← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

١١١٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى) أَيِ: التَّرَاوِيحَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ) : وَهِيَ مَوْضِعٌ صَنَعَهُ مِنَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ) أَيْ: يَقْتَدُونَ بِهِ (مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ) أَيْ: خَلْفَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِمْ، قُلْتُ: سِيَّمَا فِي النَّفْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالُوا: الْحُجْرَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي اتَّخَذَهُ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، وَقِيلَ: هِيَ حُجْرَةُ عَائِشَةَ وَلَيْسَ بِذَاكَ، وَإِلَّا قَالَتْ حُجْرَتِي، وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ فِي حُجْرَتِهَا مَعَ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بِشَرَائِطَ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ، وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، فَإِذًا لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ. قُلْتُ: فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ وَالَّتِي تَلِيهَا نَظَرُ تَأَمُّلٍ: وَعِبَارَتُهُ: وَأَيْضًا صَلَاتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَخْ. لَا يَصِحُّ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: وَاقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهَا لَا يَصِحُّ إِلَخْ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الْقُدْوَةِ بِشَخْصٍ عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِهِ لَا غَيْرُ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِذَلِكَ لَبَطَلَ السَّعْيُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاشْتِرَاطُ اتِّحَادِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ مَقَاصِدِ الِاقْتِدَاءِ اجْتِمَاعُ جَمْعٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ عُرْفًا، كَمَا عُهِدَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَاتُ فِي الْعُصُورِ الْخَالِيَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَاتِ عَلَى رِعَايَةِ الِاتِّبَاعِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجْرَةِ كَمَا قَالُوهُ الْمَحَلُّ الَّذِي اتَّخَذَهُ ﵇ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، حِينَ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ «أَنَّهُ ﵇ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ صَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ» ، قِيلَ: وَيُؤَيِّدُهُ، أَيْضًا مَا ثَبَتَ أَنَّ بَابَهَا كَانَ حِذَاءَ الْقِبْلَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ اقْتِدَاءُ مَنْ بِالْمَسْجِدِ بِهِ ﵇ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ إِلَخْ. وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ، بَلْ يُتَصَوَّرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي الثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لِحِكْمَةٍ أُخْرَى، لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ لَكَفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ أَيْضًا

стр. 1682

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١١٥ - «عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ، وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ ثُمَّ قَالَ " هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: " أُمَّتِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١١٥ - (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالُوا: نَعَمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ مَحَبَّتُهُمْ لِلْعِلْمِ بِصَلَاتِهِ ﵇ فَقِيلَ قَوْلُهُمْ قَالُوا: نَعَمْ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو مَالِكٍ (أَقَامَ الصَّلَاةَ) أَيْ: أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا، أَوْ أَقَامَهَا بِنَفْسِهِ (وَصَفَّ ثُمَّ قَالَ: الرِّجَالَ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: صَفَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ: صَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ) أَيِ: الصِّبْيَانَ (ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ) أَيْ: وَصَفَ الرَّاوِي، أَيْ أَبُو مَالِكٍ صَلَاةَ الرَّسُولِ ﷺ ، أَيْ كَيْفِيَّتَهَا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْتَ وَكَيْتَ "، فَحَذَفَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ ثِقَةً بِفَهْمِ السَّامِعِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ (هَكَذَا صَلَاةُ " قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى) أَيِ: الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَالِكٍ (لَا أَحْسَبُهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ أَبَا مَالِكٍ (إِلَّا قَالَ) أَيْ: نَاقِلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (أُمَّتِي) أَيْ: هَكَذَا صَلَاةُ أُمَّتِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي هَكَذَا لَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّابِعِينَ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1683

١١١٦ - «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي، وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ، إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعَقْدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ١١١٦ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي التَّقْرِيبِ: بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَوَهَمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ. (قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ فَجَبَذَنِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَقْلُوبُ جَذَبَنِي (رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي جَبْذَةً) أَيْ: وَاحِدَةً أَوْ شَدِيدَةً (فَنَحَّانِي) : بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: بَعَّدَنِي وَأَخَّرَنِي (وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي) أَيْ: مَا دَرَيْتُ كَيْفَ أُصَلِّي وَكَمْ صَلَّيْتُ لِمَا فَعَلَ بِي مَا فَعَلَ، وَلِمَا حَصَلَ عِنْدِي بِسَبَبِ تَأَخُّرِي عَنِ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ مَعَ سَبْقِي إِلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقِي لَهُ، فَانْتِفَاءُ الْعَقْلِ مُسَبَّبٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ، (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَبَذَنِي (إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) : مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (فَقَالَ) أَيْ: لِي إِذْ فَهِمَ مِنِّي التَّغَيُّرَ بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ مَعِي تَطْيِيبًا لِخَاطِرِي (يَا فَتَى لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الظَّاهِرُ لَا يَسُوءُكَ مَا فَعَلَ بِكَ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ أَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ مَزِيدًا لِلتَّسْلِيَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُحْزِنْكَ اللَّهُ بِي وَبِسَبَبِ فِعْلِي، ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً مُبَيِّنَةً لِعِلَّةِ مَا فَعَلَ اعْتِذَارًا إِلَيْهِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ: مَا فَعَلْتُ (عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: وَصِيَّةٌ أَوْ أَمْرٌ مِنْهُ يُرِيدُ قَوْلَهُ: " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» " وَفِيهِ: أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ نَحَّاهُ. (إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ) أَيْ: وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ) أَيْ: أَبِي (الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَهْلُ الْوِلَايَاتِ عَلَى الْأَمْصَارِ مِنْ عَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لِلْأُمَرَاءِ، وَمِنْهُ هَلَكَ أَهْلُ الْعُقْدَةِ، أَيِ: الْبَيْعَةِ الْمَعْقُودَةِ لِلْوُلَاةِ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ مَقُولَهُ أَوْ أَقْسَمَ ثَلَاثًا (ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى أَهْلِ الْعُقَدِ (آسَى) أَيْ: أَحْزَنُ وَهُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلُ صِيغَةُ مُتَكَلِّمٍ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ الثَّانِيَةُ أَلِفًا مِنَ الْأَسَى، وَهُوَ الْحُزْنُ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْإِسَاءَةِ مَقْصُورًا مَفْتُوحًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَمُوهِمٌ صَرِيحٌ، وَتَحْقِيقُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً: فَكَيْفَ آسَى؟ (وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا أَحْزَنُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجَوَرَةِ، بَلْ أَحْزَنُ عَلَى أَتْبَاعِهِمُ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ، لَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِأُمَرَاءِ عَهْدِهِ. (قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ) : وَفِي نُسْخَةٍ الْهَمْزَةُ مَكْتُوبَةٌ (مَا تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ (بِأَهْلِ الْعُقَدِ؟ قَالَ: الْأُمَرَاءَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي: وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الْأُمَرَاءُ عَلَى النَّاسِ، لَا سِيَّمَا أَهْلِ الْأَمْصَارِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ لَهُمْ عِنْدَ التَّوْلِيَةِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 1684

[بَابُ الْإِمَامَةِ]

стр. 1685

[٢٦] بَابُ الْإِمَامَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١١٧ - «عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ; فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ; فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ; فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ. وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ» ". [٢٦] بَابُ الْإِمَامَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَصْدَرُ أَمَّ الْقَوْمَ فِي صَلَاتِهِمْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١١٧ - (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: الْبَدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَؤُمُّ الْقَوْمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: لِيَؤُمَّهُمْ (أَقْرَؤُهُمْ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ أَحْسَنُهُمْ قِرَاءَةً (لِكِتَابِ اللَّهِ) اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً. بِمَعْنَى أَحْفَظُهُمْ لِلْقُرْآنِ، كَمَا وَرَدَ: أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، قِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَقْرَأَ ; لِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي زَمَانِهِ كَانَ أَفْقَهَ ; إِذْ لَوْ تَعَارَضَ فَضْلُ الْقِرَاءَةِ فَضْلَ الْفِقْهِ قُدِّمَ الْأَفْقَهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَصِحُّ لَهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، فَيَئُولُ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَقَدُّمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْفِقْهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالْفِقْهَ مُقَدَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفِقْهِ مَعَ الْقِرَاءَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى تَقَدُّمِهَا عَلَى الْفِقْهِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ بَعْضُهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفِقْهَ أَوْلَى إِذَا كَانَ يُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَعْلَمُ مَا يَجِبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْمُصَلِّي مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا، (فَإِنْ كَانُوا) أَيِ: الْقَوْمُ (فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ: فِي مِقْدَارِهَا، أَوْ حُسْنِهَا، أَوْ عَمَلِهَا، أَوْ فِي الْعِلْمِ بِهَا (سَوَاءً) أَيْ: مُسْتَوِينَ (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِهَا الْأَحَادِيثَ فَالْأَعْلَمُ بِهَا كَانَ هُوَ الْأَفْقَهَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفِقْهِ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبِهِ عَمِلَ أَبُو يُوسُفَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَقَالَا: الْفَقِيهُ أَوْلَى إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْفِقْهِ أَكْثَرُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ: بِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ أَعْلَمَ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ وَلَا كَذَلِكَ فِي زَمَانِنَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُ الْأَقْرَأَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ لِتَقْدِيمِهِ ﵇ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُ ﵇ نَصَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَقْرَأُ مِنْهُ، بَلْ لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي حَيَاتِهِ ﵇ إِلَّا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُبَيٌّ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَكِنْ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا. وَأَجَابَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ; بِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَأِ فِي الْخَبَرِ الْأَفْقَهُ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُرْآنِ فَقَدِ اسْتَوَوْا فِي فِقْهِهِ، فَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمْ بِفِقْهِ السُّنَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ الْأَفْقَهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَجَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَأِ الْأَكْثَرُ حِفْظًا لَا قُرْآنًا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ "، " وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً "، فَقَوْلُهُ: وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا، وَفِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ: " «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» " اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالسَّبْقِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالسِّنِّ، وَالْوَرَعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهَذَا صَارَ أَفْضَلَهُمْ، وَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْأَفْضَلِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ وَمَحَلُّ خَطَلٍ. (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: بَعْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ (فِي السُّنَّةِ) أَيْ: فِي الْعِلْمِ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ (سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) أَيْ: انْتِقَالًا مِنْ مَكَّةَ

стр. 1686

إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَمَنْ هَاجَرَ أَوَّلًا فَشَرَفُهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ هَاجَرَ بَعْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] الْآيَةَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْهِجْرَةُ الْيَوْمَ مُنْقَطِعَةٌ وَفَضِيلَتُهَا مَوْرُوثَةٌ، فَأَوْلَادُ الْمُهَاجِرِينَ مُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ اهـ. وَهُوَ مَوْضِعُ بَحْثٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمُعْتَبَرُ الْيَوْمَ الْهِجْرَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَيَكُونُ الْأَوْرَعُ أَوْلَى. (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: بَعْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِيمَا سَبَقَ (فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا) أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَقْدَمِ فِي الْهِجْرَةِ وَالْأَسْبَقِ فِي الْإِيمَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَقْدَمُهُمْ مُسْلِمًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْأَسَنُّ أَقْدَمَ ; لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ الْمُخْتَارُ الْجُمْهُورُ حَدِيثُ: " «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ» " وَكَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ لَا أَعْلَمُ دَلِيلَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇: " «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ» "، وَدَلِيلَ الثَّانِي قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. أَقُولُ: وَلِزِيَادَةِ سَبْقِهِ بِالْإِيمَانِ وَتَقَدُّمِهِ فِي الْهِجْرَةِ وَكِبَرِ سِنِّهِ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ: وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْهُ ﵇: " «إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلَ صَلَاتُكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ» " فَإِنْ صَحَّ وَإِلَّا فَالضَّعِيفُ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ، وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالْهِجْرَةِ، وَقَدِ انْتَسَخَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ فَوَضَعُوا مَكَانَهَا الْهِجْرَةَ عَنِ الْخَطَايَا. وَفِي حَدِيثِ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا هَاجَرَ فَالَّذِي نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى مِنْهُ إِذَا اسْتَوَيَا فِيمَا قَبْلَهَا وَكَذَا إِذَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْفَضَائِلِ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْدَمُ وَرَعًا قُدِّمَ، وَحَدِيثُ: " «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» " تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَانِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السِّنِّ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فَأَحْسَبُهُمْ، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهًا، ثُمَّ إِنِ اسْتَوَوْا فِي الْحُسْنِ فَأَشْرَفُهُمْ نَسَبًا، فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فِي هَذِهِ كُلِّهَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ أَوِ الْخِيَارُ إِلَى الْقَوْمِ. ( «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» ) أَيْ: فِي مَظْهَرِ سَلْطَنَتِهِ وَمَحَلِّ وِلَايَتِهِ، أَوْ فِيمَا يَمْلِكُهُ، أَوْ فِي مَحَلٍّ يَكُونُ فِي حُكْمِهِ، وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي أَهْلِهِ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فِي بَيْتِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ، وَلِذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ إِمَامَ الْمَسْجِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ السُّلْطَانِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شُرِعَتْ لِاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الطَّاعَةِ وَتَآلُفِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ، فَإِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى تَوْهِينِ أَمْرِ السَّلْطَنَةِ، وَخَلْعِ رِبْقَةِ الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَّهُ فِي قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّقَاطُعِ، وَظُهُورِ الْخِلَافِ الَّذِي شُرِعَ لِدَفْعِهِ الِاجْتِمَاعُ، فَلَا يَتَقَدَّمُ رَجُلٌ عَلَى ذِي السَّلْطَنَةِ، لَا سِيَّمَا فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمُعَاتِ، وَلَا عَلَى إِمَامِ الْحَيِّ وَرَبِّ الْبَيْتِ إِلَّا بِالْإِذْنِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَلَا يَقْعُدْ) : بِالْجَزْمِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ، أَيِ الرَّجُلُ (فِي بَيْتِهِ) أَيْ: بَيْتِ الرَّجُلِ الْآخَرِ (عَلَى تَكْرِمَتِهِ) : كَسَجَّادَتِهِ أَوْ سَرِيرِهِ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ كَرَّمَ تَكْرِيمًا أُطْلِقَ مَجَازًا عَلَى مَا يُعَدُّ لِلرَّجُلِ إِكْرَامًا لَهُ فِي مَنْزِلِهِ (إِلَّا بِإِذْنِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ» ) أَيْ: وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

стр. 1687

١١١٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَيَؤُمُّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي بَابٍ بَعْدَ بَابِ " فَضْلِ الْأَذَانِ ". ــ ١١١٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانُوا) أَيِ: الْقَوْمُ (ثَلَاثَةً) أَيْ: وَاثْنَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْخَبَرُ السَّابِقُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِهِمَا (فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ) إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ (وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ) : فَإِنَّ إِمَامَتَهُ أَفْضَلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يُسْلِمُونَ كِبَارًا، أَيْ غَالِبًا فَيَتَفَقَّهُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأُوا وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقِرَاءَةَ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَارِئٌ إِلَّا وَهُوَ فَقِيهٌ اهـ. فَالْعِبْرَةُ بِالْفِقْهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ فَالْأَفْقَهُ بِالْمُعَامَلَاتِ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنَ الْأَقْرَأِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 1688

(وَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي بَابٍ بَعْدَ " فَضْلِ الْأَذَانِ) : وَالْحَدِيثُ هُوَ: قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي فَقَالَ: " إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» " فَفِيهِ تَفْضِيلُ الْإِمَامَةِ فَهُوَ بِبَابِ الْإِمَامَةِ أَوْلَى، فَلَا مَعْنَى لِتَغْيِيرِ التَّصْنِيفِ مَعَ وُجُودِ الْوَجْهِ الْأَدْنَى فَضْلًا عَنِ الْأَعْلَى، ثُمَّ يُحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِذَارِ الْمُشِيرِ إِلَى الِاعْتِرَاضِ، لَا يُقَالُ صَدَرَ الْحَدِيثُ فِي الْأَذَانِ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْوُجُودِ، وَمِنْهُ تَقَدُّمُ بِلَالٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ تَقَدُّمَ الْخَادِمِ عَلَى الْمَخْدُومِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى فَضِيلَةِ الْإِمَامَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآتِي قَرِيبًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ كَانَ فِي الْمَصَابِيحِ هُنَا فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، فَذَكَرَهُ فِي بَابٍ بَعْدَ بَابِ فَضْلِ الْأَذَانِ، وَوَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْمَصَابِيحِ حَدِيثَ مَالِكٍ فِي بَابٍ بَعْدَ بَابِ فَضْلِ الْأَذَانِ فَرَاجِعْهُ اهـ.

стр. 1689

الْفَصْلُ الثَّانِي ١١١٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١١١٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ) : أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ (خِيَارُكُمْ) أَيْ: مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلَاحًا لِيَحْفَظَ نَظَرَهُ عَنِ الْعَوْرَاتِ، وَيُبَالِغَ فِي مُحَافَظَةِ الْأَوْقَاتِ. الْجَوْهَرِيُّ: الْخِيَارُ خِلَافُ الْأَشْرَارِ، وَالْخِيَارُ الِاسْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا كَانُوا خِيَارًا لِمَا وَرَدَ أَنَّهُمْ أُمَنَاءُ ; لِأَنَّ أَمْرَ الصَّائِمِ مِنَ الْإِفْطَارِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُبَاشَرَةِ مَنُوطٌ إِلَيْهِمْ، وَكَذَا أَمْرُ الْمُصَلِّي لِحِفْظِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ يَتَعَلَّقُ بِهُمْ، فَهُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُخْتَارُونَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (وَلْيَؤُمَّكُمْ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (قُرَّاؤُكُمْ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِ: أَقْرَأُكُمْ فَمُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ، وَكُلَّمَا يَكُونُ أَقْرَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَسَائِلِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْأَذْكَارِ وَأَطْوَلَهَا وَأَصْعَبَهَا فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِرَاءَةُ، وَفِيهِ تَعْظِيمٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَتَقْدِيمُ قَارِئِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ فِي الدَّارَيْنِ كَمَا كَانَ ﷺ يَأْمُرُ بِتَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ فِي الدَّفْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَابْنُ مَاجَهْ، أَيْضًا. وَفِي خَبَرٍ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ " «إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلَ صَلَاتُكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» ".

стр. 1690

١١٢٠ - وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ﵁ يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمَ فَصْلُهُ، قَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ . ــ ١١٢٠ - (وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْعُقَيْلِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَنْسُوبٌ لِعُقَيْلِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ مِيرَكُ: سُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ وَلَا يُسَمَّى. كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ. اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ فِي التَّابِعِينَ. (قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) أَيِ: اللَّيْثِيُّ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَقَامَ عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ. (يَأْتِينَا) أَيْ: لِزِيَارَتِنَا (إِلَى مُصَلَّانَا) أَيْ: مَسْجِدِنَا (يَتَحَدَّثُ) أَيْ: مَالِكٌ، وَفِي نُسْخَةٍ: نَتَحَدَّثُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ: مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرِهِ، (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا) أَيْ: وَقْتُهَا (قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: قُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّهْ) : بِهَاءِ السَّكْتِ (قَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ) أَيْ: إِمَامًا (وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ؟) أَيْ: وَلَوْ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْ رِجَالِكُمْ لِكَوْنِهِ صَحَابِيًّا وَعَالِمًا. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمُّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» ) : فَإِنَّهُ أَحَقُّ مِنَ الضَّيْفِ، وَكَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الْإِمَامَةِ مَعَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ إِنْ حَدَّثَهُمْ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَالسِّينُ لِلِاسْتِقْبَالِ وَإِلَّا فَلِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحَسَّنَهُ (وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ: النَّسَائِيَّ (اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ) أَيْ قَوْلِهِ: ﷺ : وَهُوَ: مِنْ زَارَ إِلَخْ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الْحَدِيثِ.

стр. 1691

١١٢١ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٢١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَقَامَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ (ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ) : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ (يَؤُمُّ النَّاسَ) : بَيَانُ الِاسْتِخْلَافِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ اسْتِخْلَافًا عَامًّا عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ عَلَى مَا رُوِيَ، وَخَاصًّا بِكَوْنِهِ يَؤُمُّ النَّاسَ، (وَهُوَ أَعْمَى) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَرَاهَةُ إِمَامَةِ الْأَعْمَى إِنَّمَا هِيَ إِذَا كَانَ فِي الْقَوْمِ سَلِيمٌ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ عِلْمًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ إِمَامَةِ الْأَعْمَى، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْبَصِيرِ أَوْ عَكْسُهُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ فِيهَا لِئَلَّا يَشْغَلَهُ شَاغِلٌ عَنِ الْقِيَامِ بِحِفْظِ مَنْ يَسْتَحْفِظُهُ مِنَ الْأَهْلِ حَذَرًا أَنْ يَنَالَهُمْ عَدُوٌّ بِمَكْرُوهٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّهُ لَوِ اسْتَخْلَفَهُ فِي ذَلِكَ، أَيْضًا لَوَجَدَ الطَّاعِنُ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ سَبِيلًا وَإِنْ ضَعُفَ. قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أُمِّيًا غَيْرَ كَاتِبٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ وَكَتَبَ مَا كَانَ يَرْتَابُ فِيهِ الْمُحِقُّونَ، قَالَ الْأَشْرَفُ: وَرُوِيَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ مَرَّتَيْنِ، أَيِ اسْتِخْلَافًا عَامًّا، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً اهـ. وَلَعَلَّ هَذَا كُلَّهُ خَبَرٌ لِمَا وَقَعَ لَهُ فِي سُورَةِ: عَبَسَ وَتَوَلَّى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ.

стр. 1692

١١٢٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١١٢٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ثَلَاثَةٌ) أَيْ أَشْخَاصٌ (لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ) : جَمْعُ الْأُذُنِ الْجَارِحَةِ، أَيْ: لَا تُقْبَلُ قَبُولًا كَامِلًا أَوْ لَا تُرْفَعُ إِلَى اللَّهِ رَفْعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: بَلْ أَدْنَى شَيْءٍ مِنَ الرَّفْعِ، وَخَصَّ الْآذَانَ بِالذِّكْرِ لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ التِّلَاوَةِ وَالدُّعَاءِ، وَلَا تَصِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَبُولًا وَإِجَابَةً، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ فِي الْمَارِقَةِ: " «يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ» " عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ بِعَدَمِ مُجَاوَزَةِ الْآذَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ لَا يُرْفَعُ عَنْ آذَانِهِمْ فَيُظِلُّهُمْ كَمَا يُظِلُّ الْعَمَلُ الصَّالِحُ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قِيلَ: هَؤُلَاءِ اسْتُوْصُوا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ وَالصَّلَاةِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُومُوا بِمَا اسْتُوْصُوا لَمْ تَتَجَاوَزْ طَاعَتُهُمْ عَنْ مَسَامِعِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْقَارِئَ الْكَامِلَ هُوَ أَنْ يَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ بِقَلْبِهِ وَيَتَلَقَّاهُ بِالْعَمَلِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَتَجَاوَزْ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى تُرْقُوَتِهِ. (الْعَبْدُ الْآبِقُ) أَيْ: أَوَّلُهُمْ أَوْ مِنْهُمْ أَوْ أَحَدُهُمْ (حَتَّى يَرْجِعَ) أَيْ: إِلَى أَمْرِ سَيِّدِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْجَارِيَةُ الْآبِقَةُ، (وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ) : وَفِي اخْتِيَارِهِ عَلَى ظَلَّتْ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ) : هَذَا إِذَا كَانَ السُّخْطُ لِسُوءِ خُلُقِهَا أَوْ سُوءِ أَدَبِهَا أَوْ قِلَّةِ طَاعَتِهَا، أَمَّا إِنْ كَانَ سُخْطُ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا إِذَا كَانَ السُّخْطُ لِسُوءِ خُلُقِهَا وَإِلَّا فَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. (وَإِمَامُ قَوْمٍ) أَيِ: الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى، أَوْ إِمَامَةُ الصَّلَاةِ (وَهُمْ لَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: لَهَا، أَيِ الْإِمَامَةِ (كَارِهُونَ) أَيْ: لِمَعْنًى مَذْمُومٍ فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَرِهُوا لِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْعَيْبُ عَلَيْهِمْ وَلَا كَرَاهَةَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ كَارِهُونَ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ جَهْلِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كَرَاهَةٌ وَعَدَاوَةٌ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: الْمُرَادُ إِمَامٌ ظَالِمٌ، وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ السُّنَّةَ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَقِيلَ: هُوَ إِمَامُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَيَتَغَلَّبُ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ الْجَمَاعَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، قَالَ مِيرَكُ، أَيْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، قُلْتُ: أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ.

стр. 1693

١١٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاتُهُمْ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةً» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١١٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاتُهُمْ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ نَفْيَ كَمَالِ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نُقْصَانُ أَصْلِ الصَّلَاةِ ; إِذِ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الثَّوَابِ، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. (مَنْ تَقَدَّمَ) أَيْ لِلْإِمَامَةِ الصُّغْرَى أَوِ الْكُبْرَى (قَوْمًا) : وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ قَامَ فَوُصِفَ بِهِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرِّجَالِ (وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) أَيْ لِمَذْمُومٍ شَرْعِيٍّ، أَمَّا إِذَا كَرِهَهُ الْبَعْضُ فَالْعِبْرَةُ بِالْعَالِمِ وَلَوِ انْفَرَدَ، وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِذَا وُجِدُوا، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الْجَاهِلِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] . (وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ) أَيْ حَضَرَهَا (دِبَارًا) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: إِتْيَانُ دِبَارٍ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى آخَرِ الشَّيْءِ، وَقِيلَ: جَمْعُ دُبُرٍ وَهُوَ آخِرُ أَوْقَاتِ الشَّيْءِ (وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ) أَيِ: الصَّلَاةُ جَمَاعَةً أَوْ أَدَاءً قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا إِذَا اتَّخَذَهُ عَادَةً، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، الدِّبَارُ: جَمْعُ الدُّبُرِ، وَالدُّبُرُ آخَرُ أَوْقَاتِ الشَّيْءِ، أَيْ: يَأْتِي الصَّلَاةَ بَعْدَمَا يَفُوتُ الْوَقْتُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنْ لَا يُدْرِكَهَا كَامِلَةً فِيهِ، وَفِي الْفَائِقِ: قُبَالُ الشَّيْءِ وَدِبَارُهُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ مِنَ الرَّاوِي. (وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةً) أَيِ: اتَّخَذَ نَفْسًا مُعْتَقَةً عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَأْنِيثُ مُحَرَّرَةٍ بِالْحَمْلِ عَلَى النَّسَمَةِ لِتَنَاوُلِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ أَعْبَدْتُهُ وَاعْتَبَدْتُهُ إِذَا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا وَهُوَ حُرٌّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ حُرًّا فَيَدَّعِيَهُ عَبْدًا وَيَتَمَلَّكَهُ، أَوْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ ثُمَّ يَسْتَخْدِمَهُ كَرْهًا. أَوْ يَكْتُمَ عِتْقَهُ اسْتِدَامَةً لِخِدْمَتِهِ وَمَنَافِعِهِ، قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: مُحَرَّرِهِ بِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ مُحَرَّرَةً، يَعْنِي: نَفْسًا أَوْ نَسَمَةً، وَقِيلَ: خَصَّ الْمُحَرَّرَةَ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا، بِخِلَافِ الْمُحَرَّرِ لِقُوَّتِهِ بِدَفْعِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 1694

١١٢٤ - وَعَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١١٢٤ - (وَعَنْ سَلَامَةَ) : قَالَ مِيرَكُ: صَحَابِيَّةٌ. (بِنْتِ الْحُرِّ) : ضِدُّ الْعَبْدِ، حَدِيثُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أَيْ: عَلَامَاتِهَا الْمَذْمُومَةِ، وَأَحَدُهَا شَرَطٌ بِالتَّحْرِيكِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ صِغَارِ أُمُورِ السَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ. (أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ) أَيْ: يَدْرَأُ كُلٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْإِمَامَةَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَقُولُ: لَسْتُ أَهْلًا لَهَا لَمَّا تَرَكَ تَعَلُّمَ مَا تَصِحُّ بِهِ الْإِمَامَةُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. أَوْ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوِ الْمِحْرَابِ لِيَؤُمَّ الْجَمَاعَةَ، فَيَأْبَى عَنْهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ لَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (لَا يَجِدُونَ إِمَامًا) أَيْ: قَابِلًا لِلْإِمَامَةِ (يُصَلِّي بِهِمْ) أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا أَجَازَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهَا مِنْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى ضَعْفِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْإِحْيَاءِ: يُكْرَهُ تَدَافُعُ الْإِمَامَةِ لِمَا قِيلَ: إِنَّ قَوْمًا تَدَافَعُوهَا فَخُسِفَ بِهِمْ، وَلَوِ اسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا حَكَاهُ بِصِيغَةِ قِيلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُسْنَدِهِ حَدِيثًا بِلَفْظِ: «تَنَازَعَ ثَلَاثَةٌ فِي الْإِمَامَةِ فَخُسِفَ بِهِمْ» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ مَا إِذَا تَدَافَعُوهَا لَا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ، وَإِلَّا كَأَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا غَيْرُ الْأَفْقَهِ مَثَلًا رَجَاءَ تَقَدُّمِ الْأَفْقَهِ، فَلَا يُكْرَهُ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِحْيَاءِ، أَيْضًا: إِنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ، أَوْ أَقْرَأُ مِنْهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا عُلِمَ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ، أَمَّا مَا دَامَ يَرْجُو تَقَدُّمَهُ فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى.

стр. 1695

١١٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةٌ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْجِهَادٌ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ) أَيْ: فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَالٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي أُخْرَى (مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ) أَيْ سُلْطَانٍ، أَوْ وَلِيِّ أَمْرِهِ (بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ جَوَازُ كَوْنِ الْأَمِيرِ فَاسِقًا جَائِرًا، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَالْجَوْرِ، وَأَنَّهُ تَجِبُ طَاعَتُهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةِ، وَخُرُوجُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ عَلَى الْجَوَرَةِ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الْجَائِرِ اهـ. وَيُشْكِلُ بِظُهُورِ الْمَهْدِيِّ وَدَعْوَتِهِ الْخِلَافَةَ مَعَ وُجُودِ السَّلَاطِينِ فِي زَمَانِهِ. (وَالصَّلَاةُ) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ (وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ، وَهِي آحَادٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا الْأَعْيَانِ اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ عَنْ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَطَرِيقِ السَّلَفِ الْعِظَامِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى شَخْصٌ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ فِي مِصْرٍ لَسَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. (خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ) : إِذَا كَانَ إِمَامًا (بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: جَازَ اقْتِدَاؤُكُمْ خَلْفَهُ لِوُرُودِ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى الْجَوَازِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَانِبِ الْإِتْيَانِ بِهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ، وَكَذَا الْمُبْتَدِعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ كُفْرًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي عَدَمِ إِجَازَتِهِ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ، قُلْتُ: فِي أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاجِرِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فَتَأَمَّلْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقَرِينَتَانِ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ. (وَالصَّلَاةُ) أَيْ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (وَاجِبَةٌ) أَيْ: فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَيْكُمْ أَنْ تُصَلُّوا (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ: مَيِّتٍ ظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ (بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَى الْكَبَائِرَ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ يَعْنِي خِلَافًا لِلْمُبْتَدِعَةِ فِيهِمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ، أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: مَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ مَكْحُولًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ مُسَمَّى الْإِرْسَالِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَنَا، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْعُقَيْلِيِّ، وَكُلُّهَا مُضَعَّفَةٌ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَبِذَلِكَ يَرْتَقِي إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الدَّارَقُطْنِيِّ: " «اقْتَدُوا بِكُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» "، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، لَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِفِعْلِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ وَرَاءَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَكَذَا كَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي خَلْفَهُ أَيْضًا، وَاحْتِمَالُ الْخَوْفِ يَمْنَعُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَخَافُهُ ; لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَانَ مُمْتَثِلًا لِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ ابْنُ عُمَرَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يَجْعَلُ أَمْرَ الْحَجِّ لَهُ وَيَأْمُرُ الْحَجَّاجَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهِ.

стр. 1696

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٢٦ - «عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ ﵄، قَالَ: كُنَّا بِمَاءِ مَمَرِّ النَّاسِ، يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ نَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا. فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ. فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ ; فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا، فَقَالَ: " صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا ". فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لَمَّا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ ! فَاشْتَرَوْا، فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا. فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٢٦ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَفِي الْأَنْسَابِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَاهُ وَفَدَ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفِدْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَفَدَ، أَيْضًا، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ، قَالُوا: وَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقِيلَ: رَآهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ مُسْلِمٌ شَيْئًا. كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قُدُومِ أَبِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَوْلَا صِحَّةُ قُدُومِهِ، أَيْضًا لَمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَهُ. كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ (قَالَ: كُنَّا بِمَاءِ) أَيْ: سَاكِنِينَ بِمَحَلِّ مَاءٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: بِمَاءٍ خَبَرُ كَانَ، وَقَوْلُهُ: (مَمَرِّ النَّاسِ) أَيْ: عَلَيْهِ صِفَةٌ لِمَاءٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، أَيْ: نَازِلِينَ بِمَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ فِيهِ يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: يَجُوزُ فِي مَمَرِّ الْحَرَكَاتِ اهـ. وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ، وَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ هُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَوْلُهُ: (يَمُرُّ بِنَا) : اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْخَبَرِ (الرُّكْبَانُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ الرَّاكِبِ لِلْبَعِيرِ خَاصَّةً عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (نَسْأَلُهُمْ) أَيْ: نَقُولُ لَهُمْ (مَا لِلنَّاسِ) أَيْ: بِالنَّاسِ، وَقِيلَ، أَيْ مَاءٌ طَرَأَ لِلنَّاسِ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْقَلَقُ وَالْفَزَعُ (مَا لِلنَّاسِ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: سُؤَالُهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ غَرِيبٍ، وَلِذَا كَرَّرُوهُ وَقَالُوا: (مَا هَذَا الرَّجُلُ؟) : يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِهِمْ مِنْهُ نَبَأً عَجِيبًا، فَيَكُونُ سُؤَالُهُمْ عَنْ وَصْفِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَلِذَلِكَ وَصَفُوهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَسْمَعُ عَنْهُ نَبَأً عَجِيبًا، أَيْ: مَا وَصْفُهُ. (فَيَقُولُونَ) أَيِ: الرُّكْبَانُ فِي جَوَابِ أَهْلِ الْمَاءِ (يَزْعُمُ) أَيِ: الرَّجُلُ يَعْنِي: يَظُنُّ. وَكَانَ مَنْ عَبَّرَ بِهَا إِذْ ذَاكَ شَاكًّا فِي صِدْقِهِ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى قَالَ مُجَرَّدَةً عَنْ إِشْعَارٍ بِكَذِبٍ، فَالْمَعْنَى يَقُولُ وَيَدَّعِي. (أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ) : إِلَى النَّاسِ كَافَّةً (أَوْحَى) أَيِ: اللَّهُ (إِلَيْهِ) : بِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ (أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا) أَيْ آيَةَ كَذَا أَوْ سُورَةَ كَذَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ. (فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ) أَيْ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَابِ: رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ ذَلِكَ الْكَلَامُ الَّذِي يَنْقُلُونَهُ عَنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَغَيْرِهِ، (فَكَأَنَّمَا يُغْرَى) : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ مُضَارِعٌ مَجْهُولٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَقِيلَ: مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ يُلْصَقُ مِثْلَ الْغِرَاءِ، وَهُوَ الصَّمْغُ (فِي صَدْرِي) : وَلِذَا قِيلَ: الْحِفْظُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يُقْرَأُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مُخَفَّفًا، وَفِي نُسْخَةٍ: يُقَرِّي بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْرِيَةِ، أَيْ يَجْمَعُ، قَالَ مِيرَكُ: وَهَاتَانِ رِوَايَتَا الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ فِيهِ يُقْرَأُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَجْهُولًا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْحَاضِرَةِ فَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، كَذَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: يُقَرُّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافَ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ مَقْصُورَةٍ مِنَ التَّقْرِيَةِ، أَيْ: يُجْمَعُ وَلِلْأَكْثَرِ بِهَمْزَةٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يُغَرَّى بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ، أَيْ: يُلْصَقُ بِالْغِرَاءِ، وَرَجَّحَهَا عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ مِيرَكُ، وَوُجِدَ بِخَطِّ الشَّيْخِ عَفِيفِ الدِّينِ يَغَرَّى بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الطِّيبِيِّ، أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَلْصَقُ بِهِ، يُقَالُ: غُرِّيَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي صَدْرِي بِالْكَسْرِ يُغَرَّى بِالْفَتْحِ كَأَنَّهُ أُلْصِقَ بِالْغِرَاءِ، وَالْغِرَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، أَيْ مَا يُلْصَقُ بِهِ الْأَشْيَاءُ يُتَّخَذُ مِنْ أَطْرَافِ الْجُلُودِ وَالسَّمَكِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي الصِّحَاحِ: الْغِرَاءُ إِذَا فُتِحَتِ الْغَيْنُ قَصَرْتَ، وَإِذَا كُسِرَتْ مَدَدْتَ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي الطِّيبِيِّ إِلَّا بَيَانُ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدٌ أَوْ مَزِيدٌ مَعْلُومٌ أَوْ مَجْهُولٌ مِنَ التَّفْحِيلِ أَوِ الْأَفْعَالِ إِرَادَةً لِلْمُبَالَغَةِ، وَمَعَ هَذَا

стр. 1697

الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ خُصُوصًا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشَّيْخِ عَفِيفٍ: يَقْرِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيِ: التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالْقَافِ وَالرَّاءِ، أَيْ بَعْدَهُ أَلِفٌ مُبْدَلَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، أَيْ مَعْلُومِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، أَيْ: جَمَعْتُهُ، وَالْبَعِيرُ يَقْرِي الْعَلَفَ فِي شِدْقِهِ، أَيْ: يَجْمَعُهُ، فَالظَّاهِرُ ضَمُّ أَوَّلِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. (وَكَانَتِ الْعَرَبُ) أَيْ: مَا عَدَا قَوْمَهُ ﵇ وَالْمُرَادُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ (تَلَوَّمُ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ بِمَعْنَى تَنْتَظِرُ (بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ) أَيْ: فَتْحَ مَكَّةَ يَعْنِي النُّصْرَةَ وَالظَّفَرَ عَلَى قَوْمِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَهَرَهُمْ وَهُمْ أَشَدُّ الْعَرَبِ شَكِيمَةً وَأَكْثَرُهُمْ عُدَّةً وَأَقْوَاهُمْ شَجَاعَةً فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى. (فَيَقُولُونَ) : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَلَوَّمُ أَنَّثَ الضَّمِيرَ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ، وَجَمَعَ ثَانِيًا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ) : الْوَاوُ لِلْمَعِيَّةِ (فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ) أَيْ: غَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى قَوْمِهِ (فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ) : إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ إِلَّا بِمَحْضِ الْمُعْجِزَةِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ لِضَعْفِهِ وَقُوَّتِهِمْ، (فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ) أَيْ: فَتْحِ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (بَادَرَ) أَيْ: سَارَعَ وَسَابَقَ (كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي) أَيْ: غَلَبَهُمْ وَسَبَقَهُمْ (بِإِسْلَامِهِمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ بَدَرَ مِنْ بَابِ الْمُغَالَبَةِ، أَيْ: بَادَرَ أَبِي الْقَوْمَ فَبَدَرَهُمْ، أَيْ: غَلَبَهُمْ فِي الْبِدَارِ بِالْكَسْرِ، أَيْ بِالْمُبَادَرَةِ (فَلَمَّا قَدِمَ) أَيْ: أَبِي مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وَفْدِهِ مَعَ أَبِيهِ (قَالَ) أَيْ: لَهُمْ (جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى الْمَوْصُولِ أَعْنِي: الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي النَّبِيِّ عَلَى تَأْوِيلِ الَّذِي نُبِّئَ حَقًّا اهـ. أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُحِقًّا، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَوْ حُقَّ هَذَا الْقَوْلُ حَقًّا (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ قَوْلًا مِنْ جُمْلَتِهِ (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: وَقْتُهَا (فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ) أَيْ: وَخِيَارُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ فَلَا يُنَافِي الْخَبَرَ الْآخَرَ: " «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» " لِأَنَّ هَذَا لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَذَلِكَ لِبَيَانِ الْأَجْزَاءِ (فَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا) . (فَنَظَرُوا) أَيْ: تَأَمَّلُوا فِي تَعْيِينِ إِمَامٍ (فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ) : بِنَصْبِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ، أَيْ: فَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ أَكْثَرَ (قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى) أَيْ: أَتَلَقَّنُ وَآخُذُ وَأَتَعَلَّمُ (مَنِ الرُّكْبَانِ) : كَمَا تَقَدَّمَ (فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أَيْ: لِلْإِمَامَةِ (وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَقَلَّ سَنِّ التَّحَمُّلِ خَمْسُ سِنِينَ، وَهُوَ سِنُّ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الَّذِي تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ بَابَ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ «عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ أَنَّهُ قَالَ: عَقَلْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كُلُّ صَغِيرٍ بِحَالِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَ خَمْسِ سِنِينَ، وَنُقِلَ أَنَّ ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ يَبْكِي، لَكِنْ قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ نَظَرٌ، نَظَرٌ، نَعَمْ صَحَّ لِي أَنَّ الْمُحِبَّ ابْنَ الْهَاشِمِ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَالْعُمْدَةَ وَجُمْلَةً مِنَ الْكَافِيَةِ وَالشَّافِيَةِ، وَقَدِ اسْتَكْمَلَ خَمْسًا، وَكَانَ يُسْأَلُ عَمَّا قَبْلَ الْآيَةِ فَيُجِيبُ بِدُونِ تَوَقُّفٍ. (وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ) أَيْ: يَمَانِيَةٌ (كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ) أَيْ: اجْتَمَعَتْ وَانْضَمَّتْ وَارْتَفَعَتْ إِلَى أَعَالِي الْبَدَنِ (عَنِّي) : لِقِصَرِهَا وَضِيقِهَا حَتَّى يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِي (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ) أَيِ: الْقَبِيلَةِ (أَلَا تُغَطُّونَ) : بِتَخْفِيفِ اللَّامِ فَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا عَلَى التَّحْضِيضِ (عَنَّا) أَيْ: عَنْ قِبَلِنَا أَوْ عَنْ جِهَتِنَا (اسْتَ قَارِئِكُمْ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، أَيْ دُبُرَهُ، أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَسْفَلِ الْبَدَنِ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ سَتْرَ ذَلِكَ هُوَ اللَّائِقُ بِتَقَدُّمِهِ وَإِمَامَتِهِ (فَاشْتَرَوْا) أَيْ: ثَوْبًا (فَقَطَعُوا) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ، أَيْ: فَصَّلُوا

стр. 1698

(لِي قَمِيصًا) : سَبَلًا (فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي) أَيْ: مِثْلَ فَرَحِي (بِذَلِكَ الْقَمِيصِ) : إِمَّا لِأَجْلِ حُصُولِ التَّسَتُّرِ وَعَدَمِ تَكَلُّفِ الضَّبْطِ وَخَوْفِ الْكَشْفِ، وَإِمَّا فَرِحَ بِهِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الصِّغَارِ بِالثَّوْبِ الْجَدِيدِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِمَامَةِ الصَّبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَنْهُ فِي الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي النَّفْلِ فَجَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ وَبِمِصْرَ وَالشَّامِ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمْ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، انْتَهَى. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْكَنْزِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّبِيِّ جَائِزٌ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ: فَقَدَّمُونِي إِلَخْ. وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ ; لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَلِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُفْتَرِضُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا إِمَامَةُ عَمْرٍو فَلَيْسَ بِمَسْمُوعٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا قَدَّمُوهُ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ لِمَا كَانَ يَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَدْ قَالَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ إِلَخْ. وَالْعَجَبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الْفَارُوقِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ حُجَّةً، وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْلِ صَبِيٍّ مِثْلُ هَذَا حَالُهُ.

стр. 1699

١١٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْمَدِينَةَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَفِيهِمْ عُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١١٢٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ) أَيِ: السَّابِقُونَ (الْمَدِينَةَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: الْعُصْبَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَبِسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ عَفِيفٌ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ . (كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَفِيهِمْ عُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ) : هُوَ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَالِمًا مَعَ كَوْنِهِ مَفْضُولًا كَانَ أَقْرَأَ، أَوْ هُوَ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَوَالِي، وَمِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْقُرَّاءِ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ مِنْهُ كَثِيرًا، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَهُوَ أَحَدُهُمْ "، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: " «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» " كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، وَفِي إِمَامَةِ سَالِمٍ مَعَ وُجُودِ عُمَرَ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُقَدِّمُ الْأَقْرَأَ عَلَى الْفَقِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1700

١١٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ لَا تُرْفَعُ لَهُمْ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١١٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَا تُرْفَعُ لَهُمْ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ شِبْرًا) أَيْ: قَدْرَ شِبْرٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ (رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ) أَيْ: لِإِمَامَتِهِ (كَارِهُونَ) : لِعَدَمِ قِيَامِهِ بِحَقِّ الْإِمَامَةِ (وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ) : وَمَا أَرْضَتْهُ لِعَدَمِ قِيَامِهَا بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ (وَأَخَوَانِ) : بِفَتْحَتَيْنِ (مُتَصَارِمَانِ) أَيْ: مُتَقَاطِعَانِ لِعَدَمِ قِيَامِهِمَا بِحَقِّ الْأُخُوَّةِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ وَجْهُ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْفِقَرِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأُخُوَّةُ إِمَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ لِمَا وَرَدَ: " «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَارِمَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثٍ» "، أَيْ: يَهْجُرَهُ وَيَقْطَعَ مُكَالَمَتَهُ، انْتَهَى. يَعْنِي: عَلَى خِلَافِ دَأْبِهِ وَعَادَتِهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 1701

[بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ]

стр. 1702

[٢٧] بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٢٩ - «عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [٢٧] بَابُ مَا عَلَى الْإِمَامِ أَيْ: مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِالتَّخْفِيفِ فِي الصَّلَاةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٢٩ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ) أَيْ: مَعَ طُولِ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ. (أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ الْقَاضِي: خِفَّةُ الصَّلَاةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَطْوِيلِ قِرَاءَتِهَا وَالِاقْتِصَارِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَكَذَا قَصْرِ الْمُنْفَصِلِ، وَعَنْ تَرْكِ الدَّعَوَاتِ الطَّوِيلَةِ فِي الِانْتِقَالَاتِ، وَتَمَامُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ وَاللُّبْثِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا بِقَدْرِ مَا يُسَبِّحُ ثَلَاثًا، انْتَهَى. وَفِيهِ، إِيهَامٌ أَنَّهُ مَا كَانَ يَقْرَأُ أَوْسَاطَ الْمُفَصَّلِ وَطُوَالَهَا، وَقَدْ ثَبَتَ قِرَاءَتُهُ إِيَّاهَا، فَالْمَعْنَى بِالْخِفَّةِ أَنَّهُ مَا كَانَ يَمْطُطُهَا وَيَمْدُدُهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَئِمَّةُ الْمُعَظَّمَةُ حَتَّى فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّهُمْ يَمُدُّونَ فِي الْمَدَّاتِ الطَّبِيعِيَّةِ قَدْرَ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ، وَيُطَوِّلُونَ السَّكَتَاتِ فِي مَوَاضِعِ الْوُقُوفَاتِ، وَيَزِيدُونَ فِي عَدَدِ التَّسْبِيحَاتِ انْتِظَارًا لِفَرَاغِ الْمُكَبِّرِينَ الْمُطَوِّلِينَ فِي النَّغَمَاتِ، بَلْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﵇ مُجَوَّدَةً مُحَسَّنَةً مُرَتَّلَةً مُبَيَّنَةً، وَمِنْ خَاصِّيَّةِ قِرَاءَتِهِ اللَّطِيفَةِ أَنَّهَا كَانَتْ خَفِيفَةً عَلَى النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ، وَلَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً ; لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَشْبَعُ مِنْهَا وَالْأَشْبَاحَ لَا تَقْنَعُ بِهَا، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُطِيلَ التَّسْبِيحَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَمَلُّ بِهِ الْقَوْمُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِقَدْرِ السُّنَّةِ ; لِأَنَّ التَّطْوِيلَ سَبَبُ التَّنْفِيرِ، وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَإِنْ رَضِيَ الْقَوْمُ بِالزِّيَادَةِ لَا يُكْرَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قَدْرِ أَقَلِّ السُّنَّةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ لِمَلَلِهِمْ. (وَإِنْ كَانَ) أَيْ: وَإِنَّهُ كَانَ (لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ الْمُبْتَدَأِ وَلَزِمَتْهَا اللَّامُ فَارِقَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّافِيَةِ وَالشَّرْطِيَّةِ (فَيُخَفِّفُ) أَيْ: صَلَاتَهُ بَعْدَ إِرَادَةِ إِطَالَتِهَا كَمَا سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا (مَخَافَةَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ خَوْفًا (أَنْ تُفْتَنَ) : مِنَ الْفِتْنَةِ أَوِ الِافْتِتَانِ، أَيْ: مِنْ أَنْ تَتَشَوَّشَ وَتَحْزَنَ (أُمُّهُ) : وَقِيلَ: يُشَوَّشُ قَلْبُهَا وَيَزُولُ ذَوْقُهَا وَحُضُورُهَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ فُتِنَ الرَّجُلُ، أَيْ: أَصَابَهُ فِتْنَةٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلَى الْأُمِّ وَالطِّفْلِ أَيْضًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَحَسَّ بِرَجُلٍ يُرِيدُ مَعَهُ الصَّلَاةَ وَهُوَ رَاكِعٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ رَاكِعًا لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ لِحَاجَةِ إِنْسَانٍ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ شِرْكًا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَجَعَلَ اقْتِصَارَهُ ﵇ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ مَرَضِيٍّ، وَفِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ ; إِذْ فَرَّقَ بَيْنَ تَخْفِيفِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْإِطَالَةِ لِغَرَضٍ، وَبَيْنَ إِطَالَةِ الْعِبَادَةِ بِسَبَبِ شَخْصٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الرِّيَاءِ الْمُتَعَارَفِ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ مُبَالِغًا: الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، وَتَرْكُهَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى رِيَاءٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُخَلِّصَكَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأَيْضًا الْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِالتَّخْفِيفِ وَمَنْهِيٌّ عَنِ الْإِطَالَةِ، وَأَيْضًا تَرْكُ التَّخْفِيفِ مُضِرٌّ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِخِلَافِ تَرْكِ الْإِطَالَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلِيٌّ أَصْلًا. نَعَمْ لَوْ صُوِّرَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي لَا تَقَرُّبًا بِالرُّكُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْجَائِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطِيلَ وَإِلَّا صَحَّ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ تَقَرُّبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَجَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ سِوَى التَّقَرُّبِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا بَأْسَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِمَسْأَلَةِ الرِّيَاءِ، فَالِاحْتِرَازُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا أَوْلَى، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مُلَخَّصًا. وَأَمَّا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلَاتِهِ مَادَامَ يَسْمَعُ وَقْعَ نَعْلٍ فَضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي إِقَامَةِ صَلَاتِهِ، أَوْ تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إِذَا عَرَفَ الْجَائِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُطِيلُ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ كَيْ يُدْرِكَهَا النَّاسُ، لَكِنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ ظَنِّ الصَّحَابِيِّ ﵁، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِهِ ﷺ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1703

١١٣٠ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١١٣٠ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) أَيْ إِطَالَةً نِسْبِيَّةً أَوْ عَلَى خِلَافِ عَادَتِي، (فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ) أَيْ: أَخْتَصِرُ (فِي صَلَاتِي) : وَأَتَرَخَّصُ بِمَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنَ الِاقْتِصَارِ وَتَرْكِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أُخَفِّفُ، كَأَنَّهُ تَجَاوَزَ مَا قَصَدَهُ، أَيْ مَا قَصَدَ فِعْلَهُ لَوْلَا بُكَاءُ الصَّبِيِّ، قَالَ: وَمَعْنَى التَّجَوُّزِ: أَنَّهُ قَطَعَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ وَأَسْرَعَ فِي أَفْعَالِهِ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي سُورَةٍ قَصِيرَةٍ بَعْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَازَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ، وَهُمَا قَصْدُ الْإِطَالَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَتَرْكِ الْمَلَالَةِ، وَلِذَا وَرَدَ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ". (مِمَّا أَعْلَمُ) : مِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلِاخْتِصَارِ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمُ (مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ) أَيْ: حُزْنِهَا، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ لِمَا (مِنْ بُكَائِهِ) : تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْوَجْدِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1704

١١٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ) أَيْ: إِمَامًا لَهُمْ، أَوِ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ (فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ) أَيِ: الْمَرِيضَ (وَالضَّعِيفَ) أَيْ: فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، أَوْ فِي الْعِبَادَةِ لِأَجْلِ الْكَسَالَةِ، فَبِالْإِطَالَةِ تَحْصُلُ لَهُ الْمَلَالَةُ (وَالْكَبِيرَ) أَيْ: فِي السِّنِّ (وَإِذَا «صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» ) : وَكَذَا إِذَا كَانَ الْقَوْمُ مَحْصُورِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي قَوْلَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ تَطْوِيلَ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1705

١١٣٢ - «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٣٢ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أَيْ: صَلَاةِ الصُّبْحِ بِالْجَمَاعَةِ (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) : يَعْنِي: إِمَامَ مَسْجِدِ حَيِّهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِطَالَتِهِ بِنَا، فَمِنْ الْأُولَى تَعْلِيلِيَّةٌ لِلتَّأَخُّرِ، وَالثَّانِيَةُ بَدَلٌ مِنْهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أَتَأَخَّرُ) وَالثَّانِيَةُ مَعَ مَا فِي حَيِّزِهَا بَدَلٌ مِنْهَا، وَمَعْنَى تَأَخُّرِهِ عَنِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ. (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَةِ إِنْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، وَعَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ إِنْ كَانَتْ عِلْمِيَّةً (غَضَبًا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (يَوْمَئِذٍ) ; لِأَنَّهُ ﵇ مَبْعُوثٌ لِلْوَصْلِ، وَهَذَا بَاعِثٌ لِلْفَصْلِ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ فِي مَوْعِظَةٍ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَانَ الْيَوْمَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ فِي الْأَيَّامِ الْأُخَرِ، وَفِيهِ وَعِيدٌ عَلَى مَنْ يَسْعَى فِي تَخَلُّفِ الْغَيْرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ. قُلْتُ: وَلَوْ بِإِطَالَةِ الطَّاعَةِ. (ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مِنْكُمْ) أَيْ: بَعْضُكُمْ (مُنَفِّرِينَ) أَيْ: لِلنَّاسِ مِنَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ لِتَطْوِيلِكُمُ الصَّلَاةَ (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى) : قِيلَ: " مَا " زَائِدَةٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، أَيْ: أَيُّكُم أَيَّ صَلَاةٍ صَلَّى (بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ) أَيْ: لِيَقْتَصِرْ عَلَى الْقَدْرِ الْمُنَاسِبِ لِلْوَقْتِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَا " زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى الْإِبْهَامِ فِي أَيْ، وَصَلَّى فِعْلُ شَرْطٍ، وَلْيَتَجَوَّزْ جَوَابُهُ (فَإِنَّ فِيهِمْ) أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ (الضَّعِيفَ) : بِالْعِلَّةِ أَوِ الْهِمَّةِ (وَالْكَبِيرَ) : بِالسِّنِّ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَذَا الْحَاجَةِ) أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَوِيًّا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1706

١١٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي. ــ ١١٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُصَلُّونَ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ (لَكُمْ) : وَأَنْتُمْ تَقْتَدُونَ بِهِمْ وَتَتْبَعُونَ لَهُمْ لِيَحْصُلَ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ وَلَكُمْ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْخِطَابِ، قَالَ الْقَاضِي: الضَّمِيرُ الْغَائِبُ لِلْأَئِمَّةِ، وَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ ضُمَنَاءُ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ فَكَأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ لَهُمْ (فَإِنْ أَصَابُوا) أَيْ: أَتَوْا بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ (فَلَكُمْ) أَيْ: لَكُمْ وَلَهُمْ عَلَى التَّغْلِيبِ ; لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى، وَالْمَعْنَى فَقَدْ حَصَلَ الْأَجْرُ لَكُمْ وَلَهُمْ، أَوْ حَصَلَتِ الصَّلَاةُ تَامَّةً كَامِلَةً، (وَإِنْ أَخْطَئُوا) : بِأَنْ أَخَلُّوا بِبَعْضِ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (فَلَكُمْ) أَيِ الْأَجْرُ (وَعَلَيْهِمْ) أَيِ: الْوِزْرُ ; لِأَنَّهُمْ ضُمَنَاءُ، أَوْ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ لَكُمْ وَالتَّبِعَةُ مِنَ الْوَبَالِ وَالنُّقْصَانِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُومُ بِحَالِهِ فِيمَا أَخْطَأَهُ، وَإِنْ عَلِمَ فَعَلَيْهِ الْوَبَالُ وَالْإِعَادَةُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى " لَكُمْ " إِذْ يُفْهَمُ مِنْ تَجَاوُزِ ثَوَابِ الْإِصَابَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ ثُبُوتُهُ لَهُمْ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا صَلَّى جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَصَلَاةُ الْقَوْمِ صَحِيحَةٌ، سَوَاءً كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِحَدَثِهِ مُتَعَمِّدًا لِلْإِمَامَةِ أَوْ جَاهِلًا اهـ. وَعِنْدَنَا إِذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْمَكِّيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ جُنُبًا قَالَ: يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، عَنْ جَعْفَرٍ، أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: صَلَّى عُمَرُ بِالنَّاسِ جُنُبًا فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِدِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى مَعَكَ أَنْ يُعِيدَ، قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، قَالَ الْقَاسِمُ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ. وَيَثْبُتُ الْمَطْلُوبُ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ إِجْمَاعًا وَالْمُصَلِّي بِلَا طَهَارَةٍ لَا إِحْرَامَ لَهُ. فَرْعٌ: أَمَّهُمْ زَمَانًا ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ كَافِرٌ، أَوْ صَلَّيْتُ مَعَ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ، أَوْ بِلَا طَهَارَةٍ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةٌ ; لِأَنَّ خَبَرَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ لِفِسْقِهِ بِاعْتِرَافِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ) أَيْ: فِي الْمَصَابِيحِ (عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) أَيْ: عَنِ الْحِسَانِ، وَهُوَ دَفْعٌ لِوَهْمِ الْإِسْقَاطِ، وَرَفْعٌ لِوُرُودِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى قَوْلِهِ: الْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ غَيْرِ الثَّانِي.

стр. 1707

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٣٤ - «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁، قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ: " «أُمَّ قَوْمَكَ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا. قَالَ: " ادْنُهْ "، فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: " تَحَوَّلْ "، فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: " أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٣٤ - (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ) أَيْ: أَوْصَى (إِلَيَّ) : وَأَمَرَنِي بِهِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَمَمْتَ) : بِالتَّخْفِيفِ (قَوْمًا) أَيْ: صِرْتَ إِمَامَ قَوْمٍ (فَأَخِفَّ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهُ (بِهِمُ الصَّلَاةَ) : فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ نَاشِئَةٌ مِنَ التَّرْكِيبِ ذَكَرْنَاهَا سَابِقًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ أَنْ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا (قَالَ لَهُ) أَيْ: لِعُثْمَانَ (أُمَّ) : أَمْرٌ عَلَى زِنَةِ مُدَّ (قَوْمَكَ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَرَى فِي نَفْسِي مَا لَا أَسْتَطِيعُ عَلَى شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ وَإِيفَاءِ حَقِّهَا لِمَا فِي صَدْرِي مِنَ الْوَسَاوِسِ، وَقِلَّةِ تَحَمُّلِي الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ، فَيَكُونُ وَضْعُ

стр. 1708

الْيَدِ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ لِإِزَالَةِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهَا، وَإِثْبَاتِ مَا يُقَوِّيهِ عَلَى احْتِمَالِ مَا يَصْلُحُ لَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْخَوْفَ مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ مِنَ الْكِبْرِ وَالْإِعْجَابِ لَهُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّاسِ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ كَفِّهِ ﵇. (قَالَ: " ادْنُهْ) : أَمْرٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وَهُوَ بِهَاءِ السَّكْتِ لِبَيَانِ ضَمِّ النُّونِ، أَيْ اقْرُبْ مِنِّي، (فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدْيِهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، (ثُمَّ قَالَ: " تَحَوَّلْ) أَيِ انْقَلِبْ (فَوَضَعَهَا) أَيْ: كَفَّهُ (فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ) : بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّثْنِيَةِ (ثُمَّ قَالَ: " أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ) : أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ (فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيِضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ) : كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ أَوْ ضَعِيفِي الْأَبْدَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا أَوْ كَبِيرًا (وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ) أَيِ: الْمُسْتَعْجِلَةَ، وَفِي تَكْرِيرِ إِنَّ إِشَارَةٌ إِلَى صَلَاحِيَةِ كُلٍّ لِلْعِلَّةِ (فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا (فَلْيُصَلِّ كِيَفَ شَاءَ) : وَالتَّطْوِيلُ أَفْضَلُ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَأَئِمَّتُنَا إِذَا صَلَّوْا بِالنَّاسِ فَيُطِيلُونَ غَايَةَ الْإِطَالَةِ، وَيُرَاعُونَ جَمِيعَ الْآدَابِ الظَّاهِرَاتِ، وَإِذَا صَلَّوْا فُرَادَى فَيَقْتَصِرُونَ عَلَى أَدْنَى مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَلَوْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ، وَمَعَ هَذَا فَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الْأَلْفِ مِنْ مُتَابَعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَشَرُفَ وَكَرُمَ.

стр. 1709

١١٣٥ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ، وَيَؤُمُّنَا بِـ (الصَّافَّاتِ» ) . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ١١٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ) أَيْ: بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ إِذَا كُنَّا أُمَّامًا (وَيَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ) : قِيلَ: بَيْنَهُمَا تَنَافٍ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضِيلَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا، وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْيَسِيرَةِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ إِذَا لَمْ يُكَاشَفْ لَهُ بِحَالِ الْقَوْمِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّطْوِيلِ أَوِ التَّخْفِيفِ، أَوْ يُقَالُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي بَحْرِ الْمُنَاجَاةِ، أَوْ كَانَ تَطْوِيلُهُ غَيْرَ مُمِلٍّ لِلْقَوْمِ لِلْقِيَامِ بِمُتَابَعَتِهِ وَالتَّلَذُّذِ بِتِلَاوَتِهِ، وَظُهُورِ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ فِي إِطَالَتِهِ بِحَيْثُ يَنْسَى السَّامِعُ جَمِيعَ حَاجَاتِهِ، وَيَتَقَوَّى الضَّعِيفُ فِي أَضْعَفِ حَالَاتِهِ، وَيَوَدُّ كُلٌّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عُمُرِهِ مَصْرُوفًا فِي رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِهِ ﵇ وَهَنِيئًا لِمَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَالْحُضُورِ لَدَيْهِ، وَمِنَ الْكَلِمَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: سَنَةُ الْوِصَالِ سِنَةٌ، وَسِنَةُ الْفِرَاقِ سَنَةٌ، أَذَاقَنَا اللَّهُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ، وَلَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ الْمُنْتِجَةِ لِلصِّلَاتِ الْمُتَّصِلَاتِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 1710

[بَابُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَحُكْمِ الْمَسْبُوقِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٣٦ - «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ : جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٢٨] بَابُ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ. لِلْإِمَامِ (وَحُكْمِ الْمَسْبُوقِ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " مَا ". الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٣٦ - (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا قَالَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) : بِالضَّمِّ، وَقِيلَ بِهَاءِ السَّكْتِ، أَيْ: أَجَابَ لَهُ وَقَبِلَ حَمْدَهُ (لَمْ يَحْنِ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا، أَيْ: لَمْ يَعْوَجْ (أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ) : أَوْ لَمْ يَثْنِهِ مِنَ الْقَوْمَةِ قَاصِدًا لِلسُّجُودِ (حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ (جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ هَذَا التَّخَلُّفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ جَازَ إِلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ; إِذْ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ مِنَ التَّكْبِيرِ اهـ.

стр. 1711

وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ بِطَرِيقِ الْمُوَاصَلَةِ وَاجِبَةٌ، حَتَّى لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْلَ تَسْبِيحِ الْمُقْتَدِي ثَلَاثًا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُوَافِقُ الْإِمَامَ، وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ، وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ رُكُوعَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ، وَإِلْحَاقُ النُّونِ بَعْدَ حَتَّى مَعَ كَوْنِهَا بِمَعْنَى إِلَى أَنْ ; إِذِ الْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِيَامِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُهْمِلُ أَنْ حَمْلًا عَلَى أُخْتِهَا مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَمِنْهُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِضَمِّ الْمِيمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1712

١١٣٧ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. فَقَالَ: "، أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أَيْ: أَدَّاهَا وَفَرَغَ مِنْهَا (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : تَأْكِيدٌ (فَقَالَ: "، أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) : يَعْنِي وَسُمِّيَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ، (فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) أَيْ: بِالتَّسْلِيمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْأَرْكَانِ الْفِعْلِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالِانْصِرَافِ الْفَرَاغُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُرَادَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بِالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَأَيْضًا لَمْ يُعْرَفِ النَّهْيُ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ قَبْلَ خُرُوجِهِ ﵇. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ: قُدَّامِي، أَيْ: خَارِجَ الصَّلَاةِ، (وَمِنْ خَلْفِي) أَيْ: دَاخِلَهَا بِالْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تَكُونُ حَاصِلَةً لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ مَلَكِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ مَلَكِيَّتِهِ عَلَى نِسْبَةِ بَشَرِيَّتِهِ غَالِبَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْمُنَاجَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمَلَكَ دَائِمًا يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ قُدَّامِهِ، فَالْأَحْسَنُ تَقْيِيدُهُ بِحَالِ الصَّلَاةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ ﵇. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَفْظُهُ، وَكَانَ لَفْظُ الْمِشْكَاةِ وَقَعَ مُخَالِفًا لِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ: " «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ فَمَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إِذَا رَفَعْتُ» ".

стр. 1713

١١٣٨ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ: إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: " وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] . ــ ١١٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ» ) أَيْ: لَا تَسْبِقُوهُ فَالْمُغَالَبَةُ لِلْمُبَالَغَةِ (إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِمَاعِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ " «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» "، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِمَا مَرَّ فِي بَحْثِ التَّأْمِينِ أَنَّهُ يُسَنُّ مُقَارَنَةُ تَأْمِينِهِ لِتَأْمِينِ إِمَامِهِ. قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْمَطْلُوبِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ تَأْمِينُ الْمَأْمُومِينَ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَيَصِيرُ مُقَدَّمًا عَلَى تَأْمِينِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. (وَإِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا (رَكَعَ فَارْكَعُوا) : الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ تُشِيرُ إِلَى مَذْهَبِنَا الَّذِي قَدَّمْنَا (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) : وَظَاهِرُهُ التَّقْسِيمُ وَالتَّوْزِيعُ كَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: " وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] : يَعْنِي مَعَ قَوْلِهِ فَقُولُوا: آمِينَ.

стр. 1714

١١٣٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» ". قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: " «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» " هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ إِلَى " أَجْمَعُونَ ". وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ. " «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» ". ــ ١١٣٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: سَقَطَ (عَنْهُ، فَجُحِشَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ انْخَدَشَ وَجُحِشَ مُتَعَدٍّ (شِقُّهُ الْأَيْمَنُ) أَيْ: تَأَثَّرَ تَأَثُّرًا مَنَعَهُ اسْتِطَاعَةُ الْقِيَامِ (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) أَيِ: الْمَكْتُوبَةِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (قَاعِدٌ) . جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: بِالسَّلَامِ مِنْ صَلَاتِهِ (قَالَ: " «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ) أَيْ: لِيُقْتَدَى بِهِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّقْدِيمِ عَلَيْهِ وَالتَّأَخُّرِ عَنْهُ بِحَيْثُ يُوهِمُ قَطْعَ الْقُدْوَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَظَاهِرُهُ شُمُولُ النَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مِنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) : مَصْدَرٌ، أَيْ: ذَوِي قِيَامٍ، أَوْ جَمْعٍ، أَيْ: قَائِمِينَ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِيَةِ، (وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) أَيْ: رَأْسَهُ (فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) : وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ زِيَادَةُ: " وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ". (وَإِذَا صَلَّى) أَيِ: الْإِمَامُ (جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا) : جَمْعُ جَالِسٍ وَهُوَ حَالٌ بِمَعْنَى جَالِسِينَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (أَجْمَعُونَ) : تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي فَصَلُّوا. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَرُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: إِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ فَاجْلِسُوا وَالْمُتَشَهِّدُ مُصَلٍّ وَهُوَ جَالِسٌ، كَذَا أَوَّلَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَلَكِنْ يَأْبَاهُ ظَاهِرُ صَدْرِ الْحَدِيثِ، فَالْمَعْنَى إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِعُذْرٍ وَافَقَهُ الْمُقْتَدُونَ، فَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِصَلَاتِهِ ﵇ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، وَزَعْمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ غَلَطٌ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ ثَابِتٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: خُصَّ ﵇ بِالْإِمَامَةِ جَالِسًا فِيمَا ذَكَرَهُ قَوْمٌ. (قَالَ الْحُمَيْدِيُّ) : هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَوْلُهُ: " إِذَا صَلَّى جَالِسًا) أَيْ: بِعُذْرٍ (فَصَلُّوا جُلُوسًا " هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ) أَيْ: حِينَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَرَضِ (النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ (جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا صَلَّى جَالِسًا، أَيْ: بِعُذْرٍ وَافَقَهُ الْمَأْمُومُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ قَاعِدًا، وَدَلِيلُ مَالِكٍ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَؤُمُّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» " وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَمَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا. (لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ) أَيْ: يُعْمَلُ (بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ) أَيْ: مَعَهُ (إِلَى " أَجْمَعُونَ " وَزَادَ) أَيْ: مُسْلِمٌ (فِي رِوَايَةٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فِي رِوَايَتِهِ (فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا) : بِالْوَاوِ عَلَى الصَّحِيحِ (سَجَدَ فَاسْجُدُوا) : وَمَحَلُّهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ لِابْنِ الْمَلَكِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَوْلُهُ: فَصَلُّوا جُلُوسًا مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ إِلَخْ اهـ. قِيلَ: وَزَعْمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ غَلَطٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَوْلُهُ: إِذَا صَلَّى إِلَخْ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْجُلُوسِ، بَلْ عَلَى نَسْخِ وُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا إِذَا جَازَ وَجَبَ، فَحَيْثُ انْتَفَى وُجُوبُهُ انْتَفَى جَوَازُهُ رُجُوعًا بِهِ إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَقَوْلُهُمْ: إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ يُحْمَلُ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِمْ هُنَا عَلَى مَا لَمْ تُعْلَمْ حُرْمَتُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَاعِدَ إِنْ شَرَعَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ صَحَّ اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ شَرَعَ جَالِسًا فَلَا. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ ﵇ خَرَجَ إِلَى مَحَلِّ الصَّلَاةِ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبْلَ الْجُلُوسِ، وَصَرَّحُوا فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَلَوِ التَّحْرِيمَةُ وَجَبَ الْقِيَامُ فِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُتَحَقِّقًا فِي حَقِّهِ ﵇ إِذْ مُبْتَدَأُ حُلُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ قَائِمًا، فَالتَّكْبِيرُ قَائِمًا مَقْدُورُهُ حِينَئِذٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَوْرِدُ النَّصِّ حِينَئِذٍ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِينَ بِجَالِسٍ شَرَعَ قَائِمًا.

стр. 1715

١١٤٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ "، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. ــ ١١٤٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ، أَيْ: اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَتَنَاهَى ضَعْفُهُ (جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ، أَيْ: يُعْلِمُهُ وَيُخْبِرُهُ، وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ يَدْعُوهُ، أَيْ: رَافِعًا صَوْتَهُ، وَالتَّأْذِينُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي دُعَاءِ أَحَدٍ وَمِنْهُ الْأَذَانُ اهـ. وَيَجُوزُ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَاوًا (بِالصَّلَاةِ) أَيْ: يُعْلِمُهُ بِقُرْبِهَا أَوْ يَدْعُوهُ إِلَيْهَا، لِيَؤُمَّهُمْ أَوْ يُقَدِّمَ مَنْ يَؤُمُّهُمْ، (فَقَالَ: " «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْلَاهُمْ بِخِلَافَتِهِ، كَمَا قَالَتِ الصَّحَابَةُ: رَضِيَهُ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ قُلْتُ: وَقَدْ أُكِّدَ الْأَمْرُ بِمَجِيئِهِ وَاقْتِدَائِهِ بِهِ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنَ الرِّوَايَاتِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، أَعْنِي الْقَوْلِيَّ وَالْفِعْلِيَّ وَالْأَمْرِيَّ وَالتَّقْرِيرِيَّ، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ اتِّفَاقِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ، (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ) أَيْ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً كَمَا نَقَلَهُ الدِّمْيَاطِيُّ مُدَّةَ شِدَّةِ مَرَضِهِ ﵇ (ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً) أَيْ: قُوَّةً وَزَالَ بَعْضُ الْمَرَضِ (فَقَامَ يُهَادَى) : بِفَتْحِ الدَّالِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: يَمْشِي مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفِهِ وَتَمَايُلِهِ، وَإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى عَاتِقِ أَحَدِهِمَا وَالْأُخْرَى عَلَى عَاتِقِ الْآخَرِ، وَالرَّجُلَانِ عَبَّاسٌ وَعَلِيٌّ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَأُسَامَةُ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَالْفَضْلُ، (وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: تُمَدَّانِ فِيهَا إِذْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا عَنْهَا مِنَ الضَّعْفِ (حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ) أَيْ حَرَكَتَهُ أَوْ صَوْتَهُ (ذَهَبَ) أَيْ: قَصَدَ أَوْ طَفِقَ أَوْ شَرَعَ (يَتَأَخَّرُ) : عَنْ مَوْضِعِهِ لِيَقُومَ ﵇ مَقَامَهُ، (فَأَوْمَأَ) : بِالْهَمْزِ، وَفِي نُسْخَةِ عَفِيفِ الدِّينِ: فَأَوْمَأَ بِالْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَوْمَأَ كَوَضَعَ، وَأَوْمَأَ وَوَمَأَ أَشَارَ كَذَا فِي بَابِ الْهَمْزِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَادَّةَ وم ي أَصْلًا، نَعَمْ لَهُ وَجْهٌ أَنْ يُبْدِلَ الْهَمْزَ أَلِفًا عَلَى لُغَةٍ، أَيْ أَشَارَ (إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ) أَيْ: بِعَدَمِ تَأَخُّرِهِ لِعَدَمِ خَرْمِ الصَّفِّ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِشُرُوعِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِإِمَامَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالثَّانِي، يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ حَذْفِ الْأَوَّلِ مِثْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ فَيُفَارِقَهُ، وَيَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامٍ وَالْمَأْمُومُ سَابِقٌ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ، وَيَجُوزُ إِنْشَاءُ الْقُدْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَصَارُوا مُقْتَدِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ تَجْدِيدُ نِيَّةٍ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ بَعْدَمَا دَخَلَ نَائِبُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ، وَيَصِيرُ النَّائِبُ مَأْمُومًا، وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ اهـ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ مَا عَدَّ خِلَافَهُمْ مُعْتَدًّا بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَارَ إِمَامًا لِأَبِي بَكْرٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِمَامًا فِي أَوَّلِهَا، لَكِنِ اقْتُدِيَ بِهِ ﵇ بَعْدَ مَجِيئِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى نَقْلِ الِاقْتِدَاءِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَيْضًا الْمُقَرَّرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي فَرْضٍ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ لِلْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا مَنْ شَرَعَ بِجَمَاعَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِبْطَالُ، فَيُرْجَعُ إِلَى الْقَوْلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: خُصَّ ﷺ بِجَوَازِ اسْتِخْلَافِهِ فِي الْإِمَامَةِ، كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ وَقَدَّمَهُ فِيمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ (فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵇ هُوَ الْإِمَامُ بِجَعْلِهِ أَبَا بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكْرٍ لَكَانَ قِيَامُهُ عَمَلًا بِالْجَوَازِ أَوْ بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطَّحَاوِيَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا قُعُودُ الْإِمَامِ لَا قُعُودُ الْمَأْمُومِ، وَأُخْرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ فِيمَا يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْإِمَامُ إِذْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ فِي حَالِ الْجَهْرِ مَعَ الْإِمَامِ اهـ.

стр. 1716

وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ كَمَا لَا يَخْفَى، (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا) : وَانْفِرَادُهُ لِكَوْنِهِ ضَرُورَةً غَيْرُ مَكْرُوهٍ، (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا) : بِسَبَبِ الْعُذْرِ (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: يَصْنَعُ صُنْعَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَوْضَحُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكْرٍ وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تَقَدُّمَ حَيْثُ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا بِثَبْتٍ، وَلَعَلَّ الْمَالِكِيَّةَ لَهُمْ دَلِيلٌ غَيْرُ هَذَا التَّعْلِيلِ، (وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: يَصْنَعُونَ مِثْلَ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ بِجَنْبِهِ قَائِمًا ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامَ الْقَوْمِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ إِمَامَهُ ; إِذِ الِاقْتِدَاءُ بِالْمَأْمُومِ لَا يَجُوزُ، بَلِ الْإِمَامُ كَانَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِ، كَذَا حَرَّرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ) : مِنَ الْإِسْمَاعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يُبَلِّغُ (أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) أَيْ: تَكْبِيرَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُكَبِّرًا لَا إِمَامًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي أُخْرَى لَهُ، أَيْضًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الدِّرَايَةِ وَبِهِ يُعْرَفُ جَوَازُ رَفْعِ الْمُؤَذِّنِينَ أَصْوَاتَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهَا اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ مَقْصُودًا خُصُوصُ الرَّفْعِ الْكَائِنِ فِي زَمَانِنَا بَلْ أَصْلُ الرَّفْعِ لِإِبْلَاغِ الِانْتِقَالَاتِ، أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الَّذِي تَعَارَفُوهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ، فَإِنَّهُ غَالِبًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ أَكْبَرُ أَوْ بَائِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ فَلِأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الصِّيَاحِ زِيَادَةً عَلَى حَاجَةِ الْإِبْلَاغِ وَالِاشْتِغَالِ بِتَحْرِيرَاتِ النَّغَمِ إِظْهَارًا لِلصِّنَاعَةِ النَّغَمِيَّةِ لَا إِقَامَةً لِلْعِبَادَةِ، وَالصِّيَاحُ مُلْحَقٌ بِالْكَلَامِ الَّذِي سَاقَهُ ذَلِكَ الصِّيَاحُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لَا تَفْسُدُ، وَلِمُصِيبَةٍ بَلَغَتْهُ تَفْسُدُ ; لِأَنَّهُ فِي التَّعَرُّضِ الْأَوَّلِ تَعَرَّضٌ لِسُؤَالِ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذِ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ إِذَا حَصَلَ بِهِ الْحُرُوفُ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا تَفْسُدُ، وَفِي الثَّانِي لِإِظْهَارِهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا فَقَالَ: وَامُصِيبَتَاهُ؟ أَوْ أَدْرِكُونِي فَهُوَ مُفْسِدٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَهُنَا مَعْلُومٌ أَنَّ قَصْدَهُ إِعْجَابُ النَّاسِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: اعْجَبُوا مِنْ حُسْنِ صَوْتِي وَتَحْرِيرِي فِيهِ أَفْسَدَ، وَحُصُولُ الْحُرُوفِ لَازِمٌ مِنَ التَّلْحِينِ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَصْدُرُ مِمَّنْ فَهِمَ مَعْنَى الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا لَا أَرَى تَحْرِيرَ النَّغَمِ فِي الدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقُرَّاءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَصْدُرُ مِمَّنْ فَهِمَ مَعْنَى الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا نَوْعُ لَعِبٍ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِي الشَّاهِدِ سَائِلُ حَاجَةٍ مِنْ مَلِكٍ أَدَّى سُؤَالَهُ وَطَلَبَهُ بِتَحْرِيرِ النَّغَمِ فِيهِ مِنَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، وَالتَّغْرِيبِ فِي الرُّجُوعِ كَالتَّغَنِّي نُسِبَ أَلْبَتَّةَ إِلَى قَصْدِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّعِبِ ; إِذْ مَقَامُ طَلَبِ الْحَاجَةِ التَّضَرُّعُ لَا التَّغَنِّي. قُلْتُ: وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّهُ تَفَرَّعَ عَلَى تَطْوِيلِ الْمُكَبِّرِينَ حَتَّى فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ أَنَّهُ يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَقِفُ فِي حَالَاتِ الِانْتِقَالَاتِ انْتِظَارًا لِفَرَاغِهِمْ مِنَ التَّمْطِيطَاتِ، فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ وَانْعَكَسَ الْمَوْضُوعُ، وَبَقِيَ الْإِمَامُ تَابِعًا وَالْمُكَبِّرُ هُوَ الْمَتْبُوعُ. وَفِي الْهِدَايَةِ: وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالْقَاعِدُ خَلْفَ قَائِمٍ جَائِزٌ اتِّفَاقًا قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَجُوزُ لِصَحِيحٍ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَرِيضٍ يُصَلِّي قَاعِدًا وَإِنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيَذْهَبُ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ كَانَ مَخْصُوصًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ صُلِّيَ بَعْضُهُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَبَعْضُهُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَلَا يُنَافِيهِ تَجْوِيزُ الشَّافِعِيَّةِ بَعْضَ الصُّوَرِ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الصِّدِّيقَ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنَ الْإِمَامَةِ إِلَى الْمَأْمُومِيَّةِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ.

стр. 1717

١١٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٤١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَا يَخْشَى) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَ " مَا " نَافِيَةٌ (الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ) أَيْ: مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ مَثَلًا (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ) أَيْ: مِنْ أَنْ يُبَدِّلَ وَيُغَيِّرَ (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) : يَعْنِي يَجْعَلُهُ بَلِيدًا كَالْحِمَارِ الَّذِي هُوَ أَبْلَدُ الْحَيَوَانَاتِ، فَيَكُونُ مَسْخًا مَعْنَوِيًّا مَجَازِيًّا، لَكِنْ يَأْبَاهُ التَّخْصِيصُ بِالرَّأْسِ، وَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْمَسْخَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ جَائِزٌ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ يَجْعَلُهُ بَلِيدًا وَإِلَّا فَالْمَسْخُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ جَوَازُ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَسْخًا خَاصًّا، وَالْمُمْتَنِعُ الْمَسْخُ الْعَامُّ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْبَلَادَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بِهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابًا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ، فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتُهُ لَهُ رَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ، فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الْإِمَامَ، فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي فِي الْحَدِيثِ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ فَسَبَقْتُ الْإِمَامَ فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى اهـ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَسْخِ اسْتِبْعَادُ وُقُوعِهِ، وَإِلَّا فَالْوَاقِعُ بِخِلَافِهِ فِي مُخَالَفَةِ النَّاسِ إِمَامَهُمْ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، وَيَكُونُ حَقِيقَتُهُ فِي الْبَرْزَخِ أَوْ فِي النَّارِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَسْخُ مُعَلَّقٌ عَلَى عَدَمِ الْخَشْيَةِ الْمُقَارِنَةِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يُرَجِّحُ التَّجَوُّزَ أَنَّ التَّحْوِيلَ الظَّاهِرَ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ رَفْعِ الْمَأْمُومِينَ قَبْلَ الْإِمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 1718

الْفَصْلُ الثَّانِي ١١٤٢ - عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١١٤٢ - (عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ إِذَا نَوَى وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ (وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ) أَيْ: مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ، (فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ) أَيْ: فَلْيَقْتَدِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَلَا يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرْ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: فَلْيُوَافِقِ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ أَوِ الرُّكُوعِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَعْنِي: فَلَا يَنْتَظِرْ رُجُوعَ الْإِمَامِ إِلَى الْقِيَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ. (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : لَا نَعْرِفُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، فَكَانَ التِّرْمِذِيُّ يُرِيدُ تَقْوِيَةَ الْحَدِيثِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَنِي «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفًا غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قِيلَ لَهُ غُفِرَ لَهُ أَيْضًا» ، فَكُنْتُ ذَكَرْتُ التَّهْلِيلَةَ بِالْعَدَدِ الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَنْوِيَ لِأَحَدٍ بِالْخُصُوصِ، بَلْ عَلَى الْوَجْهِ الْإِجْمَالِيِّ، فَحَضَرْتُ طَعَامًا مَعَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَفِيهِمْ شَابٌّ مَشْهُورٌ بِالْكَشْفِ، فَإِذَا هُوَ فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ أَظْهَرَ الْبُكَاءَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ السَّبَبِ فَقَالَ: أَرَى أُمِّي فِي الْعَذَابِ فَوَهَبْتُ فِي بَاطِنِي ثَوَابَ التَّهْلِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَهَا فَضَحِكَ وَقَالَ: إِنِّي أَرَاهَا الْآنَ فِي حُسْنِ الْمَآبِ، قَالَ الشَّيْخُ: فَعَرَفْتُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ بِصِحَّةِ كَشْفِهِ، وَصِحَّةَ كَشْفِهِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ.

стр. 1719

١١٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ سُجُودٌ، فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهُ شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ سُجُودٌ) : جَمْعُ سَاجِدٍ، وَحَمَلَ ابْنُ حَجَرٍ السُّجُودَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: عَدَلَ إِلَيْهِ عَنْ سَاجِدُونَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لِلْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ صِحَّةِ الْحَقِيقَةِ لَا يُعْدَلُ إِلَى الْمَجَازِ وَلَوْ كَانَ أَبْلَغَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] (فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهُ) أَيْ لَا تَحْسِبُوا ذَلِكَ السُّجُودَ (شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الرَّكْعَةِ الَّتِي أَدْرَكْتُمْ (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً) أَيْ: رُكُوعًا مَعَ الْإِمَامِ (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) أَيِ: الرَّكْعَةَ، وَقِيلَ: ثَوَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، قَالَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا فَغَيْرُهَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ، سَوَاءٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدِينِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُضْطَرِبٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَيَحْيَى وَثَّقَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ بِلَفْظِ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ، وَقَالَ جَمْعٌ مُحَدِّثُونَ فُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا تُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مُطْلَقًا لِخَبَرِ: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةَ» ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذِهِ مَقَالَةٌ خَارِقَةٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْأَعْصَارِ عَلَى رَدِّهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ إِنَّمَا أَجَازَ إِدْرَاكَ الرُّكُوعِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا مَنْ يَرَاهَا كَأَبِي هُرَيْرَةَ جَوَابُهُ: أَنَّ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ أَجْمَعُوا عَلَى الْإِدْرَاكِ بِنَاءً عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ.

стр. 1720

١١٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١١٤٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى لِلَّهِ) أَيْ: خَالِصًا (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أَيْ: وَلَيْلَةً (فِي جَمَاعَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّى (يُدْرِكُ) : حَالٌ (التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى) : ظَاهِرُهَا التَّكْبِيرَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ مَعَ الْإِمَامِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ تَشْمَلَ التَّكْبِيرَةَ التَّحْرِيمِيَّةَ لِلْمُقْتَدِي عِنْدَ لُحُوقِ الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ إِدْرَاكَ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ يَتِمُّ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى. (كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ) أَيْ: خَلَاصٌ وَنَجَاةٌ مِنْهَا يُقَالُ: بَرِئَ مِنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْبِ: خَلُصَ (وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يُؤَمِّنُهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْمُنَافِقِ وَيُوَفِّقُهُ لِعِلْمِ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ، وَفِي الْآخِرَةِ يُؤَمِّنُهُ مِمَّا يُعَذَّبُ بِهِ الْمُنَافِقُ وَيَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافِقٍ يَعْنِي: بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، وَحَالُ هَذَا بِخِلَافِهِمْ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي عَدَدِ الْأَرْبَعِينَ سِرٌّ مَكِينٌ لِلسَّالِكِينَ نَطَقَ بِهِ كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسُنَّةُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» " فَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنَ الزَّمَانِ مِعْيَارًا لِكَمَالِهِ فِي كُلِّ شَأْنٍ كَمَا كَمُلَتْ لَهُ الْأَطْوَارُ كُلُّ طَوْرٍ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأَسْرَارِ وَدَقَائِقِ الْآثَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا نَقَلَهُ مِيرَكُ. قُلْتُ: وَمِثْلُ هَذَا مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَمَوْقُوفُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ وَمَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَأَبُو دَاوُدَ، خَبَرَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا» ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إِدْرَاكُهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا فَاتَتْهُمْ عَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِذَا فَاتَتْهُمُ الْجَمَاعَةُ عَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ اهـ. وَكَأَنَّهُمْ مَا فَاتَتْهُمُ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَعَزَّوْا أَنْفُسَهُمْ سَبْعِينَ يَوْمًا.
следующие страницы →