٧٦ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: " إِلَّا الشِّرْكَ " وَلَمْ يَذْكُرْ: " صَلَاةَ الْمَغْرِبِ "، وَلَا " بِيَدِهِ الْخَيْرُ "، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ــ ٩٧٦ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِثْلَهُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ " إِلَّا الشِّرْكَ " وَلَمْ يَذْكُرْ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا " بِيَدِهِ الْخَيْرُ "، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) . ٩٧٧ -

стр. 1492

- وَعَنْ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا لَمْ يَخْرُجْ: مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً، وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً، وَأَفْضَلَ رَجْعَةً؟ قَوْمًا شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً، وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الرَّاوِي ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ. ــ ٩٧٧ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ) ، أَيْ: أَرْسَلَ (بَعْثًا) ، أَيْ: جَمَاعَةً، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَعْثُ بِمَعْنَى السَّرِيَّةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، (قِبَلَ نَجْدٍ) ، أَيْ: إِلَى جِهَتِهِ (فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ) ، أَيِ: الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِلَى أَوْطَانِهِمُ. انْتَهَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا) ، أَيْ: مِنَ الْمُجَاوِرِينَ بِطَرِيقِ الْغِبْطَةِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَعْشَرِ الصَّحَابَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ الْكُلَّ صَحَابَةٌ (لَمْ يَخْرُجْ) : صِفَةُ رَجُلٍ (مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً، وَلَا أَفْضَلَ) ، أَيْ: أَكْثَرَ أَوْ أَنْفَسَ (غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ) : وَلَا لِلتَّأْكِيدِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُزَهِّدًا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُرَغِّبًا لَهُمْ فِي الْعُقْبَى، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ عِنْدَ الْمَوْلَى (" أَلَا أَدُلُّكُمْ ") : وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ: " هَلْ أَدُلُّكُمْ "، (" عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً ") ، أَيْ: لِبَقَاءِ هَذِهِ وَدَوَامِهَا وَفَنَاءِ تِلْكَ وَسُرْعَةِ انْقِضَائِهَا (" وَأَفْضَلَ رَجْعَةً ") : لِأَنَّ أُولَئِكَ رَجَعُوا بِحِيَازَةِ دَارِ الْمَتَاعِبِ وَالْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ وَالْفِتَنِ، وَهَؤُلَاءِ يَرْجِعُونَ بِحِيَازَةِ دَارِ الثَّوَابِ وَالرَّاحَةِ وَذَهَابِ الْحُزْنِ (" قَوْمًا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَعْنِي أَوْ أَذْكُرُ قَوْمًا عَلَى الْمَدْحِ (" شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ ") : يُحْتَمَلُ حَضَرُوا جَمَاعَتَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَدْرَكُوا وَقْتَ أَدَائِهَا (" ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (" فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً ") ، أَيْ: إِلَى أَهْلِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ لِانْتِهَاءِ عَمَلِهِمُ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ بَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ سَاعَةٍ زَمَانِيَّةٍ، وَأَهْلُ الْجِهَادِ لَا يَنْتَهِي عَمَلُهُمْ غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: " وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ يَتَبَيَّنُ بُعْدُ قَوْلِ الشَّارِحِ سَمَّى الْفَرَاغَ رَجْعَةً عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ، وَيَكُونُ اسْتِعَارَةً؛ شَبَّهَ الْمُصَلِّيَ الذَّاكِرَ أَوْ فَرَاغَهُ بِالْمُسَافِرِ الَّذِي رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، كَمَا قِيلَ: " «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» " اهـ. وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ لَمْ يَحْسُنْ إِخْرَاجُهُ عَنْهَا إِلَى مَجَازِهِ، سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ، قُلْتُ: يَكْفِيهِ الدَّاعِي وَالْبَاعِثُ لِهَذَا الْمَجَازِ أَنْ يَصِحَّ عُمُومُ الْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، فَتَدَبَّرْ (" وَأَفْضَلَ غَنِيمَةً ") ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : يَحْتَمِلُ مَتْنًا وَإِسْنَادًا (وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الرَّاوِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ، فَرَّعَ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ مِمَّا سَبَقَ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ (هُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ) ، أَيْ: فِي عُرْفِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، أَوْ ضَعِيفٌ فِي حَدِيثِهِ لِنَحْوِ سُوءِ حِفْظِهِ، أَوِ اخْتِلَاطِهِ لَا فِي دِينِهِ.

стр. 1493

[بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ]

стр. 1494

بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٧٨ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ "، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: " فَلَا تَأْتِهِمْ "، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: " ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ "، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: " كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، وَكِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ، وَصُحِّحَ فِي " جَامِعِ الْأُصُولِ " بِلَفْظَةِ: كَذَا، فَوْقَ: لَكِنِّي. ــ [١٩] بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَهُوَ يَعُمُّ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ وَغَيْرَهَا، (وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ فِيهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٩٧٨ - (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) : هُوَ مِنْ أَبِي سُلَيْمٍ، كَانَ يَسْكُنُ فِيهِمْ وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ قِيلَ: " لَا يَرْوِي غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ "، (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ عَطَسَ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ وَضَبَطَهُ السُّيُوطِيُّ بِكَسْرِهَا فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَبِي دَاوُدَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إِذَا عَطَسَ (رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ) ، أَيْ: وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا قَالَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ خَاطَبَهُ، وَلَوْ قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَلَا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَوْ قَالَ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ لَا تَفْسُدُ كَقَوْلِهِ: يَرْحَمُنِي اللَّهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلَهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ اهـ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي يَرُدُّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا (فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) : أَيْ أَسْرَعُوا فِي الِالْتِفَاتِ إِلَيَّ وَنُفُوذِ الْبَصَرِ فِيَّ، اسْتُعِيرَتْ مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى أَشَارُوا إِلَيَّ بِأَعْيُنِهِمْ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، وَنَظَرُوا إِلَيَّ نَظَرَ زَجْرٍ كَيْلَا أَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ (فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالثُّكْلُ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ وَبِفَتْحِهِمَا فِقْدَانُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا، وَالْمَعْنَى وَافَقْدَهَا لِي فَإِنِّي هَلَكْتُ (مَا شَأْنُكُمْ) : بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: مَا حَالُكُمْ وَأَمْرُكُمْ (تَنْظُرُونَ إِلَيَّ) : نَظَرَ الْغَضَبِ (فَجَعَلُوا) ، أَيْ: شَرَعُوا (يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ) ، أَيْ: زِيَادَةً فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، (فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ) ، أَيْ: عَلِمْتُهُمْ (يُصَمِّتُونَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: يُسَكِّتُونِي غَضِبْتُ وَتَغَيَّرْتُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ يَأْمُرُونِي بِالصَّمْتِ عَجِبْتُ لِجَهْلِي بِقُبْحِ مَا ارْتَكَبْتُ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (لَكِنِّي سَكَتُّ) ، أَيْ: سَكَتُّ وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ سَكَتُّ امْتِثَالًا لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي، وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى غَضَبِي، وَلَمْ أَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ، (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : جَوَابُهُ قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ " وَقَوْلُهُ: فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي إِلَى قَوْلِهِ قَالَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ لَمَّا وَجَوَابِهِ، وَالْفَاءُ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: ٢٣] فَإِنَّهُ عَطَفَ " وَجَعَلْنَاهُ " عَلَى " آتَيْنَا "، وَأَوْقَعَهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَاعْتُرِضَ بَيْنَهُمَا بِمَا فِيهِ غَايَةُ الِالْتِئَامِ وَالْمُنَاسَبَةُ لَهُمَا، وَفِي كَوْنِ الْآيَةِ نَظِيرًا لِلْحَدِيثِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ جَوَابُ قَوْلِهِ: فَلَمَّا صَلَّى مَحْذُوفٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ) ، أَيِ: اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِي بِالرِّفْقِ وَحَسَنِ الْكَلَامِ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَضَمِيرُهُ هُوَ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مُفَدًّى بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: " فَلَمَّا صَلَّى دَعَانِي (" فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي) ، أَيْ: مَا قَهَرَنِي وَزَجَرَنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَهْرُ وَالْقَهْرُ وَالنَّهْرُ أَخَوَاتٌ، وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: كَهَرَهُ إِذَا زَبَرَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ (وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي) : أَرَادَ نَفْيَ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ وَالْعُنْفِ

стр. 1495

وَإِثْبَاتَ كَمَالِ الْإِحْسَانِ وَاللُّطْفِ، (قَالَ) : جَوَابُ لَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَاسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ التَّعْلِيمِ عَلَى مُخْتَارِ غَيْرِهِ (" إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ ") : إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ (" لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ") . قَالَ الْقَاضِي: أَضَافَ الْكَلَامَ إِلَى النَّاسِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالذِّكْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَا خِطَابُ النَّاسِ وَإِفْهَامُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَسَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ - لَا يَحْنَثُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ لَا يُبْطِلُهَا إِذْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزَادَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا بِشَيْءٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ مِثْلَ: إِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي مَحَلِّ الْقُعُودِ فَقَالَ: اقْعُدْ، أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ فَأَخْبَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ اهـ. وَإِطْلَاقُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لَنَا فِي أَنَّ الْكَلَامَ مُطْلَقًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ أَجَابُوا بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْبُطْلَانِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ وَالْحَظْرُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِبْطَالَ، وَلِذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا عَلَّمَهُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: إِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا بَيَّنَ الْحَظْرَ حَالَةَ الْعَمْدِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حَظْرٌ يَرْتَفِعُ إِلَى الْإِفْسَادِ، وَمَا كَانَ مُفْسِدًا حَالَةَ الْعَمْدِ كَانَ كَذَلِكَ حَالَةَ السَّهْوِ لِعَدَمِ الْمُزِيلِ شَرْعًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» "، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رُفِعَ الْإِثْمُ فَلَا يُرَادُ غَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِهَا بِالْكَلَامِ الْعَمْدِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتُرِضَ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: مَنْ قَالَ وَقَدْ مُطِرُوا فِي الصَّلَاةِ: يَا هَذَا خَفِّفْ فَقَدْ مُطِرْنَا، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّخْفِيضَ حِينَئِذٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، وَجَاءَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ الْأَرْقَمِ الْأَنْصَارِيِّ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ» ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِنَّمَا نَزَلَتْ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ صَبِيًّا، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ (" إِنَّمَا هِيَ ") ، أَيِ: الصَّلَاةُ (" التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: " إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ " اهـ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى كَوْنِ التَّحْرِيمَةِ شَرْطًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] فَإِنَّ الْعَطْفَ يُفِيدُ التَّغَايُرَ، (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ: مِثْلَ مَا قَالَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ) ، أَيْ: جَدِيدُهُ (بِجَاهِلِيَّةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَهْدٍ، وَمَا قَبْلَ وُرُودِ

стр. 1496

الشَّرْعِ يُسَمَّى جَاهِلِيَّةً لِكَثْرَةِ جَهَالَتِهِمْ، يَعْنِي انْتَقَلْتُ عَنِ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ أَعْرِفْ بَعْدُ أَحْكَامِ الدِّينِ (وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ) ، أَيْ: مَعْشَرَ الْإِسْلَامِ (بِالْإِسْلَامِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهُ، بَلْ شُرُوعٌ فِي ابْتِدَاءِ سُؤَالٍ مِنْهُ ﵇ اهـ، وَالْأَظْهَرُ تَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ اعْتِذَارًا عَمَّا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَأِ، وَابْتِدَاءُ السُّؤَالِ قَوْلُهُ: (وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ) : بِضَمِّ الْكَافِ جَمْعُ كَاهِنٍ، وَهُوَ مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الضَّمَائِرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ: أَنَّ الْكَاهِنَ يَتَعَاطَى الْأَخْبَارَ عَنِ الْكَوَائِنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْعَرَّافَ يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوَهُمَا، وَمِنَ الْكَهَنَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ جِنِّيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي إِدْرَاكَ الْغَيْبِ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ وَأَمَارَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ، (قَالَ: " فَلَا تَأْتِهِمْ ") : قَالَ ﷺ : " «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، (قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) : فِي النِّهَايَةِ: الطِّيَرَةُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ وَهِيَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ طِيَرَةً، كَمَا تَقُولُ: تَخَيَّرَ خِيَرَةً وَلَمْ يَجِئْ مِنَ الْمَصَادِرِ غَيْرُهُمَا هَكَذَا قِيلَ، وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ التَّفَاؤُلُ بِالطَّيْرِ، وَاسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مَا يُتَفَاءَلُ بِهِ وَيُتَشَاءَمُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ بِالصَّيْدِ كَالطَّيْرِ وَالظَّبْيِ، فَيَتَيَمَّنُونَ بِالسَّوَانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَوَارِحِ، وَالْبَوَارِحُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مِنَ الصَّيْدِ مَا مَرَّ مِنْ مَيَامِنِكَ إِلَى مَيَاسِرِكَ وَالسَّوَانِحُ ضِدُّهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ وَيَمْنَعُهُمْ عَنِ السَّيْرِ إِلَى مَطَالِبِهِمْ فَنَفَاهُ الشَّرْعُ وَأَبْطَلَهُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ حَيْثُ قَالَ: " «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ،» " «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» (" قَالَ: " ذَاكَ ") ، أَيِ: التَّطَيُّرُ (بِشَيْءٍ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ ") : يَعْنِي: هَذَا وَهْمٌ يَنْشَأُ مِنْ نُفُوسِهِمْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي اجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسَوِّلُهُ الشَّيْطَانُ وَيُزَيِّنُهُ حَتَّى يَعْمَلُوا بِقَضِيَّتِهِ لِيَجُرَّهُمْ بِذَلِكَ إِلَى اعْتِقَادِ مُؤَثِّرٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، (" فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ ") ، أَيْ: لَا يَمْنَعُهُمُ التَّطَيُّرُ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ مَا يَتَوَهَّمُونَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا يَمْنَعَنَّهُمْ عَمَّا يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ، أَوْ مِنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ مَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْوَهْمِ، فَالنَّهْيُ وَارِدٌ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُونَهُ ظَاهِرًا وَهُمْ مَنْهِيُّونَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ مُزَاوَلَةِ مَا يُوقِعُهُمْ مِنَ

стр. 1497

الْوَهْمِ فِي [الصَّدْرِ] ، (قَالَ) ، أَيْ: مُعَاوِيَةُ ( «قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ» ") ، أَيْ: فَيُعْرَفُ بِالْفِرَاسَةِ بِتَوَسُّطِ تِلْكَ الْخُطُوطِ، قِيلَ: هُوَ إِدْرِيسُ أَوْ دَانْيَالُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، (" فَمَنْ وَافَقَ ") : ضَمِيرُ الْفَاعِلِ رَاجِعٌ إِلَى " مِنْ "، أَيْ: فَمَنْ وَافَقَ فِيمَا يَخُطُّهُ (" خَطَّهُ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ خَطَّهُ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا اهـ. أَيْ: مَنْ وَافَقَ خَطُّهُ خَطَّهُ أَيْ خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ فِي الصُّورَةِ وَالْحَالَةِ، وَهِيَ قُوَّةُ الْخَاطِّ فِي الْفِرَاسَةِ وَكَمَالُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْمُوجِبَةِ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي الصُّورَةِ وَقُوَّةِ الْفِرَاسَةِ الَّتِي هِيَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِيهِ حَتَّى يَنْكَشِفَ بَعْضُ الْمُغَيَّبَاتِ عِيَانًا، وَإِنَّمَا نَشَأَ ذَلِكَ عَنِ التَّحَلِّي بِكَمَالِ مَرْتَبَتَيِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ " «إِنَّ فِي أُمَّتِي مُلْهَمُونَ» " وَقَوْلُهُ: " «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» "، (" فَذَاكَ ") ، أَيْ: فَذَاكَ مُصِيبٌ أَوْ يُصِيبُ أَوْ يَعْرِفُ الْحَالَ بِالْفِرَاسَةِ كَذَاكَ النَّبِيِّ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ، قَالَ الْخَطَّابُ: إِنَّمَا قَالَ ﵊: مَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ " عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا يُوَافِقُ خَطُّ أَحَدٍ خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ خَطَّهُ كَانَ مُعْجِزَةً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا صَادَفُوا خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ حَتَّى يُعْرَفَ الْمُوَافَقَةُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ خَطَّهُ كَانَ عَلَمًا لِنُبُوَّتِهِ، وَقَدِ انْقَضَتْ وَالشَّيْءُ إِذَا عُلِّقَ بِأَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَطِّ لِنِسْبَتِهِ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْوَهْمُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ فُرُوعُ الْأَحْكَامِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَرِّمُونَ لِعِلْمِ الرَّمْلِ - وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ -: لَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِذْنَ فِيهِ عَلَى مُوَافَقَةِ خَطِّ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَمُوَافَقَتُهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، إِذْ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ تَوَاتُرٍ أَوْ نَصٍّ مِنْهُ ﵊، أَوْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْأَشْكَالَ الَّتِي لِأَهْلِ عِلْمِ الرَّمْلِ كَانَتْ لِذَلِكَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَاتَّضَحَ تَحْرِيمُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْخَطُّ مَا يَخُطُّهُ الْحَازِي، وَهُوَ عِلْمٌ قَدْ تَرَكَهُ النَّاسُ يَعْنِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَاجَةِ الْحَازِيَ فَيُعْطِيهِ حَلْوَانًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، وَبَيْنَ يَدَيِ الْحَازِي غُلَامٌ مَعَهُ مَيْلٌ، فَيَأْتِي إِلَى أَرْضٍ رَخْوَةٍ أَوْ خَشَبٍ فَيَخُطُّ خُطُوطًا بِالْعَجَلَةِ كَيْلَا يَلْحَقَهَا الْعَدَدُ، ثُمَّ يَمْحُو مِنْهَا خَطَّيْنِ خَطَّيْنِ عَلَى مُهْلَةٍ، فَإِنْ بَقِيَ خَطَّانِ فَهُوَ عَلَّامَةُ النَّجْحِ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ فَهُوَ عَلَّامَةُ الْخَيْبَةِ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِلْمٌ مَعْرُوفٌ، وَلِلنَّاسِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ إِلَى الْآنِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَوْضَاعٌ وَعَلَامَاتٌ وَاصْطِلَاحَاتٌ وَأَسْهَامٌ وَأَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ، وَيَسْتَخْرِجُونَ بِهِ الضَّمِيرَ وَغَيْرَهُ، وَكَثِيرًا مَا يُصِيبُونَ فِيهِ أَيْ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مَا يُخْطِئُونَ فِيهِ، بَلِ الْخَطَأُ أَكْثَرُ ; لِأَنَّ كَذِبَهُمْ أَظْهَرُ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْحَازِي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الَّذِي يَحْزِرُ الْأَشْيَاءَ وَيُقَدِّرُهَا بِظَنِّهِ، وَيُقَالُ لِلْمُنَجِّمِ: الْحَازِي لِأَنَّهُ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ وَأَحْكَامِهَا بِظَنِّهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَالْحَازِي أَيْضًا الْكَاهِنُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، (قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَصُحِّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بِلَفْظَةِ: كَذَا، فَوْقَ: لَكِنِّي) ، أَيْ: كَذَا فِي الرِّوَايَةِ لَفْظُ لَكِنِّي مَسْطُورٌ دَفْعًا لِوَهْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بِمَذْكُورٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ " لَكِنِّي " ثَابِتٌ فِي الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ سَاقِطٌ فِي الْمَصَابِيحِ.

стр. 1498

٩٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٧٩ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا» "، أَيِ: السَّلَامَ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الرَّدِّ هُوَ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ قَبْلَ الرَّوَاحِ إِلَى النَّجَاشِيِّ، (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتُشَدَّدُ فِي الْقَامُوسِ: النَّجَاشِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفُهَا أَفْصَحُ وَبِكَسْرِ النُّونِ، وَقِيلَ: هُوَ أَفْصَحُ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ تَخْفِيفُهَا اهـ. وَأَفَادَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِسُكُونِ الْيَاءِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لَا يَاءُ النِّسْبَةِ، وَحَكَى غَيْرُهُ تَشْدِيدَ الْيَاءِ أَيْضًا، وَحَكَى ابْنُ دِحْيَةَ كَسْرَ نُونِهِ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، لَقَبُ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَالَّذِي أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ: أَصْحَمَةُ، آمَنَ وَمَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ﵊ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَرُفِعَ نَعْشُهُ لَهُ حَتَّى عَلَيْهِ عِيَانًا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (فَلَمْ يَرُدَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا (عَلَيْنَا) ، أَيِ: السَّلَامَ فِيهَا، بَلْ بَعْدَ فَرَاغِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَانَ هَاجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَارِّينَ مِنْهَا لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ إِيذَاءِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا خَرَجَ ﵊ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَمِعَ أُولَئِكَ بِمُهَاجَرَتِهِ هَاجَرُوا مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، (فَقُلْنَا) ، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ") : بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَبِضَمِّهِمَا، أَيْ: مَانِعًا مِنَ السَّلَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ يَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ يَعْنِي: إِنَّ شُغْلَ الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ لَا الْكَلَامُ، وَيُحْتَمَلُ التَّعْظِيمُ، أَيْ: شُغْلًا أَيَّ شُغْلٍ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ مَعَ اللَّهِ ، وَاسْتِغْرَاقٌ فِي خِدْمَتِهِ فَلَا تَصْلُحُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْغَيْرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: كَانَ الْكَلَامُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ حُرِّمَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ رَدَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ أَوْ إِصْبَعِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ ﵊ أَشَارَ بِيَدِهِ كَمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا خَبَرُ: " «مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ» "، فَفِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَيْ قَالَ: نَعَمْ أَوْ لَا - لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: رَدُّ السَّلَامِ بَعْدَ الْخُرُوجِ سُنَّةٌ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ؟ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 1499

٩٨٠ - «وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨٠ - (وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ) : ابْنِ أَبِي فَاطِمَةَ، دُوسِيٌّ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الرَّجُلِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ (يُسَوِّي التُّرَابَ) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ (حَيْثُ يَسْجُدُ؟) ، أَيْ: فِي مَكَانِ سُجُودِهِ أَوْ لِأَجْلِ سُجُودِهِ عَلَيْهِ (قَالَ) ، أَيْ: أَنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَوْ جَوَابِهِ، وَلَفْظُ قَالَ مَوْجُودٌ فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَقَدْ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ، وَلِذَا قَالَ وَمَقُولُ قَالَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ هُوَ قَوْلُهُ: (" إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا ") ، أَيْ: لِذَلِكَ وَلَا بُدَّ (" فَوَاحِدَةً ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ: فَافْعَلْ فَعْلَةً وَاحِدَةً أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا أَزْيَدَ مِنْهَا، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَالْجَائِزُ وَاحِدَةٌ، أَوْ فَيَجُوزُ وَاحِدَةٌ أَوْ فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي أَوْ تَجُوزُ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَلِّصَ الْحَصَى إِلَّا أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ الْحَصَى مِنَ السُّجُودِ بِأَنِ اخْتَلَفَ ارْتِفَاعُهُ وَانْخِفَاضُهُ كَثِيرًا، فَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ قَدْرَ الْفَرْضِ مِنَ الْجَبْهَةِ فَيُسَوِّيهِ حِينَئِذٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، فِي رِوَايَةٍ " تُسَوِّيهِ مَرَّةً "، وَفِي رِوَايَةٍ تُسَوِّيهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ يُسَوِّيهِ مَرَّةً وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵊: " «لَا تَمْسَحِ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةً لِلْحَصَى» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُسَوِّ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» "، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

стр. 1500

٩٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ) : قِيلَ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ عَصًا تُسَمَّى الْمُخَصِّرَةَ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ كَالِاتِّكَاءِ عَلَى حَائِطٍ، كَذَا فِي الْمُنْيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَقْرَأَ سُورَةً تَامَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ تَكْمِيلَ السُّورَةِ أَوْلَى، وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا، وَقِيلَ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الِاخْتِصَارِ، وَقَالَ: " «الِاخْتِصَارُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» " قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: فُسِّرَ الْخَصْرُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَهُوَ صُنْعُ الْيَهُودِ، وَالْخَصْرُ لَمْ يُفَسَّرْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي شَيْءٍ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّ أَنَّ الْخَصْرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الِاخْتِصَارِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ: «قَدْ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» " وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: نَهَى عَنِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الِاخْتِصَارُ لَا الْخَصْرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَدُّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يُفَسَّرِ الْخَصْرُ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ " - لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى السَّمَاعِ، بَلْ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَصْرَ: وَسَطُ الْإِنْسَانِ، وَالنَّهْيُ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ، عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمَّا اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنَ الْكِنَايَةِ، فَإِنَّ نَفْيَ الذَّاتِ أَقْوَى مِنْ نَفْيِ الصِّفَةِ ابْتِدَاءً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَلْعُونًا نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قُلْتُ: لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مُوَافِقَةً لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَعْنًى كَمَا تَقَدَّمَ صَحَّ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِمَا، وَأَشَارَ مِيرَكُ إِلَيْهِ بِالْأَوْلَى.

стр. 1501

٩٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: " هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ) ، أَيْ: بِطَرَفِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الِالْتِفَاتُ بِطَرَفِ الْعَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا إِذَا الْتَفَتَ بِحَيْثُ تَحَوَّلَ صَدْرُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِيلَ: مَنِ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا ذَهَبَ عَنْهُ الْخُشُوعُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ كَمَالُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ صِحَّتُهَا عِنْدَ بَعْضٍ، وَفِي خَبَرٍ: " «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» "، (فَقَالَ: " هُوَ ") ، أَيِ: الِالْتِفَاتُ (" اخْتِلَاسٌ ") : افْتِعَالٌ مِنَ الْخَلْسِ وَهُوَ السَّلْبُ، أَيِ: اسْتِلَابٌ وَأَخْذٌ بِسُرْعَةٍ وَقِيلَ: شَيْءٌ يُخْتَلَسُ بِهِ (" يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ ") ، أَيْ: يَحْمِلُهُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ (" مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ ") ، أَيْ: يَخْتَلِسُهُ مِنْ كَمَالِ صَلَاةِ الْعَبْدِ، أَوْ لِأَجْلِ نُقْصَانِ صَلَاتِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: مَنِ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يُحَوِّلْ صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْلُبُ كَمَالَ صَلَاتِهِ وَإِنْ حَوَّلَهُ بَطَلَتْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَصَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﵊، " «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» "، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ مُوَاجَهَةِ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ إِنْ تَعَمَّدَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخَبَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ ﵇ لَمَّا اشْتَكَى وَصَلَّوْا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَرَآهُمْ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ» .، الْحَدِيثَ، وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ يَلْتَفِتُ وَهُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ إِلَى الشِّعْبِ لِإِرْسَالِهِ فَارِسًا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْحَرَسِ، وَلَا بَأْسَ بِلَمْحِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، نَعَمِ الْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ وَفِعْلُهُ ﵊ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1502

٩٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ ") : اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَقِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ (" عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ ") ، أَيْ: خُصُوصًا وَقْتَ الدُّعَاءِ لِإِيهَامِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ فِي الْجِهَةِ الْعُلْيَا مَعَ تَعَالِيهِ عَنِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا، وَإِلَّا فَرَفْعُ الْأَبْصَارِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ، (" أَوْ لَتُخْطَفَنَّ ") :

стр. 1503

أَيْ: لَتُسْلَبَنَّ (" أَبْصَارُهُمْ ") : إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: أَوْ " لَتُخْطَفَنَّ " عُطِفَ عَلَى " لَيَنْتَهِيَنَّ " تَرَدَّدَ بَيْنَ الِانْتِهَاءِ عَنِ الرَّفْعِ وَمَا هُوَ كَاللَّازِمِ لِنَقِيضِهِ، وَالْمَعْنَى: وَاللَّهِ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنِ الرَّفْعِ أَوْ لَتُسْلَبَنَّ أَبْصَارُهُمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ نِسْبَةَ الْعُلُوِّ الْمَكَانِيِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ قَدِيدًا، أَيْ: لَيَكُونَنَّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] ، أَيْ: يَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، إِمَّا الْمُقَاتَلَةُ أَوِ الْإِسْلَامُ، وَإِمَّا إِخْرَاجُكُمْ وَإِمَّا عَوْدَتُكُمْ فِي الْكُفْرِ، فَهُوَ خَبَرٌ. بِمَعْنَى الْأَمْرِ فِي هَذَيْنِ وَالْحَدِيثِ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَكَرِهَهُ الْقَاضِي شُرَيْحٌ وَآخَرُونِ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يُنْكَرُ رَفْعُ الْبَصَرِ إِلَيْهَا، كَمَا لَا يُنْكَرُ رَفْعُ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ، قُلْتُ: فِيهِ أَنَّ رَفْعَ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مَأْثُورٌ مَأْمُورٌ، وَرَفْعَ الْبَصَرِ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي آدَابِ الدُّعَاءِ فِي الْحِصْنِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ " فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: " لَيَنْتَهِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» "، وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا نَزَلَ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] طَأْطَأَ رَأْسَهُ» .

стр. 1504

٩٨٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨٤ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ ; لِأَنَّ رَأَيْتَ بِمَعْنَى النَّظَرِ لَا الْعِلْمِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، زَادَ فِي الْمَوَاهِبِ: فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، (وَأُمَامَةُ) : هِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ) : تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ فَاطِمَةَ ﵃ (عَلَى عَاتِقِهِ) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ (فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا) : بِأَنْ يَحُطَّهَا بِعَمَلٍ قَلِيلٍ، أَوْ يُرْسِلَهَا إِلَى الْأَرْضِ (وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُرْوَى رَفَعَهَا، وَصَنِيعُ ابْنُ حَجَرٍ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْمِشْكَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُ الْإِعَادَةِ وَالرَّفْعِ إِلَيْهِ ﷺ مَجَازٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِحَمْلِهَا لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، لَكِنَّهَا لِطُولِ مَا أَلِفَتْهُ بِهِ عَلَى عَادَتِهَا تَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَجْلِسُ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ لَا يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ. قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ لَوْ شَغَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ لَدَفَعَهَا عَنْ ذَاتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِهِ ﵊، أَوْ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ قَوْلِهِ ﵊: " «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» " أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَمْسَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ. قُلْتُ: فِيهِ أَنَّ اللَّمْسَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ مَعَ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَهُوَ عَجِيبٌ مَعَ جَعْلِهَا طِفْلَةً، بَلْ لَوْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الطُّفُولِيَّةِ وَلَمْ تَبْلُغْ حَدًّا تُشْتَهَى فِيهِ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ لَا تُنْقَضُ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً، هَذَا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ عَادَتِهَا وَلَوْ ظَنًّا وَقْتَ تَبَرُّزِهَا وَامْتِدَادِ عَادَتِهَا بَعْدَهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ دُخُولَهَا الْمَسْجِدَ إِلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ قَالَ: وَعَلَى أَنَّ ثِيَابَ الْأَطْفَالِ وَأَبْدَانَهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهَا نَجَاسَةٌ، وَعَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَعَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَعَدِّدَةَ إِذَا تَفَاصَلَتْ لَمْ تُبْطِلِ الصَّلَاةَ، قَالَ الْبَغْوِيُّ: يُشْتَرَطُ فِي الْفَاصِلِ بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْرَ رَكْعَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعِيفٌ غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ مَا يُعَدُّ انْفِصَالًا عُرْفًا، وَعِنْدَنَا الْفَصْلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ: " يَؤُمُّ النَّاسَ ".

стр. 1505

٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٩٨٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ [الْخُدْرِيِّ] ) : أَيِ: الْخُدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا تَثَاءَبَ ") : بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْوَاوِ، وَنُسِبَ إِلَى الْغَلَطِ (" أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ") ، أَيْ: فَتَحَ فَاهُ لِكَسَلٍ أَوْ فَتَرٍ أَوِ امْتِلَاءٍ أَوْ غَلَبَةِ نَوْمٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلْكَسَلِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْحُضُورِ فِيهَا، (" فَلْيَكْظِمْ ") ، أَيْ: يُمْسِكْ وَيَمْنَعْ وَيَدْفَعْ ذَلِكَ، أَيِ: انْفِتَاحَ فَمِهِ (" مَا اسْتَطَاعَ ") : بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ كُمَّهُ عَلَى فِيهِ، كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، (" فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ ") ، أَيْ: يَدْخُلُ فِي فِيهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخَصَّ دُخُولَهُ فِي الْفَمِ ; لِأَنَّ الْفَمَ إِذَا انْفَتَحَ لِشَيْءٍ مَكْرُوهٍ فِي الشَّرْعِ صَارَ طَرِيقًا لِلشَّيْطَانِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّثَاؤُبُ تَفَاعُلٌ مِنَ الثَّوْبَاءِ بِالْمَدِّ، وَهُوَ فَتْحُ الْحَيَوَانِ فَمَهُ لِمَا عَرَاهُ مَنْ تَمَطٍّ أَوْ تَمَدُّدٍ لِكَسَلٍ وَامْتِلَاءٍ، وَهِيَ جَالِبَةٌ لِلنَّوْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ بِهِ يَدْخُلُ عَلَى الْمُصَلِّي وَيُخْرِجُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ سَبَبًا لِدُخُولِ الشَّيْطَانِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» " لِأَنَّ الْعُطَاسَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُنْبِئُ عَنْ ضِدِّ مَا أَنْبَأَ عَنْهُ التَّثَاؤُبُ مِنْ رِقَّةِ الْحِجَابِ وَالْقَلْبِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ وَنَشَاطِهِ وَإِيثَارِهِ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْبَطَالَةِ، قُلْتُ: وَلِذَا يُسَنُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ حُصُولِهِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1506

٩٨٦ - وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ: هَا، فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ» ". ــ ٩٨٦ - (وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ) : بِالْإِضَافَةِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ") ، أَيْ: إِذَا أَحَسَّ بِهِ (" فَلْيَكْظِمْ ") ، أَيْ: فَمَهُ (" مَا اسْتَطَاعَ ") : بِالضَّمِّ أَوِ الْوَضْعِ (" وَلَا يَقُلْ: هَا ") : بَلْ يَدْفَعُهُ بِالْفِعْلِ (" فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ ") ، أَيْ: قَوْلُكُمْ " هَا "، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيِ التَّثَاؤُبُ، (" مِنَ الشَّيْطَانِ ") ، أَيْ: مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ حَظِّهِ مِنْهُ (" يَضْحَكُ ") : أَيِ: الشَّيْطَانُ (" مِنْهُ ") ، أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ حَيْثُ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَرْضَى بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي " مِنْهُ " رَاجِعٌ إِلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِ " ذَا "، وَ " كَمْ " بَيَانٌ لِخِطَابِ الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ بِضَمِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَضْحَكُ حَالٌ اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ بَيَانٍ.

стр. 1507

٩٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: " رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ عِفْرِيتًا ") : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: خَبِيثًا مُنْكَرًا مُبَالِغًا فِي الْمُرُودَةِ مَعَ دَهَاءٍ وَخُبْثٍ، فِعْلِيتٌ مِنَ الْعِفْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الْخُبْثُ، (" مِنَ الْجِنِّ ") : إِيضَاحٌ، وَإِلَّا فَالْعِفْرِيتُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْهُمْ، وَهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ رُوحَانِيَّةٌ نَارِيَّةٌ، أَيْ: مَحْضَةٌ أَوِ الْغَالِبَةُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ مِنَ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلَانِ. وَيَجْرِيَانِ فِي الْمَلَائِكَةِ هَلْ هُمْ مُتَمَحِّضُونَ مِنَ النُّورِ، أَوْ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ؟ وَلِمَزِيدِ لَطَافَةِ الْجِسْمِيَّةِ أَمْكَنَهُمَا التَّشَكُّلُ فِي كُلِّ صُورَةٍ، لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجِنِّ تَشَكُّلُهُمْ فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ قُبْحُ التَّمَرُّدِ وَالْعُنْفِ وَالْخُبْثِ، (" تَفَلَّتَ ") ، أَيْ: تَخَلَّصَ فَجْأَةً، وَقِيلَ: خَرَجَ فَلْتَةً أَيْ بَغْتَةً، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى أُصُولِ الْمِشْكَاةِ لَفْظَ " عَلَيَّ " ثُمَّ قَالَ، أَيْ: مِنْ أَسْرِ سُلَيْمَانَ ﵊ الَّذِي خَرَقَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ حَتَّى مَكَّنَهُ مِمَّا أَرَادَ بِهِمُ (" الْبَارِحَةَ ") : يَعْنِي: تَعَرَّضَ فِي صَلَاتِهِمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ (لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي) ، أَيْ: لِيَغْلِبَنِي فِي كَمَالِ صَلَاتِي، وَأَرَادَ أَنْ يَشْغَلَنِي بِالْوَسْوَسَةِ فِيهَا، (" فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ") ، أَيْ: أَعْطَانِي مُكْنَةً مِنْ أَخْذِهِ وَقُدْرَةً عَلَيْهِ أَنْ أُعَاقِبَهُ بِمَا شِئْتُ يَعْنِي جَعَلَنِي غَالِبًا عَلَيْهِ بِإِمْكَانِهِ، وَإِقْدَارِهِ إِشَارَةً إِلَى مَعْنَى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (فَأَخَذْتُهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى

стр. 1508

أَنَّ الشَّيْطَانَ عَيْنَهُ غَيْرُ نَجِسٍ وَأَنَّ لَمْسَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ لَا تَرَوْنَ صُوَرَهُمُ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا لِمَزِيدِ لُطْفِهَا الْخَارِجِ عَنْ قُدْرَةِ أَبْصَارِنَا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْ كَثَافَةِ عُنْصُرِنَا الْغَالِبِ عَلَيْنَا، وَهُوَ التُّرَابُ (" فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ ") : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، أَيْ: أَشُدُّهُ (" عَلَى سَارِيَةٍ ") ، أَيْ: أُسْطُوَانَةٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ") : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ (" حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ ") : أَيْ: إِلَى الشَّيْطَانِ فِي حَالَةِ الْمَذَلَّةِ نَظَرَ عِبْرَةٍ، وَتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ قُوَّتُهُ عَلَى التَّشَكُّلِ الْمُقْتَضِيَةُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِهِ لِجَوَازِ أَنَّ اللَّهَ سَلَبَهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ سَلَبَهُ إِيَّاهَا لَمَّا أَمْسَكَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ كَانَ حَارِسًا لِتَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ لِيَسْرِقَ مِنْهُ فَأَمْسَكَهُ فَاحْتَالَ فِي خَلَاصِهِ مِنْهُ بِتَعْلِيمِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَأَنَّهَا تَحْفَظُ قَارِئَهَا، فَظَنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُحْتَاجٌ فَرَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكَى ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَنَّهُ صَدَقَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذُوبًا، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الِانْفِلَاتِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَشَكُّلِهِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَفَعَلَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ تَمَيُّزُ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى سُلَيْمَانَ ﵊، فَإِنَّ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ حَكَمَ فِي الْجِنِّ، بِمَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَتْبَاعُ سُلَيْمَانَ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّشَكُّلِ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّفَلُّتِ بِخِلَافِ تَشَكُّلِهِ بِالْأَشْكَالِ الْعَارِضِيَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (" كُلُّكُمْ ") ، أَيْ: صِغَارُكُمْ وَكِبَارُكُمْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِخُطُورِ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِهَا بِبَالِهِ، (" فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ ") ، أَيِ: الَّتِي اسْتَجَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَهِيَ قَوْلُهُ طَلَبًا لِأَنْ يُمَيَّزَ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا لِيَفْضُلَ جَمِيعَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَةً عَلَى مِلْكِهِ، وَنُفُوذِ حُكْمِهِ فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَاءِ أَنْ يَنَالَهُ غَيْرُ نَبِيٍّ، (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا) : فِي التَّنْزِيلِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ نُقِلَ بِالْمَعْنَى ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] ، فَرَدَدْتُهُ ") ، أَيْ: دَفَعْتُهُ (" خَاسِئًا ") ، أَيْ: خَائِبًا خَاسِرًا مَهِينًا صَاغِرًا، مِنْ خَسَأْتُ الْكَلْبَ فَخَسَأَ، أَيْ: زَجَرْتُهُ مُسْتَهِينًا بِهِ فَانْزَجَرَ وَخَسَأَ: مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مُبْعَدًا يُقَالُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ، أَوْ يَكُونُ الْخَاسِئُ، بِمَعْنَى الصَّاغِرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يُرِيدُ أَنْ لَوْ رَبَطَهُ لَمْ تُسْتَجَبْ دَعْوَتُهُ، وَالْأَظْهَرُ لَوْلَا اسْتِجَابَةُ دَعْوَتِهِ لَرَبَطَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قُلْتَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ تَذَكَّرَ دَعْوَةَ سُلَيْمَانَ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّهُ تَذَكَّرَ قَبْلَهُ فَيَتَنَافَيَانِ، قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ صَدَرَا فِي وَقْتَيْنِ، قُلْتُ: أَوْ يَكُونُ الْأَخْذُ الْآتِي بِمَعْنَى الْأَخْذِ لِلرَّبْطِ، فَإِنَّهُ الْمُنَافِي لِلدَّعْوَةِ فَلَا مُنَافَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا بِوَحْدَةِ الْقَضِيَّةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1509

٩٨٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٩٨٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نَابَهُ ") ، أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّوْبُ رُجُوعُ الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَنَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَيْ حَادِثَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَنُوبَ دَائِمًا، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ إِصَابَةٍ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ، أَيْ: مَنْ أَصَابَهُ (" شَيْءٌ ") ، أَيْ: أَمْرٌ بِأَنْ يَدْعُوَهُ أَحَدٌ أَوْ يَسْتَأْذِنَهُ (" فِي صَلَاتِهِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: " فِي الصَّلَاةِ "، أَيْ: وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (" فَلْيُسَبِّحْ ") ، أَيْ: فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ يَعْنِي فَلَا يُصَفِّقْ (" فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ ") : وَهُوَ ضَرْبُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى (" لِلنِّسَاءِ ") : لِأَنَّ صَوْتَهُنَّ عَوْرَةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا لِلرِّجَالِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ صَارَ لَا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: " فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ "، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَالْمَرْأَةُ تَضْرِبُ فِي الصَّلَاةِ إِنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ بَطْنَ كَفِّهَا الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْيُسْرَى، (وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ") : قَالَ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ: التَّصْفِيقُ فِي الْحَدِيثِ مَأْخُوذٌ مِنْ صَفَّقَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، لَا بِبُطُونِهِمَا، وَلَكِنْ بِظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى الرَّاحَةِ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1510

الْفَصْلُ الثَّانِي. ٩٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ.» ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٩٨٩ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِالْحَاجَةِ» ، (قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ) ، أَيْ: نُهَاجِرَ إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ (فَيَرُدُّ عَلَيْهَا) ، أَيِ: السَّلَامَ، (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ) ، أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ وَتَفْصِيلُهُمَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ، (أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي) : نَفْلًا أَوْ فَرْضًا (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) : اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ مِنْ حِلَّ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ) ، أَيْ: أَدَّاهَا وَكَمَّلَهَا (قَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَ: " لَا "، (" إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ") ، أَيْ: يُظْهِرُ (" مِنْ أَمْرِهِ ") ، أَيْ: شَأْنِهِ أَوْ أَمْرِهِ (مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ ") ، أَيْ: حَدَّدَ مِنَ الْأَحْكَامِ بِأَنْ نَسَخَ حِلَّ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ نَاهِيًا عَنْهُ (" أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ ") : وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ الْأَحْدَاثِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا (فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَدِّ جَوَابِ السَّلَامِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
следующие страницы →