Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
١٠٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ".
ــ
١٠٨٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ فُعِلَتْ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ خَطَأٌ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ بِوَضْعِ الصُّفُوفِ مَقَامَ الصَّلَاةِ، فَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ إِلَى آخِرِهِ بِمَا لَا وَجْهَ لَهُ. (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ) : قِيلَ: إِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ بِالسَّدِيدِ، أَيِ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا (فَقَالَ: " أَقِيمُوا) أَيْ: عَدِّلُوا وَأَتِمُّوا (صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا) أَيْ: تَضَامُّوا وَتَلَاصَقُوا حَتَّى تَتَّصِلَ مَنَاكِبُكُمْ، وَلَا يَكُونَ بَيْنَكُمْ فُرَجٌ، مِنْ رَصَّ الْبِنَاءَ: أَلْصَقَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَالْمُشَابَهَةُ مَطْلُوبَةٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْغُزَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ الْإِمَامَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَسْوِيَةِ النَّاسِ. اهـ.
يَعْنِي إِذَا رَأَى خَلَلًا فِي الصَّفِّ ; وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أَيْ: بِالْمُكَاشَفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ دَوَامُهَا لِيُنَافِيَهُ خَبَرُ: لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي، فَيُخَصُّ هَذَا بِحَالَةِ الصَّلَاةِ وَعِلْمِهِ بِالْمُصَلِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " أَتِمُّوا الصُّفُوفَ) أَيِ: الْأَوَّلَ (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) .
стр. 1647
١٠٨٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٨٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» "، أَيْ: مِنْ إِتْمَامِهَا وَإِكْمَالِهَا، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَهِيَ تَعْدِيلُ أَرْكَانِهَا، وَحِفْظُهَا مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) أَيْ: كَمَالِهَا.
стр. 1648
١٠٨٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ " اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» "، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٨٨ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أَيْ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى أَعْطَافِنَا حَتَّى لَا نَتَقَدَّمَ وَلَا نَتَأَخَّرَ (فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي حَالِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ (وَيَقُولُ) أَيْ: حَالَ تَسْوِيَةِ الْمَنَاكِبِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (اسْتَوُوا) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أَيْ: بِالْأَبْدَانِ (فَتَخْتَلِفَ) : بِالتَّأْنِيثِ، وَقِيلَ: بِالتَّذْكِيرِ (قُلُوبُكُمْ) أَيْ: أَهْوِيَتُهَا وَإِرَادَتُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَخْتَلِفَ بِالنَّصْبِ، أَيْ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْقَلْبَ تَابِعٌ لِلْأَعْضَاءِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ اخْتَلَفَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ فَسَدَ فَفَسَدَتِ الْأَعْضَاءُ لِأَنَّهُ رَئِيسُهَا. قُلْتُ: الْقَلْبُ مَلَكٌ مُطَاعٌ وَرَئِيسٌ مُتَّبَعٌ، وَالْأَعْضَاءُ كُلُّهَا تَبَعٌ لَهُ، فَإِذَا صَلَحَ الْمَتْبُوعُ صَلَحَ التَّبَعُ، وَإِذَا اسْتَقَامَ الْمَلِكُ اسْتَقَامَتِ الرَّعِيَّةُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: " «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْأَعْضَاءِ تَعَلُّقًا عَجِيبًا، وَتَأْثِيرًا غَرِيبًا بِحَيْثُ أَنَّهُ يَسْرِي مُخَالَفَةُ كُلٍّ إِلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مَدَارَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَبْرِيدَ الظَّاهِرِ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ، وَكَذَا: بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَقْوَى. (لِيَلِنِي مِنْكُمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ قَبْلَ النُّونِ، وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ مَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى التَّأْكِيدِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: " لِيَلِيَنِي " قَالَ شَارِحُهُ: الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ فَيَجِبُ حَذْفُ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ. قِيلَ: لَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ، أَوْ كُتِبَ بِالْيَاءِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، ثُمَّ قُرِئَ كَذَا. أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ، كَمَا قِيلَ فِي: لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَّعِي، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى
стр. 1649
الْأَصْلِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ) أَوْ أَنَّهُ لُغَةٌ فِي أَنَّ سُكُونَهُ تَقْدِيرِيٌّ (أُولُو الْأَحْلَامِ) : جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرِ كَأَنَّهُ مِنَ الْحِلْمِ وَالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْأَنَاةِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجَانِ الْغَضَبِ، وَيُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ ; لِأَنَّهَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْلِ وَشِعَارِ الْعُقَلَاءِ، وَقِيلَ: أُولُو الْأَحْلَامِ: الْبَالِغُونَ، وَالْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبُلُوغُ وَأَصْلُهُ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ. (وَالنُّهَى) : بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ نُهْيَةٍ، وَهُوَ الْعَقْلُ النَّاهِي عَنِ الْقَبَائِحِ، أَيْ: لِيَدْنُ مِنِّي الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ لِشَرَفِهِمْ وَمَزِيدِ تَفَطُّنِهِمْ وَتَيَقُّظِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِصَلَاتِهِ، وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَارِضٌ يَخْلُفُوهُ فِي الْإِمَامَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَرَ بِتَقَدُّمِ الْعُقَلَاءِ ذَوِي الْأَخْطَارِ وَالْعِرْفَانِ لِيَحْفَظُوا صَلَاتَهُ، وَيَضْبِطُوا الْأَحْكَامَ وَالسُّنَنَ، فَيُبَلِّغُوا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مَعَ الْإِفْصَاحِ عَنْ جَلَالَةِ شَأْنِهِ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْفَضِيلَةِ، وَإِرْشَادٌ لِمَنْ قَصَرَ حَالُهُمْ عَنِ الْمُسَاهَمَةِ مَعَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ إِلَى تَحَرِّي مَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا. (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : كَالْمُرَاهِقِينَ، أَوِ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ الْأَوَّلِينَ فِي النُّهَى وَالْحِلْمِ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : كَالصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ، أَوِ الَّذِينَ هُمْ أَنْزَلُ مَرْتَبَةً مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ حِلْمًا وَعَقْلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هَلُمَّ جَرًّا، فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَالنِّسَاءِ، فَإِنَّ نَوْعَ الذَّكَرِ أَشْرَفُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْخَنَاثَى، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْتِيبِ الصُّفُوفِ.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) : أَيِ الْمَذْكُورُ (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا خِطَابٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ هَيَّجُوا الْفِتَنَ، وَأَرَادَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ عَدَمُ تَسْوِيَةِ صُفُوفِكُمْ اهـ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشَدَّ أَصْلُ الْفِعْلِ وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1650
١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " ثَلَاثًا " وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٨٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِيَلِنِي) : بِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ (مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى) : رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، " ثَلَاثًا) أَيْ: كَرَّرَ ثُمَّ وَمَا بَعْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ) : جَمْعُ هَيْشَةٍ، وَهِيَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ، نَهَاهُمْ عَنْهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ حُضُورٌ بَيْنَ يَدَيِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا فِيهَا عَلَى السُّكُوتِ وَآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ الِاخْتِلَاطُ، وَالْمَعْنَى لَا تَكُونُوا مُخْتَلِطِينَ اخْتِلَاطَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَتَمَيَّزُ أَصْحَابُ الْأَحْلَامِ وَالْعُقُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الصِّبْيَانُ وَالْإِنَاثُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ عَنْ أَنْ تَلُونِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1651
١٠٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: " تَقَدَّمُوا وَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٩٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا) أَيْ: فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: فِي أَخْذِ الْعِلْمِ (فَقَالَ لَهُمْ: " تَقَدَّمُوا وَأْتَمُّوا بِي) أَيِ: اصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ (وَلْيَأْتَمَّ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمُصَلِّينَ أَوْ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ التَّأَخُّرَ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، أَوِ التَّأَخُّرَ عَنِ الْعِلْمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ: لِيَقِفْ الْأَلِبَّاءُ وَالْعُلَمَاءُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَلْيَقِفَ مَنْ دُونَهُمْ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، فَإِنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَ يَقْتَدُونَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ظَاهِرًا لَا حُكْمًا، وَعَلَى الثَّانِي الْمَعْنَى لِيَتَعَلَّمْ كُلُّكُمْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلْيَتَعَلَّمْ التَّابِعُونَ مِنْكُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَلُونَكُمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. (لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ) أَيْ: عَنِ الصَّفِّ، أَوْ عَنِ الْخَيْرَاتِ، أَوْ عَنِ الْعِلْمِ، أَوْ عَنِ اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ، أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَعِظَمِ فَضْلِهِ، وَرَفِيعِ الْمَنْزِلَةِ، وَعَنِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1652
١٠٩١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا، فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ ! ". ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: " أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: " يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٩١ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا) : بِفَتْحِ الْحَاءِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ حَلْقَةٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ كَقَصْعَةٍ وَقِصَعٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ جُلُوسًا حَلْقَةً حَلْقَةً كُلُّ صَفِّ مِنَّا قَدْ تَحَلَّقَ، انْتَهَى. أَوْ كُلُّ إِنْسَانٍ انْضَمَّ إِلَى قَرِيبِهِ أَوْ صَاحِبِهِ. (فَقَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟) : جَمْعُ عِزَةٍ، أَيْ: جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقِينَ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْكَارُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَالْمَقْصُودُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ كَائِنِينَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، لَمْ يَقُلْ مَا لَكُمْ ; لِأَنَّ مَا لِي أَرَاكُمْ أَبْلَغُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ هَذَا (فَقَالَ: " أَلَا تَصُفُّونَ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ (كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ، أَيْ: عِنْدَ قِيَامِهَا لِطَاعَةِ رَبِّهَا، أَوْ عِنْدَ عَرْشِ رَبِّهَا (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: " يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَعْنَى لَا يَشْرَعُونَ فِي صَفٍّ حَتَّى يَكْمُلَ الَّذِي قَبْلَهُ. (وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1653
١٠٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا. وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا) : لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ وَبُعْدِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ (وَشَرُّهَا آخِرُهَا) : لِقُرْبِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ وَبُعْدِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، فَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ أَعْلَمُ بِحَالِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ مُتَابَعَتُهُ أَكْثَرَ وَثَوَابُهُ أَوْفَرَ. (وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا) : لِبُعْدِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ (وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) : لِقُرْبِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ مَرْتَبَةَ النِّسَاءِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الذُّكُورِ، فَيَكُونُ آخِرُ الصُّفُوفِ أَلْيَقَ بِمَرْتَبَتِهِنَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّجَالُ مَأْمُورُونَ بِالتَّقَدُّمِ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَدُّمًا فَهُوَ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَمَأْمُورَاتٌ بِالِاحْتِجَابِ.
قُلْتُ: بَلْ بِالتَّأَخُّرِ، أَيْضًا لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: أَخِّرُوهُنَّ كَمَا أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ شَرٌّ مِنَ اللَّاتِي يَكُنَّ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِصَفٍّ آخَرَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ نَحْوُ مِنْبَرٍ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَصْحَابُهُ فِي الْمَجِيءِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْهُ شَيْءٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَصْحَابُهُ، وَعَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّرٍ، ثُمَّ قِيلَ: مَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنْكَرٌ كَلُبْسِ حَرِيرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ شَاغِلٍ، وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ عَنْهُ أَسْلَمَ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : كَانَ يُمْكِنُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُجْمِلَ وَيَقُولَ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ مُسْلِمٌ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ، وَلَعَلَّ عَادَتَهُ فِيمَا إِذَا كَانَ لِلْأَحَادِيثِ سَنَدٌ وَاحِدٌ بِاتِّفَاقِ رِجَالِهِ وَخِلَافِهَا فِي خِلَافِهِ.
стр. 1654
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٩٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ ; فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٩٣ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رُصُّوا) : بِضَمِّ الرَّاءِ (صُفُوفَكُمْ) أَيْ: سَوُّوهَا وَضُمُّوا بَعْضَكُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَكُمْ فُرْجَةٌ (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ: بَيْنَ الصُّفُوفِ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ بَيْنَ صَفَّيْنِ
стр. 1655
صَفٌّ آخَرُ، فَيَصِيرُ تَقَارُبُ أَشْبَاحِكُمْ سَبَبًا لِتَعَاضُدِ أَرْوَاحِكُمْ، وَلَا يَقْدِرُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ (وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) أَيْ: بِأَنْ لَا يَتَرَفَّعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يَقِفَ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْآخَرِ قَالَهُ الْقَاضِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَعْنَاقِ إِذْ لَيْسَ عَلَى الطَّوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ عُنُقَهُ مُحَاذِيًا لِلْقَصِيرِ، انْتَهَى. وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُحَاذَاةِ الْأَعْنَاقِ بِالْمُحَاذَاةِ بِالْمَنَاكِبِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ» " (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لِأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَنْ خَلَلِ الصَّفِّ) : بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: فُرْجَتِهِ، أَوْ كَثْرَةِ تَبَاعُدِهَا عَنْ بَعْضٍ. (كَأَنَّهَا الْحَذَفُ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْغَنَمُ السُّودُ الصِّغَارُ مِنْ غَنَمِ الْحِجَازِ، وَقِيلَ: صِغَارٌ جُرْدٌ لَيْسَ لَهَا آذَانٌ وَلَا أَذْنَابٌ، يُجَاءُ بِهَا مِنَ الْيَمَنِ، أَيْ: كَأَنَّ الشَّيْطَانَ وَأُنِّثَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أُنِّثَ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْخَبَرِ لِلْجِنْسِ، يَكُونُ فِي الْمَعْنَى جَمْعًا، وَفِي نُسْخَةٍ (كَأَنَّهُ) وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ الْمُظْهِرُ: الضَّمِيرُ فِي (كَأَنَّهَا) رَاجِعٌ إِلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: جَعَلَ نَفْسَهُ شَاةً أَوْ مَاعِزَةً كَأَنَّهَا الْحَذَفُ، وَقِيلَ: وَيَجُوزُ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الشَّيْطَانِ، وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْحَذَفِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَهُمَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى مُقَدَّرٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ وَقَالَ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا.
стр. 1656
١٠٩٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ) أَيِ: الْأَوَّلَ (ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 1657
١٠٩٥ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الْأُولَى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفًّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٥ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ) أَيْ: يَقُومُونَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ يُبَاشِرُونَ وَيَتَوَلَّوْنَ (الصُّفُوفَ الْأُولَى) : فَالْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ (وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ) : بِالْفَتْحِ وَيُضَمُّ، وَمِنْ زَائِدَةٌ. وَخُطْوَةٌ اسْمُ " مَا " وَقَوْلُهُ: (أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ) : بِالنَّصْبِ خَبَرُهُ، وَالْأَصَحُّ رَفْعُهُ فَهُوَ اسْمُهُ، وَمِنْ خُطْوَةٍ خَبَرُهُ (مِنْ خُطْوَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (يَمْشِيهَا) : بِالْغَيْبَةِ صِفَةُ خُطْوَةٍ، أَيْ: يَمْشِيهَا الرَّجُلُ، وَكَذَا (يَصِلُ بِهَا صَفًّا) : وَقِيلَ: بِالْخِطَابِ فِيهِمَا، وَالضَّمِيرَانِ لِلْخُطْوَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
стр. 1658
١٠٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ) : جَمْعُ مَيْمَنَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَيَامِينِ الصُّفُوفِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ يَمِينِ الصُّفُوفِ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ أَوَّلًا عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إِلَى آخِرِ الْيَمِينِ، ثُمَّ عَلَى الْيَسَارِ إِلَى آخِرِهِ، قِيلَ: وَإِذَا خَلَا الْيَسَارُ عَنِ الْمُصَلِّينِ يَصِيرُ أَفْضَلَ مِنَ الْيَمِينِ مُرَاعَاةً لِلطَّرَفَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، أَيْ: أَوَّلًا عِنْدَ السَّلَامِ، أَوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الِانْصِرَافِ.
стр. 1659
١٠٩٧ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسَتْوَيْنَا كَبَّرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٧ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا) : بِالْيَدِ، أَوِ الْإِشَارَةِ، أَوِ الْقَوْلِ (إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: لِلْجَمَاعَةِ (فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ) أَيْ: لِلْإِحْرَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَوِّيَ الصُّفُوفَ ثُمَّ يُكَبِّرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1660
١٠٩٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ: " اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ". وَعَنْ يَسَارِهِ: " اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فِي إِبْدَاءِ الْأَمْرِ (يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ: مُنْصَرِفًا بِوَجْهِهِ عَنْ جِهَةِ يَمِينِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى يَمِينِ الصَّفِّ (اعْتَدِلُوا) أَيِ: اسْتَقِيمُوا (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ". وَعَنْ يَسَارِهِ " اعْتَدِلُوا) أَيْ: فِي الْقِيَامِ (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) : بِعَدَمِ تَخْلِيَةِ الْفُرْجَةِ، أَوِ الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ أَوْ تَأْكِيدٌ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1661
١٠٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خِيَارُكُمْ) أَيْ: فِي الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، (أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ (فِي الصَّلَاةِ) : قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الصَّفِّ وَأَمَرَهُ أَحَدٌ بِالِاسْتِوَاءِ، أَوْ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَنْكِبِهِ يَنْقَادُ وَلَا يَتَكَبَّرُ، فَالْمَعْنَى أَسْرَعُكُمُ انْقِيَادًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لُزُومُ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَلْتَفِتُ وَلَا يُحَاكُّ بِمَنْكِبِهِ مَنْكِبَ صَاحِبِهِ، فَالْمَعْنَى أَكْثَرُكُمْ سَكِينَةً وَوَقَارًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمْتَنِعُ أَحَدُكُمْ لِضِيقِ الْمَكَانِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ بَيْنَ الصَّفِّ لِسَدِّ الْخَلَلِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالْبَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: " «وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ» " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: وَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: رَوَى جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 1662
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٠٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " اسْتَوُوا، اسْتَوُوا ; فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١٠٠ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا) : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَقَعَ إِجْمَالًا، وَالثَّانِي لِأَهْلِ الْيَمِينِ، وَالثَّالِثُ لِأَهْلِ الْيَسَارِ، (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ) : بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ الْمُكَاشَفَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1663
١١٠١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " وَعَلَى الثَّانِي " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحَذَفِ» " يَعْنِي أَوْلَادَ الضَّأْنِ الصِّغَارِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١١٠١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ) : بِإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالدُّعَاءِ بِالتَّوْفِيقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. (عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا وَدُعَاءً، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟) أَيْ: قُلْ وَعَلَى الثَّانِي، وَيُسَمَّى هَذَا الْعَطْفُ عَطْفَ تَلْقِينٍ وَالْتِمَاسٍ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ ﵇: " «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَقِّقِينَ» " الْحَدِيثَ. (قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ: ثَانِيًا، (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أَيْ ثَالِثًا (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: " وَعَلَى الثَّانِي) : فَالتَّكْرَارُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَحُصُولَ الْكَمَالِ لِلْأَوَّلِ، وَتَثْلِيثَ الرَّحْمَةِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) أَيْ: بِالِاعْتِدَالِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَالِ. (وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ) أَيْ: بِالْوُقُوفِ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ (وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) : بِالِانْقِيَادِ وَالِانْضِمَامِ (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيْ: مِنَ الصُّفُوفِ، أَوْ مِمَّا بَيْنَهُنَّ، (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ) : لِيُشَوِّشَ عَلَيْكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ بِالْإِغْوَاءِ وَالْإِشْغَالِ (بِمَنْزِلَةِ الْحَذَفِ) أَيْ: فِي صُورَتِهَا (يَعْنِي: أَوْلَادَ الضَّأْنِ الصِّغَارِ) : تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 1664
١١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: " وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا " إِلَى آخِرِهِ.
ــ
١١٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أَيْ: عَدِّلُوهَا وَسَوُّوهَا (وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ) بِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَوَاقِفِ أَوْ بِالتَّقَارُبِ (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيِ: الْفُرْجَةَ فِي الصُّفُوفِ (وَلِينُوا) أَيْ: كُونُوا لَيِّنِينَ هَيِّنِينَ مُنْقَادِينَ (بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) أَيْ: إِذَا أَخَذُوا بِهَا لِيُقَدِّمُوكُمْ أَوْ يُؤَخِّرُوكُمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ الصَّفُّ لِتَنَالُوا فَضْلَ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِينُوا بِيَدِ مَنْ يَجُرُّكُمْ مِنَ الصَّفِّ، أَيْ: وَافِقُوهُ وَتَأَخَّرُوا مَعَهُ لِتُزِيلُوا عَنْهُ وَصْمَةَ الِانْفِرَادِ الَّتِي أَبْطَلَ بِهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَجَاءَ فِي مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: " «إِنْ جَاءَ فَلَمْ يَجِدْ خَلَلًا أَوْ أَحَدًا فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الصَّفِّ، فَلْيَقُمْ مَعَهُ، فَمَا أَعْظَمَ أَجْرَ الْمُخْتَلَجِ» "، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ مُحَصِّلٌ لَهُ فَضِيلَةَ مَا فَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّفِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنَ الْأَجْرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ تَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ. (وَلَا تَذَرُوا) أَيْ: لَا تَتْرُكُوا (فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ) أَيِ: الْجِنِّيِّ وَالْإِنْسِيِّ، وَالْفُرُجَاتُ: بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ جَمْعُ فُرْجَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ. (وَمَنْ) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَمَنْ (وَصَلَ صَفًّا) : بِالْحُضُورِ فِيهِ وَسَدِّ الْخَلَلِ مِنْهُ (وَصَلَهُ اللَّهُ) أَيْ: بِرَحْمَتِهِ (وَمَنْ قَطَعَهُ) أَيْ: بِالْغَيْبَةِ، أَوْ بِعَدَمِ السَّدِّ، أَوْ بِوَضْعِ شَيْءٍ مَانِعٍ. (قَطَعَهُ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَعِنَايَتِهِ الْكَامِلَةِ، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدُ بَلِيغٌ، وَلِذَا عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ فِي كِتَابِهِ الزَّوَاجِرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ. (وَرَوَى النَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ خُزَيْمَةَ كَذَلِكَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ (قَوْلَهُ) : ﵇ مَفْعُولُ رَوَى (وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا " إِلَى آخِرِهِ) : بَيَانُ الْمَقُولِ، أَيْ: لَا صَدْرُ الْحَدِيثِ.
стр. 1665
١١٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١١٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اجْعَلُوا إِمَامَكُمْ مُتَوَسِّطًا بِأَنْ تَقِفُوا فِي الصُّفُوفِ خَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَسَّطَهُمْ: جَلَسَ وَسَطَهُمْ كَتَوَسَّطَهُمْ، وَوَسَّطَهُ تَوْسِيطًا: جَعَلَهُ فِي الْوَسَطِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَوَسَّطُوا بِالْإِمَامِ، فَيَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ. (وَسُدُّوا الْخَلَلَ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1666
١١٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١١٠٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) : وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسَابَقَةِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْمَبَرَّاتِ (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: يَجْعَلَهُمْ آخِرَ الْأَمْرِ (فِي النَّارِ) : أَوْ يَجْعَلَهُمْ مُتَأَخِّرِينَ فِي أَهْلِ النَّارِ ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] لِأَعْمَالِهِمْ وَطِبَاقًا لِأَحْوَالِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ وَيُدْخِلَهُمُ النَّارَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
стр. 1667
١١٠٥ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁، قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
١١٠٥ - (وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا عَنِ الصَّفِّ مَعَ سَعَةِ الْمَكَانِ (فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ) : اسْتِحْبَابًا لِارْتِكَابِهِ الْكَرَاهَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ تَغْلِيظًا وَتَشْدِيدًا. يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الْمَوْقِفِ. قُلْتُ: لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا خُصُوصًا عَلَى رِوَايَةِ: (لَا تُعِدْ) مِنَ الْإِعَادَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَاقَضَةٌ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّ النَّهْيَ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي وَقْتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِانْفِرَادُ خَلْفَ الصَّفِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الْحَدِيثَ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ كَانَ اسْتِحْبَابًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَيُوَافِقُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ، أَيْضًا: " «لَا صَلَاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ» ". وَمِنْهَا: أَخَذَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ عَنِ الصَّفِّ مَعَ إِمْكَانِ الدُّخُولِ فِيهِ، وَحَمَلَ أَئِمَّتُنَا الْأَوَّلَ عَلَى النَّدْبِ، وَالثَّانِيَ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ لِيُوَافِقَا خَبَرَ الْبُخَارِيِّ، «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى ; إِذْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ لُزُومِ الْإِعَادَةِ لِعَدَمِ أَمْرِهِ بِهَا، وَأَيْضًا فَهُوَ ﵇ تَرَكَهُ حَتَّى فَرَغَ، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى الْمُضِيِّ فِيهَا مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَإِنْ صَحَّحَهُ وَحَسَّنَهُ مَنْ ذُكِرَ أَعَلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: لَا تَعُدْ إِلَى الْإِحْرَامِ خَارِجَ الصَّفِّ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إِلَى التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَقِيلَ: لَا تَعُدْ إِلَى إِتْيَانِ الصَّلَاةِ مُسْرِعًا.
стр. 1668
[بَابُ الْمَوْقِفِ]
стр. 1669
(٢٥) بَابُ الْمَوْقِفِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١٠٦ - «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٢٥] بَابُ الْمَوْقِفِ
أَيْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١٠٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ) أَيْ: رَقَدْتُ أَوْ كُنْتُ لَيْلًا (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) : مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) أَيْ: مِنَ اللَّيْلِ، وَظَاهِرُهُ التَّهَجُّدُ (فَقُمْتُ) أَيْ:، وَقَفْتُ (عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) أَيْ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الشُّرَّاحُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ قَامَ يُصَلِّي (فَعَدَلَنِي) : بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: أَمَالَنِي، وَصَرَفَنِي (كَذَلِكَ) أَيْ: آخِذًا بِيَدِي (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) : بَيَانٌ لِذَلِكَ: (إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَدَلَنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: عَدَلَنِي عَدْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ هِيَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِهَا الَّتِي صَوَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ عِنْدَ التَّحَدُّثِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ نَافِلَةً بِالْجَمَاعَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَأْمُومَ الْوَاحِدَ يَقِفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: عَدَمُ جَوَازِ تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَكَانَتْ إِدَارَتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْسَرَ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ فِي صَلَاتِهِ مُنْفَرِدَا، ثُمَّ ائْتَمَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ يَسَارَهُ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَدَمِ الْإِسَاءَةِ إِذَا كَانَ خَلْفَهُ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَهُ وَسَأَلَهُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِيَكَ فِي الْمَوْقِفِ، فَدَعَا لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ غَلَطٍ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ﵇ وَكَانَ ذَلِكَ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ، وَدُعَاؤُهُ لَهُ لِحُسْنِ تَأْدِيبِهِ، لَا لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ صَحَّتْ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْإِقَامَةَ عَنْ يَمِينِهِ ﵇ كَانَتْ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ: أُورِدَ كَيْفَ جَازَ النَّفْلُ بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ بِدْعَةٌ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ أَدَاءَهُ بِلَا آذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، يَجُوزُ عَلَى أَنْ نَقُولُ: كَانَ التَّهَجُّدُ عَلَيْهِ ﵇ فَرْضًا فَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرُوِيَ مُطَوَّلًا، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مُطَوَّلًا.
стр. 1670
١١٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١١٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ (فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ لَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي) : تَعْلِيمًا لِلْأَدَبِ (ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعْنَا) تَعْلِيمًا لِلْأَدَبِ (ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا) أَيْ: أَخَّرَنَا (حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ ﵇ أَخَذَ بِيَمِينِهِ شِمَالَ أَحَدِهِمَا وَبِشَمَالِهِ يَمِينَ الْآخَرِ فَدَفَعَهُمَا: قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَيَصْطَفَّ اثْنَانِ فَصَاعِدًا خَلْفَهُ، وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الْوَاحِدَةَ وَالْحَرَكَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ لَا تُبْطِلُ، وَكَذَا مَا زَادَ إِذَا تَفَاصَلَتْ.
стр. 1671
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: أُصَلِّي مِنْ خَلْفِكُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخْذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمُ الْوَقْفُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: الثَّابِتُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: (هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) . قِيلَ: كَأَنَّهُمَا ذُهِلَا، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ لَمْ يَرْفَعْهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَرَفَعَهُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ إِلَخْ. وَإِذَا صَحَّ الرَّفْعُ، فَالْجَوَابُ إِمَّا بِأَنَّهُ فَعَلَهُ لِضِيقِ الْمَكَانِ، أَوْ مَا قَالَ الْحَازِمِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَعَلَّمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ إِذْ فِيهَا التَّطْبِيقُ وَأَحْكَامٌ أُخْرَى هِيَ الْآنَ مَتْرُوكَةٌ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلَمَّا قَدِمَ ﵇ الْمَدِينَةَ تَرَكَهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي بَعْدَ بَدْرٍ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَغَايَةُ مَا فِيهِ خَفَاءُ النَّاسِخِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ دَأْبُهُ ﵇ إِلَّا إِمَامَةَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ دُونَ الِاثْنَيْنِ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ كَهَذِهِ الْقِصَّةِ وَحَدِيثِ الْيَتِيمِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلِمَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
стр. 1672
١١٠٨ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١١٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا) : مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّيْتُ، قِيلَ قَوْلُهُ: يَتِيمٌ اسْمُ عَلَمٍ لِأَخِي أَنَسٍ، وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ اسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ، وَهُوَ جَدُّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: كَذَا سَمَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَأَظُنُّهُ سَمِعَهَا مِنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَضُمَيْرَةُ هُوَ ضَمْرَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْيَتِيمُ هُوَ ضُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْحِمْيَرِيُّ قَالَهَا النَّوَوِيُّ. (خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ) أَيْ: أُمُّ أَنَسٍ (خَلْفَنَا) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ يَقِفُ مَعَ الرِّجَالِ، قُلْتُ: هَذَا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَنَسًا حِينَئِذٍ كَانَ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَخَدَمُهُ عَشْرَ سِنِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: أَقُولُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا» ، فَالْعَجَبُ مِنَ الْمُصَنِّفِ فِي عَزْوِهِ الْحَدِيثَ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيْخَ الْجَزَرِيَّ أَيْضًا عَزَاهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ، وَاللَّهُ الْهَادِي. قُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَغْفَلُ وَلَا يَنْسَى.
стр. 1673
١١٠٩ - (وَعَنْهُ) «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١١٠٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ) أَيْ: بِأَنَسٍ (وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَأَقَامَنِي) أَيْ: أَمَرَنِي بِالْقِيَامِ (عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 1674
١١١٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: «أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١١١٠ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ (رَاكِعٌ، فَرَكَعَ، أَيْ: نَوَى وَكَبَّرَ قَائِمًا.
وَرَكَعَ (قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ) : لِيُدْرِكَهُ ﵇ فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ (ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ) أَيْ: بِخُطْوَتَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ غَيْرِ مُتَوَالِيَةٍ (فَذُكِرَ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقِيلَ مَعْلُومٌ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا فَعَلَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا) : عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ (وَلَا تَعُدْ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَفْعَلْهُ مِثْلَ مَا فَعَلْتَهُ ثَانِيًا. وَرُوِيَ وَلَا تَعْدُ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنَ الْعَدْوِ، أَيْ: لَا تُسْرِعْ فِي الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاصْبِرْ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ اشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الْإِعَادَةِ، أَيْ: لَا تُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّيْتَهَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فِيهِ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا: لَا تَعْدُ مِنَ الْعَدْوِ، كَقَوْلِهِ: " «لَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ» "، وَالثَّانِي: لَا تَعُدْ إِلَى التَّأَخُّرِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَفُوتَكَ الرَّكْعَةُ مَعَ الْإِمَامِ، وَالثَّالِثُ: لَا تَعُدْ إِلَى الْإِحْرَامِ خَلْفَ الصَّفِّ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّالِثَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَالْأَجْمَعُ مَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَعُدْ إِلَى مَا صَنَعْتَ مِنَ السَّعْيِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ مِنَ الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مِنَ الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ.
стр. 1675
وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: " لَا تَعُدْ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ مِنَ الْعَوْدِ، أَيْ: لَا تَعُدْ ثَانِيًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمَشْيُ إِلَى الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخُطْوَةُ وَالْخُطْوَتَانِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ، فَالْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهَاهُ عَنِ اقْتِدَائِهِ مُنْفَرِدًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ رُكُوعِهِ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الصَّفِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: وَلَا تُعِدْ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الْإِعَادَةِ، أَيْ: لَا تُعِدْ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَضَمِّ الدَّالِ مِنَ الْعَدْوِ، أَيْ: لَا تُسْرِعْ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ أَلْفَاظَ النُّبُوَّةِ وَتَغْيِيرِهَا كَوْنُهُمْ لَمْ يَحْفَظُوهَا أَوْ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ بِالرِّوَايَةِ، فَيَذْكُرُونَ مَا يَحْتَمِلُهُ الْخَطُّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
قَالَ الْقَاضِي: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِانْفِرَادَ خَلْفَ الصَّفِّ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَوَكِيعٌ، وَأَحْمَدُ: مُبْطِلٌ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَوْ كَانَ الِانْفِرَادُ مُفْسِدًا لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ مُنْعَقِدَةً لِاقْتِرَانِ الْمُفْسِدِ بِتَحْرِيمِهَا، وَمَعْنَى لَا تَعُدْ لَا تَفْعَلْ ثَانِيًا مِثْلَ مَا فَعَلْتَ إِنْ جُعِلَ نَهْيًا عَنِ اقْتِدَائِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ رُكُوعُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْخُطْوَةَ وَالْخُطْوَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُفْسِدِ الصَّلَاةَ لَكِنَّ الْأَوْلَى التَّحَرُّزُ عَنْهَا. قِيلَ: فَعَلَى هَذَا النَّهْيِ عَنِ الْعَوْدِ أُمِرَ بَأَنْ يَقِفَ حَيْثُ أَحْرَمَ وَيُتِمَّ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَمُحْيِي السُّنَّةِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِانْفِرَادَ خَلْفَ الصَّفِّ لَا يُبْطِلُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَأَرْشَدَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَعُدْ، فَإِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ; إِذْ لَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لِأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وُجُوبًا لِأَدَاءِ صَلَاتِهِ عَلَى وَجْهِ الْحُرْمَةِ لَا لِأَجْلِ فَسَادِهَا، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1676
الْفَصْلُ الثَّانِي
١١١١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١١١١ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَتُفْتَحُ (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً) : وَهُوَ أَقَلُّ كَمَالِ الْجَمَاعَةِ (أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا) : مَعْمُولُ أَمَرَنَا عَلَى حَذْفِ الْبَاءِ، أَيْ: بِأَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا، وَ (إِذَا كُنَّا) ظَرْفٌ (يَتَقَدَّمُنَا) وَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ لِلِاتِّسَاعِ فِي الظُّرُوفِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَكُونُ أَحَدُنَا إِمَامًا، وَكَذَا اثْنَيْنِ فَيَؤُمُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، قُلْتُ: لَكِنْ إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ يَكُونُ التَّقَدُّمُ حِسًّا وَمَعْنًى، وَإِذَا كَانَ اثْنَانِ فَالتَّقَدُّمُ مَعْنَوِيٌّ ; لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْمُنْفَرِدَ يَقِفُ بِحِذَاءِ الْإِمَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْمَاعِيلَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 1677
١١١٢ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ، وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ» "؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١١١٢ - وَعَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ) : بِالْهَمْزِ بَلَدُ كِسْرَى قُرَيْبَ الْكُوفَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى دِجْلَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَغْدَادَ (وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ) أَيْ: وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَامَ الْإِمَامُ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي الْمَكَانِ الْأَعْلَى لَا يُكْرَهُ، وَفِي الِانْفِرَادِ بِالْمَكَانِ أَسْفَلَ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَخُصُّونَ إِمَامَهُمْ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْكَرَاهَةُ ; لِأَنَّ فِيهِ ازْدِرَاءً بِالْإِمَامِ، وَمِقْدَارُ الِارْتِفَاعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ
стр. 1678
كَرَاهَةُ الِانْفِرَادِ، قِيلَ: مِقْدَارُ قَامَةٍ، وَقِيلَ: مَا يَقَعُ بِهِ الِامْتِيَازُ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ ذِرَاعٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (يُصَلِّي) : حَقِيقَةً أَوْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ) أَيْ: قَائِمُونَ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْ مَكَانِهِ (فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ) أَيْ: مِنَ الصَّفِّ (فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ: أَمْسَكَهُمَا وَجَرَّ عَمَّارًا مِنْ خَلْفِهِ لِيَنْزِلَ إِلَى أَسْفَلَ وَيَسْتَوِيَ مَعَ الْمَأْمُومِينَ (فَاتَّبَعَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ (عَمَّارٌ) أَيْ: طَاوَعَهُ (حَتَّى أَنْزَلَهُ) أَيْ: مِنَ الدُّكَّانِ (حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ (يَقُولُ: " إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ) أَيْ: أَعْلَى (مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) : عَطْفٌ عَلَى مَفْعُولِ يَقُولُ (فَقَالَ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (عَمَّارٌ: لِذَلِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ سَمَاعِي هَذَا النَّهْيَ مِنْهُ أَوَّلًا وَتَذَكُّرِي بِفِعْلِكَ ثَانِيًا (اتَّبَعْتُكَ) أَيْ: فِي النُّزُولِ (حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدِي) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ كَوْنِ مَوْضِعِ الْإِمَامِ أَعْلَى مِنْ مَوْضِعِ الْمَأْمُومِينَ، لَكِنْ إِنَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ لَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ أَعْلَى مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ، لَا مِنْ مَوْضِعِ جَمِيعِ الصُّفُوفِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ. فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَذَكَرَهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ كَمَا تَرَى رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لَكِنْ رَوَى هَمَّامٌ قَالَ: أَمَّ حُذَيْفَةُ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَذَبَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي، وَفِي رِوَايَةٍ: جَذَبْتَنِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، أَيْضًا، وَقَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ: إِنَّ حُذَيْفَةَ هُوَ الْإِمَامُ وَابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي أَخَذَ بِقَمِيصِهِ فَجَذَبَهُ، الْحَدِيثَ. وَلَا تَخَالُفَ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ، وَلَا بَعُدَ أَنْ حُذَيْفَةَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وَاقِعَتِهِ مَعَ عَمَّارٍ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ وَيَبْقَى النَّاسُ خَلْفَهُ؟ اهـ. نَقَلُهُ مَيْرَكٌ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 1679
١١١٣ - «وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ» . هَذَا لَفَظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» .
ــ
١١١٣ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) : كَانَ اسْمُهُ حَزْنًا، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْلًا. (أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟) : اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ ; إِذِ السُّؤَالُ عَنْ مِنْبَرِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الطَّرْفَاءِ، وَالْغَابَةُ غَيْضَةٌ ذَاتُ شَجَرٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَثْلُ هُوَ الطَّرْفَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرَةٌ شَبِيهٌ بِالطَّرْفَاءِ إِلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ (عَمِلَهُ فُلَانٌ) قِيلَ: اسْمُهُ بَاقُومُ الرُّومِيُّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذُكِرَ أَنَّهُ صَنَعَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ. (مَوْلَى فُلَانَةَ) : قِيلَ: اسْمُهَا عَائِشَةُ أَنْصَارِيَّةٌ، وَقِيلَ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَعْرِفْ نَسَبَهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِهِ (وَقَامَ عَلَيْهِ) أَيْ: لِلتَّعْلِيمِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَمِلَ) أَيْ: صَنَعَ (وَوُضِعَ) أَيْ: فِي مَكَانِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَسْجِدِ (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ) أَيْ: لِلتَّحْرِيمَةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الدَّرَجَةِ الْأَخِيرَةِ فَلَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ (وَقَامَ النَّاسُ ". خَلْفَهُ) : اقْتِدَاءً بِهِ (فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، أَيْ: بِخُطْوَتَيْنِ (الْقَهْقَرَى) أَيِ: الرُّجُوعَ الْقَهْقَرَى مَصْدَرٌ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى خَلْفٍ، أَيْ
стр. 1680
الرُّجُوعُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مَشَى إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعُودَ إِلَى جِهَةِ مَشْيِهِ، (فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا الْمِنْبَرُ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، فَالنُّزُولُ يَتَيَسَّرُ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَرَادَ تَعْلِيمَ الْقَوْمِ، أَيِ: الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ الصَّلَاةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ أَعْلَى، قِيلَ: قَوْلُهُ: عَمِلَ إِلَخْ. زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْمُهِمُّ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْغَرِيبَةَ، إِنَّمَا ذَكَرَ حِكَايَةَ صُنْعِ الصَّانِعِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْفَوَائِدِ، (ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَرَكَعَ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) : أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ هُنَا تَأَسِّيًا بِالْمَصَابِيحِ، حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الْحِسَانِ لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّهُ مُقَيِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ.
(وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (وَفِي آخِرِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَالَ، أَيِ الرَّاوِي فِي آخِرِهِ، أَيْ آخِرِ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، (فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ (إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ (لِتَأْتَمُّوا بِي) أَيْ: لِتَقْتَدُوا بِي فِي الصَّلَاةِ أَوَّلًا (وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي) أَيْ: كَيْفِيَّتَهَا ثَانِيًا، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ مِنَ الْمِشْكَاةِ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: وَلِتَعَلَّمُوا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ، وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، قُلْتُ: وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
стр. 1681
١١١٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١١١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى) أَيِ: التَّرَاوِيحَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ) : وَهِيَ مَوْضِعٌ صَنَعَهُ مِنَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ) أَيْ: يَقْتَدُونَ بِهِ (مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ) أَيْ: خَلْفَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِمْ، قُلْتُ: سِيَّمَا فِي النَّفْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالُوا: الْحُجْرَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي اتَّخَذَهُ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، وَقِيلَ: هِيَ حُجْرَةُ عَائِشَةَ وَلَيْسَ بِذَاكَ، وَإِلَّا قَالَتْ حُجْرَتِي، وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ فِي حُجْرَتِهَا مَعَ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بِشَرَائِطَ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ، وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، فَإِذًا لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ.
قُلْتُ: فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ وَالَّتِي تَلِيهَا نَظَرُ تَأَمُّلٍ: وَعِبَارَتُهُ: وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَخْ. لَا يَصِحُّ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: وَاقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهَا لَا يَصِحُّ إِلَخْ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الْقُدْوَةِ بِشَخْصٍ عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ لَا غَيْرُ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِذَلِكَ لَبَطَلَ السَّعْيُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاشْتِرَاطُ اتِّحَادِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ مَقَاصِدِ الِاقْتِدَاءِ اجْتِمَاعُ جَمْعٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ عُرْفًا، كَمَا عُهِدَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَاتُ فِي الْعُصُورِ الْخَالِيَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَاتِ عَلَى رِعَايَةِ الِاتِّبَاعِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجْرَةِ كَمَا قَالُوهُ الْمَحَلُّ الَّذِي اتَّخَذَهُ ﵇ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، حِينَ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «أَنَّهُ ﵇ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ» ، قِيلَ: وَيُؤَيِّدُهُ، أَيْضًا مَا ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْمَسْجِدِ بِهِ ﵇ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ إِلَخْ. وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ، بَلْ يُتَصَوَّرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي الثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى، لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ لَكَفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ أَيْضًا
стр. 1682
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١١٥ - «عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ، وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ ثُمَّ قَالَ " هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: " أُمَّتِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١١١٥ - (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالُوا: نَعَمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ مَحَبَّتُهُمْ لِلْعِلْمِ بِصَلَاتِهِ ﵇ فَقِيلَ قَوْلُهُمْ قَالُوا: نَعَمْ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو مَالِكٍ (أَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ: أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا، أَوْ أَقَامَهَا بِنَفْسِهِ (وَصَفَّ ثُمَّ قَالَ: الرِّجَالَ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: صَفَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ: صَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ) أَيِ: الصِّبْيَانَ (ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ) أَيْ: وَصَفَ الرَّاوِي، أَيْ أَبُو مَالِكٍ صَلَاةَ الرَّسُولِ ﷺ ، أَيْ كَيْفِيَّتَهَا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْتَ وَكَيْتَ "، فَحَذَفَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ ثِقَةً بِفَهْمِ السَّامِعِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ (هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى) أَيِ: الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَالِكٍ (لَا أَحْسَبُهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ أَبَا مَالِكٍ (إِلَّا قَالَ) أَيْ: نَاقِلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أُمَّتِي) أَيْ: هَكَذَا صَلَاةُ أُمَّتِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي هَكَذَا لَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّابِعِينَ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 1683
١١١٦ - «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي، وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ، إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعَقْدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
١١١٦ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي التَّقْرِيبِ: بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَوَهَمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ. (قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ فَجَبَذَنِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَقْلُوبُ جَذَبَنِي (رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي جَبْذَةً) أَيْ: وَاحِدَةً أَوْ شَدِيدَةً (فَنَحَّانِي) : بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: بَعَّدَنِي وَأَخَّرَنِي (وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي) أَيْ: مَا دَرَيْتُ كَيْفَ أُصَلِّي وَكَمْ صَلَّيْتُ لِمَا فَعَلَ بِي مَا فَعَلَ، وَلِمَا حَصَلَ عِنْدِي بِسَبَبِ تَأَخُّرِي عَنِ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ مَعَ سَبْقِي إِلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقِي لَهُ، فَانْتِفَاءُ الْعَقْلِ مُسَبَّبٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ، (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَبَذَنِي (إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) : مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (فَقَالَ) أَيْ: لِي إِذْ فَهِمَ مِنِّي التَّغَيُّرَ بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ مَعِي تَطْيِيبًا لِخَاطِرِي (يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الظَّاهِرُ لَا يَسُوءُكَ مَا فَعَلَ بِكَ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ أَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ مَزِيدًا لِلتَّسْلِيَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُحْزِنْكَ اللَّهُ بِي وَبِسَبَبِ فِعْلِي، ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مُبَيِّنَةً لِعِلَّةِ مَا فَعَلَ اعْتِذَارًا إِلَيْهِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ: مَا فَعَلْتُ (عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: وَصِيَّةٌ أَوْ أَمْرٌ مِنْهُ يُرِيدُ قَوْلَهُ: " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» " وَفِيهِ: أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ نَحَّاهُ. (إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ) أَيْ: وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ) أَيْ: أَبِي (الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَهْلُ الْوِلَايَاتِ عَلَى الْأَمْصَارِ مِنْ عَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لِلْأُمَرَاءِ، وَمِنْهُ هَلَكَ أَهْلُ الْعُقْدَةِ، أَيِ: الْبَيْعَةِ الْمَعْقُودَةِ لِلْوُلَاةِ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ مَقُولَهُ أَوْ أَقْسَمَ ثَلَاثًا (ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى أَهْلِ الْعُقَدِ (آسَى) أَيْ: أَحْزَنُ وَهُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلُ صِيغَةُ مُتَكَلِّمٍ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ الثَّانِيَةُ أَلِفًا مِنَ الْأَسَى، وَهُوَ الْحُزْنُ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْإِسَاءَةِ مَقْصُورًا مَفْتُوحًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَمُوهِمٌ صَرِيحٌ، وَتَحْقِيقُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً: فَكَيْفَ آسَى؟ (وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا أَحْزَنُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجَوَرَةِ، بَلْ أَحْزَنُ عَلَى أَتْبَاعِهِمُ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ، لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِأُمَرَاءِ عَهْدِهِ. (قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ) : وَفِي نُسْخَةٍ الْهَمْزَةُ مَكْتُوبَةٌ (مَا تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ (بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي: وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الْأُمَرَاءُ عَلَى النَّاسِ، لَا سِيَّمَا أَهْلِ الْأَمْصَارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لَهُمْ عِنْدَ التَّوْلِيَةِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 1684
[بَابُ الْإِمَامَةِ]
стр. 1685
[٢٦] بَابُ الْإِمَامَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١١٧ - «عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ; فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ; فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ; فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ. وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ» ".
[٢٦]
بَابُ الْإِمَامَةِ
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَصْدَرُ أَمَّ الْقَوْمَ فِي صَلَاتِهِمْ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١١١٧ - (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الْبَدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَؤُمُّ الْقَوْمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: لِيَؤُمَّهُمْ (أَقْرَؤُهُمْ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ أَحْسَنُهُمْ قِرَاءَةً (لِكِتَابِ اللَّهِ) اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً. بِمَعْنَى أَحْفَظُهُمْ لِلْقُرْآنِ، كَمَا وَرَدَ: أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، قِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَقْرَأَ ; لِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي زَمَانِهِ كَانَ أَفْقَهَ ; إِذْ لَوْ تَعَارَضَ فَضْلُ الْقِرَاءَةِ فَضْلَ الْفِقْهِ قُدِّمَ الْأَفْقَهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَصِحُّ لَهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، فَيَئُولُ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَقَدُّمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْفِقْهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالْفِقْهَ مُقَدَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفِقْهِ مَعَ الْقِرَاءَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى الْفِقْهِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ بَعْضُهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفِقْهَ أَوْلَى إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَعْلَمُ مَا يَجِبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْمُصَلِّي مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، (فَإِنْ كَانُوا) أَيِ: الْقَوْمُ (فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ: فِي مِقْدَارِهَا، أَوْ حُسْنِهَا، أَوْ عَمَلِهَا، أَوْ فِي الْعِلْمِ بِهَا (سَوَاءً) أَيْ: مُسْتَوِينَ (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِهَا الْأَحَادِيثَ فَالْأَعْلَمُ بِهَا كَانَ هُوَ الْأَفْقَهَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفِقْهِ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبِهِ عَمِلَ أَبُو يُوسُفَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَا: الْفَقِيهُ أَوْلَى إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْفِقْهِ أَكْثَرُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ: بِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ أَعْلَمَ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ وَلَا كَذَلِكَ فِي زَمَانِنَا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُ الْأَقْرَأَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ لِتَقْدِيمِهِ ﵇ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُ ﵇ نَصَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَقْرَأُ مِنْهُ، بَلْ لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي حَيَاتِهِ ﵇ إِلَّا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُبَيٌّ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَكِنْ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا. وَأَجَابَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ; بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَأِ فِي الْخَبَرِ الْأَفْقَهُ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُرْآنِ فَقَدِ اسْتَوَوْا فِي فِقْهِهِ، فَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمْ بِفِقْهِ السُّنَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ الْأَفْقَهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَجَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَأِ الْأَكْثَرُ حِفْظًا لَا قُرْآنًا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ "، " وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً "، فَقَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا، وَفِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ: " «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» " اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالسَّبْقِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالسِّنِّ، وَالْوَرَعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهَذَا صَارَ أَفْضَلَهُمْ، وَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْأَفْضَلِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ وَمَحَلُّ خَطَلٍ. (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: بَعْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ (فِي السُّنَّةِ) أَيْ: فِي الْعِلْمِ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ (سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) أَيْ: انْتِقَالًا مِنْ مَكَّةَ
следующие страницы →