Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
١٨٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ؛ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٨٧٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ» ) أَيْ: كَامِلٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَبَرٌ مَوْصُوفٌ وَالْمُبْتَدَأُ (الْبُخْلُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَبِفَتْحِهَا (وَسُوءُ الْخُلُقِ) بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الثَّانِي أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بُلُوغُ النِّهَايَةِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا وَلَا يَنْفَكَّانِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ فِيهِ بَعْضُ هَذَا أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْ يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي بَعْضٍ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَصْلَتَانِ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ إِبْدَالُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ وَالْخَبَرُ لَا يَجْتَمِعَانِ اهـ. وَإِغْلَاقُهُ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَا يَجْتَمِعَانِ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: «الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى اهـ. وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ضَعِيفٌ؛ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» "، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ سُوءُ الْخُلُقِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِيمَانَ، فَإِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ هُوَ مَا بِهِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي.
стр. 2697
١٨٧٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٨٧٣ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولًا أَوَّلِيًّا (خِبٌّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ: خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِدَاعِ (وَلَا بَخِيلٌ) يَمْنَعُ الْوَاجِبَ مِنَ الْمَالِ (وَلَا مَنَّانٌ) مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ: يَمُنُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْعَطَاءِ، أَوْ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يُجْعَلَ طَاهِرًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْعُقُوبَةِ بِقَدْرِهَا تَمْحِيصًا فِي الْعُقْبَى أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2698
١٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» " فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
ــ
١٨٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ» ) مِنَ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ ( «شُحٌّ هَالِعٌ» ) أَيْ: جَازِعٌ يَحْمِلُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَزَعِ عَلَى ذَهَابِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] وَقِيلَ: الشُّحُّ أَبْلَغُ مِنَ الْبُخْلِ لِأَنَّ الْبُخْلَ مَنْعُ مَا وَجَبَ بَذْلُهُ مِنَ الْمَالِ، وَالشُّحَّ مَنْعُ كُلِّ وَاجِبٍ مِنَ الْمَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ ( «وَجُبْنٌ خَالِعٌ» ) أَيْ: شَدِيدٌ كَأَنَّهُ يَخْلَعُ قَلْبَهُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الْأَبْرَارِ، وَخُصَّ الرَّجُلُ إِمَّا لِأَنَّهُمَا مَمْدُوحَانِ لِلنِّسَاءِ فِي نَوْعٍ مِنْهُمَا أَوْ لِأَنَّ مَذَمَّةَ الرِّجَالِ بِهِمَا فَوْقَ مَذَمَّةِ النِّسَاءِ بِهِمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: وَهُوَ إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» ") أَيِ: الْكَامِلُ، أَوْ أُرِيدَ بِهِمَا الزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ (فِي كِتَابِ الْجِهَادِ) لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَحَلِّهِ الْأَسْبَقِ الْأَلْيَقِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -) .
стр. 2699
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٧٥ - «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: " أَطْوَلُكُنَّ يَدًا "، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ". قَالَتْ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا؟ قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٧٥ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَرَضِيَ عَنْهُنَّ ( «قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا» ) أَيْ: بِالْمَوْتِ بَعْدَكَ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ: " إِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي» " فَضَحِكَتْ (قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» ) أَيْ: أَكْثَرُكُنَّ صَدَقَةً وَأَعْظَمُكُنَّ إِحْسَانًا، فَإِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمِنَّةُ وَالنِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيَّ يَدًا يُحِبُّهُ قَلْبِي» " وَكَذَا قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ: -
إِلَيْكَ يَدًى مِنْكَ الْأَيَادِي تُمِدُّهَا
(فَأَخَذُوا) الظَّاهِرُ فَأَخَذْنَ وَعُدِلَ إِلَى أَخَذُوا تَعْظِيمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: -
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالشَّاهِدُ الثَّانِي أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ التَّغْلِيبُ لِلْجِنْسِ الْأَشْرَفِ وَلَا تَغْلِيبَ هُنَا لِأَنَّ الْكُلَّ نِسْوَةٌ ( «قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا» ) أَيْ: وَيَقِيسُونَ أَيْدِيَهُنَّ بِهَا بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْجَارِحَةُ ( «وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا» ) أَيْ: فِي الْحِسِّ (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ هَذَا حِينَ مَاتَتْ زَيْنَبُ أَوَّلًا وَكَانَتْ أَكْثَرَهُنَّ صَدَقَةً (أَنَّمَا كَانَ) بِالْفَتْحِ (طُولُ يَدِهَا) بِالرَّفْعِ (الصَّدَقَةَ) بِالنَّصْبِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَعَكَسَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَهِمْنَا أَوَّلًا ظَاهِرَهُ وَلَمَّا فَطِنَّا بِمَحَبَّتِهَا الصَّدَقَةَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْيَدِ إِلَّا الْعَطَاءَ اهـ. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَكَانَتْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( «أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ» ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ لُحُوقًا بِهِ زِيَادَةُ لَفْظِ زَيْنَبَ مُلْحَقًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَقَعَ بِحَذْفِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ اهـ. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ سَوْدَةَ كَانَتْ أَسْرَعَ لُحُوقًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ جَارِحَةً، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا زَيْنَبُ، فَالصَّحِيحُ تَقْدِيرُ زَيْنَبَ أَوْ وُجُودُهُ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءًا لِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، أَوْ يُؤَوَّلَ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِيِّ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا اخْتِصَارُ مَحَلٍّ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ أَحَقُّ وَالثَّالِثَ أَدَقُّ (وَكَانَتْ) أَيْ: زَيْنَبُ (تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) أَيْ: إِعْطَاءَهَا، وَكَانَتْ لَهَا صِنَاعَةٌ وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ بِالْيَدِ وَهَذَا مَعْنًى آخَرُ لِلْيَدِ، فَأَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِمَعْنَى أَفْضَلُكُنَّ يَدًا؛ حَيْثُ إِنَّهَا تَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ بِيَدِهَا مِنْ كَدِّ يَدِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْحَيَاةِ كَانَ فِي حَيَاتِهِ أَفْضَلَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمَوْتُ أَكْمَلُ، لِهَذَا قَالَ بِلَالٌ: -
غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ
(قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (فَكَانَتْ) أَيْ: جَمَاعَةُ النِّسَاءِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (يَتَطَاوَلْنَ) أَيْ: يَتَقَايَسْنَ أَطْوَالَ أَيْدِيهِنَّ (أَيَّتُهُنَّ) بِالضَّمِّ (أَطْوَلَ يَدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ: يَتَطَاوَلْنَ نَاظِرَاتٍ أَيَّتُهُنَّ، قِيلَ: وَجْهُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ كَانَتْ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ، وَأَنَّ سَوْدَةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ عَائِشَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَعَائِشَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ جَمِيعُهُنَّ، وَأَنَّ زَيْنَبَ تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ قَبْلَ جَمِيعِ الْأَزْوَاجِ اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى (قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (كَانَتْ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ أَيْ: ظَهَرَتْ ( «أَطْوَلَنَا يَدًا» ) أَيْ: بِالصَّدَقَةِ (زَيْنَبُ) وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً؛ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ) أَيْ: تَدْبُغُ الْجُلُودَ بِيَدِهَا ثُمَّ تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنْ قِصَرِ الطَّمَعِ وَكَفِّ النَّفْسِ الْمُتَعَدِّي، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَانِ لِقَوْلِهَا يَتَطَاوَلْنَ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَوِيُّ لَا الصُّورِيُّ.
стр. 2700
١٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
١٨٧٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) أَيْ: مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوْ فِي نِدَائِهِ حَالَ دُعَائِهِ (لَأَتَصَدَّقَنَّ) أَيِ: اللَّيْلَةَ (بِصَدَقَةٍ) أَيْ: عَظِيمَةٍ وَاقِعَةٍ مَوْقِعَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَبُولٌ عَظِيمٌ (فَخَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (بِصَدَقَتِهِ) أَيِ: الَّتِي نَوَى بِهَا لِيُعْطِيَهَا مُسْتَحِقَّهَا (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَنَّهُ سَارِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا، فَأَذَاعَ السَّارِقُ بِأَنَّهُ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ (فَأَصْبَحُوا) أَيِ: النَّاسُ (يَتَحَدَّثُونَ) بَعْضُهُمْ مِنَ السَّارِقِ أَوْ بِإِلْهَامِ الْخَالِقِ، وَالْمَعْنَى فَصَارَ النَّاسُ مُتَحَدِّثِينَ، أَوْ مَعْنَاهُ دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ حَالَ كَوْنِهِمْ قَائِلِينَ تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا (تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ) ظَرْفٌ (عَلَى سَارِقٍ) نَائِبُ الْفَاعِلِ أَوْ هُوَ ( «بِصَدَقَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ» ) أَيْ: عَلَى تَصَدُّقِي عَلَى سَارِقٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا جَزَمَ بِوَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ بِصَدَقَةٍ جُوزِيَ بِوَضْعِهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ، فَذُكِرَ الْحَمْدُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ كَمَا يُذْكَرُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِهِ ( «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ» ) أَيْ: أُخْرَى لَعَلَّهَا تَقَعُ فِي مَحَلِّهَا ( «فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ» ) أَيْ: تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا ( «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ» ) أَيِ: اللَّيْلَةَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ ( «عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ» ) فَذَلِكَ فَذْلَكَةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَمْدِهِ - تَعَالَى - وَثَنَائِهِ تَفْوِيضًا وَتَسْلِيمًا لِقَضَائِهِ فَجُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ بِتَمَامِ نِظَامِ الْمَرَامِ (فَأُتِيَ) فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: صَدَقَاتُكَ مَقْبُولَةٌ، وَكُلُّهَا فِي مَوَاضِعِهَا مَوْضُوعَةٌ ( «أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ» ) فَلَا تَخْلُوا عَنْ مَثُوبَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِحِكْمَةٍ ( «فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ» ) إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةَ الِاكْتِفَاءِ ( «وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا» ) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي السَّارِقِ وَالزَّانِيَةِ أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْمَعْصِيَةَ لِلْحَاجَةِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ( «وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ» ) أَيْ: يَتَّعِظُ وَيَتَذَكَّرُ ( «فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» ) اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَقِيرًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا يُعِيدُهَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ، وَهَلْ يَطِيبُ لِلْقَابِضِ إِذَا ظَهَرَ الْحَالُ؟ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَطِيبَ يَتَصَدَّقُ، وَقِيلَ يَرُدُّهُ لِلْمُعْطِي عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِيُعِيدَ الْأَدَاءَ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّوَابِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَهُمَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا يَزِيدُ لَكَ مَا نَوَيْتَ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» " اهـ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ وَاقِعَةَ حَالٍ يَجُوزُ فِيهَا كَوْنُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ كَانَتْ نَفْلًا لَكِنَّ عُمُومَ لَفْظِ مَا فِي قَوْلِهِ ﵊: " «لَكَ مَا نَوَيْتَ» " يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ: وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ.
стр. 2701
١٨٧٧ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ؛ الِاسْمُ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ وَيَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٧٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بِإِشْبَاعِ الْفَتْحَةِ أَلِفًا أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ (رَجُلٌ بِفَلَاةٍ) أَيْ: بِصَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ ( «مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ» ) بِقَطْعِ هَمْزٍ وَوَصْلِهِ (حَدِيقَةَ فُلَانٍ) وَهِيَ بُسْتَانٌ يَدُورُ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَفُلَانٌ كِنَايَةٌ مِنْهُ ﵊ عَنِ اسْمِ صَاحِبِ الْحَدِيقَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ صَرِيحًا (فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ) أَيْ: تَبَعَّدَ عَنْ مَقْصِدِهِ (فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ) وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ (فَإِذَا شَرْجَةٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ مَسِيلُ الْمَاءِ إِلَى السَّهْلِ مِنَ الْأَرْضِ (مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) بِكَسْرِ الشِّينِ أَيِ: الْوَاقِعَةِ فِي تِلْكَ الْحَرَّةِ (قَدِ اسْتَوْعَبَتْ) أَيْ: بِالْأَخْذِ (ذَلِكَ الْمَاءَ) أَيِ: النَّازِلَ مِنَ السَّحَابِ الْوَاقِعَ فِي الْحَرَّةِ (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ (فَتَتَبَّعَ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ (الْمَاءَ) أَيْ: أَثَرَهُ ( «فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ» ) أَيْ: مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مِنْ حَدِيقَتِهِ (بِمِسْحَاتِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ الْمِجْرَفَةُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوْ غَيْرِهِ (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْحَدِيقَةِ (يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكُ؟) أَيِ: الْمَخْصُوصُ (قَالَ: فُلَانٌ؛ الِاسْمُ) بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صَرَّحَ بِاسْمِهِ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَنَّى عَنْهُ بِفُلَانٍ ثُمَّ فَسَّرَ بِقَوْلِهِ: الِاسْمُ (الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ) وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ التَّصْرِيحِ إِلَى الْكِنَايَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَيْسَتْ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ ( «يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ وَيَقُولُ» ) أَيْ: ذَلِكَ الصَّوْتُ يَعْنِي صَاحِبَهُ لِلسَّحَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ يَقُولُ ( «اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: قُلْتُ أَنَا فُلَانٌ لِاسْمِكَ الْمَخْصُوصِ وَبَدَلِهِ، فَإِنَّ الْهَاتِفَ صَرَّحَ بِالِاسْمِ، وَالْكِنَايَةُ مِنَ السَّامِعِ (فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟) أَيْ: فِي حَدِيقَتِكَ مِنَ الْخَيْرِ حَتَّى تَسْتَحِقَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ (قَالَ: أَمَّا) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (إِذْ قُلْتَ) وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا قُلْتَ ( «هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» ) أَيْ: مِنْ زَرْعِ الْحَدِيقَةِ وَثَمَرِهَا ( «فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ» ) بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي ( «وَآكُلُ أَنَا وَعِيالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا» ) أَيْ: وَأَصْرِفُ فِي الْحَدِيقَةِ لِلزِّرَاعَةِ وَالْعِمَارَةِ (ثُلُثَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2702
١٨٧٨ - وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا
قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ " - شَكَّ إِسْحَاقُ - إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ، قَالَ: " فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا "، قَالَ: " فَأَتَى الْأَقْرَعُ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ "، قَالَ: " وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا "، قَالَ: " فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ "، قَالَ: " فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنِ الْإِبِلِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ "، قَالَ: " ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ
أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ " قَالَ: " وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ " قَالَ: " وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٧٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى» ) مَنْصُوبَاتٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ " ثَلَاثَةً " ( «فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ» ) أَيْ: يَمْتَحِنَهُمْ لِيَعْرِفُوا أَنْفُسَهُمْ أَيْ: لِيَعْرِفَهُمُ النَّاسُ أَوْ لِيَعْلَمَ - تَعَالَى - أَحْوَالَهُمْ عِلْمَ ظُهُورٍ كَمَا يَعْلَمُهَا عِلْمَ بُطُونٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ خَبَرُ إِنَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ دُخُولَ الْفَاءِ فِي خَبَرِهَا، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قَدَّرَ الْخَبَرَ أَيْ: فِيمَا أَقُصُّ عَلَيْكُمْ، فَقَوْلُهُ فَأَرَادَ تَفْسِيرٌ لِلْمُجْمَلِ، وَلَوْ رُفِعَ " أَبْرَصَ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْخَبَرِيَّةِ تَعَيَّنَ لِلتَّفْسِيرِ اهـ. يَعْنِي أَنَّ رَفْعَهَا بِتَقْدِيرِ أَحَدِهِمْ أَبْرَصَ أَوْ مِنْهُمْ أَبْرَصُ ( «فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا» ) أَيْ: فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِسْكِينٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ ( «فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ» ) أَيِ: الْمَلَكُ ( «أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ» ) أَيْ: مِنَ الْأَحْوَالِ (قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ) كَالْبَيَاضِ (وَجِلْدٌ حَسَنٌ) أَيْ نَاعِمٌ طَرِيٌّ (وَيَذْهَبُ عَنِّي) بِالرَّفْعِ كَقَوْلِهِ أَحْضُرُ الْوَغَى، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيَّ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَزُولُ عَنِّي ( «الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ» ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: كَرِهُوا مُخَالَطَتِي مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ الْبَرَصُ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ (فَمَسَحَهُ) أَيِ: الْمَلَكُ ( «فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ» ) بِفَتْحَتَيْنِ ( «وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ» )
стр. 2703
أَيِ: الْمَلَكُ ( «فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ» - شَكَّ إِسْحَاقُ -) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، أَقُولُ: وَالْإِبِلُ أَرْجَحُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْآتِي فَأَعْطِنِي نَاقَةً بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ( «إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوِ الْأَقْرَعَ» ) اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الشَّكِّ ( «قَالَ أَحَدُهَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْأَخَرُ: الْبَقَرُ» ) أَيْ: لَمْ يَشُكَّ إِسْحَاقُ فِي هَذَا بَلْ فِي التَّعْيِينِ؛ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ (فَأُعْطِيَ) أَيْ: طَالَبُ الْإِبِلِ لَا الْأَبْرَصُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ (نَاقَةً عُشَرَاءَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ: الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحَامِلِ مُطْلَقًا (فَقَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ ( «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ» ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ ( «وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، قَالَ: وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، فَقَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ» ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ ( «بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا» ) قِيلَ: هِيَ الَّتِي عُرِفَ مِنْهَا كَثْرَةُ النِّتَاجِ وَقِيلَ: الْحَامِلُ (فَأُنْتِجَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مِنِ الْإِنْتَاجِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَمَعْنَاهُ تَوَلِّي الْوِلَادَةِ وَالْمَشْهُورُ نَتَجَ وَالنَّاتِجُ لِلْإِبِلِ كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: اسْتَوْلَدَ النَّاقَةَ وَالْبَقَرَةَ (هَذَانِ) أَيِ: الْأَبْرَصُ وَالْأَقْرَعُ (وَوَلَّدَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَعْلُومٌ مِنَ التَّوْلِيدِ بِمَعْنَى الْإِنْتَاجِ (هَذَا) أَيِ: الْأَعْمَى (فَكَانَ لِهَذَا) أَيْ: لِلْأَبْرَصِ ( «وَادٍ مِنِ الْإِبِلِ وَلِهَذَا» ) أَيْ: لِلْأَقْرَعِ ( «وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ وَلِهَذَا» ) أَيْ: لِلْأَعْمَى ( «وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ قَالَ» ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (ثُمَّ أَنَّهُ) أَيِ: الْمَلَكَ ( «أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ» ) أَيِ: الَّتِي جَاءَ الْأَبْرَصَ عَلَيْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ (وَهَيْئَتِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْأَبْرَصِ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ حَالَهُ وَيَرْحَمُ عَلَيْهِ بِمَالِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِ حَيْثُ جَاءَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي تَسَبَّبَ فِي جَمَالِهِ وَحُصُولِ كَثْرَةِ مَالِهِ (فَقَالَ) أَيْ: لَهُ (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) أَيْ: أَنَا (قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ) أَيِ: الْأَسْبَابُ (فِي سَفَرِي) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُسَاعِدُ التَّعْدِيَةَ، وَالْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ بِالْبَاءِ بِمَعْنَى مِنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمُلَابَسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وَالْحِبَالُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ الْحَبْلِ وَهُوَ الْعَهْدُ وَالزَّمَانُ وَالْوَسِيلَةُ وَكُلُّ مَا تَرْجُو فِيهِ خَيْرًا أَوْ فَرَجًا أَوْ تَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا وَالْحَبْلُ هَاهُنَا السَّبَبُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: انْقَطَعَتْ بِيَ الْأَسْبَابُ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَيِ: الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ " الْحِيَالُ " بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ حِيلَةٍ أَيْ: لَمْ تَبْقَ لِيَ حِيلَةٌ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ " الْجِبَالُ " بِالْجِيمِ وَهُوَ جَمْعُ جَبَلٍ أَيْ: طَالَ سَفَرِي وَقَعَدْتُ عَنْ بُلُوغِ حَاجَتِي (فَلَا بَلَاغَ) أَيْ: كِفَايَةً (لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: إِيجَادًا وَإِمْدَادًا (ثُمَّ بِكَ) أَيْ: سَبَبًا وَإِسْعَادًا وَفِيهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ مَا لَا يَخْفَى حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَبِكَ، وَثُمَّ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ وَالتَّنَزُّلِ فِي الْمَرْتَبَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ إِخْبَارًا بَلْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] اهـ. وَكَقَوْلِهِمْ:
стр. 2704
" ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] " الْآيَةَ (أَسْأَلُكَ) أَيْ: مُقْسِمًا عَلَيْكَ أَوْ مُتَوَسِّلًا إِلَيْكَ ( «بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ» ) أَيِ: الْإِبِلَ (بَعِيرًا) مَفْعُولُ أَسْأَلُكَ أَيْ: أَطْلُبُ مِنْكَ بَعِيرًا ( «أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي» ) أَيْ إِلَى مَقْصُودِي أَوْ وَطَنِي ( «فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ» ) أَيْ: حُقُوقُ الْمَالِ كَثِيرَةٌ عَلَيَّ وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَدَائِهَا أَوْ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَحْصُلْ لَكَ الْبَعِيرُ، وَقَدْ أَرَادَ بِهِ دَفْعَهُ وَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ فِيهِ (فَقَالَ: إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَأَنِّي أَعْرِفُكَ) وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ الْمُغَالَطَةُ لِتَمَكُّنِهِ الْمُكَابَرَةَ ( «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ» ؟) أَيْ: قَدْ كُنْتَ أَبْرَصَ (يَقْذَرُكَ النَّاسُ) بِفَتْحِ الذَّالِ أَيْ: يَكْرَهُونَكَ وَيَسْتَقْذِرُونَكَ وَهُوَ حَالٌ كَقَوْلِهِ (فَقِيرًا) أَوْ هَذَا خَبَرٌ ثَانٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ (فَأَعْطَاكَ اللَّهُ) أَيْ: مَالًا أَوْ جَمَالًا وَمَالًا ( «فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا» ) حَالٌ (عَنْ كَابِرٍ) أَيْ: كَبِيرًا أَخْذًا عَنْ كَبِيرٍ أَوْ كَبِيرًا بَعْدَ كَبِيرٍ وَالْمَعْنَى حَالَ كَوْنِي أَكْبَرَ قَوْمِي سِنًّا وَرِيَاسَةً وَنَسَبًا وَأَخْذًا عَنْ آبَائِيَ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ حَسَبًا، وَنِعْمَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: -
كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَعْرَ يَوْمًا إِذَا اكْتَسَى ... وَلَمْ يَكُ صُعْلُوكًا إِذَا مَا تَمَوَّلَا
وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْجَوَابِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عُرْفًا مِنَ التَّكْذِيبِ فِي شَيْءٍ تَكْذِيبَهُ فِي آخَرَ (فَقَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ ( «لَهُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا» ) أَوْرَدَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرَ (إِنْ) دُونَ (إِذَا) مَعَ أَنَّ كَذِبَهُ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الْمَلَكِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وَتَصْوِيرِ أَنَّ الْكَذِبَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ اهـ. وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ " إِذَا كَذَبْتَ " إِلَى قَوْلِهِ " إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا " بِصِيغَةِ الْمَاضِيِ وَبِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِالْكَذِبِ غَالِبًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذَا كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ( «فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ» ) مِنَ الْبَرَصِ وَالْفَاقَةِ أَيْ: جَعَلَكَ حَقِيرًا فَقِيرًا ( «قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ» ) لَمْ يَقُلْ هُنَا وَهَيْئَتِهِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً ( «فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا» ) أَيْ: لِهَذَاكَ ( «وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ» ) قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ دَخَلَ الْفَاءُ فِي الْجَزَاءِ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ قُلْتُ هُوَ دُعَاءٌ اهـ. أَيْ: هَذَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ فَلِذَا جَازَ دُخُولُ الْفَاءِ وَإِنْ جُعِلَ خَبَرًا يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَقَدْ صَيَّرَكَ اللَّهُ ( «قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ» ) أَيْ: مُسَافِرٌ ( «انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ» ) اعْتِرَافًا وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ ( «قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ» ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: لَا أَسْتَفْرِغُ طَاقَتِي (الْيَوْمَ بِشَيْءٍ) أَيْ: بِمَنْعِ شَيْءٍ (أَخَذْتَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى -) كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ لَا أَشُقَّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ مِنْ مَالِي كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ( «قَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ» ) أَيْ: أَنْتَ وَرَفِيقَاكَ وَالْمَعْنَى اخْتُبِرْتُمْ، هَلْ تَذْكُرُونَ سُوءَ حَالَتِكُمْ وَشِدَّةَ خِدْمَتِكُمْ أَوَّلًا وَتَشْكُرُونَ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ آخِرًا؟ ( «فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2705
١٨٧٩ - «وَعَنْ أُمِّ مُجَيْدٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمِسْكِينَ لِيَقِفُ عَلَى بَابِي حَتَّى أَسْتَحْيِيَ فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ادْفَعِي فِي يَدِهِ وَلَوْ ظِلْفًا مُحْرَقًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
١٨٧٩ - (وَعَنْ أُمِّ مُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُهَا حَوَّاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ (قَالَتْ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمِسْكِينَ» ) أَيْ: جِنْسَهُ وَيُحْتَمَلُ الْعَهْدُ (لَيَقِفُ عَلَى بَابِي) أَيْ: وَيَسْأَلُ شَيْئًا مِنِّي وَيُكَرِّرُ سُؤَالَهُ عَنِّي (حَتَّى أَسْتَحْيِيَ) وَلِأَجْلِ أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى بَابٍ يَفْتَحُ بَابَ الْحَيَاءِ وَبِسَيْفِ الْحَيَاءِ يُحْرَمُ أَخْذَ الْعَطَاءِ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنَ الْفُقَرَاءِ يَسْأَلُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَقُولُ: يَا فَتَّاحُ يَا رَزَّاقُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْبَابِ ( «فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ» ) أَيْ: شَيْئًا أَضَعُ (فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ادْفَعِي فِي يَدِهِ) أَيْ: لَا تَرُدِّيهِ خَائِبًا (وَلَوْ ظِلْفًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ مَا يُدْفَعُ بِهِ ظِلْفًا وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ، وَشِبْهَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِدَمِ مِنًّا يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا، وَقَوْلُهُ (مُحْرَقًا) مُبَالَغَةً (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
стр. 2706
١٨٨٠ - «وَعَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانَ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بُضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اللَّحْمُ فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعِيهِ فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " يَا أَمَّ سَلَمَةَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ أَطْعَمُهُ " فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكِ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكَوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَةً لِمَا لَمْ تُعْطُوهُ السَّائِلَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» .
ــ
١٨٨٠ - (وَعَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بُضْعَةٌ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ: قِطْعَةٌ (مِنْ لَحْمٍ) وَهِيَ مَطْبُوخَةٌ ( «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اللَّحْمُ» ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ (فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ) وَهُوَ وَاحِدُ الْخَدَمِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِجَرْيِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَهُوَ هُنَا أُنْثَى لِقَوْلِهِ (ضَعِيهِ) أَيِ: اللَّحْمَ ( «فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ» ) أَيِ: الْخَادِمُ (فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُضَمُّ أَيْ: فِي ثُقْبِهِ وَطَاقِهِ ( «وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ» ) أَيِ: السَّائِلُ (تَصَدَّقُوا) أَيْ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ ( «بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ» ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسُّؤَالِ بِلَفْظِ الدُّعَاءِ مِنَ السَّائِلِ وَالتَّعْرِيضُ بِهِمَا مِنَ الْمَسْئُولِ ( «فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَمَّ سَلَمَةَ هَلْ عِنْدَكُمْ» ) فِيهِ تَعْظِيمٌ أَوْ تَغْلِيبٌ أَوِ الْتِفَاتٌ وَالِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَعِنْدَكُمْ (شَيْءٌ أَطْعَمُهُ؟) أَيْ: آكُلُهُ ( «فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي» ) أَيْ: فَهَاتِي (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكِ اللَّحْمِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُفْتَحُ ( «فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكَوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ» ) بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَقْدَحُ مِنْهُ النَّارُ ( «فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنَّ ذَلِكِ اللَّحْمَ» ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا (عَادَ) أَيْ: صَارَ (مَرْوَةً لِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (لَمْ تُعْطُوهُ) أَيْ: مِنْهُ (السَّائِلَ) (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
стр. 2707
١٨٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ " قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: " الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا» ") أَيْ: مَرْتَبَةً عِنْدَ اللَّهِ (قِيلَ: نَعَمْ) أَيْ: قَالُوا: بَلَى " قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ» " عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ " وَلَا يُعْطِي " بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ " بِهِ " أَيْ: بِاللَّهِ أَوْ بِهَذَا السُّؤَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ كَالْبَاءِ فِي كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ أَيْ: يُسْأَلُ بِوَاسِطَةِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ لِلْقَسَمِ وَالِاسْتِعْطَافِ أَيْ: بِقَوْلِ السَّائِلِ أَعْطَوْنِي شَيْئًا بِحَقِّ اللَّهِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُتَّهَمًا بِحَقِّ اللَّهِ وَيُظَنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُقْسِمًا عَلَيْهِ بِاللَّهِ اسْتِعْطَافًا إِلَيْهِ وَحَمْلًا لَهُ عَلَى الْإِعْطَاءِ، بِأَنْ يُقَالَ لَهُ بِحَقِّ اللَّهِ أَعْطِنِي كَذَا لِلَّهِ وَلَا يُعْطِي مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا، أَيْ: وَالصُّورَةُ أَنَّهُ مَعَ قُدْرَةِ عِلْمِ اضْطِرَارِ السَّائِلِ إِلَى مَا سَأَلَهُ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ: إِنَّ رَدَّ السَّائِلِ بِوَجْهِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فَيُقَدَّرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2708
١٨٨٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ» " أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُثْمَانُ أَسَمِعْتَهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٨٢ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ) أَيْ: لِلدُّخُولِ (فَأَذِنَ لَهُ وَبِيَدِهِ عَصَاهُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالضَّمِيرُ لِأَبِي ذَرٍّ (فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ) أَيْ: كَعْبُ الْأَحْبَارِ (إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنَ عَوْفٍ (تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا) أَيْ: كَثِيرًا بِحَيْثُ جَاءَ رُبُعُ ثَمَنِهِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ (فَمَا تَرَى فِيهِ؟) أَيْ: فَمَا تَقُولُ فِي حَقِّ الْمَالِ أَوْ صَاحِبِهِ؟ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى هَلْ تَضُرُّ كَثْرَةُ مَالِهِ فِي نَقْصِ كَمَالِهِ؟ (فَقَالَ) أَيْ: كَعْبٌ (إِنْ كَانَ) شَرْطِيَّةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً (يَصِلُ فِيهِ) أَيْ: مَالِهِ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ فِيهَا فَقَالَ: أَيْ: فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَرَكَهَا (حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ لَهُ (فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ) أَيْ: بِهَا (كَعْبًا) ضَرْبَ تَأْدِيبٍ حَمْلًا عَلَى التَّهْذِيبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَضْرِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَنْزٍ بَعْدَ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ مِنْهُ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ نَفَى الْبَأْسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ: بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَقَامَ الْأَعْلَى هُوَ صَرْفُ الْمَالِ فِي مَرْضَاةِ الْمَوْلَى كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ كَعْبًا أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الرُّخْصَةِ دُونَ الْعَزِيمَةِ، وَمَعَ هَذَا لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْإِهَانَةِ لَا سِيَّمَا فِي حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ، وَلَعَلَّ أَبَا ذَرٍّ غَلَتْ عَلَيْهِ الْجَذْبَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الضَّرْبَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِلَا بَأْسٍ نَفْيَ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَلَعَلَّ هَذَا الْفِعْلَ وَأَمْثَالَهُ مِمَّا صَدَرَ عَنْهُ فِي جَذْبِهِ حَالَةَ أَمْرِ عُثْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى رَبْزَةَ حَتَّى تُوفِيَ بِهَا ﵄ (وَقَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي هَذَا الْجَبَلَ» ") لَعَلَّهُ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ أَرَادَ الْجِنْسَ " ذَهَبًا أُنْفِقُهُ " حَالٌ " «وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ» " مَفْعُولُ أُحِبُّ عَلَى حَذْفِ أَنْ وَرَفْعِ الْفِعْلِ؛ قَالَهُ الطِّيبِيُّ أَيْ: أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ " خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَحَذْفُهَا، وَلَعَلَّهُ: أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا الْمِقْدَارِ لِلتَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ أَوْ لِدَيْنٍ غَائِبٍ " أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ " أَيْ: أُقْسِمُ بِهِ عَلَيْكَ (يَا عُثْمَانُ أَسَمِعْتَهُ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظَرْفٌ لِأَنْشُدُكَ أَوْ لِأَسَمِعْتَهُ (قَالَ: نَعَمْ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ قَائِلًا بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ، عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَأَدِلَّةُ الْأَوَّلِينَ أَظْهَرُ وَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَكَانَ قِيَاسُ دَأْبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِقَوْلِهِ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
стр. 2709
١٨٨٣ - «وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قَالَ: " ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: " «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ» ".
ــ
١٨٨٣ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ» ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا (إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ ( «فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ» ) أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِسْرَاعِهِ (فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ وَاطَّلَعَ عَلَى مَا لَدَيْهِمْ ( «فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ» ) يَعْنِي وَفَزِعُوا مِنْ حَالَتِهِ " قَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي» ) أَيْ: يَمْنَعَنِي تَأْخِيرُ قِسْمَتِهِ عَنْ مَقَامِ الزُّلْفَى وَيُلْهِيَنِي عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَوْلَى كَمَا فِي حَدِيثِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ " فَأَمَرْتُ " أَيْ: أَهْلَ الْبَيْتِ " بِقِسْمَتِهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: كُنْتُ خَلَّفْتُ " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: تَرَكْتُ خَلْفِي " فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: أَتْرُكَهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ.
стр. 2710
١٨٨٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي فِي مَرَضِي سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُفَرِّقَهَا، فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، فَدَعَا بِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: " مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وَهَذِهِ عِنْدَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٨٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي فِي مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ» ) بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ ( «فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُفَرِّقَهَا» ) بِالتَّشْدِيدِ ( «فَشَغَلَنِي وَجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) أَيْ: عَنْ تَفْرِيقِهَا (ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا) أَيْ: قَائِلًا " «مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ» " بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ كَانَ " فَعَلْتِ " عَلَى خِطَابِ عَائِشَةَ اهـ. وَالتَّقْدِيرُ مَا فَعَلْتِ بِالسِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ؟ يَعْنِي هَلْ فَرَّقْتِهَا أَوْ مَا فَرَّقْتِهَا (قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ) أَيْ: مَا فَرَّقْتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَسَمِ تَحْقِيقُ التَّقْصِيرِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِقَبُولِ الْعُذْرِ ( «لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ» ) أَيْ: عَنْ تَفْرِيقِهَا " فَدَعَا بِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ فَقَالَ: «مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ» " وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ " لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وَهَذِهِ " أَيِ: الدَّنَانِيرُ " عِنْدَهُ " أَيْ: ثَابِتَةٌ وَبَاقِيَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَذِهِ مُنَافِيَةٌ لِحَالِ النُّبُوَّةِ اهـ. يَعْنِي لِكَمَالِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2711
١٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا بِلَالُ؟ " قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فَقَالَ: " أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ غَدًا بُخَارًا فِي جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ أَنْفِقْ بِلَالُ وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ".
ــ
١٨٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ» ) بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: كَوْمَةٌ ( «مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ مَا هَذَا» ) أَيِ: التَّمْرُ " يَا بِلَالُ؟ قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ " أَيْ: لِحَاجَتِي فِي مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الزَّمَانِ: " فَقَالَ: «أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ» " أَيْ: لِهَذَا الشَّيْءِ أَوِ التَّمْرِ غَدًا أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ " «بُخَارًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ» " أَيْ: أَثَرًا يَصِلُ إِلَيْكَ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ مِنْهَا " يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أَيْ: جَمِيعُ زَمَانِهَا أَوْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِغَدٍ " أَنْفِقْ بِلَالُ " أَيْ: يَا بِلَالُ " وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا " أَيْ: فَقْرًا وَاعِدًا مَا، وَهَذَا أَمْرٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَامِ الْكَمَالِ وَإِلَّا فَقَدْ جَوَّزَ ادِّخَارَ الْمَالِ سَنَةً لِلْعِيَالِ وَكَذَا لِضُعَفَاءِ الْأَحْوَالِ، قِيلَ: وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ ذِي الْعَرْشِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَيْ: أَتَخْشَى أَنْ يُضَيِّعَ مِثْلَكَ مَنْ هُوَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ؟ اهـ. أَوْ ذُو الْعَرْشِ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أَيْ: أَتَخَافُ أَنْ يُخَيِّبَ أَمَلَكَ وَيُقَلِّلَ رِزْقَكَ مَنْ رَحْمَتُهُ عَمَّتْ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَالطُّيُورَ وَالدَّوَابَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مُرَاعَاةُ السَّجْعِ أَنْ يُوقَفَ عَلَى إِقْلَالًا بِالْإِسْكَانِ أَوْ يُقَالَ يَا بِلَالًا لِلِازْدِوَاجِ كَمَا قِيلَ الْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، أَقُولُ: هَذَا مِنَ التَّكَلُّفِ فِي السَّجْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ.
стр. 2712
١٨٨٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشُّحُّ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» " رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
١٨٨٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ» ) أَيْ: كَشَجَرَةٍ (فِي الْجَنَّةِ) لَعَلَّ شَبَهَهُ بِهَا فِي عَظَمَتِهَا وَكَوْنِهَا ذَاتَ أَغْصَانٍ وَشُعَبٍ كَثِيرَةٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ السَّخَاءِ مُصَوَّرَةً شَجَرَةً فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: جِنْسُ الشَّجَرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ نَوْعَانِ مُتَعَارَفٌ وَهِيَ شَجَرَةُ السَّخَاءِ الثَّابِتِ أَصْلُهَا فِي الْجَنَّةِ وَفَرْعُهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ أَخَذَ بَغُضْنٍ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْصَلَهُ إِلَى أَصْلِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " «فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا» " أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ فِي الدُّنْيَا " «أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا» " أَيْ: بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ السَّخَاءِ " «فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ» " أَيْ: وَلَوْ آخِرَ الْأَمْرِ ( «حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشُّحُّ» ) أَيِ: الْبُخْلُ " «شَجَرَةٌ فِي النَّارِ فَمَنْ كَانَ شَحِيحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» " أَيْ: أَوَّلًا " رَوَاهُمَا " أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ وَالَّذِي قَبْلَهُ " الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
стр. 2713
١٨٨٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَادِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» " رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٨٨٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَادِرُوا ") أَيِ: الْمَوْتَ أَوِ الْمَرَضَ أَوْ غَيْرَكُمْ " بِالصَّدَقَةِ " أَيْ: بِإِعْطَائِهَا لِلْمُسْتَحِقَّةِ " فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا " أَيْ: لَا يَتَجَاوَزُهَا بَلْ يَقِفُ دُونَهَا أَوْ يَرْجِعُ عَنْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالْمُبَادَرَةِ وَهُوَ تَمْثِيلٌ، قِيلَ: جُعِلَتِ الصَّدَقَةُ وَالْبَلَاءُ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ فَأَيُّهُمَا سَبَقَ لَمْ يَلْحَقْهُ الْآخَرُ وَلَمْ يُخَطِّهِ، وَالتَّخَطِّي تَفَعُّلٌ مِنَ الْخَطْوِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَدْفَعُ الصَّدَقَةُ الْبَلَاءَ الْوَاقِعَ وَهُوَ خِلَافُ إِطْلَاقِ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْبَلَاءَ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَقَةَ سِتْرًا وَحِجَابًا بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَصَدِّقِ وَلَا يَتَخَطَّاهَا الْبَلَاءُ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 2714
[بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٨٨٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ)
هِيَ مَا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ صِدْقِ رَغْبَةِ صَاحِبِهَا فِي مَرَاتِبِ الْجَنَّاتِ أَوْ تَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ تَصْدِيقِ صَاحِبِهَا فِي إِظْهَارِ الْإِيمَانِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٨٨٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ» ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِمِثْلِهَا صُورَةً أَوْ قِيمَةً " مِنْ كَسْبٍ " أَيْ: صِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَوْ إِرْثًا وَهِبَةً " طَيِّبٍ " أَيْ: حَلَالٍ " «وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» " جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَلَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَأَنَّ الْحَلَالَ الْمُكْتَسَبَ يَقَعُ بِمَحَلٍّ عَظِيمٍ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْوَلِيُّ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي ﵀ يَحْكِي أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ يَكْتَسِبُ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ وَيُنْفِقُ الثُّلُثَ وَيَصْرِفُ الثُّلُثَ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَجَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ: يَا شَيْخُ أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ فَدُلَّنِي عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَقَالَ: حَصِّلِ الْمَالَ مِنَ الْحَلَالِ ثُمَّ أَنْفِقْ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي يَدِ الْمُسْتَحِقِّ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْغَنِيُّ فَقَالَ: اخْرُجْ فَإِذَا لَقِيتَ أَحَدًا حَنَّ عَلَيْهِ قَلْبُكَ فَأَعْطِهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَيْخًا كَبِيرًا أَعْمَى فَقِيرًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ فَسَمِعَ أَنَّ الْأَعْمَى يَحْكِي إِلَى مَنْ بِجَنْبِهِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى شَخْصٍ بِالْأَمْسِ فَأَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا، فَانْبَسَطْتُ وَصَرَفْتُ الْبَارِحَةَ فِي الشُّرْبِ مَعَ فُلَانَةَ الْمُغَنِّيَةِ، فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ وَحَكَى لَهُ بِالْوَاقِعَةِ فَأَعْطَاهُ الشَّيْخُ مِنْ دَرَاهِمِ كَسْبِهِ دِرْهَمًا وَقَالَ لَهُ: إِذَا خَرَجْتَ مِنَ الْبَيْتِ فَأَوَّلُ مَنْ يَقَعُ نَظَرُكَ عَلَيْهِ فَادْفَعِ الدِّرْهَمَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَخْصًا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ يَظْهَرُ مِنْهُ آثَارُ الْغِنَى فَخَافَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِأَمْرِ الشَّيْخِ عَرَضَ عَلَيْهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِهِ وَتَبِعَهُ الْغَنِيُّ إِلَى أَنْ رَآهُ دَخَلَ فِي خَرَابَةٍ وَخَرَجَ مِنْ بَابٍ آخَرَ وَرَجَعَ إِلَى الْبَلَدِ فَدَخَلَ وَرَاءَهُ فِي تِلْكَ الْخَرَابَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا إِلَّا حَمَامَةً مَيِّتَةً فَتَبِعَهُ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْحَالِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ أَوْلَادًا صِغَارًا وَكَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَجَاعَةِ فَحَصَلَ لَهُ اضْطِرَابٌ، فَخَرَجَ دَائِرًا فَرَأَى الْحَمَامَةَ فَأَخَذَ بِهَا لَهُمْ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْفُتُوحِ رَدَّ الْحَمَامَةَ إِلَى مَكَانِهَا فَعَرَفَ تَحْقِيقَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ، " «فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهُ بِيَمِينِهِ» " يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْقَبُولِ وَوُقُوعِ الصَّدَقَةِ مِنْهُ مَوْقِعَ الرِّضَا عَلَى أَكْمَلِ الْحُصُولِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَرْضِيَّ يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ فِي الْعَادَةِ " «ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا» " التَّرْبِيَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الزِّيَادَةِ أَيْ: يُزِيدُهَا وَيُعَظِّمُهَا حَتَّى تَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ " «كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ» " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيُضَمُّ وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيِ: الْمُهْرُ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ لُغَةٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الْفِلُوُّ بِالْكَسْرِ وَكَعَدُوٍّ وَسُمُوٍّ الْجَحْشُ وَالْمُهْرُ إِذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ " حَتَّى تَكُونَ " بِالتَّأْنِيثِ أَيِ: الصَّدَقَةُ أَوْ ثَوَابُهَا أَوْ تِلْكَ التَّمْرَةُ " مِثْلَ
стр. 2715
الْجَبَلِ " أَيْ: فِي الثِّقَلِ، قِيلَ: هَذَا تَمْثِيلٌ لِزِيَادَةِ التَّفْهِيمِ وَخَصَّهُ بِالْفَلُوِّ ; لِأَنَّ زِيَادَتَهُ بَيِّنَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فَالْمُرَادُ بِالرِّبَا جَمِيعُ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالصَّدَقَاتُ تُقَيَّدُ بِالْحَلَالَاتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ» ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِهِ وَسَعَةِ كَرَمِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ اسْتُعْمِلَتِ الْيَمِينُ فِي مِثْلِ هَذَا، أَقُولُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ السَّلَفِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِحَقِيقَةِ الْحَالَاتِ مَعَ اعْتِقَادِنَا التَّنْزِيهَ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّشْبِيهِ.
стр. 2716
١٨٨٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٨٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ» ") مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: " مِنْ مَالٍ " زَائِدَةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مَالًا أَوْ بَعْضَ مَالٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ مَالٍ بَلْ تَزِيدُ أَضْعَافَ مَا يُعْطَى مِنْهُ بِأَنْ يَنْجَبِرَ بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّةِ أَوْ بِالْعَطِيَّةِ الْجَلِيَّةِ أَوْ بِالْمَثُوبَةِ الْعَلِيَّةِ، " «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ» " أَيْ: بِسَبَبِ عَفْوِهِ عَنْ شَيْءٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ " إِلَّا عِزًّا " قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّهُ إِذَا عُرِفَ بِالْعَفْوِ سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوبِ وَزَادَ عِزُّهُ، أَوِ الْمُرَادُ عِزُّ الثَّوَابِ وَكَذَا الْمُرَادُ مِنَ الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ " «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ» " بِأَنْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ عَنْ مَرْتَبَةٍ يَسْتَحِقُّهَا لِرَجَاءِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ دُونَ غَرَضٍ غَيْرِهِ " «إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» " إِمَّا رَفَعَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا رَفَعَهُ فِي الْأُخْرَى، قُلْتُ: وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2717
١٨٩٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ» ") أَيْ: شَفْعًا مِنْ جِنْسٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَعَلَى الْوَاحِدِ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ زَوْجٌ مِنْ آخَرَ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا اهـ. فَالْمُرَادُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الِاثْنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا الصِّنْفَانِ كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ حَجَرٍ، فَتَدَبَّرْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَدِرْهَمَيْنِ أَوْ دِينَارَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ مِنَ الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَسُئِلَ أَبُو ذَرٍّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَا الزَّوْجَانِ؟ قَالَ: فَرَسَانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ بَعِيرَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّكْرِيرُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَشْفَعُ صَدَقَتَهُ بِأُخْرَى اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا صَدَقَتَانِ إِحْدَاهُمَا سِرٌّ وَالْأُخْرَى عَلَانِيَةٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] وَقِيلَ أَيْ: صَلَاتَيْنِ أَوْ صَوْمَيْنِ حَمْلًا لِلْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ النَّافِلَةَ لِلْفُقَرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ لِلْأَغْنِيَاءِ (مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ) أَيِ: الزَّوْجَانِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِصِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ وَنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي مَرْضَاتِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ.
وَقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالْجِهَادِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ يَعْنِي وَأَعَمَّ وَأَتَمَّ وَأَشْهَرَ فَتَدَبَّرْ " «دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» " أَيْ: دَعَتْهُ الْخَزَنَةُ مِنْ جَمِيعِ أَبَوَابِهَا، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا يُوَازِي الْأَعْمَالَ يَسْتَحِقُّ بِهَا الدُّخُولَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ عَلَى أَجْمَلِ الْأَحْوَالِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنْ أَحَدِ أَبَوَابِهَا لِمَا سَيَجِيءُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَهَا بَابٌ، وَيُقَوِّيهِ سُؤَالُ الصِّدِّيقِ " «وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ» " أَيْ: ثَمَانِيَةٌ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا وَفِيهِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا وَهُوَ أَنَّ كُلَّ بَابٍ مِنْهَا يُسَمَّى بِبَابِ عِبَادَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الطَّاعَةِ يَدْخُلُ مِنْهَا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْعِبَادَةُ وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا، كُلُّهَا بِوَصْفِ الزِّيَادَةِ، دُعِيَ مِنْ جَمِيعِ الْأَبْوَابِ الْوَارِدَةِ تَكْرِيمًا لِأَرْبَابِ الْوِفَادَةِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ " «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَوَاتِ» " أَيْ: مِمَّنْ يُكْثِرُ النَّفْلَ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا " «دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ» " أَيْ: أَوَّلًا وَهُوَ أَفْضَلُ
стр. 2718
الْأَبْوَابِ يَعْنِي: قِيلَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ادْخُلِ الْجَنَّةَ مِنْ هَذَا الْبَابِ " «وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ» " أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ " «دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» " أَيْ: مِنْ بَابِ الصِّيَامِ الْمُسَمَّى بَابَ الرَّيَّانِ ضِدَّ الْعَطْشَانِ، قِيلَ: وَهُوَ بَابٌ يَسْقِي الصِّيَامُ فِيهِ شَرَابًا طَهُورًا قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِيَزُولَ عَطَشُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ كَانَ اسْمًا لِلْبَابِ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا فَهُوَ مِنَ الرُّوَاءِ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَرْوِي يُقَالُ: رَوَى يَرْوِي فَهُوَ رَيَّانٌ أَيِ: الصَّائِمُ بِتَعَطُّشِهِ فِي الدُّنْيَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ لِيَأْمَنَ الْعَطَشَ اهـ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدَاوِمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ» " ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ.
وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بَابُ التَّوْبَةِ وَبَابُ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَبَابُ الرَّاضِينَ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ الْأَيْمَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَلَعَلَّهُ الثَّامِنُ " «فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ» " مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ وَهِيَ اسْمُ مَا، أَيْ: لَيْسَ ضَرُورَةٌ وَاحْتِيَاجٌ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ إِنْ لَمْ يُدْعَ مِنْ سَائِرِهَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَهَذَا نَوْعُ تَمْهِيدِ قَاعِدَةِ السُّؤَالِ فِي قَوْلِهِ " «فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا» " أَيْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِي بِأَنْ لَا ضَرُورَةَ وَلَا احْتِيَاجَ لِمَنْ يُدْعَى مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ إِلَى الدُّعَاءِ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَابِ إِذْ يَحْصُلُ مُرَادُهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ " قَالَ: نَعَمْ " أَيْ: يَكُونُ جَمَاعَةٌ يُدْعَوْنَ مِنْ جَمِيعِ الْأَبْوَابِ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا لَهُمْ ; لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِمْ وَجِهَادِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ " «وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» " لِأَنَّهُ ﵁ كَانَ جَامِعًا لِهَذِهِ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى» بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْقَصْرِ أَيْ: لَا ضَيَاعَ وَلَا هَلَاكَ وَلَا خَسَارَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ «دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ» ، أَيْ: لَكَ، عَلَى زَعْمِهِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ إِظْهَارُ تَعْظِيمِهِ وَتَفْخِيمِهِ.
стр. 2719
١٨٩١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: " فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جِنَازَةً؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: " فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: " فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٩١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا» ") مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَأَصْبَحَ بِمَعْنَى صَارَ وَخَبَرُهُ صَائِمًا أَوْ بِمَعْنَى دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ فَتَكُونُ تَامَّةً وَصَائِمًا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا " يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ وَأَمَّا وَقْفُهُ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ فَلَحْنٌ عَامِّيٌّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ أَنَا هُنَا لِلتَّعْيِينِ فِي الْإِخْبَارِ لَا لِلِاعْتِدَادِ بِنَفْسِهِ كَمَا يُذْكَرُ فِي مَقَامِ الْمُفَاخَرَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَرِهَهُ الصُّوفِيَّةُ، وَقَدْ وَرَدَ " ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] "، " ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا رَدُّهُ ﵊ عَلَى جَابِرٍ حَيْثُ أَجَابَ بَعْدَ دَقِّ الْبَابِ بِأَنَا قَائِلًا: أَنَا، فَلِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِي مَقَامِ الْإِخْبَارِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ أَنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَإِنَّمَا هُوَ يُذَمُّ بِاعْتِبَارِ إِخْبَارِهِ مِمَّا يَفْتَخِرُ بِهِ كَقَوْلِ إِبْلِيسَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ أَنَا الْعَالِمُ وَأَنَا الزَّاهِدُ وَأَنَا الْعَابِدُ، بِخِلَافِ أَنَا الْفَقِيرُ الْحَقِيرُ الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ " قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جِنَازَةً» ؟ " أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا» ؟ " قَالَ " أَبُو بَكْرٍ أَنَا) فِيهِ جَوَازُ قَوْلِ أَنَا كَآيَةِ " ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] " وَحَدِيثِ " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» " فَفِيهِ رَدٌّ لِكَرَاهَةِ طَائِفَةٍ هَذَا الْقَوْلَ لَكِنَّ إِنَّمَا مَحَلُّهَا إِذَا صَدَرَ عَنْ إِثْبَاتِ النَّفْسِ وَرُعُونَتِهَا وَتَوَهُّمِ كَمَالِ ذَاتِهَا وَحَقِيقَتِهَا كَمَا صَدَرَ عَنْ إِبْلِيسَ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] .
وَأَمَّا «حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: " مَنْ ذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: " أَنَا أَنَا " كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» ، فَسَبَبُ كَرَاهَتِهِ لَهَا الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ الْمُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ تَعْرِيفِهِ نَفْسَهُ، ثُمَّ لَوْ عَرَفَهُ بِصَوْتِهِ لَمَا اسْتَفْهَمَهُ فَسَقَطَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ
стр. 2720
السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ هُنَا مِنْ أَصْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ: " «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا اجْتَمَعْنَ» ") أَيْ: هَذِهِ الْخِصَالُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ؛ وَكَأَنَّ التَّرْتِيبَ أَخَذَهُ مِنَ الْفَاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ التَّعْقِيبِ عَلَى السُّؤَالِ كَمَا ذَكَرُوا فِي ثُمَّ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّرَاخِي فِي السُّؤَالِ أَوِ التَّقْدِيرُ إِذَا ذَكَرْتُمْ هَذَا فَمَنْ فَعَلَ هَذَا؛ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ مَا وُجِدَتْ وَحُصِّلَتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ " فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " أَيْ: بِلَا مُحَاسَبَةٍ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْإِيمَانِ يَكْفِي لِمُطْلَقِ الدُّخُولِ أَوْ مَعْنَاهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2721
١٨٩٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ» ") قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي إِعْرَابِهِ وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسَلَّمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَيُقَدَّرُ عِنْدَ الْبَصْرِيَّةِ مَوْصُوفٌ أَيْ: نِسَاءُ الطَّوَائِفِ الْمُسَلَّمَاتِ، وَالثَّانِي: ضَمُّ النِّسَاءِ عَلَى النِّدَاءِ وَرَفْعُ الْمُسَلِّمَاتِ عَلَى لَفْظِهِ، وَالثَّالِثُ: نَصْبُهُ عَلَى مَحَلِّهِ " لَا تَحْقِرَنَّ " بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَبِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ أَيْ: لَا تَسْتَحْقِرْ إِهْدَاءَ شَيْءٍ أَوْ تَصَدُّقَهُ " جَارَةٌ " أَيْ: فَقِيرَةٌ أَوْ غَنِيَّةٌ مِنْكُنَّ أَوْ مِنْ غَيْرِكُنَّ وَهِيَ مُؤَنَّثُ الْجَارِ، وَقِيلَ: جَارَةُ الْمَرْأَةِ مَرْأَةُ زَوْجِهَا " لِجَارَتِهَا " أَيْ: لِأَجْلِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَكَابِرِ " «وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» " بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ أَيْ: وَلَوْ أَنْ تُهْدِيَ أَوْ تَصَدَّقَ فِرْسِنَ شَاةٍ وَهُوَ لَحْمٌ بَيْنَ ظِلْفَيِ الشَّاةِ وَأُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ أَيْ: وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا وَأَمْرًا حَقِيرًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَلِأَمْرِهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ بِقَوْلِهِ ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وَالْمَعْنَى لَا تَمْتَنِعْ إِحْدَاكُنَّ مِنَ الْهَدِيَّةِ أَوِ الصَّدَقَةِ لِجَارَتِهَا احْتِقَارًا لِلْمَوْجُودِ عِنْدَهَا وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِمَنْ أَهْدَى إِلَيْهِنَّ، فَالْمَعْنَى لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ هَدِيَّةَ جَارَتِهَا بَلْ تَقْبَلُهَا وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْهَدِيَّةِ وَاسْتِجْلَابِ الْقُلُوبِ بِالْعَطِيَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2722
١٨٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ وَحُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ وَحُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ مَعْرُوفٍ ") أَيْ: مَا عُرِفَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ مِنْ عَطِيَّةِ مَالٍ أَوْ خُلُقٍ حَسَنٍ أَوْ مَا عُرِفَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ " صَدَقَةٌ " أَيْ: ثَوَابُهُ كَثَوَابِ الصَّدَقَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَحُذَيْفَةَ مَعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فَحَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الرِّوَايَتَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 2723
١٨٩٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٩٤ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَحْقِرَنَّ) أَيْ: أَنْتَ " «مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا» " قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ: أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ النَّصَفَةُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ وَتَلَقِّي النَّاسَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ " «وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ» " ضِدُّ الْعُبُوسِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْبَشَاشَةُ وَالسُّرُورُ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَى قَلْبِهِ سُرُورٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيصَالَ السُّرُورِ إِلَى قَلْبِ مُسْلِمٍ حَسَنَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2724
١٨٩٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ " قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: " فَلْيَعْمَلْ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعَ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقَ " قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: " يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ " قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؟ قَالَ: " فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ " قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: " فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ صَدَقَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ") أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ " صَدَقَةٌ " أَيْ: شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ " قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ " أَيْ: مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ " قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِيَدَيْهِ " أَيْ: فَلْيَكْتَسِبْ مَالًا يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ " فَيَنْفَعَ نَفْسَهُ " وَيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ " وَيَتَصَدَّقَ " أَيْ: إِنْ فَضَلَ عَنْ نَفْسِهِ " «قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ» " شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَمَلِ " قَالَ: «فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» " صِفَةُ ذَا أَيِ: الْمُتَحَيِّرَ فِي أَمْرِهِ الْحَزِينَ أَوِ الضَّعِيفَ أَوِ الْمَظْلُومَ الْمُسْتَغِيثَ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَانَةُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْمَالِ أَوْ بِالْجَاهِ أَوْ بِالدَّلَالَةِ أَوِ النَّصِيحَةِ أَوِ الدُّعَاءِ " «قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؟ قَالَ: فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ» " وَهُوَ يَشْمَلُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْإِفَادَةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالنَّصِيحَةَ الْعَمَلِيَّةِ " «قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فَيُمْسِكُ» " أَيْ: نَفْسَهُ أَوِ النَّاسَ " عَنِ الشَّرِّ " بِالِاعْتِزَالِ وَغَيْرِهِ " فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ " أَيْ: فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الشَّرِّ لَهُ تَصَدُّقٌ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ كَانَ لَهُ أَجْرٌ كَالتَّصَدُّقِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2725
١٨٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى» ) وَهُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَهُوَ عَظْمُ الْإِصْبَعِ " مِنَ النَّاسِ " أَيْ: مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ " عَلَيْهِ " أَيْ: عَلَى كُلِّ سُلَامَى، وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ بِعَدَدِ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْ أَعْضَائِهِ " صَدَقَةٌ " أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ عَلَى السُّلَامَى مَجَازًا وَفِي الْحَقِيقَةِ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: سُلَامَى جَمْعُ سُلَامِيَّةٍ وَهِيَ الْأُنْمُلَةُ مِنَ الْأَصَابِعِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْإِنْسَانِ، وَالْمَعْنَى عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْ أَعْضَائِهِ صَدَقَةٌ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى أَنْ جَعَلَ فِي أَعْضَائِهِ مَفَاصِلَ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ، قِيلَ: وَخَصَّ مَفَاصِلَ الْأَصَابِعِ لِأَنَّهَا الْعُمْدَةُ فِي الْأَفْعَالِ قَبْضًا وَبَسْطًا " كُلَّ يَوْمٍ " بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِي كُلِّ يَوْمِ " تَطْلُعُ الشَّمْسُ " صِفَةٌ تَخُصُّ الْيَوْمَ عَنْ مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِمَعْنَى النَّهَارِ " يَعْدِلُ " بِالْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْدِلَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ " بَيْنَ الِاثْنَيْنِ " ظَرْفٌ لَهُ وَالْخَبَرُ " صَدَقَةٌ " أَيْ عَدْلُهُ وَإِصْلَاحُهُ بَيْنَ الْخِصْمَيْنِ وَدَفْعُهُ ظُلْمَ الظَّالِمِ عَنِ الْمَظْلُومِ صَدَقَةٌ " وَيُعِينُ الرَّجُلَ " أَيْ: إِعَانَتُهُ الرَّجُلَ " عَلَى دَابَّتِهِ " أَيْ: دَابَّةِ الرَّجُلِ أَوِ الْمُعَيَّنِ " فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا " أَيْ: نَفْسَهُ أَوْ مَتَاعَهُ " أَوْ يَرْفَعُ " شَكٌّ أَوْ تَنْوِيعٌ " «عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» " أَيْ: مُطْلَقًا أَوْ مَعَ النَّاسِ " «صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ» " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَبِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ " «يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ» " أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الطَّوَافِ وَالْعِيَادَةِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا " «صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى» " أَيْ: يُزِيلُهُ عَنِ الطَّرِيقِ كَالشَّوْكَةِ وَالْعَظْمِ وَالْقَذَرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَذَى النَّفْسِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنِ النَّاسِ " صَدَقَةٌ " أَيْ صَدَقَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2726
١٨٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَةِ.
فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٩٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ» ") بَيَانٌ لِإِفَادَةِ التَّعْمِيمِ " «عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ» " بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ وَيُفْتَحُ مُلْتَقَى الْعَظْمَيْنِ فِي الْبَدَنِ " فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ " أَيْ: عَظَّمَهُ أَوْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ " وَحَمِدَ اللَّهَ " أَيْ: أَثْنَى عَلَيْهِ أَوْ شَكَرَهُ " وَهَلَّلَ اللَّهَ " أَيْ: وَحَّدَهُ أَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَسَبَّحَ اللَّهَ " أَيْ: نَزَّهَهُ عَنْ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ أَوْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ " وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ " أَيْ: بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِاللِّسَانِ " وَعَزَلَ " أَيْ: بَعَّدَ وَنَحَّى " حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكًا أَوْ عَظْمًا " أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَلَعَلَّ فِي تَرْكِ ذِكْرِ نَحْوِ الرَّوْثِ حُسْنَ الْأَدَبِ " أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ " أَيْ: بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْإِنْكَارِ بِالْجَنَانِ " عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ " أَيْ: بِعَدَدِهَا نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَذْكَارِ وَمَا بَعْدَهَا أَوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَعْنِي مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ " وَالثَّلَاثِمِائَةِ " قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أُضِيفَ الثَّلَاثُ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ إِلَى مِائَةٍ وَهِيَ نَكِرَةٌ وَاعْتُذِرَ بِأَنَّ اللَّامَ زَائِدَةٌ فَلَا اعْتِدَادَ بِهَا،
стр. 2727
وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ الْإِضَافَةِ كَمَا فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَ التَّرْكِيبِ لَكَانَ وَجْهًا حَسَنًا اهـ. يَعْنِي فَمَنْ فَعَلَ الْخَيْرَ بِعَدَدِ تِلْكَ الْمَفَاصِلِ جَزَاؤُهُ " فَإِنَّهُ يَمْشِي " بِالْمُعْجَمَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ، قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: وَكَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُمْسِي مِنَ الْإِمْسَاءِ أَوْ مِنَ الْمَشْيِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ " يَوْمَئِذٍ " أَيْ: وَقْتَ إِذْ فَعَلَ ذَلِكَ " وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ " أَيْ: أَبْعَدَهَا وَنَحَّاهَا " عَنِ النَّارِ " وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَرَفْعِ النَّفْسِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2728
١٨٩٨ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ " قَالُوا " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٩٨ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ» ") بِالرَّفْعِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ " صَدَقَةٌ " قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ صَدَقَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى اسْمِ إِنَّ، وَعَلَى النَّصْبِ يَكُونُ كُلُّ تَكْبِيرَةٍ مَجْرُورًا فَيَكُونُ مِنَ الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنَّ الْوَاوَ قَامَتْ مَقَامَ الْبَاءِ اهـ. وَكَذَا قَوْلُهُ " «وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ» " إِلَخْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ صَدَقَةً تَشْبِيهًا لَهَا بِالْمَالِ فِي إِثْبَاتِ الْجَزَاءِ وَعَلَى الْمُشَاكَلَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا صَدَقَةٌ عَلَى نَفْسِهِ " «وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ» " أَسْقَطَ الْمُضَافَ هُنَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ " «وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ» " وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُنْكَرِ " صَدَقَةٌ " أَيْ: صَدَقَةٌ عَلَى صَاحِبِ النَّصِيحَةِ وَإِرَادَةِ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ قَبِلَهَا أَمْ لَا " «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ» " بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الْفَرْجُ أَيْ: فِي مُجَامَعَةِ أَحَدِكُمْ حَلَالَهُ " صَدَقَةٌ " وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْبُضْعُ الْجِمَاعُ وَفِي إِعَادَةِ الظَّرْفِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً ثَابِتَةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى فِي، وَإِنَّ نُزِعَتْ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ، وَإِنَّمَا أُعِيدَتْ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الصَّدَقَةِ أَغْرَبُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِبُضْعِ أَحَدِكُمْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ صَدَقَةً إِذَا نَوَى فِيهِ عَفَافَ نَفْسِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ حُصُولَ وَلَدٍ صَالِحٍ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنَّ الْإِشَارَةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ وَلِعَدَمِ ظُهُورِ هَذَا الْمَعْنَى " قَالُوا " أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ» ) أَيْ: أَيَقْضِيهَا وَيَفْعَلُهَا ( «وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ» ) وَالْأَجْرُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمُبَاحِ (" قَالَ ") : " أَرَأَيْتُمْ " أَيْ: أَخْبِرُونِي " لَوْ وَضَعَهَا " أَيْ: شَهْوَةَ بُضْعِهِ " فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ " أَيْ: فِي الْوَضْعِ " وِزْرٌ؟ " قَالَ الطِّيبِيُّ: أَقْحَمَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ بَيْنَ لَوْ وَجَوَابِهَا تَأْكِيدًا لِلِاسْتِخْبَارِ فِي أَرَأَيْتُمْ " فَكَذَلِكَ " أَيْ: فَعَلَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ " «إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ» " وَعَدَلَ عَنِ الْحَرَامِ مَعَ أَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إِلَيْهِ وَتَسْتَلِذُّ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْحَلَالِ، فَإِنَّ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةً، وَالنَّفْسُ بِالطَّبْعِ إِلَيْهَا أَمْيَلُ وَالشَّيْطَانُ إِلَى مُسَاعَدَتِهَا أَقْبَلُ وَالْمُؤْنَةُ فِيهَا عَادَةً أَقَلُّ " كَانَ لَهُ أَجْرٌ " وَفِي نُسْخَةٍ أَجْرًا بِالنَّصْبِ، فَالْأَجْرُ لَيْسَ فِي نَفْسِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ بَلْ فِي وَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا كَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِفْطَارِ فِي الْعِيدِ وَكَأَكْلِ السَّحُورِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِذَا قِيلَ: الْهَوَى إِذَا صَادَفَ الْهُدَى فَهُوَ كَالزُّبْدَةِ مَعَ الْعَسَلِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] هَذَا مَا سَنَحَ لِي وَخَطَرَ بِبَالِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2729
١٨٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ» ") بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيِ: النَّاقَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالنِّتَاجِ " الصَّفِيُّ " صِفَةُ اللِّقْحَةِ أَيِ: الْغَزِيرَةُ اللَّبَنِ " مِنْحَةً " بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: عَطِيَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَقِيلَ عَلَى الْحَالِ، وَالْمَنْحُ إِعْطَاءُ ذَاتِ لَبَنٍ فَقِيرًا لِيَشْرَبَ مُدَّةً ثُمَّ يَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا إِذَا ذَهَبَ دَرُّهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ ﵊: " «الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ» " قِيلَ: أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ فِي الْعَارِيَّةِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ عَطِيَّةٍ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ " «وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو» " أَيْ: تَذْهَبُ مُلْتَبِسَةً " بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ " أَيْ: يُحْلَبُ مِنْ لَبَنِهَا مِلْءَ إِنَاءٍ وَقْتَ الْغَدْوَةِ وَمِلْءَ إِنَاءٍ آخَرَ وَقْتَ الرَّوَاحِ وَهُوَ الْمَسَاءُ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ مَادِحَةٌ لِمِنْحَةٍ أَوِ اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ
стр. 2730
عَنْ مَنْ سَأَلَ عَنْ سَبَبِ كَوْنِهَا مَمْدُوحَةً، وَلَعَلَّ بَعْضَ أَسْخِيَاءِ الْعَرَبِ كَانُوا يَذُمُّونَ هَذِهِ الْعَطِيَّةَ لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِطَبْعِ الْكِرَامِ عَلَى طَرِيقِ السَّجِيَّةِ فَمَدَحَهَا رَدًّا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَإِنَّ الْقَلِيلَ لَهُ أَجْرٌ جَزِيلٌ وَثَنَاءٌ جَمِيلٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2731
١٩٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٩٠٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ» ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: يَغْرِزُ " غَرْسًا " بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ " أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا " أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ " فَيَأْكُلُ مِنْهُ " أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْمَغْرُوسِ أَوِ الْمَزْرُوعِ " إِنْسَانٌ " وَلَوْ بِالتَّعَدِّي " أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ " أَيْ: وَلَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ " إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ " قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَنَّ كَانَتْ تَامَّةٌ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَأْكُولِ وَأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ.
стр. 2732
١٩٠١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ " «وَمَا سُرِقَ لَهُ صَدَقَةٌ» ".
ــ
١٩٠١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ " «وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ» ") أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ تَصَدُّقِ الْمَسْرُوقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِأَيِّ سَبَبٍ يُؤْكَلُ مَالُ الْمُسْلِمِ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى نُقْصَانِ الْمَالِ فَإِنَّ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
стр. 2733
١٩٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا " بِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: " فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٩٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ» ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ وَفَتْحِهَا أَيِ: الْفَاجِرَةُ مِنَ الْوَمْسِ وَهُوَ الْحِكَاكُ " مَرَّتْ بِكَلْبٍ " أَيْ: عَلَى كَلْبٍ كَائِنٍ " عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ " أَيْ: بِئْرٌ وَقِيلَ: بِئْرٌ لَمْ تُطْوَ " يَلْهَثُ " يُقَالُ: لَهَثَ الْكَلْبُ إِذَا خَرَجَ لِسَانُهُ مِنَ الْعَطَشِ وَالتَّعَبِ " كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ " أَيْ: قَارَبَ أَنْ يُهْلِكَهُ " فَنَزَعَتْ خُفَّهَا " أَيْ: خَلَعَتْهُ " فَأَوْثَقَتْهُ " أَيْ: شَدَّتْهُ " بِخِمَارِهَا " بَدَلًا مِنَ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ " فَنَزَعَتْ " أَيْ: جَذَبَتْ بِهِمَا " لَهُ " أَيْ: لِلْكَلْبِ " مِنَ الْمَاءِ " أَيْ: مَاءِ الْبِئْرِ " فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ " تَأْكِيدٌ لِلْخَبَرِ " قِيلَ: إِنَّ " أَيْ: أَئِنَّ " لَنَا فِي الْبَهَائِمِ " أَيْ: فِي إِحْسَانِهَا " أَجْرًا، قَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ " أَيْ: حَيَوَانٍ " أَجْرٌ " قِيلَ إِنَّ الْكَبِدَ إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ وَكَذَا إِذَا أُلْقِيَتْ عَلَى النَّارِ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، أَيْ: كَبِدٍ يُرَطِّبُهَا السَّقْيُ وَيُصَيِّرُهَا رَطْبَةً، وَقَدْ وَرَدَ: " كَبِدٍ حَرَّى " تَأْنِيثُ حَرَّانَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِي إِطْعَامِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَسَقْيِهِ أَجْرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى غُفْرَانِ الْكَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، قِيلَ: وَفِي الْحَدِيثِ تَمْهِيدُ فَائِدَةِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2734
١٩٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٩٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» ") أَيْ: فِي شَأْنِهَا وَبِسَبَبِهَا وَلِأَجْلِهَا فَفِي تَعْلِيلِيَّةٌ سَبَبِيَّةٌ " أَمْسَكَتْهَا " أَيْ: رَبَطَتْهَا الْمَرْأَةُ وَمَنَعَتْهَا مِنَ الصَّيْدِ " حَتَّى مَاتَتْ " أَيِ: الْهِرَّةُ " مِنَ الْجُوعِ " قِيلَ: هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةٌ وَإِنَّمَا صَارَتْ كَبِيرَةً بِإِصْرَارِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى إِصْرَارِهَا وَيَجُوزُ التَّعْذِيبُ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَمَا فِي الْعَقَائِدِ سَوَاءٌ اجْتَنَبَ مُرْتَكِبُهَا الْكَبِيرَةَ أَمْ لَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبِيرَةُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ
стр. 2735
تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَعَنْهُ أَجْوِبَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ هُنَا مَحَلُّهَا " «فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ» " بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ " «مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا أَيْ: هَوَامِّهَا وَحَشَرَاتِهَا وَفِيهِ تَفْخِيمُ أَمْرِ الذَّنْبِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →